← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

التي تحدثت عنها وسبق لها أن قدمت هدايا لآشور، وكان من السبئيين النازحين إلى الشمال الذين حلوا محل المعينيين. ولما قضى "سنحاريب" على مقاومة البابليين وعين عليهم ملكًا منهم، كان قد تربى في قصور الآشوريين فأخلص لهم، سار إلى بلاد الشام لإخضاع العمونيين والمؤابيين والأدوميين والعرب والعبرانيين, فقد كان هؤلاء قد انتهزوا فرصة قيام البابليين وقبائل إرم والعرب والعيلاميين على الآشوريين للتخلص منهم، فألفوا حلفًا بينهم في جنوب بلاد الشام، أي: في فلسطين والأردن، واتحدوا لمحاربة "سنحاريب". فلما وصل إلى ساحل البحر المتوسط، أخذ جيشه يستولي على المدن الفينيقية والفلسطينية، ويتقدم نحو الجنوب حتى بلغ "عسقلان" "Ashkelon". ولما وصل إلى موضع "التقه" "علتقه" "Eltekeh" "Altekeh"، اصطدم بالعرب وبالمصريين, غير أنه تغلب عليهم واستولى على "التقه" وعلى "تمنة" "تمنث" "ثمنة" "١Timnath" و"عقرون" "عاقر" "٢Ekron. وفي أنباء الانتصارات التي سجلها "سنحاريب" لنفسه أنه قام في حوالي سنة "٦٨٩ ق. م." بحملة على الأعراب التابعين للملكة "تلخونو" "Telhunu" ملكة العرب "Arabi"، أي: أعراب البادية، وعلى الملك "خزا إيلي" "حزا إيلي" "Haza-ili"، ملك "قيدري" "Qidri"، أي: القيداريين، فسارت جيوشه في اتجاه "أدوماتو" "دومة" "Adummatu"، فتغلبت على العرب وعلى القيداريين٣. ويقصد بـ"أدوماتو" "دومة الجندل"٤, وقد كانت "أدوماتو" "Adummatu" من مواضع "أريبي" "عريبي" الحصينة٥.

стр. 632

وهي في موضع بعيد عن عواصم الدول الكبرى، إلا أنها لم تنجُ مع ذلك من غزوات تلك الدول, وقد ذكرها "بطلميوس" باسم "١Doumatha" "Adomatho. وقد جاء في نص آشوري أن الملك "سنحريب" أرسل حملة إلى الخليج، فانتصرت وحققت رغباته، وقد فر ملك "أرض البحر" إلى أرض "عيلام". ويظهر أنه بنى أسطولًا قويًّا حمل جنوده إلى تلك الأنحاء، فلم يتمكن أهل الخليج من مقاومته واضطروا إلى الخضوع لآشور٢. ويظهر أن "سنحريب" كان قد تمكن فعلًا من إخضاع الأعراب له ومن السيطرة عليهم، ويرى بعض الباحثين في نعت "هيرودوتس" له بأنه "ملك العرب والآشوريين"٣ تعبيرًا عن إخضاع "سنحريب" الأعراب لحكمه وإن كان ذلك قد وقع لأمد محدود٤. وفي نص دونه "أسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ ق. م." عن أعماله وعن أعمال والده, أن أباه "سنحاريب" أخضع "أدومو" "Adumu" "معقل أريبي"، واستولى على أصنامها، وحملها معه إلى عاصمته، وأسر ملكتها "Iskallatu" التي كانت كاهنة للإله "دلبات" "Dilbat"، وأسر الأميرة "تبؤة" "Tabua" كذلك. فهو يؤيد بذلك ما ذكره أبوه من انتصاراته على العرب٥. ولم يتحدث النص الآشوري عن الجهة التي هاجم منها "سنحاريب" "دومة الجندل" أي "Adummatu" "Adumu". ويرى "موسل" أنه هاجمها من إقليم "بابل"، ويرى أيضا أن سلطان الملكة "تلخونو" كان يشمل منطقة واسعة تمتد من "أدومو" إلى حدود بابل. وقد كان أعرابها يمتارون ويبتاعون الطحين والملابس والمواد الضرورية الأخرى من بابل، فيسلكون البادية، ومن هذه البادية وصلت أمداد الملكة وقواتها إلى بابل لمساعدتها في مقاومة

