"الصعاليك"، الذين كانوا يتنقلون من مكان إلى مكان للحصول على رزقهم، وأمر "حسان" وقصده ملوك الغساسنة ووصوله إلى الحيرة، بل إننا لا نكاد ندرس حياة شاعر جاهلي، حتى نراه جوَّابًا، متنقلا من مكان إلى مكان، حتى صار التنقل من سيماء الشاعر عند الجاهليين، وكان هدفهم في الدرجة الأولى ملوك الحيرة ثم ملوك الغساسنة، أما ملوك اليمن، فقلما نجد في أخبار الشعراء وصولهم إليهم وإنشادهم شعرهم أمامهم، وذلك بسبب أن لسانهم كان لا يشاكل لسان الشعراء، وأما ما نسب إليهم من شعر، وما قيل من مدح بعض الشعراء لهم، فهو من القصص الذي لا يرجع إلى أصل، إلا ما ذكر من شعر في مدح بعض أذواء اليمن، فإن هؤلاء لم يكونوا ملوكًا، وإنما كانوا سادة مواضع وقبائل تقع شمال اليمن في الغالب، وقد كانت على صلة بالعرب الشماليين، وبلغة "آل" في ذلك الحين، ومع ذلك فإن صلتهم بهم لم تكن على نمط صلة الشعراء بسادات العرب الشماليين.
كان الشاعر يتنقل بين القبائل، فينزل على ساداتها ويحل في ضيافتهم، يقصد ملوك الحيرة خاصة، لما كان لهم من نفوذ في جزيرة العرب، ولينال عطاياهم، أو ليتوسط في حل ما بين الملوك وما بين قبيلة الشاعر، أو قبائل أخرى من أمور معقدة ومشكلات مستعصية، كما كان يزور الريف والقرى للميرة ولنيل هبات ساداتها من تمور أو دقيق أو أي شيء آخر يكون عند الحضر. فيمدح ويذم، وينشد شعره في أسواق القرى وفي نواديها ومجتمعاتها، فكان سوق "يثرب"، وهو المحل الذي يتجمع فيه الناس للبيع والشراء الموضع الذي يقصده الشاعر لإنشاد شعره به، ثم حل مسجد الرسول محله في الإسلام.
وقد ورد في الشعر الجاهلي ذكر بعض المواضع التي نزل بها الشاعر، أو التي ارتحل إليها ليزورها، وقد طمست أسماء بعض منها، وبقيت أسماء بعض آخر. وقد أمدتنا هذه الأسماء بمادة طيبة، أفادتنا في الحصول على معارف تأريخية وجغرافية عنها. ففي شعر "الأعشى"، وهو من الشعراء المتنقلة الذين أكثروا من الأسفار، وتنقلوا من مكان إلى مكان نجد أسماء أماكن عديدة وردت في شعره مثل "عانة"، و"بابل"، و"الحيرة"، ومواضع في اليمامة وفي اليمن، وتطرق في شعره هذا إلى أحوال من مر بهم، وذكر أسماءهم وأسماء قبائلهم فصار شعره لذلك موردًا هامًّا بالنسبة لنا، أفادنا في الوقوف على
стр. 5987
نَوَاحٍ مُهِمَّةٌ منَ التَّأريخِ الجاهِلِي.
رحل "الأعشى" إلى الغساسنة ملوك عرب الشأم، وإلى المناذرة ملوك عرب العراق، وإلى "قيس بن معد يكرب"، وإلى "ذي فائش" في اليمن، وإلى "بني الحارث بن كعب" في نجران، فمدحهم ونال عطاءهم، وأقام عندهم يسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي١، مما يدل -إن صح هذا الخبر- على تأثر سادة نجران بالثقافة الرومية، التي ربما أخذوها عن طريق ارتباطهم بالروم بروابط النصرانية، وعلى وجود جالية من الروم في نجران أو رجال دين من الروم، عينتهم الكنيسة لتعليم الناس أمور الدين، فقد كان الروم يرسلون رجال دينهم إلى هذه المواضع وإلى غيرها للتبشير، ولأغراض سياسية في الوقت نفسه.
ونجد في شعر "الصعاليك" أسماء المواضع التي غزوها، والطرق التي سلكوها في طريقهم إلى الغارات، أو في طرق عودتهم منها إلى دارهم، ونظرًا إلى كثرة تنقلهم وخبرتهم بالمواضع، وبأبعادها وبأصحابها، لما في هذه الخبرة من العلاقة بنجاح سوقهم وتجارتهم، أفادتنا إشارتهم إلى المواضع والقبائل فائدة كبيرة إذا حصلنا بواسطتها على معارف عن أحوال أهل الجاهلية، ساعدتنا في سد بعض الثلم الكثيرة من ثلم بنيان التأريخ الجاهلي.
стр. 5988
طِبَاعُ الشُّعَرَاءِ:
والشعراء في الطبع مختلفون، منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء، ومنهم من تتيسر له المرائي ويتعذر عليه الغزل، ومنهم من يحسن الوصف، فإذا صار إلى المديح والهجاء، أو إلى الحكم والموعظة، خانه الطبع، وتأخر عن غيره من الفحول٢. ومن هنا لم يبرز فحول الجاهلية، ومن عد في الطبقة العليا من طبقات الشعراء في كل درب من دروب الشعر وطرقه وفنونه. بل ظهروا وبرزوا في أمور، وتأخروا أو لم يبرزوا في أمور أخرى، فذكروا مثلا أن "النابغة" الجعدي، كان أوصف الناس لفرس٣. وورد عن "ابن الأعرابي" قوله:
стр. 5989
"لم يصف أحد قط الخيل إلى احتاج إلى أبي داود، ولا وصف الْحُمُر إلا احتاج إلى أوس بن حجر، ولا وصف أحد النعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة، ولا اعتذر أحد في شعره إلا احتاج إلى النابغة الذبياني١.
وقد قال من قدَّم "امرأ القيس" على غيره من الشعراء، أنه "سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء، منه استيقاف صحبه والبكاء في الديار، ورقة النَّسيب، وقرب المأخذ، وشبَّه النساء بالظباء والبيض والخيل والعقبان والعصي، وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين المعنى، وكان أحسن طبقته تشبيها"٢، فهذه هي المزايا التي ميزت شعره عن شعر غيره من الجاهليين.
وقال علماء الشعر الذي قدَّموا النابغة على غيره، أنه كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثره رونق كلام، وأجزلهم بيتًا، كأن شعره كلام ليس فيه تكلُّف٣. وأما الذين قدَّموا "زهيرًا" على غيره، فقالوا: "كان زهير أحكمهم شعرًا وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح"٤.
وقلما نجد الشاعر يعنى بوصف الطبيعة أو مظاهرها بشعر خاص، كأن يصف المطر وحده، أو الشمس والكواكب والأجرام السماوية، أو الجبال أو السهول أو الحيوانات أو النبات، وصفًا خاصًّا لا يهرب منه إلى أمور أخرى لا صلة لها بهذا الوصف، ثم إنه قلما يتعمق في الوصف، فيصف الأجزاء والفروع وكل ما في الموصوف من مميزات، وهو إذا وصف الطبيعة، أو تعرض لوصف مشهد بارز بحيث يكون شعره وصفيًّا خاصًّا بالطبيعة، وإنما يقحم الوصف في القصيدة جريًا على العرف الشعري الذي سار عليه الشعراء، وليس عن عمد وتقصد لوصف ما يراد وصفه بالذات. ثم هو لا يصف من الشيء الموصوف ككل، وإنما يصف منه ما يلفت نظره، وما يؤثر على حسه وبصره. فهو إذا وقف
стр. 5990
أمام شجرة لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها، وإذا كان أمام بستان لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه "الفوتوغرافيا"، إنما يكون كالنحلة تطير من زهرة إلى زهرة فيرتشف من كل رشفة.
هذه الخاصية في العقل العربي هي السر الذي يكشف لك ما نرى في أدب العرب -حتى في العصور الإسلامية- من نقص، وما ترى فيه من جمال.
فأما النقص فما تشعر به حين تقرأ قطعة أدبية –نظمًا أو نثرًا- من ضعف المنطق، وعدم تسلسل الأفكار تسلسلا دقيقًا، وقلة ارتباطها بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا، حتى لو عمدت إلى القصيدة -وخاصة في الشعر الجاهلي- فحذفت منها جملة أبيات أو قدمت متأخرًا أو أخرت متقدمًا، لم يلحظ القارئ أو السامع ذلك -وإن كان أديبًا- ما لم يكن قد قرأها من قبل١.
"وهذا النوع من النظر هو الذي قصَّر نفس الشاعر العربي، فلم يستطع أن يأتي بالقصائد القصصية الوافية، ولا أن يضع الملاحم الطويلة كالإلياذة والأوديسا.
