← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

الجاهليين، وتجاسر بعض الكفار على الرسول، فوصفوه بأنه شاعر. ووصفه بهذه الصفة دليل على ما كان الشعر من أثر في نفوس القوم. وقد ورد في الحديث: أن الرسول قال: "إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمًا"، أو "إن من الشعر لحكمة"١. وفي الأخبار أنه كان يرفع أُنَاسًا ويذل آخرين، وأن من الناس من كان يشتري ألسنة الشعراء. وورد في الحديث، أن الرسول ذكر الشعر فقال: "إن من الشعر لحكمة، فإذا ألبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنه عربي"٢. ووردت عنه أحاديث أخرى في حق الشعر٣. وورد في خبر آخر أن "العلاء بن الحضرمي"، لما وفد على رسول الله، قال له الرسول: أتقرأ شيئًا من القرآن؟ فقرأ سورة عبس، ثم زاد فيها من عنده: "وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة، تسعى بين شراسيف وحشى، فقال رسول الله كفَّ فإن السورة كافية، ثم قال: أتقول شيئًا من الشعر؟ فأنشده: وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم ... تحيتك الأدنى فقد يدبغ النَّعلُ فإن دحسوا بالكره فاعفُ تَكَرُّمًا ... وإن أخنسوا عنك الحديثَ فلا تسل فإن الذي يؤذيك منه استماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل فقال النبي: "إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما ٤ ". وورد أن الرسول كان يسأل الصحابة أن يسمعوه شعرًا، سأل مرة "الشريد بن سويد الثقفي" أن ينشده شيئًا من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشده مائة بيت، فقال الرسول: كاد أمية بن أبي الصلت أن يُسْلِم، أو أن كاد ليسلم٥. وكان الرسول يقول: أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: أَلَا كُلُّ شَيءٍ

стр. 5952

ما خلا الله باطل، أو أن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل١. وورد أنه استشهد ببيت شعر لطَرَفَةَ بن العبد، هو: ستبدي لك الأيامُ ما كانت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوَّدِ٢ وورد أنه جلس في مجلس من الخزرج، فاستنشدهم شعر: قيس بن الخطيم، فأنشدوه بعض شعره٣. وللرواة أخبار عديدة تشير إلى سماع الرسول الشعر وإلى وقوفه عليه وعلمه به، وأنه كان يكلف الصحابة بأن ينشدوه من شعر الشعراء، وذكر أنه نهى من رواية رثاء أمية بن أبي الصَّلت قتلى قريش في معركة بدر، لما فيها من رثاء لمشركين ومن تحريض على الإسلام٤. وورد أن الشاعر العباس بن مرداس"، شهد مع النبي حنينًا على فرسه "العُبيد"، فأعطاه النبي أربع قلايص، فقال: أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع وكانت نهابًا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع فقال الرسول: اقطعوا عنَّا لسانه٥. ولسانه هو شعره. وروي عن عمر قوله: "نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته فيستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم، مع ما للشعر من عظم المزية، وشرف الأبية، وعز الأنفة، وسلطان القدرة٦". وقديمًا قال ابن عباس: "إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله، فاطلبوه في

стр. 5953

الشعر، فإنه ديوان العرب"١. وقيل إنه -أي ابن عباس- ما فسَّر آية من كتاب الله، إلا نزع فيها بيتًا من الشعر. وروي أن غيره كان يحفظ شيئًا وافرًا من الشعر، الشعر المروي عن أناس عاشوا قبل الإسلام وأناس أدركوا الإسلام، وأنهم كانوا يتداولونه ويتطارحونه ويحفظونه لصلته بكل فرد منهم. ففيه أخبار القبائل وأيام العرب وما قيل فيهم من مدح أو ذم، والحق أننا بفضل هذا الشعر حصلنا على كثير من هذا القصص المنسوب إلى أهل الجاهلية، وبفضله عرفنا الشعراء والقبائل والأيام والحروب، فهو كما قلت في الجزء الأول من هذا الكتاب مورد مهم رئيسي يرد منه المؤرخ في تدوينه تأريخ العرب قبل الإسلام. ونحن لا نكاد نقرأ قصة من قصص "أيام العرب"، إلا ونجد فيها شعرًا، ينسب إلى بطل من الأبطال الذين ساهموا فيها، أو من شاعر يذكر قومه أو خصوم قومه أو خصومه بالأيام التي انتصروا فيها على خصومهم. وقد ساعد هذا الشعر على تثبيت تلك الأيام في ذاكرة رواتها، حتى وصلت إلى أيام التدوين فدونت، على نحو ما نقرأها في هذا اليوم. ثم إن كتب الأدب بأنواعها مملوءة بأخبار المساجلات والمطارحات التي وقعت بين الشعراء قبيل الإسلام وفي أيام الرسول والخلفاء. وقد رويت فيها أشعار وقصائد لشعراء جاهليين، ولشعراء مخضرمين. وقد تحدث معظم المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام عن ذكرياتهم في الجاهلية، ورووا ما نظموه فيها من أشعار وما وعوه من المناسبات التي نظموا فيها. ثم إن هذه الكتب مملوءة أيضًا بأخبار مجالس سمر تناولت الحوادث والأيام والشعر والشعراء، وفيها نقد ومفاضلات لما ذكر في تلك المجالس من شعر، وقد روي: أن الرسول كان يجالس أصحابه ويتحدث معهم ويصغي إليهم، ويستمع إلى ما يرْوُونه وما يتذاكرونه من الشعر٢. وروي أن الْحُطَيئةَ، وهو شاعر معروف، كان يتذاكر الشعراء ويحفظ أشعارهم٣. وقيل للحسن البصري: "أكان أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 5954

يمزحون؟ قال: نعم ويتقارضون، أي يقولون القَرِيضَ وينشدونه. والقريض الشعر"١. وروي أن أصحاب رسول الله، كانوا يتناشدون الأشعار ويذكرون أمر جاهليتهم، وأن رسول الله كان يجالسهم في المسجد، وهم يتناشدون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسَّم٢. وعن أبي سلمة: "لم يكن أصحاب رسول الله ﵌ متحزقين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حمَاليق عينيه كأنه مجنون"٣. وقد ذكر أن من الأعاجم من تعلم الشعر العربي ورواه وعشقه، فزعم ابن الكلبي مثلا أن "خرحسرة"، وهو ابن المروزان، كان قد تعرب، أعجبته العربية فتعلمها وروى الشعر، وكان واليًا على اليمن في عهد كسرى، ثم بلغ كسرى تعربه، وروايته الشعر، وتأدبه بأدب العرب، فعزله، وولَّى باذان٤. وللشعر أثر خطير في نفوس العرب كان يهز عواطفهم هزًّا، ويفعل فيهم فعل السحر، فلا عجب إذا ما قرن "رؤبة" الشعر بالسحر، وجعله مثله في التاثير لتلك العلة: لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مرا ومرا شاعرا ٥ قال الجاحظ: "وكان الشاعر أرفع قدرًا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرًا من الشاعر٦. وقد بقي أثر هذا في نفوس الناس حتى بعد زوال الجاهلية ودخول الناس في الإسلام. فكان مدح الشاعر لقوم، من المآثر والمفاخر، وكان ذمه

стр. 5955

مما يشين ويسيء إلى المهجو. لما هجا جرير "بني نمير" بقوله: فغضَّ الطَّرْفَ إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا أخذ بنو نمير ينتسبون إلى عامر بن صَعْصَعَة، ويتجاوزون أباهم نميرًا إلى أبيه، هربًا من ذكر نمير وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة. مع أنهم كانوا قبل ذلك إذا سئل أحدهم ممن الرجل فخم لفظه ومد صوته وقال: من بني نمير، وكانوا جمرة من جمرات العرب. وكان أحدهم إذا رأى نميريًّا وأراد نبزه والإساءة إليه قال له: غمِّض وإلا جاءك ما تكره، وهو إنشاد هذا البيت١. وصار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر٢! قال الجاحظ: "وفي نمير شرف كثير. وهل أهلك عنْزَة، وجرمًا، وعُكلا، وسلولَ، وباهلة وغنيًا، إلا الهجاء؟! وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتاب، وعبَّاد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر: رأيت الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بني تميم٣ وقد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، وبكثرة شعر القفا. وكان حذف الفزاري قد أطعم جُردان الحمار، فقتل الذي أطعمه. وقال: طاح مرقمه، فذهبت مثلا. ففزارة تعير بذلك إلى اليوم. قال الشاعر: إن بني فزارة بن ذبيان ... قد سبقوا الناسَ بأكل الجردان وقال آخر: أصيحانية علت بزبد ... أحب إليك أم أير الحمار٤؟

