← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

أما أسماء النقود، فإنها معربات يرجع أصلها إلى الفارسية أو اليونانية أو اللاتينية. فقد كان الجاهليون يتعاملون مع الفرس والأرضين الخاضعة للإنبراطورية الرومية، ولهذا تعاملوا بنقود هاتين الإنبراطوريتين. وهي نقود مضروبة من المعادن. وتعاملوا بها في بلادهم أيضًا كما نتعامل نحن بالنقود الأجنبية فـ"النّمّيّ" مثلًا هي فلوس رصاص كانت تتخذ أيام ملك بني المنذر، يتعاملون بها في الحيرة، هي من أصل رومي، أي: يوناني، هو noummiyon. وقد وردت في بيت للنابغة: وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنّمّيّ سفسير١ وقد نسب هذا البيت لأوس بن حجر أيضًا٢. فيظهر من ذك أن "بني المنذر" كانوا قد أخذوا اللفظة من اليونانية، أي: من نقود نحاس ضربها الروم، فضربوها هم في الحيرة، وتعامل بها الناس. وأما "الدينار"، وهو نقد كان معروفًا متداولًا بين الجاهليين، مستعملًا في أسواق مكة وبقية مواضع الحجاز وجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. وقد ذكر في القرآن الكريم٣، فإنه نقد روماني يساوي عشرة دراهم، ويعرف بـ denarius في اللاتينية٤. وأما "الدرهم" فاسم نقد يوناني، يسمى دراخمي dhrakhmi في اليونانية، وقد شاع استعماله إذ ذاك. وقد وردت التسمية في بيت شعر هو: وفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم٥ ويفيد هذا البيت أن الحكومة كانت تأخذ إتاوة من الأسواق من التجار والباعة، وأن ما يباع يدفع عنه مكس، قدره درهم٦.

стр. 5812

ولفظة "مكس"، هي أيضًا من الألفاظ المعربة، عربت من أصل "مكسو" Makso في لغة بني إرم١. و"الدانق" نقد أخذت تسميته من الفارسية، من "دانك"٢. وقد بقي مستعملًا في الإسلام. وقد عرف الخليفة "أبو جعفر المنصور" بـ "الدوانيقي" نسبة إلى هذا النقد. وأما "الفلس" وتجمع على "فلوس"، فإنه نقد من نحاس، وأصله في اليونانية "فولس"٣ follis. وقد عبر عنه بمعنى نقود أيضًا، فقيل في العامية: "فلوس"، وقصد بها نقود. ومن المعربات المستعملة في تقويم النقد وفصحة، لفظة "شقل" بمعنى الوزن٤، أي: وزن النقد لمعرفة مقدار معدنه المؤلف منه. ولفظة "قسطار"، ومعناها ناقد الدراهم، أي: الناقد الماهر العارف بالنقد، من أصل لاتيني هو٥ quaestor. وتظهر هذه المعربات أن أهل الحجاز ونجد والعرب الشماليين كانوا قد استعملوا النقد البيزنطي والساساني في أسواقهم وفي تجارتهم، وكانوا عالة على الأعاجم في استعمال النقد. وذلك مما يدل على أن تعاملهم التجاري مع الإنبراطوريتين كان وثيقًا. وقد بقيت هذه النقود الأعجمية مستعملة في الإسلام كذلك، وبقيت أسماؤها حية حتى بعد تعريب النقد، ولا يزال اسم الدينار والدرهم والفلس إلى هذا اليوم. أما العرب الجنوبيون، فكان لهم نقد خاص بهم. تحدثت عنه في الجزء الثامن من كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام. وقد ذكرت أن بعض العلماء رجع تأريخ أقدم نقد عربي جنوبي عثر عليه سنة "٤٠٠" قبل الميلاد٦. ويظهر أن أهل الحجاز لم يتعاملوا به كثيرًا، بدليل عدم وجود ذكر له في المؤلفات الإسلامية، وفي الأخبار الواردة عن أيام الرسول. وقد ذكرت أن أسماء تلك النقود أسماء

стр. 5813

عربية جنوبية لا صلة لها بأسماء النقود التي تحدثت عنها، ومن تلك الأسماء: "بلط" ويجمع على "بلطات"، وهو اسم نقد من ذهب. و"خبصت" "خبصة"، نقد من نحاس، و"رضى"، قيل: إنها اسم نقد، وقيل: إنها صفة للنقد. بمعنى رضية وصحيحة غير مزيفة ولا منقوصة، لأن النقد كان على أساس الوزن والنوع في ذلك العهد. وذكرت أيضًا بعض الألفاظ التي استعملوها في الصيرفة وفي نقد النقود. ومن الألفاظ اللاتينية التي دخلت إلى العربية "لبرجد"، وهو ثوب مزدان بالذهب، وثوب غليظ مخطط من أصل١ Paragauda. و"برذون" من أصل burdo و Burdonis٢، و"دينار" من أصل denarius، وهو نقد من المعدن٣، و"سجل" وقد تحدثت عنها٤ و"سجلاط" من أصل "سجلاّطس" sigillatun، ثياب كتّان موشاة، وكأن وشيها خاتم وتزدان بصورة صغيرة٥. و"سجنجل"، وتعني المرآة، أو سبيكة فضة مصقولة، استعملت استعمال المرآة، من أصل sexaangulus التي تعني "المسدس الزوايا" في اللاتينية. وقد وردت في بيت لامرئ القيس٦. و"الصراط"، بمعنى الطريق، من أصل لاتيني هو strata بمعنى طريق كبير مبلط٧. وقد عرف الرومان ببراعتهم في شق الطرق العسكرية لاستعمالها في التجارة وفي الأغراض العسكرية. و"الصاقور" الفأس لكسر الحجارة، من أصل لاتيني هو٨ securis. ويظهر أثر الأخذ من اليونانية واللاتينية والفارسية والآرمية في المكاييل والموازين كذلك، وذلك عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشأم. أما عرب الجنوب فقد كانت لهم أسماء للمكاييل والموازين خاصة بهم، اختلفت عن الأسماء المستعملة عند العرب الشماليين المذكورين وذلك كما تحدثت عنها في الموضوع الخاص بالمكاييل

стр. 5814

والموازين عند الجاهليين في الجزء الثامن من كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام١. ومن هذه المعربات "المُدّ"، وهو نوع مكيال للحبوب، وهو من أصل لاتيني هو٢ Modius و"الجريب"، من أصل إرمي هو "جريبو"٣ Gribo. و"الرطل" من أصل يوناني هو:٤ Litra، و"الأوقية" من أصل يوناني هو٥ Uncia, Ounguiya، و"مثقال" من أصل matqolo، وهو وزن في الإرمية٦. و"قيراط"، وهو جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء، أو حبة واحدة من أربعة وعشرين حبة وكان القدماء يزنون بالحب. واللفظة من أصل يوناني هو٧ keration. و"قنطار"، وهو مئة رطل، من أصل لاتيني هو٨ Centenarum pondus. و"الكر"، وهو ستة أوقار حمار، وهو مكيال لأهل العراق، وقد ورد ذكره في الحديث، هو "كرو" Keureo في لغة بني إرم٩. وغير ذلك من أسماء ذكرتها في الجزء الثامن من هذا الكتاب. ولا حاجة بنا إلى إعادة ذكرها. وأخذت العربية من اللغة "السنسكريتية" بعض الألفاظ الخاصة بالمحاصيل الخاصة بالهند، مثل الفلفل وبعض الأسماء المتعلقة بالتوابل والعقاقير والأطياب والجواهر١٠. وقد أشار علماء اللغة إلى ألفاظ شائعة على الألسنة، لكنها أعجمية الأصل تأتي في نوع المعرب. ذكر "الثعالبي" أمثلة منها في كتابة "فقه اللغة"، وقال عنها: إنها "أسماء فارسيتها منسية وعربيتها محكية مستعملة، هي: الكف،

стр. 5815

الساق، الفرش، البزّاز، الوزّان، الكيّال، المسّاح، البيّاع، الدلاّل، الصرّاف، البقال، الجمّال، الحمّال، القصاب، البيطار، الرائض، الطرّاز، الخراط، الخياط، القزّاز، الأمير، الخليفة، الوزير، الحاجب، القاضي، صاحب البريد، صاحب الخبر، السقّاء، الساقي، الشرّاب، الدخل، الخرج، الحلال، الحرام" إلى غير ذلك من ألفاظ تجدها في كتابه وفي كتب اللغة التي نقلت منه١. وفي بعض الذي ذكره، ما هو فارسي حقًّا، أو من مصدر أعجمي آخر، لم يعرفه "الثعالبي"؛ لأنه لم يعرف من اللغات الأعجمية غير الفارسية، فنسب أصل تلك الألفاظ إليها، ولكن البعض الباقي هو عربي، ما في أصله العربي من شك، ولا يمكن أن يكون من المعربات. ونجد في المعاجم وفي كتب اللغة كلامًا عن هذه المعربات، ففي كتاب "المزهر" وكتب اللغة المعتبرة صفحات نص فيها على الألفاظ المعربة من مختلف اللغات٢. فلا أرى بي حاجة هنا إلى ذكر تفاصيل أخرى عن الألفاظ المعربة بتفصيل كل ما نص عليه العلماء من المعربات. ولكني أود أن أبين أن علماء اللغة لم يكونوا على علم باللغات الأعجمية، ولذلك لم يتمكنوا من رجع المعربات إلى أصولها الحقيقية، فأخطأوا في ذكر الأصول. ونظرًا إلى أن فيهم من كان يتقن الفارسية فقد رجع أصول كثير من الألفاظ إلى أصل فارسي، لأنه وجد أن الفرس نطقوا بها، ولم يعلموا أنهم أخذوها هم بدورهم من غيرهم، فصارت من لغة الفرس، أو أنهم وجدوا بعض الألفاظ قريبة من أوزان الفارسية للكلمات، فظنوا أنها فارسية، مع أنها من أصل آخر. وفعل بعض منهم ذلك عصبية منهم إلى الفارسية؛ لأنهم من أصل فارسي، فتمحلوا لذلك تكثيرًا لسواد المعربات من لغة الفرس وتعصبًا لهم٣. وفي شعر الأعشى معربات عديدة مقتبسة من الفارسية، قد يكون أخذها من عرب الحيرة وبقية عرب العراق، وقد يكون أخذها من الفرس مباشرة لاتصاله