أما ما أفادهم هذا النوع من التفكير، وخلع على آدابهم جمالا خاصًّا، فذلك أن هذا النظر لما انحصر في شيء جزئي خاص جعلهم ينفذون إلى باطنه، فيأتون بالمعاني البديعة الدقيقة التي تتصل به، كما جعلهم يتعاورون على الشيء الواحد، فيأتون فيه بالمعاني المختلفة من وجوه مختلفة، من غير إحاطة ولا شمول، فامتلأ أدبهم بالحكم القصار الرائعة والأمثال الحكيمة، وأتقنوا هذا النوع إلى حد بعيد، غَنِيَ به عقلهم، وانطلقت به ألسنتهم، حتى لينهض الخطيب فيأتي بخطبته كلها من هذه الأمثال الجيدة القصيرة، والحكم الموجزة الممتعة، فلكل جملة معانٍ كثيرة تركزت في حبة، أو بخار منتشر تجمع في قطرة. ولما جاء الإسلام تقدم هذا النوع من الأدب، واقتبسوا كثيرًا من حكم الفرس والهند والروم"٢.
وأكثر الوصف الوارد في الشعر الجاهلي، وصف لم يرد لأن، الشاعر قصده وأراده، وإنما هو وصف ورد عرضًا في القصيدة على النسق الذي زعموا أن "امرأ القيس" وضعه وحاكاه فيه غيره ممن عاصره أو جاء بعده من الشعراء.
стр. 5991
فالشاعر يبدأ بتذكر الديار وبالبكاء على الأحبة وعلى من فارقهم، فيدفعه ذلك إلى الوصف، بأبيات يجعلها مقدمة لغرض آخر، فهي إذن مقدمة، وليست غاية، ثم هو إذا افتخر وأراد الإشادة بنفسه وبما قام به من عمل بطولي، لم يصف نفسه وصفًا شاملا عامًّا، وإنما يصف من نفسه بعض ما يعجبه وما يريد التبجح به، من مغامرات عجيبة قام بها، ومن صبر وتحمل للجوع وللمشقات وللأهوال ومن عدم تهيب من اقتحام الصحاري الموحشة المخوفة، وحده، لأنه لا يرهب أحدًا، ولا يخشى وحشًا، فإذا جابهه وحش، وصفه وصفًا، لا يتعدى النوحي الخاصة التي يراها تظهر شخصيته وتبرز شجاعته ثم يبالغ في وصف المخاطر والمهالك التي لم يبال بها، للوصول إلى هدفه١. وهو إذا اصطاد صيدًا، بالغ في الجهد الذي صرفه في صيده، ونوَّه بجودة حصانه، وبالطريقة التي صاد بها فريسته.
وهو إذا أراد مدح إنسان، قدم لمدحه مقدمة تزيد على شعر المدح في الغالب، يذكر فيها الأهوال والمخاطر وحر الشوق، والتلهف الشديد وما شاكل ذلك من أمور، لتكون شرح حال له يبين مبلغ حبه له وإخلاصه لمن سيمدحه، ذي الجود والكرم والسخاء، الذي يجود بماله وبما عنده، ولا يحسب لنفسه ولأهله حسابًا، يجود خاصة في السنة الجماد، وفي مواسم القحط والبرد الشديد حيث تموت الماشية والأنعام، ومع ذلك فإن الممدوح، لا يعبأ بكل ذلك، ويسخر من الخوف من العواقب السيئة التي ستحيق به إن بذل ماله. وقد يبالغ الشاعر نفسه، ويشيد بسخائه وجوده، ويتخذ من ذلك قصص شجار يقع بينه وبين زوجه في الغالب، يشاركها ولدها فيه، بسبب تبذير الرجل لما عنده من مال، وعدم اهتمام بما سيحيق بأهله من جوع وفقر.
وهو إذا تغزل، فوصف محبوبته، فإنما يصف منها ما يلفت نظره، من أجزاء في الجسد، أو لون أو ما شاكل ذلك مما يلفت نظره، وقد يقارن بينها وبين بعض الحيوانات التي تعجبه مثل المها والظباء، والخيل والعقبان، وقد زعم
стр. 5992
أهل الأخبار أن "امرأ القيس" كان قد سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنتها العرب واتبعه فيها الشعراء، منها أنه شبه النساء بالأمور المذكورة، فصار تشبيه هذا لهن سنة لمن جاء بعده من قالة الشعر١. وقد يصف الليل وشدة طوله وسهره فيه ومبلغ ما ألَمَّ به من أرق لفراق محبوبته، أو من شدة تذكره لها، وقد يذكر حزنه على فراقها وكيف أنه كان يقضي لياليه ساهرًا يناجي نجوم السماء، ويعدها، ينتظر ذهاب كابوس ليله عنه حتى يتراءى له نور الصباح، وفيه الأمل والرجاء. ووصفه كله، ليس وصفًا كليًّا عامًّا محيطًا، وإنما وصف جزئي، جاء تعبيرًا عن خاطر الشاعر ومحاكاة للطريقة التقليدية التي توارثها الشعراء بعضهم عن بعض. وقد برز بعض الشعراء في وصف بعض الحيوانات، كما أشرت إلى ذلك في مواضع سابقة، فقد اشتهر "أبو دؤاد" بوصف الخيل، حتى صيِّر بطل الشعراء في هذا الميدان، واشتهر النابغة الجعدي بوصف الفرس، واشتهر أوس ابن حجر بوصف الخمر، وعرف علقمة بن عبدة بوصف النعامة٢. وقد وصف غيرهم من الشعراء هذه الحيوانات وغيرها، كما نجد ذلك في الأشعار المنسوبة إليهم.
ومن أبرز المواضيع التي تطرَّق إليها الشعراء في وصفهم لمظاهر الطبيعة: المطر، والنخيل، والسحب، ومشاهد من فصول الشتاء، والغدران ومواضع المياه وللسيول والنحل والعسل البري، وبعض الصخور الغريبة، والطيور، أما البحر والسفن، فيردان على لسان الشعراء الساكنين على السواحل، حيث يرون البحر وسفنه٣. ولكننا لا نجد وصفًا خاصًّا بهما، يظهر فيه تأثر الشاعر وإحساسه بالبحر، أو بالسفن، من حيث هي سفينة، وإنما ذكر وهمًا عرضًا على سبيل الفخر، ولأمور عرضية أخرى. فالوصف الجاهلي لعناصر الطبيعة خاليًا من المشاعر الخاصة، ومن التصورات المعبرة عن إلهام الشاعر الذاتي٤.
وذكر أن من الشعراء من كان يتأله في جاهليته ويتعفف في شعره، ولا يستبهر بالفواحش ولا يهتم في الهجاء، ومنهم من كان ينعي على نفسه ويتعهر،
стр. 5993
ومنهم امرؤ القيس والأعشى١، وأن منهم من كان يأتي بالحكم في شعره، مثل: زهير والأفوه الأودي، وعلقمة بن عبدة، وعبيد بن الأبرص، وعدي بن رعلاء الغساني وغيرهم. والحكمة عندهم، هي خلاصة تجارب الشاعر في هذه الحياة، وما حصل عليه من رأي استوحاه من الواقع أو من أفواه الناس وتجاربهم. وهي بديهة من البديهيات صيغت شعرًا. قد يبدع في صياغتها الشاعر فتسير بين الناس مثلا، كقول "عدي بن رعلاء" الغساني:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميتُ الأحياءِ٢
ويظهر من بيت ينسب إلى "زهير"، هو:
ما أرانا نقول إلا مُعارًا ... أو معادًا من لفظنا مكرورا
إن شعراء الجاهلية كانوا قد وصلوا إلى حالة جعلتهم يقلدون من سبقهم في الشعر ويحاكون طرقهم في النظم، فهم يعيدون ويكررون ما قاله الشعراء قبلهم. وهو كلام يؤيده قول علماء الشعر في القصيدة، من أنها كانت تسير على هدي الشعراء السابقين في نظمها من بدء بذكر الديار والبكاء على الأحبة والأطلال إلى غير ذلك من وصف، حتى صارت هذه الجادة، جادة يسير عليها كل شاعر، مما أثر على البراعة والابتكار وجعل الشعر قوالب معروفة معينة، يختار الشاعر قالبًا منها ليعبر به عما يريد أن يقوله نظمًا. ومن هنا ثار "أبو نُوَاس" وأضرابه من الشعراء الإسلاميين على "التقليد" في النظم، لتبدل العقلية وتغير الزمن، وإن كنت أجد في هذه الثورة مبالغة وإفراطًا في الاتهام. فالقصيدة الجاهلية وإن غلب عليها التقليد والمحاكاة، مما ضيق عليها المعاني، إلا أنها لم تكن كلها على نمط واحد على نحو ما يقوله علماء الشعر والأدب، كان الشعراء يراعون الوزن والقافية والروي، وهي أمور ميزت الشعر العربي عن غيره، ولكنهم كانوا يتحللون فيما عدا ذلك، فيأتون بالمعاني التي تدركها عقولهم، وهي معانٍ استمدت من المحيط، وهو محيط واحد، ألهم الشعراء شعرهم، فمن ثم تقارب الإلهام وقربت المعاني، ولو تعددت طبيعته، لما غلب على شعر أولئك الشعراء ما نأخذه عليهم وقد كان تغير وتنوع معاني الشعر في الإسلام، نتيجة حتمية لتغير المحيط.
