← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بعضها العلماء، منها نص للملك "شلجي" أو "دلجي" أو "ونجي" الملقب بـ" ملك سومر وأكاد" أفاد وجود صناعة بناء السفن في هذا المكان١. والواقع أن أهل الساحل الشرقي لجزيرة العرب عرفوا ببناء السفن منذ القديم، وقد ركبوا البحار وتاجروا، وتوسطوا في نقل التجارة من مختلف السواحل، ولا تزال صناعة بناء السفن الشراعية معروفة حتى اليوم مع قلة ربحها, وعدم تمكنها من منافسة البواخر، إلا أنها على كل حال مورد رزق لأصحابها لاقتناعهم بالقوت القليل. ويدل عثور المنقبين على أختام ومواد أخرى من عمل الهند، في "أور" وفي "كيش" و"البحرين" ومواضع أخرى من الساحل العربي الشرقي, على أن الاتصال التجاري بالبحر كان معروفًا في الألف الثالثة قبل الميلاد، وأن حركة الاتصال هذه كانت مستمرة عامرة، وأن بعض مواضع الخليج مثل "البحرين" كانت من مراسي السفن الشهيرة في تلك الأيام، تقصدها السفن القادمة من العراق في طريقها إلى الهند، والسفن القادمة من الهند في طريقها إلى العراق٢. وقد دُعيت "مكان" "مجان" في نصوص أخرى "Matu – Ma – Gan – Na" أي: "أرض مجان"٣. ويظهر أن الملك "مانيوم" "مانئوم" "مانوم" هو الملك "منودنو" "Mannu – Dannu" نفسه الذي ورد في نص آخر٤. وقد كتبت على التمثال لفظة "بلو" "Belu" بمعنى "سيد"، أي سيد "مجان"، وهو "مانيوم", وقد جيء بحجر التمثال من "مجان". وتعني كلمة "دنو" "المقتدر"؛ ولذلك يرى بعض الباحثين أنها صفة ألحقت بالاسم، فهي لقبه، وليست جزءًا من الاسم٥.

стр. 597

وفي أنباء "جوديا" غوديا" "Godea"، وهو "باتيسي" مدينة "لكش"١، أنه جلب الحجر من "مجان"؛ وذلك لصنع التماثيل، كما جلب الخشب منه ومن "دلمون"٢, وذكر مع موضع "مجان" اسم موضع آخر هو "ملوخا", وقد ذكر "جوديا" "غوديا" أنه جلب كميات كبيرة من "حجر أحمر" من "ملوخا"٣. وقد أخذ العلماء في تقصِّي هذين المكانين اللذين أخذ منهما هذا الـ"باتيسي" أحجاره وأخشابه، وكذلك أسماء مواضع أخرى ذكرت مع المكانين٤. وقد بحث "ونكلر" عن موضع "مجان"، ويقع على رأيه في الأقسام الشرقية من جزيرة العرب٥, وقد نبه على اقتران اسم" ملوخا" باسم "مجان" في الغالب، ويرى أنهما اصطلاحان يقصد بهما في البابلية القديمة بلاد العرب، فيراد من "مجان" القسم الشرقي من الجزيرة من أرض "بابل" إلى الجنوب, وأما "ملوخا، فيراد بها القسم الشرقي من جزيرة العرب. ويرى أيضا أن ما وفع في جنوب المنطقتين عرف باسم "كوش" أي: الحبشة، وأن البابليين لم يكونوا يتصورون بلاد العرب شبه جزيرة تحيط بها البحار من الشرق والجنوب والغرب، بل تصوروها منطقة واسعة تمتد من الحبشة إلى الهند، وأن "كوش" تقابل مصر التي هي القسم الشمالي من جزيرة العرب. فما ذكر عن "كوش" ومصر في التوراة لا يقصد به الحبشة ومصر، بل يقصد به جزيرة العرب وشمالها. وقد جاء على ذلك بأمثلة من العهد العتيق، ذكر أن من الصعب أن يكون المراد بها مصر والحبشة. وقد ألف "ونكلر" رسالة سماها "مصري وملوخا ومعين" بيّن فيها رأيه في أن "مصري" هي أرض عربية شمالية، وأن مصر المذكورة في التوراة

стр. 598

هي في بلاد العرب، لا في إفريقيا. وقد أثارت نظرية "ونكلر" هذه جدلًا بين العلماء وقُوبلت بنقد شديد؛ لأنها تعارض ظاهرة نصوص التوراة١. وذهب آخرون إلى أن "مجان" هي في المنطقة المسماة "Gerrha" عند "الكلاسيكيين"، وهي الأحساء، وأما "ملوخا" فتمتد من المنطقة الواقعة إلى الجنوب من البحرين إلى عمان٢. وقد اشتهرت "ملوخا" بوجود الذهب فيها٣, ومنها حصل "جوديا" "Gudea" "غوديا" على الذهب٤، كما اشتهرت بالخشب الثمين المسمى٥ "Uschu". وأما "هومل"، فيرى أن "مجان" في الأقسام الشرقية من جزيرة العرب، وأن "ملوخا" تقع في وسط جزيرة العرب، أو في القسم الشمالي الغربي منها. وذهب "جيسمن" إلى احتمال وقوع "مجان" على مقربة من ساحل الخليج، في موضع في الرمال جنوب "يبرين"، فيه بئر جاهلية، قال: إن اسمها قريب من "مجان" "Magan"، ويعرف هذا المكان باسم "مجيمنة"٦. وقد عارض "فلبي" رأي "جيسمن" هذا؛ لأن الموضع المذكور يقع في منطقة صحراوية بعيدة عن ساحل البحر، ولا توجد فيه آثار عاديات تشعر أنه كان من المواضع الجاهلية العتيقة، ولا صخور من نوع "الديوريت" الذي صنع منه تمثال "نرام، سين"، ولا أي نوع آخر من الصخور، يبعث على الظن أنه المكان الذي نقلت منه الحجارة إلى العراق. وقد رأى "فلبي" أن موضع "مجن" الواقع على مقربة من الساحل عند مصب وادي "شهبة"، هو أقرب إلى "مجان" من الموضع الذي اختاره "جيسمن"؛ ولهذا ظن أنه هو المكان المقصود٧. ويرى "موسل" أن من الصعب جدًّا الاتفاق على تعيين موضعي "مجان"

стр. 599

و"ملوخا"؛ لأن مدلولي الاسمين قد تغيرا تغيرًا مرارًا. فالذي يفهم من نصوص الألف الثالثة قبل الميلاد، أنهما يقعان في جزيرة العرب على سواحل الخليج وعلى سواحل المحيط الهندي. فـ"مجان" في نص "نرام، سين" أرض تحدُّ إقليم "بابل"، أو هي لا تبعد عنه كثيرًا١. وهي كذلك في كتابة "جودية" "جوديا" "غوديا", وفي بعض النصوص التي عثر عليها في "أور" حيث أشير إلى طريق قوافل يوصل من "السوس "إلى "مجان"٢. وهذا مما يبعث على الظن أن أرض "مجان" و"ملوخا" المذكورتين في نصوص الألف الثالثة قبل الميلاد تقع على الخليج، في الأرضين التي سكن فيها الـ"جرهائيون" "٣Gerrhaens". وقد كان سكان هذه السواحل يتاجرون منذ القديم مع الهند وإيران والسواحل العربية الجنوبية، ومع إفريقيا أيضا. ويرى احتمال شمول اسم "ملوخا" منطقة واسعة تشمل ما يسمى "كوش" في التوراة، والسواحل العربية الجنوبية التي كانت تعرف بـ"كوش" كذلك٤. ويرى "موسل" أن مدلول "مجان" قد توسع في الألف الأول قبل الميلاد فشمل منطقة كبيرة شملت مصر أيضا، فعنى في النصوص الآشورية التي ترجع إلى الألف الأول قبل الميلاد بـ"مجان" طور سيناء والأقسام المتاخمة لها من مصر، وإلى هذا الرأي ذهب "مايسنر" كذلك٥, أما "ملوخا"، فقد قصد بها الحبشة والسودان. وقد توسع مدلول "حويلة" المذكور في التوراة أيضا، فشمل المنطقة التي تقع غرب "بابل" إلى طور سيناء والسواحل الشرقية الواقعة على خليج العقبة؛ ولهذا ظن بعض العلماء أنها صارت تعني "ملوخا"٦. وقد ذهب "كيتاني" إلى أن "مجان" هي "مدين"؛ لأن أرض "مدين" كانت في حوالي خمسة آلاف سنة قبل الميلاد كثيفة الأشجار، وكانت تصدر الأخشاب التي تصلح لبناء السفن, ومن مدين أخد البابليون الذهب والنحاس

стр. 600

والأخشاب. أما "موسل"، فيعارض هذا الرأي، ويرى أن من الصعب تصور نقل الأكديين والسومريين والبابليين الأخشاب والصخور الثقيلة من مدين على ظهور الجمال إلى بلادهم مع اتساع الشقة وبعد الطريق، ويرى أن من الصعب تصور نقلها في البحر الأحمر فالبحر العربي فالخليج؛ فإن ذلك يستدعي زمنًا طويلًا ومتاعب كثيرة، ثم إن النصوص لم تشر إلى ذلك. فمن المعقول أن تكون "مجان" في العربية الشرقية على ساحل الخليج١. ويرى "كلاسر" أن "Magon Kolpos" الذي ذكره "بطلميوس" لا يعني "خليج المجوس" "Magorum Sinus" حتمًا، إذ يجوز أن يكون المراد منه "مجان" "Magan"، أي موضع "مجان" الذي نتحدث عنه٢. ويقع -في رأيه- على ساحل الخليج، وربما كان عند "القطن" "قطن", ويحتمل -في رأيه أيضا- أن يكون "Maka" المذكور في نص "دارا"٣. ويرى "أوليري" أن "مجان" هي "Gerrha"، وتمثلها الأحساء في الزمن الحاضر, أما "ملوخا" "Meluhha" فتقع -في رأيه- جنوب الأحساء، في عمان. وقد استدل على ذلك بنص دُوِّن في عهد "سرجون" "٧٢٢-٧٠٥ ق. م."، جاء فيه أن مملكته بلغت مسيرة ١٢٠ "بيرو" من سقي نهر الفرات إلى "ملوخا" على ساحل البحر٤, وأن موضع "دلمون" "Dilmun" يقع على مسافة ٣٠ "بيرو" من رأس الخليج؛ فيجب أن يكون موضع "ملوخا" إذًا بعد موضع "دلمون". ولما كان موضع "دلمون" هو "تيلوس" "Tylus" في رأي أكثر العلماء، أي: البحرين؛ فإذن تكون أرض "مجان" وأرض "ملوخا" في العرض، وفي المواضع المذكورة٦. وذهب