стр. 5816

واختلاطه بهم في العراق، واقتبسها إما ليحكي عما شاهده ورآه في العراق، فاستعمل الألفاظ الفارسية الشائعة هناك، وإما أن يكون قد تعمد إدخالها في شعرها لُيري الناسَ أنه حاذق بثقافة الفرس واقف على حضارتهم ولغتهم، كالذي يفعله بعض من يدرس في بلاد الغرب من استعماله ألفاظًا أعجمية في لغته ليلمح للناس بأنه قد تثقف بثقافة الأجانب، وتلك في نظره ميزة يفتخر بها على الناس. وقد زعم أن الأعشى رحل إلى بلاد بعيدة، فبلغ عمان وحمص وأورشليم وزار الحبشة وأرض النبيط وأرض العجم، وقد ذكر ذلك في بيتين من الشعر١. وإلى زيارته هذه للعراق ولأرض العجم ينسب أهل الأخبار ورود الألفاظ الفارسية في شعره. وفي بعض المعجمات وكتب اللغة مثل لسان العرب والمعرب للجواليقي، أبيات للأعشى يرد فيها وصف لأحوال الفرس وعرب العراق، وقد استعمل فيها ألفاظًا فارسية لها مناسبة وصلة بذلك الوصف. منها ما يتعلق بالملابس، ومنها ما يتعلق بالأشربة والخمور والأفراح، ومنها ما يتعلق بالمناسبات مثل الغناء والأعياد٢. وشاعر آخر نجد في شعره معربات فارسية، هو "عدي بن زيد العبادي". وهو من أهل الحيرة، المقربين إلى ملوكها وإلى الفرس، الحاذقين بالعربية وبلغة الفرس. وقد كان كاتبًا باللغتين، كما كان أبوه بليغًا باللسانين، وتولى رئاسة ديوان العرب عند الأكاسرة. وهو نصراني، ولهذا استعمل في شعره ألفاظًا نصرانية اقتبست من السريانية، وأشار بحكم نصرانيته على عادات نصرانية، كما كان حضريًّا مترفًا غنيًّا أدخل إلى بيته وسائل الترف والراحة المعروفة في ذلك اليوم، ولهذا فإن لجمع شعره جمعًا تامًّا ونقده وتحليله واستخراج صحيحه من منحوله أهمية كبيرة في إعطاء رأي عن الحياة الفكرية والثقافية لعرب العراق قبيل الإسلام. وبعد، فإن اللغة التي بحثت عن وجود المعربات فيها، هي اللغة العربية التي

стр. 5817

نزل القرآن بها. أما اللهجات والألسنة العربية الجنوبية، فإن أثر هذه المعربات فيها كان قليلًا، ونجد في كتاباتها ألفاظًا عربية جنوبية، مكان تلك المعربات. ومعنى هذا بُعد تلك اللهجات عن المؤثرات الأعجمية الشمالية. وسبب ذلك رقي المتكلمين بها، وتقدمهم في الحضارة بالقياس إلى بقية سكان جزيرة العرب وإلى ابتكارهم أنفسهم لكثير من الأشياء، فكان من الطبيعي أن تكون أسماؤها بلغة الصانعين لها. ولدي ملاحظة، هي أن وجود المعربات في العربية الحجازية، يدل دلالة صريحة واضحة، على أن المتكلمين بها كانوا قد تأثروا بالحضارات الشمالية أكثر من تأثرهم بإخوانهم العرب الجنوبيين، وأن اتصالهم الفكري كان بالشمال أكثر منه بالجنوب، ولا يقتصر هذا التأثر على المعربات فقط، بل يشمل كل المؤثرات الثقافية الأخرى، كالذي رأيناه في مواضع متعددة من الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب. فكأننا أمام ثقافتين مختلفتين وشعبين متباينين، بالرغم من اتصال حدود الحجاز باليمن، وقرب المسافة بينهما، حتى اللغة نجد بونًا شاسعًا بينها وبين اللغات العربية الجنوبية، وهذا ما حمل بعض العلماء على القول: ما لغة حمير بلغتنا، ولا لسانهم بلساننا، ففرق بين اللسانين. أما "أمية بن أبي الصلت" فقد وردت في شعره معربات من أصل سرياني في الغالب، يظهر أنه أخذها من المنابع النصرانية التي قيل: إنه وقف عليها. فقد ذكر أنه كان قد قرأ كتب أهل الكتاب، ووقف على أخبارهم وعقائدهم، وإن اتصاله بهم أثر في رأيه الذي كونه لنفسه في الأديان. وأرى أن من اللازم توجيه العناية لدراسة ما تبقى من شعره للوقوف على أصوله، وعلى درجة تأثره بالتيارات الفكرية والآراء الدينية لأهل الكتاب، وعلى الألفاظ المعربة عن السريانية أو غيرها التي ترد في شعر هذا الشاعر، وذلك بعد التأكد من صحة الشعر. ومن المعربات الواردة في شعر "أمية" لفظة "تلاميذ" جمع تلميذ، وذلك في هذا الشعر المنسوب إليه: والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقامتنا وفيها نولد وبها تلاميذ على قذفاتها ... حُبسوا قيامًا فالفرائص ترعد

стр. 5818

وفي هذا الشعر: صاغ السماء فلم يخفض مواضعها ... لم يتنقص علمه جهل ولا هرم لا كشفت مرة عنّا ولا بليت ... فيها تلاميذ في أقفائهم دغم وذكر أن "المتلمد" الواردة في شعر ينسب له أيضًا، بمعنى متلمذ، وأن لفظة "التلاميذ" قد ترخم في الشعر على "تلام"، كما جاء في شعر "الطرماح"، و"غيلان بن سلمة" الثقفي، وهو من الشعراء المخضرمين١. ووردت لفظة "التلاميذ" في شعر لبيد، في هذا البيت: فالماء يجلو متونهن كما ... يجلو التلاميذ لؤلؤًا قشبا٢ وقد ذكر علماء اللغة أن التلاميذ: غلمان الصاغة. وهي فارسية٣.

стр. 5819

معرفة المعرب: قال علماء العربية: تعرف عجمة الاسم بوجوه: ١- النقل بأن ينقل ذلك أحد أئمة العربية. ٢- خروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو إبريسم، فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي. ٣- أن يكون أوله نون ثم راء نحو نرجس، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية. ٤- أن يكون آخره زاي بعد الدال، نحو مهندز، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية. ٥- أن يجتمع فيه الصاد والجيم، نحو الصولجان والجص.

стр. 5820

٦- أن يجتمع فيه الجيم والقاف نحو المنجنيق، والجردقة، والجرموق، والجوسق، والجلاق، وجلنبق. ٧- أن يكون خماسيًّا أو رباعيًّا عاريًا عن حروف الذلاقة، وهي: الباء، والراء، والفاء، واللام، والميم، والنون. فإنه متى كان عربيًّا، فلا بد أن يكون فيه شيء منها. نحو سفرجل، وقِرطَعْب، وجحمرش. هذا وقد تتبع بعض علماء العربية كلام العرب، فوجدوا بعض حالات إذا اجتمعت فيها حروف معينة دلت على أصل أعجمي، من ذلك قولهم: ١- الجيم والتاء لا تجتمعان في كلمة من غير حرف ذي لقيّ، ولهذا ليس الجبت من صميم العربية. ٢- الجيم والطاء لا تجتمعان في كلمة عربية، ولهذا كان الطاجن والطيجن مولدين، لأن ذلك لا يكون في كلامهم الأصلي. ٣- لا تجتمع الصاد والطاء في كلمة من لغتهم، أما الصراط، فصاده من السين. ٤- يندر اجتماع الراء مع اللام إلا في ألفاظ محصورة: كوَرَل ونحوه. ٥- قال "البطليوسي": لا يوجد في كلام العرب دال بعدها ذال إلا قليل، ولذلك أبى البصريون أن يقولوا: بغداذ. ٦- ليس في كلام العرب شين بعد لام في كلمة عربية محضة، الشينات كلها في كلام العرب قبل اللامات١.

стр. 5821

أقسام الأسماء الأعجمية: "قال أبو حيان في الارتشاف: الأسماء الأعجمية على ثلاثة أقسام: قسم غيرته العربُ وألحقته بكلامها فحكم أبنيته في اعتبار الأصل والزائد والوزن حكم

стр. 5822

أبنية الأسماء العربية الوضع، نحو درهم وبهرج. وقسم غيرته ولم تلحقه بأبنية كلامها، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في القسم الذي قبله، نحو آجر وسفسير. وقسم تركوه غير مغير، فما لم يلحقوه بأبنية كلامهم لم يعد منها، وما ألحقوه بها عدّ منها؛ مثال الأول خراسان، لا يثبت به فُعالان، ومثال الثاني: خُرَّم ألحق بسُلّم، وكُركُم ألحق بقُمقُم١.