стр. 5994
المغلبون:
ومن الشعراء من كان لا يستطيع الوقوف أمام خصمه، فيغلب، فذكر أن "النابغة" الجعدي، كان مختلف الشعر مغلبا. وكانت العرب إذا قالت مغلبا فهو مغلوب، وإذا قالب غَلََبَ، فهو غالب، وقد غلبت عليه "ليلى الأخيلية" و"أوس بن مغراء" القريعي١. وذكروا أن "تميم بن أبي مقبل" وهو شاعر "خنذيذ" مغلَّب عليه النجاشي، ولم يكن إليه في الشعر، وقد قهره في الهجاء، ثم هاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان فغلبه عبد الرحمن، وكان "ابن مقبل جافيًا في الدين. وكان في الإسلام يبكي أهل الجاهلية ويذكرها، فقيل له تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم، فقال:
وما لي لا أبكي الديار وأهلها ... وقد زارها زوار عكٍّ وحميرا
وجاء قطا الأجباب من كل جانب ... فوقع في أعطاننا ثم طيرا٢
ومن المغلبين: الزبرقان، غلبه عمرو بن الأهتم، وغلبه المخبل السعدي، وغلبه الحطيئة، وقد أجاب الاثنين ولم يجب الحطيئة٣.
والهجاء فن، لا يستطيع كل شاعر أن يبرز فيه، لما يجب أن يكون في الشاعر من ذكاء وسرعة خاطر وقابلية على إسكات الخصوم. ولهذا كان يخشى جانب الهجاء فلا يتعرض له إلى من وهب قابلية على الهجاء. وإلا غلب على أمره، وصار من المغلبين٤، وهو من أهم أبواب الشعر عند الجاهليين، لما له من أثر في حياتهم، حيث يغض من منزلة المهجو.
وذكر أن الشعراء كانوا ينازعون بعضهم بعضًا على التقدم في الشعر، فذكر أن "امرأ القيس" نازع "الحارث بن التوأم" اليشكري، فقال: إن كنت
стр. 5995
شاعرًا، فأجز أنصاف ما أقول فأخذا يتسابقان في ذلك١. وذكر أن عبيد بن الأبرص الأسدي، لقي "امرأ القيس" يومًا، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال له: إلق ما شئت، وأخذا يتسابقان. وكان آخر ما أجاب به "امرؤ القيس" هذا البيت:
تلك الموازين والرحمن أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياسًا٢
وهو بيت مفضوح، يحدثك عن أصله وفصله، وعن هذه القصة، وقد فات وضَّاع القصة أن هذا الشعر لا يمكن أن يقع من شاعر جاهلي، لاسيما إذا كان على شاكلة امرئ القيس.
والأبيات الجيدة من الشعر، في نظر نقدة الشعر هي الأبيات التي إذا سمعت صدر البيت فيها، عرفت قافيته٣.
стр. 5996
بَدْءُ الشَّاعِرِ:
يبدأ الشاعر بالشعر بعد إحساسه بوجود ميول له إلى الشعر، تدفعه دفعًا على الإقبال عليه، فيبدأ بحفظ الشعر المقال، وبنظمه، ويكون هذا النظم نظمًا تجريبيًّا غير متقن في بادئ أمره، ويقال لهذه المرحلة "الغرزمة". و"الغرزمة" أن يقول الشاعر الشعر قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته١. فإذا قوي به وتمكن منه صار من الشعراء المجيدين.
وقد كان الشاعر الجاهلي مثل الشاعر الإسلامي، يبدأ لكي يكون شاعرًا بحفظ شعر غيره، ولاسيما شعر المشهورين من الشعراء المتقدمين عليه، حتى يرويه رواية، وقد يتصل بشاعر يعجبه من شعراء قبيلته أو من غيرهم فيلازمه ويأخذ عنه شعره حتى يصير راوية له، ومتى شعر هذا الراوية الحافظ لشعر غيره، أن عوده قد استوى، وأن له قابلية في النظم، أظهر شعره للناس، وربما بعد
стр. 5997
أن يكون قد وجد التشجيع ممن اتصل بهم من الشعراء ومن المتذوقة للشعر، العارفين به، ولما كانت الشاعرية موهبة يصقلها المران ومرور الزمن، فإن كثيرًا من الشعراء نظموا الشعر وهم صغار، ولاسيما أولئك الذي نشئوا في بيت برز به شاعر، أو في بيوت عرفت بنبوغ جماعة من أفرادها بنظم الشعر، فهناك بيوت معرقة توارثت الشعر أبًا عن جد. وقد سبق أن ذكرت قول "رؤبة": "الفحولة هم الرواة"١، أي أن فحول الشعراء هم الذين كانوا في بادئ أمرهم رواة شعر.
فحفظ الشعر وروايته هو مران كان لا بد منه لتهيئة شاعر فحل: وقد وجدت هذه النظرة عند الفرس كذلك، قال صاحب "جهار مقالة": "ولا يبلغ الشاعر هذه المنزلة إلا أن يحفظ في عنفوان الشباب وريق العمر عشرين ألف بيت من أشعار المتقدمين ويجعل نصب عينه عشرة آلاف كلمة من آثار المتأخرين ويديم القراءة في دواوين الأئمة ويلتقط منها ليعلم كيف تصرفوا في مضايق القول ودقائق الكلام حتى يرتسم في طبعه صور الشعر وطرائقه، ويتجلى له مزايا الشعر ونقائصه، فيرتقي قوله ويعلو طبعه. فإذا رسخ طبعه في نظم الشعر، وانقاد له الكلام عمد إلى علم الشعر وقرأ العروض. وقرأ نقد المعاني والألفاظ والسرقات والتراجم وأنواع هذه العلوم على أستاذ يحذقها ليكون جديرًا بالأستاذية"٢. وهذا الرأي الفارسي الإسلامي، يمثل ولا شك رأي قدماء الفرس كذلك.
ولم يكن الشاعر الجاهلي يعرف بالطبع هذه العلوم والقيود التي عرفت وشاعت في الإسلام، بل لم يكن الشاعر العربي الإسلامي ليحفل بالعروض وبعلوم البيان والبديع، لأن الشعر طبع وموهبة، وإذا لم تكن الموهبة موجودة في إنسان فلن يكون هذا الشخص شاعرًا موهوبًا مرموقًا مهما حفظ من الشعر، وبلغ من علم العروض ومن علوم الصناعة الأخرى التي لها مساس بالشعر. فقد برز شعراء جاهليون قالوا شعرًا وهم بعد أحداث، واشتهروا به بين قومهم وهم بعد شباب. وطَرَفَةُ الشاعر المشهور، كان ولازال شابًّا حين قتل، ومع ذلك، نجد ترتيبه بعد امرئ القيس في ترتيب المعلقات، وفي ترتيبه هذا دلالة على تقدير قصيدته، واشتهار أمره بالشعر. وقد نظم "الخليل بن أحمد" شعرًا، وهو صاحب
стр. 5998
العروض، ونظم غيره من فحول هذا العلم، ومن فحول اللغة شعرًا، لم يعد من عيون الشعر العربي، ونظم الفقهاء شعرًا عرف بين نقاد الشعر، وأهل البصر به بـ"شعر الفقهاء" ازدراء به. بل نجد الشعراء الإسلاميين يهزءون من قواعد العروض.
стр. 5999
أَلْقَابُ الشُّعَرَاءِ:
ويذكر أهل الأخبار ويؤكدون أن أهل الجاهلية لقبوا شعراءهم بألقاب، مثل: المهلهل، والمرقش، وذا القروح، والمثقب، والمنخل، والمتنخل، والأفوه، والنابغة قيل عن المهلهل، أنه إنما سمي مهلهلا لهلهة شعره، أي رقته وخفته، وقيل لاختلافه، وقيل: بل سمي بذلك لقوله:
لما توقل في الكراع شريدهم ... هلهلت أثأر جابرًا أو صنبلا
وقيل لأنه كان أول من هلهل الشعر وأرقه وألان ألفاظه١.
وذكر أن "المرقش" الأكبر، إنما عرف بذلك، بقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم
أو لأنه كان قد عني بتنميق شعره ورقشه٢.
وروي أن لقب "المثقب" العبدي، إنما جاءه من قوله:
رددن تحية وكَنَنَّ أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون٣.