стр. 601

بعضٌ آخرون إلى احتمال أن يكون "مجان" "مكان" في العربية الشرقية في موضع عمان١. وقد ذكر الملك "شروكين" "Sharrukin" ملك آشور أن في جملة الأرضين التي خضعت لحكمه أرض "تلمون" "Tilmun" و"مجانا" "مجان" "مجنا" "Maganna"، وتقع في البحر الجنوبي، ويريد به الخليج. ويشير الى أنه فتح هذه الأرضين بيده، وذلك قبل الميلاد بمئات السنين "١٩٨٠-١٩٤٨ ق. م."٢. وقد رأى "ينسن" "P. Jensen" أن المراد بـ"تلمون" جزيرة "قشم"، على الرغم من ذهاب كُثُرِ الباحثين إلى أنها البحرين. وأما "مجان" فإنها في نظره أرض "عمان"٣. وجاء اسم "ملوخا" "ملوخه" "Melluhha" واسم "تلمون" "Tilmun" في جملة أسماء الأرضين التي كان يحكمها ملك آشور "توكولتي نينورتا" "Tukulti-Ninurta"، وقد نعت نفسه بـ"ملك كردونيش" "Karduniash" وملك سومر وأكاد، وملك سيبار "Sippar" وبابل، وملك تلمون وملوخا، وملك "البحار العالية" و" البحار التحتية"، وقصد بجملة "البحار العالية" "بحيرة وان" على ما يظهر، وتقع أعلى آشور، وبجملة "البحار التحتية" البحر الذي يقع أسفل مملكة آشور، أي: في جنوبها، ويظهر أنه أراد به الخيلج العربي. ومعنى ذلك أنه حكم منطقة واسعة امتدت رقعتها من "بحيرة وان" حتى الخليج، وفي ضمنها "البحرين" والسواحل الواقعة إلى غربها، وهي سواحل "ملوخا" "ملوحا"٤.

стр. 602

دلمون: ويجرنا الحديث عن "مجان" و"ملوخا" إلى الحديث عن موضع آخر ورد في النصوص "الأكدية" و"السومرية" و"الآشورية"، هو موضع

стр. 603

"ني، تك" "Ni–Tuk" "Ni–Tuk–Ki" وهو "دلمون" "Dilmun" أو "تلمون" "١Tilmum". وقد اشتهر بتمره وخشبه ومعادنه مثل النحاس والبرونز، وكانت فيه مملكة يرأسها ملوك٢. وقد رأينا أن "جوديا" "Gudea" كان قد أشار إليه وإلى موضع "مجان"، وقد ذكر أنه استورد الخشب منه، كما رأينا اسم هذا المكان في ضمن الأماكن المذكورة في نص "سرجون"، وقد ورد أيضا في نص للملك "آشور بانبال"٣, وفي نص للملك "سنحاريب" "سنحريب"، وقد ذكر هذا الملك أنه بعد أن تمكن من "بابل" ودكَّها دكًّا، عزم على ضم "دلمون" إلى مملكته، فأرسل وفدًا إلى ملكها يخبره أمرًا من أمرين: إما الخضوع لـ"آشور" وإما الخراب والدمار؛ فوافق ملك الجزيرة على الاعتراف بسيادة "سنحاريب" عليه، وأرسل إليه بجزية ثمينة٤. وكذلك كانت هذه الجزيرة في عداد الأرضين التي خضعت لـ"آشور بانبال"٥. ويظهر من النصوص أن "دلمون" كانت جزيرة تتمتع بقدسية خاصة، فكانت تعد من الأماكن المقدسة، وقد رُويت عنها أساطير دينية، وعبدت فيها آلهة تعبد لها أهل العراق، مما يدل على الاتصال الثقافي المتين الذي كان بين العراق والبحرين. ووجد اسم الإله "إنزاك" في كتابة عثر عليها في البحرين٦، وتشير أسطورة "أنكي" وزوجه "ننخرساك" وملحمة "كلكمش" "جلجامش" "جلجمش"، وأسطورة "أرض الحياة"٧ وغير ذلك من القصص الشعبي، إلى هذا الاتصال الطبيعي الذي كان بين جنوب العراق والعروض. وذكر "هومل" أن من كبار آلهة "دلمون": "لخامو" "لخامون"، وهو إلهة أنثى٨. وأشار أيضا إلى نص أرخ في السنة السابعة من سني "فيلبس"

стр. 604

"Philippus" "فيلفوس"١ وتقابل سنة "٣١٧ ق. م."، وهو نص "بابلي" ورد فيه اسم أرض دُعيت "برديسو" "Pardesu"، وتقابل هذه الكلمة كلمة "pildash"٢ "Pardes" بالعبرانية٣ و"فردوس" بالعربية، وتقع في معبد من حضارة ديلمون "٣٠٠٠ ق. م" من نشرة دائرة الإعلام: حكومة البحرين القسم الشرقي من جزيرة العرب، بين "مجان" و"بيت نبسانو" "Bit Napsanu" التي هي جزيرة "دلمون"٤. وقد حملت هذه التسمية بعض العلماء على التفكير في أن ما ورد عن "جنة عدن" في التوراة، إنما أريد به هذه المنطقة التي تقع في القسم الشرقي من جزيرة العرب وعلى سواحل الخليج٥.

стр. 605

وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن أرض "دلمون" هي جزيرة البحرين، أو جزيرة البحرين والساحل المقابل لها؛ وذلك لأن المسافة التي ذكرت في نص "سرجون" تكاد تساوي بعد البحرين عن فم نهر الفرات، وهذا مما حملهم على القول: إن موضع "دلمون" هو جزيرة البحرين. ثم إن الصلات بين العراق والعروض كانت قوية، والأرض هي على امتداد واحد، فلا موانع ولا حواجز؛ ولهذا رجحوا كون "دلمون" هي البحرين١. وعرفت "دلمون" أو البحرين في الكتب "الكلاسيكية" باسم "تيلوس" "Tylus"، ويرى بعض الباحثين أنه حرف عن "تلوون" "Tilwun"، وهو "Dilmun" في الأصل، وورد معه اسم "أرادوس" "٢Aradus, وقد ذكر "بلينيوس" "Pliny" أن جزيرة "Tylos" "Tylus" معروفة باللؤلؤ، وبها مدينة عرفت بهذا الاسم كذلك. وعلى مقربة منها جزيرة صغيرة, وهي تقابل الساحل الذي يسكنه الـ"الجرهائيون" "Gerrhaens"، نسبة إلى مدينتهم "جرها" "٣Gerrha". وينطبق وصف "بلينيوس" لجزيرة "Tylos" "Tylus" على جزيرة البحرين كل الانطباق. وقد ورد في بعض نصوص "أور" "Ur" أنها صدرت الصوف في السفن إلى "تلمون" "٤Tilmun"، كما أشير إلى قوافل كانت تذهب من "أور" إلى هذا الموضع، وقد عادت بأرباح كبيرة٥. ويظهر من هذه النصوص ومن نصوص أخرى أن الإتجار بين "تلمون" و"أور" كان متصلًا مستمرًّا، وأن جماعة ممن تجار "أور" كانوا يرسلون قوافل من السفن "إلى "تلمون" للاتجار، تحمل إلى هذا الموضع ما بها حاجة إليه من حاصلات العراق ومن الأموال الواردة إلى العراق من الأسواق الخارجية مثل إيران وبلاد الشام وآسيا الصغرى وربما من اليونان وأسواق أوروبا, فتبيعها هناك، وربما يشتريها تجار "تلمون" أو غيرهم

стр. 606

لتصديرها إلى أماكن أخرى بعيدة مثل الهند، أو إفريقيا، أو قلب جزيرة العرب. فإذا انتهى هؤلاء التجار من بيع تجارتهم، يعودون ببضائع من البحرين، هي في الغالب من تجارة الهند أو إفريقيا، في جملتها المعادن والأخشاب والعطور والأشياء النفيسة الأخرى التي كانت تباع بأثمان باهظة، فيربح هؤلاء التجار من هذه التجارة ربحًا كبيرًا. وقد كان تجار "تلمون" يأتون بسفنهم إلى "أور" يحملون ما استوردوه من تجارات من الهند أو إفريقيا أو جزيرة العرب؛ لبيعه في أسواق "أور" ثم يعودون بسلع أسواق أور، من حاصل العراق وما جلب إلى أور من الخارج. وقد كان هؤلاء التجار يدفعون العشر، ضريبة عن هذا الإتجار١. وقد عثر على نصوص تبين من دراستها أنها عقود واتفاقيات عقدت بين تجار للإتجار بين "أور" و"تلمون"، وبينها وثائق تتعلق بتجارة تجار قاموا بأنفسهم بالإتجار مع "تلمون". ويظهر من دراستها أن أولئك التجار كانوا يستوردون النحاس بمقياس واسع من "تلمون"؛ لأنه مطلوب في العراق؛ ولأن أسعاره هناك أرخص بكثير من سعره في أور، وكان في جملة السلع التي استوردوها من "تلمون" الفضة و"عين السمك"، أي: اللؤلؤ على ما يظن٢. ولا بد أن يكون هذا النحاس من جملة المواد المستوردة من مواضع أخرى إلى "تلمون", وقد تكون أرض عمان في جملة الأماكن التي أمدت هذا الموضع به. فقد عثر في عمان على آثار منجم عند مكان يسمى "جبل معدن" يقع على مسافة "٧٥" ميلًا إلى الشمال الغربي من الجبل الأخضر٣. فلعل هذا المنجم القديم كان مستغلًّا في تلك الأيام يستخرج النحاس منه. ولقد عثر في البحرين على مقابر قديمة كثيرة كما ذكرت قبل, وقد وجد بعد فتحها أنها خططت على نمط واحد، وتتجه مداخلها نحو الغرب, وذلك مما يبعث على الظن أن لهذا الاتجاه علاقة بشعائر دينية عند القوم أصحاب المقابر. وقد وجدت فيها كما سبق أن قلت عظام بشرية، منها جمجمتان بشريتان،

