← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

رويت بصورة مختلفة١، وفي هذا الاختلاف دلالة بينة على أنها لم تنقل من أصول مكتوبة، وإنما أخذت من الأفواه، وإلا لما جاز عقلًا وقوعه أبدًا. وسبب ذلك، أن الناس في ذلك الوقت، لم يكونوا قد تعودوا لا في الجاهلية ولا في الإسلام اتخاذ كتّاب لتدوين ما كان يقع لهم من أحداث، ولم يكن عندهم مراسلون يرافقون الملوك والحكّام وسادة القبائل والوفود، لوصف مواكب الملوك ومشاهدهم وحروبهم، وخطبهم ومفاوضاتهم مع سادات القبائل. وكذلك كان الحال في الإسلام، بل ولا رواة لهم ذاكرة قوية، لحفظ أحاديث المجالس والأحداث، وإذاعتها بين الناس؛ لأن العناية بحفظ الأحداث والتواريخ وتخليدها تقتضي وجود وعي بأهمية تدوين التأريخ، ولم يكن هذا الوعي معروفًا آنذاك. ولهذا جاءت أخبار الحوادث عن طريق شهود عيان رووا ما شاهدوه لأصحابهم، كما يروي أي إنسان ما قد يقع له من أمور لأصدقائه، وهؤلاء قصوا تلك المرويات على أصحابهم وعلى من جاء بعدهم بلغتهم، وبهذه الطريقة وصلت الأخبار إلى المدوّنين عندما بُدئ بالتدوين وليس من المعقول بالطبع محافظة الذاكرة على النصوص الأصلية للخطب وللكلام، ولقول الراوي الأول للأحداث. وليس من المعقول أيضًا وصولها سالمة نقية من كل تغيير أو تبديل أو تحريف، ولا سيما في الأمور العاطفية التي تضرب على أوتار العصبية. ولهذه الأسباب وغيرها فنحن لا نستطيع الاطمئنان إلى صحة هذه الأخبار المروية من الأفواه، لما يحتمل أن يكون قد وقع فيها من زيف أو من تحريف عن عمد أو من غير عمد. ولو كانت الذاكرة تعي كل كلام وتحفظ كل حديث بالحرف والكلمة، لما أجاز العلماء رواية حديث الرسول بالمعنى، إذ كان من الصعب حفظه بالحرف. ولا أظن أن أحدًا يقول: إن حفظ أخبار الجاهلية ونصوص كلام رجالها، أهم عند العرب من حفظ حديث الرسول. وأنا أشك في صحة أكثر ما نسب إلى "مسيلمة" من كلام وقرآن. وهو "مسيلمة بن حبيب الحنفي"، المكنى بـ"أبي ثمامة"، والمنعوت بين

стр. 5847

المسلمين بـ "الكذاب"١. واسمه الصحيح "مسلمة"، وقد صغر في الإسلام، ازدراء بشأنه. فقد روي أنه صنع قرآنًا مضاهاة للقرآن، غير أنهم لم يتحدثوا بشيء عن قرآنه. وإذا صح ما ذكره أهل الأخبار من أنه ادعى الوحي بمكة أو باليمامة قبل الإسلام، وأنه نزل على نفسه آيات زعم أنها تنزيل من الرحمان، فيكون قد باشر بتأليف قرآنه قبل الوحي٢. وذكر أن في حقه نزلت الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣. فقد ذكر علماء التفسير أن عبارة: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ، نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة، فيما كان يسجع ويتكهن به. ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخي بني عامر بن لؤي، كان يكتب للنبي ﷺ ، وكان فيما يملي: عزيز حكيم، فيكتب: غفور رحيم فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام، ولحق بقريش. وقال لهم: لقد كان ينزل عليه عزيز حكيم، فأحوله ثم أقول لما أكتب، فيقول: نعم سواء"٤. وكان من حديث "مسيلمة" أن قريشًا قالت للرسول: "بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له: الرحمان، وإنا والله ما نؤمن بالرحمان أبدًا"٥، وذكر أهل الأخبار أن قريشًا "حين سمعت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلهم: دق فوك" إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة"٦، لأنهم كانوا قد سمعوا بدعوته إلى عبادة الرحمان، قبل نزول الوحي على الرسول. وورد "أنهم لما

стр. 5848

سمعوا النبي ﷺ يذكر الرحمن قالت قريش: أتدرون ما الرحمن؟ هو كاهن اليمامة! ". وقد قالوا لمسيلمة: رحمان، وقالوا أيضا فيه: رحمان اليمامة١. وأنا لا أستبعد احتمال مجيئة إلى مكة قبل الإسلام. فقد ذكر أنه تزوج "كبشة" "كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس"٢، وهي من مكة، فلا يعقل عدم مجيئة إلى مكة وإقامته بها بعض الوقت، ومجيئه إليها بين الحين والحين. ومن هنا كان لأهل مكة علم بدعوة مسيلمة إلى عبادة "الرحمان". وقد زعم أنه "كان يقول: أنا شريك محمد في النبوة، وجبريل ﵇ ينزل عليّ كما ينزل عليه، وكان رَجّال بن عنفوة من رائشي نبله، والحاطبين في حَبله، والساعين في نصرته. وكان مسيلمة يقول: يا بني حنيفة، ما جعل الله قريشًا بأحق بالنبوة منكم، وبلادكم أوسع من بلادهم، وسوادكم أكثر من سوادهم، وجبريل ينزل على صاحبكم مثل ما ينزل على صاحبهم. ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجد الناس يتذاكرونه وما يبلغهم عنه، قوله وقول بني حنيفة فيه، فقام يومًا خطيبًا، قال بعد حمد الله والثناء عليه. أما بعد، فإن هذا الرجل الذي تكثرون في شأنه كذّاب في ثلاثين كذّابًا قبل الدجال، فسماه المسلمون مسيلمة الكذاب، وأظهروا شتمه وغيبه وتصغيره، وهو باليمامة يركب الصعب والذّلول في تقوية أمره، ويعتضد برجال بن عنفوة، وهو ينصره ويذب عنه ويصدق أكاذيبه، ويقرأ أقاويله التي منها: والشمس وضحاها، في ضوئها ومن جلاها. والليل إذا عداها، يطلبها ليغشاها، فأدركها حتى أتاها وأطفأ نورها فمحاها"٣. "ومنها: سبح اسم ربك الأعلى، الذي يسر على الحُبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، من بين أحشاء ومعى، فمنهم من يموت ويدس في الثرى، ومنهم

стр. 5849

من يعيش ويبقى إلى أجل ومنتهى، والله يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه الآخرة والأولى. ومنها: اذكروا نعمة الله عليكم واشكروها؛ إذ جعل لكم الشمس سراجًا، والغيث ثجاجًا، وجعل لكم كباشًا ونعاجًا، وفضة وزجاجًا، وذهبًا وديباجًا، ومن نعمته عليكم أن أخرج لكم من الأرض رمّانًا، وعنبًا، وريحانًا، وحنطة وزؤانًا. وكان أبو بكر إذا قرع سمعه هذه الترهات يقول: أشهد أن هذا الكلام لم يخرج من إله"١. "وكان رجّال بن عنفوة صاحب مسيلمة قدم المدينة مرارًا، وقرأ القرآن وأظهر الإيمان، وأسرّ الكفر. ويروى أن النبي ﷺ ، بينما هو جالس في أصحابه، إذ سمع وطئًا من خلفه، فقال: "هذا وطء رجل من أهل النار"، فإذا هو رجّال بن عنفوة. فلما قدم وفد حنيفة على النبي ﷺ -وفيهم مسيلمة إلا أنه لم يلقه- وأظهروا الإسلام وأرادوا الانصراف، أمر لهم ﵊ بجوائز كعادته في الوفود، وقال: "هل بقي منكم أحد؟ " قالوا: لا، إلا رجل منا يحفظ رحالنا -يعنون مسيلمة- فقال ﷺ : "ليس بشرِّكم مكانًا". فلما رجع الوفد إلى مسيلمة وقد بلغه كلام النبي ﷺ ، قال لهم: قد سمعتم قول محمد في: ليس بشرِّكم مكانا، وقد أشركني في الأمر بعده، فعليكم به. ولما انصرفوا إلى اليمامة أعلن مسيلمة النبوة، وادعى الشركة، وفتن أهل اليمامة، وانقسموا بين مصدّق ومكذّب، وراض وساخط. وكتب مسيلمة إلى النبي ﷺ ، كتابًا قال فيه: إلى النبي محمد رسول الله من مسيلمة رسول الله، أما بعد، فإني قد أُشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قومٌ يعتدون ولا يعدلون. وختم الكتاب وأنفذه مع رسولين، فلما قرئ الكتاب على النبي ﷺ ، قال لهما: "ما تقولان؟ " قالا: نقول ما قال أبو ثمامة، فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا يقتلون لقتلتكما".