стр. 5956

وبين الشعر والسحر صلة، حتى ذهب بعض الباحثين في الشعر إلى أن الشعر هو فن من الفنون التي كان يمارسها السَّحرة في التأثير في مشاعر الناس، إذ كانوا يتخذونه وسيلة من وسائل التأثير في النفوس، لما يستعملونه فيه من كلام مؤثر ساحر يترك أثرًا خطيرًا في نفس سامعه. ولهذا عدُّوا السحرة في جملة أوائل من كان ينظم الشعر من القدماء، كما ذهب بعض الباحثين إلى أن الشعراء كانوا "أهل المعرفة" والفهم، لما كان لهم من ذكاء وصفاء ذهن في فهم تجارب الحياة، وفي نظم خلاصة تلك التجارب على شكل علم أو حكم تفيد في التهذيب وفي التوجيه وفي وعظ الناس، ولهذا كان لهم رأي في السياسة في السلم وفي الحرب. وفي كتب الأدب والأخبار أمثلة كثيرة عن أثر الشعر في القبائل وفي الأشخاص من مدح وذم، يرينا كيف كان العرب يتأثرون به، وكيف كان يلعب دورًا خطيرًا في حياتهم، والعرب قوم عاطفيون، تلعب العاطفة دورًا خطيرًا في حياتهم، وما الشعر إلا نتيجة لهذا الطبع المتوارث في العربي. وقد كان أثر الشعر في المغازي وفي الحروب أثر السيف في الخصوم، يحرض المقاتلين على الاستبسال في الحروب ولما وقعت الوقائع بين المسلمين والفرس، لعب الشعر والنثر دورًا خطيرًا ففي يوم "أرماث" مثلا، أرسل سعد إلى قادة الكلام، من رجال والشعر، يدعوهم إلى استخدام سلاحهم في هذه المعارك، فكان ممن حضر عنده طليحة، وقيس بن هبيرة الأسدي، وحذيفة، وغالب، وعمرو بن معديكرب، وابن الهذيل الأسدي، وعاصم بن عمرو، وربيع بن البلاد السعدي، وربعي بن عامر وهم من الخطباء، والشماخ، والحطيئة، وأوس بن مغراء، وعبدة بن الطيب وأمثالهم، وهم من الشعراء، فلما تجمعوا، قال لهم سعد: "قوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق عليهم، عند مواطن البأس، فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس، فذكروهم وحرضوهم على القتال"١. فالشعر سلاح ماضٍ عند العرب، مثل الأسلحة الأخرى وربما كان أمضى منها أثرًا في نفوسهم لما كان يفعله فيهم، وكذلك النثر من أثر في النفوس يحملهم

стр. 5957

على الإقدام وعدم التهيب من الموت. ونحن لا نعرف حربًا أو غزوًا وقع للعرب، ثم لم يقترن خبره بشعر أو بأبيات منه، فقد كان المحاربون، يحاربون خصومهم بألسنتهم وبسيوفهم وبسهامهم ورماحهم في الوقت نفسه، وقد رأينا أنه قد كان للشعر الفضل الأكبر في كثير من الأحايين في حفظ أخبار الحروب وبقاء ذكرها إلى هذا اليوم. ونستطيع القول بأن قسطًا كبيرًا من الشعر الجاهلي، هو من شعر القتال. ولذلك نستطيع جعله صنفًا قائمًا بذاته نسميه شعر القتال والحروب. ومن هذا الأثر الذي كان يعرفه الشعراء حق المعرفة، كانوا يستعملون ويترفعون به عن غيرهم، كتب هوذة بن عليّ الحنفي، إلى النبي يجيبه على رسالته التي أرسلها إليه: "ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتَّبِعُك"١، فهو شاعر قومه وخطيبهم، وله مكانة في العرب، فهو يرى أن يميز عن غيره بميزات تمنح له، وكان الشعراء يمنون على قومهم بأنهم ألسنتهم المخرسة الناطقة المهاجمة المدافعة، فهم من الطبقة المثقفة الممتازة التي حظيت بالتقدير ونالت الاحترام، بسبب قدرة اللسان، وأثر الشعر في الناس. ولا زال الشاعر ينال مكانة محترمة عند أهل الحضر وعند أهل الوبر، فهو لسان القبيلة حتى اليوم، يدافع عنها، ويهجوا أعداءها، ويرد على شعرائها، ويشيد بفعال قومه. وللهجاء عندهم مكانة، إلا أنها أخذت تتزلزل عن مكانها، بفعل التحضر الذي أخذ يغزو البوادي، وتغير العقلية، وعدم الاهتمام بالقيل والقال، مما أثر على مكانة الشعر والشاعر أيضًا، فلم يعد الناس يخشون لسان الشاعر، كما كانوا يخشونه أيام الجاهلية، يوم كانوا يسترضون الأعشى والحطيئة، خوفًا من لسانيهما السليطين. ويطلق على الشعر الذي قيل قبل الإسلام: الشعر الجاهلي، لأنه قيل في الجاهلية التي شرحنا معناها في الجزء الأول من هذا الكتاب، وأصحابه كلهم ممن عاشوا وماتوا قبل الإسلام. أما الذين أدركوا الإسلام وأسلموا، فهم الشعراء المخضرمون

стр. 5958

لأنهم أدركوا عهدين، فعاشوا رِدْحًا من عمرهم في الجاهلية، وقضوا البقية الباقية من حياتهم في الإسلام. وإذا قلنا الشعر الجاهلي، أو شعر الجاهليين، فلا نريد أو يريد أحد منا الغض من شأنه أو الحطُّ من قدره، فإننا على العكس، نجد علماء الشعر والأدب، يرفعون من قدره، ويرون أنه الأوج الذي بلغه العرب في الشعر، ولا سيما الشعر المختار منه مثل المعلقات، فقد بلغ القمة في نظرهم، وقد بلغ من تقدير بعضهم للشعر الجاهلي، أنهم كانوا أحيانًا يذهبون بعيدًا في تدقيقهم إلى حدِّ التهوين من قيمة شاعر لا يمكن إنكار تفوقه، لمجرد أن ولادته كانت بعد ظهور الإسلام"١. وروي أن عمر قال: "الشعر علم قوم لم يكن لهم علمٌ أعلم منه" وأنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "مُرْ من قِبَلَكَ بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب"٢. ولقد قال الجاحظ: "وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون والكلام المقفَّى وكان ذلك هو ديوانها وعلى أن الشعر يفيد فضيلة البيان، على الشاعر الراغب، والمادح، وفضيلة المأثرة، على السيد المرغوب إليه، والممدوح به"٣. وقال العسكري: "لا تعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة أشعارها، فالشعر ديوان العرب وخزانة حكمتها ومستنبط آدابها ومستودع علومها"٤، والشعر هو ديوان تسجيل من لا تسجيل له، لجأت إليه الشعوب القديمة حين لم تعرف الكتابة، ليقوم مقام الكتابة في تخليد المآثر والأحدث وما يستجد لها من أمور عظام، بما فيه من أثر على القلب، ومن نغم يساعد على الحفظ، فقام الشعر عند العرب مقام الكتابة، قبل أن تتفشى الكتابة بينهم٥. والواقع أن هذا الشعر الجاهلي قد أفاد المؤرخ الباحث في تأريخ الجاهلية فائدة

стр. 5959

لا تقدر بثمن، وربما زادت فائدة هذا الشعر من الوجهة التأريخية على فائدته من الوجهة الأدبية، لأنه حوى أمورًا مهمة من أحداث العرب الجاهليين، لم يكن في وسعنا الحصول عليها لولا هذا الشعر١. ولكن كثيرًا من هذا التراث الذي أريد تخليد عمل العرب به قد ضاع، قبل الإسلام، بسب عدم تدوينه وتخليده في كتاب واعتماد الناس في روايته على الحافظة وحدها، والحافظة لا تحفظ المحفوظ لأمد طويل، فضاع منه ما ضاع، ووصل بعض منه بصورة يرتاب منها، وآفة كل ذلك هو المرض الذي يصيب الذاكرة: مرض النسيان. قال ذو الرُّمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أحب إليَّ من الحفظ. لأن الأعرابي ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلامًا بكلام"٢. والشعراء الجاهليون كثيرون، ونجد في كتب اللغة والمعاجم، أسماء شعراء، لم يرد لهم خبر في موارد أخرى، ذكروا لمناسبة الاستشهاد بشعرهم، ونجد في كتب السير والرجال أسماء رجال لهم شعر، لم يرد اسمهم في كتب الشعر. قال ابن قتيبة: "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم؛ واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها"٣. وأنت إذا قرأت بعض الكتب مثل كتاب: "الاشتقاق"، و"المحبر"، وكتب المجالس والأمالي والشواهد، تجد أمامك أسماء عدد كثير من الشعراء الجاهليين، لم يرد اسمهم في كتب الشعر الجاهلي، ولم يحفل بهم علماء الشعر مع أنهم كانوا في أيامهم من الشعر المعروفين، وقد نص على أنهم كانوا من الشعراء.

