سنتهم به. فالمحرم، هو أول شهر من شهور السنة في حسابهم، ولابتدائهم به، فقد تكون له حرمة خاصة عندهم.
وقد نسب أهل الأخبار شهر رجب إلى مضر، فقالوا: رجب مضر، وقد أشير إلى ذلك في الحديث أيضًا، مما يدل على أن هذا الشهر هو شهر مضر خاصة.
وقد ذكر العلماء أنه إنما عرف بذلك؛ لأنهم كانوا أشد تعظيمًا له من غيرهم، وكأنهم اختصوا به١. وذكروا أيضًا أنهم كانوا يرجبون فيه، فيقدمون الرجبية، وتعرف عندهم بالعتيرة، وهي ذبيحة تنحر في هذا الشهر. ويقال عن أيامه هذه أيام ترجيب وتعتبر٢.
ويذكر علماء الأخبار أن تأكيد الرسول على "رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" في خطبة حجة الوداع، هو أن ربيعة كانت تحرم في رمضان وتسميه رجبًا، فعرف من ثم بـ"رجب ربيعة"، فوصفه بكونه بين جمادى وشعبان تأكيد على أنه غير رجب ربيعة المذكور الذي هو بين شعبان وشوال. وهو رمضان اليوم٣. فرجب إذًا عند الجاهلين رجبان: رجب مضر ورجب ربيعة، وبين الطائفتين اختلاف في مسائل أخرى كذلك.
ومما يؤيد أن شهر "رجب" كان شهر مضر المحرم عندهم بصورة خاصة، ما ورد في أقوال علماء التفسير من أن "الشهر الحرام" الوارد في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ ٤، هو شهر "رجب"،وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال٥. وما ورد في الآية:
стр. 5567
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ١، وإجماع علماء التفسير والأخبار على أنه شهر "رجب"، وأن الآية نزلت في أمر قتل "ابن الحضرمي" في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأول ليلة أو يوم من رجب. وقد كان المسلمون يهابونه ويعظمونه، وكان النبي يحرم القتال في الشهر الحرام، حتى نزلت الآية في حق القتال فيه وفي بقية الشهور. وقد ذهب المفسرون أيضًا إلى أن "الشهر الحرام"، هو كل شهر حرام من هذه الأشهر الأربعة، وأن الآية لا يراد بها التخصيص، وإن ما ذكر من أنه شهر رجب، فلأجل وقوع الحادث المذكور فيه٢.
وعرف "رجب" بـ"متصل الألّ" والألة والألال في الجاهلية. أي: مخرج الأسنة من أماكنها. كانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ونصال السهام إبطالًا للقتال فيه، وقطعًا لأسباب الفتن بحرمته، فلما كان سببًا لذلك سمي به، إعظامًا له، فلا يغزون ولا يغير بعضهم على بعض٣. وعرف أيضًا بـ"منزع الأسنة" للسبب المذكور.
ومن دلائل حرمة شهر "رجب" ومكانته العظيمة عند أهل الجاهلية، تقديمه العتائر فيه والأضاحي التي عرفت عندهم بـ"الرجبية"، ووقوع أكثر المناسبات الدينية فيه. وقد نعت هذا الشهر بـ"الأصم"، فقيل له: "رجب الأصم"، لعدم سماع استغاثة أو قعقعة سلاح فيه٤، لأن العرب كانت لا تقرع فيه الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه، فلا يهيجه، تعظيمًا له٥. وعرف بـ"رجب الفرد" وبـ "الفرد"، لانفراده وحده من بين الأشهر الحرم الأخرى٦.
ويرى "ولهوزن"، استنادًا إلى بعض الموارد اليونانية وغيرها أن العرب كانوا يحرمون شهرًا واحدًا منفردًا، هو "رجب الفرد"، وهو من شهور الربيع، وشهرين آخرين متصلين يقعان في القيظ، أي: في أوج الصيف. أما الشهر الثالث
стр. 5568
الذي ألحق بالشهرين، فصات به ثلاثة أشهر حرم متسلسلة متداخلة، فقد حرم في عهد متأخر لا يبعد كثيرًا عن الإسلام، وهو المحرم١.
ويلاحظ أن الموارد الإسلامية قد وضعت بعض الأحداث المهمة في شهر محرم مثل صوم يوم عاشوراء، ومثل اختيار القدس قبلة للمسلمين، فقد ذكروا أن ذلك كان في اليوم السادس عشر من المحرم، ومثل ذكرهم أن وصول حملة الفيل إلى مكة كان في اليوم السابع عشر منه، وأن ابتداء السنة الهجرية، كان في أول المحرم٢، مع أننا لو دققنا ذلك تدقيقًا عميقًا، وجدنا أن أكثر هذا المروي لم يثبت وقوعه في هذا الشهر.
ونجد في كتب الحديث والأخبار ما يفيد بأن الجاهليين كانوا يعظمون شهري شعبان ورمضان تعظيمًا يكاد يضاهي تعظيمهم للأشهر الحرم. وسبب ذلك في نظري، هو بفعل النسيء في الشهرين، وتلاعبهم بالأشهر وتسميتهم لها تسميات كيفية، ووقوع ذلك التلاعب على الشهرين المذكورين دون بقية الشهور. وقد يكون بسبب أن العرب كانوا يقدسون الشهرين ويحرمونهما أيضًا، وأن قريشًا كانت تحترمهما أيضًا، ومن هنا فضل شعبان ورمضان على بقية الأشهر الثانية مع أنهما من الأشهر الاعتيادية على حسب رواية أهل الأخبار. ولم يدخلوهما في جملة الأشهر الحرم. ونجد للشهرين حرمة كبيرة في الإسلام.
وقد كان عرب العراق وبادية الشام يتجنبون أيضًا مثل عرب الحجاز القتال في أشهر معينة، لأنها أشهر مقدسة حرم عندهم، كما يفهم ذلك من مؤلفات الروم والسريان. فقد أشار المؤرخ "أفيفانوس" Epiphanius إلى وجود شهر عند العرب، قال: إن العرب تحتفل فيه، وهو عندهم شهر مقدس، ويقع في شهر تشرين الثاني، ويريد به شهر "ذي الحجة" على ما يظن. وقد دعي بـ"حجت" في بعض الموارد اليهودية٣. كما ذكر "بروكوبيوس" Procopius أن عرب المناذرة لم يكونوا ليحاربوا في شهورهم المقدسة، وقال: إنهم كانوا قد جعلوا شهرين في السنة حرمًا لآلهتهم لا يغزون فيها ولا يقاتلون
стр. 5569
بعضهم بعضًا، ويقعان في تموز وآب١. وذكر "فوتيوس" أن العرب يحجون إلى معبدهم مرتين في السنة: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف، وذلك لمدة شهرين٢.
وفي هذه الإشارات معلومات قيمة، تشير إلى وجود الأشهر الحرم عند العرب الشماليين. ويفهم منها أن الأشهر الحرم كانت ثابتة لا تتغير، فلا يقع حجهم مرة في شتاء ومرة في صيف، وأخرى في ربيع، ومرة في خريف. فحجهم ثابت، وأشهرهم ثابتة. ومما يؤسف له أن أولئك المؤرخين لم يشيروا إلى أسماء المواضع التي كانوا يحجون إليها.
стр. 5570
الشهور الحل:
وأما الشهور الثمانية الأخرى، غير الحرم، فهي: صفر، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال. وقد استحل فيها القتال والغزو.
وقد عرفت هذه الشهور: الحرم منها والشهور الحل بشهور معدّ١. وكان أهل مكة يستعملونها عند ظهور الإسلام. والظاهر أن القبائل المجاورة لمكة كانت تستعملها أيضًا. وبهذه الأشهر أرخت رسائل الرسول وأوامره، وصارت باستعمال الرسول لها الشهور الرسمية في الإسلام، عليها يسير كل المسلمين على اختلاف ألوانهم حتى اليوم لما لها من صلات بأمور دينهم في مثل الصوم والحج.
وصفر، هو الشهر الذي يلي المحرم. "قال بعضهم: أنا سمي لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقيل: لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، وروي عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع، وذلك أن صفرًا بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا
стр. 5571
صفرًا"١. وكانوا إذا جمعوا المحرم مع صفر، قالوا: صفران. وفي ذلك قول أبي ذؤيب:
أقامت به كمقام الحنيف ... شهري جمادى وشهر صفر٢
وكان أهل مكة يفتتحون سنتهم بالمحرم. فهو أول شهر عندهم من أشهر السنة. وقد أقر الإسلام هذا المبدأ، فجعل المحرم أول شهر من شهور السنة الهجرية٣.
ويذكر أهل الأخبار أن أول من سمى الشهور المحرم وما بعده بأسمائها هذه هو "كلاب بن مرة"٤.
стр. 5572
الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة: النسيء
مدخل
...
الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة: النسيء
عرف علماء العربية النسيء بقولهم: "والنسيء المذكور في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ١. شهر كانت تؤخره العرب في الجاهلية، فنهى الله عنه في كتابه العزيز حيث قال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ، الآية، وذلك أنهم كانوا إذا صدروا عن منى يقوم رجل من كنانة، فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرًا، أي: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم"٢. وعرف النسيء بأنه تأخير بعض الأشهر الحرم إلى شهر آخر. وذلك من "نسأ". والنسء تأخير الوقت٣. وجعله بعضهم بمعنى "الكبس"، المعروف٤. وقد ذهب العلماء إلى أن النسيء كل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه نسيء٥. فالنسيء تأخير حرمة المحرم إلى صفر، وجعل المحرم شهرًا حلالًا، يجوز لهم القتال فيه؛ لأنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم، لا يغيرون فيها
стр. 5573
ولا يغزون، ومعاشهم على الغارات والغزو. ففعلوا النسيء، لإحلال ذمتهم من حرمة محرم، ولتجويز القتال فيه، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانًا، ثم يزول التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة١. وقد عرف بعض العلماء النسيء بأنه تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر٢. و"العرب تقول: نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك، أي: أخر الله أجلك"٣.
فهم كانوا يستحلون ترك الحج في الوقت الذي هو واجب فيه، ويوجبونه في الوقت الذي لا يجب فيه، وجوزوا ذلك عليهم حتى ضلوا باتباعهم هذا التجويز.
بأن جعلوا الشهر الحرام حلالًا، إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا، ويقولون: شهرًا بشهر، وإذا لم يحتاجوا إلى ذلك لم يفعلوه٤.
فكانوا "يحجون في كثير من السنين، بل أكثرها في غير ذي الحجة"٥، ومن هنا تلاعبوا بالأشهر وأخرجوها عن حقيقتها، بأن جعلوا الشهر الحرام حلالًا والشهر الحلال حرامًا، فخالفوا بذلك ما اتفق عليه من تحريم أشهر بعينها هي من الأشهر الحل، ومن تحليل أشهر هي الأشهر الحرم.
وإذا أخذنا بما جاء على لسان بعض الشعراء عن النسيء، مثل قولهم:
ألسنا الناسئين على معدّ ... شهور الحل نجعلها حراما
وقول أحدهم:
وكنا الناسئين على معد ... شهورهم الحرام إلى الحليل
стр. 5574
وقول الآخر:
نسئوا الشهورَ بها١ وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول٢
واعتبرناه صحيحًا، نستنتج منه أن النسيء كان خاصًّا بحج "مكة"، وبالقبائل التي عرفت بقبائل "معد". وقد عرفنا قبائل وعشائرها وفي جملتها قريش.
وإذا أخذنا النسيء بهذا المعنى، صار معناه مجرد تبديل شهر بشهر، وتأخير حرمة شهر إلى الشهر الذي يليه. وليس هذا بزيادة، أي: زيادة أيام أوشهر على شهور السنة، وهي الأيام التي تتخلف فيها السنة. القمرية عن السنة الشمسية، لتساوى بها، فتثبت الأشهر في مواضعها من الفصول، وهو ما يعبر عنه بالكبس فليس هذا النسيء كبسًا إذًا
وقد تعرض "البيروني" لموضوع النسيء عند العرب، فقال: "وكانوا في الجاهلية يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام. وكان يدور حجهم في الأزمنة الأربعة. ثم أرادوا أن يحجوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم والجلود والثمار وغير ذلك، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة، وفي أطيب الأزمنة وأخصبها.
فتعملوا الكبس من اليهود المجاورين لهم. وذلك قبل الهجرة بقريب من مئتي سنة. فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهرًا بشهورها إذا تم.. ويسمون هذا من فعلهم النسيء، لأنهم كانوا ينسأون أول السنة في كل سنتين أو ثلاث شهرًا، على حسب ما يستحقه التقدم"٣.
وتعرض "ابن الأجدابي" لموضوع "الكبس" والسنة "الكبيسة" عند العبرانيين واليونانيين كذلك، فقال: "وقد كانت العرب في الجاهلية تفعل مثل هذا، وتزيد في كل ثالثة من سنيها شهرًا، على نحو ما ذكرناه عن العبرانيين واليونانيين.
وكانوا يسمون ذلك النسيء. وكانت سنة النسيء ثلاثة عشر شهرًا قمرية. وكانت
стр. 5575
شهورهم حينئذ غير دائرة في الأزمنة، كان لكل شهر منها زمن لا يعدوه.
فهذا كان فعل الجاهلية حين أحدثوا النسيء، وعملوا به. فلما جاء الله تعالى بالإسلام بطل ذلك وحرم العمل به. فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ ١.
وقال : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٢.
فسنة العرب اليوم اثنا عشر شهرًا قمرية دائرة في الأزمنة الأربعة"٣.
والنسيء الذي ذكره "البيروني" و"ابن الأجدابي"، هو كبس صحيح، وليس مجرد تقديم شهر وتأخير آخر على نحو ما رأيت. غايته تثبيت الأزمنة، وجعل الحج في موسم ثابت معين، فلا يكون في شتاء مرة، وفي صيف مرة أخرى، وفي ربيع مرة، وفي خريف مرة أخرى، بجعل السنة سنة قمرية شمسية على نحو فعل يهود بسنتهم. وهو بهذا المعنى في رواية "المسعودي". فقد قال: "وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهرًا وتسمية النسيء وهو التأخير، وقد ذم الله ﵎ فعلهم بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ٤.
وكان النسيء الأول للمحرم، فسمي صفر به. وشهر ربيع الأول باسم صفر ثم والوا بين أسماء الشهور. وكان النسيء الثاني لصفر، فسمي الذي كان يتلوه بصفر أيضًا. وكذلك حتى دار النسيء في الشهور الاثني عشر، وعاد إلى المحرم، فأعادوا بها فعلهم الأول. وكانوا يعدون أدوار النسيء، ويحدّون بها الأزمنة، فيقولون: قد دارت السنون من زمان كذا إلى زمان كذا دورة. فإن ظهر لهم مع تقدم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع من كسور سنة الشمس وبقية فضل ما بينهما وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها، كبسوه كبسًا ثانيًا. وكان يبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها حتى هاجر النبي ﵇، وكانت نوبة النسيء كما ذكرت بلغت شعبان، فسمي محرمًا، وشهر رمضان صفرًا، فانتظر النبي، ﷺ ، حينئذ حجة الوداع، وخطب بالناس، وقال فيها: "ألا، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات
стр. 5576
والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي جاء بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون"١.
ومنذ ذلك الحين ترك النسيء. "وعني بذلك أن الشهور عادت إلى مواضعها، وزال عنها فعل العرب بها. ولذلك سميت حجة الوداع الحج الأقوم. ثم حرم ذلك، وأهمل أصلًا"٢.
وقد ذكر "المسعودي" إن عدة الشهور عند العرب وسائر العجم اثنا عشر شهرًا٣. وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهرًا، هو تقسي قديم يعود إلى ما قبل الميلاد.
وذُكر أن نسيء العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير شهر المحرم إلى صفر. لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثارات، والآخر تأخير الحج عن وقته تحريًّا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يومًا، حتى يدور الدور فيه إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته٤. وهذا الرأي يلخص ما أورده أهل الأخبار في النسيء. ويتلخص في شيئين: النسيء: تأخير الشهور، وذلك بإحلال شهر في مكان شهر آخر، للاستفادة من ذلك في التحليل والتحريم، والنسيء بمعنى الكبس، وهو إضافة الفرق الذي يقع بين السنة الشمسية والسنة القمرية إلى الشهور القمرية لتلافي النقص الكائن بين السنتين، ولتكون الشهور القمرية بذلك ثابتة لاتتغير، تكون في مواسمها المعينة، فلا يقع حادث في شهر من شهورها في الشتاء، ثم يتحول بمرور السنين، فيقع بعد أمد في الصيف أو في الربيع، كما يقع ذلك في الشهور القمرية الصرفة المستعملة في الإسلام.
وتسمى الطريقة الثانية، وهي إضافة فرق الأيام بين السنتين الشمسية والقمرية إلى السنة القمرية، "الكبس" في اصطلاح العلماء. وقد كانت شهور اليهود، وهي شهور قمرية، تساوي "٣٥٤" يومًا وست ساعات، فهي لذلك أنقص بأحد
стр. 5577
عشر يومًا عن السنة الرومانية، فأدخلوا شهرًا ثالث عشر في كل ثلاث سنوات، سموه "فيادرا" أو "آذار الثاني"، وبهذه الطريقة جعلوا السنة القمرية مساوية للسنة الشمسية١. وقد ذكر "المسعودي"، أن أيام السنة "ثلثمائة وأربعون وخمسون يومًا، تنقص عن السرياني أحد عشر يومًا وربع يوم، فتفرق في كل ثلاث وثلاثين سنة، تنسلخ تلك السنة العربية ولا يكون فيها نيروز، وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهرًا، وتسميه النسيء وهو التأخير"٢.
وذكر "القلقشندي"، أنهم كانوا يؤخرون في كل عام أحد عشر يومًا، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته، فلما كانت سنة حجة الوداع، وهي تسع من الهجرة، عاد الحج إلى وقته اتفاقًا في ذي الحجة كما وضع أولًا، فأقام رسول الله، ﷺ ، فيه الحج، ثم قال في خطبته التي خطبها يومئذ: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"، بمعنى أن الحج قد عاد في ذي الحجة"٣. وذكروا أن المشركين كانوا "يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجة أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع ذا القعدة من السنة التاسعة، ثم حج النبي، ﷺ ، في العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة، فذلك قوله في خطبته: "إن الزمان قد استدار ... " الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء٤.