стр. 5823

إبدال الحروف: وهناك حروف لا تتكلم بها العرب إلّا ضرورة، فإذا اضطروا إليها حوّلوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف إلى مخارجها، وذلك كالحرف الذي بين الباء والفاء مثل "بور" إذا اضطروا قالوا: "فور". لأن "بور" ليس من كلام العرب. وحرف "ب" حرف غير عربي. وقد يحولون الـ "ب" إلى "ب"، كما في "سابور"، وأصله "شابور". وقد يحول حرف الـ "ب" إلى "P" إلى "ف" عند تحويل الأعلام الأجنبية إلى عربية. مثل Platon، اسم الفيلسوف اليوناني، "٤٢٧-٣٤٧ ق. م" الذي حول إلى"أفلاطون". وذلك بتحويل حرف "الباء" إلى "ف"، وبتحويل حرف "التاء" إلى "طاء". وقد اتبع المعربون قاعدة تحويل "التاء" الواردة في الأعلام الأعجمية إلى حرف "طاء". في الغالب، فحول Aristoteles "٣٨٤ – ٣٢٢ ق. م" إلى "أرسطوطاليس". و Plotinos الإسكندري "٢٠٥ – ٢٧٠م"، إلى "فلوطين" ولو زالت هذه الطريقة معروفة فـ"تهران" عاصمة إيران، هي "طهران". والعرب يعربون الشين سينًا، فيقولون: نيسابور، وهي نيشابور. وقد أبدلو بالإضافة إلى حرف "الشين" حرف "الياء" "باء". فالأصل "نيشايور"، ومثل ذلك: "سابور"، فالأصل هو "شايور". "وقال بعضهم: الحروف التي يكون فيها البدل في المعرب عشرة: خمسة يُطرد إبدالها، وهي: الكاف، والجيم، والقاف، والباء، والفاء. وخمسة

стр. 5824

لا يطرد إبدالها، وهي: السين، والشين، والعين، واللام، والزاي. فالبدل المطرد: هو في كل حرف ليس من حروفهم كقولهم: كُرْبج، الكاف فيه بدل من حرف بين الكاف والجيم، فأبدلوا فيه الكاف؛ أو القاف نحو قربق. أو الجيم نحو جَوْرب، وكذلك فِرند هو بين الباء والفاء فمرّة تبدل منها الباء ومرّة تبدل منها الفاء. وأما ما لا يطرد فيه الإبدال، فكل حرف وافق الحروف العربية كقولهم إسماعيل أبدلوا السين من الشين، والعين من الهمزة، وأصله إشمائيل. وكذلك قفشليل أبدلوا الشين من الجيم واللام من الزاي، والأصل قفجليز. وأما القاف في أوله فتبدل من الحرف الذي بين الكاف والجيم"١.

стр. 5825

الفصل الثاني والأربعون بعد المئة: النثر مدخل ... الفصل الثاني والأربعون بعد المئة: النثر النثر هو الكلام المرسل الذي لا يتقيد بالوزن والقافية، وهو الجزء المقابل للشعر، من أجزاء الكلام. وهو أقدر من الشعر على إظهار الأفكار وعلى التعبير عن الرأي، وعلى الإفصاح عن علم ومعرفة، لكونه كلامًا مرسلًا حرًّا لا يتقيد بقيود، خاليًا من الوزن والقافية ومن المحافظة على القوالب، إلا أنه دون الشعر في التأثير في النفوس وفي اللعب بالعواطف، لما في الشعر من سحر الوزن والقافية، والإنشاد بأنغام متباينة مؤثرة، لا سيما إذا ما اقترن بعزف على آلات طرب. ولوجود القافية والوزن في الشعر، ولكونه أبياتًا، سهل حفظه، وصار من الممكن خزنه في الذاكرة أمدًا طويلًا، ومن هنا امتاز على النثر، الذي لا يمكن حفظه بسهولة، ولا خزنه في الذاكرة، لعدم وجود مقومات الخزن المذكورة فيه. والنثر الذي نقصده ونعنيه، هو النثر الذي يبحث عنه مؤرخ الآداب، لكونه قطعة فنية، تعبر عن عاطفة إنسانية، وعن مظاهر الجمال والذوق والتأثير في النفوس، فيه صياغة وفن في حبك القول، وتفنن في طرق العرض، وإغراء في تنميق الكلم ودبج الكلمات، وحلاوة وطراوة وسحر وبيان، فهو كلام عال لا يشبه كلام العامة، ولا مما يتخاطب به الناس، ولا مما يتعامل به في التجارة والمكسب أو في الدوائر، وإنما هو من قبيل كتب الأدب، ومن قبيل الأمثال والخطابة والمراسلات الأدبية وما شاكل ذلك من وجوه. ولهذا، نستبعد من هذا النثر، ما وصل إلينا من نصوص جاهلية، لأنها كتبت في أغراض أخرى،

стр. 5826

كتبت في تقديم نذور، وفي معاملات: من بيع وشراء، وتثبيت ملك، أو تحديد حدود، أو في قوانين وأوامر، ولم تكتب في أغراض أدبية خالصة. وبين أيدينا خطب طويلة ومتوسطة وقصيرة، نسبها الرواة إلى خطباء جاهليين، زعموا أنهم كانوا في أيامهم آية في الفصاحة والبلاغة والبيان، وأساطير وقصص زعم أهل الأخبار أنها أخبار صحيحة وروايات مروية، وأصول منافرات ومفاخرات ومعاتبات ومشاتمات، زعموا أنها جرت في الجاهلية، وانتقلت أصولها بنصها وفصها وحروفها وكلمها من رواتها إلى الإسلاميين، فدوّنت في كتبهم، كما رووا حكمًا وأمثالًا وأقوالًا، زعموا أنها لحكماء من أهل الجاهلية حفظها الناس حفظًا، ورووها رواية رجلًا عن رجل، وجيلًا عن جيل، حتى وصلت مرحلة التدوين. وكل هذا المسجل الذي نتحدث عنه، هو من مدوّنات أهل الإسلام، ليس فيه من مدوّنات أهل الجاهلية أي شيء. وبين هذا النثر، خطب منمقة مزوّقة، نسبت إلى ملوك وسادات العرب البائدة، الذين بادوا قبل الإسلام بعهد طويل، ومات معهم أدبهم بالطبع، وخطب نسبت إلى التبابعة، وقد هلكوا أيضًا قبل الإسلام، وكلام نسب إلى أنبياء جاهليين، وإلى الجن أيضًا، رواه أهل الأخبار، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الإفصاح عن كيفية وصول تلك الخطب وذلك الكلام إليهم، مع أنهم كرروا القول بأن كلام بعضهم كان كلامًا آخر يخالف كلامنا، وأن عربيتهم لا تشاكل عربيتنا، فكيف نقلوها ودوّنوها إذن في الإسلام؟ إن نثرًا من هذا النوع هو نثر مصطنع بالطبع صنع على لسان أولئك الماضين، من غير شك ولا شبهة، فهو من هذه الناحية مكذوب مرفوض. وأما النثر المنسوب إلى العرب الذين عاشوا قبيل الإسلام، أو أدركوا الإسلام، فالصحيح فيه أقل من المصنوع، خاصة نصوص الخطب والحكم والمواعظ، والقصص والأيام، والوفادات والخطب الطويلة؛ لأن من المستحيل على الذاكرة، حفظ الكلام المنثور بالحروف والكلمات حفظ أشرطة التسجيل له أو للغناء أو الموسيقى، مهما وهب الله تلك الذاكرة من قوة في قدرة الأخذ والحفظ. ثم هي إذا حفظته اليوم، فلا بد وأن تتعثر به غدًا، ثم يزداد تعثرها به بعد ذلك. هذا رسول الله يذكر "قس بن ساعدة الإيادي"، فيقول: "رحم الله قسًّا كأني أنظر

стр. 5827

إليه على جمل أورق، تكلم بكلام له حلاوة لا أحفظه"١، وإذا راجعت نص خطبة "قس" في الموارد، تجد الرواة على اختلاف شديد فيما بينهم في ضبط نصها٢، وهذا حديث رسول الله التام، أي: المروي بالنص، وبالطرق الصحيحة تراه يرد أحيانًا بعبارات مختلفة مع اتحاد المعنى، مما يدل على أن رواته قد أجهدوا أنفسهم جهد طاقتهم في حفظه، لكنهم عجزوا عن حفظه حفظ الكتاب للمكتوب. خذ صيغ التشهد في الصلاة مثلًا، وهي قصيرة العبارة، لا طول فيها، تجد الصحابة والفقهاء يختلفون مع ذلك في ضبطها، فترى نص تشهد "ابن مسعود" يختلف بعض الاختلاف عن نص تشهد "ابن عباس"، وعن نص تشهد "عمر"، وعن نص تشهد "أبي سعيد الخدري"، وعن تشهد "جابر"، مع قول "ابن مسعود": "علمني رسول الله التشهد وكفّي بكفّه، كما يعلمني السورة من القرآن"، وقول "أبي سعيد الخدري": "وكنّا لا نكت إلا القرآن والتشهد"، وقول "جابر": "كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، وقول "جابر": "كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"٣، بل خذ القرآن، وهو كتاب الله المحفوظ المدوّن، الذي حفظه بعض الصحابة، وتلوه على الرسول، وحرصوا على المحافظة على نصه حرصهم على حياتهم، بل أشدّ منها، ودوّنوه ساعة الوحي، وأمام الرسول، ظهرت مع ذلك فيه قراءات، بسبب اختلاف مدارك الصحابة في فهمه وفي حفظه، وبسبب اللهجات وعيوب الخط، فإذا كان هذا ما حدث في أيام الرسول وبعد وفاته بقليل، وقد وقع في أعز كلام بالنسبة للمسلمين، فهل يعقل بعد، التصديق بصحة النصوص المروية لخطب طويلة، زعم أنها قيلت في قصور كسرى، أو بحضرة ملوك الحيرة، أو الغساسنة، أو تبابعة اليمن، أو الكلام المروي عن قوم عاد وثمود، وقوم لوط، وغيرهم وغيرهم ممن هلكوا وبادوا قبل الإسلام بزمن طويل. ثم كيف نصدق بخطب زعم أنها قيلت في الجاهلية، مثل خطبة "النعمان بن المنذر" أمام كسرى، أو خطب الوفد الذي أرسله هذا الملك إلى "كسرى" ليكلمه في أمر العرب٤، وهي خطب طويلة منمقة، على حين يذكر العلماء أن