стр. 607

وعظام حيوانات يظهر أنها دفنت وهي حية مع أصحابها وفق العقائد الدينية التي كانوا يدينون بها, وعثر على مصوغات من الذهب وعلى خرز وأحجار زينة, غير أن هذه الأشياء لم تعطِ الباحثين حتى الآن فكرة يقينية عن تأريخها وعن أيام أصحابها. والرأي الشائع بين الذين عنوا بدراستها وفحصها أنها مقابر "فينيقية"؛ لأن البحرين كانت الموطن القديم للفينيقيين١، وإن لم يصدر حتى الآن رأي جازم في هذا الشأن. وقد عثر كما ذكر "ولسن" "wilson" في مقبرة من هذه المقابر على حجر أسود مكتوب بكتابة تشابه الكتابات المسمارية٢. ويستشهد العلماء الذين يذهبون إلى أن تلك المقابر هي مقابر "فينيقية"، وأن سكان البحرين هم فينيقيون، بما ذكره "سترابون" من أن في جزيرتي "Tylus" "Tyrus" و"Aradus"، مقابر تشابه مقابر الفينيقيين، وأن سكان الجزيرة يرون أن أسماء جزائرهم ومدنهم هي أسماء فينيقية٣. وقد قامت بعثة آثارية دانماركية بالبحث عن الآثار في البحرين، وقد نبشت الأرض في ثلاثة مواضع لاستنطاقها والاستفسار منها عن ماضيها القديم. وقد تأكدت البعثة من أن الأماكن التي نقبت فيها تعود إلى مستوطنات العصر البرونزي, وكان في جملة ما عثرت عليه تمثالان صغران لثورين، وفخار، وأشياء أخرى. وقد عثر المنقبون على آثار معابد في مواضع من جزر البحرين، تبين من فحصها أنها خربت مرارًا، وأن الأيدي لعبت بها، وقد انتزعت أحجارها للاستفادة منها في تحويلها إلى أبنية جديدة. وفي جملة ما عثر عليه في أنقاضها بعض التماثيل وبعض الأحجار المثقوبة، وكانت مذابح تذبح عليها القرابين، فتسيل دماؤها من هذه الثقوب إلى حفرة تتجمع فيها الدماء. وقد تبين أن هذه المعابد، هي من معابد العصر النحاسي والعصر البرونزي، وأن تأريخ بعضها يعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد٤.

стр. 608

ويرى كثير من الباحثين في التأريخ القديم أن أصل الفينيقيين الساكنين في "فينيقية" بلبنان هو من هذه المنطقة، أي: من البحرين والساحل المقابل له. وقد ذكر "هيرودوتس" أن المشهور في أيامه أن أصلهم من البحر الأحمر١, ولكن العلماء يرون أنه قصد الخليج العربي "Sinus Persicus" لا البحر الأحمر. سلالم تؤدي إلى معبد من معابد "باربار" في البحرين من تصوير شركة نفط البحرين ويذكرون أن الفينيقيين تركوا ديارهم هذه، وهاجروا منها سالكين الساحل، ثم وادي الفرات، ومن وادي الفرات يَمَّمُوا لبنان، حيث استقروا على الساحل في المنطقة التي عرفت باسمهم، أي "فينيقية" "٢Phoenicia. إننا لا نستطيع أن نتحدث الآن عن حكومة العروض أو حكومات العروض

стр. 609

في عصور ما قبل الميلاد؛ فما لدينا من أخبار هو نزر يسير. نعم، من الجائز أن يكون أهل هذا الساحل قد كونوا لهم حكومة واحدة، ومن الجائز أن يكونوا قد أقاموا حكومات عديدة؛ حكومات مدن، أو حكومات قبائل، على نحو ما نعرفه عن هذه المنطقة إلى عهد ليس ببعيد, وكما نرى في مشيخات وإمارات الخليج في هذا الزمان, ومن الجائز أن يكون أهل العراق قد أخضعوا ذلك الساحل وأقاموا حكومات فيه. ونحن لا نستطيع التحدث الآن عن "أرض البحر" "Mat–Tamtim"، هل كانت حكومة قوية عاشت في الألف الثالث قبل الميلاد، حكمت كل الساحل إلى أن غزتها حكومات من العراق أم كانت إمارة أو" مشيخة" في اصطلاح هذا اليوم؟ ولكن ما نراه من سرعة تغلب الأكاديين والسومريين والآشوريين على أهل الساحل، يشير إلى أنهم لم يكونوا أصحاب حكومة قوية, وأنهم إنما كانوا في أغلب الظن رجال بحر وتجارة، لهم حكومات صغيرة أي: إمارات و"مشيخات"، وهذا يفسر لنا سر استسلامها لحكومات العراق بسهولة ويسر وأدائها الجزية لها. وهناك من يزعم أن "السومريين" إنما جاءوا إلى العراق من البحرين، جاءوا إليه في حوالي السنة "٣١٠٠ ق. م". وقد عرفت البحرين باسم "دلمون" "تلمون" "Dilmun" في نصوص السومريين, وقد كانت البحرين محطة مهمة ينزل فيها الناس في هجراتهم نحو الشمال، كما كانت محطة للاتجار مع الهند والبلاد البحرية الأخرى١. والرأي الغالب اليوم بين علماء التأريخ القديم أن الكلدانيين الذين سكنوا الأقسام الجنوبية من العراق، إنما جاءوا إلى هذه الأرضين من العربية الشرقية من ساحل الخليج، وذلك في أواخر الألف الثانية قبل الميلاد، ثم زحفوا نحو الشمال حتى وصلوا إلى بابل، وقد وجد بعض الباحثين كتابات كلدانية تشبه حروفها الحروف العربية الجنوبية القديمة، أي: حروف المسند، واستدلوا من ذلك على أن أولئك المهاجرين الذين ربما كان أصلهم من عمان هاجروا إلى ساحل الخليج، ثم انتقلوا منه إلى العراق، ونقلوا معهم خطها القديم، الذي تركوه بعد ذلك حينما استقروا في العراق؛ لتأثرهم بالمؤثرات الثقافية العراقية. والنماذج القديمة من كتاباتهم التي عثر عليها الباحثون،

стр. 610

وإن لم تتحدث عن أصل أصحابها، إلا أن خطها المذكور يشير إلى أنه من العربية الشرقية١. وقد ذهب "سترابو" إلى أن "Gerrha" التي تقع عند "العقير" كانت في الأصل موضعًا للكلدانيين "Chaldaer"، وكانت ذات تجارة مع أهل بابل مزدهرة٢. على كلٍّ, فالذي يتبين لنا من الأخبار السومرية والأكدية والآشورية وغيرها أن أهل العربية الشرقية كانوا قد كونوا لهم حكومات مدن وذلك قبل الألف الثالثة قبل الميلاد، صرفت جل عنايتها نحو التجارة وركوب البحار للاتجار، والاستفادة من البحر لاستخراج ما فيه من سمك و"لؤلؤ"، واستغلال ما في أرضها من ماء للزراعة عليه. والطبيعة هي التي فرضت على أهل هذا الساحل هذا الشكل من الحكم؛ لأنها لم تمنحهم أمطارًا وافرة تمكنهم من استغلال أرضهم، ولم تعطهم أنهارًا كبيرة طويلة تساعد في نشوء العمران عليها وتكوين حكومات مطلقة، كما في العراق أو في وادي النيل؛ لذلك انحصرت السكنى في مواضع متناثرة من الساحل، فصعب على السكان تكوين حكومة مطلقة واحدة يكون الحكم فيها حكما مركزيا في أيدي الملوك, لتباعد المدن بعضها عن بعض؛ لذلك صار الحكم فيها حكم مدن, على المدينة "ملك" أو رئيس يدير شئون الجماعة، إلا أن هذا الوضع جعلهم عرضة للغزو, إذ طمعت فيهم الحكومات الكبيرة، كالذي رأيناه من غزو السومريين والأكديين لهم، وكالذي سنراه فيما بعد من غزو الآشوريين واليونانيين وغيرهم لهذه الأرضين. لقد استورد السومريون والأكديون الذهب والحجارة الصالحة لصنع التماثيل، والأخشاب لبناء المعابد، والأشياء النفيسة الأخرى من "دلمون" ومن "ملوخا" ومن "مكان" "مجان"، وهي أماكن يرى كثير من العلماء أنها في العربية الشرقية، وقد تكون تلك المواد من الأموال المستوردة من الهند. على كل حال، فقد توسطت تلك الأماكن في استيرادها وإيصالها إلى العراق، بفضل مهارة سكانها في تسخير البحر وتيسيره، وقد ترك الفتح العراقي فيها أثرًا كبيرًا

стр. 611

يظهر في الآثار العراقية التي استخرجت من باطن الأرض, وفي فن العربية الشرقية المتأثر بالفن العراقي. وقد أثر انتقال ثقل الحكم من "أور" ومن القسم الجنوبي من العراق إلى وسطه تأثيرًا كبيرًا في ثراء "أور" واقتصادها، فقد كان في هذه المدينة تجار كونوا لهم شركات بحرية لنقل التجارة بين هذه المدينة ومدن الخليج، وربما إلى رأس ثور عثرت عليه البعثة الدانماركية في "باربار" بالبحرين مدن الهند أيضا, وقد أثر ذلك فيهم بصورة خاصة حين وضع "حمورابي" أنظمة تحدد الاتجار البحري في ذلك العهد١. وقد افتخر ملك "آشور"، الملك "تكولتي، ننورتا" "Tukulti–Ninurta" "١٢٤٤-١٢٠٨ ق. م." بأنه وسع حدود مملكته في الجنوب، بأن استولى على "سومر" و"أكد"، وثبت حدودها الجنوبية عند "البحر الأسفل حيث مشرق الشمس"٢. ويعني بذلك الخليج، غير أنه لم يشر إلى الأرضين التي استولى عليها في هذا الخليج. هذا كل ما نعرفه اليوم عن تأريخ العرب في العهود القديمة, وهو كما رأينا