وورد في خبر يرجع سنده إلى "إياس بن معاوية"، أن المشركين كانوا "يحسبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا، فكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا، فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبي، ﷺ ، فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر، ووافق ذلك الأهلة"٥. وقد ورد في الحديث: "الشهر هكذا وهكذا"، يعني
стр. 5578
مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين"١، كما ورد: "شهران لا ينقصان شهرًا عيد رمضان وذو الحجة"٢. فإذا أخذنا بذلك، كان الفرق بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية، هو ما يجب إضافته على السنة القمرية لتكون سنة شمسية، ذات أشهر ثابتة.
وإذا صحت رواية بعض الأخباريين عن إضافة الجاهليين أحد عشر يومًا، إلى السنة القمرية، ليضمنوا بذلك ثبات الأشهر، وعدم تغير أوقاتها. فإن ذلك يكون كبسًا صحيحًا بالمعنى المفهوم من الكبس، مؤديًا للغاية المتوخاة منه. وعندئذ تكون سنة أولئك الجاهليين المستعملين للكبس سنة قمرية شمسية. وأنا لا أستبعد شيوعها عند أهل المدينة، بسبب اختلاطهم باليهود، ولا أستبعد كذلك اتفاقهم مع يهود يثرب في استعمال السنة المستعملة عند اليهود نفسها، وابتدائهم بالشهر الذي كان يبدأ به أولئك اليهود.
ويؤيد هذه الرواية ما ذكره أهل الأخبار كلهم من أن الغاية التي حملت العاملين بالنسيء على استعمالهم له "أنهم كانوا يحبون أن يكون يوم صَدرَهم عن الحج في وقت واحد من السنة، فكانوا ينسئونه. والنسيء التأخير، فيؤخرونه في كل سنة أحد عشر يومًا، فإذا وقع في عدة أيام من ذي الحجة، جعلوه في العام المقبل لزيادة أحد عشر يومًا من ذي الحجة، ثم على تلك الأيام يفعلونه كذلك في أيام السنة كلها. وكانوا يحرمون الشهرين اللذين يقع فيهما الحج، والشهر الذي بعدهما، ليواطئوا في النسيء بذلك عدة ما حرم الله وكانوا يحرمون رجبًا كيف وقع الأمر. فيكون في السنة أربعة أشهر حرم"٣.
أما التفسير الأول للنسيء، وهو تفسيره بمعنى تحليل شهر محرم، وتحريم شهر حلال، وتأخير شهر وتقديم شهر، فإنه لا يحقق ما ذكر من رغبة الناس يومئذ في حجهم في وقت ثابت لا يتغير ولا يتبدل، لأن الحج يتغير فيه، فيكون أحيانًا في الصيف، وأحيانًا في الشتاء، وأحيانًا في الربيع، وأحيانًا في الخريف.
وهذا لا يتفق مع زعم أهل الأخبار في السبب الذي دعا إلى الأخذ بالنسيء.
والنسيء بهذا التفسير، لا يفيد إلا من ناحية التحايل والتلاعب في إيجاد حيل
стр. 5579
مشروعة في تجويز القتال في بعض الأشهر الحرم، وذلك كأن تكون قبيلة قوية تريد القتال في شهر محرم، لاستعدادها له فيه فتعمد إلى هذا الحل، والتحايل على العرف بالتوسل إلى"القلمس" لتغيير الشهور، فيصير الشهر الحرام حلالًا، وبذلك يتاح لها القتال فيه.
وإني أرى في هذا التفسير تكلفًا ظاهرًا، وهو يعارض مع ما ذكر من الغاية من النسيء. وإذا جاز إحداثه في سنة ما للغايات المذكورة، فلا يعقل إحداثه في كل سنة بانتظام. وإلا لم يبق له معنى ما ولا فائدة ترجى عندئذ منه.
وقد جاء معنى النسيء في الآية: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١. فقال بعض علماء التفسير: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا، فيجعلون المحرم صفرًا، فيستحلون فيه الحرمات، فأنزل الله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ٢. "وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، يحجون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر. ثم يسمون رجب جمادى الآخر، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون رمضان شوالًا، ثم يسمون ذا القعدة شوالًا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة.
ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر، ﵁، الآخر من العامين في ذي العقدة، ثم حج النبي، ﷺ ، حجته التي حج، فوافق ذا الحجة، ذلك حين يقول النبي، ﷺ ، في خطبته "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" ٣. فالنسيء هو المحرم، وكان يحرم المحرم عامًا، ويحرم صفر عامًا، وزيد صفرًا في آخر الأشهر الحرم، وكانوا يؤخرون الشهور
стр. 5580
حتى يجعلوا صفر المحرم، فيحلوا ما حرم الله. وكانت هوازن، وغطفان، وبنو سليم، يعظمونه، وهم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية١. وهكذا كانوا يجعلون سنة المحرم صفرًا، فيغزون فيه، فيغنمون فيه ويصيبون ويحرمونه سنة٢. وذكر أنهم كانوا يسكتون عن المحر ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفرًا٣.
وقد تحدث "الطبرسي" عن النسيء فقال: "قال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي، ﵌، في العام القابل حجة الوداع، فوافقت في ذي الحجة، فذلك حين قال النبي، صلى الله عليه وسم، وذكر في خطبته: "ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهرًا. منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" أراد ﵇ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء"٤.
وهذا الفعل الذي هو النسيء، هو الذي جعل العلماء يقولون: إن الصفر النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه ويجعلون صفرًا هو الشهر الحرام٥. فهم يدخلون شهرًا جديدًا على السنة بعد ذي الحجة، يكون مقامه بين هذا الشهر وبين شهر صفر الأول، الذي هو المحرم من الأشهر الحرم. وبذلك يكونون قد فصلوا بين الأشهر الحرم الثلاثة، بأن جعلوا شهرًا حلالًا جديدًا بين الشهرين المحرمين: ذو القعدة وذو الحجة، وبين الشهر الثالث المتصل بهما، وهو المحرم، ففصل عن الشهرين، وصار وحيدًا. فعلوا ذلك ليحافظوا على وقت الحج، بجعله ثابتًا، ولما كان ذلك معناه
стр. 5581
تغيير حرمة الأشهر الحرم الثلاثة بجعل الشهر الحلال شهرًا حرامًا، والشهر الحرام حلالًا، حرم النسيء في الإسلام. فابتعدت السنة بذلك عن السنة الشمسية، وصار الحج يدور باختلاف المواسم، لأن السنة صارت سنة قمرية. وبذلك تغير وقت الحج عما كان عليه في الجاهلية، فلم يعد ثابتًا على نحو ما كان عليه عند الجاهليين.
وفرارًا من اسم النسيء، الذي هو زيادة في الكفر، كانوا في صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل ثلاث وثلاثين سنة عربية، سنة ويسمونها: سنة الازدلاق لأن كل ثلاث وثلاثين سنة عربية تساوي اثنتين وثلاثين سنة شمسية تقريبًا١.
стр. 5582
مبدأ النسيء:
ويرجع أهل الأخبار مبدأ إدخال النسيء إلى الجاهليين إلى "عمرو بن لحي" أو إلى "القلمس"، وهو "حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحارث"، أو "حذيفة بن عبد بن فقيم"١، أو "نعيم بن ثعلبة"٢، أو "قلع بن حذيفة بن عبد بن فقيم"، أو آخرون٣. وذلك أن العرب كانوا لا يكبسون، إلى أن جاورتهم اليهود في يثرب، فأرادوا "أن يكون حجهم في أخصب وقت من السنة وأسهلها للتردد في التجارة، ولا يزول عن مكانه، فتعلموا الكبس من اليهود"٤. فصار النسيء عادة من عادات العرب منذ ذلك الحين إلى منعه في الإسلام.