стр. 5960

ولا أَجِدُ في كلام قدماء العلماء القائل أن الذي وصل إلينا من أمر الشعر الجاهلي والشعراء الجاهليين، هو قليل جدًّا من كثير جدًّا، وأن الذي فات عن علم العلماء من أمر الشعراء الجاهليين أكثر بكثير مما بقي، أية مبالغة أو تهويل، لأننا نجد في الموارد التي تتحدث عن الصحابة أو عن الأخبار، أسماء رجال كانوا شعراء، لا نجد لها وجودا في كتب الشعر، ثم إن علماء الشعر أنفسهم يعترفون في كتبهم ودفاترهم، أنهم لم يدونوا من أسماء الشعراء إلا من اشتهر أمره وعرف بغزارة شعره، أما من كان دون هؤلاء، فإنهم لم يتحرشوا بهم، إذ لو تعرضوا بهم لاحتاجوا إلى تدوين كتب ضخمة في الشعر والشعراء، أضف إلى ذلك موت ذكر كثير من الشعراء، بسبب عدم وجود التدوين قبل أيام التدوين وعجز الذاكرة عن المحافظة على أسماء الشعراء وعلى شعرهم إلى أمد طويل. ثم أن الشعر سليقة عند العرب، وبديهة، وقلما نقرأ اسم رجل من أهل الجاهلية، إلا وقد نسب له أهل الأخبار البيت أو البيتين، أو أكثر من ذلك من الشعر. ونحن لا نذكر هنا من الشعراء إلا من نبه منهم، وترك أثرًا في الأدب العربي إلى يومنا هذا. وقد جرت العادة بأن يدرس الشعر الجاهلي على أسلوب الجادة القديمة، بالاعتماد على الروايات المدونة عنه في الموارد الإسلامية القديمة، وهي روايات لاقت رواجًا كبيرًا بين المعنيين في الشعر الجاهلي، حتى صارت في درجة القضايا البديهية المسلم بصحتها، مع أنها في الواقع أخبار آحاد، وردت في كتب إسلامية قديمة نقلها عنها المؤلفون المتأخرون عن المؤلفين القدماء مع أن الصحيح هو في وجوب درس الشعر الجاهلي، على ضوء شعر المخضرمين والشعراء الإسلاميين الذين عاشوا في صدر الإسلام، وعلى ضوء الدراسات المعروفة عن الشعر عند الساميين، مثل شعر السريان الذي يأخذ أيضًا بالوزن والقافية وله مصطلحات قديمة في الشعر تعود إلى ما قبل الإسلام، ثم الشعر العبراني والشعر البابلي وشعر بقية الساميين. وفي دراسة شعر القبائل الحاضرة المنزوية في جزيرة العرب، فائدة كبيرة في تشخيص الشعر الجاهلي، لأنها -ولاسيما القبائل القابعة في العربية الجنوبية- لا زالت تنظم الشعر متأثرة بالقوالب القديمة وببحور جاهلية لم يحفل بها "الخليل" أو أنه لم يقف عليها، ففات أمرها على العلماء، وعدت من الشعر العامي المبتذل.

стр. 5961

الذي لا يليق بالعالم المتزن أن يحفل به. وقد تفيدنا دراسة شعر القبائل العربية، الناطقة بلهجات بعيدة عن عربيتنا بعض البعد، فائدة كبيرة في الحكم على طبيعة ونوع الشعر عند العرب الجنوبيين قبل الإسلام، فألسنة هذه القبائل هي من وحي الألسنة العربية الجنوبية الجاهلية، ونظم الشعر بها بأسلوب خاص وببحور متميزة، هو دليل قاطع على وجود الشعر عند العرب الجنوبيين، وهو شعر لا نعرف اليوم من أمره أي شيء، لعدم وصول نماذج مدونة منه إلينا حتى الآن، ولعدم اهتمام العلماء القدامى به، لاختلافه عن عربية القرآن الكريم، وفي الشعر اليماني القديم الذي نجد نماذج منه في المؤلفات اليمانية، مثل مؤلفات "الهمداني"، فائدة في تشخيص الشعر اليماني الجاهلي، وإن كان هذا الشعر قد صبغ وفقًا للشعر العربي القرآني، بفعل دخول أهل العربية الجنوبية في الإسلام، وأخذهم بلغة القرآن الكريم. ولا أستبعد احتمال ترك علماء الشعر واللغة كثيرًا من الشعر الجاهلي، لأنه شعر لم ينظم وفق عربية القرآن الكريم أو وفق البحور "الكلاسيكية" المعروفة التي اعتبرت الصور الرفيعة لبحور الشعر العربي الصحيح، نبذوه لأنه كان في أعينهم من الشعر العامي المبتذل الذي لا يليق بالعالم المدقق توجيه عنايته إليه، على نحو ما فعلوه بالنسبة إلى اللهجات العربية الأخرى التي كانت تختلف عن العربية المألوفة التي أخذوها من أفواه القبائل التي اعتبروا لسانها هو اللسان العربي الفصيح، وأما ما سواها فألسنة رديئة لا يؤخذ بها ولا يحتج بما ورد فيها من نثر أو نظم.

стр. 5962

خبر شعراء الجاهلية مدخل ... خبرُ شعراءِ الجاهليةِ: وقد حصلنا على أسماء شعراء الجاهلية من الموارد الإسلامية، فقد ذكرتُ أن النصوص الجاهلية لم تتعرض لأمر الشعر الجاهلي ولا للشعراء الجاهليين. ونجد أسماء هؤلاء الشعراء في مختلف الموارد، في كتب الأدب وفي ضمنها دواوين الشعر، وفي كتب النثر الباحثة عن الشعر، وفي كتب التفسير والحديث واللغة والمعاجم، بل وفي الشعر الجاهلي كذلك، إذ ذكر بعض أسماء الشعراء، ونجد في شعر بعض الشعراء الذين ظهروا في العصر الأموي أسماء شعراء جاهليين، فنجد في شعر للفرزدق أسماء جاهليين، إذ يقول:

стр. 5963

وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرولُ والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحلُ وآخو بني قيس وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأولُ والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثلُ وأخو بني أسد عبيد إذ مضى ... وأبو داود قوله يتنخل ُ وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقولُ والجعفري وكان بشر قبله ... لي من قصائده الكتاب المجملُ ولقد ورثت لآل أوس منطقًا ... كالسم خالط جانبيه الحنظلُ والحارثي أخو الحماس ورثته ... صدعًا كما صدع الصفاة المعولُ١ ونجد في شعر "جرير" الذي نقض على الفرزدق قصيدته المذكورة، وفي شعر سراقة البارقي، ذكرًا لأسماء بعض الشعراء إذ يقول: ولقد أصبت من القريض طريقة ... أعيت مصادرها قرين مهلهل بعد امرئ القيس المنوه باسمه ... أيام يهذي بالدَّخول فَحَومَل وأبو داود كان شاعر أمة ... أفلت نجومهم ولما يأفل أبو ذؤيب قد أذل صعابة ... لا ينصبنَّك رابض لم يذلل وأرادها حسان يوم تعرضت ... بردى يصفق بالرحيق السلسل ثم ابنه من بعده فتمنعت ... وإخال أن قرينه لم يخذل وبنو أبي سلمى يقصر سعيهم ... عنا كما قصرت ذراعًا جرول وأبو بصير ثم لم يبصر بها ... إذا حل من وادي القريض بمحفل واذكر لبيدًا في الفحول وحاتما ... يلومك الشعراء إن لم تفعل ومعقِّرًا فاذكر وإن ألوى به ... ريب المنون وطائر بالأخيل وأمية البحر الذي في شعره ... حكم كوحي في الزبور مفصل واليذمري على تقادم عهده ... ممن قضيت له قضاء الفيصل

стр. 5964

واقذف أبا الطمحان وسط خوانهم ... وابن الطرامة شاعر لم يجهلِ لا والذي حجت قريش بيته ... لو شئت إذ حدثتكم لم آثل ما نال بحري منهم من شاعر ... ممن سمعت به ولا مستعجل١ وجمع رواة الشعر شعر شعراء الجاهليين وأخبارهم من موارد متعددة، من الشعراء أنفسهم، مثل الحطيئة الذي أدرك الإسلام، ومثل حسان وبقية الشعراء المخضرمين، فقد أمدوا الخلفاء وعشاق الشعر بأخبار من تقدم عليهم من الشعراء. وبما حفظوه من شعرهم، وبما استحسنوه من أشعارهم، كما مونوهم بأخبارهم التي بقيت عالقة في أذهانهم عن الجاهلية، وعن أيامهم في الإسلام. كما جمعوا أخبارهم من أبناء الشعراء الجاهليين من ذوي رحمهم وآلهم، ونجد في كتب الأخبار والأدب أخبارًا كثيرة من شعراء جاهليين، نقلها الرواة من أبناء أولئك الشعراء، أو من ذوي قرابتهم، فقد جاء قسط كبير من شعر الشاعر" تميم بن مقبل" عن ابنته أم شريك، وجاء من شعر "حاتم" وأخباره عن ابنه "عدي"٢. وأخذ الرواة شعر الشعراء الجاهليين من قبائلهم كذلك، فقد كان في القبيلة من يحفظ شعر شعرائها أو شعر المبرزين منهم. وقد رأينا كيف استعزت تغلب بقصيدة "عمرو بن كلثوم" فكانت ترددها دومًا حتى عيبت على ذلك٣، وكان في القبائل الأخرى من حفظ شعر شعرائها ونجد كتب الأدب والأخبار تنص على أسمائهم فتذكر اسم الشخص، وتنص على اسم قبيلته، وقد تذكر جملا مثل "سمع أشياخًا من طيء"٤، أو "حدثني الطائيون"٥، وأمثال ذلك، من جمل تنص على اسم المورد الذي استقى منه الراوية خبره أو شعر الشاعر من القبيلة. ونجد في كتاب طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي "٢٣١هـ"، وفي