стр. 612

نزر يسير، أخذ من بحوث أفراد ومن بحوث عرضية حُصِلَ عليها عند البحث عن البترول، وأملنا في زيادة علمنا بتلك العهود هو في قيام بعثات علمية بالبحث عن الآثار والعاديات لاستنطاقها عن أحوال تلك العهود. وليس أمامنا بعد هذه المقدمة إلا الدخول في العصور المعروفة التي وصل إلينا بعض أخبارها في الكتابات وفي الموارد الأخرى. وقد كان لأعمال الحفر التي قامت بها بعثة "دانماركية" أرسلها متحف ما قبل التأريخ في "Aarhus" بالدانمارك, فضل كبير في الكشف عن صفحات مطوية من تأريخ سواحل الخليج. فقد تمكنت هذه البعثة من العثور على آثار من عهود ما قبل العصور التأريخية في البحرين وقطر و"أبي ظبي"، كما تعقبت آثار السكنى القديمة في البحرين وعمان وبقية الساحل، وعثرت على معابد قديمة مثل معبد "بربر" "باربار" في البحرين و"تل قلعة البحرين" في البحرين، وتوصلت بذلك إلى نتائج قيمة جدًّا رجعت بتأريخ هذه البلاد إلى عصور بعيدة جدًّا عن الميلاد، وكان من أعمالها الكشف عن آثار "فيلكا" في الكويت. وقد تبين من دراسة البعثة الدانماركية لآثار معبد "بربر" "باربار" في البحرين أنه معبد عتيق, يرجع عهده إلى حوالي السنة "٣٠٠٠ ق. م." أو أقدم من ذلك١, وأنه كان معبدًا كبيرًا به "بئر" مقدسة يستقي منها المؤمنون للتبرك بمائها ولتطهير أجسامهم ولإجراء الشعائر الدينية. ويلاحظ أن الباحثين تمكنوا من العثور على آبار مقدسة في بيوت العبادة الكبرى عند الجاهليين، وهذا يدل على أن معابدهم الكبيرة كانت ذات آبار مقدسة يشربون منها للتبرك والشفاء ولتطهير أجسامهم، شأنهم في ذلك شأن أهل مكة و"زمزم". لقد وجدت هذه البعثة تحت أنقاض "تل القلعة" في البحرين بقايا مدينة قديمة يمكن أن تعد من مدن الجزيرة الكبيرة أو عاصمتها، يرجع تأريخها إلى حوالي السنة "٢٥٠٠ ق. م.", وكانت مسورة بسور ارتفاعه "١٦" قدمًا عن سطح الأرض، بُنِيَ بالحجارة، وقد بنيت به قلعة لحمايته من هجوم الأعداء، وعثر على باب المدينة، وقد زينت ببناء مربع الشكل. ويقال: إن الملك "سرجون" الأكادي كان قد أمر بإحراقها سنة "٢٣٠٠ ق. م." حتى صارت ركامًا،

стр. 613

وبقيت على ذلك طوال أيام "الكاسيين" "الألف الثانية قبل الميلاد"، حتى أعيد بناؤها في القرن السابع قبل الميلاد، فازدهرت وتوافد عليها السكان، وأخذت تتاجر مع العراق. وكانت مزدهرة في أيام "الأخمينيين" و"السلجوقيين"، إلا أن النحس حل بها بعد سقوط الحكومة السلجوقية، ولازمها ولم يتركها حتى هجرها الناس١. وفي جملة ما عثرت عليه تلك البعثة آثار مدينة يرجع عهدها إلى منتصف الألف الأولى قبل الميلاد، في مكان يعرف بـ"مرب" في القسم الغربي من "قطر"٢.

стр. 614

الفصل الرابع عشر: العرب في الهلال والخصيب مدخل ... الفصل الرابع عشر: العرب في الهلال الخصيب ليس من السهل علينا التعرض في الوقت الحاضر للصلات التي كانت بين العرب الشماليين وبين حكومات الهلال الخصيب في أقدم العهود التأريخية المعروفة التي وقفنا على بعض ملامحها ومعالمها من الآثار؛ فبينها وبيننا حجب كثيفة ثخينة لم تتمكن الأبصار من النفاذ منها لاستخراج ما وراءها من أخبار عن صلات العرب في تلك العهود بالهلال الخصيب. ولعل خبر "نرام، سن" "نرام، سين" "Naram–Sin" الأكادي "٢٢٧٠-٢٢٢٣ ق. م." عن استيلائه على الأرضين المتصلة بأرض بابل, والتي كان سكانها من العرب "Aribu" "Arabu" هو أقدم خبر يصل إلينا في موضوع صلات العرب بالعراق١. وهو خبر ينبئك بأن عرب أيام "نرام، سن"، كانوا في تلك المنازل قبل أيامه بالطبع؛ وهي منازل كونوا فيها "مشيخات" و"إمارات" مثل إمارة "الحيرة" الشهيرة التي ظهرت بعد الميلاد. ويحدثنا سفر "القضاة" بأن "المدينيين" والعمالقة وبني المشرق، كانوا ينتزعون ما بأيدي الإسرائيليين من غلة زراعة، وما عندهم من ماشية، ويغيرون

стр. 615

وأما "Muaba"، فيرى "موسل" أنها "مؤاب" المذكورة في التوراة١، وهي أرض المؤابيين، أبناء "مؤاب"٢. وأسماء الأشخاص الواردة في النصوص الآشورية هي أقدم أسماء نعرفها وردت في نصوص تأريخية عند العرب الشماليين، مثل "زبيبة" و"شمس" و"الباسق" الذي كتب "بسقانو" "Basqanu" في النص الآشوري، و"أيم" الذي هو "إيمو" في النصوص الآشورية، و"جندب" الذي صار "جنديبو" "Gindibu" في اللغة الآشورية "Kiau" "Kisu" "Ki–i–su" الذي يحتمل أنه "قيس"، و"Agbaru" "Akbaru" القريب من أكبر أو "أخبر" أو "أجبر"، "وخبيصو" "جيصو" "Habisu" "kha–bi–su" الذي يحتمل أنه "خبيص" أو "خابص" أو "حبيس" أو "حابس" أو "قبيصة" أو ما شابه ذلك من أسماء، و"نخرو" "نحرو" "Niharu" "Ni–kha–ru" الذي يحتمل أنه "نخر"، أو "ناخر" أو "نهار"، و"ليلى" "Laili" "Laiale"، الذي هو "ليلي" إلى آخر ذلك من أسماء. وورد في جملة الأرضين التي استولى عليها "آشور بانبال" في بلاد العرب، اسم موضع دعي "إنزلكرمة" "Enzilkarme" "Al–en–zi–kar–me"، وهو كناية عن واحة، يرى "ديلج" "Delitzsch" أنها تقع جنوب حوران٣. وقد افتخر "آشور بانبال, الملك العظيم, الملك الحق الشرعي, ملك العالم, ملك آشور, ملك الجهات الأربع، ملك الملوك، الأمير الذي لا ينازعه منازع، الذي يحكم من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل، والذي جعل كل الحكام الآخرين يخرون له سجدا ويقبلون أقدامه"٤، بأنه ملك من البحر الأعلى حتى جزيرة "دلمون" من البحر الأسفل٥. ومعنى هذا أن ملكه امتدَّ من أعالي العراق إلى البحرين٦. يظهر من النصوص الآشورية أن الآشوريين قاموا بعدد من الحملات يزيد,

стр. 616

بل كان ذلك عامًّا حتى بين العرب أنفسهم؛ وقد أدى ذلك إلى جهلنا بهويات شعوب ذكرت في النصوص الآشورية وفي النصوص الأخرى وفي التوراة، دون أن يشار إلى جنسيتها، فلم نستطع أن نضيفها إلى العرب للسبب المذكور. وكان ملك "دمشق" "بيرادري" "Bir–Idri" "Biridri"، المعروف باسم "بنهدد" "Benhaddad" في التوراة١، قد هاله توسع الآشوريين وتدخلهم في شئون الممالك الصغيرة والإمارات، ولا سيما بعد تدخلهم في شئون مملكة "حلب"، وخضوع هذه المملكة لهم بدفعها الجزية واعترافهم بسيادة آشور عليها. فعزم على الوقوف أمام الآشوريين، وذلك بتأليف حلف من الملوك السوريين وسادات القبائل العربية؛ لدرء هذا الخطر الداهم. وقد انضم إليه "آخاب" ملك إسرائيل، وأمراء الفينيقيين، فكان مجموع من استجاب لدعوته اثني عشر ملكًا من ملوك سورية، "وجنديبو" ملك "العرب"، وقد أمد الحلف بألف جمل وبمحاربين، وكل هؤلاء كانوا قد أصيبوا بضربات عنيفة من الآشوريين وتعلموا بتجاربهم معهم مبلغ قوتهم وغلظتهم على الشعوب التي غلبوها على أمرها، فأرادوا بهذا الحلف التخلص من شرهم والانتقام منهم والقضاء عليهم. وعند مدينة "قرقر"، الواقعة شمال "حماة" وعلى مقربة منها، وقعت الواقعة، وتلاقى الجيشان: جيش "آشور" تسيّره نشوة النصر، وجيوش الإرميين والعرب والفينيقيين ومن انضم إليهم، تجمع بينهم رابطة الدفاع عن أنفسهم، وبغضهم الشديد للآشوريين. لقد تجمع ألوف من جنود الحلفاء في "قرقر" على رواية ملك آشور؛ لمقاومة الآشوريين وصدهم من التوسع نحو الجنوب، واشتركت في المعركة مئات من المركبات. أما النصر فكان حليف "شلمنصر"، انتصر عليهم بيسر وسهولة، وأوقع بهم خسائر كبيرة، وغنم منهم غنائم كثيرة، وتفرق الشمل، وهرب الجميع، وانحلَّ العقد، ورجع ملك آشور إلى بلده منتصرًا، مخلدًا انتصاره هذا في كتابة ليقف عليها الناس٢.