وعرف المتلمِّس بهذا الاسم بقوله:
فهذا أوان العِرض حيًّا ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمِّس٤
стр. 6000
وعرف الممزِّق بهذا اللقب لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق١
وعرف "النابغة" بالنابغة بقوله:
وحلت في بني القين بن جسر ... وقد نبغت لنا منهم شئون٢
وذكر أن "منبه بن سعد"، إنما عرف بـ"أعصر"، بقوله:
أعمير إن أباك غيَّر لونه ... مر الليالي واختلاف الأعصر
وأن معاوية بن تميم، إنما عرف بـ"الشقر" بقوله:
قد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... به من دماء القوم كالشقرات٣
وأن "خالد بن عمرو بن مرة"، إنما قيل له "الشريد"، بقوله
وأنا الشريد لمن يعرفني ... حامي الحقيقة ما له مثل
وأن صريم بن معشر الغلبي، إنما عرف بـ"أفنون" بقوله:
منيتنا الود يا مضنون مضنونا ... أزماننا إن للشباب أفنونا٤
وأن معاوية بن مالك، سمي معود الحكام لقوله:
أعوّد مثلها الحكام بعدي ... إذا ما الأمر في الأشياع نابا٥
وذكر "الجاحظ" أن "عمرو بن رباح" السُّلمي أبا خنساء ابنة عمرو، غلب عليه الشريد، لقوله:
تولي إخوتي وبقيت فردًا ... وحيدًا في ديارهم شريدا٦.
стр. 6001
وعرف "خداش بن بشر"، "خداش بن لبيد بن بيية"، "خداش بن بشر بن خالد بن بيبة" من بني مجاشع بالبعيث، لقوله:
تبعث مني ما تبعث بعدما ... أمرت حبالي كل مرتها شزارا١
وذكروا أن "الفند"، واسمه "شهل بن شيبان"، إنما سمي الفند، لأنه قال يوم "قضة": ما ترضون أن أكون لكم فندًا. وأن طفيلا الغنوي، إنما عرف بالمحبر، لتحسينه الشعر٢، وأن علقمة بن عبدة، إنما لقب بالفحل، لأنه تزوج امرأة امرئ القيس، بعد أن حكمت له بتفوقه على زوجها في الشعر أو لأنه كان في قومه علقمة آخر عرف بـ"علقمة" الخصي، وأن "الأعشى" إنما عرف بصناجة العرب، لكثرة ما تغنت العرب بشعره ٣، وأن عنترة إنما لقب بالفلحاء لفلحة كانت به٤.
وأما الأغربة من الشعراء، فهم عنترة، وخفاف بن ندبة السلمي، وأبو عمير بن الحباب السلمي، وسُلَيك بن السُّلَكَة، وتأبَّط شرًّا، والشَّنْفَرى، وكلهم من الشعراء الجاهليين٥.
إلى آخر ما ذكروه من تعليلات عن أسباب تلقيب الشعراء الجاهليين بألقابهم التي عرفوا بها، تجد بقيتها مدونة في كتب الأدب واللغة والأخبار٦.
ولعلماء الشعر بعد، آراء في أحسن وأجود ما قيل من شعر في فن واحد من فنون الشعر، فقيل أرثى بيت قيل في الجاهلية، قول أوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
стр. 6002
وهذا على رأي الأصمعي١، وقدم غيره قول عبدة:
فما كان قيسٌ هُلْكَهُ هلْكَ واحدٍ ... ولكنه بنيانُ قومٍ تهدَّما٢
ومنهم من قدم شعر الخنساء٣.
وقيل إن قول امرئ القيس في الماء، هو أحسن ما قيل فيه٤. وإن وصف "أوس بن حجر" للسحاب، هو أحسن ما قيل فيه٥، وإن أهجى بيت قالته العرب، قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصًا٦
وأن أمْدَحَ بيت قالته العرب قول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك معطيه الذي أنت سائلُه
وبيت النابغة:
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب٧
ولكنك لو أطلت النظر في كتب الأدب، تراها تختلف في هذا الاختيار وفي اسم الشاعر، وسبب ذلك اختلاف أمزجة العلماء، واختلاف وجهات نظرهم في نقد الشعر٨.
وللعلماء كلام في أَوْصَفِ الشعراء للدِّرع، أو للفرس، أو للنجوم والكواكب، أو الدنيا إلى غير ذلك من أشياء٩
стр. 6003
وقد عرفت القصائد التي يكون الشاعر فيها منصفًا في شعره، بالمنصفات، والمنصفة هي القصيدة التي يكون الشاعرفيها قد أنصف من تحدث عنه، فإذا كان في فخر واستعلاء على قوم فخر بقومه، وذكر في الوقت نفسه فضائل خصوم قومه، وشجاعتهم واستبسالهم في معاركهم مع قومه. ومن المنصفات قصيدة "العباس بن مرداس" السينية التي قالها في يوم "تثليث"، حيث غزت "سليم" مرادًا، فجمع لهم "عمرو بن معديكرب"، فالتقوا بتثليث، فصبر الفريقان، ولم تظفر طائفة منهما بالأخرى، فصنع العباس بن مرداس قصيدته المذكورة١.
وزعم علماء الشعر، أن الشعراء الجاهليين كانوا في سرقة الشعر مثل الشعراء الإسلاميين، فقد كان منهم من يسطو على شعر غيره، فيدخله في شعره، وينحله نفسه، أو يضمِّن شعره من معانيه، ولهم في ذلك بحوث. وذكروا أن من الشعراء الإسلاميين من سطا على شعر الشعراء الجاهليين، أو أخذ منه٢.
стр. 6004
الشُّهْرَةُ بالشِّعْرِ:
يقول الرواة والعلماء بالشعر: من أراد الغريب فعليه بشعر هذيل، ومن أراد النسيب والغزل من شعر العرب الصلب، فعليه بأشعار عذرة والأنصار، ومن أراد طرف الشعر وما يحتاج إلى مثله عند محاورة الناس وكلامهم فذلك في شعر الفرسان.
وأشعر الفرسان: دريد بن الصمة، وعنترة، وخفاف بن ندبة، والزبرقان بن بدر، وعروة بن الورد، ونهيكة بن إساف، وقيس بن زهير، وصخر بن عمرو، والسُّلَيك بن سُلَكَة، وأنس بن مدركة، ومالك بن نُوَيرَة، ويزيد بن الصعق، ويعدُّ من الفرسان الأشراف، ويزيد بن سنان بن أبي حارثة١.
стр. 6005
التَّكَسُّبُ بالشِّعْرِ:
يذكر أهل الأخبار أن العرب كانت لا تتكسب بالشعر، أنفة وتعززًا، وإنما يصنع أحدهم ما يصنع مكافاة عن يد لا تستطيع على أداء حقها إلا بالشكر إعظامًا لها. بقوا على ذلك دهرًا، حتى نشأ النابغة الذُّبياني فمدح الملوك، وقبل الصلة على الشعر، وخضع للنعمان بن المنذر، وقد كان أشرف بني ذُبْيَان، وكان قادرًا على الامتناع منه بمن حوله من عشيرته، وله مال يكفيه، فسقطت منزلته، وكسب مالا جزيلا حتى كان أكله وشربه في صحاف الذهب والفضَّة وأوانيهما من عطايا الملوك. وذكر عنه من التكسب بالشعر مع النعمان بن المنذر ما فيه قبح من مجاعلة الحاجب ومجاملته والتودد إليه تقربًا وتزلفًا ليوصله إلى النعمان، ومن دس الندماء على ذكره بين يديه، وما أشبه ذلك١. هذا، وإنما امتدح ملكًا، فكيف بشاعر يمدح من هم دون الملوك والأشراف من السوقة وسواد الناس، طمعًا في صلة وعطاء٢!
وتكسب زهير بن أبي سلمى يسيرًا مع "هَرِم بنِ سِنَان"، ونال أمية بن أبي الصَّلت عطايا عبد الله بن جدعان لمدحه إياه، فلما جاء الأعشى جعل الشعر متجرًا يتجر به نحو البلاد، وقصد حتى مَلِكِ العجم فأثابه، لعلمه بقدر ما يقول عند العرب، واقتداء بهم فيه، على أن شعره لم يحسن عنده حين فسر له، بل استخف به واستهجنه لكنه حذا حذو ملوك العرب٣.
ثم إن الْحُطَيئة أَكْثَرَ من السؤال بالشعر وانحطاط الهمة فيه، حتى مقت وذل أهله، واستصغر شأنه، وعرف بتكسبه بشعره ٤.
وقد عيب "من تكسب بشعره والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السماطين"٥. وإنما المقبول ما جاء بما لا يزري بقدر ولا مروءة، مثل الفلتة النادرة، والمهمة العظيمة، وعن باب التودد والتلطف
стр. 6006
والتذكر، فأما من وجود الكفاف والبلغة فلا وجه لسؤاله بالشعر١.
ومن هنا زعم أهل الأخبار أن أشراف أهل الجاهلية، كانوا يأنفون من قول الشعر، وكانوا ينهون أولادهم من قوله، فلما خالف امرؤ القيس وهو شريف وابن مَلِكٍ، أمر والده من وجوب ترك الشعر، واستمر على قوله، طرده بسببه من بيته، وأخرجه من داره، فصار من الضليلين، وهو زعم عارضه ابن رشيق ورد عليه بقوله: "وقد غفل أكثر الناس عن السبب، وذلك أنه كان خليعًا، متهتكًا، شبب بنساء أبيه، وبدأ بهذا الشر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرياسة، فكان إليه من أبيه ما كان، ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة، فهذه العلة، وقد جازت كثيرًا من الناس ومرت عليهم صفحًا"٢. فلم يكن طرد امرئ القيس من بيت أبيه أذن بسبب قوله الشعر، وإصراره عليه، وإنما بسبب أعماله من خلاعة وتهتك واستهتار، وهي أعمال تنافي أخلاق الأشراف.