стр. 5965

كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة "٢٧٦هـ"، أسماء شعراء جاهليين، وقد أخذا علمهما بهم ممن تقدم عليهم فألف قبلهم في موضوع الشعر والشعراء، ودوَّن "اليعقوبي" في تأريخه جريدة بأسماء شعراء العرب، وقد جعل أولهم "امرئ القيس"، وذكر النابغة الذبياني بعده، وانتهى بالمخضرمين١، ولكنه لم ينص على اسم المورد الذي أخذ تلك الأسماء منه. ولا نجد بين أسماء الشعراء الجاهليين اسم شاعر واحد نظم شعره وعاش في العربية الجنوبية أو نظم بلهجة متأثرة باللهجات العربية الجنوبية، فأكثر من ذكروهم من الشعراء إنما هم من الشعراء الذين قضوا أكثر حياتهم خارج العربية الجنوبية، وقد كان في هذه العربية شعراء ولا بد، فليس من المعقول خلوها من الشعر والشعراء، ولكن علماء العربية لم يعتنوا إلا بشعراء القبائل التي احتكوا بها والتي أخذوا العربية عنها، والتي اعتبروا لسانها من أفصح ألسنة العرب، فضاع بسبب ذلك شعر القبائل التي كانت بعيدة عنهم أو التي كان لسانها بعيدا بعض البعد عن العربية التي ارتضوها والتي نزلت بها القرآن الكريم. ولا نجد في الشعر الجاهلي الواصل إلينا شعرًا نظم في أغراض دينية وثنية، أي في عبادات القوم قبل الإسلام، اللهم إلا ما نسب إلى بعض الشعراء الأحناف من شعر فيه تحنف، وإلا ما نسب إلى بعض آخر من شعر فيه اشارات عابرة إلى عقائد يهودية أو نصرانية، أما شعر وثني خالص، من شعر فيه ترنيم بالأصنام والأوثان، وتحميد لها وتقديس، أو وصف لطقوس دينية وثنية، فهو شعر لم يصل إلينا منه شيء، وسبب عدم وصوله إلينا هو الإسلام، الذي اجتث كل ما يمت إلى الوثنية بصلة قريبة، وقضى عليه، فامتنع المسلمون من رواية هذا النوع من الشعر.

стр. 5966

الشَّاعِرُ: والشاعر متعاطي الشعر ومحترفه ومن يقوله، أو يكثر القول منه. ذكر علماء اللغة أنه إنما سمي شاعرًا، لانه يشعر ما لا يشعر غيره، أي يعلم، أو لفطنته١.

стр. 5967

ومن هنا قال البعض أن الشعراء في الجاهلية كانوا أهل المعرفة، يعنون أنهم كانوا من أثقف أهل زمانهم، وأنهم كانوا على مستوى في الفكر والرأي وفي فهم الأمور١. وجعلوا للشعراء مزايا، ومنحهم العلماء امتيازات خاصة، وقالوا عنهم: "الشعراء أمراء الكلام، يقصرون الممدد، ويمدون المقصور، ويقدمون ويؤخرون، ويؤشرون ويشيرون، ويختلسون ويعيرون ويستعيرون. فأما لحن في إعراب، أو إزالة كلمة عن نهج صواب، فليس لهم ذلك"٢. وفي كتب أهل الأخبار تدل على اعتداد الشعراء بأنفسهم من ناحية الرقي العقلي، وعلى تقدير الناس لمدارك الشعراء. جاء أن "الطفيل الدوسي قدم مكة ورسول الله بها، فحذره رجال من قريش من سماع النبي حتى لا يتأثر بقوله: قال الطفيل: فما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا، ثم قلت في نفسي: وا ثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحا تركته"٣، وجاء في خبر آخر، "أن الطفيل لما قدم مكة، ذكر له ناس من قريش أمر النبي ﷺ وسألوه أن يختبر حاله فأتاه فأنشده شعره، فتلا النبي الإخلاص والمعوذتين فأسلم"٤. وفي هذا الخبر أن صح دلالة على تقدير الناس لفطنة الشاعر ولسمو مداركه. وقد رأينا ما كتبه "هوذة بن علي" الحنفي، للرسول من أنه شاعر قومه وسيدهم، ونجد في خبر "جلاس بن سويد" الصامت الأنصاري، أن قومه أتوا عليه "فقالوا: إنك امرؤ شاعر ... "٥، وفي هذه الأخبار وغيرها دلالة على أن الشعراء كانوا يرون أنفسهم فوق الناس في اللفظة والفهم، وأن الناس كانوا يرون هذا الرأي فيهم، لما يجدونه فيهم من فطنة وذكاء.

стр. 5968

ولا يعني هذا أن الشعراء كانوا كلهم من أرقى الناس عقلا، ومن أفهم الناس إدراكًا، ومن أعلمهم بالأمور وأبصرهم بالمعرفة، فبينهم ولا شك تفاوت في الإدراك، وفي مجتمعهم من هو أرقى منهم عقلا وأكثر منهم إدراكا، وهم مع ذلك لا يقولون الشعر أو لا يمارسونه، مثل الحكام والكهنة، وأصحاب الآراء، وإنما الشعر، ملكة، لا تكون إلا عند صاحب حس مرهف، ولا تظهر إلا في إنسان ذكي فطن لبيب، يذل الألفاظ والأبيات، لتنصاع لإرادته، فيخرجها أبياتًا وقصائد تعبر عن مشاعره ومداركه. فالشاعر من هنا من أذكى الناس، ومن أهل الإدراك والمعرفة. والشعر ككل المبرزين من طبقات مختلفة تباينت في السويات، منهم من نبت من عائلة شريفة، ومنهم من نبت من عائلة أعرابية، ومنهم من نبغ من بيت فقير. وقد سمى أهل الأخبار شعراء بأسمائهم كانوا من أشراف قومهم، وسموا شعراء كانوا من أوساط أقوامهم، أو من النابتة، فالنبوغ لا يختص بجماعة دون جماعة، ولا بطبقة دون طبقة. وشعر الشاعر هو دليل عقليته ومقدار مداركه، ولهذا تباين واختلف، فنجد في شعر شعراء البادية الروح الأعرابية والخشونة تتجسم في المعاني وفي الألفاظ، ونجد في شعر الحضر أثر النفس الحضرية، ونرى في شعر الجوابين القاصدين للملوك، والذاهبين إلى الحضر والأعاجم، أثر اختلاطهم بهم في شعرهم، كما هو في شعر الأعشى. والشعراء الجاهليون، هم من قبائل متعددة ذات لهجات وحروف في الكلام مختلفة، ولكننا نرى أن لغة شعرهم وطريقة نظمهم واحدة، لا فرق فيها بين قحطاني وعدناني، ولا بين شاعر من عرب العراق أو بلاد الشأم وشاعر من أهل اليمن أو الحجاز أو نجد. ومعنى هذا أن الشعراء كانوا إذا نظموا شعرا، نظموه ببحور معروفة مقررة، وبلغة عالية، سمت فوق لهجات القبائل، على نحو ما نفعل في الزمن الحاضر من استعمال لغة عربية فصيحة هي لغة القرآن الكريم في النظم والنثر والإذاعة وما شابه ذلك من وسائل الإيضاح والإعلان، ومن استعمال لهجات محلية في الحياة اليومية الاعتيادية في مثل البيت والسوق والتفاهم بين الناس ولكن هذا لا يعني أن الشعراء لم يكونوا ينظمون الشعر بألسنتهم القبلية،