стр. 617

وإليك بعضَ ما جاء في نص "شلمنصر" عن معركة "قرقر"؛ لتقف على ما قاله عنها: "قرقر: عاصمته الملكية، أنا أتلفتها، أنا دمرتها، أنا أحرقتها بالنار، ١٢٠٠ عجلة، ١٢٠٠ فارس، ٢٠.٠٠٠ جندي لهدد عازر صاحب إرم ... ألف جمل لجندب العربي ... هؤلاء الملوك الاثنا عشر الذين استقدمهم لمساعدته، برزوا إلى المعركة والقتال، تألبوا عليَّ ... "١. ويلاحظ كثرة عدد العجلات المستخدمة في المعركة بالنسبة إلى تلك الأيام، وهذه الأرقام ليست بالطبع أرقامًا مضبوطة، فقد عودنا الملوك الأقدمون المبالغة في ذكر العدد، والتهويل في تدوين أخبار المعارك والحوادث؛ للتضخيم من شأنهم وللتعظيم، وتلك عادة قديمة نجدها عند غير الآشوريين أيضا٢. و"جنديبو" اسم من الأسماء العربية المعروفة هو "جندب", ويكون هذا الاسم أول اسم عربي يسجل في الكتابات الآشورية. ولم يشر "شلمنصر" إلى أرضه والمكان الذي كان يحكم فيه. غير أن القرائن تدل على أنها كانت في أطراف البادية، ويرى "موسل" أنها كانت تقع في مكان ما جنوب مملكة "دمشق"٣, وأرى أنه كان ملكًا على غرار الملوك سادات القبائل مثل ملوك الحيرة والغساسنة، حكم على قبائل خضعت لحكمه وسلطانه، وكان يتناول الإتاوات من الحكومات الكبيرة مقابل حماية حدودها من الغارات والاشتراك معها في الحروب. وقد أبلغنا "شلمنصر" الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م." أيضا، أنه زحف نحو الجنوب، نحو أرض "كلدو"، أي: أرض الكلدانيين، فاستولى عليها وتوغل بعد ذلك نحو الجنوب حتى بلغ "البحر المر" "البحر المالح" "Nar Marratu" أي الخليج العربي، فقهر كل السكان الذين وصلت جيوشه إليهم٤. ويظهر أنه بلغ حدود الكويت فاتصل بذلك بجزيرة العرب وبقبائل عربية ساكنة في هذه الأرضين.

стр. 618

وفي السنة الثالثة من حكم "تغلث فلاسر" "تغلاتبلاسر الثالث" "Tiglath Pileser"١ "٧٤٥-٧٢٧ ق. م." تقريبًا، دفعت ملكة عربية اسمها "زبيبي" الجزية إلى هذا الملك, وكانت تحكم "أريبي"، أي العرب. ولم يتحدث النص الذي سجل هذا الخبر عن مكان الأعراب أتباع "زبيبي". معركة بين العرب والآشوريين وقد ذهب "موسل" إلى أنه "أدومو" "Adumu"، أي "دومة" "دومة الجندل"، وذهب أيضا أن الملكة كانت كاهنة على قبيلة "قيدار" "٢kedar. و"زبيبي" هو تحريف لاسم "زبيبة"، وهو من الأسماء العربية المعروفة. ويحدثنا هذا الملك أيضا أنه في السنة التاسعة من ملكه، قهر ملكة عربية أخرى اسمها "سمسي" "Samsi" "شمسي" "Shamsi"، واضطرها إلى دفع الجزية له بعد أن تغلبت عليها جيوش آشور. ويدعي الملك أنها حنثت بيمينها

стр. 619

وكفرت بالعهد الذي قطعته للإله العظيم "شماش" "Schamash" بألا تتعرض للآشوريين بسوء، وبأن تخلص لهم، فانتصر عليها، واستولى على مدينتين من مدنها، وتغلب على معسكرها، فلم يبقَ أمامها غير الخضوع والاستسلام وتأدية الجزية إبلًا: جمالًا ونوقًا١. والظاهر أنها انضمت إلى ملك دمشق في معارضته للآشوريين، وتعرضت لقوافل آشور، فجهز الملك عليها حملة عسكرية تغلبت عليها. ولضمان تنفيذ مصالح الآشوريين، قرر الملك تعيين "قيبو" أي: مقيم أو مندوب ساميّ آشوري لدى بلاطها؛ لإرسال تقاريره إلى الحاكم الآشوري العام في سورية عن نيات الملكة واتجاهات الأعراب، وميول قبيلتها، ولتوجيه سياسة الملكة على النحو الذي تريده "آشور"٢. وقد ذكر النص الآشوري أن الملكة أصيبت بخسائر فادحة جدًّا، وهي ألف ومائة رجل، وثلاثون ألف جمل، وعشرون ألف من الماشية، وهي أرقام بُولغ فيها جدا، ولا شك٣. ويذكرنا اسم الملكة "شمسي" "سمسي" باسم عربي هو "شمس" أو "شمسة", و"شمسة" من الأسماء العربية القديمة التي ما تزال حية. وقد كان في المدينة امرأة نصرانية اسمها "شمسة"، أسلمت على يدي الحسن بن علي بن أبي طالب٤, فحرف الآشوريون الاسم وفق نطقهم وكتبوه على هذا الشكل. وقد صور على اللوح الذي ورد فيه خبر الانتصار المذكور، منظر فارسين آشوريين يحملان رمحين، يتعقبان أعرابيًّا راكبًا جملًا، وتحت أعقاب الفرسين وأمامهما جثث الأعراب الذين خروا صرعى على الأرض, وصور شعرهم طويلًا وقد قعد إلى الوراء، وأما اللحى فكثَّة، وأما أجسامهم فعارية إلا من مئزر شد بحزام. وقد حرص الفنان على تصويره الأعرابي الراكب قريبا جدا من الفارسين، مادًّا يده اليمنى إليهما متوسلا ومسترحما ومستسلما، وصورت الملكة

стр. 620

"سمس" "شمسي" "سمسي" حافية، ناشرة شعرها، تحمل جرة من الجرار الإحدى عشرة المقدسة، بعد أن أضناها الجوع والتعب في فرارها إلى "بازو"، وقد خارت قواها المعنوية١. وورد في الكتابة الآشورية أن الملكة أرسلت وفدًا إلى ملك آشور لمصالحته واسترضائه، ضم عددًا من سادات قبيلتها وأتباعها، منهم "يربع" "يربأ" "Jarapa" وكان رئيس الوفد، و"خترنو" "حترنو" "Hataranu" و"جنبو" "Ganabu"، و"تمرنو" "٢Tamranu. وهي أسماء عربية لا غبار عليها، كتبت بحسب النطق الآشوري؛ فـ"Jarapa" مثلا، يمكن أن يكون أصله "يرفع" أو "يربع" أو يربوع، و"Hataranu" جائز أنه "خاطر" أو "خطر"، و"Ganabu" جائز أنه جناب أو "جنب"، و"Tamranu" جائز أنه "تمر" أو "تمار" أو ما شابه ذلك. ولا أرى بنا حاجة إلى ذكر أمثلة عديدة وردت فيها أسماء من مثل "يربوع" و"جناب" و"جنب" وأمثال ذلك لدى الإسلاميين٣. وبعد أداء "شمس" الجزية إلى ملك آشور، دفعت عدة قبائل وشعوب عربية الجزية إليه. وقد جعل بعض الباحثين ذلك في حوالي سنة "٧٣٨ ق. م"٤, وجاء في الترجمة العربية لكتاب "حتي" أن ذلك كان في عام "٧٢٨ ق. م"٥. وإذا كان أداء العرب المذكورين الجزية في السنة التاسعة من حكمه، فيجب أن تكون السنة سنة "٧٣٦ ق. م." تقريبًا؛ لأن حكم الملك كان في "٧٤٥ ق. م"٦. وقد ذكر الملك أنه تسلم الجزية ذهبًا وفضة وإبلًا وطيوبًا من "مساي" "مسأى" "Masa" و"تيما" و"سبأ" "سبا" و"خيابة" "خيابه" "Hajapa" "Hayapa" "Hajappa" و"بطنه" "Batana" "Badana"

стр. 621

و"خطي" "Hatti"، "Hatte" و"إدبئيل" "١Ibida'il. وقد ورد أنها كانت تقطن في أرضين تقع في الغرب في أماكن بعيدة٢, ويقصد أنها كانت غرب آشور، والغالب أنه كان يريد من قوله: في مواضع بعيدة، البادية حيث يصعب الوصول إليها. ويرى بعض الباحثين أن "مسأى" "مسا" "Mas'a" هي قبيلة "مسا" "Massa" المذكورة في التوراة٣, وهي قبيلة إسماعيلية كانت منازلها في شرق "مرآب"، أو في جنوب شرقيها٤, ويظهر أنها لم تكن بعيدة جدا عن فلسطين٥. ورأى "ذورمه" "Dhorme" أنها قبيلة من قبائل العربية الجنوبية٦، وهو رأي بعيد الاحتمال٧، فلا يعقل وصول نفوذ الآشوريين في ذلك ألزمن إلى تلك المواضع, ثم إن "مسا" وهو أحد أبناء "إسماعيل" كما ورد في التوراة ٨, والقبائل الإسماعيلية لم تكن تسكن العربية الجنوبية، بل المواضع التي ذكرتها في أثناء حديثي عنهم. ثم إن أحد المقيمين الآشوريين كان قد كتب تقريرًا إلى ملكه، يذكر فيه أن "ملك قهرور" "مالك قهرو"، وهو ابن "عم يثع" "عم يطع" "عمي يطع" "Amme'uta'" من قبيلة "مسا"، غزا بعد خروج الملك وارتحاله عن قبيلة "نبأ أتى" "نبي أتي" "Nabi'ati" هذه القبيلة وذبح أفرادها، وسرقها وقد تمكن أحدهم من النجاة بنفسه، فبلغ الملك وأخبره بالحادث٩. ويشير المقيم السياسي الآشوري في تقريره هذا إلى الحادث؛ ليكون ملكه على علم به. وقبيلة "نبي أتي" "نبأ أتى" "Nabi'ati" هي