стр. 5828

"الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي ﷺ ، وإنما رويت بالمعنى". وسبب ذلك، أنهم وجدوا أن من غير الممكن إثبات النص بالرواية من غير تبديل ولا تغيير قد يقع عليه، وخشية وقوع هذا الخطأ في كلام الرسول، وهو أعز كلام، وعليه تترتب الأحكام في الحلال والحرام، جوّزوا الرواية بالمعنى. ولهذا تركوا الاستشهاد بالحديث "على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب١"، ولو وثق العلماء من أن لفظ الحديث، هو لفظ الرسول حقًّا "لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية. وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه ﷺ لم يقل بتلك الألفاظ جميعها، نحو ما روي من قوله: زوجتكها بما معك من القرآن، ملكتكها بما معك من القرآن، خذها بما معك من القرآن، وغير ذلك من الألفاظ الواردة، فتعلم يقينًا أنه ﷺ ، لم يتلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا يجزم بأنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظًا مرادفًا لهذه الألفاظ، فأتت الرواة بالمرادف، ولم تأت بلفظه إذ المعنى هو المطلوب، ولا سيما تقادم السماع وعدم ضبطها بالكتابة والاتكال على الحفظ. والضابط منهم من ضبط المعنى. وأما من ضبط اللفظ فبعيد جدًّا، لا سيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت، فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى"٢. "وفي سنن الترمذي، عن مكحول عن واثلة بن الأسقع قال: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم، ورواية الذهبي في سير أعلام النبلاء: إذا حدثتكم بالحديث على معناه فحسبكم"٣. لقد وجد الصحابة أن من الصعب عليهم حفظ كلام الرسول بالنص والحروف، وهم معه في كل وقت، يحدثهم ويحدثونه، فيشق عليهم ضبط كلامه، وهم لا يكتبونه ولا يكررونه عليه، وليس من الممكن أن يجلس رسول الله، ثم يطلب من أصحابه إعادة كل كلام كلمهم به، فسأله أحدهم: "يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمعه منك، يزيد حرفًا أو ينقص

стр. 5829

حرفًا. فقال: إذا لم تحلّوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا وأصبتم المعنى فلا بأس"١. وكان من الصحابة من يروي حديثه تامًّا، ومنهم من يأتي بالمعنى، ومنهم من يورده مختصرًا، وبعضهم يغاير بين اللفظتين ويراه واسعًا إذا لم يخالف المعنى. وروي عن "مكحول"، "قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع، فقلنا له: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس فيه لا تزيد ولا نسيان! فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًّا. إنا نزيد الواو والألف وننقص، فقال: هذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظًا، وأنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عله وسلم، عسى ألا يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة؟ حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى. وكان ابن أبي ليلى يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا بغير إسناد، وإنما جاء هذا من جهة حفظه، لأن أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون، ومن كتب منهم فإنما كان يُكتب لهم بعد الساع، وكان كثير منهم يروي بالمعنى فكثيرًا ما يعبر عنه بلفظ من عنده فيأتي قاصرًا عن أداء المعنى بتمامه، وكثيرًا ما يكون أدنى تغيير له محيلًا له وموجبًا لوقوع الإشكال فيه، وقد أجاز الجمهور الرواية بالمعنى"٢. ولتجويزهم رواية الحديث بالمعنى، لم يحتج أئمة النحو المتقدمين من المصرين بشيء من الحديث في النحو، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب "ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث، لكان الأولى في إثباته فصيح اللغة كلام النبي، ﷺ ، لأنه أفصح العرب"٣. جرى على ذلك الواضعون الأولون لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصرة، والكسائي، والفراء، وعلي بن المبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفة. فعلوا ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى

стр. 5830

القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية١. وإذا كان هذا موقف ذاكرة الصحابة من كتاب الله ومن حديث رسوله، فهل يعقل أن تكون حافظتهم أقوى وأشد حفظًا وأكثر دقة في رواية كلام هو دون كلام الله وكلام رسوله، فنصدق قول من قال: إن "سلمة بن غيلان" الثقفي مثلًا دخل في ناس من العرب على كسرى، فطُرح لهم مخادُّ عليها صورته، فوضعوها تحتهم، إلا سلمة بن غيلان فإنه وضعها على رأسه، فقال له: ما صنعت؟ قال: ليس حق ما عليه صورة الملك أن يبتذل، وما أجد في جسدي عضوًا لا أكرم ولا أرفع من رأسي فجعلتها فوقه. فقال له: ما أكلك؟ فقال: الحِنطة. فقال: هذا عقل الحنطة٢. أو أن نصدق بكلم وفد "طي" إلى "سواد بن قارب" الدوسي، وامتحانهم إياه، ثم جوابه المسجع على سجعهم٣، أو كلام الكاهنة "عفيراء" الحميرية٤، أو كلام "ابنة الخس"٥، أو كلام "عبد المطلب"، وغيره من سادات قريش مع تبابعة اليمن وحكامها الحبش، وهو كلام مضبوط بالحروف والكلمات، ترويه كتب أهل الأخبار على أنه كلام صحيح صادق، لم ينله تغيير ولا اعتراه تبديل، وكأنه قد سجل على شريط "تسجيل"، أو على أسطوانة، لم تلعب بها يد إنسان. جاء في "لسان العرب": "قيل لسيدنا محمد رسول الله، ﷺ ، الأمي لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولًا وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة، لأنه، ﷺ ، تلا عليهم كتاب الله منظومًا، تارة بعد أخرى، بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، وكان الخطيب من العرب، إذا ارتجل خطبة ثم أعاده زاد فيها ونقص"٦، فإذا كان هذا شأن الخطيب،

стр. 5831

هو مرتجل الخطبة، وصاحبها لا يستطيع إعادة نصها، فكيف يكون حال السامع الذي يسمعها سماعًا، ولا يكتبها على صحيفة، فهل يجوز إذن التصديق بصحة نصوص هذه الخطب وما يروونه عن الجاهليين من أدب منثور!

стр. 5832

السجع: وقد جعل "الجاحظ" كلام العرب أنماطًا، جعله "في الأشعار، والأسجاع، والمزدوج، والمنثور"١. والسجع في تعريف العلماء له: الكلام المقفى، أو موالاة الكلام على رويّ واحد. وقيل: السجع أن يأتلف أواخر الكلم على نسق كما تأتلف القوافي. وسجع يسجع سجعًا: نطق بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن٢. وقد ألِف "الكهان" النطق بالسجع، حتى غلب على كلامهم، واختص بهم، كما اختص الشعر بالشعراء، فعرف لذلك بـ"سجع الكهان". "ولما قضى النبي ﷺ ، في جنين امرأة ضربتها الأخرى، فسقط ميتًا بغرة على عاقلة الضاربة، قال رجل منهم: كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح، فاستهل. ومثل دمه يطل. قال ﷺ : "أسجع كسجع الكهان". وفي رواية: "إياكم وسجع الكهان". وفي الحديث أنه، ﷺ ، نهى عن السجع في الدعاء. قال الأزهري: إنما كره السجع في الكلام والدعاء لمشاكلة كلام الكهنة وسجعهم فيما يتكهنونه، فأما فواصل الكلام المنظوم الذي لا يشاكل السجع، فهو مباح في الخطب والرسائل"٣. وروي الحديث على هذه الصورة: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله، ﷺ ، فقضى رسول الله أن دية جنينها غُرّة، عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثتها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطلّ، فقال رسول

стр. 5833

الله، ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع" ١. قال الجاحظ في معرض كلامه على السجع وقول الرسول: "أسجع كسجع الجاهلية"٢. "وكان الذي كره الأسجاعَ بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدّعون الكهانة، وأن مع كل واحد منهم رئيًا من الجن، مثل حازي جهينة، ومثل شقّ وسطيح، وعُزى سَلمَة، وأشباههم: كانوا يتكهنون، ويحكمون بالأسجاع، كقول بعضهم: والأرض والسماء والعُقاب الصقعاء، واقعة بيقعاء، لقد نفر المجد بني العُشراء، للمجد والسناء. وهذا الباب كثير. ألا ترى أن ضمرة بن ضمرة، وهرم بن قطبة، والأقرع بن حابس، ونفيل بن عبد العزى، كانوا يحكمون، وينفرون بالأسجاع؟ وكذلك ربيعة بن حذار. قالوا: فوقع النهيُ في ذلك الدهر، لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها في صدور كثير منهم، فلما زالت العلة، زال التحريم. وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخُطب أسجاع كثيرة فلا ينهونهم٣. وقد كان الكهّان حكّامًا كذلك، يفصلون في الخصومات بين الناس. يأتي إليهم المتخاصمون، وبعد أن يؤكدوا لهم رضاهم وقناعتهم بحكمهم، يحكمون بينهم فيما يرونه. وينسب الناس إلى الكهان إدراك الغيب برئي يأتي إليهم فيلقي لهم بما يراه، ويعلمهم من المغيبات عما يسألون، ولذلك ورد: أن الكهانة هي ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع، وورد: الكاهن القاضي بالغيب، وكل من أدل بشيء قبل وقوعه٤.