стр. 633

آشور، فاشتركت مع البابليين في الحرب، على حين هاجم فريق آخر من أتباع الملكة المقاطعات الآشورية في بلاد الشام. فلما تغلب "سنحاريب" على بابل وانتصر عليها في سنة ٦٨٩ ق. م، تفرغ لمحاربة الملكة والانتقام منها، فأمر قواته بالضغط على أتباع الملكة، وتعقبهم في البادية لحفظ الحدود. ثم حاصر "أدومو"، حتى تغلب عليها، وانتصر على هذا المعقل الذي التجأ إليه أتباع هذه الملكة وغيرهم للخلاص من الآشوريين١. ويظهر من النصوص الآشورية أن خلافًا وقع بين الملكة "تلخونو" والملك "خزا إيلي"، قد تكون أسبابه الهزيمة التي حاقت بهما ومحاصرة "سنحاريب" لهما في "دومة الجندل". وقد كان "خزا إيلي" على ما يظهر هو الذي تولى قيادة الجيش، وتنظيم خطط الدفاع والهجوم. فسببت الهزائم التي حلت بهما غضب الملكة عليه وعلى سوء قيادته "فغضبت تلخونو على خزا إيلي ملك أريبي"٢, ولعلهما اختلفا أيضا بسبب محاصرة "دومة الجندل" والدفاع عنها أو عدمه. ومهما يكن من شيء، فقد استسلمت الملكة "تلخونو" للآشوريين، وتغلبت جيوش "سنحاريب" على هذا المعقل، وأخذت الأصنام أسرى إلى "نينوى", كما أخذت الأميرة" تبؤة" "Tabua" أسيرة إلى عاصمة آشور؛ لتربى هناك تربية يرضى عنها الآشوريون، ولتهذب تهذيبًا سياسيًّا خاصًّا يؤهلها أن تكون ملكة على "أريبي". أما "خزا إيلي" فقد تمكن من خرق حصار الآشوريين على "دومة الجندل" ومن الاعتصام مع أتباعه بالبادية، حيث لم يكن في قدرة "سنحاريب" مطاردتهم وإيقاع خسائر بهم، وبقي في هذه البادية طول حياة "سنحاريب". فلما توفي هذا الملك، وانتقل الملك إلى ابنه "أسرحدون"، وزالت أسباب الجفاء، قصد نينوى لمقابلة الملك الجديد، ومعه هدايا كثيرة، سُرَّ بها الملك واستقبله بلطف ورعاية، وسلمه الأصنام الأسيرة السيئة الحظ التي كان عليها أن تشارك أتباعها الحياة الأرضية المزعجة، وتمكنت كل من "عتر سماين" "عثتر السماء" و"دبلات" و"دايا" "ديه" "Daja" و"نوهيا" "نهيا" "نهى" "Nuhaia" و"إبيريلو" "Ebirillu" و"عثتر قرمية" "عثر قرمي"

стр. 634

"Atar Kurumaia"، وهي الآلهة التي كتب عليها أن تسجن من استنشاق ريح الحرية ثانية، ومن استعادة مقامها بين عبادها، فوضعت في أماكنها، وسر أتباعها ولا شك بهذه العودة١. وفي أثناء وجود تلك الأصنام في الأسر، أصيبت ببعض التلف، فمَنَّ "أسرحدون" عليها بالأمر بإصلاح ما أصابها وإعادتها إلى ما كانت عليه، ثم تلطف فأمر بإرجاعها إلى "خزا إيلي" "خزائيل"، بعد أن نقشت عليها كتابة تفيد تفوق إله آشور على تلك الأصنام، وبعد أن نقش عليها اسم الملك٢. وأراد "أسرحدون" تنصيب "تبؤة" "Tabua" التي تربت تربية آشورية، ملكة على "أريبي"؛ ليضمن بذلك فرض سلطان آشور على الأعراب. وهو حلم تحقق، ولكنه لم يدم طويلًا؛ لأن العداء بين الآشوريين والعرب كان عميقًا، لا يقضي عليه منح تاج، ونصب ملك أو ملكة٣. واعترف "أسرحدون" بـ"خزا إيلي" ملكًا على قبيلة "قيدار"، في مقابل إتاوة يدفعها، قدرها خمسة وستون جملًا٤. فلما توفي "خزا إيلي" سنة "٦٧٥ ق. م"٥, اعترف "أسرحدون" بابنه "يايتع" "يايطع" "يطع" "يثع" "Uaite'" ملكًا مكان أبيه، على أن يدفع إتاوة سنوية كبيرة مقدارها ألف من "Minae" من الذهب، وألف حجر كريم, وخمسون جملًا، وطيب، أي أكثر مما كان يدفعه أبوه٦, وقد رضي الابن بذلك على أمل أن ينعم عليه بتاج كيفما كانت الشروط. غير أن حسابه هذا لم يكن دقيقا، فقد ثار عليه شعبه الذي أبى أن يخضع لرجل فرض عليه فرضًا، وأبى قبوله ملكًا عليه. وقام -وعلى رأسه "الزعيم" "أوبو" "وهبو"- "وهب"، "أوب" "Uabo" "Uaboa" بثورة عامة للتخلص منه، ومن سلطان الآشوريين. وأسرع الآشوريون فأرسلوا جيشًا لإخماد هذه الثورة، فأطفأها وأسر