стр. 5850

وأملى في الجواب: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". ولما صدر الرسولان إلى مسيلمة الكذاب افتعل كتابًا يذكر فيه أنه جعل له الأمر من بعده، فصدّقه أكثر بني حنيفة. وبلغ من تبركهم به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو لمريضهم، ويبارك لمولودهم، وجاءه قوم بمولود لهم فمسح رأسه فقرع. وجاءه رجل يسأله أن يدعو لمولود له بطول العمر، فمات من يومه. وكان ثمامة بن أثال الحنفي يقشعر جلده من ذكر مسيلمة، وقال يومًا لأصحابه: إن محمدًا لا نبي معه ولا بعده، كما أن الله تعالى لا شريك له في ألوهيته، فلا شريك لمحمد في نبوته. ثم قال: أين قول مسيلمة: يا ضفدع نِقي نقي، كم تنقين! لا الماء تكدرين، ولا الشِربَ تمنعين، من قول الله تعالى الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿حم?، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . فقالوا: أوقح بمن يقول مثل ذلك مع مثل هذا! "١. وقد روي قول "مسيلمة" في الضفدع على هذا النحو: "يا ضفدع بنت ضفدعين: نقي ما تنقين. نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين"٢. وروي أن وفد اليمامة لما قدم على "أبي بكر" بعد مقتل مسيلمة، "قال لهم: ما كان صاحبكم يقول؟ فاستعفوه من ذلك، فقال: لتقولن. فقالوا: يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الشارب٣ تمنعين، ولا الماء تكدرين في كلام من هذا كثير. فقال أبو بكرك: ويحكم! إنّ هذا الكلام لم يخرج من إلّ ولا بر، فأين ذهب بكم"٤؟، أو أنه قال: هذا كلام ما أتى من عند إل، أي: من عند الله. وهو في الأسماء الأعجمية إيل، مثل إسرافيل، وجبريل، وميكائيل، وإسرائيل، وإسماعيل"٥. وقيل: الإلّ:

стр. 5851

الربوبية، والأصل الجيد والمعدن الصحيح، أي: لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن. ويجوز أن يكون بمعنى النسب والقرابة، من قوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ ، وقول حسّان: لعمرك إن إلّك من قريش ... كإلِّ السقب من رأل النعام١ وقد ذكر "الطبري" في مقدمة تفسيره، أن القرآن لما نزل على الرسول،"أقر جميعهم بالعجز وأذعنوا له بالتصديق، وشهدوا على أنفسهم بالنقص، إلا من تجاهل منهم وتعامى، واستكبر وتعاشى، فحاول تكلف ما قد علم أنه عنه عاجز، ورام ما قد تيقن أنه غير قادر عليه، فأبدى من ضعف عقله ما كان مستورًا ومن عيّ لسانه ما كان مصونًا، فأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الأخرق، والجاهل الأحمق، فقال: والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا ونحو ذلك من الحماقات المشهبة دعواه الكاذبة"٢. والطبري وإن لم يصرح باسم قائل هذه الحماقات، لكنه قصد به مسيلمة من غير شك. أما أن تلك الآيات آيات قالها "مسيلمة" حقًّا، فتلك قضية لا يمكن إثباتها، فلما قتل، وضع أصحابه عليه أمورًا كثيرة، قد يكون في جملتها هذه الآيات. أما قرآنه الذي قيل: إنه وضعه يضاهي به القرآن، فقد هلك هلاكه، ولم أجد أحدًا ذكر أنه وقف عليه، ونقل منه، ولعلّه كان كلامًا لم يسجل في حياة مسيلمة، وإنما كان محفوظًا في صدر صاحبه وفي صدور أتباعه، ودخل من دخل من أصحابه في الإسلام طمس أثر ذلك القرآن. وقد دوّن "الرافعي" الآيات التي أخذتها من تفسير الطبري، على هذه الصورة: "والمُبذرات زَرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردت ثردا، واللاقمات لَقما، إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه،

стр. 5852

والمُعتر فآووه، والباغي فناوئوه"١. ونسب "الرافعي" له قوله: "والشاءِ وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حم المذق فما لكم لا تمجعون. وقوله: "الفيلُ ما الفيل، وما أداك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل". وروي أنه "جعل يسجع لهم الأساجيع ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى"٢، أو أنه قال: "ألم ترَ على ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى"٣. روي أنه قال هذه الآيات لسجاج لما أراد الدخول بها، فقالت: "وماذا أيضًا؟ قال: أوحى إليّ: أن الله خلق النساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قُعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا انتاجا. قالت أشهد أنك نبي، قال: هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وبقومك العرب! قالت: نعم، قال: ألا قومي إلى النيك ... فقد هُيي لك المضجع وإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناكِ ... وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع قالت: بل به أجمع. قال بذلك أوحى إليّ. فأقامت عنده ثلاثًا ثم انصرفت على قومها، فقالوا: س ما عندك؟ قالت: كان على الحق فاتبعته فتزوجته، قالوا: فهل أصدقك شيئًا؟ قالت: لا، قالوا: ارجعي إليه، فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق! فرجعت، فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن، وقال: مالك؟ قالت: أصدقني صداقًا، قال: من مؤذنك؟ قالت: شبث بن ربعي

стр. 5853

الرياحي، قال: علَّي به، فجاء، فقال: ناد في أصحابك أن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد: صلاة العشاء الآخر وصلاة الفجر١". وأما "سيف" فذكر أنه صالحها "على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة، وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها، فباح لها بذلك، وقال: خلفي على السلف من يجمعه لكِ، وانصرفي أنت بنصف العام، فرجع فحمل إليها النصف، فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة"٢. وذكر أن "سجاح" لما دخلت قبة "مسيلمة"، "قالت له: أخبرني بما يأتيك به جبريل؟ فقال لها: اسمعي هذه السورة: انكن معشر النساء خلقن أمواجًا، وجعل الرجال لكن أزواجًا، يولجن فيكن إيلاجًا، لا ترون فيه فتورا ولا إعوجاجا، ثم يخرجونه منكن إخراجا، فقالت له: صدقت، والله إنك لنبيّ مرسل"، وهي قصة أخذت من موارد سابقة، مثل الطبري، غير أنها غيرت فيها بعض التغيير، تنتهي بأنه رفع عن قومها صلاة العشاء والصبح لأجل المهر٣. وزعم أن "من قرآن مسيلمة الذي يزعم أنه نزل عليه، لعنه الله عليه: والنازعات نزعا، والزارعات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات ذروا، فالطاحنات طحنا، والنازلات نزلا، فالجامعات جمعا، والعاجنات عجنا، فالخابزات خبزا، والثاردات ثردا، فالآكلات أكلا، والماضغات مضغا، فالبالعات بلعا"٤. وقد اتخذ قتل "مسيلمة" فخرًا، فادعى قتله بنو عامر بن لؤي، وادعى بعض الخزرج قتله، وادعى "بنو النجار" قتله، وادعى "حبشي" قاتل حمزة قتله، وكان "معاوية يدعي قتله" ويدعي ذلك له "بنو أمية". وذكر أن "عبد الملك بن مروان" قضى لمعاوية بقتل مسيلمة٥، وهو قضاء سياسي لا أصل له بالطبع.

стр. 5854

ويظهر أن بني حنيفة بقوا على تعلقهم بمسيلمة، حتى بعد مقتله وذهاب أمره. ففي خبر ينسب إلى "ابن مُعَيْز" السعدي أنه مر على مسجد بني حنيفة، فسمعهم يذكرون "مسيلمة"، ويزعمون أنه نبي، فأتى "ابن مسعود" فأخبره، فبعث إليهم الشرط، فجاءوا بهم فاستتابوا فخلي عنهم، وقدم "ابن النواحة" فضرب عنقه١. هذا، ويدل تعلق "بني حنيفة" وغيرهم من عرب اليمامة بمسيلمة، واستماتتهم في الدفاع عنهم، وتذكرهم له حتى بعد هلاكه، على أنه كان شخصية مؤثرة قوية، سحرت أتباعها، حتى انقادوا له هذا الانقياد. وقد نص "ابن حجر" على قتل "ابن مسعود" لابن النواحة، إلا أنه لم يذكر أن ذلك كان بسبب اعتقاده بنبوة "مسيلمة"، وإنما ذكر أنه "كان قد أسلم ثم ارتد فاستتابه عبد الله بن مسعود، فلم يتب فقتله على كفره وردّته"٢. واسم "ابن النواحة" "عبادة بن الحارث" أحد بني عامر بن حنيفة٣. ويروى أن "الأخطل" الضبعي، قال في مسيلمة: لهفًا عليك أبا ثمامة ... لهفًا على رُكْنَىْ شمامة كم آية لك فيهمُ ... كالبرق يلمع في غمامة وكان "الضبعي" شاعرًا، زعم أنه ادعى النبوة، وكان يقول: لمضر صدر النبوة، ولنا عجزها، وقد ضرب عنقه "عمر بن هبيرة"، ومن شعره لنا شطر هذا الأمر قسمة عادل متى جعل الله الرسالة تُرتبا٤ أي راتبة في واحد. وسئل "الأحنف بن قيس" رأيه في مسيلمة، فقال: "ما هو بنبي صادق ولا بمتنبئ حاذق"٥.