وقد قيل في الشعر إنه يرفع من قدر الوضيع الجاهل، مثل ما يضع من قدر الشريف الكامل، وأنه أسنى مروءة الدني، وأدنى مروءة السري. وقيل إن الشريف كان يتحاشى قول الشعر، ويمنع أولاده من قوله. لأن قول الشعر مثلبة للرجل الشريف. وقد فسر هذا الزعم بعض العلماء بقوله: "إن الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به، مثل ما يضع من قدر الشريف إذا اتخذه مكسبًا، كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني بامتداحه النعمان بن المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان، هذا، وإنما امتدح قاهر العرب، وصاحب البؤس والنعيم"٣. مدحه ولم يكن في حاجة إليه، وكان أكله وشربه في صحاف الذهب والفضة وأوانيه من عطاء الملوك. وبين الشعراء الجاهليين من كان من السادة الأشراف، ولم يجد مع ذلك غضاضة في قوله الشعر،
стр. 6007
ومن غُضَّ من قَدْرِه، هو من اسْتَجْدَى بشعره، واتخذ شعره سببًا من أسباب التَّكَسُّب.
وما يقوله أهل الأخبار عن التكسب بالشعر يمثل وجهة نظرهم فحسب، وهو رأي لا أساسَ له، بسبب أن علمهم بالشعر لا يستند إلى دليل جاهلي مكتوب، وإنما هو من رواية ولدت في الإسلام لَاكَتْهَا الألسن، وتناولتها الكتب، حتى صارت في حكم الإجماع، يردده الْخَلَف عن السلف إلى هذا اليوم. والشعراء في نظرنا قبل النابغة وبعده بشر، فيهم المترفع وفيهم المستجدي الذليل، الذي لا يبالي أن تُمْتهن كرامته في سبيل الحصول على مال. وإذا كان في هذا اليوم شعراء يمدحون ويذمون لغاية الكسب والحصول على مَغْنَم، فلم نجعل شعراء ما قبل أيام النابغة الذُّبياني ملائكة، لا يمدحون إلا الشريف المستحق للمدح، ولا يذمون إلا الحقير الذي يستحق الذَّم، وما شعراء تلك الأيام، إلا كشعراء أيام النابغة، وما بعده، فيهم الشاعر المترفع، وفيهم الشاعر المترذل، وفيهم من لا يبالي بشعره، يمدح اليوم، ثم لا يبالي من ذمه بعد حين. وفي حقهم جميعًا جاء في القرآن: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ١، ونحن نظلم النابغة إن جعلناه أول المتكسبين بالشعر، ونخرج عن المنطق إن ذهبنا هذا المذهب.
وذكر أن ممن رفعه الشعر من القدماء الحارث بن حِلِّزة اليَشْكُرِيُّ، وكان أبرص، فلما أنشد الملك عمرو بن هند قصيدته:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثواء
وبينه وبينه سبعة حجب، فما زال يرفعها حجابًا فحجابًا لحسن ما يسمع من شعره حتى لم يبقِ بينهما حجاب، ثم أدناه وقربة. وأمثاله ممن رفع من قدرهم الشعر كثير٢.
ورووا أن المحلق كان ممن رفعه الشعر بعد الخمول، وذلك أن الأعشى قدم مكة
стр. 6008
وتسامع الناس به، وكانت للمحلق امرأة عاقلة، وقيل بل أم، وكان المحلق فقيرًا خامل الذكر، ذا بنات، فأشارت عليه، أن يكون أسبق الناس إليه في دعوته إلى الضيافة، ليمدحهم، ففعل، فلما أكل الأعشى وشرب، وأخذت منه الكأس، عرف منه أنه فقير الحال، وأنه ذو عيال، فلما ذهب الأعشى إلى عكاظ أنشد قصيدته:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق
ثم مدح المحلق، فما أتم القصيدة إلا والناس ينسلون إلى المحلق يهنئونه، والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جريًا يخطبون بناته، لمكان شعر الأعشى١.
هذا ما يرويه أهل الأخبار عن أثر الشعر في الناس. وروي أن الأعشى أنشد قصيدته المذكورة كسرى، فقال: "إن كان سهر من غير سقم ولا عشق فهو لص"٢.
"قال أبو عمرو بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يَقْدُمُ على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبياني، ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة البيان"٣.
ويذكر الرواة أن القبيلة كانت إذا نبغ فيها شاعر احتفلت به، وفرحت بنبوغه، وأتت القبائل فهنأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر، وتباشروا به لأنه حماية لهم، ولسانهم الذاب عنهم المدافع عن أعراضهم وأحسابهم وشرفهم بين الناس. وكانوا لا يُهَنِّئُون إلا بغلام يولد أو فرس تنتج
стр. 6009
أو شاعر ينبغ فيهم١. فالشاعر هو صحيفة القبيلة ومحطة إذاعتها، وصوته يحطُّ ويرفع ويخلد لا سيما إذا كان مؤثرًا، فيرويه الناس جيلا بعد جيل.
وكان أثره في الناس أثر السيف في الحروب، بل استخدمه المحاربون أول سلاح في المعارك. فيبدأ الفارس بالرجز، ثم يعمد إلى السيف أو الرمح أو آلات القتال الأخرى، ولأثره هذا، ورد في الحديث عن الرسول قوله: "والذي نفسي بيده، لكأنما تنضحونهم بالنبل بما تقولون لهم من الشعر"٢ مخاطبًا بذلك شعراء المسلمين، الذين حاربوا الوثنيين بهذا السلاح الفتاك، سلاح الشعر، وقد كان الوثنيون قد أشهروه أيضًا وحاربوا به المسلمين.
وطالما قام الشعراء بدور السفارة والوساطة في النزاع الذي كان يقع بين الملوك وبين القبائل، أو بين القبائل والقبائل، فلما أَسَرَ الحارثُ بن أبي شمر الغساني "شأس بن عبدة" في تسعين رجلا من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه "علقمة بن عبدة"، قصد الحارث، فمدحه بقصيدته:
طحا بك قلب بالحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
فلما بلغ طلبه بالعفو عن أخيه وعن بقية المأسورين، قال الحارث: نعم وأذنبة، وأطلق له شأسًا أخاه، وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه أو عرفه من غيرهم٣.
ولم يقلّ أثر الشاعر في السلم وفي الحرب عن أثر الفارس، الشاعر يدافع عن قومه بلسانه، يهاجم خصومهم ويهجو سادتهم، ويحث المحاربين على الاستماتة في القتال، ويبعث فيهم الشهامة والنخوة للإقدام على الموت حتى النصر، والفارس يدافع عن قومه بسيفه، وكلاهما ذابٌّ عنهم محارب في النتيجة. بل قد يقدم الشاعر على الفارس، لما يتركه الشعر من أثر دائم في نفوس العرب، يبقى محفوظًا في الذاكرة وفي اللسان، يرويه الخلف عن السلف، بينما يذهب أثر السيف،
стр. 6010
بذهاب فعله في المعركة، فلا يترك ما يتركه شعر المديح أو الهجاء من أثر في النفوس، يهيجها حين يذكر، وكان من أثره أن القبائل كانت إذا تحاربت جاءت بشعرائها، لتستعين بهم في القتال. فلما كان يوم أُحُد، قال صفوان بن أمية لأبي عمرو بن عبد الله الجمحي: "يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك، فاخرج معنا. فقال: إن محمدًا قد من عليَّ فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: فأعنَّا بنفسك فلك الله عليَّ أن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة شعرًا إلى السير مع قريش لمحاربة المسلمين١.
وكان الرسول شاعره حسان بن ثابت يدافع عن الإسلام والمسلمين، وكان للمشركين من أهل مكة شاعرهم "عبد الله بن الزبعري" يرد عليه ويهاجم المسلمين في السلم وفي المعارك، وقد دوَّنت كتب السير والأخبار والتواريخ أشعارهم وما قاله أحدهم في الآخر، وقد فات منه شيء كثير، نص رواة الشعر على أنهم تركوه لما كان فيه من سوء أدب وخروج على المروءة. وكان إلى جانب الشاعرين شعراء آخرون، منهم من ناصر المسلمين لأنه كان منهم، ومنهم من ناصر المشركين لأنه كان منهم، بل كان المحاربون إذا حاربوا، فلا بد وأن يبدءوا حربهم بتنشيطها وبتصعيد نارها برَجَزٍ أو بقَرِيْضٍ.