стр. 5834

ويفهم من روايات أهل الأخبار ومن كتب الحديث والموارد الأخرى، أن الكهانة كانت شائعة في الناس، فكانوا يقصدونهم في كل شيء لاستشارتهم وللأخذ برأيهم وللفصل في الخصومات والمنازعات. وقد منعها الإسلام، حتى ورد في كتب الحديث: إن من أتى كاهنًا أو عرافًا فقد كفر١. ونجد في بطون الكتب أمثلة من سجع الكهان. وهو يستحق الدرس والبحث، لتحليل عناصره، وبيان صدقه من كذبه، وصحيحه من فاسده. وفي بعضه مثل ما نسب إلى "زبراء الكاهنة"، محاكاة لأسلوب السور القصيرة من القرآن الكريم٢. وهو مرحلة مهمة من مراحل تطور أسلوب الكلام عند العرب، وهو حري إذن بالدراسة وبالبحث. وقد أشير إلى قول الكهان في القرآن الكريم في آية: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ ٣ و ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤. فقد زعموا أنه كاهن، وزعموا أنه مجنون٥، فوبخوا لزعمهم هذا، وقيل لهم: إن "محمدًا ليس بكاهن؛ فتقولوا: هو من سجع الكهان"٦. "وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهى والأحلام"٧، "فقال الله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾ أن يعبدوا أصنامًا بكمًا صمًّا، ويتركوا عبادة الله، فلم تنفعهم أحلامهم حين كانت لدنياهم"٨، فانزعجوا منه وقالوا عنه: إنه كاهن، وإنه شاعر، وإنه مجنون. وفي اتهامهم الرسول بأنه كاهن، وبأن القرآن "هو من سجع الكهان"٩، دلالة على وجود السجع عند الجاهليين، وأنه كان من نمط الكلام الذي اختصوا به. لا مجال إذن للشك في وجود السجع عندهم، وإن كنا نشك في صحة نصوص السجع المنسوب إليهم.

стр. 5835

ويذكر أهل الأخبار، أن "ضمادًا" لما قدم مكة معتمرًا، "سمع كفار قريش يقولون: محمد مجنون. فقال: لو أتيت هذا الرجل فداويته، فجاءه فقال له: يا محمد، إني أداوي من الريح، فإن شئت داويتك لعل الله ينفعك. فتشهد رسول الله، ﷺ ، وحمد الله وتكلم بكلمات فأعجب ذلك ضمادًا فقال: أعدها عليّ، فأعادها عليه، فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قط، لقد سمعت كلام الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط"١. فالكهنة والسحرة والشعراء هم طبقة خاصة، كانوا يؤثرون في عواطف السامعين باستعمالهم أسلوبًا خاصًّا من الكلام، هو أسلوب السجع، بالنسبة إلى الكهنة والسحرة، والشعر بالنسبة إلى الشعراء. أما الخطباء، فقد كانوا سجاعًا في الغالب، لكنهم كانوا يستعملون المرسل من النثر أيضًا بأساليبه المختلفة. وقد ذكر "الجاحظ" أن "الكهان" كانوا "يتكهنون ويحكمون بالأسجاع"٢، هذه "زبراء" تنذر "بني رئام"، عن أنباء ستقع، فتقول "واللوح الخافق والليل الغاسق، والصباح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق، إن شجر الوادي ليأدوا خَتْلا، ويحرق أنيابًا عُصلا، وإن صخر الطود لينذر ثُكلا، لا تجدون معه معلا، فوافقت قومًا أشارى سكارى، فقالوا: يرح خجوج، بعيدة ما بين الفُرُوج، أنت زبراء بالأبلق النتوج. فقالت زبراء: مهلًا يا بني الأعزة، والله إني لأشم ذفر الرجال تحت الحديد، فقال لها فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ: يا حذاق، والله ما تشمين إلا ذفر إبطيك، فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوي أسنانهم، فانصرف منهم أربعون رجلًا وبقي ثلاثون فرقدوا في مشربهم، وطرقتهم بنو داهن وبنو ناعم فقتلوهم أجمعين"٣. وهذا كاهن "بني أسد" "عوف بن ربيعة"، يأتيه "رئيه"، فيتكهن لقومه قائلًا: "يا عبادي، قالوا: لبيك ربنا، قال: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخبن هذا دمه ينثعب، وهذا غدًا أول من يُسلب، قالوا: من هو يا ربنا؟ قال:

стр. 5836

لولا: أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتُكم أنه حجر ضاحية. فركبوا كل صعب وذلول فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حُجر فهجموا على قبته"١. وهذا "خنافر بن التوءم" الحميري الكاهن، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتيًا، يأتيه "رئيه" بعد غيبة طويلة، فيقول: "خُنافر" فيجيبه: "شصار؟ "، فقال: "اسمع أقل"، قال خنافر: قل أسمع، فقال: عه تغنم، لكل مدة نهاية، وكل ذي أمد إلى غاية. قال خنافر: أجل، فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول، انتسخت النِّحَل، ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك سجير موصول، والنصح لك مبذول، وإني آنست بأرض الشأم، نفرًا من آل العُذام، حكامًا على الحكام، يذبرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف، فأصغيت فزجرت، فعاودت فظلفت، فقلت: بمَ تهيمنون، وإلام تعترون؟ قالوا: خطابٌ كبار، جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار، عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار، تنج من أوار النار، قلت: وما هذا الكلام؟ فقالوا: فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر، من أهل المدر، ابتُعث فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دَثَر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآي الكبر، قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قال: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشابع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق، لا عن تلاق، قلت: من أين أبغي هذا الدين؟ قال: من ذات الإحرَّين، والنفر اليمانين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قال: الحق يثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل، ثم أملس عني. فبت مذعورًا أراعي الصباح، فلما برق لي النور امتطيت راحلتي، وآذنت أعبدي، واحتملت بأهلي حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقابها، وأقبلت أريد صنعاء، فأصبت بها معاذ بن جبل أميرًا لرسول الله، ﷺ ، فبايعته على الإسلام وعلّمني سورًا من القرآن، فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة".

стр. 5837

وهكذا أسلم -على حد قول أهل الأخبار- والفضل يعود في ذلك إلى "رئيه" "شصار" الذي أسلم قبله، وهو من الجن، والجن مثل البشر، منذ ظهر الإسلام بين مسلم وكافر. ولما أسلم "خنافر"، قال شعرًا يحمد الله فيه على أن منّ عليه بالإسلام، ويذكر "رئيه" "شصار" بالخير، إذ لولاه لكان في نار جهنم١. وأسندوا له قوله: ألم ترَ أن الله عاد بفضله ... وأنقذ من لفح الجحيم خنافرا دعاني شصار للتي لو رفضتها ... لأصليت جمرًا من لظى الهون جائرًا وهو خبر يرجع سنده إلى "ابن الكلبي". وقد ذكر في الأخبار المنثورة لابن دريد. وقد ذكر أنه أسلم على يد معاذ بن جبل باليمن٢. لا أدري كيف حفظه "ابن الكلبي" ورواه عن والده، الذي صنعه ووضعه، إلا أن يكون والده قد حضر المحاورة فكان يسجلها، وهو ما يعد من المستحيلات. وقد أمات الإسلام "الكهانة"، فقد اجتثها وحاربها، وحث على نبذ سجع الكهان وأساليب الكهان في الملبس، فكان منهم من قاوم، ثم انخذل، بدخول قومه في دين الله، فدخل معهم في. وفي كتب أهل الأخبار قصص على نمط قصة إسلام "خنافر"، وكلام دار بينهم وبين "رئيهم"، دوّنه أهل الأخبار بالحروف والكلم، لم يتركوا منه حرفًا، وكأنهم كانوا كتاب ضبط محضر جلسات أمروا بتدوين كل محضر ساعة وقوعه. وتجد أخبار الكهان، وما لاقوه من عنت من "رئيهم" حين أدركوا الإسلام، وما أخبروا به من قرب ظهور الرسول كأخبار العراف اللهبي "العائف"٣، و"الغيطلة" الكاهنة٤، والكاهن "خطر"٥"،

стр. 5838

والكاهن "سواد بن قارب" الدوسي١، و"ابن الهيبان"٢، والمأمور الحارثي٣، وغيرهم وغيرهم. ولسجع الكهان، طريقة خاصة به، ميزته عن سجع غيرهم، فهو قصير الفقرات، يلتزم التقفيه وتساوي الفواصل من كل فقرتين أو أكثر، يعمد إلى الألفاظ العامة المبهمة المعماة، وإلى تكوين الجمل الغامضة، ليمكن تأويلها تأويلات متعددة، وتفسيرها بتفاسير كثيرة، لا تلزم الكاهن، فيقع في حرج، كالذي يقع لو تكلم بكلام واضح صريح. فيظهر بمظهر الجاهل الكاذب. أما السجع المنسوب إلى الخطباء، ففقره أطول، وكلمه أوضح، طويل النفس، متحرر نوعًا ما من قيود سجع الكهان، بين الفقر تطابق في الطول، وفي فقره بيان مشرق، فواصله كفواصل الشعر من دون وزن. جهد صاحبه أن يجعل الفواصل واضحة صافية، ذات مقاطع مستقلة في الغالب بمعناها، وينتهي الكلام بانتهائها من غير التزام قافية، وقد يكون مرسلًا، خالصًا من تساوي الجمل والتزام القافية، فهو بين سجع وازدواج وترسل. وقد يكون مزدوجًا، فهو سجع خفيف مقبول. وبالإضافة إلى السجع، واستعمال الألفاظ الغامضة المبهمة، والإيماءة والرموز والتكنية عن الأشياء، تهربًا من التصريح، وحذر افتضاح الأمر، كان الكاهن يلحف في الأسئلة ويمعن في الاستفسار، حتى يستنبط من ذلك بفطنته وذكائه ما يريد السائل، فيعطيه جوابًا مائعًا، شأن جواب السحرة والعرافين، كما كان يعمد إلى القسم بظواهر الطبيعة من كواكب ونجوم، وشمس وقمر، ورياح وعواصف وسحب، وليل ونهار، وشجر وحجر، وأمثال ذلك مما نجده في خطبهم وأقوالهم، وهو شيء يلفت النظر، ويبعث على التعجب من قسم القوم بهذه الأمور. ولكن المتتبع الدارس لعقائد القوم في الجاهلية، ولحياتهم الاجتماعية لا يعجب من ذلك كما لا يعجب من قسمهم بالخبز، والملح، واللبن، والقوس، والعصا، فإن لهذه الأمور وأمثالها معانٍ عميقة عند أهل الجاهلية، فقدت أكثريتها معانيها في