стр. 5855

وأنا لا أستبعد ما نسب إلى "مسيلمة" من دعوى نزول الوحي عليه، وتسمية ذلك الوحي "قرآنًا" أو كتابًا أو سفرًا، أو شيئًا آخر، ولكني استبعد صحة هذه الآيات التي نسبتها الكتب إليه، وأرى أن أكثرها ورد بطريق آحاد، فلما نقلها الخلف عن السلف، وكثر ورودها في الكتب ظهرت وكأنها أخبار متواترة، وصارت في حكم ما أجمع عليه. وقد رويت بعض الآيات مثل: آية الضفدع، بصور متعددة مختلفة، مع أنها أشهر وأعرف آية أو آيات نسبت إليه، فما بالك بالآيات الأخرى، ثم إننا نجد الرواة يناقضون أنفسهم كثيرًا فيما نسبوه إليه، وبعضه مما لا يعقل صدوره من مسيلمة، مثل شعره الذي قاله لسجاح، حين أراد الدخول بها، وهل يعقل أن يقول إنسان يدعي النبوة مثل هذا الكلام الفاحش أمام الناس، ليدون ويسجل عليه! وقد ذكر "ابن النديم" أن لابن الكلبي مؤلفًا خاصًّا ألفه في مسيلمة دعاه: "كتاب مسيلمة الكذاب"، لم يصل إلينا، وله كتاب آخر في بني حنيفة اسمه: "كتاب أيام بني حنيف"، وهم قوم مسيلمة، وكتاب دعاه: "كتاب أيام قيس بن ثعلبة"١. وزعم أن من كلام "طليحة" الأسدي الذي قاله لأصحابه: "والحمام واليمام، والصرد والصَّوَّام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام"٢. وروى "الطبري" سجعا من سجع "سجاح"، وكانت نصرانية راسخة في النصرانية، قد علمت من علم تغلب، هو قولها لأتباعها: "عليكم باليمامة، ودفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة"، فلما جاءت مع قومها اليمامة، قال لها مسيلمة: "لنا نصف الأرض، وكان لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش، فحباك به، وكان لها لو قبلت. فقالت: لا يرد النصف إلا من حنف، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف. فقال مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذ طمع، ولا زال أمره في كل ما سرّ نفسه يجتمع. رآكم ربكم فحياكم، ومن وحشة

стр. 5856

خلاكم، ويوم دينه أنجاكم، فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربكم الكبار، رب الغيوم والأمطار. وقال أيضا: لمّا رأيت وجوههم حسُنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنكم معشر أبرار تصومون يومًا، وتكلفون يومًا، فسبحان الله! إذا جاءت الحياة تحيون، وإلى ملك السماء ترقون! فلو أنها حبة خردلة، لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور. وكان مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولدًا واحدًا عقبًا لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد، حتى يصيب ابنًا ثم يمسك، فكان قد حرّم النساء على من له ذكر"١. وبلاغة الكلام معروفة عند الجاهليين، فقد كانوا ينعتون المتكلم الجيد بالبليغ، وفي القرآن الكريم: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ٢.والبليغ الفصيح الذي يبلغ بعبارته كنه ضميره ونهاية مرامه٣. سأل "معاوية" "صحار بن عياش" العبدي٤، ما البلاغة؟ فقال: لا تخطئ ولا تبطئ. أو أنه قال له: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز. قال: ما الإيجاز؟ قال: أن لا تبطئ ولا تخطئ. وكان قد دهش من فصاحته وبلاغته، فقال له: ما هذه البلاغة فيكم؟ قال: شيء يختلج في صدورنا فنقذفة كما يقذف البحر بزبده٥. وقد ميز "الطبري" وغيره من العلماء بين الخطباء وبين الفصحاء والبلغاء، فالخطباء هم من جماعة صناع الكلام، وصناعتهم صناعة الخطب، وذكر بعدهم "البلغاء"، صناع البلاغة، ثم "الشعر" والفصاحة، فجعل للشعر في مقابل الفصاحة، ثم السجع والكهانة، وقال: "كل خطيب منهم وبليغ، وشاعر منهم

стр. 5857

وفصيح"١، فالخطيب هو الذي يخطب باسم الوفد أو القوم، وله لذلك عندهم مقام جليل، لأنه عقل من يتكلم باسمهم ولسانهم، والبليغ من يتحدث ويتكلم في المجالس والأندية، بكلام بليغ رصين، والفصيح من يفصح ويعرب بلسانه، ونجدهم يقولون أحيانًا: خطيب فصيح، وشاعر فصيح، فالفصاحة صفة تلحق بالمتكلم ناثرًا كان أو كان شاعرًا. وللبيان عند العرب مقام كبير. وقد أشاد القرآن بالبيان، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٢. فجعل البيان في جملة ما علمه الله الإنسان. ونعت القرآن بأنه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣، ووصف القرآن بقوله: ﴿طس، تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٤. وينسب إلى الرسول قوله: "إن من البيان لسحرا" ٥، وورد في المثل: "جرح اللسان كجرح اليد". هو في شعر امرئ القيس". يضرب في تأثير الوقيعة٦، وفي أثر القول في فعل الناس. وروي أن ذوي الفهم والعلم من قريش تأثروا ببلاغة القرآن وفصاحته، فروي أن "الوليد بن المغيرة"، وكان من بلغاء قريش وفصائحهم ومن علمائهم بالشعر، لما دخل على "أبي بكر" يسأله عن القرآن "فلما أخبره خرج على قريش. فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون"، أو أنه قال لما سمع القرآن: "والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر"، أو أنه قال: "سمعت قولًا حلوًا أخضر مثمرًا، يأخذ بالقلوب. فقالوا: هو شعر. فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عرضت عليّ الشعراء شعرهم! نابغة وفلان وفلان. قالوا: فهو كاهن. فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت

стр. 5858

عليّ الكهانة. قالوا: فهذا سحر الأولين اكتتبه. قال: لا أدري إن كان شيئًا فعسى هو إذا سحر يؤثر"١، أو أنه قال أشياء أخرى من هذا القبيل، اتفقت في المعنى والمقصد، واختلفت في العبارات. كما روي أن قومًا من قريش ومن غيرهم، أسلموا بتأثير بيان القرآن عليهم، فقد روي أن "عمر بن الخطاب" أسلم على ما يقال حين سمع القرآن. روي عنه أنه قال: "خرجت أتعرض لرسول الله ﷺ ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن. فقلت: هذا والله شاعر، كما قالت قريش. فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ فقلت: كاهن. قال: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ حتى ختم السورة. قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع"٢. وهي رواية تخالف ما جاء في خبر إسلامه، من أنه كان قد خرج يريد قتل الرسول، فتلقاه "نعيم بن عبد الله" النحّام، وكان من المسلمين، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال له: "أريد محمدًا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفّه أحلامها، وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله"، فقال له "نعيم": "أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطّاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه فعليك بهما"، فرجع عمر عامدًا إلى أخته وختنه وعندهما "خباب بن الأرت" معه صحيفة فيها "طه" يقرئها إياها، فلما سمعو حس عمر، أخذت "فاطمة" الصحيفة. فلما دخل "عمر"، قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا: ما سمعت شيئًا، ثم قال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأونها أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. فأبت أخته إعطاءها إلا أن يغتسل، فاغتسل عمر، فأعطته الصحيفة وفيها "طه" فقرأها وتأثر بها فأسلم٣.

стр. 5859

ورووا أن "سويد بن الصامت"، صاحب صحيفة لقمان، كان ممن أعجب بالقرآن ورووا أن "جبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل"، وكان من أكابر قريش ومن علماء النسب، قدم على النبيّ، فسمعه يقرأ "الطور"، فأثرت القراءة فيه، وقد أسلم فيما بعد، بين الحديبية والفتح، وقيل: في الفتح١. والفصاحة في معنى البلاغة، فهي مرادف لها في الاستعمال. والفصيح هو البين في اللسان والبلاغة، ولسان فصيح، أي: طلق٢. وقد اشتهر "قس بن ساعدة الإيادي" في الفصاحة حتى ضرب به المثل فيها، فقيل: أفصح من قس وأنطق من قس٣، وأبين من قس، أي: أفصح٤، وأبلغ من قس وقد ذكره "الأعشى" بقوله: وأبلغ من قسّ وأجرأ من الذي ... بذي الغيل من خفان أصبح خادرًا كما ذكره الحطيئة بقوله: وأبلغ من قس وأمضى إذا مضى ... من الريح إذ مسّ النفوس نكالها٥ ونسبوا إلى "قس" قوله ينصح ولده: "إنّ المِعا تكفيه البقلة. وترويه المذقة، ومن عيّرك شيئًا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، ومتى عدلت على نفسك عَدَل عليك من فوقك، وإذا نَهَيْتَ عن شيء فإنْهَ نفسك، ولا تجمع ما لا تأكل، ولا تأكل ما لا تحتاج إليه، وإذا ادخرت فلا يكونَنَّ كنزك إلا فعلك. وكن عف العيلة، مشترك الغنى، تسد قومك. ولا تشاورن مشغولًا وإن كان حازمًا، ولا جائعًا، وإن كان فهمًا، ولا مذعورًا وإن كان ناصحًا ولا تضعنّ في عنقك طوقًا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك. وإذا خاصمت فاعدل،

стр. 5860

وإذا قلت فاقتصد. ولا تستودعن أحدًا دينك وإن قربت قرابته، فإنك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلًا، وكان المستودَع بالخيار في الوفاء والغدر، وكنت له عبدًا ما بقيت. وإن جنى عليك كنت أولى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك"١. وقد اشتهرت "إياد" بالفصاحة والبيان، وبقدرة في اللسان. وقد ظهر منهم جملة خطباء٢. واشتهرت "بنو أسد" بالخطابة كذلك، قال "يونس بن حبيب": "ليس في بني أسد إلا خطيب، أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس. قال: وليس في هذيل إلا شاعر أو رام، أو شديد العدو"٣. والآن، وبعد أن انتهينا من الكلام على النثر. نقول: هل كان للجاهليين أدب منثور؟ أي: مدونات من الأدب المنثور. لقد ذهب البعض إلى أنه لو كان للجاهليين أدب منثور مدون، لعدّ عجيبًا اختفاء آثاره هذا الاختفاء الكلي، حتى من أحاديث العرب المنقولة٤. والواقع أن من غير الممكن في الوقت الحاضر البت علميًّا في هذا الموضوع، لأننا لا نملك أدلة علمية، لنستنبط منها أحكامًا تؤيد أو تنفي وجود التدوين في الجاهلية. أما مسألة عدم ورود نصوص أدبية منثورة إلينا، أو عدم ورود إشارات إلى وجودها في الجاهلية، فإنها أمور لا يمكن أن تكون حجة على إثبات عدم وجود التدوين عند الجاهليين، إذ لا يجوز أنها كانت، ولكنها تلفت، بسبب كونها كانت مكتوبة على مواد سريعة التلف، فهلكت، كما هلكت مدونات صدر الإسلام، حيث لم يصل من أصولها إلا النزر اليسير، وهو نزر يشك في أصالته وصحته. وذهب بعض إلى وجود أدب منثور، إذ لا يعقل وجود أدب منظوم، ثم لا يكون للعرب أدب منثور. ويتجلى طراز هذا الأدب في الأمثلة والحكم المنسوبة