стр. 622

قبيلة "نبايوت" "Nabajot" "Nebaioth" المذكورة في التوراة١, وهي مثل "مسا" إحدى القبائل الإسماعيلية؛ ولهذا تكون منازل قبيلة "مسا" في الشمال أو في الشمال الغربي من منازل "نبايوت"٢. وأما "تيما" "Tema"، فإنها "تيماء" المذكورة في التوراة٣، والمعروفة حتى في الإسلام. وتقع على الطريق التجاري الخطير الذي يربط العربية الجنوبية والحجاز والشام والعراق ومصر، ثم بموانئ البحر المتوسط، كما عرف التيمائيون باشتغالهم بالتجارة, فلعلهم دفعوا الجزية إلى آشور حفظًا لمصالحهم التجارية ولكي يسمح لهم الآشوريون بمرور تجارتهم في الطرق التي تخترق العراق وبلاد الشام وموانئ البحر المتوسط بعد أن أصبحت تحت سيطرتهم٤. وقد ذكرت "تيماء" مع "ددان" في مواضع من التوراة٥, وذكرت مع "ددان" و"بوز" كذلك٦. ومعنى هذا أن هذه المواضع كانت متقاربة لا يبعد بعضها عن بعض كثيرًا، وأشير إلى "قوافل تيماء" و"سيارة سبأ"٧، ويدل ذلك على اتصال تجاري كان بين التيمائيين والسبئيين في ذلك العهد. ويدل ورود اسم "سبأ" بعد "تيما" في نص "تغلث فلاسر"، على أن السبئيين المقصودين كانوا يعيشون على مقربة من التيمائيين ومن بقية من دفع الجزية للآشوريين. ويرى "موسل" أنهم كانوا يقيمون إذ ذاك في "ددان" "ديدان"، وأنهم من السبئيين الذين أخذوا مكان المعينيين، وكانت لهم قوافل تنقل التجارة على الطرق البرية, كما كانوا يقومون بتربية الإبل والماشية٨. وأما "خيابه" "Hajapa"، فإننا لا نعرف عنهم اليوم شيئًا غير الاسم. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهم "عيفة" المذكورون في التوراة, ومن

стр. 623

هؤلاء "فرديش دلج"١ و"شرادر"٢ و"موسل" وآخرون٣. وهو على رواية نسابي العهد العتيق من نسل "مديان" "مدين"، ومن حَفَدة "إبراهيم" من زوجه "قطورة". ويفهم من "أشعياء" أنهم كانوا يتاجرون مع "شبا" مثل "مديان" يحملون الذهب واللبان٤، ويظهر أنهم كانوا يقطنون منطقة "حسمي"٥. ومن الصعب تشخيص قبيلة "بطنه" "بطنا" "بدنه" "Batana" "Badana", ولم يرد في التوراة ما يقابل الاسم أو ما يقاربه. وقد قرأ "موسل" الاسم "بدنه" "Badana" وذهب إلى أنه اسم قبيلة "بدون" أو "مدون"، بإبدال "الباء" ميمًا، وهذا أمر مألوف. وتقع منازلها في "العلا"، أي في "ددان" "ديدان" القديمة, ويعتقد أفرادها أنهم من سلالة قديمة جدًّا، وليست لهم صلات قربى بالقبائل الأخرى, وتسكن بطون منهم عند "البتراء" "Petra" أي: الرقيم٦. وأشار "موسل" أيضًا إلى اسم موضع ذكر أنه ورد في كتاب "بلينيوس"، وهو "Badanatha", غير أنه لاحظ أن هذا الاسم مشكوك في صحة ضبطه، فإن بعضهم قد قرأه "٧Baclanaza. فإذا كانت القراءة "Badanatha" صحيحة، فمن الممكن إذن أن يكون لهذا الاسم علاقة بـ"بدون"، أو "مدون" وبـ"بطنه" "Batana" الوارد في نص ملك آشور٨. والموضع الذي ذكره "بلينيوس" قريب من "Domata"، أي: "دومة الجندل"،

стр. 624

ومن "ثمود"، فهو في هذه المنطقة التي دفع أصحابها الجزية إلى الآشوريين. وتقع ديار "خطي" "Hatti" على مقربة من "أدوم"، على رأي "موسل"١. وأما "كلاسر"، فيذهب إلى أنها كانت تسكن "الخط"، سيف البحرين، أي: على ساحل الخليج٢, وهي منطقة قريبة من العراق، يرى أن من السهل الاستيلاء عليها. وقد ذكر "بلينيوس" موضعًا دعاه "خطيني" "Chateni" يقع على ساحل الخليج؛ ولهذا رجح "كلاسر" أن "Hatti" هم "خطيني" هؤلاء٣, وقد ذكر "ياقوت الحموي" جبلًا بمكة دعاه "الخط"٤. أعرابية تتبعها إبلها, من الألواح المنحوتة التي عثر عليها في قصر "تغلث فلاسر" الثالث وقد نقل اللوح إلى المتحف البريطاني, Helmuth Tb. Bossert, ١٣٩٤ وقد يكون سكان المنطقة المجاورة له عرفوا باسم "الخطيون"، وقد مارسوا التجارة، وبعثوا كالقبائل الأخرى بتجاراتهم إلى اليمن وبلاد الشام والعراق؛ ولذا دفعوا الجزية إلى الآشوريين ليسمحوا لقوافلهم باجتياز الطرق البرية التي خضعت

стр. 625

لسلطانهم وللاتجار في أسواق مملكة آشور. ويظهر أن "إدبئيل" "إدبعيل" "Idiba'il" القبيلة المذكورة في نص "تغلث فلاسر"، هي قبيلة "أدبئيل" "Adabeel" في التوراة, وهي إحدى القبائل الإسماعيلية على حسب رواية نسابي العبرانيين١. وكانت منازلها في جنوب غربي البحر الميت على مقربة من غزة وإلى جنوب غربها عند حدود مصر، وفي طور سيناء٢. وكان يسكن إلى الشرق منهم ومن قبيلة "خطي" وكذلك إلى الجنوب الشرقي وشرقي "بئر السبع" "Beersheba" "مبسام" "Mibsam" و"مشماع"، وهما ولدان من ولد "إسماعيل"٣، ويمثلان قبيلتين من القبائل الإسماعيلية. ويظهر من "أخبار الأيام الأول" أن بني "مبسام" و"مشماع" كانوا من بني "شمعون"، وكانوا من بطون "الشمعونيين" القوية ولهم أرضون واسعة٤. ويشير هذا إلى أن "المبساميين" و"المشماعيين" كانوا قد توسعوا وتصاهروا مع "الشمعونيين" واختلطوا بهم؛ فاختلط الأمر, وعد الذين تصاهروا مع الشمعونيين واختلطوا بهم منهم، مع أن أصلهم من الإسماعيليين، أي: من العرب الشماليين٥. وقد عين "تغلث فلاسر" في سنة "٧٣٤ ق. م." عربيًّا "Arubu" اسمه "إدبئيل" "Idiba'il" في وظيفة "قيبو" "Kepu"، أي: والٍ على "مصري"؛ ليدير شئونها بالنيابة عنه، وجعل تحت تصرفه خمسة وعشرين موضعًا من "عسقلان"٦. ويحتمل أن يكون هذا الرجل -على رأي "موسل"- شيخًا من قبيلة "إدبئيل"، كان مقيمًا مع قبيلته في "طور سيناء"، وكان له سلطان واسع بلغ حدود مدينة "غزة" ٧. ولم يكن هذا الشيخ الذي اعتمد

стр. 626

طليه ملك آشور فعينه واليًا عنه، إلا سيد قبيلة كلف حماية الحدود وحفظ مصالح الآشوريين بحفظ الأمن والسلامة ومنع الغزو والتحرش بالحدود. ولما كان من الصعب على الجيوش النظامية ولوج البوادي وتعقب أثر الأعراب، فكرت الحكومات القديمة والحكومات الحديثة في القرن العشرين في حماية مصالحها بدفع جعالات شهرية وسنوية وهدايا إلى سادات المشايخ، وتعيين بعضهم في مناصب كبيرة؛ ليتولوا حماية الحدود, وكبح جماح البدو ومنعهم من الغزو, والاستفادة منهم في إزعاج خصومهم بغزوهم ومحاربتهم أو محاربة القبائل المتحالفة معهم، كالذي فعله الفرس واليونان والرومان والدول المستعمرة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ويظهر أن بلوغ جيوش "تغلا تبلاسر الثالث" غزة كان في حوالي السنة "٧٣٨ ق. م". فسيطر الآشوريون بذلك على هذا الميناء المهم الذي كان نهاية طرق القوافل التجارية الآتية بصورة خاصة من الحجاز١، وهو ميناء كان مقصد تجار يثرب ومكة حتى عند ظهور الإسلام. ويحدثنا "سرجون الثاني" "٧٢٤-٧٠٥ق. م"٢ أنه في السنة السابعة من حكمه، سنة "٧١٥ق. م"٣ أدَّب "تمودي" "Tamudi" و"أباديدي" "عباديدي" و"مرسماني" "Marsimani" و"خيابه" "Hajapa" وهزمهم، ونقل من وقع في يديه منهم إلى "السامرة" "٤Samaria". ثم يذكر بعد هذا الخبر أنه تلقى الجزية من "سمسي" "Samsi" ملكة "أريبي" ومن "برعو" "pir'u" ملك "مصري" "Musuri" ومن "يتع أمر" "It'amra" السبئي٥. وذكر أن الجزية كانت من الذهب وحاصلات الجبل والحجارة الكريمة والعاج وأنواع البذور والنبات والخيل والإبل٦. ويتبين من أسماء المواضع والقبائل التي ذكرها "سرجون"، أن تلك المعارك كانت قد وقعت في أرضين تقع في الشمال الغربي من جزيرة العرب، وفي المنطقة