стр. 5839

الإسلام، بسبب إبطاله لتلك العقائد، وإن بقي حشد منها في نفوس الناس إلى هذا اليوم، بسبب رسوخه في العقل والدم. وفي القرآن قسم بالسماء، وبالعاديات، وبالتين والزيتون، وبغير ذلك١، ذهب المفسرون في سبب القسم بها مذاهب، ففسروا وتأولوا، ولو فكروا أن هذا النوع من القسم، هو أسلوب من أساليب العرب في القسم قبل الإسلام، وأن القرآن إنما نزل بلسان العرب، ولذلك اتبع طريقتهم في القسم، لأنه خاطبهم على قدر عقولهم وبلغتهم، عرفوا السبب، ولا زال الأعراب على سجيتهم القديمة في القسم بهذه الأشياء، يقسمون بها كما يقسم المتحضر بأعز شيء عنده. والسجع في الواقع باب من أبواب الشعر، والمرحلة الأولى من مراحله، والبذرة التي أنبتت الشعر العربي. ويتكون من فقرات، وإذا أخذنا الشعر البدائي الذي يكون المرحلة الأولى من الشعر، نرى أنه لا يختلف اختلافًا كبيرًا عن السجع. و"الكلام المسجع"، هو ضرب من ضروب الشعر عند غير العرب. وقد طوّر الشعراء السجع، وأوجدوا منه الشعر، وإذا درسنا أول الشعر العبراني، أو أوليات الشعر عند الشعوب السامية، وعند الشعوب الآرية، نجد أنه نمط من أنماط هذا الكلام الذي نسميه "السجع"٢. وهو لا زال يعد شعرًا عند كثير من شعوب هذا اليوم. والمزاوجة والازدواج بمعنى واحد. وازدوج الكلام وتزواج أشبه بعضه بعضًا في السجع أو الوزن٣، والازدواج لون من ألوان الإفصاح عن الشعور بأسلوب من أساليب الأدب المنثور، أخف على النفس من السجع، وأسهل انقيادًا لأنامل الكتاب منه. وهو على كل حال لون من ألوانه، خفت قيود قوافيه، حتى صار على هذا الشكل. ومن الازدواج قول أحد بني أسد يخاطب رجلًا شيخًا مات ابن له: "اصبر أبا أمامة، فإنه فرط افترطته، وخير قدمته، وذخر أحرزته". فقال مجيبًا له: "ولد دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وُعِدته، والله لئن لم أجزع النفس، لا أفرح بالمزيد"٤.

стр. 5840

وقد تحدث "الجاحظ" في أثناء حديثه عن الشعوبية ومطاعنها على خطباء العرب عن أساليب الجاهليين في الكلام في أمورهم الجليلة مثل المنافرة والمفاخرة، وعقد المعاقدة والمعاهدة وأمثال ذلك، ثم عن أخذهم المخصرة، عند مناقلة الكلام، فقال: "وبمطاعنهم على خطباء العرب: بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام، ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفى، والمنثور الذي لم يُقفّ، وبالأرجاز عند المنح، وعند مُجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادة والمحاورة. وكذلك الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة، واستعمال المنثور في خطب الحمالة، وفي مقامات الصلح وسلّ السخيمة، والقول عند المعاقدة والمعاهدة، وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته، حتى يخرج على غير صنعة ولا اجتلاب تأليف، ولا التماس قافية، ولا تكلف لوزن. مع الذين عابوا من الإشارة بالعصي، والاتكاء على أطراف القسي، وخدّ وجه الأرض بها، واعتمادها عليها إذا اسحنفرت في كلامها، وافتنت يومَ الحفل في مذاهبها، ولزومهم العمائم في أيام الجمُوع، وأخذ المخاصر في كل حال، وجلوسها في خطب النكاح، وقيامها في خطب الصلح وكل ما دخل في باب الحمالة، وأكد شأن المحالفة، وحقق حُرمة المجاورة، وخطهم على رواحلهم في المواسم العظام، والمجامع الكبار، والتماسح بالأكف، والتحالف على النار، والتعاقد على المِلح، وأخذ العهد الموكّد واليمين الغموس، مثل قولهم: ما سرى نجم وهبت ريح، وبل بحر صوفة، وخالفت جرةٌ درة"١. فنحن إذن أمام طرق من الكلام، كل طريق منها يؤدي إلى نوع من الكلام، يستخدم في حالة من الحالات، فمساجلة الخصوم، تكون بالموزون والمقفى، والمنثور الذي لا يقفى، أي: المرسل، أما في حالة الشدة والعمل، مثل المتح، أي: الاستقاء من البئر، وفي حالات البناء ورفع الحجر، وفي القتال، فتستعمل الأرجاز، لتنشيط المهمة. وأما السجع، فيستعمله الكهان، ويستخدم في المنافرة والمفاخرة، وأما المنثور، أي: الكلام المرسل، الخالي من السجع والازدواج، فيستعمل في الحمالة، أي: تحمل ديات قوم لا مال لهم، فيقوم غيرهم بتحمل مبلغ الدية، وفي مقامات الصلح، ودفن الأحقاد والضغائن، إلى غير ذلك من حالات. فالسجع، إذن غير النثر، وغير

стр. 5841

المزاوجة، وغير الرجز. وقد جعل "الجاحظ" الكلام المنثور: أسجاعًا، وأزواجًا، ومنثورًا١. هذه في نظره أساليب النثر. وأنا إذ أصف أسلوب النثر عند الجاهليين، لا أعني أني أثق بصحة هذا النثر المنسوب إليهم، وأثبت صحة نصه، وإنما أنا أصفه مستندًا في وصفي هذا على المدون المعمول عليهم، الوارد إلينا في بطون الكتب؛ لأنه وإن كان في نظرنا مصنوعًا موضوعًا، لكنه صيغ على كل حال وفق أسلوب الجاهليين، وعلى نمط كلامهم، إذ لا يعقل أن يكون الرواة قد اخترعوا تلك الأنماط من الكلام اختراعًا، وأوجدها من العدم إيجادًا، فهم إذ وضعوا على ألسنة أهل الألسنة من العرب، فإنما وضعوا عن تقليد ومحاكاة، وعلى نمط كلام سابق كان مألوفوًا عند أهل الجاهلية الذين أدركوا الإسلام. ودليل ذلك أثره في خطب الخطباء الذين خطبوا أمام الرسول، وفي خطب الخطباء الذين عاشوا في صدر الإسلام. فأنا حين أرفض النصوص، لا أزعم أنه لم يكن لهم نثر، وأن النثر إنما ظهر وعرف في الإسلام، بل أقر أنه قد كان لهم نثر، وكانت لهم خطب وكان لهم كلام، ولكن أقول إن هذه النصوص المثبتة المدوّنة، هي نصوص لا يجوّز العقل أن تكون صحيحة أصيلة مضبوطة؛ لما قلته من عدم قدرة الذاكرة على المحافظة على أصالة النثر. وأود أن أستثني الأمثال الجاهلية من هذا التعميم الذي عممته على نصوص النثر الجاهلي، فالأمثال بحكم إيجازها وكثرة انتشارها على الألسنة، ولكونها أداة تعليمية تحفظها الذاكرة، ولا تخطئ فيها كثيرًا، حافظت لذلك على أصلها ونصها، ودليل ذلك أننا لا نزال نضرب الأمثال بها حتى اليوم، ثم إن منها ما قد ضرب به مثلًا في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي، وفي خطب الخلفاء الراشدين وكتبهم، ولهذا فنحن لا نتعد عن العلم إن قلنا بصحتها من حيث النص والمعنى، أي: من حيث الضبط بالكلم ومن حيث المحافظة على المعنى٢. أما بقية النثر، فأنا على رأيي من عدم إمكان القول بصحة نصوصه، وإن كنت أوافق على جواز بناء بعض النصوص على معان جاهلية، فيكون النص في هذه الحالات من وضع