стр. 5969

ووفق قواعد منطقهم، فقد ثبت من أقوال علماء الشعر، ومن أخبار أهل الأخبار أن الجاهليين كانوا ينظمون بلهجاتهم، وكان نظمهم مفهومًا عند غيرهم، وقد تحتاج الأذن إلى تأمل وتفكير، لإدارك كلمات ومعاني ذلك الشعر. قال "ابن هشام" في شرح الشواهد: "كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن هنا كثرت الروايات في بعض الأبيات"١. فالشاعر التميمي، ينظم بلهجته، والشاعر الأسدي ينظم بلهجة بني أسد قومه الذين ولد بينهم، والشاعر الثقفي ينظم بلهجة ثقيف، ولكنه إذا أنشده في غير قومه، فهم وعرف معناه، وإن احتيج إلى ترقيع أو تعديل في بعض الأحيان. ودليل ما أقول: هو ما نجده في شعر الشواهد من اضطراب في القواعد، وخروج على أصول النحو والصرف، وورود ألفاظ في الشعر الجاهلي دعاها علماء اللغة غريبة أو وَحْشِيَّة، أو ألفاظ خاصة ذكروا أنها وردت في شعر الشاعر، لأنها من ألفاظ قبيلته، التي انفردت بها دون سائر القبائل، ولو كان نظم الشعر بغير لغة القبائل، لما شاهدنا فيه هذه الخصائص اللسانية التي وجدها علماء اللغة في شعر بعض الشعراء، ولجاء الشعر كله بلا خصائص قبلية وبلا ألفاظ غريبة، أما وقد صقل العلماء الشعر وحسنوا في بعض ألفاظه، ونقحوا منه ما نقحوه، فإن ذلك دليل في حد ذاته على أن الشعراء كانوا ينظمون الشعر بألسنتهم، وهي غير متباينة تباينًا كبيرًا، فلما ضبطه العلماء، ودونوه، هذبوا ما شذ منه وفق القواعد التي تثبتت في الإسلام، ففي الأخبار أن رواة الشعر، كانوا يجرون تغييرًا في نصوص الشعر، لتحسين الشعر وتصليحه، فقد رووا أن "الأصمعي" رفع لفظة "زنديه" من هذا البيت المنسوب إلى "امرئ القيس": رب رام بني ثعلٍ ... مخرج زنديه من ستره فجعله كفيه٢، ورووا إجراء إصلاحات أخرى، أدخلها علماء اللغة على شعر امرئ القيس وغيره، اقتضتها قواعد الإعراب أو البلاغة والبيان٣

стр. 5970

ونجد في "رسالة الغفران" ملاحظة طريفة عن التغيير الذي كان يجريه "المعلمون" في نصوص الشعر، فقد تصور أن "امرئ القيس" قد سئل عن كيفية وجود "الزحاف" في شعره، ثم أجاب على لسانه بقوله: "فيقول امرؤ القيس: أما أنا فما قلت في الجاهلية إلا بزحاف: لك منهن صالح وأما المعلمون في الإسلام، فغيَّروه على حسب ما يريدون"١. وورد أن رواة الشعر كانوا ينقحون حتى في شعر الشعراء الإسلاميين، وحجتهم في ذلك أن "الرواة قديمًا تصلح من أشعار القدماء"٢. وقد يقوم بذلك رواة الشاعر نفسه. ورد أن رواة الفرزدق كانوا "يعدلون ما انحرف من شعره"، وأن رواة جرير، فعلوا مثل فعلهم في إصلاح شعر صاحبهم٣. والتصحيح المذكور، وإن كان جزئيًا، تناول ألفاظا في الأكثر، لكنه في الواقع تحريف وتزييف، وتغيير للنصوص وتبديل لها، حرمنا من الوقوف على قواعد اللهجات العربية عند الجاهليين، بسبب أن المعدلين المصححين، لم يشيروا في كثير من الأحايين إلى المواضع التي غيروها وأجروا التصحيح فيها، ولو فعلوا ذلك، لكان الأمر علينا سهلا هينًا، إذ يكون في وسعنا إرجاع الأمور إلى نصابها والوقوف على النصوص، وإن كان عملهم هذا هو عمل مخالف للذمة وللحق، حتى في هذه الحالة، لأن من قواعد الأمانة وجوب المحافظة على الأصل. وعندي أن اللغة التي نظم بها الشعر الجاهلي هي لغة الأعراب، وهي أصل اللغة العربية، ولغة أهل البوادي والقرى التي غذتها البادية بالسكان، ولهذا قال "الجاحظ": "ومن تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيًّا"٤، دلالة على ما للبادية والبداوة من صلة به. ولهذا أيضًا جعل العلماء مقياس الشعر أن يكون عربيًّا بألفاظ نجدية، أي أعرابية خالصة، وهذه العربية كانت تمتد فتشمل لغة أعراب بادية الشأم، بما في ذلك قرى الفرات العربية، التي جاء سكانها العرب

стр. 5971

من البادية. ولهذا أيضًا حفلوا بالشعر الصلب الصلد، المنظوم بألفاظ بدوية صميمة تمثل الغلظة والشدة والمتانة، ولم يميلوا إلى شعر شعراء أهل القرى، لأنه شعر سهل سلس، خال من صلابة البوادي ومن غلظة الشعر الأعرابي. وشعراء الجاهلية بعد، إما شعراء ظهروا بين أهل الوبر، فهم شعراء أعراب يمثل شعرهم نفس البادية، وطبيعة البداوة وعقليتها، وإما شعر أهل مدر، وهم الحضر، المستقرون، وسكان القرى. ولشعر شعرائهم طابع خاص يمثل الطبيعة الحضرية حسب درجاتها ومراتبها واختلاط أهلها بالأعاجم، أو انعزالهم في مستوطنات حضرية ظهرت في البادية، فمن سافر من شعرائهم واختلط بالأعاجم، وشاهد بلاد الشأم والعراق، تأثر بما شاهده، فبان ذلك الأثر في شعره، كما يظهر ذلك في شعر الأعشى، وعدي بن زيد العبادي، وأمية بن أبي الصلت. وطبيعي أن يكون بين الشعراء تنافس وتحاسد وتقديم وتأخير وتفضيل. وفي كتب الأدب أمثلة على منافرات ومناظرات جرت بين شعراء، لبيان رأيهم في شعر شعراء آخرين. وطبيعي أيضًا أن يكون بين شعراء الجاهلية كالذي وقع في كل زمان ومكان، شعراء فحول، وشعراء دونهم في المنزلة والدرجة وفي القدرة في الشعر. وذكر أن شعراء الجاهلية كانوا يتفاخرون بعضهم على بعض، ويتعارضون في قول الشعر، ويمالطون. والممالطة: أن يقول رجل نصف بيت ليتمه الآخر، ويقال لذلك التمليط، وأن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيمًا وهذا قسيمًا، لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه١، وهو نوع من التفاخر والتنافر والتعجيز وإظهار النفس بالتغلب على المنافس. وللشعراء بعد منازل في قول الشعر، فمنهم الشاعر الفحل، الذي لا يبارى، ذكر أنهم كانوا لا يسمون الشاعر فحلا، إلا إذا كانت له حكمة. ومنهم الشاعر الخنذيذ. والخنذيذ: الفحل، والشاعر المجيد المفلق، وتطلق اللفظة أيضًا على الخطيب البليغ المفوَّه الْمِصْقَع وعلى العالم بأيام العرب وأشعارهم٢. وقيل:

стр. 5972

الشاعر الخنذيذ، هو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، والمفلق، هو الذي لا رواية له، إلى أنه مجود كالخنذيذ في شعره، وقيل: هو الذي يأتي في شعره بالفلق، وهو العجب. ثم يليه الشاعر فقط، وعرفوا الشاعر، أنه الذي لم ينعته علماء الشعر بنعت من هذه النعوت ومن كان فوق الرديء بدرجة. وأما الشعرور، فهو لا شيء، والشويعر، هو من كان دون الشاعر في الشعر١. ويذكرون أن الشعراء أربعة. ذكروا في شعر ينسبه بعضهم إلى الحطيئة، هو: الشعراء فاعلمن أربعة ... فشاعر لا يرتجى لمنفعةْ وشاعر ينشد وسط المعمعةْ ... وشاعر آخر لا يجرى معه وشاعر يقال خمر في دعه وقالوا: رابع الشعراء، إزدراء وتحقيرًا: يا رابع الشعراء كيف هجوتني ... وزعمت أني مفحم لا أنطق٢ وقسم بعض العلماء الشعراء: ثلاث طبقات: شاعر، وشويعر، وشعرور٣. ورووا: أن امرأ القيس بن حجر أطلق لفظة "الشويعر" على "محمد بن حمران بن أبي حمران"، وهو ممن سمي محمدًا في الجاهلية، وهو شاعر قديم، فقال فيه: أبلغا عني الشويعر أني ... عمد عين نكبتهن حزيما فسمى بهذا البيت الشويعر٤. قال "الجاحظ": "والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم: الفحل الخنذيذ. والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة: الفحولة هم الرواة. ودون الفحل

стр. 5973

الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور. ولذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء: يا رابع الشعراء كيف هجوتني ... وزعمت أني مقحم لا أنطق فجعله سكيتًا مخلفًا ومسبوقًا مؤخرًا. وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، وشويعر، وشعرور. قال: والشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حجر"١. ويظهر من القول المنسوب إلى "رؤبة"، أن الشعراء الرواة، كانوا في نظره أرفع منزلة من بقية الشعراء، ولعل ذلك بسبب طول حفظهم للشعر، مما أكسبهم علمًا وخبرة ومرانًا به، فصارت صياغتهم له أعلى من صياغة الشعراء الذين لم يكونوا يحفظون شعر غيرهم من الشعراء، ولم يكن لهم علم بأساليب غيرهم من الشعراء. فبسبب الحفظ، طوعوا الشعر والكلم وركبوا ظهره بكل سهولة، حتى صار طوع أيديهم. والتقسيم المذكور هو تقسيم إسلامي، كما أن تقسيمهم الشعراء إلى سبع طبقات هو تقسيم إسلامي كذلك. فقد قسموهم إلى أصحاب المعلقات، وأصحاب المجمهرات، وأصاب المنتقيات، وأصحاب المذهبات، وأصحاب المرائي، وأصحاب المشوبات، وأصحاب الملحمات٢.