ومن خوفهم من لسان الشاعر، ما روي من فزع أبي سفيان، لما سمع من عزم الأعشى على الذهاب إلى يثرب ومن إِعْدَادِه شعرًا في مدح الرسول، ومن رغبته في الدخول في الإسلام. فجمع قومه عندئذ، وتكلم فيما سيتركه شعر هذا الشاعر من أثر في الإسلام وفي قريش خاصة إن هو أسلم، ولهذا نصحهم أن يتعاونوا معه في شراء لسانه وفي منعه من الدخول في الإسلام بإعطائه مائة ناقة فوافقوا على رأيه وجمعوا له ما طلبه، وتمكن أبو سفيان من التأثير عليه، فعاد إلى بلده "منفوحة" وما بها دون أن يسلم٢.
قال الجاحظ: "ويبلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السب عليهم، وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، ويسبّ به الأحياء والأموات، أنهم
стр. 6011
إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدُّوا لسانه بنسعة، كما صنعوا بعبد يغوث بن وقاص الحارثي حين أسرته بنو تيم يوم الكلاب١. وعبد يغوث بن وقاص، شاعر قحطاني، كان شاعرًا من شعراء الجاهلية، فارسًا سيد قومه من بني الحارث بن كعب، وهو الذي قادهم يوم الكلاب الثاني فأسرته بنو تيم وقتلته، وهو من أهل بيت شعر معروف في الجاهلية والإسلام، منهم اللجلاج الحارثي، وهو طفيل بن زيد بن عبد يغوث، وأخوه مسهر فارسٌ شاعرٌ، ومنهم من أدرك الإسلام: جعفر بن علية بن ربيعة بن الحارث بن عبد يغوث"، وكان شاعرًا صعلوكًا٢.
ولما مدح الحطيئة "بغيض بن عامر بن لاي بن شماس بن لاي بن أنف الناقة"، واسمه جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وهجا "الزبرقان"، واسمه الحصين بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن عوف بن كعب، صاروا يفخرون ويتباهون بأن يقال لهم "أنف الناقة"، وكانوا يعيرون به ويغضبون منه، ويَفْرَقُون من هذا الاسم، حتى إن الرجل منهم كان يسأل مِمَّن هو فيقول من "بني قريع" فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة، ويلغي ذكره فراراً من هذا اللقب، إلى أن قال الحطيئة هذا الشعر فصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة، إذ قال:
قوم هم الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا٣
وقد تعزز الأعشى على قومه، وبين مكان فضله عليهم، إذ كان لسانهم الذاب عنهم المدافع عن أعراضهم، الهادي لأعدائهم بشعر هو كالمقراض يقرض أعداء قومه قرضًا.
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانًا كمقراض الخافجي ملحبا٤
стр. 6012
وذكر أن بني تغلب كانوا يعظمون معلقة عمرو بن كلثوم ويروونها صغارًا وكبارًا، حتى هجاهم شاعر من شعراء خصومهم ومنافسيهم: بكر بن وائل، إذ قال:
ألهي بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبدًا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسئوم١
ولسلاطة ألسنة بعض الشعراء، ولعدم تورع بعضهم من شتم الناس ومن هتك الأعراض، ومن التكلم عنهم بالباطل، تجنب الناس قدر إمكانهم الاحتكاك بهم، وملاحاتهم والتحرش في أمورهم، خوفًا من كلمة فاحشة قد تصدر منهم، تجرح الشخص الشريف فتدميه، وجرح اللسان كجرح اليد، كما عبر عن ذلك امرؤ القيس أحسن تعبير٢. ولأمر ما قال طرفة:
رأيت القوافي تتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر
وفي هذا المعنى دون الجاحظ هذه الأبيات:
وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله
ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مدارة جميلة
إذا وضعوا مكاويهم عليه ... وإن كذبوا- فليس لهن حيله٣
وكان عمر بن الخطاب ﵁ عالمًا بالشعر، قليل التعرض لأهله: استعْدَاهُ رهط تميم بن أبي مقبل على النجاشي لما هجاهم، فأسلم النظر في أمرهم إلى حسان بن ثابت، فرارًا من التعرض لأحدهما، فلما حكم حسان أنفذ عمر حكمه على النجاشي كالمقلد من جهة الصناعة، ولم يكن حسان -على علمه بالشعر- أبصر من عمر ﵁ بوجه الحكم، وأن اعتل فيه بما اعتل"٤.
стр. 6013
"وكذلك صنع في هجاء الحطيئة الزبرقان بن بدر: سأل حسان، ثم قضى على الحطيئة بالسجن"١، وقد كان عمر قد كره أن يتعرض للشعراء، فاستشهد حسان، فلما بين حسَّان رأيه في الشعر، أنفذ حكمه، فتخلص "عمر" بعرضه سليمًا٢.
وتميم بن مقبل بن عوف بن حنيف العجلاني، من الشعراء الذين أدركوا الإسلام فأسلم، وكان يهاجي النجاشي، فهجاه النجاشي يومًا، فاستعدى تميم عمرَ عليه، فلما قرأ النجاشي على عمر ما قاله في تميم أمر بضربه وحبسه. وكان يبكي أهل الجاهلية٣.
"وسئل أبو عبيدة أي الرجلين أشعر: أبو نواس، أم ابن أبي عيينة؟ فقال: أنا لا أحكم بين الشعراء الأحياء، فقيل له: سبحان الله كأن هذا ما تبين لك! فقال: أنا ممن لم يتبين له هذا؟! "٤ وذلك خوفًا ولا شك من لسان الشاعر الحي. "ولسير الشعر على الأفواه هذا المسير تجنب الأشراف ممازحة الشاعر خوف لفظة تسمع منه مزحًا فتعود جدًّا"٥.
وكانوا يهابون الشاعر الهجَّاء البذيء اللسان المتمكن من شعر الهجاء، أكثر من غيره من بقية الشعراء، لما كان يتركه هجاؤه من أثر فيهم، حتى الشعراء المبَرَّزين كانوا يتقون شر الشاعر الهجاء ويبتعدون عنه. فلما هجا عبدُ الله بن الزبعري بني قصي، خاف قومه من هجاء الزبير بن عبد المطلب، فرفعوه برمته إلى عتبة بن ربيعة، فلما وصل إليهم أطلقه حمزة بن عبد المطلب وكساه، وكان الزبير غائبًا بالطائف، فلما وصل مكة وبلغه الخبر هجا قوم ابن الزبعري هجاء مرًّا٦، بقوله:
فلولا نحن لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا
стр. 6014
ثيابهم سمالٌ أو طمارٌ ... بها دسم كما دسم الحميت
ولكننا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت
وكان عبد الله بن الزبعري قد قال حين أطلقه حمزة:
لعمرك ما جاءت بنكر عشيرتي ... وإن صالحت إخوانها لا ألومها
فود جناة الشرّ أن سيوفنا ... بأيماننا مسلولة لا نشيمها
فإن قصيًّا أهل عزّ ونجدة ... وأهل فعالٍ لا يُرامُ قديمها
هم منعوا يومي عُكاظ نساءنا ... كما منع الشول الهجان قرومها١
ونظرًا لأثر شعر الهجاء في الناس، من أفراد وقبائل، صاروا يصطنعون الشعراء ويحسنون جهدهم إليهم خشية ألسنتهم، يفعلون ذلك بشعرائهم وبشعراء القبائل الأخرى ممن يخشون سلاطة ألسنتهم. يفعلون ذلك حتى إذا كان الشاعر قد أساء إليهم، على أمل التكفير عن ذنبه، بمدحهم بشعر ينفي أثر ما قاله فيهم من هجاء. حتى إنهم كانوا يعفون عن شاعر قد يقع أسيرًا في أيديهم، إذا أعطاهم العهود والمواثيق ألا يعود إلى هجوهم، وألا يقول شعرًا في ذمهم. وقد يغدقون عليه بالهدايا والألطاف تأليفًا للسانه، وأملا في مدحه لهم، والقاعدة عندهم أن أثر الهجاء يمحوه المدح.
وبين الشعر الجاهلي والشعر والإسلامي فروق واضحة في الأسلوب وفي الاتجاه وفي الجزالة واختيار الكلمات، اقتضتها طبيعة اختلاف الزمان وتغير الحال واتصال العرب بغيرهم، وخلود أكثرهم إلى الحضارة، إلى غير ذلك من أسباب.
ومما امتاز فيه الشعر الجاهلي عن الشعر الإسلامي، هو أن شعراءه كانوا من العرب، إلا بضعة شعراء، كانوا من أصل خليط، مثل الأغربة، الذين كانت أمهاتهم من أصل إفريقي ولا أعلم اسم شاعر جاهلي، يرجع أصله إلى فارس أو الروم، إلا ما ذكره ابن الكلبي من أمر "خرخسرة". أما في الإسلام فقد زاحم الفرس بصورة خاصة العرب على تراثهم التليد، وهو الشعر، برز منهم فيه فحول، طوروا الشعر ولونوه، وأضافوا إليه معاني جديدة، اقتضتها
стр. 6015
طبيعة الامتزاج بين العقليتين والتطور الاجتماعي الجديد الذي ظهر في المجتمع الجديد، مجتمع العرب والموالي.