стр. 5842

الروة، أما المضمون فجاهلي، تطور وتزوق حسب الأفواه التي روته ودبجته، بحيث ظهر على الصورة التي وصلت إلينا. وإذا كان الحال على هذا المنوال، فأين يا ترى نجد النثر؟ وجوابي أنك لا تجد النثر الصحيح المنثور بهذه العربية البينة الفصيحة إلا في القرآن الكريم. فالقرآن الكريم، لكونه كتاب الله وقد دوّن ساعة نزوله، دوّنه كتبة عند نزول الوحي، وأخذه عنهم كتبة آخرون وحفظه الحفاظ، وقرأ الكثير منهم ما كتبه من آي أو ما حفظه منها ومن السور على الرسول، فأيد قراءتهم وثبت كتابتهم، فهو لهذا الكتاب الوحيد المنزل بلسان عربي مبين. لا شبهة في ذلك ولا شك. أرشدنا إلى أساليب الجاهليين في فنون القول، بمخاطبته لهم بلسانهم وبطرق بيانهم، وبأسلوب محاججتهم. وضرب لهم الأمثال بأمثالهم، كي تكون عبرة مقبولة عندهم، وخاطبهم على قدر عقولهم، بلسان عربي مبين، يفهمه كل العرب، ففيه إذن نجد نثر العرب، وإن كان هو أبلغ النثر، وفيه نجد حياة الجاهليين وعقليتهم. وقد وصف "الجاحظ" أسلوب القرآن بقوله: "خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج"١. ثم نجد هذا النثر في الحديث، في الحديث النبوي، وفي الحديث موضوع وضعيف، إلا أن فيه ما لا يشك في صحته. وفيه ما روي بالمعنى، لتجويزهم الرواية عن الرسول بالمعنى، خشية الخطأ في النص، والتقول عليه، ومن تقوَّل على رسول الله متعمدًا، تبوأ مقعده في النار. وقد روي الحديث رواية، أي: مشافهة، غير أن من العلماء من ذكر أن "عبد الله بن عمرو بن العاص"، كان قد كتب حديث الرسول، وذلك أنه استأذنه في أن يكتب حديثه فأذن له. وروي عنه أنه قال: حفظت عنه ألف مَثَل، وروي عن "أبي هريرة" قوله: "ما أجد من أصحاب رسول الله ﷺ ، أكثر حديثًا مني. إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب"٢. ولكننا لم نسمع بما حل

стр. 5843

بالصحف التي دوّن بها "عبد الله" حديث الرسول، ولا أدري إذا كان ما روي عنه في المساند، مثل مسند "أحمد بن حنبل" قد نقل من تلك الصحيفة نقلًا أم رواية١. وهناك روايات تذكر أن "همام بن منبه"، أخذ عن "أبي هريرة"، حديث رسول الله، وكتب ما أخذه في صحيفة عرفت بـ"الصحيفة الصحيحة" في مقابل "الصحيفة الصادقة" المنسوبة لعبد الله بن العاص، ونجد نقولًا منها في البخاري، وفي مسند "أحمد بن حنبل"٢. وقد نشرت هذه الصحيفة في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق٣. وهذه الصحيفة، إن صح أنها من وضع "همام بن منبه" وأنها أصيلة، ذات أهمية كبيرة بالطبع؛ لأنها أقدم صحيفة نعرفها في الحديث بعد صحيفة "عبد الله بن عمرو بن العاص"، وإن كانت دونها في المنزلة؛ لأنها أخذت عن لسان "أبي هريرة"، وأخذ "عبد الله" حديثه من فم الرسول، ومن الجائز أن يكون حديث أبي هريرة بلسانه، أما حديث "عبد الله"، فربما كان بلسانه أيضًا، غير أنه كان ينقله من فم الرسول فيحفظه ثم يدونه، فهو أقرب إلى الصحة من صحيفة "همام". وربما كان "عبد الله"، قد دوّن حديثه بحضرة الرسول، فإن هذا الموضوع، لا زال مجهولًا، لم يبحث بحثًا علميًّا صحيحًا، وهو ينتظر من الباحثين من يقوم بالبحث عنه. ويظهر من أحاديث تنسب إلى الرسول مثل حديث: "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه" ٤، ومن أخبار تنسب إلى "أبي بكر" و"عمر" في النهي عن كتابة الحديث، مثل ما نسبوا إلى "عمر" من أنه كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء من الحديث فليمحه، ومن أنه أنشد الناس أن يأتوه بصحف الحديث، فلما أتوه بها أمر بتخريقها، ثم قال:

стр. 5844

مثناة كمثناة أهل الكتاب!. ومثل ما نسب إلى "علي" من قوله: "اعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم"١، وأمثال ذلك مما نسب إلى الصحابة في النهي عن كتابة الحديث، وفي الحث على تحريق ما قد كان عندهم من صحف وكتب أو إمحائه، أنه قد كان عند الصحابة صحف فيها حديث رسول الله كتبت في أيام الرسول وبعده، كانوا يراجعونها ويستعزون بها، وكان في بعضها ما يشك في صحته وفي صدوره من الرسول، ولخوف الرسول وصحابته من أن يأتي يوم تكون فيه تلك الصحف مرجعًا للناس مثل رجوعهم للقرآن، يتخذونها سندًا لهم، اتخاذ اليهود للمثناة، أي: "المشنا"، أمروا بإتلافها وبالنهي عن التدوين. والاكتفاء بالحديث مشافهة، وبنشره بالرواية. وهي طريقة غير مأمونة أيضًا، فالتدوين أضمن منها وأسلم، ولكنها طريقة كانت متبعة في ذلك الحين، لأسباب لا أستطيع أن أتحدث عنها في هذا المكان، لأن الحديث عن تدوين حديث رسول الله وعن ورود النهي عن تدوينه يخرجنا عن الحدود المرسومة لهذا الكتاب. "على كل" فإن أخذ المحدثين بمبدأ رواية حديث الرسول بالمعنى، كان هو السبب الذي حمل علماء النحو واللغة على عدم الاستشهاد به في شواهد القواعد واللغة، كما بينت ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب. وفي رسائل الرسول وكتبه ووصاياه وخطه وأوامره، وفي خطب الوفود التي كانت تفد عليه، وفي خطب الصحابة، أمثلة على طبيعة وأسلوب الخطب عند الجاهليين، ولا سيما القديم من تلك الخطب الذي ألقاه الخطاء أمام الرسول قبل دخولهم في الإسلام، فهو في الواقع استمرار لأسلوب الخطب في الجاهلية، ألقي بالطريقة المألوفة عندهم التي تمثل التفكير الجاهلي، والعقلية الجاهلية أيام ظهور الإسلام. وإن كنت أشك في صحة كثير من الخطب والرسائل المنسوبة إلى الرسول ذلك لأننا إذا درسنا نصوص هذه الرسائل، نجد أصحاب السير والتواريخ يروونها بصور مختلفة، وفي اختلافهم هذا، دلالة على أن الرواة لم ينقلوها من أصل مكتوب، وإنما أخذوا النص بطريق المعنى والرواية، فوقع من ثَمّ هذا الاختلاف. أضف إلى ذلك فعل التزوير، فقد نص المؤرخون وأرباب السير على أن بعض

стр. 5845

أهل الكتاب وسادات القبائل والرجال، قدموا للخلفاء كتبًا مزورة فيها إقرار قرار وإحقاق حق، للمطالبة بتنفيذ ما جاء فيها، وفي حديث: "من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار" ١، وحديث آخر يشبهه هو: "إن الذي يكذب عليّ يبني له بيتًا من النار"، وأحاديث أخرى من هذا القبيل٢، دلالة على وقوع الكذب على الرسول في حياته وبعد وفاته. وقد ورد أن الرسول "حين جاءته وفود العرب، فكان يخاطبهم جميعًا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم، وعلى ما في لغاتهم من اختلاف الأوضاع وتفاوت الدلالات في المعاني اللغوية، على حين أن أصحابه رضوان الله عليهم ومن يفد عليه من وفود العرب الذين لا يُوجّه إليهم الخطاب كانوا يجهلون من ذلك أشياء كثيرة: حتى قال له علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وسمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره؟ فكان رسول الله ﷺ ، يوضح لهم ما يسألونه عنه مما يجهلون معناه من تلك الكلمات، ولكنهم كانوا يرون هذا الاختلاف فطريًّا في العرب فلم يلتفتوا إليه"٣. فإذا كان الأمر من اختلاف لغات العرب على هذا النحو، وإذا كان الصحابة ومنهم الخلفاء، وهم على ما هم عليه من فصاحة وبلاغة، لم يفهموا كلام الوفود، فهمًا صحيحًا، حتى كان الرسول يفسر لهم ما كان يقوله للوفود، وما كانت الوفود تقوله له، فكيف نصدق بصحة نصوص خطبهم وكلامهم، وقد ألقيت بلهجاتهم الخاصة، ولم يكن هناك كتبة ولا مدوّنون، يدونون محاضر جلسات الرسول مع الوفود، ومحاضر كلامه معهم، وما كان يقع بحضرته من نقاش وكلام؟ وأنت إذا راجعت خطب الرسول التي خطبها في "حجة الوداع" تجدها وقد