стр. 5974

عَدَدُ الشُّعَرَاءِ: وقد أحصى بعض الباحثين عدد أسماء الشعراء الجاهليين الذين ذكروا في كتب الأدب، فبلغ عدد ما أحصوه "١٢٥" شاعرًا١. وهناك أسماء جاهليين استشهد الرواة ببيت أو بأبيات من شعرهم في كتب الأدب واللغة، لو أحصوا

стр. 5975

واعتبرناهم من ضمن الشعراء، لاضطررنا إلى تغيير هذا الرقم، بإضافة هؤلاء عليهم. ومع ذلك، فإننا لا نستطيع القول أن هذا الرقم هو رقم نهائي ومضبوط لشعراء الجاهلية، فالمنطق يحملنا على تصور وجود عدد آخر من الشعراء فات خبرهم عن رواة الشعر، لأسباب عديدة، منها قدم أولئك الشعراء، بحيث لم تتمكن ذاكرة حفظة الشعر من استيعابهم، ثم بُعد بعضهم عن الأَرَضِين التي حصر علماء الشعر فيها نشاط بحثهم عن الشعر الجاهلي وعن شعرائه، ثم كون قسم منهم من الشعراء المحليين، أو الشعراء المقلِّين الذين لم ينتشر شعرهم بين الناس. وقد فطن إلى ذلك القدماء فقال "أبو عمرو بن العلاء": "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"١. وذكر غيره أن العلماء على حرصهم على العناية بجمع شعر الشعراء، لم يتمكنوا مع ذلك من جمع أشعار قبيلة واحدة، فكيف بشعر كل القبائل٢! والواقع أن في العرب قابلية على قول الشعر، وبين الصحابة عدد كبير نظموا شعرًا روي في الكتب، ومع ذلك، فلم يعدُّهم العلماء في جملة الشعراء، وكذلك الحال بالنسبة إلى أهل الجاهلية، فقد كان بينهم عدد كبير ينظم الشعر.

стр. 5976

إنشاد الشعر مدخل ... إِنْشَادُ الشِّعْرِ: وللشعراء طريقة خاصة في إنشاد الشعر. يذكرون أن الشاعر منهم كان إذا أراد إلقاء شعر، تهيأ لذلك واستعد له، وأظهر للناس أنه يريد إلقاء شعر. ومن أصولهم في الإلقاء أن ينشد الشاعر شعره وهو قائم١. وأن يلبس الوشي والمقطعات والأردية السود وكل ثوب مشهر٢. وذكر أن من عادة الشعراء في الهجاء، أن أحدهم كان إذا أراد الهجاء

стр. 5977

"دهن أحد شقي رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلا واحدة"١. وقد ذكر "المرتضي"، في خبر وفود العامريين على النعمان بن المنذر، وكان فيهم "لبيد بن ربيعة"، وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان القيسيون قد صدوا وجه النعمان عنهم، فأرادوا تقديم "لبيد" ليرجز بالربيع بن زياد رجزًا مؤلِمًا ممضًّا، وكان هو الذي صرف الملك بالطعن فيهم وذكر معايبهم، فحلقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين وألبسوه حلة وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان. فقام وقد دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلا واحدة على فعل شعراء الجاهلية إذا أرادت الهجاء، ثم أنشد رجزه الذي أثر في النعمان، حتى صار سببًا في إبعاد "الربيع بن زياد" عنه٢. وإذا أراد شاعر إنشاد شعر، وقف وأنشد شعره، بأسلوبه الخاص في الإنشاد٣. وقد يترنمون في إنشادهم ليكون الإلقاء أوقع أثرًا في نفوس السامعين. وقد يلقي راوية الشاعر شعر شاعره إذا كان أقدر منه على الإنشاد. وذكر أن "النشيد" هو الشعر المتناشد بين القوم ينشد بعضهم بعضًا، ومنه نشد الشعر وأنشده، إذا رفعه. وأنشد بهم، هجاهم، "وفي الخبر أن السليطين قالوا لغسان: هذا جرير ينشد بنا، أي يهجونا"٤. لا يخلو الإنشاد من الترنم على اللحن الذي يتسمح به الطبع، ومن مد الصوت، ليكون للشعر وقع على نفوس سامعيه، وتأثير جميل على المنصتين له. وذكر أن الشعراء كانوا لا ينشدون إلا قيامًا، وقد يعلو أحدهم موضعًا مشرفًا، أو يركب ناقته، ليدل على نفسه، ويعلم أنه المتكلم دون غيره، وكذلك كان يفعل الخطيب٥. وقد استدل بعض المستشرقين من هذا الوصف على أن الشعراء إنما أخذوا تقليدهم هذا من السحرة: الشعراء الأوائل ومن الكهنة، لأن السحرة والكهنة كانوا ينظمون الشعر وينشدونه على هيئة خاصة، يلبسون فيها أَرْدِيَة خاصة ويقفون في وضع خاص حين إنشاد الشعر.

стр. 5978

وذكر أن الملوك كانوا يجلسون خلف الستور حين يستمعون إلى شاعر. فروي أن "عمرو بن هند" كان يسمع الشعراء من وراء سبعة ستور١. وأن الشاعر "الحارث بن حِلِّزَة اليشكري" لما طلب قومه منه إنشاد قصيدته أمام "عمر بن هند" قال لهم: "والله إني لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة ستور، وينضح أثري بالماء. إذا انصرفت عنه، وذلك لبرص كان به". فلما سمع قصيدته أمر برفع الستور سترًا سترًا، حتى صار مع الملك في مجلسه، وأمر أن لا ينضح أثره بالماء" "وأمره أن لا ينشد قصيدته إلا متوضئًا"٢. ولكن العادة أن الشاعر يقف أمام الملك، الذي قد يكون جالسًا على سرير، فينشده شعره بعد أن يكون قد أستأذنه بذلك. وقد يكون في المجلس جملة شعراء، أذن لهم بالدخول عليه جملة واحدة، لينشدوا الملك شعرهم وما جاءوا به من شعر في مديحه. ويكون المجلس عامرًا بأهل الحظوة من المقربين إلى الملك ومن الشعراء الملازمين له. وكانت مجالس ملوك الحيرة، عامرة بهذه المناسبات، أكثر بكثير من مجالس الغساسنة، لغلبة النزعة الأعرابية على ملوك الحيرة وقلة تأثرهم بالحضارة، وتغلب الحياة الحضرية على الغساسنة وتأثرهم بالحياة اليومية لأهل الشأم، وبنزعة الروم في الحكم وفي آداب السلوك، حتى إنهم كانوا يتلذذون في الاستماع إلى غنائهم، ولهم قيان في قصورهم وبيوتهم يغنين لهم بغناء الروم. وكان من عادة الأعراب الطواف حول قبة الملك مع رفع الصوت بالرجز، ليسمع الملك صوت الراجز، فإذا عرفه أو أعجبه رجزه، إذن له بالدخول. وكان الملوك يضربون قبة على أبوابهم، يقعد فيها الناس حتى يؤذن لهم٣ وقد يكون هذا الرجز مقدمة لدخول الشاعر على الملك حتى يلقي عليه ما يكون نظمه في مدحه وفي مدح آله من شعر. وكان من عادة الملوك وسادات القوم والأشراف إنهم إذا سمعوا الشاعر، واستحسنوا شعره، طربوا حتى يظهر الطرب عليهم وأظهروا استجادتهم لشعره، وربما شربوا إذا كانوا في مجلس الشرب، وأدنو الشاعر إليهم، وأسقوه من

стр. 5979

شرابهم حتى يطرب، وقد يطلبون من الشاعر إعادة إنشاد الأبيات المستجادة. وكان الشاعر يستأذن صاحب المجلس أولا ليسمح له بإنشاده شعره. ولما استأذن "النابغة" الجعدي رسول الله، أن ينشده شعره، قال له الرسول: أجدت لا يفضض الله فاك، أي لا يكسر أسنانك، والفم هنا الأسنان١. ولا زال الناس يرددون هذه العبارة عبارة: أعِدْه أحسنت وأجدت، أو أَعِدْ أَعِدْ، يقولونها بحماس وبصوت مرتفع ارتفاعًا يتناسب مع حس الاستحسان إذا قال الشاعر قولا يستجيده العارفون بالشعر.