стр. 5861

إلى الجاهليين. أما مؤلفات وكتب، وصحف مدونة فلم يصل منها إلينا أي شيء. ولكن ذلك لا ينفي عدم وجودها عند أهل الجاهلية. وقد تحدثت عن موضوع التدوين عند الجاهليين في موضع آخر من هذا الكتاب. وللجاحظ رأي في كلام العرب، فهو يرى أن "كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناةٌ ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام "فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحد من ولده"، على حين يكون كلام العجم "عن طول فكرة وعن اجتهاد رأي، وطول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكير ودراسة الكتُب١. وقد حصر أصناف البلاغة عند العرب بالقصيد والرجز، وهما من الشعر، وبالمنثور، وهو الكلام المرسل، وبالأسجاع، وبالمزدوج وما لا يزدوج من الكلام٢. أما موضوع وجود ترجمات جاهلية عربية للتوراة والإنجيل والكتب الشرعية الأخرى المعتبرة عند أهل الكتاب، فموضوع لم يتفق عليه الباحثون حتى الآن. نعم ورد في الأخبار أن الأحناف كانوا قد وقفوا على كتب الله، وقرأوها بالعبرانية وبالسريانية، وأنهم كتبوا بهما وبالعربية٣، ولكن هذه الأخبار غامضة غير واضحة، يجب أخذها بحذر، كما ورد أن بعض الرقيق من أهل الكتاب ممن كان بمكة كان يقرأ كتاب الله، وكانت قريش ترى رسول الله يمرّ عليه ويجلس عنده ويستمع إليه، فقالت: إنما يتعلم "محمد" منه٤، ولكن الأخبار الواردة عن هذا الموضوع لا تشير إلى أن هذا الذي زعم أنه كان يعلم الرسول، كان قد دوّن ترجمة كتب الله، أو تفاسيرها بالعربية، وأن الناس قد وقفوا عليها. وأما ما ورد من أمر "عمرو بن سعد بن أبي وقاص" "عمرو بر سعد

стр. 5862

بر أبي وقاص" المذكور في تأريخ "ميخائيل السوري" "المتوفي سنة ١١٦٩ للميلاد" البطريق "البطريارك يوحنا" بطريق اليعاقبة، ترجمة "الإنجيل" من السريانية إلى العربية ثم ما جاء من وقوع خلاف بين "عمرو" وبين "البطريارك" بشأن الترجمة، ثم من استعانة "البطريارك" بعد ذلك برجال من "تنوخ"، و"عاقولا"، و"طيء"، كانوا يتقنون العربية والسريانية للقيام بالترجمة. ولترجمة التوراة، مع رجل يهودي، فإنه خبر غير مؤكد، وقد شك فيه بعض الباحثين، وربما وضع للطعن في "البطريارك"، وضعه خصومه عليه١. ولم تأت جهود "بومشتارك" وتلامذته بنتائج مؤكدة مقبولة عن إثبات وجود كتب للصلاة بالعربية، ترجمت من السريانية إليها قبل الإسلام٢. ومن المحتمل أن رجال الدين كانوا يعظون نصارى العرب في الجاهلية بالعربية، أما نصوص الصلاة، فكانوا يلقونها بالسريانية. وربما كان الحال على هذا المنوال بالنسبة إلى رجال الدين المتنقلين مع الأعراب، فقد كانوا يتنقلون معهم، يعلمونهم ويرشدونهم بالعربية، ولكنهم لم يكونوا قد ترجموا كتب الصلوات ترجمة مدونة بلغتهم. وقد ورد أن رجال الدين كانوا يحملون "الدفة" معهم، حيث تحل القبائل، لترتيل الصلوات على المذابح المتنقلة، فعل ذلك رجال الدين مع "بني ثعلب" وقبائل من اليمن وغيرها٣. وينطبق ما أقوله على العرب الجنوبيين أيضًا، فلم يعثر حتى الآن على دليل يثبت وجود ترجمات بعربيات جنوبية للتوراة أو الإنجيل أو الكتب الدينية الأخرى. ولكن هناك أخبارًا يذكرها أهل الأخبار تشير إلى وجود مثل هذه الترجمات، غير أننا لا نتمكن من التسليم بها، لما فيها من عناصر تدعو إلى الشك في أمرها وعدم إمكان الأخذ بها في الوقت الحاضر.

стр. 5863

وقد ورد أن عرب بلاد الشام من لخم وجذام وغسان وقضاعة وتغلب وكلب وغيرهم، "وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية"١، وقُصد بالعبرانية السريانية، ولهذا لم يأخذ علماء اللغة عنهم. غير أنهم لم يشيروا إلى ما كانوا يقرأون، ويظهر أنهم قصدوا بذلك الصلوات والكتب المقدسة، يقرأونها عليهم بالسريانية وربا ترجموا ما قرأوه عليهم إلى العربية.

стр. 5864

الفصل الثالث والأربعون بعد المئة: الخطابة والخطابة وجه آخر من أوجه النشاط الفكري عند الجاهليين. وقد كان للخطيب عندهم، كما يقول أهل الأخبار، مقام كبير للسانه وفصاحته وبيانه وقدرته في الدفاع عن قومه والذبّ عنهم والتكلم باسمهم، فهو في هذه الأمور مثل الشاعر، لسان القبيلة ووجهها. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء جماعة من الخطباء، اشتهروا بقوة بيانهم وبسحر كلامهم، وأوردوا نماذج من خطبهم. ومنهم من اشتهر بنظم الشعر، وعدّ من الفحول، مثل عمرو بن كلثوم١. قال "الجاحظ": "وكان الشاعر أرفع قدرًا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرًا من الشاعر"٢. وذكروا أن الشعراء كانوا في أرفع منزلة عند العرب، وما زال الأمر كذلك حتى أفضى الشعر إلى قوم اتخذوه أداة للتكسب وسعوا به في كل مكان، فوضعوه أمام الملوك والسوقة، سلعة في مقابل ثمن، واستجداء لأكف الناس، فأنف منه الأشراف وتجنبه السادة، ونبهت الخطابة. وصار للخطيب شأن كبير، ارتفع على شأن الشاعر. ولخص "الجاحظ" ذلك بقوله: "كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر

стр. 5865

الذي يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم، ويهوّل على عدوّهم ومن غزاهم، ويهيّب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر"١. وكانوا يحبّون في الخطيب أن يكون جهير الصوت، ويذمون الضئيل الصوت. وأن يكون مؤثرًا شديد التأثير في نفوس سامعيه حتى يسحرهم ويأخذ بألبابهم. وكانوا يجعلون مثل هؤلاء الخطباء ألسنتهم الناطقة إذا تفاخروا أو حضروا المجالس أو تفاوضوا في أمر، أو أرادوا تأجيج نيران الحروب، أو عقد صلح، أو البت في أي أمر جلل. ولذلك صارت الخطابة من أمارات المنزلة والمكانة، فصارت في ساداتهم وأشرافهم الذين يتكلمون باسمهم في المحافل والمجامع العظام. وقد ذكر "الجاحظ"، أن حمل العصا المخصرة دليل على التأهب للخطبة. والتهيؤ للإطناب والإطالة، وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم. حتى أنهم ليذهبون في حوائجهم والمخاصر بأيديهم، إلفًا لها، وتوقعًا لبعض ما يوجب حملها: والإشارة بها"٢. ولا يخطب أحدهم إلا وعنده عصًا أو مخصرة، جرى على ذلك عرفهم حتى في الإسلام. "قال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي"، وأراد معاوية سحبان وائل على الكلام، فلم ينطق حتى أتوه بمخصرة٣. وكانوا يعتمدون على الأرض بالقسي، ويشيرون بالعصا والقنا، ومنهم من يأخذ المخصرة في خطب السلم، والقسي في الخطب عند الخطوب والحروب. وذكر أن من عوائدهم أن يكون الخطيب على زيّ مخصوص في العمامة واللباس٤. وأن يخطب الخطيب وعلى رأسه عمامة، علامة المكانة والمنزلة عند الجاهليين. وذكر أيضًا أن من عوائدهم ألا يخطب الخطيب وهو قائد إلا في خِطبة النكاح. كما ذكر أن منهم من كان