وكانت النَّسَأة في بني مالك بن كنانة، وكان أولهم القلمس حذيفة بن عبد بن فُقيم بن عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم ابنه قلع بن حذيفة، ثم عباد بن قلع، ثم "قلع بن عبّاد قلع" ثم أمية بن قلع
стр. 5583
ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية بن عوف بن قلع١. وذكر أن أول من نسيء قلع، نسأ سبع سنين، ونسأ أمية إحدى عشرة سنة٢. وذكر عن "ابن إسحاق" أن أول من نسأ عند العرب "القلمس"، وهو "حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، ثم قام بعده على ذلك ابنه "عباد"، ثم من بعد عباد ابنه "قلع بن عباد"، ثم ابنه "أمية ابن قلع"، ثم ابنه "عوف بن أمية" ثم ابنه "أبو ثمامة" "جنادة بن عوف"، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام٣. وذكر "القرطبي" عن "ابن الكلبي" أن "أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة، يقال له: نعيم بن ثعلبة، ثم كان بعده رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه رسول الله، ﷺ . وقال الزهري: حيّ من بني كنانة ثم من بني فُقيم منهم رجل يقال له: القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد. وفي رواية مالك بن كنانة. وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه. وفي ذلك يقول شاعرهم:
ومنا ناسئ الشهر القلمس
وقال الكميت:
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما٤
وذكر "اليعقوبي"، أن أول من نسأ الشهور: "سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة". وهو والد "هند" التي تزوجها "مرة بن كعب"، فولدت له "كلابًا" وشرف "كلاب بن مرة" وجلّ قدره واجتمع له شرف الأب، وهو "كعب بن لؤي"، الذي كان أول من سمى يوم الجمعة بالجمعة، وكانت العرب تسميه "عروبة"، وشرف الجد من قبل الأم، لأنهم كانوا
стр. 5584
يجيزون الحج ويحرمون الشهور ويحللونها، فكانوا يسمون النسأة والقلامس١
وذكر "الزبيري"، أن "سريرًا" أول من نسأ الشهور، وقد انقرض سرير، ونسأ الشهور بعده ابن أخيه القلمس، واسمه عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة. ثم صار النسيء في ولده. وكان آخرهم جنادة بن عوف٢، وهو "أبو ثمامة". وورد في رواية أخرى، أن آخرهم هو "فقيم بن ثعلبة"، أو هو غيره. وقد ذكروا أن "أبا ثمامة"، وهو "جنادة بن أمية" من بني "المطلب بن حدثان بن مالك بن كنانة"، من نسأة الشهور على معد، كان يقف عند "جمرة العقبة، ويقول: اللهم إني ناسئ الشهور وواضعها مواضعها ولا أعاب ولا "أحاب" أجاب: اللهم إني قد أحللت أحد الصفرين وحرمت صفر المؤخر، وكذلك في الرجبين، يعني: رجبًا وشعبان. ثم يقول: انفروا على اسم الله تعالى. وفيه يقول قائلهم:
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما٣
وذكر أن أول من نسأ بعد "القلمين" القلسين: "حذيفة بن عبد نعيم بن عدي"، و"زيد بن عامر بن ثعلبة" "وهو القلمين بن عامر بن ثعلبة" "عياد بن حذيفة"، ثم "قلع بن عياد"، ثم "أمية بن قلع"، ثم "عوف بن أمية"، ثم "جنادة" فأدركه الإسلام٤.
وذكر "الطبري"، "أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول حلال، فيحله الناس، فيحرم صفر عامًا ويحرم المحرم عامًا"٥. ودعاه بـ"أبي ثمامة صفوان بن أمية"، أحد "بني فقيم
стр. 5585
ابن الحارث، ثم أد بني كنانة"١. وذكر أنه "كان رجل من بني كنانة، يأتي كل عام في الموسم على حمار له، فيقول: أيها الناس، إني لا أعاب ولا أحاب، ولا مردّ لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر. ثم يجييء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته. ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّه﴾ ٢. وكان هذا الرجل يقال له: القلمس٣.
وكان آخر النسأة، "جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عيّاد "عباد" بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، أبو "ثمامة"٤ "أبو أمامة" الكناني. نسأ الشهو أربعين سنة، وأدرك الإسلام. وكان أبعد النسأة ذكرًا، وأطولهم أمدًا. وذكر أن اسمه "أمية بن عوف بن جنادة بن عوف بن عياد بن قلع بن فقيم بن عدي بن عامر بن الحارث بن ثعلبة"٥، وذكر أيضًا أنه "القلمس بن أمية بن عوف بن قلع بن حذيفة بن عبد بن فقيم"٦.
ووردت في خبر ينسب إلى "ابن عباس"، أنه قال: النسأة في كندة٧.
وأنهم كانوا النسأة الأول، قبل المذكورين٨. وذهب "الجاحظ" إلى أن النسيء كان في كنانة، وأما السدانة، فكانت في "مر بن أُدّ" "من رهط صوفة والرُّبيط منها أصحاب المزدلفة، وكانت عدوان وأبو سيارة عميلة بن أعزل، تدفع الناس"٩ ويكاد يكون الإجماع على أن النسيء كان من حق "كنانة"، لم يتولَّه غيرهم.
وذكر أن الناسئ، كان يحل للمحرمين قتال "خثع" و"طيء"، "لأنهم كانوا لا يحرمون الأشهر الحرم، فيغيرون فيها ويقاتلون. فكان من نسأ الشهور
стр. 5586
من الناسئين يقوم، فيقول: إني لا أحاب ولا أعاب، ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أحللت دماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم"١.
ويذكر أهل الأخبار أن أولئك الناسئين كانوا نابهين في قومهم، لهم مركز عظيم وشأن. فكان "القلمس"، مثلًا ملكًا في قومه، وهو من بني كنانة٢، وكان عالم قومه وفقيههم في الدين، وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه٣. ويظهر أنهم كانوا أصحاب علم ونظر ومكانة محترمة، في أمور الدين، في قومهم وفي القبائل التي تحج إلى مكة.
وكلمة "قَلَمّس" على ما يتبين من روايات الأخباريين، لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة يراد بها عند الجاهليين ما يراد من معنى الفقيه والمفتي في الإسلام٤.
وقد ذكر علماء اللغة أن من معاني القلمس: السيد العظيم، والرجل الخيّر المعطاء والمفكر البعيد الغور، والداهية من الرجال، ونحو ذلك من معان تشير إلى صفات عالية في الرجل الذي أطلقت عليه، وقد تكون بمعنى العالم العارف، وقد أطلقت بصورة خاصة على هذه الجماعة، لسعة علمها بهذا الموضوع وغيره، ولوقوفها على التوقيت وعلى الفلك في تلك الأيام٥. وقد تكون لفظة من جملة الألفاظ المعربة التي دخلت العربية قبل الإسلام.
وطريقة الناسئ في إعلانه النسيء على الناس في الحج، أن يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يردّ لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرًا، أي: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم"٦. وهذا الرجل هو الناسئ، أو أن يدعو الناسئ الناس في آخر موسم الحج إلى الاجتماع حوله، فإذا اجتمعوا ارتقى موضعًا مرتفعًا ظاهرًا، أو قام على ظهر جمله ليراه الناس ثم يقول بأعلى
стр. 5587
صوته: "اللهم إني لا أعاب ولا أحاب، ولا مرد لما قضيت. اللهم، إني أحللت شهر كذا "ويذكر شهرًا من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شن الغارة فيه"، وأنسأته إلى العام القابل، أي: أخرت تحريمه، وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي، فكانوا يحلون ما أحل ويحرمون ما حرم" فإذا انتهى من هذا الخطاب وأمثاله، أباحوا لأنفسهم الغارة في ذلك الشهر، وغزوا من نووا غزوه. فإذا جاء العام القابل، نهض الناسئ ليقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم الشهر الفلاني، وهو الشهر الذي أحله في العام الماضي فحرموه، فيحرمونه١.
وورد في بعض الروايات، أنه كان يقوم فيقول: "إني لا أحاب ولا أعاب ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أحللت دماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم". وذلك لما ذكر من عدم تحريم طيء وخثعم للشهور الحرم، فكانوا يغيرون ويقاتلون فيها، ولذلك استثناهم القلامسة من عدم مقاتلتهم في تلك الشهور، وذلك لضرورات الدفاع عن النفس٢.
وقد نسب إلى بعض القلامسة شعر، قيل: إنهم قالوه يفتخرون فيه باحتكارهم النسيء، وبإرشادهم الناس إلى مناسك دينهم، وقيادتهم الحجاج، يسيرون تحت لوائهم، يبينون لهم شهور الحل والشهر الحرم، كما ورد شعر منسوب إلى بعض كنانة يفتخر فيه بأن قومه ينسئون الشهور على معد، فيجعلون شهور الحل حراما والشهور الحرام حلالًا٣.
وقد قال "عمير بن قيس بن جذل الطعان"، شعرًا افتخر فيه وتعرض لأمر النسيء، فكان مما جاء فيه قوله:
ألسنا الناسئين على معدّ ... شهور الحل نجعلها حراما٤
стр. 5588
وقال بعض بني أسد:
لهم ناسئ يمشون تحت لوائه ... يحل إذا شاء الشهورَ ويُحْرِمُ١
وقال آخر:
نسوء الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول٢
وقد نسب "القرطبي" البيت:
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحلّ نجعلها حراما
إلى الكميت٣
وقد استمرت طريقة النسيء هذه إلى أيام الإسلام، فحج أبو بكر في السنة التاسعة من الهجرة، فوافق حجه ذا القعدة، ثم حج رسول الله في العام القابل الموافق للسنة العاشرة للهجرة، المصادفة لسنة "٦٣١" للميلاد، فوافق عود الحج في ذي الحجة. ثم نزل الحكم بإبطال النسيء في الآيات: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٤. وخطب الرسول في جموع الحجاج خطبته الشهيرة التي بين فيها مناسك الحج وسننه وأمورا أخرى أوضحها لهم، فكان مما قاله لهم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض،
стр. 5589
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ ١. فألغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وثبت شهور السنة وجعل التقويم القمري هو التقويم الرسمي للمسلمين.
وروي كلام الرسول عنه على هذه الصورة: "أيها الناس، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ . وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم. ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"٢.
فألغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وجعل التقويم القمري الخاص هو التقويم الرسمي للمسلمين.
ويظهر من القرآن الكريم أن سبب تحريم النسيء في الإسلام هو تلاعب القلامسة بالشهور، بتحريمهم شهرًا حلالًا في عام، ثم تحليلهم له في العام القابل. فأزال الإسلام ذلك التلاعب بتحريم النسيء، واتخاذ السنة سنة قمرية ذات اثني عشر شهرًا لا غير. كما صيرها الجاهليون ثلاثة عشر أو أربعة عشر شهرًا٣. ولما كان الزرع يعتمد على المواسم الطبيعية، وعلى الشهور الشمسية، لذلك صار اعتماد المزارعين في الزرع وفي الحصاد على الشهور الشمسية، أي على السنة الشمسية. أما الأمور الدينية، مثل الحج والصيام، فالاعتماد بالطبع على الشهور القمرية٤.
واتخاذ التقويم القمري تقويمًا رسميًّا للإسلام، هو من السمات التي امتاز بها الإسلام عن الجاهلية، واعتبر من التقاط الفاصلة التي فصلت بين الجاهلية والإسلام.
وهكذا زال الكبس كما زال النسيء عن السنة القمرية وعن الشهور لتحويلها إلى سنة شمسية على نحو ما رأينا من فعل الجاهليين.
ويرى بعض المستشرقين أن النسيء والناسئ من الألفاظ المعربة عن العبرانية.
стр. 5590
وقد دخلت إلى العربية بتأثير يهود يثرب. والناسئ عن اليهود هو الرئيس الديني.
وكان يقوم عندهم بتقديم وتأخير الشهور، ويعين مواعيد الأعياد والصيام، ويذيع النتيجة بواسطة وفود إلى الطوائف اليهودية المختلفة١. والناسئ يقابل رئيس قبيلة عند بني إسرائيل٢، وهذا التعريف ينطبق تمامًا مع ما ذكره أهل الأخبار عن "الناسئ" عند الجاهليين.
وقد بحث عدد المستشرقين في حساب السنين عند الجاهليين وفي النسيء، فجاءوا بآراء متباعدة غير متفقة، لكل واحد منهم رأي ومذهب في طريقة العرب قبل الإسلام في حساب الشهور وفي السنين القمرية والشمسية والكبس والنسيء.
وقد ناقشها ولخصها "نالينو" في كتابه: "علم الفلك تأريخه عند العرب في القرون الوسطى". وهو ممن يرون أن البحث في هذا الموضوع صعب عسير، وأن البت فيه غير ممكن في الزمن الحاضر، لقلة الموارد وعدم وجود أخبار وروايات واضحة صريحة يمكن أن يستند إليها في إبداء رأي علمي ناضج في الموضوع٣.
والذي أراه أن أهل الحجاز كانوا يتبعون التقويم الشمسي مع مراعاة الإهلال، أي: تقويمًا شمسيًّا قمريًّا، بدليل أن لأسماء الأشهر علاقة بالجو من برد وحر، وربيع وخريف. فقد ذكر علماء اللغة أن الربيع أنا سمي ربيعًا، لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع، وأن "جمادى" سمي بذلك لجمود الماء فيه، أي: أنهما من أشهر الشتاء. قال الشاعر:
وليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر العبد في ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خرطومه الذنبا٤
وأن رمضان من شدة الرمضاء، وهو الحر. ولا يعقل أن تكون هذه التسميات قد جاءت عفوًا ومن غير ارتباط بحالة من حالات الطبيعة. وقد انتبه المتقدمون
стр. 5591
إليها، فقال بعضهم: "وكانت الشهور في حسابهم لا تدور"، ولكن بعضهم لم يقبل بذلك إذ قال: "وفي هذا نظر، إذ كانت شهورهم بالأهلة، فلا بد من دورانها"، وقال في تفسير اسم جمادى: "فلعلهم سموه أول ما سمي عند جمود الماء في البرد"١.
والذي أراه أن تلك الأشهر كانت ثابتة لا تدور، بمعنى أنها كانت ثابتة في مواسمها، يسيرون بموجبها في زراعتهم وفي أسفارهم، ولكنهم كانوا يسيرون على الإهلال، أي: الشهور القمرية في أمورهم الإعتيادية وفي الأعمال المالية، مثل الديون، حيث يسهل تثبيت المدة بعدد الأهلة، ومن هنا اختلط الأمر على أهل الديون، حيث يسهل تثبيت المدة بعدد الأهلة، ومن هنا اختلط الأمر على أهل الأخبار فخلطوا بين التقويمين، بسبب عدم وضوح الروايات. وكان شأنهم في ذلك شأن العرب الشماليين الذين كانوا يحجون في وقت واحد ثابت، هو في شهر "ذي الحجة"، الذي تحدثت عنه في مكان آخر، وشأن العرب الجنوبيين الذين كانوا يحجون في شهر "ذي الحجة" الذي كان وقته ثابتًا أيضًا، فلا يكون في صيف، ثم يكون في ربيع أو في خريف أو في شتاء، ولا يعقل خروجهم على هذا الإجماع الذي نراه عند العرب الشماليين، أي: عرب بلاد العراق وعرب بلاد الشأم، وينفردون وحدهم باتخاذ تقويم قمري بحت.
ما ذكرناه عن النسيء وعن الكبس يخص عرب الحجاز، وأهل مكة بصورة خاصة، ولا يتناول العرب الجنوبيين. ولا عرب بقية أنحاء جزيرة العرب، لعدم وجود أخبار لدينا عنهما تتناول المواضع الأخرى، لا في النصوص الجاهلية ولا في أخبار أهل الأخبار. ولكن الذي يظهر من النصوص العربية الجنوبية المتعلقة بالزراعة ومن أسماء الشهور، أنها كانت شهورًا ثابتة، أي: شهورًا شمسية لا قمرية، وأن السنة التي كانوا يسيرون عليها سنة شمسية، غير أن هذا لا يمنع مع ذلك من سيرهم على مبدأ الإهلال في حياتهم الاعتيادية، أي: على الشهور القمرية، بحيث تكون الرؤية مبدءًا للشهور. وذلك لوضوح الأهلة وإمكان رؤيتها بسهولة وتثبيت الأوقات بموجبها، بمعنى أنهم كانوا يسيرون على التقويمين: التقويم الشمسي في الزراعة وفي دفع الغلات، والتقويم القمري في الأمور الاعتيادية.
стр. 5592
ولا نستطيع أن نتحدث عن كيفية احتساب العرب الجنوبيين للسنة الشمسية، ولا عن الكبس عندهم، لعدم ورود شيء عنهما في النصوص.
ويظن أن سنة العرب الجنوبيين كانت من "٣٦٠" يومًا، مقسمة إلى اثني عشر قسمًا، أي: شهرًا، نصيب كل شهر منها "٣٠" يومًا. وحيث أن هذا المقدار من الأيام، وهو "٣٦٠" يومًا هو دون الأيام التي تمضيها الأرض في دورانها الحقيقي حول الشمس، لذلك كانوا يعوضون عن الفرق إما بإضافة الأيام اللازمة على أيام السنة لتكبسها فتجعلها مساوية للسنة الطبيعية، وذلك في كل سنة، وإما بإضافة شهر كبيسة مرة واحدة في نهاية كل ست سنوات١.
ويظن "بيستن"، أن القتبانيين قد أخذوا بالطريقة الثانية: طريقة إضافة شهر زائد كامل على التقويم في كل ست سنوات، لتتعادل السنة بذلك مع السنة الطبيعية، وأن ذلك الشهر المضاف هو الشهر المسمى بـ"ذ برم اخرن"، أي بـ"ذي برم الآخر"، أو "ذي برم الثاني"، عند القتبانيين وبشهر "ذنسور اخرن"، أي: "ذي نسور الآخر"، أو "ذي نسور الثاني" عند السبئيين.
ووردت في إحدى الكتابات جملة "بين خرفهن"، أي: بين السنتين. وقد رأى "ونكلر"، أنها تعني الأيام التي تضاف إلى نهاية السنة لكبسها حتى تكون سنة طبيعية كاملة. أي: سنة شمسية، ولذلك عبر عنها بـ"بين السنتين"، أي: الإضافة التي توضع فيما بين السنتين. السنة المتقدمة والسنة التالية لها٢. وذهب "كريمه" إلى أنها تعني شهرًا، هوالشهر الذي يضاف على التقويم لكبس السنين، ويرى "بيستن"، أن هذا الرأي يصعب قبوله، لأنه لو كانت شهرًا كاملًا، لسموه باسم معين، أو لرمزوا إليه برمز يميزه عن شهور السنة الأخرى، كأن يقولوا له: "اخرن"، أي: الآخر، أو الثاني٣.
أما اليهود، يهود جزيرة العرب، فقد كانوا يسلكون طريقتهم الخاصة في
стр. 5593
التوقيت، ويسلكون منهجهم في تعيين الشهور، كما يتأيد ذلك من الأخبار التي نجدها عنهم في كتب الأخباريين.
وأما النصارى العرب، فقد كانوا يتبعون التقاويم الشرقية، ويسيرون على الشهور السريانية المعروفة، وعلى وفق شعائر الكنيسة، ويحتفلون بأعيادهم على وفق ما ثبت عندهم في كنيستهم. وقد أشير إليها في بعض الشعر الجاهلي وفي كتب الأخباريين.