стр. 5980

سُوقُ عُكَاظٍ: ومن مرويات أهل الأخبار، أن الشعراء الجاهليين كانوا يفدون إلى عكاظ، "فيتعاكظون، أي يتفاخرون ويتناشدون ما أحدثوا من الشعر، ثم يتفرقون"١. وذكر أن "النابغة" الذبياني، كان ممن يأتيها، فتضرب له قبة حمراء من أدم، تأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وكان ممن تحاكم إليه، الأعشى، وأبو بصير، فأنشده ثم أنشده حسان بن ثابت ثم الشعراء ثم جاءت الخنساء "فأنشدته، فقال لها "النابغة": والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفًا لقلت إنك أشعر الجن والإنس. فقال حسان: والله لأنَا أشعر منك ومن أبيك ومن جدك. فقبض النابغة على يده، ثم قال: يابن أخي، إنك لا تحسن أن تقول مثل قولي: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ثم قال للخنساء: أنشديه، فأنشدته، فقال: والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك، فقالت له الخنساء: والله ولا ذا خصيين"٢.

стр. 5981

وروي أن "حسان" كان قد أنشده شعره: لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما فقال له "النابغة" أنت شاعر، ولكنك أقللت جفناتك وسيوفك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك١. وهو خبر مصنوع، شك فيه العلماء، "قال أبو على: هذا خبر مجهول لا أصل له"٢. وقد روي عن الآمدي قوله: "أجمعت العرب على فضل النابغة الذبياني، وسألته أن يضرب قبة بعكاظ، فيقضي بين الناس في أشعارهم لبصره بمعاني الشعر، فضرب القبَّة وأتته وفود الشعراء من كل أوب". ثم ذكر القصة، وروي أن الذي فنَّد حسانًا وعاب عليه بيته، هو الخنساء٣. والقصة مطعون فيها. "حكى ابن جني عن أبي على الفارسي، أنه طعن في صحة هذه الحكاية"٤. فالقصة موضوعة، وما هذا القصص المروي عن "عكاظ"، إلا من روايات أهل الأخبار، وضعوه مع قصصهم الموضوع عن اختيار قريش للغة، وتخيرها أحسن الألفاظ، وتحكيمها في الشعر. وذكر أن "عمرَو بن كلثوم" كان ممن حضر سوق عكاظ، وقد أنشد فيها قصيدته الشهيرة: إلا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا وهي معلقته الشهيرة، وهي قصيدة طويلة، ذهب الكثير منها، قيل إنها كانت تزيد على ألف بيت. وقد ذكر أن الرسول سمع الشاعر ينشد قصيدته هذه بسوق عكاظ٥.

стр. 5982

ولم نسمع أن أحدًا من الشعراء حكم في الشعر في سوق عكاظ قبل "النابغة" ولا بعده، وسوق عكاظ سوق لم تقم إلا قبيل الإسلام، ولعل هذا التحكيم من القصص الذي أوجده أهل الأخبار، وقد يكون "النابغة" قد نظر حقًّا في شعر "حسان"، ولكن ذلك لا يمكن أن يعد حكومة دائمة لسوق عكاظ، اختصاصها النظر والتحكيم في شعر الشعراء الجاهليين، وإذا كان "النابغة" حاكم سوق عكاظ حقًّا، فلم لم نسمع بأحكام أخرى له في حق شعر شعراء آخرين، ما دام كان يحضرها في كل عام، وتضرب له قبة من أدم، يجعلها مقرًّا له ولحكومته، ولمن يحضر إليه من الشعراء رجاء النظر في شعره. وذكر أن القبائل كانت تَفِد إلى "عكاظ" وتبحث عن مختلف الأشياء وتتداول أشياء قبيحة أو محمودة، وأن الرسول حضرها، للدعوة إلى الإسلام١. ولم نسمع بأن الشعراء كانوا يتوافدون إلى مكة موسم الحج، لإنشاد شعرهم، على نحو ما ذكر عن سوق عكاظ، مع أن موسم الحج من المواسم المعهودة بالنسبة إلى قريش وإلى من كان يعيش حولها من قبائل، وشرف إلقاء الشعر في موسم الحج أسمى ولا شك من شرف إلقائه بسوق عكاظ وفي الأسواق الأخرى، فلو كان الشعراء كما زعم أهل الأخبار يقيمون وزنًا كبيرًا لحكم قريش في أشعارهم، فلم لا نجد في أخبارهم خبرًا يشير إلى تجمع الشعراء في مكة للتباري في إنشاد الشعر وفي الحصول على شرف التقدير والتقييم من قريش، ليتباهى الفائز بالتقدير على سائر أقرانه الشعراء؟ ثم لِمَ لَمْ نسمع بأسماء القصائد التي نالت منهم شرف التقدير والتعظيم، خلا المعلقات السبع، التي شك في صحة تعليقها حتى المحافظين من أمثال المرحوم "الرافعي"!

стр. 5983

يَثْرِبُ: وإذا كانت سوق عكاظ موضع تحكيم على النحو الذي رأيناه، وإذا كانت مكة، قد نظرت في شعر شاعر، أو شاعرين، فقد كانت يثرب موضع تقدير

стр. 5984

وتقييم للشعر كذلك. فقد ذكر أهل الأخبار أن "النابغة قدم المدينة، فدخل السوق، فنزل عن راحلته، ثم جثا على ركبتيه، ثم اعتمد على عصاه ثم أنشأ يقول: عرفت منازلا بعريتنات ... فأعلى الحزع للحي المبين حتى إذا انتهى من شعره، قال ألا رجل ينشد؟ فتقدم "قيس بن الخطيم" فجلس بين يديه وأنشده قصيدته التي مطلعها: "أتعرف رسمًا كاطراد المذهب" حتى فرغ منها، ثم استمع إلى شعر حسان. وذكر أنه قال لكل واحد منهما: "أنت أشعر الناس"١. وروي أن "النبي" وضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا يهجو الذين كانوا يهجون النبي٢، وذلك لما كان للشعر من أثر في نفوس الناس آنذاك. وقد تخصص أناس بإنشاد الشعر، كانوا رواة شعر، ينشدون شعر غيرهم أو شعرهم بأسلوب مؤثر، ذكر أن منشدًا أنشد يومًا رسول الله: لا تأمنن وإن أمسيت في حرم ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني فالخير والشر مقرونان في قرن ... بكل ذلك يأتيك الجديدان٣

стр. 5985

تَطْوَافُ الشُّعَرَاءِ: وكان الشعراء يتنقلون من مكان إلى مكان، فكان "الأسود بن يعفر"، "يكثر التنقل في العرب يجاورهم، فيذم ويحمد"١، وجاب "الأعشى" معظم أنحاء جزيرة العرب والعراق وبلاد الشأم، وكان النابغة يتنقل، فيزور ملوك الحيرة والغساسنة، ويسافر إلى مكة وسوق عكاظ، وكان "عمرو بن كلثوم" من المتنقلة كذلك، وقد علمت أمر "امرئ القيس" وتنقله بين القبائل، وأمر