стр. 627

الواقعة فيما بين خليج العقبة و"تيماء" والبادية, ولا بد وأن تكون الجيوش الآشورية قد هاجمتها من الشمال أي: من فلسطين. وقد ورد في بعض ترجمات نص "سرجون" أنه نقل الأعراب الذين ينزلون في مواضع نائية من البادية، ولم يعرفوا حاكمًا رسميًّا ولا موظفًا ولم يدفعوا جزية إلى أي ملك سابق، نقلهم إلى "السامرة" وأسكنهم فيها١. ويظهر أن هذه الجملة لا تخص الجملة السابقة التي ذكر فيها "ثمود" وبقية الأسماء، وليست معطوفة عليها؛ لأنه وصف هؤلاء الأعراب بأنهم سكان بوادٍ نائية، ولم يدفعوا الجزية لأحد من قبل، على حين يقيم المذكورون في أرض معروفة ولمنازلهم أسماء، وهي ليست من البوادي. وورد في هذه الترجمات بعد جملة "ويثع أمر السبئي": "ومن هؤلاء الملوك ملوك على الساحل، ومنهم ملوك في البادية, تسلمت منهم جزية: تبرًا، وأحجارًا كريمة ... إلخ"٢, مما يدل على أن أولئك الملوك كانوا يحكمون أرضين واسعة تمتد من البادية إلى البحر الأحمر. ووردت في نص "سرجون" المشار إليه أسماء مواضع هي "Uaidaue" و"Bustis" و"Agazi" و"Ambanda" و"Dananu" ووردت معها جملة: "أريبي الساكنين في مشرق الشمس" "أريبي مطلع الشمس"؛ ولهذا ذهب بعض الباحثين إلى أن الأسماء المذكورة هي أسماء مواضع في أرض "أريبي"، أي البادية. وهو رأي يعارضه باحثون آخرون؛ لغموض العبارة، ولتعذر القول: إن أسماء هذه المواضع تعود إلى "أريبي الساكنين في مشرق الشمس"٣. أما "تمودي" "Tamudi" فإنهم "ثمود" الذين سبق أن تحدثت عنهم. وأما "أباديدي" "Ibadidi" فشعب لا نعرف من أمره شيئًا, وقد ذهب "موسل" إلى احتمال كونهم "أبيداع" "Abida" المذكورين في التوراة٤,

стр. 628

وهو فيها ابن "مديان"، أي "مدين". ويرى أن مساكنهم كانت في جنوبي شرقي "أيلة" "Elath" أي: العقبة، على الطريق التجارية المهمة التي تربط ديار الشام بالحجاز١. ورأى "كلاسر" أن "الأباديدي" هم "Apataei" المذكورون في جغرافية "بطلميوس"٢, وكانوا يقيمون في مكان يقال له: "وادي العبابيد" أو"العباديد" على مقربة من العقيق؛ أو أن فرعًا منهم كان يقيم في هذا المكان٣. وذهب "فورستر" إلى أن شعب "APATAEI" هم شعب آخر، وأن الكلمة هي في الأصل "Nabataei"، وهو شعب كانوا يقيمون في موضع "نبت" على ساحل الحجاز٤. ولا نعرف من أمر "مرسماني" "Marsimani" شيئا يذكر، ولم يرد لهذه القبيلة اسم في التوراة. غير أن بعض الكتبة "الكلاسيكيين" ذكروا قبيلة عربية يظهر أنها كانت تقيم في جنوب شرقي "العقبة" سموها "Batmizomaneis" "Banizomaneis"، وقد كانت في جوار قبيلة "Thamudenoi" أي ثمود٥, ويرى "موسل" احتمال كون هذه القبيلة هي "مرسماني"، تحرف اسمها في النص الآشوري أو حرفه الكتبة "الكلاسيكيون" حتى صار على نحو ما نرى٦. وعلى كل حال فإن على لفظة "Marsimani" طابع العروبة، فلا يستبعد أن تكون من "مرسم"، أو أسماء أخرى عربية قريبة منها. ويظهر أن كراهية الأعراب للآشوريين كانت شديدة جدًّا، لم تخفف من حدتها لا سياسة القوة والعنف ولا سياسة التودد واللين. لقد حملت هذه الكراهية القبائل على مد يد المساعدة إلى كل مبغض للآشوريين، أو متمرد عليهم، فقدمت المعونة إلى "مردخلبلدان" "مردخ بلذان" "مردخ بلادان"٧

стр. 629

"Merodachbaladan" ملك بابل خصم وعدو "سنحاريب" "سنحريب" وأرسلت "ياتيعة" "يثعة" "يطيعة" "Ja'iti'e"، ملكة "أريبي" جيشًا لمساعدته ومناصرته في كفاحه هذا مع الآشوريين وضعته تحت قيادة أخيها "بسقانو" "بصقانو" "Basqanu"١، إلا أنه لم يتمكن من الوقوف أمام الآشوريين، فنزلت به خسارة فادحة، وأُسِرَ "بسقانو" وأُسِرَ معه معظم جيشه. وكانت هذه الهزيمة في موضع "كيش" "Kish", وقد كانت في حوالي سنة "٧٠٣" أو "٧٠٢" قبل الميلاد, على رأي بعض الباحثين٢. ويظهر أن لفظة "Iati'e" هي تحريف لاسم عربي من أسماء النساء لعله "بطيعة" أو ما يشابه ذلك, وقد كانت ملكة إذ ذاك، أي: إنها كانت مثل "زبيبة" و"شمس" المذكورتين. وأما اسم "بسقانو" "Basqanu" فالظاهر أنه "الباسق", فإنه قريب منه. ويحدثنا "سرجون" في كتاباته عن أيامه وعن أعماله المجيدة, أن الملك "أبيري" "Uperi" ملك "دلمون" سمع بقدرة آشور وبعظمتها فأرسل هداياه إليه٣. ومعنى هذا أن البحرين كانت إذ ذاك تحت حكم ملك اسمه "أبيري"، لعله "أبير"، وأن الصلات السياسية كانت وثيقة بين آشور والبحرين في ذلك العهد. وقد ذكر "سرجون" أن "أبيري" "ملك دلمون"، "كان يعيش كالسمكة في وسط بحر الشروق، البحر الذي تشرق عليه الشمس، وعلى مسافة ثلاثين ساعة مضاعفة، وكان قد سمع بجلال عظمتي فأرسل بالهدايا إليَّ"٤. وفي هذا الخبر إشارة واضحة إلى استقلال البحرين، أي جزيرة "دلمون" وخضوعها لحكم ملك لعله كان من أهلها. ولما كان القسم الجنوبي من العراق تحت حكم الآشوريين في هذا العهد, وللبحرين علاقات تجارية متينة مع هذا القسم؛ لذلك أرسل هدايا ثمينة إلى ملك آشور. ويظهر من خبر آشوري يعود عهده إلى أيام الملك "سنحاريب" "سنحريب"،

стр. 630

وهو ابن "سرجون"، أن ملك البحرين لما سمع بخبر اجتياز هذا الملك نهر الفرات ودخوله الخليج ووصوله أرض جزيرة "دلمون"، أسرع فاعترف بسيادة ملك آشور عليه. وكان هذا الملك قد دَكَّ أرض بابل في حوالي سنة "٦٨٩ ق. م."، وسار منها متوجهًا نحو أرض الخليج. وفي هذا الخبر إشارة إلى أن علاقة الآشوريين بالبحرين كانت وثيقة في هذا العهد أيضا، وأن ملك البحرين كان يخشى ملك آشور؛ لذلك اعترف بسيادته الاسمية عليه١. وأخبرنا "سنحاريب" "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ ق. م." أنه تسلم هدايا من "كرب إيل" "كريبي، إيلو" "Karibi–ilu" ملك سبأ "Saba'i"، إذ بنى بيتًا أو معبدًا "بيت أكيتو" "Bit–Akitu"؛ للاحتفال فيه بعيد رأس السنة والأعياد الأخرى٢. وكان من جملة هذه الهدايا أحجار كريمة وأنواع من أفخر الطيب ذي الرائحة الزكية الطيبة "Rikke Tabutu"٣، وفضة وذهب وأحجار ثمينة أخرى٤، وهي أمور اشتهرت بها العربية الجنوبية، كما عرفت بتصديرها هذه المواد إلى الخارج، وقد تحدثت عنها التوراة في مواضع من الأسفار٥. وقد ذهب "هومل" إلى أن "كربي، إيلو" هذا هو "كرب ال" "كرب إيل" أحد "مكربي" "مقربي" سبأ، أي: الكهان الحكام، ولم يكن ملكًا على عرش سبأ وإن دعاه "سنحاريب" ملكًا؛ ذلك لأن الآشوريين لم يعرفوا لقبه الرسمي، أو لأنهم لم يهتموا بذلك فجعلوه ملكًا. وهذه الهدايا لم تكن جزية فرضت عليه، بل كانت هدية من حاكم إلى حكام، وقد بعث بها إليه مع القوافل الذاهبة إلى الشام بطريق غزة، أو طريق مكة، فالبادية إلى العراق٦. وعندي أن من الجائز أن يكون "كريبي، إيلو" هذا سيد قبيلة أو أميرًا من الأمراء الذين كانوا في العربية الشمالية، من المجاورين لتلك القبائل

стр. 631

التي تحدثت عنها وسبق لها أن قدمت هدايا لآشور، وكان من السبئيين النازحين إلى الشمال الذين حلوا محل المعينيين. ولما قضى "سنحاريب" على مقاومة البابليين وعين عليهم ملكًا منهم، كان قد تربى في قصور الآشوريين فأخلص لهم، سار إلى بلاد الشام لإخضاع العمونيين والمؤابيين والأدوميين والعرب والعبرانيين, فقد كان هؤلاء قد انتهزوا فرصة قيام البابليين وقبائل إرم والعرب والعيلاميين على الآشوريين للتخلص منهم، فألفوا حلفًا بينهم في جنوب بلاد الشام، أي: في فلسطين والأردن، واتحدوا لمحاربة "سنحاريب". فلما وصل إلى ساحل البحر المتوسط، أخذ جيشه يستولي على المدن الفينيقية والفلسطينية، ويتقدم نحو الجنوب حتى بلغ "عسقلان" "Ashkelon". ولما وصل إلى موضع "التقه" "علتقه" "Eltekeh" "Altekeh"، اصطدم بالعرب وبالمصريين, غير أنه تغلب عليهم واستولى على "التقه" وعلى "تمنة" "تمنث" "ثمنة" "١Timnath" و"عقرون" "عاقر" "٢Ekron. وفي أنباء الانتصارات التي سجلها "سنحاريب" لنفسه أنه قام في حوالي سنة "٦٨٩ ق. م." بحملة على الأعراب التابعين للملكة "تلخونو" "Telhunu" ملكة العرب "Arabi"، أي: أعراب البادية، وعلى الملك "خزا إيلي" "حزا إيلي" "Haza-ili"، ملك "قيدري" "Qidri"، أي: القيداريين، فسارت جيوشه في اتجاه "أدوماتو" "دومة" "Adummatu"، فتغلبت على العرب وعلى القيداريين٣. ويقصد بـ"أدوماتو" "دومة الجندل"٤, وقد كانت "أدوماتو" "Adummatu" من مواضع "أريبي" "عريبي" الحصينة٥.