стр. 5846

رويت بصورة مختلفة١، وفي هذا الاختلاف دلالة بينة على أنها لم تنقل من أصول مكتوبة، وإنما أخذت من الأفواه، وإلا لما جاز عقلًا وقوعه أبدًا. وسبب ذلك، أن الناس في ذلك الوقت، لم يكونوا قد تعودوا لا في الجاهلية ولا في الإسلام اتخاذ كتّاب لتدوين ما كان يقع لهم من أحداث، ولم يكن عندهم مراسلون يرافقون الملوك والحكّام وسادة القبائل والوفود، لوصف مواكب الملوك ومشاهدهم وحروبهم، وخطبهم ومفاوضاتهم مع سادات القبائل. وكذلك كان الحال في الإسلام، بل ولا رواة لهم ذاكرة قوية، لحفظ أحاديث المجالس والأحداث، وإذاعتها بين الناس؛ لأن العناية بحفظ الأحداث والتواريخ وتخليدها تقتضي وجود وعي بأهمية تدوين التأريخ، ولم يكن هذا الوعي معروفًا آنذاك. ولهذا جاءت أخبار الحوادث عن طريق شهود عيان رووا ما شاهدوه لأصحابهم، كما يروي أي إنسان ما قد يقع له من أمور لأصدقائه، وهؤلاء قصوا تلك المرويات على أصحابهم وعلى من جاء بعدهم بلغتهم، وبهذه الطريقة وصلت الأخبار إلى المدوّنين عندما بُدئ بالتدوين وليس من المعقول بالطبع محافظة الذاكرة على النصوص الأصلية للخطب وللكلام، ولقول الراوي الأول للأحداث. وليس من المعقول أيضًا وصولها سالمة نقية من كل تغيير أو تبديل أو تحريف، ولا سيما في الأمور العاطفية التي تضرب على أوتار العصبية. ولهذه الأسباب وغيرها فنحن لا نستطيع الاطمئنان إلى صحة هذه الأخبار المروية من الأفواه، لما يحتمل أن يكون قد وقع فيها من زيف أو من تحريف عن عمد أو من غير عمد. ولو كانت الذاكرة تعي كل كلام وتحفظ كل حديث بالحرف والكلمة، لما أجاز العلماء رواية حديث الرسول بالمعنى، إذ كان من الصعب حفظه بالحرف. ولا أظن أن أحدًا يقول: إن حفظ أخبار الجاهلية ونصوص كلام رجالها، أهم عند العرب من حفظ حديث الرسول. وأنا أشك في صحة أكثر ما نسب إلى "مسيلمة" من كلام وقرآن. وهو "مسيلمة بن حبيب الحنفي"، المكنى بـ"أبي ثمامة"، والمنعوت بين

стр. 5847

المسلمين بـ "الكذاب"١. واسمه الصحيح "مسلمة"، وقد صغر في الإسلام، ازدراء بشأنه. فقد روي أنه صنع قرآنًا مضاهاة للقرآن، غير أنهم لم يتحدثوا بشيء عن قرآنه. وإذا صح ما ذكره أهل الأخبار من أنه ادعى الوحي بمكة أو باليمامة قبل الإسلام، وأنه نزل على نفسه آيات زعم أنها تنزيل من الرحمان، فيكون قد باشر بتأليف قرآنه قبل الوحي٢. وذكر أن في حقه نزلت الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣. فقد ذكر علماء التفسير أن عبارة: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ، نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة، فيما كان يسجع ويتكهن به. ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخي بني عامر بن لؤي، كان يكتب للنبي ﷺ ، وكان فيما يملي: عزيز حكيم، فيكتب: غفور رحيم فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام، ولحق بقريش. وقال لهم: لقد كان ينزل عليه عزيز حكيم، فأحوله ثم أقول لما أكتب، فيقول: نعم سواء"٤. وكان من حديث "مسيلمة" أن قريشًا قالت للرسول: "بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له: الرحمان، وإنا والله ما نؤمن بالرحمان أبدًا"٥، وذكر أهل الأخبار أن قريشًا "حين سمعت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلهم: دق فوك" إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة"٦، لأنهم كانوا قد سمعوا بدعوته إلى عبادة الرحمان، قبل نزول الوحي على الرسول. وورد "أنهم لما

стр. 5848

سمعوا النبي ﷺ يذكر الرحمن قالت قريش: أتدرون ما الرحمن؟ هو كاهن اليمامة! ". وقد قالوا لمسيلمة: رحمان، وقالوا أيضا فيه: رحمان اليمامة١. وأنا لا أستبعد احتمال مجيئة إلى مكة قبل الإسلام. فقد ذكر أنه تزوج "كبشة" "كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس"٢، وهي من مكة، فلا يعقل عدم مجيئة إلى مكة وإقامته بها بعض الوقت، ومجيئه إليها بين الحين والحين. ومن هنا كان لأهل مكة علم بدعوة مسيلمة إلى عبادة "الرحمان". وقد زعم أنه "كان يقول: أنا شريك محمد في النبوة، وجبريل ﵇ ينزل عليّ كما ينزل عليه، وكان رَجّال بن عنفوة من رائشي نبله، والحاطبين في حَبله، والساعين في نصرته. وكان مسيلمة يقول: يا بني حنيفة، ما جعل الله قريشًا بأحق بالنبوة منكم، وبلادكم أوسع من بلادهم، وسوادكم أكثر من سوادهم، وجبريل ينزل على صاحبكم مثل ما ينزل على صاحبهم. ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجد الناس يتذاكرونه وما يبلغهم عنه، قوله وقول بني حنيفة فيه، فقام يومًا خطيبًا، قال بعد حمد الله والثناء عليه. أما بعد، فإن هذا الرجل الذي تكثرون في شأنه كذّاب في ثلاثين كذّابًا قبل الدجال، فسماه المسلمون مسيلمة الكذاب، وأظهروا شتمه وغيبه وتصغيره، وهو باليمامة يركب الصعب والذّلول في تقوية أمره، ويعتضد برجال بن عنفوة، وهو ينصره ويذب عنه ويصدق أكاذيبه، ويقرأ أقاويله التي منها: والشمس وضحاها، في ضوئها ومن جلاها. والليل إذا عداها، يطلبها ليغشاها، فأدركها حتى أتاها وأطفأ نورها فمحاها"٣. "ومنها: سبح اسم ربك الأعلى، الذي يسر على الحُبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، من بين أحشاء ومعى، فمنهم من يموت ويدس في الثرى، ومنهم

стр. 5849

من يعيش ويبقى إلى أجل ومنتهى، والله يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه الآخرة والأولى. ومنها: اذكروا نعمة الله عليكم واشكروها؛ إذ جعل لكم الشمس سراجًا، والغيث ثجاجًا، وجعل لكم كباشًا ونعاجًا، وفضة وزجاجًا، وذهبًا وديباجًا، ومن نعمته عليكم أن أخرج لكم من الأرض رمّانًا، وعنبًا، وريحانًا، وحنطة وزؤانًا. وكان أبو بكر إذا قرع سمعه هذه الترهات يقول: أشهد أن هذا الكلام لم يخرج من إله"١. "وكان رجّال بن عنفوة صاحب مسيلمة قدم المدينة مرارًا، وقرأ القرآن وأظهر الإيمان، وأسرّ الكفر. ويروى أن النبي ﷺ ، بينما هو جالس في أصحابه، إذ سمع وطئًا من خلفه، فقال: "هذا وطء رجل من أهل النار"، فإذا هو رجّال بن عنفوة. فلما قدم وفد حنيفة على النبي ﷺ -وفيهم مسيلمة إلا أنه لم يلقه- وأظهروا الإسلام وأرادوا الانصراف، أمر لهم ﵊ بجوائز كعادته في الوفود، وقال: "هل بقي منكم أحد؟ " قالوا: لا، إلا رجل منا يحفظ رحالنا -يعنون مسيلمة- فقال ﷺ : "ليس بشرِّكم مكانًا". فلما رجع الوفد إلى مسيلمة وقد بلغه كلام النبي ﷺ ، قال لهم: قد سمعتم قول محمد في: ليس بشرِّكم مكانا، وقد أشركني في الأمر بعده، فعليكم به. ولما انصرفوا إلى اليمامة أعلن مسيلمة النبوة، وادعى الشركة، وفتن أهل اليمامة، وانقسموا بين مصدّق ومكذّب، وراض وساخط. وكتب مسيلمة إلى النبي ﷺ ، كتابًا قال فيه: إلى النبي محمد رسول الله من مسيلمة رسول الله، أما بعد، فإني قد أُشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قومٌ يعتدون ولا يعدلون. وختم الكتاب وأنفذه مع رسولين، فلما قرئ الكتاب على النبي ﷺ ، قال لهما: "ما تقولان؟ " قالا: نقول ما قال أبو ثمامة، فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا يقتلون لقتلتكما".

стр. 5850

وأملى في الجواب: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". ولما صدر الرسولان إلى مسيلمة الكذاب افتعل كتابًا يذكر فيه أنه جعل له الأمر من بعده، فصدّقه أكثر بني حنيفة. وبلغ من تبركهم به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو لمريضهم، ويبارك لمولودهم، وجاءه قوم بمولود لهم فمسح رأسه فقرع. وجاءه رجل يسأله أن يدعو لمولود له بطول العمر، فمات من يومه. وكان ثمامة بن أثال الحنفي يقشعر جلده من ذكر مسيلمة، وقال يومًا لأصحابه: إن محمدًا لا نبي معه ولا بعده، كما أن الله تعالى لا شريك له في ألوهيته، فلا شريك لمحمد في نبوته. ثم قال: أين قول مسيلمة: يا ضفدع نِقي نقي، كم تنقين! لا الماء تكدرين، ولا الشِربَ تمنعين، من قول الله تعالى الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿حم?، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . فقالوا: أوقح بمن يقول مثل ذلك مع مثل هذا! "١. وقد روي قول "مسيلمة" في الضفدع على هذا النحو: "يا ضفدع بنت ضفدعين: نقي ما تنقين. نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين"٢. وروي أن وفد اليمامة لما قدم على "أبي بكر" بعد مقتل مسيلمة، "قال لهم: ما كان صاحبكم يقول؟ فاستعفوه من ذلك، فقال: لتقولن. فقالوا: يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الشارب٣ تمنعين، ولا الماء تكدرين في كلام من هذا كثير. فقال أبو بكرك: ويحكم! إنّ هذا الكلام لم يخرج من إلّ ولا بر، فأين ذهب بكم"٤؟، أو أنه قال: هذا كلام ما أتى من عند إل، أي: من عند الله. وهو في الأسماء الأعجمية إيل، مثل إسرافيل، وجبريل، وميكائيل، وإسرائيل، وإسماعيل"٥. وقيل: الإلّ:
следующие страницы →