стр. 5594
الفصل الرابع والثلاثون بعد المئة: التقاويم والتواريخ
التقاويم:
هناك نوعان من السنين: سنين بنيت على أساس الشهور القمرية التي تثب بمراقبة القمر، وسنتها سنة قمرية Lunar Year. والتقويم الذي يقوم عليه تقويم قمري. وسنون بنيت على أساس شمسي Solar. والتقويم القائم عليها، تقويم شمسي، شهوره ثابتة لا تتغير. وعدة الشهور عند العرب اثنا عشر شهرًا، سواء كانت السنة شمسية أم قمرية١.
ولقد قلت فيما سبق: يظهر من النصوص الجاهلية، أن أهل العربية الجنوبية كانوا يعملون بالتقويم الشمسي، وفقًا للمواسم الزراعية، لأننا نراهم في هذه النصوص يزرعون ويبذرون ويحصدون في شهور معينة، ويدفعون الضرائب في مواسم ثابتة، كما نرى أن أسماء الشهور، عندهم ذات معان متصلة بالطبيعة، مثل الجفاف، والمطر، والحر، والبرد، والربيع، والخريف، ولو كانت سنتهم سنة قمرية محضة، لما سمّوا أشهرهم بأسماء اشتقت من الحر والبرد واعتدال الجو وحلول الخريف، إذ لا يعقل وقوع المعاني المذكورة مع تغير الشهور وعدم استقرارها على حال من الأحوال. إلا أن تواريخهم بالسنة الشمسية،
стр. 5595
لم يمنعهم من التوريخ بالتقويم القمري في أمورهم الاعتيادية، كما في وفاء الديون، وأخذ الديات، والبيع والشراء، والأسفار، لوضوح الشهر القمري، وإمكان حساب الأهلة وضبط عددها بسهولة ويسر، فيسهل على المتعاقدين التعاقد بموجب عدد الأهلة، أما الزراعة، وتربية الحيوان ودفع الضرائب وما شابه ذلك، فلا صلة لها بالأهلة، وإنما صلتها بالمواسم والفصول، وهي من مكونات السنة الشمسية.
إذن كان العرب الجنوبيون يؤرخون ويعملون بتقويمين: تقويم قمري، وآخر شمسي.
استعمل العرب الجنوبيون التقوم الشمسي في الزراعة، واستعملوا التقويم القمري للأغراض التي ذكرتها، والتقويم النجمي أي: التقويم الذي يقوم على رصد النجوم لأغراض دينية وللوقوف على الأنواء الجوية لما لها من صلة بالزراعة وبالحياة العامة١.
ويتبين من النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية، ومن النصوص النبطية، ومن نص النمارة، أن أصحابها كانوا يتعاملون وفقًا للتقويم الشمسي في الأمور التي لها اتصال مباشر بالطبيعة، ووفقًا للتقويم القمري في الأمور الأخرى، لسهولة ضبط الأهلة، وتحقيق العقود بموجبها. وإذا كان الحال على هذا المنوال عند هؤلاء وعند العرب الجنوبيين، فبإمكاننا القول أن بقية الجاهليين، ممن لم يتركوا لنا نصوص، كانوا يتبعون التقويمين كذلك، جريًا على سنة الناس في ذلك العهد، ومنهم الأعاجم، من اتباعهم التقويمين المذكورين في تنفيذ العقود والالتزامات وفي ضبط الأزمنة.
ومما يؤيد اتباع العرب الشماليين للتقويم الشمسي، ما ذكره الكتاب اليونان واللاتين، من أن العرب كانوا يقيمون طقوسهم الدينية ويؤدون شعائرهم المقدسة كالحج إلى المحجات في أوقات ثابتة، فقد ذكر "أفيفانيوس"، أن للعرب شهرًا يحجون فيه إلى محجاتهم، ويقع ذلك في شهر "تشرين الثاني"٢، كما
стр. 5596
ذكر "بروكوبيوس"، أن العرب كانوا قد جعلوا شهرين في السنة حرمًا لآلهتهم لا يغزون فيهما ولا يهاجم بعضهم بعضًا، ويقعان في تموز وآب١، وذكر "فوثيوس"، أن العرب كانوا يحتفلون مرتين في السنة بالحج إلى معبدهم المقدس: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف، وذلك لمدة شهرين٢. وفي هذه الإشارات إلى الأشهر المقدسة، وإلى كونها ثابتة لا تتغير بتغير المواسم، دلالة على سير العرب في تقويمهم، وفقًا للتقويم الشمسي.
وقد عرف التاريخ عند الجاهليين، بدليل عثور الباحثين على نصوص كثيرة مؤرخة. وقد زعم علماء اللغة "أن التأريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وأن المسلمين أخذوه من أهل الكتاب"٣، وفي كلامهم صحة، إذا كان قصدهم التأريخ العام للعالم، الذي يبدأ وفقًا لما جاء عند أهل الكتاب من الخلق ظهور آدم فالأنبياء والرسل والملوك إلى أيامهم، وفيه خطأ، إذا قصدوا به، التأريخ مطلقًا، أي: تثبيت الوقت، على نحو ما نفهم من قولنا: أرخ الحادث، وأرخت الكتاب، فقد عرف التأريخ عند الجاهليين، بدليل وروده في نصوصهم. واستعمالهم لفظة "بورخ"، للتأريخ. وكلمة "ورخ"، من الكلمات الواردة بكثرة في النصوص، ومنها لفظة "توريخ" و"ورّخ" بمعنى أرخ في عربيتنا. ولفظة "أرخ" نفسها هي من هذا الأصل.
وقد عرف "الجاحظ" أن الجاهليين كانوا يؤرخون إذ قال: "وكانوا يجعلون الكتاب حفرًا في الصخور، ونقشًا في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان؛ فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان الكتاب هو الحفر، إذا كان تأريخًا لأمر جسيم، أو عهدًا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، أو تطويل مدته، كما كتبوا على قبة غمدان. وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقر، وعلى الأبلق الفرد يعمدون إلى الأماكن المشهورة، والمواضع المذكورة، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، وأمنعها من الدروس،
стр. 5597
وأجدر أن يراها من مرّ بها، ولا تنسى على وجه الدهر"١.
ثم قال: "وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها ثم إن العرب أحبت أن تشارك العجم في البناء، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، وكعبة نجران وقصر مارد، وقصر مأرب، وقصر شعوب، والأبلق الفرد، وفيه وفي مارد، قالوا: تمرد مارد وعز الأبلق، وغير ذلك من البنيان"٢. ثم تعرض لأهمية الكتب ولشأنها في تخليد الذكرى، فقال: "والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر، لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عامر، وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات لبني مروان"٣.
وتتناسب أساليب التأريخ مع درجة عقلية المؤرخ ومستواه العقلي، لذلك نجد التواريخ بالأمور العادية البسيطة بين الرعاة والأعراب والسوقة من الناس، بينما نجد غيرهم ممن هم فوقهم درجة في العقل والثقافة يؤرخون بمناسبات لها شأن وأهمية، مثل التقاويم العامة المهمة، المثبتة بمبدأ، حيث يؤرخ بموجبها.
وقد تبين لنا من دراسات نصوص المسند، أن أصحابها استعملوا جملة طرق في تأريخهم للحوادث، وتثبيت زمانها، فأرخوا بحكم الملوك، فكانوا يشيرون إلى الحادث بأنه حدث في أيام الملك فلان، من غير تعيينه بسنين، وذلك كما في هذا المثل: "بيوم اليفع يشر ملك معنم"٤، أي "يوم اليفع يشر ملك معين"، و"بيوم يذمر ملك وترال"٥. ومعناهما في "أيام حكم اليفع يشر ملك معين"، أو "وكان ذلك في حكم اليفع يشر ملك معين" بالنسبة للفقرة الأولى و"في أيام يذمر ملك وترايل"، أو" في حكم يذمر ملك ووتر ايل"،
стр. 5598
أو "وكان ذلك في أيام حكم يذمر ملك وترابل" بالنسبة للجملة الثانية. فلم يذكرالنص السنة التي دون فيها النص، أو أرخ فيها النص من سني حكم الملك المذكور. وهي سنون قد تكون قصيرة، وقد تكون طويلة. ولفظة "يوم" هو بمعنى" "حكم" و"أيام".
وقد يؤرخ بحكم موظف من كبار موظفي الحكومة من حملة درجة "كبر" "كبير"، مثلًا، أو غيرها من الدرجات العالية في الحكومة أو في المجتمع.
كما أرخوا بأيام الرؤساء والسادات وأرباب الأسر. وليس العرب الجنوبيون بدعًا في هذا الباب، فقد كان غيرهم يؤرخ بهذه الطرق. وذلك قبل توصلهم إلى اتخاذ تقويم واحد ثابت له بداية معينة تؤرخ به.
والغالب ذكر اسم الشهر مع حكم الكبير أو الرئيس أو إنسان آخر، كما في هذا المثال: "بورخ ذ طنفت ذ كبر ايتم ذ عرقن"١، ومعناها "بشهر ذو طنفت من كبارة أيتم ذو عرقن"١، وبعبارة أوضح "بشهر ذو طنفت من حكم الكبير أيتم ذو عرقن"، و"ذو طنفت"، اسم شهر من الشهور.