стр. 632

وهي في موضع بعيد عن عواصم الدول الكبرى، إلا أنها لم تنجُ مع ذلك من غزوات تلك الدول, وقد ذكرها "بطلميوس" باسم "١Doumatha" "Adomatho. وقد جاء في نص آشوري أن الملك "سنحريب" أرسل حملة إلى الخليج، فانتصرت وحققت رغباته، وقد فر ملك "أرض البحر" إلى أرض "عيلام". ويظهر أنه بنى أسطولًا قويًّا حمل جنوده إلى تلك الأنحاء، فلم يتمكن أهل الخليج من مقاومته واضطروا إلى الخضوع لآشور٢. ويظهر أن "سنحريب" كان قد تمكن فعلًا من إخضاع الأعراب له ومن السيطرة عليهم، ويرى بعض الباحثين في نعت "هيرودوتس" له بأنه "ملك العرب والآشوريين"٣ تعبيرًا عن إخضاع "سنحريب" الأعراب لحكمه وإن كان ذلك قد وقع لأمد محدود٤. وفي نص دونه "أسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ ق. م." عن أعماله وعن أعمال والده, أن أباه "سنحاريب" أخضع "أدومو" "Adumu" "معقل أريبي"، واستولى على أصنامها، وحملها معه إلى عاصمته، وأسر ملكتها "Iskallatu" التي كانت كاهنة للإله "دلبات" "Dilbat"، وأسر الأميرة "تبؤة" "Tabua" كذلك. فهو يؤيد بذلك ما ذكره أبوه من انتصاراته على العرب٥. ولم يتحدث النص الآشوري عن الجهة التي هاجم منها "سنحاريب" "دومة الجندل" أي "Adummatu" "Adumu". ويرى "موسل" أنه هاجمها من إقليم "بابل"، ويرى أيضا أن سلطان الملكة "تلخونو" كان يشمل منطقة واسعة تمتد من "أدومو" إلى حدود بابل. وقد كان أعرابها يمتارون ويبتاعون الطحين والملابس والمواد الضرورية الأخرى من بابل، فيسلكون البادية، ومن هذه البادية وصلت أمداد الملكة وقواتها إلى بابل لمساعدتها في مقاومة

стр. 633

آشور، فاشتركت مع البابليين في الحرب، على حين هاجم فريق آخر من أتباع الملكة المقاطعات الآشورية في بلاد الشام. فلما تغلب "سنحاريب" على بابل وانتصر عليها في سنة ٦٨٩ ق. م، تفرغ لمحاربة الملكة والانتقام منها، فأمر قواته بالضغط على أتباع الملكة، وتعقبهم في البادية لحفظ الحدود. ثم حاصر "أدومو"، حتى تغلب عليها، وانتصر على هذا المعقل الذي التجأ إليه أتباع هذه الملكة وغيرهم للخلاص من الآشوريين١. ويظهر من النصوص الآشورية أن خلافًا وقع بين الملكة "تلخونو" والملك "خزا إيلي"، قد تكون أسبابه الهزيمة التي حاقت بهما ومحاصرة "سنحاريب" لهما في "دومة الجندل". وقد كان "خزا إيلي" على ما يظهر هو الذي تولى قيادة الجيش، وتنظيم خطط الدفاع والهجوم. فسببت الهزائم التي حلت بهما غضب الملكة عليه وعلى سوء قيادته "فغضبت تلخونو على خزا إيلي ملك أريبي"٢, ولعلهما اختلفا أيضا بسبب محاصرة "دومة الجندل" والدفاع عنها أو عدمه. ومهما يكن من شيء، فقد استسلمت الملكة "تلخونو" للآشوريين، وتغلبت جيوش "سنحاريب" على هذا المعقل، وأخذت الأصنام أسرى إلى "نينوى", كما أخذت الأميرة" تبؤة" "Tabua" أسيرة إلى عاصمة آشور؛ لتربى هناك تربية يرضى عنها الآشوريون، ولتهذب تهذيبًا سياسيًّا خاصًّا يؤهلها أن تكون ملكة على "أريبي". أما "خزا إيلي" فقد تمكن من خرق حصار الآشوريين على "دومة الجندل" ومن الاعتصام مع أتباعه بالبادية، حيث لم يكن في قدرة "سنحاريب" مطاردتهم وإيقاع خسائر بهم، وبقي في هذه البادية طول حياة "سنحاريب". فلما توفي هذا الملك، وانتقل الملك إلى ابنه "أسرحدون"، وزالت أسباب الجفاء، قصد نينوى لمقابلة الملك الجديد، ومعه هدايا كثيرة، سُرَّ بها الملك واستقبله بلطف ورعاية، وسلمه الأصنام الأسيرة السيئة الحظ التي كان عليها أن تشارك أتباعها الحياة الأرضية المزعجة، وتمكنت كل من "عتر سماين" "عثتر السماء" و"دبلات" و"دايا" "ديه" "Daja" و"نوهيا" "نهيا" "نهى" "Nuhaia" و"إبيريلو" "Ebirillu" و"عثتر قرمية" "عثر قرمي"

стр. 634

"Atar Kurumaia"، وهي الآلهة التي كتب عليها أن تسجن من استنشاق ريح الحرية ثانية، ومن استعادة مقامها بين عبادها، فوضعت في أماكنها، وسر أتباعها ولا شك بهذه العودة١. وفي أثناء وجود تلك الأصنام في الأسر، أصيبت ببعض التلف، فمَنَّ "أسرحدون" عليها بالأمر بإصلاح ما أصابها وإعادتها إلى ما كانت عليه، ثم تلطف فأمر بإرجاعها إلى "خزا إيلي" "خزائيل"، بعد أن نقشت عليها كتابة تفيد تفوق إله آشور على تلك الأصنام، وبعد أن نقش عليها اسم الملك٢. وأراد "أسرحدون" تنصيب "تبؤة" "Tabua" التي تربت تربية آشورية، ملكة على "أريبي"؛ ليضمن بذلك فرض سلطان آشور على الأعراب. وهو حلم تحقق، ولكنه لم يدم طويلًا؛ لأن العداء بين الآشوريين والعرب كان عميقًا، لا يقضي عليه منح تاج، ونصب ملك أو ملكة٣. واعترف "أسرحدون" بـ"خزا إيلي" ملكًا على قبيلة "قيدار"، في مقابل إتاوة يدفعها، قدرها خمسة وستون جملًا٤. فلما توفي "خزا إيلي" سنة "٦٧٥ ق. م"٥, اعترف "أسرحدون" بابنه "يايتع" "يايطع" "يطع" "يثع" "Uaite'" ملكًا مكان أبيه، على أن يدفع إتاوة سنوية كبيرة مقدارها ألف من "Minae" من الذهب، وألف حجر كريم, وخمسون جملًا، وطيب، أي أكثر مما كان يدفعه أبوه٦, وقد رضي الابن بذلك على أمل أن ينعم عليه بتاج كيفما كانت الشروط. غير أن حسابه هذا لم يكن دقيقا، فقد ثار عليه شعبه الذي أبى أن يخضع لرجل فرض عليه فرضًا، وأبى قبوله ملكًا عليه. وقام -وعلى رأسه "الزعيم" "أوبو" "وهبو"- "وهب"، "أوب" "Uabo" "Uaboa" بثورة عامة للتخلص منه، ومن سلطان الآشوريين. وأسرع الآشوريون فأرسلوا جيشًا لإخماد هذه الثورة، فأطفأها وأسر

стр. 635

"أوبو" "Uabo" وأخذ إلى "نينوى"، إلا أن الانتصار عليه لم يقضِ على مقاومة العرب للآشوريين وثورتهم عليهم، فقاد "يابتئ" "يثع" "Uaite'" الثورة هذه المرة، ورفع راية الحرب على الآشوريين، وغزا هو وأتباعه حدود الإمبراطورية الآشورية المحاذية للبادية، واضطر الآشوريون إلى تجهيز حملة جديدة انتصرت عليه، وهاجمت مضاربه، وقبضت على أصنامه، وأخذتها معها أسرى للمرة الثانية١. أما "يابتئ"، فقد فر "وحيدًا إلى أصقاع بعيدة" على ما جاء في النص٢. والأصقاع البعيدة هي البادية، ولا شك، حيث يصعب على الآشوريين التوغل فيها للتوصل إليه؛ لذلك صارت مأوى لكل ثائر تحل به خسارة, فإذا نجا بنفسه، وتمكن من الفرار من ساحة الهزيمة إلى البادية، صار في حصن أمين، لا تمتد إليه الأيدي بسوء إلا إذا كان المهاجمون من أبناء جنسه الأعراب. وقام "أسرحدون" بعد هذه الحملة بحملة أخرى على قبائل عربية تنزل أرض "بازو" "Bazu" و"خازو" "٣Hazu". وقد ابتدأ بها في اليوم الثاني من شهر "تشرى" من السنة الخامسة من سني حكمه, وهي تقابل سنة "٦٧٦ ق. م."٤. وقد قتل فيها ثمانية ملوك, هم: "كيو" "٥kiau قيسو "kisu" و"ki-i-su" ملك "خلديلي" "٦Haldilli", و"أكبرو" "Agbaru" "AK-baru"، وهو ملك "ال بياتي" "البياتي" "إيل بياتي"٧ "٨Na-pi-a-te"، "Ilpiati"منسكو" "منساكو" "منسك" "Mansaku" "Ma-an-sa-ku"، ملك "مجل أني" "مجلاني"
следующие страницы →