стр. 5866

يخطب وهو على راحلته١. وذكر "الجاحظ" أن الشعوبية طعنت على "أخذ العرب في طبها المخصرة والقناة والقضيب، والاتكاء والاعتماد على القوس، والخدّ من الأرض، والإشارة بالقضيب". وذكر أن من المستحسن في الخطيب أن يكون جهوري الصوت، قليل التلفت، نظيف البزة، وأن يخطب قائمًا على نشر من الأرض، أو على راحلته، وأن يحتجز عمامته، ويكمل هذه الخصال شرف الأصل وصدق اللهجة٢. وقد كان بين الخطباء من كان يقول الشعر بالإضافة إلى علو شأنه بالنثر. غير أن العادة، أن الشعراء لم يبلغوا في الخطابة مبلغ الخطباء، وأن الخطباء دون الشعراء في الشعر. "ومن يجمع الشعر والخطابة قليل"٣. ومن الشعراء الخطباء: "عمرو بن كلثوم" التغلبي، و"زهير بن جناب"، و"لبيد"٤، و"عامر ابن الظرب العدواني"٥. وذكر "الجاحظ" أن العرب استعملت الموزون، والمقفى، والمنثور في مساجلة الخصوم، والرجز، في الأعمال التي تحتاج إلى تنشيط وبعث همة، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادلة والمحاورة، واستعملت الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة، واستعملت المنثور في الأغراض الأخرى٦،وقال أيضًا: "وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحد من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر،

стр. 5867

وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، ويحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب"١. ويظهر أن من الخطباء من استعمل السجع في خطبه، ولا سيما في المفاخرات والمنافرات وأمور التحكيم٢، وهو في الغالب. ومنهم من كان يستعمل الكلام المرسل وذلك في الأمور الأخرى. ولغلبة السجع على الخطب، قال بعض علماء اللغة: "الخطبة عن العرب: الكلام المنثور المسجع ونحوه"٣. وقسم "الجاحظ" الخطب على ضربين، فقال: "اعلم أن جميع خطب العرب من أهل المدر والوبر والبدو والحضر على ضربين، منها الطوال، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويًا في الجودة، ومتشاكلًا في استواء الصنعة، ومنها ذات الفِقر الحسان والنتف الجياد. وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما حفظه التخليد في بطون الصحف. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع"٤. وقد اقتضى النظام الاجتماعي والسياسي في الجاهلية أن يقيم العرب للخطابة وزنًا خاصًّا في المفاوضات التي تكون في داخل القبيلة للنظر في أمورها وفي شئونها الخاصة بها في أيام السلم وفي أوقات الغزو والغارات، في حالتي الهجوم والدفاع. وأقاموا لها وزنًا خاصًّا بالمناسبة للمفاوضات التي جرت بين القبائل، أو بين القبائل والملوك. ثم في المفاخرات وفي المنافرات. فكل هذه الأمور وأشباهها استدعت ظهور أناس بلغاء اعتمدوا على حسن تصرفهم في تنظيم الكلم وفي تنسيق الجمل وفي التلاعب بالألفاظ للتأثير على القلوب والأخذ بمجامع الألباب. فربَّ كلمة كانت تقيم قبيلة وتقعدها لتلاعب الخطيب بقلبها بسحر بيانه وفي كيفية اختيار ألفاظه واستخدامه مواضع الإثارة التي يعرف أنها ستثير النار الدفينة في أفئدة سامعيه.

стр. 5868

ولهذا كانوا لا يختارون لمن يتكلم باسم قومه إلا من عرف بسحر لسانه وقوة بيانه، ليتمكن بما وهب من مرونة وتفنن في كلامه من التغلب على خصمه وإفحامه، ولما مات "أبو دليجة" "فضالة بن كلدة" رثاه "أوس بن حجر" بكلمة مؤثرة تعبر عن مبلغ شعوره وشعور قومه للفاجعة الأليمة التي جعلت قوم الخطيب في لبس وبلبال، لعدم وجود من سيحل محله في الدفاع عنهم، إذ حفلوا لدى الملوك، فيقول: أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ ... أمسوا من الخطب في لبس وبلبال أم من يكون خطيب القوم إذ حفلوا ... لدى الملوك ذوي أيد وأفضال١ وندخل في الخطباء جماعة عرفت بإلقاء المواعظ والنصائح في أمور الدين والأخلاق والسلوك وفي التفكير، وهم قوم تأثروا بالمؤثرات الثقافية التي كانت في أيامهم بسبب وجود اليهود والنصارى بينهم، وبسب اتصالهم بالرهبان والمبشرين في داخل جزيرة العرب وفي خارجها، فأخذوا يحثون قوهم على التعقل والتأمل والتفكر في أمور دينهم ودنياهم، وترك ما هم عليه من عبادة الأصنام والتقرب إلى الأوثان، وهي حجارة صلبة، أو من خشب أو معدن لا يسمع ولا يجيب. وينسب إليهم، أنهم كانوا على دين إبراهيم، على ألسنة العربية الأولى دين الفطرة دين التوحيد. وينسب إليهم أيضًا، أنهم كانوا يقرأون ويكتبون، لا بالعربية وحدها، بل بالعبرانية والسريانية أيضًا، وأنهم كانوا يتدارسون التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء، إلى غير ذلك من دعاوى قد تكون وضعت عليهم. وهم قوم سبق أن تحدثت عنهم، وقلت عنهم أنهم الأحناف. وإذا درسنا الأغراض التي توخاها أهل الجاهلية من الخطابة، نجدها تكاد تتجمع في الأمور الآتية: التحريض على القتال، وإصلاح ذات البين، ولمّ شعث، لكثرة ما كان يقع بينهم من تنافر وتشاحن، ثم السفارات إلى القبائل أو الملوك، لأغراض مختلفة، مثل التهنئة والتعزية، أو طلب حاجة، وحلّ معضل، أو إنهاء خصومة، ثم الجلوس لحل الديات وإنهاء نيران الثأر، ثم التفاخر والتنافر والتباهي بالأحساب والأنساب والمآثر والجاه والمال، ثم في الوفادات حيث تقتضي

стр. 5869

المناسبة إلقاء الخطب، أو في الحث على التعقل والتفكر وتغيير رأي فاسد، كما في خطب قس بن ساعدة الإيادي وفي خطب الأحناف، ثم في المناسبات الأخرى مثل تعداد مناقب ميت، أو خطب الإملاك وما إلى ذلك. ومن أشهر الخطب المنسوبة إلى الجاهليين، الخطب التي زعم أن "أكثم بن صيفي"، و"حاجب بن زرارة"، وهما من "تميم"، و"الحارث بن ظالم"، و"قيس بن مسعود"، وهما من "بكر"، و"خالد بن جعفر"، و"علقمة بن علاثة"، و"عامر بن الطفيل" من "بني عامر"، قالوها في مجلس كسرى، يوم أرسلهم "النعمان بن المنذر" إليه، ليريه درجة فصاحة العرب ومبلغ بيانهم وعقلهم، مما أثار إعجاب "كسرى" بهم، حتى عجز عن تفضيل أحدهم على الأخر، مما جعله يقر ويعترف بذكاء العرب وبقوة بيانهم وبقوة عقلهم، فقدرهم لذلك حق قدرهم وأكرمهم. وهي خطب مصنوعة موضوعة، قد تكون من وضع جماعة أرادت بها الرد على الشعوبيين الذين كانوا ينتقصون من قدر العرب، ومن لسان العرب، ومن دعوى الإعجاز في لغتهم، فصنعت هذا المجلس، وعملت تلك المحاورة والخطب في الرد عليهم، وهي تتناول صميم ذلك الجدل. وأكثر ما نسب إلى زيد وأمثاله من الأحناف مختلق، وضع عليهم فيما بعد وأكثر ما ورد عنهم في شرح حياتهم هو من هذا النوع الذي يحتاج إلى إثبات. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نفر من الجاهليين قالوا عنهم: إنهم كانوا من خطباء الجاهلية المشهورين المعروفين، وقد أدخلوا بعضهم في المُعَمرين. والمُعَمَّر في عرفهم من بلغ عشرين ومئة سنة فصاعدًا، وإلا، لم يعدوه من المعرمين١. وعلى رأس من ذكروا: "دويد بن زيد بن نهد بن ليث بن أسود بن أسلم الحميري"، فهو إذن من حمير. وقد ذكر أنه عاش أربع مئة سنة وستًّا وخمسين سنة، ونسبوا إليه وصية أوصى بها بنيه٢. ولكنهم لم يذكروا متى عاش، وفي أي زمان مات، وكيف أوصى بنيه بهذه اللهجة الحجازية، لهجة القرآن الكريم، وهو من حمير، وحمير لها لسانها وكتابتها.