ولعلماء الشعر آراء في الشعر الجاهلي وفي شعراء الجاهلية، وفي شعرهم وفي الاستشهاد بالشعر الجاهلي. ولهم آراء في ذلك دونوها في كتبهم. من ذلك أن العرب كانت لا تروي شعر شاعر، أو لا تعجب به إذا كانت ألفاظه ليست نجدية، ذكروا أن "العرب لا تروي شعر أبي داود وعدي بن زيد. وذلك لأن ألفاظهما ليست بنجدية"١. وذكروا عن شعر عدي بن زيد العبادي، أن "العرب لا تروي شعره، لأن ألفاظه ليست بنجدية. وكان نصرانيًّا من عباد الحيرة قد قرأ الكتب"٢. وقالوا عنه أيضًا "وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جدًّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة"٣.
وجزالة الألفاظ وشدة وقعها على الأسماع وغرابتها، هي من أهم المعايير التي اتخذها علماء الشعر في تقدير قيم الشعر الجاهلي، والقصيدة الجيدة الحسنة هي القصيدة الجزلة الفخمة الألفاظ التي لا تتسم بالسهولة واللِّيونة، والتي لا تفهم إلا بالرجوع إلى الشروح والتعليقات والإيماءات والإشارات. ومن هنا فَوَّقُوا شعر الأعراب على شعر الحضر، لوجود لين في شعر أهل المدر، ولسهولته، ومن هنا قالوا: إن في شعر قريش لينًا وسهولة، وفي شعر أهل الحيرة وأهل القرى مثل ذلك.
وقد تعرض ابن رشيق لموضوع الشعر الجاهلي القديم والشعر الإسلامي المحدث، فقال: "إنما مثل القدماء والمحدثين كمثل رجلين ابتدأا: هذا بناه فأحكمه وأتقنه، ثم أتى الآخر فنقشه وزينه فالكلفة ظاهرة على هذا وأن حسن، والقدرة ظاهرة على ذلك وإن خشن"٤.
стр. 6016
الْخَمْرُ والشِّعْرُ:
وقد كان الشعراء يقبلون على شرب الخمر، إقبال أكثر الجاهليين على شربها
стр. 6017
لتُنْسِيهم همومهم وفقرهم، حتى إن منهم من كان يبيع ما عنده ليشتري الخمر. وقد كان الشعراء يشربون ليستوحوا الوحي من الشرب، حتى إن الأعشى لما قدم ليسلم، فقيل له: إن الإسلام يحرم الخمر، توقف، ولم يسلم، إذ شق عليه هذا التحريم، ولم يتمكن بعضهم من تركها، فحدُّوا على شربها. وقد هرب ربيعة بن أمية بن خلف الجحمي، من بلاد الإسلام ولحق بالروم، لأن عمر جلده الحد في الخمر، وكان من آنف العرب وأسخاهم، فحلف أن لا يقيم بأرض حد فيها ولا يدين من حده، فحمله الأنف إلى أن آتى الروم فمات بها نصرنيًّا١. ويروى أنه قال:
لحقت بأرض الروم غير مفكر ... بترك صلاة من عشاء ولا ظهر
فلا تتركوني من صبوح مدامة ... فما حرم الله السُّلاف من الخمرِ
إذا أمرت تيم بن مرة فيكم ... فلا خيرَ في أرضِ الحجازِ ولا مصر
فإن يك إسلامي هو الحق والهدى ... فإني قد خليته لأبي بكر
ويذكر المعري أنه قد جرى له مع أبي بكر خَطْب، فلحق بالروم٢.
стр. 6018
شَيطَانُ الشَّاعِرِ:
ولا بد لي من أن أشير إلى ما كان يعتقده الجاهليون من أن الشعراء كانوا يستلهمون وحيهم بالشعر من شيطان، كنوا عنه بـ"شيطان الشاعر". فقالوا: "لكل شاعر شيطان". وهم يعبرون بذلك عن الحس الذي يصيب كل إنسان حساس شاعر عندما يهز مشاعره وإحساسه شيء ما يؤثر عليه فيستولي على عقله وشعوره ويستهويه، ولا يتركه يستقر ويهجع حتى يعبر عن شعوره هذا الذي يسطر عليه وملكه، بشعر يأتيه وكأنه وحي ينزل عليه تنزيلا، وعندئذ فقط يستقر ويهجع، بعد أن يكون قد نسب هذا الشعور المرهف الذي ألَمَّ به إلى وحي شياطين الشعر.
стр. 6019
وكان الكهناء، يقولون في الجاهلية: إن الشياطين كانت تأتيهم١، فهم مثل الشعراء يعتقدون بأن وحيًا يوحي إليهم بما يقولونه للناس، يتجلى لهم على صورة "رئي"، الرئي يقول سجعًا، والشيطان ينظم شعرًا.
وقد بلغ من اعتقاد بعضهم بوجود شياطين الشاعر أن رووا قصصًا تذكر كيف أن شياطين الشعر كانوا يعلمون الشعراء قول الشعر حين ينحبس الشعر عنهم وحين تقف قريحتهم حتى ليصعب على الشاعر أن ينظم بيتًا واحدًا، حتى إذا حار في أمره، استجار بشيطانه وتوسل إليه لإنقاذه من محنته، فيرِقَّ شيطانه عليه، ويلقي عليه الشعر إلقاء فيأتي على لسان الشاعر وكأنه سيل متدفق. ولاعتقاد الشعراء هذا بوجود قرين لهم من الشياطين، أو من الجن، سموا شياطينهم بأسماء، فكان اسم شيطان الأعشى "مسحلا"، وقيل هو تابعه وجنِّه الذي كان يوحي إليه بالشعر. كما أشار هو إليه في شعره:
دعوت خليلي مسحلا، ودعوا له ... جهنام، جدعًا للهجين المذمم٢
وللأعشى أشعار أخرى ذكر فيها فضل شيطانه عليه في قول الشعر. من ذلك قوله:
وما كنت ذا قول ولكن حسبتني ... إذ مسحل يبري لي القول أنطق
خليلان فيما بيننا من مودة ... شريكان جني وإنس موفق٣
وجنّه هو الذي حباه بموهبة الشعر، وبفيض الخواطر، ينظمه كلامًا محبوكًا، فهو يشكره ويفديه بنفسه:
حباني أخي الجني نفسي فداؤه ... بأفيح جياش العشيات مرجم٤.
واسم هاجس الأعشى وشيطانه "مسحل بن أوثاثة"، وكان هو الذي يلقي الشعر على لسان الأعشى. وقد رآه الأعشى ودخل خباءه وهو من شَعْر،
стр. 6020
وكان الأعشى في أول أرض اليمن يريد الذهاب إلى قيس بن معديكرب بحضرموت، فضل طريقه، فابصر هذا الخباء، فذهب إليه، وسأله الشيخ أن ينشده شعرًا، فكان إذا تلا عليه مطلع القصيدة أوقفه، واستدعى جارية من جواريه لتتلو عليه بقية القصيدة، حتى سُقِط في يدي الأعشى وتحيَّر، واغتشته رعدة، فلما رأى الشيخ ما حلَّ به، قال: "ليفرج روعك أبا بصير، أنا هاجسك مسحل بن أوثاثة الذي ألقي على لسانك الشعر". ثم ودَّعه وأرشده الطريق١.
وكان للأعشى شيطان، اسمه جهنَّام، وهو تابعة، أي شيطانة أنثى. وكان لقب عمرو بن قطن من بني سعد بن قيس بن ثعلبة، وكان يهاجي الأعشى، وقال فيه الأعشى:
دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنام جدعًا للهجين المذلل٢
وقيل إن جهنام كان شيطان الأعشى الأول، ثم اتخذ الأعشى مسحلا بعده ٣.
وزعم أن امرئ القيس كانت له قصائد ومطارحات مع عمرو الجني. وأن اسم شيطان امرئ القيس هو لافظ بن لاحظ. وأن اسم شيطان عبيد بن الأبرص هو هبيد، وهو اسم شيطان بشير بن أبي خازم؟ بشر بن أبي خازم كذلك. وأن اسم شيطان النابغة الذبياني، هو هاذر بن ماهر، وأن اسم شيطان المخبل السعدي، هو عمرو٤.
وقد بقي هذا الاعتقاد في شياطين الشعراء إلى الإسلام، فكان الشيطان الذي يلقي الشعر إلى جرير هو إبليس الأباليس، وكان اسم شيطان الفرزدق عمرًا، واسم شيطان بشار بن برد شنقناق. وكان جني حسان وصاحبه الذي يوحي إليه الشعر من بني شيصبان، "وكانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه، وتعينها عليه، وتدعي أن
стр. 6021
لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه، فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود"١، وورد أن الفرزدق كان يرى أن للشعر شيطانين، يدعى أحدهما: الهوبر، والآخر: الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصح كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره٢.