стр. 5986

"الصعاليك"، الذين كانوا يتنقلون من مكان إلى مكان للحصول على رزقهم، وأمر "حسان" وقصده ملوك الغساسنة ووصوله إلى الحيرة، بل إننا لا نكاد ندرس حياة شاعر جاهلي، حتى نراه جوَّابًا، متنقلا من مكان إلى مكان، حتى صار التنقل من سيماء الشاعر عند الجاهليين، وكان هدفهم في الدرجة الأولى ملوك الحيرة ثم ملوك الغساسنة، أما ملوك اليمن، فقلما نجد في أخبار الشعراء وصولهم إليهم وإنشادهم شعرهم أمامهم، وذلك بسبب أن لسانهم كان لا يشاكل لسان الشعراء، وأما ما نسب إليهم من شعر، وما قيل من مدح بعض الشعراء لهم، فهو من القصص الذي لا يرجع إلى أصل، إلا ما ذكر من شعر في مدح بعض أذواء اليمن، فإن هؤلاء لم يكونوا ملوكًا، وإنما كانوا سادة مواضع وقبائل تقع شمال اليمن في الغالب، وقد كانت على صلة بالعرب الشماليين، وبلغة "آل" في ذلك الحين، ومع ذلك فإن صلتهم بهم لم تكن على نمط صلة الشعراء بسادات العرب الشماليين. كان الشاعر يتنقل بين القبائل، فينزل على ساداتها ويحل في ضيافتهم، يقصد ملوك الحيرة خاصة، لما كان لهم من نفوذ في جزيرة العرب، ولينال عطاياهم، أو ليتوسط في حل ما بين الملوك وما بين قبيلة الشاعر، أو قبائل أخرى من أمور معقدة ومشكلات مستعصية، كما كان يزور الريف والقرى للميرة ولنيل هبات ساداتها من تمور أو دقيق أو أي شيء آخر يكون عند الحضر. فيمدح ويذم، وينشد شعره في أسواق القرى وفي نواديها ومجتمعاتها، فكان سوق "يثرب"، وهو المحل الذي يتجمع فيه الناس للبيع والشراء الموضع الذي يقصده الشاعر لإنشاد شعره به، ثم حل مسجد الرسول محله في الإسلام. وقد ورد في الشعر الجاهلي ذكر بعض المواضع التي نزل بها الشاعر، أو التي ارتحل إليها ليزورها، وقد طمست أسماء بعض منها، وبقيت أسماء بعض آخر. وقد أمدتنا هذه الأسماء بمادة طيبة، أفادتنا في الحصول على معارف تأريخية وجغرافية عنها. ففي شعر "الأعشى"، وهو من الشعراء المتنقلة الذين أكثروا من الأسفار، وتنقلوا من مكان إلى مكان نجد أسماء أماكن عديدة وردت في شعره مثل "عانة"، و"بابل"، و"الحيرة"، ومواضع في اليمامة وفي اليمن، وتطرق في شعره هذا إلى أحوال من مر بهم، وذكر أسماءهم وأسماء قبائلهم فصار شعره لذلك موردًا هامًّا بالنسبة لنا، أفادنا في الوقوف على

стр. 5987

نَوَاحٍ مُهِمَّةٌ منَ التَّأريخِ الجاهِلِي. رحل "الأعشى" إلى الغساسنة ملوك عرب الشأم، وإلى المناذرة ملوك عرب العراق، وإلى "قيس بن معد يكرب"، وإلى "ذي فائش" في اليمن، وإلى "بني الحارث بن كعب" في نجران، فمدحهم ونال عطاءهم، وأقام عندهم يسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي١، مما يدل -إن صح هذا الخبر- على تأثر سادة نجران بالثقافة الرومية، التي ربما أخذوها عن طريق ارتباطهم بالروم بروابط النصرانية، وعلى وجود جالية من الروم في نجران أو رجال دين من الروم، عينتهم الكنيسة لتعليم الناس أمور الدين، فقد كان الروم يرسلون رجال دينهم إلى هذه المواضع وإلى غيرها للتبشير، ولأغراض سياسية في الوقت نفسه. ونجد في شعر "الصعاليك" أسماء المواضع التي غزوها، والطرق التي سلكوها في طريقهم إلى الغارات، أو في طرق عودتهم منها إلى دارهم، ونظرًا إلى كثرة تنقلهم وخبرتهم بالمواضع، وبأبعادها وبأصحابها، لما في هذه الخبرة من العلاقة بنجاح سوقهم وتجارتهم، أفادتنا إشارتهم إلى المواضع والقبائل فائدة كبيرة إذا حصلنا بواسطتها على معارف عن أحوال أهل الجاهلية، ساعدتنا في سد بعض الثلم الكثيرة من ثلم بنيان التأريخ الجاهلي.

стр. 5988

طِبَاعُ الشُّعَرَاءِ: والشعراء في الطبع مختلفون، منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء، ومنهم من تتيسر له المرائي ويتعذر عليه الغزل، ومنهم من يحسن الوصف، فإذا صار إلى المديح والهجاء، أو إلى الحكم والموعظة، خانه الطبع، وتأخر عن غيره من الفحول٢. ومن هنا لم يبرز فحول الجاهلية، ومن عد في الطبقة العليا من طبقات الشعراء في كل درب من دروب الشعر وطرقه وفنونه. بل ظهروا وبرزوا في أمور، وتأخروا أو لم يبرزوا في أمور أخرى، فذكروا مثلا أن "النابغة" الجعدي، كان أوصف الناس لفرس٣. وورد عن "ابن الأعرابي" قوله:

стр. 5989

"لم يصف أحد قط الخيل إلى احتاج إلى أبي داود، ولا وصف الْحُمُر إلا احتاج إلى أوس بن حجر، ولا وصف أحد النعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة، ولا اعتذر أحد في شعره إلا احتاج إلى النابغة الذبياني١. وقد قال من قدَّم "امرأ القيس" على غيره من الشعراء، أنه "سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء، منه استيقاف صحبه والبكاء في الديار، ورقة النَّسيب، وقرب المأخذ، وشبَّه النساء بالظباء والبيض والخيل والعقبان والعصي، وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين المعنى، وكان أحسن طبقته تشبيها"٢، فهذه هي المزايا التي ميزت شعره عن شعر غيره من الجاهليين. وقال علماء الشعر الذي قدَّموا النابغة على غيره، أنه كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثره رونق كلام، وأجزلهم بيتًا، كأن شعره كلام ليس فيه تكلُّف٣. وأما الذين قدَّموا "زهيرًا" على غيره، فقالوا: "كان زهير أحكمهم شعرًا وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح"٤. وقلما نجد الشاعر يعنى بوصف الطبيعة أو مظاهرها بشعر خاص، كأن يصف المطر وحده، أو الشمس والكواكب والأجرام السماوية، أو الجبال أو السهول أو الحيوانات أو النبات، وصفًا خاصًّا لا يهرب منه إلى أمور أخرى لا صلة لها بهذا الوصف، ثم إنه قلما يتعمق في الوصف، فيصف الأجزاء والفروع وكل ما في الموصوف من مميزات، وهو إذا وصف الطبيعة، أو تعرض لوصف مشهد بارز بحيث يكون شعره وصفيًّا خاصًّا بالطبيعة، وإنما يقحم الوصف في القصيدة جريًا على العرف الشعري الذي سار عليه الشعراء، وليس عن عمد وتقصد لوصف ما يراد وصفه بالذات. ثم هو لا يصف من الشيء الموصوف ككل، وإنما يصف منه ما يلفت نظره، وما يؤثر على حسه وبصره. فهو إذا وقف

стр. 5990

أمام شجرة لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها، وإذا كان أمام بستان لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه "الفوتوغرافيا"، إنما يكون كالنحلة تطير من زهرة إلى زهرة فيرتشف من كل رشفة. هذه الخاصية في العقل العربي هي السر الذي يكشف لك ما نرى في أدب العرب -حتى في العصور الإسلامية- من نقص، وما ترى فيه من جمال. فأما النقص فما تشعر به حين تقرأ قطعة أدبية –نظمًا أو نثرًا- من ضعف المنطق، وعدم تسلسل الأفكار تسلسلا دقيقًا، وقلة ارتباطها بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا، حتى لو عمدت إلى القصيدة -وخاصة في الشعر الجاهلي- فحذفت منها جملة أبيات أو قدمت متأخرًا أو أخرت متقدمًا، لم يلحظ القارئ أو السامع ذلك -وإن كان أديبًا- ما لم يكن قد قرأها من قبل١. "وهذا النوع من النظر هو الذي قصَّر نفس الشاعر العربي، فلم يستطع أن يأتي بالقصائد القصصية الوافية، ولا أن يضع الملاحم الطويلة كالإلياذة والأوديسا. أما ما أفادهم هذا النوع من التفكير، وخلع على آدابهم جمالا خاصًّا، فذلك أن هذا النظر لما انحصر في شيء جزئي خاص جعلهم ينفذون إلى باطنه، فيأتون بالمعاني البديعة الدقيقة التي تتصل به، كما جعلهم يتعاورون على الشيء الواحد، فيأتون فيه بالمعاني المختلفة من وجوه مختلفة، من غير إحاطة ولا شمول، فامتلأ أدبهم بالحكم القصار الرائعة والأمثال الحكيمة، وأتقنوا هذا النوع إلى حد بعيد، غَنِيَ به عقلهم، وانطلقت به ألسنتهم، حتى لينهض الخطيب فيأتي بخطبته كلها من هذه الأمثال الجيدة القصيرة، والحكم الموجزة الممتعة، فلكل جملة معانٍ كثيرة تركزت في حبة، أو بخار منتشر تجمع في قطرة. ولما جاء الإسلام تقدم هذا النوع من الأدب، واقتبسوا كثيرًا من حكم الفرس والهند والروم"٢. وأكثر الوصف الوارد في الشعر الجاهلي، وصف لم يرد لأن، الشاعر قصده وأراده، وإنما هو وصف ورد عرضًا في القصيدة على النسق الذي زعموا أن "امرأ القيس" وضعه وحاكاه فيه غيره ممن عاصره أو جاء بعده من الشعراء.
следующие страницы →