والكتابات المؤرخة بهذه الطريقة، على أنها أحسن حالًا في نظرنا من الكتابات المهملة التي لم يؤرخها أصحابها بتأريخ، إلا أننا قلما نستفيد منها فائدة تذكر.
إذ كيف يستطيع مؤرخ أن يعرف زمانها بالضبط، وهو لا يعرف شيئًا عن حياة الملك الذي أرخت به الكتابة، أو حكمه، أو زمانه، أو زمان الرجال الذين أرخ بهم؟ لقد فات أصحاب هذه الكتابات أن شهرة الإنسان لا تدوم، وأن الملك فلانًا، أو رب الأسرة فلانًا، أو الزعيم فلانًا سينسى بعد أجيال، وقد يصبح نسيًا منسيًّا، لذلك لا يجدي التأريخ به شيئا، وذاكرة الإنسان لا تعي إلا الحودث الجسام. لهذا السبب لم نستفد من كثير من هذه الكتابات المؤرخة على وفق هذه الطريقة، إن استفدنا منها في أمور أخرى لا صلة لها بتثبيت تواريخها.
وقد تجمعت لدينا أسماء أشخاص أرخ الناس بأيامهم لأنهم كانوا أصحاب جاه ونفوذ، لكننا لا نعرف اليوم من أمرهم شيئًا، لأن النصوص لم تذكر شيئًا.
стр. 5599
عنهم، وعن أيامهم، منهم: "عم علي" من "آل رشم" من عشيرة "قفعن"١، و"موهم ذ ذرحن"، أي "موهب ذو ذرحان"٢. و"غوث إيل" من "آل بيحان" "بيحن"٣. و"شهر يجر"٤، و"ذران" ذرءان"٥، و"أب علي بن شحز"، أي "أبو علي" من قبيلة" شحر"٦. وكل هؤلاء الذين أرخ بهم هم من قتبان.
ومن الأسر التي أرخ بأيامها أسرة "نبط" و"مبحظ"٧ و"حزفرم كبر خلل" "حزفر كبير خليل" و"حذمت" و"فضحم"٨.
كما تجمعت لدينا أسماء عدد من الأشهر في اللهجات العربية الجنوبية المختلفة، تحتاج إلى دراسة لمعرفة ترتيبها بالنسبة للمواسم والسنة. ويظهر أنهم كانوا يستعملون أحيانًا مع التقويم الذي يؤرخ بحكم الرجال، تقويمًا آخر هو التقويم الحكومي، وتختلف أسماء شهور هذا التقويم عن أسماء شهور التقاويم التي تؤرخ بالرجال٩.
وقد تغير الحال في كتابات المسند منذ سنة "١١٥" قبل الميلاد، على رأي غالبية الباحثين، أو السنة "١٠٩" على رأي "ريكمنس"، إذا أرخت بتقويم ثابت أرخت بموجبه إلى قبيل الإسلام. مبدأه سنة سقوط حكومة سبأ وتكوين حكومة "سبأ وذي ريدان"، على رأي بعض علماء العربيات الجنوبية، فأرخ
стр. 5600
بهذا الحادث، ولا سيما في الكتابات الرسمية المتأخرة١. ويرى "بيستن" أن مبدأ هذا التقويم غير مضبوط، وأن مبدأه فيما بين السنة ١١٨- ١١٠ قبل الميلاد.
ويرى أيضًا أن العرب الجنوبيين لم يؤرخوا به في هذا العهد؛ لأن النصوص التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد كانت لا تزال تؤرخ بالتأريخ القديم، أي: بالتواريخ الغير الثابتة، مثل التأريخ بأيام الملوك والكبراء والكهنة وأمثالهم، فلو كانوا يؤرخون به لما أهملوه. ويرى أنهم إنما أرخوا به بعد ذلك، في حوالي القرن الثالث للميلاد.
وقد ساعدنا هذا التقويم على تثبيت تواريخ عدد من النصوص أرخت بموجبه، وعلى معرفة تأريخ هذه الحقبة التي أرخت بها. ولكن النصوص المؤرخة قليلة العدد، ثم إننا لا نملك نصًّا واحدًا منها من ابتداء العهد بالتأريخ به، كذلك لا نملك نصوصًا مؤرخة يعود عهدها إلى قبيل الميلاد، أو إلى القرن الأول أو الثاني منه.
وأقدم نص مؤرخ بهذا التقويم، هو النص الموسوم بـCIH، وتأريخه سنة "٣٨٥" من هذا التقويم، وهو يساوي السنة "٢٧٠" أو "٢٧٦" للميلاد.
وهو من أيام الملك "يسرم يهنعم" "ياسر يهنعم" ملك سبأ وذي ريدان وابنه "شمر يهرعش". ويراد بهما "ياسر يهنعم" الثاني و"شمر يهرعش" الثالث على رأي "فون وزمن"٢. ونص آخر للملك "ياسر يهنعم"، تأريخه سنة "٢٧٤" أو "٢٨٠" للميلاد. والنص الموسوم بـ CIH ٤٤٨ = MM ١٥٠، وهو يساوي سنة "٢٨١" أو "٢٨٧" بعد الميلاد.
وهناك نصوص مؤرخة أخرى من أيام الملك "شمر يهرعش"، ونصوص من بعد أيامه حتى أيام تملك الحبشة لليمن. أما ما بعد أيام الحبشة في اليمن، أي: أيام استيلاء الفرس عليها ثم أيام دخولها في الإسلام، فلم يصل إلينا منها نص، لا مؤرخ ولا غير مؤرخ٣.
стр. 5601
وآخر هذه النصوص المؤرخة، هو النص الموسوم بـ CIH ٥٢٥، وتاريخه سنة "٦٦٩" من التأريخ الحميري، وهو يقابل سنة "٥٥٤" للميلاد. ويمكن أن نقول إن هذا النص هو آخر نص مؤرخ عثر عليه لا في المسند وحده، بل في كل اللهجات العربية الأخرى، وهو أقرب تلك الكتابات عهدًا بالإسلام.
ويلاحظ أن بعض الكتابات المؤرخة تذكر لفظة "بورخ" أو "ورخسن" "ورخ"، ثم تذكر بعدها اسم الشهر الذي أرخ النص به، ثم عدد السنين بالنسبة للتقويم. ويراد بها معنى "شهر"، وذلك كما في هذه العبارة: "ورخس ذو سحر"، أي: "في شهر ذو سحر"، و"بورخ ذو خرف"، أي: "بشهر ذو الخريف"، أو "بورخ ذ معن"، أي: "بشهر ذي معان" "بشهر ذي معين"، "بشهر ذي معون"، وهناك كتابات مؤرخة استعملت لفظة "ورخهو" بمعنى "وتأريخه". كما في هذه الجملة: "ورخهو ذ لثني وسثي وسث ماثم"١، أي: "وتأريخه لاثني وستين وست مئة"، وبعبارة أوضح: "وتأريخه لسنة اثنين وستين وست مئة". فاستعملت لفظة "ورخهو" إذن، بالمعنى العلمي الذي نستعمله اليوم حين نؤرخ عهودنا ووثائقنا، فتقول: "أرخت بـ" أو "تأريخها".
وترد لفظة "خرفن"، أي: سنة، قبل عدد السنين في بعض النصوص، مثل: "خرفن ذ لثلئت وأربعي وخمس ماتم"٢، ومعناها: "السنة الثالثة والأربعين بعد الخمس مائة"، وقد تلحق لفظة "خرفتم"، بعد عدد السنين. كما في هذا المثال: "ورخهو ذ حجتن ذل أربعي وسث ماتم خرفتم"٣. ومعناه: "تأريخه أو شهره ذو الحجة لأربع وستمائة سنة". وتقابل هذه السنة سنة "٤٨٩" أو "٤٩٥" للميلاد.
ويلاحظ أن النصوص السبئية المؤرخة قد أرخت بتقويمين: تقويم عرف بـ"خريفتم بن خريف نبط"، "خرفتم بن خرف نبط"٤، أي: بـ "سنين
стр. 5602
من سنة نبط"، ومعناه أن هذه السنين المذكورة، هي وفقًا للتقويم الجاري على سني "نبط"، أو تقويم "نبط"، وتقويم آخر قدرت السنين فيه وفقًا لسني "مبحض بن أبحض"، "ذ بخرفن ذل بن خرف مبحض بن أبحظ"١. ويشير ذلك إلى وجود مبدأين للتأريخ عن السبئيين: التأريخ بتقويم "نبط"، والتأريخ بتقويم "مبحض بن أبحض". وذلك في الكتابات التي تعود إلى القرن الثالث ونهايته لما بعد الميلاد. كالكتابات التي تعود إلى أيام "ياسر يهنعم" و"شمر يهرعش"، أما الكتابات المتأخرة، فقد اختفت منها هاتين التسميتين، ويظن أنهم أخذوا بالتأريخ بتقويم "مبحض" ولذلك أهملوا الإشارة إلى الاسم. لأنه كان معلومًا عندهم. ويرى "بيستن" أن الفرق بين التقويمين هو قرابة نصف قرن أو ثلاثة أرباع قرن٢.