стр. 5870

وذكر أهل الأخبار اسم "زهير بن جناب بن هبل" في ضمن المشهورين في البيان والفصاحة والمنطق عند الجاهليين، ويذكرون أنه كان على عهد "كليب بن وائل"، وأنه كان لسداد رأيه كاهنًا، ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى "رزاح بن ربيعة"، وقالوا إنه: "كان سيد قومه وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، وأوفدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وحازي قومه، وفارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم"١. وقد ذكروا له وصية أوصى بها بنيه، وأبيات شعر، زعموا أنه نظمها. وذكروا أيضًا "مرثد الخير بن ينكف بن نوف بن معد يكرب بن مضحى"، زعموا أنه كان قيلًا حدبًا على عشيرته، محبًّا لصلاحهم. وكان من أفصح الفصحاء وأخطب الخطباء، وزعموا أيضًا أنه أصلح بين القيلين: "سبيع بن الحرث" و"ميثم بن مثوب بن ذي رعين"، وأوردوا ما دار بينهم من نقاش وحوار٢ ضبطوه وسجلوه، حتى لكأن كاتب ضبط كان حاضرًا بينهم كُلِّفَ تسجيلَ محضر ذلك الحديث. وعدّ "الحارث بن كعب المذحجي" من هذه الطبقة البليغة التي اشتهرت بسحر البيان. وقد زعم أهل الأخبار أنه كان على دين "شعيب" النبيّ، وهو دين لم يكن قد دخل فيه غيره وغير "أسد بن خزيمة" و"تميم بن مرّ". وقد ذكروا له وصيّة لأبنائه، أوصاهم بها حين شعر بدنو أجله، بعد أن عاش على زعمهم ستين ومئة سنة٣. ولم يذكر أهل الأخبار شيئًا عن هذا الدين، دين شعيب. وليس في الوصية المنسوبة إليه ما يميزه عن غيره من الخطباء، مثل قس بن ساعدة الإيادي أو غيره من المتألهين الرافضين لعبادة الأوثان. وعدّ علماء الأخبار كعب بن لؤي في جملة الخطباء القدماء، وذكروا أنه كان يخطب على العرب عامة، ويحض كنانة على البر. وكان رجلًا طيبًا خيرًا،

стр. 5871

فلما مات، أكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل١. وكان ابن عمار عمرو بن عمار الطائي خطيب مذحج كلها، وكان شاعرًا كذلك، فبلغ النعمان حسن حديث، فاستدعاه، وحمله على منادمته. وكان النعمان أحمر العينين والجلد والشعر، وكان شديد العربدة، قتالًا للندماء، فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته، ولكنه لم ينته، فلما قتله النعمان، رثاه أبو قردودة، وهجا النعمان٢. وعدّوا "عبد المطلب" في جملة خطباء قريش، الذين كانوا يخطبون في الملمات وفي الأمور العظيمة، وكان وافد أهل مكة على ملوك اليمن، فإذا مات ملك منهم، أو تولى ملك منهم العرش، ذهب إلى اليمن معزيًّا ومهنئًا. فهو خطيب القوم إذن٣. ومن خطباء "غطفان" في الجاهلية: "خويلد بن عمرو"، و"العُشَراء بن جابر" من "بني فزارة"، وخويلد خطيب يوم الفجار٤. وأما بقية من ذكر أهل الأخبار من خطباء الجاهلية، فهم: "أبو الطَّمَحان القني"، واسمه حنظلة بن الشرقي من "بني كنانة بن القين"٥، و"ذو الأصبع العدواني" وهو من حكام العرب كذلك٦، و"أوس بن حارثة"٧، و"أكثم بن صيفي التميمي"، وهو من حكام العرب أيضًا. وقد ذكر أن "يزيد بن المهلب" كان يسلك طريقته في خطبه ووصاياه٨، و"عمرو بن كلثوم"، وهو من الخطباء الشعراء البارزين في الفنين. وقد ذكروا له خطبة نصح ووصية ذكروا أنه أوصى بها بنيه، في الأدب والسلوك٩، و"نعيم بن ثعلبة الكناني".

стр. 5872

وكان ناسئًا، ينسئ الشهور، وقيل: إنه أول من نسأها. وكان يخطب في الموسم١، و"أبو سيّارة العدواني"، واسمه "عميلة بن خالد الأعزل"٢، و"الحارث بن ذبيان بن لجأ بن منهب اليماني"٣. وفي الملمات والأوقات العصيبة وفي الوفدات على الملوك يُختار خيرة الخطباء المتكلمين المعروفين بأصالة الرأي وبسرعة البديهة والجواب، ليبيضوا الأوجه، ويؤدوا المهمة على أحسن وجه. ولما قدم النعمان بن المنذر الحيرة، بعد زيارته لكسرى، وتفاخره عنده بقومه العرب، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العر وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين، وإلى الحارث بن عباد "الحارث بن ظالم"، وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المريّ، وهم خيرة من عرفهم في أيامه بالأصالة في الرأي وبقوة البيان، وطلب منهم الذهاب إلى كسرى والتكلم معه، ليعرف عقل العرب وصفاء ذهنها. فذهبوا وتكلموا، فأعجب بهم، وقدرهم حق تقدير٤. وذكر عن حاجب بن زرارة: أنه وفد على كسرى لما منع تميمًا من ريف العراق، فاستأذن عليه، وتحدث معه، فأرضاه، وأذن عندئذ لتميم أن يدخلوا الريف. وقد وفد ابنه عُطارد على كسرى أيضًا بعد وفاة والده٥. وأدرك "الربيع بن ضبيع الفزاري" الإسلام كذلك، ويذكر أهل الأخبار أنه أدرك أيام عبد الملك بن مروان٦. وإذا كان هذا صحيحًا، فيجب أن يكون قد عاش معظم أيامه في الإسلام. أما في الجاهلية، فقد كان طفلًا، أو شابًّا، وإن ذكر أهل الأخبار أنه كان من المعمرين.

стр. 5873

ومن الخطباء عطارد بن حاجب بن زرارة، وقد خطب أمام الرسول١. ومن خطباء غطفان في الجاهلية: خويلد بن عمرو، والعشراء بن جابر بن عقيل٢. وكان الأسود بن كعب، المعروف بالكذاب العنسي، الذي ادعى النبوة من الخطباء كذلك٣. وذكر أهل الأخبار اسم: "قيس بن عامر بن الظرب"، و"غيلان بن سلمة الثقفي" في جملة حكام العرب. وذكروا أنه كان قد خصص يومًا له يحكم فيه بين الناس، ويومًا ينشد فيه شعره. وذكروا من حكام قريش عبد المطلب، وهاشم بن عبد مناف، وأبا طالب والعاص بن وائل٤. وعدّوا "قيس بن زهير العبسي" من خطباء الجاهلية المعروفين، وقد ذكروا عنه أنه جاور "النمر بن قاسط" بعد "يوم الهباءة"، وتزوج منهم. ثم رحل عنهم إلى "غمار"، فتنصر بها، وعف عن المآكل، حتى أكل الحنظل إلى أن مات٥. وله أمثلة مذكورة في كتب الأمثال٦. وقيل فيه: "أدهى من قيس بن زهير"، ومن أقواله: "أربعة لا يطاقون: عبد ملك، ونذل شبع، وأمة ورثت، وقبيحة تزوجت"، وله أمثال عديدة٧. وذكر أنه طرد إبلًا لبني زياد، وباعها من عبد الله بن جدعان، وقال في ذلك شعرًا٨. وأما "سحبان بن زفر بن إياس" المعروف بـ"سحبان بن وائل الباهلي"، فإنه خطيب ضرب به المثل في الفصاحة فيقال: "أخطب من سحبان وائل"، و"أفصح من سحبان وائل"، و"أنطق من سحبان"، و"أبلغ من سحبان"، لمن يريدون مدحه وإعطاءه صفة البيان. وذكر أنه عاش في الجاهلية

стр. 5874

وعاش في الإسلام حتى أدرك أيام معاوية١. وقد عرف بخطبته "الشوهاء"، قيل لها ذلك لحسنها. وذلك أنه خطبها عند معاوية فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب٢. "وكان إذا خطب لم يعد حرفًا ولم يتلعثم، ولم يتوقف، ولم يتفكر بل كان يسيل سيلًا"٣. وقد ورد أنه توفي سنة "٥٤هـ"٤. ذكر أنه دخل على معاوية وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا، لعلمهم بقصورهم عنه، فقال: لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها فقال له معاوية: أخطب، فطلب عصًا، فلما أحضرت له خطب جملة ساعات، فقال معاوية: أنتَ أخطب العرب، قال: أو العرب وحدها، بل أخطبُ الجن والإنس٥. وقد اشتهرت إياد وتميم بالخطابة وبشدة عارضة خطبائها وبقوة بيانهم٦. وقد ذكر أن معاوية ذكر تميمًا، فقال: "لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم"٧. وهناك قبائل أخرى أخرجت خطباء مشهورين، نسبت إليهم خطب بليغة. وقد يكون من الأعمال المفيدة النافعة، وضع دراسة خاصة بعدد الخطباء الذين نبغوا في القبائل، وبدراسة خطبهم، وبمساكن أولئك الخطباء ومهاجر قبائلهم، فإن دراسة علمية مثل هذه تعيننا كثيرًا على الوقوف على تطور هذه اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، والقبائل التي تكلمت بها سليقة وطبعًا. وذكر "الجاحظ" أن شأن "عبد القيس" عجب "وذلك أنهم بعد

стр. 5875

محاربة إياد تفرقوا فرقتين: ففرقة وقعت بعمان وشق عمان، وهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين، وهم من أشعر قبيل في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة. وهذا عجب"١. وذكر "الجاحظ" أن "معاوية" كان يعجب من فصاحة "عبد القيس"، ولما اجتمع بـ "صحار بن العباس" "صحار بن العياش"، المعروف بـ"صحار العبدي"، عجب من بلاغته وفصاحته، فقال له: ما هذه البلاغة فيكم؟ قال: شيء يختلج في صدورنا، فنقذفه كما يقذ البحر بزبده. قال: فما البلاغة؟ قال: أن تقول فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ٢. وورد في "كتاب الحيوان"، للجاحظ، أنه قال له: "ما الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ"٣. وله كلام فيما يجب أن يقال عند تذكر الأحسان٤. وكان نسابة، وله مع "دغفل" النسابة محاورات٥. وقد ذكر "ابن النديم"، أن له من الكتب: "كتاب الأمثال"٦، وقد أشاد "الجاحظ" بعلمه في الأنساب، وذكره فيمن ذكر ممن ألف في كتب النسب، من أمثال "ابن الكلبي"، و"الشرقي بن القطامي"، و"أبي اليقظان"، و"أبي عبيدة"، و"دغفل بن حنظلة" النسابة، و"ابن لسان الحمرة"، و"ابن النطاح" اللخمي٧. وكان لبني عبد القيس، اتصال بمكة قبل الإسلام، لهم معها تجارة. يرسلون إليها التمر والملاحف والثياب والتجارة المستوردة من الهند. وقد أشير إليها في خبر إسلام "الأشج": "أشج" عبد القيس، واسمه "المنذر بن عائذ بن الحارث بن المنذر بن النعمان" العبدي. فقد أرسل ابن أخته "عمرو بن عبد القيس".