وقد زعم أبو النجم أن شيطانه الذي يوحي إليه الشعر شيطان ذكر، أما شياطين بقية الشعراء فإناث:
إني وكل شاعرٍ من البشرِ ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
فما يراني شاعرٌ إلا استتر ... فعل نجوم الليلِ عاين القمر٣
وقال آخر:
إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبو عني
فإن شيطاني أميُر الجنّ ... يذهب بي في الشعر كل فن٤
وروي أن السعلاة لقيت حسان بن ثابت في بعض طرقات المدينة، وهو غلام قبل أن يقول الشعر، فبركت على صدره، وقالت أنت الذي يرجو قومك أن تكون شاعرهم؟ قال: نعم. قالت: فأنشدني ثلاثة أبيات على روي واحد وإلا قتلتك، فقال:
إذا ماترعرع فينا الغلام ... فما أن يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شد الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشيصبان ... فحينًا أقول وحينًا هوه٥
فخلت سبيله. فهذا الأبيات هي على زعم أهل الأخبار أول شعر حسان. قالها بوحي من شيطانه الشيصبان.
стр. 6022
وليس هذا الشيطان الذي تصوره الجاهليون، يلهم الشعراء وحيهم ويلقي إليهم الشعر إلقاء بقذفه في قلوبهم، ليخرج على ألسنتهم، هو من وحي الجاهليين ومن تخيلاتهم وتخرصاتهم وحدهم، بل هو شيء معروف عند غيرهم أيضًا. فقد تصور اليونان أن للشعر آلهة تقذف الشعر في نفوس الشعراء، فينطلق على ألسنتهم١. والرئي الذي يوحي إلى الكاهن علمه بالكهانة، هو ضرب من هذه الشياطين التي تخيلوها للشعراء، فبفضل الرئي يقول الكاهن سجعه لمن يطلب منه أن يتكهن عن أمر سأله عنه، وهو يجيب السائل بما يلقيه رئية عليه، يلقيه سجعًا، أما شيطان الشاعر، فيلقيه على شاعره شعرًا، ومن هنا وقع الفرق بين قول الشاعر وبين قول الكاهن.
وكانوا يسمون الشعراء كلاب الحي، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون أعراضهم. وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:
وقد هرَّت كلاب الحي منَّا ... وشذبنا قتادة من يلينا٢
وأما كلاب الجن، فشعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم ويحمون أعراضهم٣.
стр. 6023
الفصل السابع والأربعون بعد المائة: حد الشعر
مدخل
...
الفَصْلُ السَّابِعُ والأرْبَعونَ بَعَدَ المائَةِ: حَدُّ الشِّعْرِ
عرف علماء العربية الشعر بقولهم: "والشعر: منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعرًا من حيث غلب الفقه على علم الشعر". وعرَّف الأزهري الشعر بقوله: "الشعر القريض المحدود بعلامات لا يجاوزها، والجمع أشعار، وقائله شاعر، لأنه يشعر ما لا يشعر غيره، أي يعلم"١. وعرفه ابن خلدون بقوله: "الشعر هو الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والرَّوي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العربية المخصوصة به". فهو يجعل التقفية والوزن من شروط الشعر، ويشترط أيضًا استقلال كل بيت منها بغرضه٢.
وعرف بأنه الكلام المقفى الموزون قصدًا، والتقييد بالقصد مُخْرِج ما وقع موزونًا إتفاقًا، فلا يسمى شعرًا٣. وقد قصد بهذا التعريف الإسلامي، إخراج من قال الشعر اتفاقًا لا عن قصد واحتراف. بل عفوًا وسجية. ولما جاء في القرآن الكريم، من رمي المشركين للرسول بأنه شاعر بقول الشعر، فنزل الوحي
стр. 6024
بنفي ذلك عنه. وحدد العلماء صفة الشاعر بأنه الذي يحترف الشعر ويقوله قصدًا، حتى لا تنطبق هذه الصفة على من يقول سطرًا بوزن اتفاقًا من غير قصد١.
وقد عرفه بعضهم بقوله: "الشعر كلام موزون مقفى، دالٌّ على معنى، ويكون أكثر من بيت"٢. وهو تعريف وضعه علماء الشعر في الإسلام، وهو لا ينطبق بالطبع على وصف الشعر عند الأعاجم من الآريين والساميين، لأن للشعر عند هذه الأمم مفاهيم آخرى، تختلف باختلاف وجهة نظرها إلى الشعر. فقد يكون الشعر سجعًا عند الأمم الأخرى، وتعد الأمثال عند بعض الشعوب في جملة أبواب الشعر٣، كما أنه لا يمكن أن ينطبق على الشعر الجاهلي القديم، إذ ليس في استطاعة أحد حق التحدث عن الشعر الجاهلي المتقدم على شعر أقدم من وصل اسمه إلينا من الشعراء الجاهليين، لعدم وجود نصوص مدونة أو مروية عن ذلك الشعر، وما دمنا لا نملك نصوصًا منه، فلا حق لنا إذن في التحدث عنه.
وعندي أن الشعر الجاهلي المروي والمدون في المؤلفات الإسلامية ببحوره المعروفة إنما يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل تطور هذا الشعر، أي مرحلة الكلام الموزون المقفى الدال على معنى، ولكننا لا نستطيع كما قلت سابقًا الزعم بأن الشعر الجاهلي الأقدم كان على نفس هذه البحور، أي أنه كان متمسكًا بالوزن والقافية إذ من الجائز أن يكون قد كان على شاكلة الشعر القديم الذي نظمه الشعراء الساميون، من عدم تقيد بالقافية وبوزن الأبيات، كما نجد ذلك في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى وإنما كانوا يراعون فيه النغم، بحيث يتغنى به، أو التأثير في العواطف، بمراعاة نسق الكلام المبني على البلاغة. ولهذا عد السجع نوعًا من أنواع الشعر، لأن في السجع من الوصف والعاطفة والحس ومعالجة الموضوع، ما يجعله شعرًا، وفي بعضه نغم يجعله صالحًا لأن يتغنى به، وبين الغناء والشعر صلة ونسب. وقد جعل بعض العلماء الشعر وليدًا من أولاد الغناء، لأن الشعوب القديمة كالبابليين، والمصريين، واليونيين والعبرانيين، كانت تقرن شعرها بالموسيقى، وعرف هذا الشعر بالإنشاد، وقد كان الإنشاد في المعابد، نوعًا من
стр. 6025
التراتيل الموجهة الآلهة، كما كان يستخدم في الحروب. ولهذا رأى العلماء أن الموسيقى، أولدت الإنشاد، والإنشاد هو والد الشعر.
والشعر معروف عند كل شعوب العالم، معروف موجود حتى عند الشعوب البدائية، لأنه نوع من أنواع التعبير عن الحس. والإنسان مهما كانت ثقافته ومنزلته لابد له من التعبير عن إحساساته بمختلف الصور، وبشتى الوسائل، من كلام أو تدوين أو نقش أو صراخ أو غناء أو رمز، إلى غير ذلك من الأنواع وفي جملتها الشعر. فهو لا يخص إذن شعبًا معينًا، ولا جنسًا خاصًّا، وإنما هو تعبير إنساني، يؤديه كل إنسان، متى كانت عنده المواهب ووجد عنده الحس المرهف الذي يدفعه إلى تأليف الشعر دفعًا، يؤديه على نحو ما يتأثر به إحساسه وذوقه، في أسلوب يختلف عن الكلام المعتاد المألوف، ولكنه ليس على نمط واحد عند جميع البشر، فقد يكون الشعر شعرًا عند أمة، وهو ليس شعرًا عند أمم أخرى، والمصطلح العربي الذي ذكرته للشعر، يختلف عن المصطلح المفهوم للشعر عند اليونان مثلا أو عند الرمان أو عند البابليين، كما أن أبوابه وأنواعه قد تختلف بين أمة وأخرى.
فقد كان العبرانيون يحبون الشعر، حب العرب له، ويقولون له: "هـ - ش"، أي الشعر وكانوا ينظمون أشعارًا رتلوها في مختلف المناسبات، في الأفراح وفي الأتراح في المدح وفي الهجاء، وفي الغزل وفي الوصف، وفي تمجيد الرب، وكانوا يستعينون بالشعر في القتال، ينشدونه في قتالهم ويجعلونه عونًا لهم في شحذ الهمم وفي تقوية العزائم للنصر، كما نرى ذلك في أسفار التوراة١. ونجد ثلث التوراة شعرًا، لا سيما في أسفار أيوب والمزامير والأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد. وفي مواضع من "التكوين" وكتب الأنبياء. ولكن شعرهم ليس وزنًا وقافية، على نمط الشعر العربي، بل هو شعر من طراز آخر. هو شعر بالنسبة للعبرانيين، وهو ليس بشعر بالنسبة لمصطلحنا المحدد للشعر.
وقد بدأ الشعر بداية متحررة، فلم يكن الإنسان في بادئ أمره بالشعر يتقيد بالوزن والقافية، وإنما كان يميز بينه وبين النثر بالنغم الذي يجعله فيه، وبالنبرات