وأسلوب التوريخ في النصوص السبئية المتأخرة هو أن تذكر لفظة "ورخن" أولًا، ثم اسم الشهر من بعده، ثم السنة، كأن تقول: "ورخهن ذ مذرن ذل ٣١٦ خرفتم بن خرف نبط"٣، أي "وبشهر ذ مذران لـ٣١٦ سنة من سنة نبط"، أو "وبتأريخ ذ مذران من سنة ٣١٦ من سني نبط"، أو مثل "ورخهو ذ داون ذ لخرفين ذل أربعت وسبعي وخمس ماتم"، أي: "وشهره ذ داوان للسنين التي هي ٥٧٤"٤، أو وتأريخه ذ داوان للسنة ٥٧٤"، ومثل: "خرفن ذل ثلثت وأربعي وخمسمس ماتم"، أي: "سنة ٥٤٣"٥، ومثل: "وخرفهو ذ حجتن ذل أربعي وسث ماتم خرفتم"٦، أي: "وشهره ذو الحجة لأربعين وستمائة سنة"، أو "وتأريخه ذوالحجة الموافق لـ٦٤٠ سنة مضت"، ومثل: "وخرفهو ذل ثني وسثي وسث ماتم"٧، أي: "وتأريخه لاثنين وستين ومائة"٨.
стр. 5603
ومن الغريب أن أهل الأخبار قد أغفلوا الإشارة إلى هذا التقويم فلم يذكروا عنه شيئًا، ولم يشيروا إلى أن العرب الجنوبيين كانوا يؤرخون به، مع أهميته وكونه تقويمًا رسميًّا.
هذا، وإن في استطاعتنا القول بأن اليمن لم تسر رسميًّا على التقويم العبراني أو التقويم النصراني، حتى في أيام احتلال الحبش الأخير لليمن، أو في أيام استيلاء الفرس عليها، وذلك بدليل توريخ أبرهة عامل الحبشة على اليمن، وهو نصراني، نصوصه بالتقويم اليماني المستعمل في اليمن الذي تحدثت فيما سلف عن مبدئه، مع أنه حاكم اليمن وممثل الحبش فيها وهو نصراني. وبدليل توريخ عدد من كتابات المسند المتأخرة من عهد لا يبعد كثيرًا عن الإسلام بهذا التقويم.
وليس بالتقويمين المذكورين، أو بأي تقويم آخر من التقاويم المستعملة عند الشرقيين.
ولكن ما أذكره لا يعني بالطبع عدم احتمال توريخ يهود اليمن أو نصاراها أو غيرهم بتقاويم أخرى، مثل التقويم العبراني أو الميلادي، أو غيرهما. وما أقوله هو عن التقويم الرسمي المدون في المسند، وربما سيعثر في المستقبل على نصوص تعود إلى عهد احتلال الحبش لليمن، يرد فيها التأريخ بأيام الحبش فيها، أو بالتأريخ الرسمي الذي كان يتبعه الأحباش في مملكتهم.
أما العرب الشماليون، عرب العراق وبادية الشام وبلاد الشام، فلم يرد إلينا من نصوصهم المؤرخة إلا عدد محدود، منها نص النمارة الذي يعود عهده إلى السنة "٣٢٨" للميلاد. وهو مؤرخ بتقويم بصرى، وبصرى مركز مهم، كان يقصده عرب الحجاز للاتجار وقد وصل إليه النبي. وكان عرب هذه المنطقة يؤرخون به. ويبدأ هذا التقويم بدخول بصرى في حوزة الروم سنة "١٠٥" أو "١٠٦" للميلاد، أي: السنة التي تم فيها القضاء على حكومة النبط وإلحاق "بترا" بـ"الكورة العربية"١.
ولهذا فإذا أردنا تحويل سنة من السنين التي أرخ بها وفقًا لتقويم بصرى،
فعلينا إضافة الرقم "١٠٥" أو "١٠٦" على سني تقويم بصرى، فيكون حاصل
стр. 5604
الجمع السنة وفقًا للتقويم الميلادي تقريبًا. فتأريخ نص النمارة هو سنة "٢٢٣" من تقويم بصرى، وقد أضفنا إليه الفرق وهو "١٠٥"، فصار الحاصل "٣٢٨"، وهو ما يقابلها من سني الميلاد.
وقد أرخت كتابة "حرّان" اليونانية بسنة أربع مئة وثلاث وستين من الأندقطيّة الأولى، وهي تقابل سنة ٥٦٨ للميلاد، والأندقطية هي دائرة ثماني سنين عند الرومانيين، وكانت تستعمل في تصحيح تقويم السنة. أما النص العربي فقد أرخ بسنة "٤٦٣"، بعد مفسد خيبر بعام. ويراد بجملة: "بعد مفسد خيبر بعم"، غزوة قام بها أحد أمراء غسان أو غيره لخيبر، وذلك في رأي الأستاذ "ليتمان"١. وعندي أن السنة "٤٦٣"، التي أرخ بها النص العربي، هي من سني تقويم بصرى، بدليل أننا لو أضفنا إليها الرقم "١٠٥" المذكور، صار الحاصل "٥٦٨"، وهو كناية عن سني الميلاد، المقابلة لسني بصرى. وعلى ذلك يكون تدوين هذا النص قد تم بعد غزو خيبر بعام، أي: أن هذا الغزو قد وقع سنة "٥٦٧" للميلاد. وقد كان "الحارث بن جبلة" يحكم "غسان" آنذاك، فتصدق رواية "ابن قتيبة" حينئذ التي تذكر أنه غزا خيبر، وسبا أهلها ثم أعتقهم بعدما قدم الشام٢.
وقد استعمل التقويم الذي يؤرخ بحكم "الإسكندر" تقويمًا عند اليونان وفي بلاد الشأم، وعند عرب بلاد الشأم أيضًا. ومبدأه الأول من شهر نيسان لسنة "٣١١" قبل الميلاد٣، ونجد أثر التأريخ بهذا التقويم في الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن عرب بلاد الشأم والعراق. وقد بقي الناس يؤرخون به إلى أن حل التقويم الميلادي محله، فنسي ذلك التقويم. وذكر "المسعودي" أن ما بين الإسكندر إلى المسيح ثلاثمائة سنة وتسع وستون٤.
وقد كان الصفويون مثل غيرهم يؤرخون بالحوادث التي يكون لها شأن عندهم،
стр. 5605
مثل حروبهم بعضهم مع بعض، أو حروبهم مع غيرهم مثل النبط أو الروم.
وقد أرخ بعضها بحوادث ذات صفة خاصة وعائلية، مثل "سنة قتله خاله"، أو "سنة وفاة والده". وهي حوادث لا يمكننا الاستفادة منها في استنباط تأريخ منها؛ لأننا لا نعرف من أمرها شيئًا. غير أن هنالك نصوصًا مؤرخة أفادتنا بعض الإفادة في الوقوف على التوقيت عند الصفويين. ففي نص لرجل اسمه "أنعم بن فخش"، ما يفيد أنه استولى على غنائم "سنة الحرب مع النبط".
ويقصد بسنة الحرب مع النبط، السنة التي قضى فيها الرومان على مملكة النبط، وهي سنة "١٠٥" أو "١٠٦" للميلاد. وقد صارت هذه السنة مبدءًا للتأريخ في "بصرى"، وعند العرب الصفويين١.
ولدينا نص صفوي آخر، أرخ بـ"سنت حرب همدي ال روم"، أي: "سنة محاربة الميديين الروم"، أو "سنة حرب الميدين الروم". ويرى "ليمان" أنه قد توصل إلى ضبط تأريخ هذه الحرب. هناك نص أرخ بـ "سنت قتل ال حمد"، ويظن أنه يشير إلى معركة دارت على قبيلة تسمى "آل حمد".
وصاحب النص رجل من قبيلة تسمى "الرحبة"٢، ولا زال الأعراب يؤرخون بأيام قتالهم بعضهم مع بعض.
ونحن لا نعلم اليوم كيف كان يؤرخ أهل الحيرة أو الغساسنة، لعدم ورود نصوص مدونة عن ذلك سوى ما ذكرته من نص النمارة المؤرخ بموجب تقويم بصرى. ولا أستبعد احتمال استعمال أهل الحيرة التقاويم العراقية أو الفارسية التي كانت شائعة عندهم في ذلك العهد أساسًا للتأريخ. وقد يكون من بينها التقويم النصراني بالنسبة للنصارى، وينطبق ذلك على نصارى الغساسنة أيضًا، كما لا أستبعد استعمال الغساسنة لتقويم الروم. وللتقاويم العربية المألوفة التي تستعمل الأساليب المحلية في تثبيت التواريخ. ويظهر من تأريخ "ابن الكلبي" لحوادث الحيرة وعرب العراق بتقويم الساسانيين لتواريخ ملوكهم، أن أهل الحيرة كانوا قد دونوا تواريخهم بموجبها، ولكن هذا لا يمنع من احتمال أخذ ابن الكلبي أقواله في تواريخهم من تواريخ الفرس ومن رواتهم رأسًا، فلا يكون عندئذ ذكره