стр. 5876

إلى مكة عام الهجرة، ومعه تجارة من تمر وملاحف، فلقيه النبي، وهداه إلى الإسلام، وكان مثل قومه نصرانيًّا، فأسلم، وتعلم سورة الحمد واقرأ باسم ربك. فلما باع تجارته وعاد، أخبر خاله "الأشج" بإسلامه، فأسلم وكتم إسلامه حينًا، فلما كان عام الفتح، خرج مع وفد من أهل "هجر" وعبد القيس، وصل المدينة، وقابل الرسول، وأعلنوا إسلامهم، فقدموا بلادهم، وحوّلوا "البيعة" مسجدًا١. وممن اشتهر من "بني عبد القيس" بالخطابة والفصاحة: "صعصعة بن صوحان" العبدي، وأخواه: "سيحان" و"زيد". وقد شهد "صفين" مع "علي"، وكانت له مواقف مع معاوية، وقد مات في خلافته. "وقال الشعبي: كنت أتعلم منه الخطب"، وله شعر٢. وذكر في أثناء تحدث أهل الأخبار عن "الردة" وادعاء "لقيط بن مالك" الأزدي النبوة، أن "الحارث بن راشد"، و"صيحن بن صوحان" العبدي جاءا على رأس مدد من "بني ناجية" و"عبد القيس"، لمساعدة "عكرمة" و"عرفجة"، و"جبير"،و"عبيد"، فاستعلاهم، فلما وصل المدد انهزم "لقيط"، وقتل ممن كان معه عشرة آلاف٣. ولعل "صيحان" هذا هو أخ "صعصعة بن صوحان". ومن منازل "عبد القيس" "دارين" و"الزارة"، وكان بها رهبان وبيع٤، ويظهر أن النصرانية كانت متفشية بين "عبد القيس"،وردت إليها من العراق. وكان "بنو عبد القيس" من العرب المتحضرين بالنسبة إلى أعراب البوادي، ولهم اتصال بالعالم الخارجي، وقد قام المبشرون بنشر الكتابة بينهم، ولا بد وأن تكون كتابتهم بالقلم العربي الشمالي، الذي كان يكتب به النصارى العرب. ونجد في قرى البحرين أناسًا من مختلف الأجناس، بسبب اتصالها بالبحر.

стр. 5877

ومجيء الأقوام إليها من الهند وإيران والعراق، فظهرت فيها ثقافة، امتصت غذاءها من مختلف الثقافات. وهناك من اشتهر بالخطابة وكان قريب عهد من الإسلام، أو أدركه وأسلم، منهم: "قس بن ساعدة الإيادي". وقد رآه الرسول، وسمعه يتكلم، وهو راكب على جمل أورق. ويذكر أن الرسول قال: "يرحم الله قسًّا، إني لأرجو يوم القيامة أن يبعث أمة وحده"١. وقد عدّه بعض الباحثين من النصارى، ولكن معظم أهل الأخبار يرى أنه كان على الحنيفية، أي: على التوحيد، لا هو من يهود، ولا هو من النصارى٢. وقد ذكر أهل الأخبار أنه "كان من حكماء العرب وأعقل من سمع به منهم، وهو أول من كتب من فلان إلا فلان، وأول من أقر بالبعث من غير علم، وأول من قال: أما بعد، وأول من قال: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"٣. وأنه أول من خطب على شرف، وأول من اتكأ عند خطبته على سيف أو عصا٤. وكان أحكم حكماء العرب، وأبلغ وأعقل من سمع به من إياد. وبه ضرب المثل في الخطابة والبلاغة٥. روي أن الرسول سمع كلام "قس بن ساعدة" الإيادي ورواه، ذكر "الجاحظ" أن رسول الله "هو الذي روى كلام "قس بن ساعدة" وموقفه على جمله بعُكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر من تصويبه"٦. وذكر في موضع آخر من كتابه "البيان والتبيين" أن الرسول قال: "رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعُوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت".

стр. 5878

وهو القائل في هذه: آياتٌ محكمات، مطرٌ ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب، ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا. وهو القائل: يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي لا يشكر، والظلم الذي لم يذكر، أقسم قس قسمًا بالله، إن لله دينًا هو أرضى له من دينكم هذا. وأنشدوا له: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردًا ... للموت ليس لها بصائر ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر أيقنت أنّي لا محالة ... حيث صار القوم صائر١ وقد اشتهر قس بخطبته التي خطبها بسوق عكاظ، وبأبيات من الشعر رويت عن "أبي بكر الصديق". وبفصاحته وبلاغته ضرب المثل، فقيل: "أبلغ من قس"٢. وقد استشهد ببعض شعر "قس" في كتب الشواهد٣. وذكر أنه أول من قال: أما بعد. في العرب. وفي رواية من روايات أهل الأخبار: أن أول من قال: "أما بعد"، هو كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة٤. زعيم قريش، وأحد خطبائها المشهورين.

стр. 5879

وذكر بعض أهل الأخبار: أنه قيل لقُس بن ساعدة: ما أفضل المعرفة: قال: معرفة الرجل نفسه، قيل له: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه. قيل له: فما أفضلُ المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجه١. وقد وردت في الخطة المنسوبة إلى قس بن ساعدة الإيادي هذه الجملة: "إن في السماء لخبرا". ويلاحظ أن العبرانيين كانوا يراقبون السماء لأخذ الأخبار عما سيقع لهم من أحداث منها. وقد تخصص بذلك نفر منهم، عرفوا بـ "خبرى شمايم"، أي: المخبرون عما يقع في السماء؛ و"قيرى شمايم"، أي: قراءة السماء٢. وكان العرب يراقبون السماء كذلك، استطلاعًا للأخبار، وفي الجملة المنسوبة إلى "قس" تعبير عن ارتقابه وقوع أمرهم. و"قس" من المعمرين، زعم بعض أهل الأخبار أنه عمر سبعمائة سنة، وزعم بعض آخر أنه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، "وقال المرزباني: ذكر كثير وجعله بعضهم في الصحابة، وأماته بعضهم قبل البعثة. وقال قوم: إنه أول من آمن بالبعث من أصل الجاهلية٣. وفي الذي يرويه أهل الأخبار عن خطبة قس ورواية النبي لها تصادم في الروايات. وقد ذكر ذلك العلماء٤، وإني أرى أن القصة موضوعة، وهي من هذا النوع الذي وضع للتبشير بقرب ظهور دين جديد. وقد أشير إلى قس في أبيات نسبت إلى الحطيئة والأعشى ولبيد. وقد ضرب الحطيئة به المثل في البيان، وبقوة تأثيره في نفوس السامعين. أما الأعشى فقد وصفه بالحلم، وأما لبيد فقد قال فيه: وأخلفن قسًا ليتني ولعلني ... وأعيا على لقمان حكم التدبر

стр. 5880

ويقولون: وإنما قال ذلك لبيد، لقول قس: هل الغيب معطي الأمن عند نزوله ... بحال مسيء في الأمور ومحسن وما قد تولى فهو لا شك فائت ... فهل ينفعني ليتني ولعلني ونسبوا إليه أبياتًا من الشعر١. وورد أن "الجارود بن عبد الله" من "بني عبد القيس"، وكان سيدًا في قوه لما قدم على رسول الله، وأسلم مع قومه، قال له الرسول: "يا جارود هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسًّا؟ " قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله، وأنا من بين يدي القوم كنت أقفو أثره. كان من أسباط العرب فصيحًا، عمَّر سبعمائة سنة، أدرك من الحواريين سمعان، فهو أول من تأله من العرب، كأني أنظر إليه يقسم بالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله وليوفين كل عامل عمله، ثم أنشأ يقول: هاج للقلب من جواه ادّكار ... وليالٍ خلا لهنّ نهارُ في أبيات آخرها: والذي قد ذكرتُ دل على الله ... نفوسًا لها هدى واعتبار فقال النبي، ﷺ : "على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه". فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، فإني أحفظه: كنت حاضرًا ذلك اليوم بسوق عكاظ فقال في خطبته: يا أيها الناس، اسمعوا وعوا، فإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إلى آخر ما أورده من الوعظ"٢. و"الجارود"، هو "بشر بن عمرو بن حنش بن النعمان"، وقيل: هو

стр. 5881

"أبو المُعلى"، "الحارث بن زيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة"١، وقيل: "الجارود بن المعلى"، ويقال: ابن عمرو بن المعلى، وقيل: الجارود بن العلاء، وقيل: الجارود بن عمرو بن حنش، وقيل: اسمه بشر بن حنش، إلى غير ذلك من أقوال تدل على اضطراب أهل الأخبار في معرفته، وكان نصرانيًّا، وكان شاعرًا، وأوردوا له شعرًا يعلن إيمانه بالرسول، وبأنه حنيف حيث كان من الأرض. قيل: إنه قتل بفارس في أيام عمر سنة "٢١"، وقيل: بقي إلى خلافة عثمان٢. وذكر "الجاحظ" أن من خطباء العرب: "الصباح بن شفي" الحميري، زعم أنه كان من أخطب العرب، وقيس بن شمّاس، وثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي، فقد أوكله الرسول بالردّ على خطاب من كان يخطب أمامه من الوفود، فهو الناطق باسمه بالنثر، كما كان "حسان" الناطق باسم الرسول شعرًا. وذكر أن من خطباء العرب "الأسود العنسي"، وطليحة بن خويلد" الأسدي، تنبأ في خلافة أبي بكر في بني أسد بن خزيمة، وعاضده "عيينة بن حصن" الفزاري، فوجه "أبو بكر" إليه خالد بن الوليد، فهزمه، وأسر "عيينة" سنة "١١" للهجرة، وقد أسلم "طليحة" واستشهد بنهاوند سنة "١١" من الهجرة٣. وذكر "الجاحظ": "مسيلمة" بعد "طليحة"، فقال: "وكان مسيلمة الكذّاب، بعيدًا عن ذلك كله"٤، أي أنه نفى الخطابة عنه. ومن الخطباء الناهين أصحاب الرأي والبيان، خطيب عاش في الجاهلية والإسلام وقد أسلم وحسن إسلامه، هو: سهيل بن عمرو الأعلم، أحد بني حِسْل بن معيص. يقال: إنه كان مؤثرًا جدًّا، أخاذًا يأخذ بعقول الناس، حتى ذكر أن عمر قال للنبي، ﷺ : يا رسول الله، انزع ثنيتيه السفليتين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا. فقال رسول الله، ﷺ :

стр. 5882

"لا أمثل، فيمثل الله بي، وإن كنت نبيًّا. دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقامًا تحمده". فلما هاج أهل مكة عند الذي بلغهم من وفاة رسول الله، ﷺ ، قام خطيبًا، فقال: "أيها الناس، إن يكن محمد قد مات، فالله حي لم يمت، وقد علمتم أني أكثركم قتبًا في بَرّ، وجاريةً في بحر، فأقروا أميركم وأنا ضامن، إن لم يتم الأمر، أن أردها عليكم". فسكن الناس١. وهو الذي قال يوم خرج آذن عمر، وبالباب عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وفلان، وفلان، فقال الآذن: أين بلال؟ أين صهيب؟ أين سلمان؟ أين عمار؟ فتمعرت وجوه القوم، فقال سهيل: لم تتمعر وجوهكم؟ دُعُوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر، لا أعدّ الله لهم في الجنة أكثر٢. وفي هذا الجواب دلالة على عقل فاهم للواجب مدرك لمهمات رئيس الدولة، ولما يجب أن تقوم الحكومة عليه، لا يبالي بالعنعنات القديمة وبالعرف القبيلي الجاهلي. وروي "أنه لما ماج أهل مكة عند وفاة النبي ﷺ ، وارتد من ارتد من العرب، قام سهيل بن عمرو خطيبًا. فقال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم -يعني: أبا سفيان- فإنه ليعلم من هذا الأمر ما أعلم، ولكنه قد جثم على صدره حسد بني هاشم. وأتى في خطبته بمثل ما جاء به أبو بكر الصديق ﵁ بالمدينة"٣. وقد كان مخلصًا في عقيدته مطيعًا لأمر الحاكم، ذكر أنه حضر "الناس باب عمر بن الخطاب ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو

стр. 5883

وأبو سفيان بن حرب، وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه. فجعل يأذن لأهل بدر، لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم. وكان قد أوصى بهم. فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط! أنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس، لا يلتفت إلينا! فقال سهيل بن عمرو، وقال الحسن: ويا له من رجل، ما كان أعقله، أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا، فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم. أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تتنافسون فيه. ثم قال: أيها القوم! إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى الله أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه وقام ولحق بالشام"١. فالرجل مؤمن، صاحب مبدأ، يرى الفضل لأصحابه بأعمالهم، لا بالرئاسة والنسب والجاه، كما كان يريد أبو سفيان وقومه. وقد نعت بـ"خطيب قريش"٢، لفصاحته وقوة بيانه، ولهذا اختارته قريش ليكون لسانها حين فاوضت الرسول على الصلح في الحديبية. وقد تكلم فأطال الكلام وتراجع مع الرسول حتى وافق على تدوين كتاب الصلح٣. وكان هو لسان قريش يوم وضع الرسول يده على عضادتي باب الكعبة، فقال: "ما تقولون"؟ فقال سهيل: "نقول خيرًا ونظن خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت٤. وتعد "ابنة الخس هند الإيادية"، وهي بنت "الخس بن حابس"، رجل من إياد، من النساء المعروفات بالفصاحة. وقد رووا عنها الأمثال. وذكر أن والدها هو "خس بن حابس بن قريط" الإيادي. وقال بعض أهل الأخبار: إن ابنة الخس من "العماليق". والإيادية هي "جمعة بنت حابس" الإيادي،

стр. 5884

وكلتاهما من الفصاح. وذكر بعض آخر، أن الصواب أن ابنة الخس المشهورة بالفصاحة واحدة، وهي من "بني إياد". واختلف في اسمها، فقيل: هند، وقيل: جمعة. ومن قال إنها بنت حابس، فقد نسبها إلى جدها١. وممن ضرب به المثل في الفصاحة "سحبان بن زفر بن إياس" الوائلي، وائل باهلة. خطيب مفصح يضرب به المثل في البيان، أدرك الجاهلية وأسلم، ومات سنة "٥٤هـ"٢. شهرته في الإسلام، كشهرة "قس" في الجاهلية. واشتهر "هيذان بن شيخ" "هيدان بن سنح"، بكونه خطيب "عبس"، وذكر أن النبي قال للنابغة الجعدي: لا يفضض الله فاك، وقال لهيذان: رب خطيب من عبس٣. والخطابة عند الجاهليين حقيقة لا يستطع أحد أن يجادل في وجودها، ودليل ذلك خطب الوفود التي وفدت على الرسول، وهي لا تختلف في أسلوب صياغتها وطريقة إلقائها عن أسلوب الجاهليين في الصياغة وفي طرق الإلقاء. ثم إن خطب الرسول في الوفود وفي الناس وأجوبته للخطباء، هي دليل أيضًا على وجود الخطابة بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة عند الجاهليين. بل نجد أن الخطابة كان لها شأن في الحياة العربية في الجاهلية وفي الإسلام. ففي المناسبات مثل عقد زواج، لا بد للخاطب من خطبة يخطبها أمام العروس والحاضرين، يذكر فيها مناقب موكله ومناقب الأسرة التي رغب العروس في مصاهرتها ولعلها هي التي حملت الناس على نعت هذه المناسبة بـ "الخِطْبة" و"بخطبة العروس"، حتى قيل: "جاء يَخْطِبُ فلانة لفلان"، وإن فرق العلماء بين "الخُطبة" التي هي الموعظة والكلام، وبين "الخِطبة" التي هي طلب المرأة، بالحركة، فذكروا أن الأولى هي بضم الخاء والثانية بكسرها٤.

стр. 5885

ونجد في كتب الأدب والأخبار نصوص خطب نسبت إلى خطباء جاهليين، يخرج المرء من قراءتها ومن قراءة ما ذكره أهل الأخبار عنها، بأنها نصوص دقيقة تمثل الأصل تمام التمثيل، أو كأنها نسخ استنسخت عن نسخ أصلية كتبها الخطباء بأنفسهم، أو دونها كتاب شهود كانوا حضورًا وقت إلقاء الخطب. ونحن وإن تعودنا على اعتبار هذه الخطب، وكأنها خطب أصيلة لا شك عندنا في أصالتها ولا شبهة. لكننا لا نستطيع إقناع أنفسنا ولا غيرنا بصحة رأينا هذا. وإذا كنا قد قبلنا ما قيل لنا عن الشعر الجاهلي، فإننا لا نتمكن من قبول ما يذهب إليه الأدباء المقلدون من أن الخطب المنسوبة إلى خطباء الجاهلية، هي نصوص دقيقة صحيحة، أو أن أكثرها صحيح لا شك لأحد في صحته، وذلك لأسباب: منها ما ذكره أهل الأخبار أنفسهم من قولهم: "وكان الخطيبُ من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها ونقص"١، ثم ما نجده من اختلاف في رواية خطبة "قس بن ساعدة"، ومنهم أناس حضروا خطابه، فكيف نصدق صحة نصوص خطب لأناس جاهليين تبلغ عدة صفحات. وكيف يصدق إنسان بصحة ما ينسب إلى الجاهليين من خطب وأقوال، وهو يعلم أن خطبة "حجة الوداع"، قد اختلف الرواة في رواية نصها اختلافًا كبيرًا٢، وإذا كانوا قد اختلفوا في ضبط نص خطبة تعد من أهم خطب الرسول، لما جاء فيها من بيان وأحكام، وكلام الرسول أفضل كلام للمسلم، فهل يعقل أخذ موضوع صحة نصوص خطب الجاهليين، على أنه كلام صحيح بالنص والحرف والمعنى! وإذا كان المسلمون قد جوزوا رواية حديث رسول الله بالمعنى، لصعوبة الرواية بالحرف والكلم والنص، فهل يعقل ضبط الناس لخطب الجاهليين، ضبطًا تامًّا كاملًا بالحرف والمعنى، مع أن كلام أهل الجاهلية لا يقاس بكلام الرسول في نظر المسلمين من دون شك.
следующие страницы →