стр. 635

"أوبو" "Uabo" وأخذ إلى "نينوى"، إلا أن الانتصار عليه لم يقضِ على مقاومة العرب للآشوريين وثورتهم عليهم، فقاد "يابتئ" "يثع" "Uaite'" الثورة هذه المرة، ورفع راية الحرب على الآشوريين، وغزا هو وأتباعه حدود الإمبراطورية الآشورية المحاذية للبادية، واضطر الآشوريون إلى تجهيز حملة جديدة انتصرت عليه، وهاجمت مضاربه، وقبضت على أصنامه، وأخذتها معها أسرى للمرة الثانية١. أما "يابتئ"، فقد فر "وحيدًا إلى أصقاع بعيدة" على ما جاء في النص٢. والأصقاع البعيدة هي البادية، ولا شك، حيث يصعب على الآشوريين التوغل فيها للتوصل إليه؛ لذلك صارت مأوى لكل ثائر تحل به خسارة, فإذا نجا بنفسه، وتمكن من الفرار من ساحة الهزيمة إلى البادية، صار في حصن أمين، لا تمتد إليه الأيدي بسوء إلا إذا كان المهاجمون من أبناء جنسه الأعراب. وقام "أسرحدون" بعد هذه الحملة بحملة أخرى على قبائل عربية تنزل أرض "بازو" "Bazu" و"خازو" "٣Hazu". وقد ابتدأ بها في اليوم الثاني من شهر "تشرى" من السنة الخامسة من سني حكمه, وهي تقابل سنة "٦٧٦ ق. م."٤. وقد قتل فيها ثمانية ملوك, هم: "كيو" "٥kiau قيسو "kisu" و"ki-i-su" ملك "خلديلي" "٦Haldilli", و"أكبرو" "Agbaru" "AK-baru"، وهو ملك "ال بياتي" "البياتي" "إيل بياتي"٧ "٨Na-pi-a-te"، "Ilpiati"منسكو" "منساكو" "منسك" "Mansaku" "Ma-an-sa-ku"، ملك "مجل أني" "مجلاني"

стр. 636

"١Magal'ani" "Ma-gal-a-ni"، والملكة "يافأ" "إيفع" "يفع" "Iapa'" "Ja-pa'"، ملكة "دخراني" "دحراني" "دخر" "٢Dihrani" "Didhrani" و"خيبصو" "خابصو" "جيبسو" "Habisu" "Kha-bi-su" ملك "قدايأ" "٣Qadab"، و"نخارو" "نيخرو" "نحارو" "نحر" "Niharu" "Ni-kha-ru" ملك "جأباني" "جعباني" "جعفاني" "٤Ga'pani"، والملكة "با إيلو" "بائلة" "Ba'ilu" "Ba-i-lu" ملكة "إخيلو" "٥Ihilu" آشوريون يحرقون خيمة أعراب نيام Helmuth Bossert, Altsyrien, ١٣٩٧ و"خبن إمرو" "خبن عمرو" "حبن إمرو" "حبان إمرو" "Habanamru" "Kha-ba-zi-ru" ملك "بداء" "بدع"٦ "Buda'", وأسر خلقًا من أتباعهم أخذهم إلى أرض آشور كما حمل آلهتهم معه. وتمكن أحد الملوك، وهو الملك "ليلى" "Laili" "ليلة" "Laiale" ملك "يادئ" "ياديا" "يدع" "Iadi" "Jadi'" من النجاة، غير أنه ذهب إلى نينوى بعدئذٍ، حيث طلب العفو والصفح عما بدر منه، فقبل "أسرحدون" منه ذلك، وتآخى معه،

стр. 637

وأعاد إليه أصنامه، وعينه ملكًا على أرض "خازو" "وبازو" "بازي" على أن يدفع الجزية إليه١. وقد ورد في التوراة اسم "بوز" و"حزو"٢؛ أما "بوز" فهو ابن ناحور أخي إبراهيم، ويظن أن لاسمه صلة باسم أرض "بوز"٣, وأما "حزو" فإنه أحد أولاد "ناحور"٤. وقد ذكرت كلمة "بوز" بعد "تيماء" في سفر "إرميا"، حيث ورد: "وكل اللفيف وكل ملوك أرض عوص، وكل ملوك أرض فلسطين وأشقلون وغزة وعقرون وبقية أشدود، وأدوم ومؤاب وبني عمون، وكل ملوك صور، وكل ملوك صيدون، وكل ملوك الجزائر التي في عبر البحر، وددان وتيماء وبوز، وكل مقصوصي الشعر مستديرًا، وكل ملوك العرب وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية"٥. فـ"بوز" في التوراة اسم موضع، واسم شعب، وقد ورد في التوراة اسم رجل من "بوز" سمي "اليهو" "Elihu" البوزي، وهو ابن "برخيئل"، وكان صديق "أيوب" وحكمًا في المحاورة التي جرت بين أيوب وأصحابه الثلاثة الذين أتوا ليعزوه في المصائب والبلايا التي نزلت به٦. وأيوب كان من سكان أرض "عوص"٧، وهو عربي على رأي عدد من علماء التوراة. ولم يحدد موقع "بوز" في التوراة", ولكن ورود "بوز" بعد ددان وتيماء في الموضع الذي ذكرته من إرميا، وقبل جملة "وكل مقصوصي الشعر مستديرًا" يحملنا على التفكير في أن أرض "بوز" كانت في جوار تيماء، وليست بعيدة جدا عن "ددان" "ديدان"، وقريبة من الأعراب الذين كانوا يحلقون شعور رءوسهم إلا دائرة تبقى في أعلى الرأس، أي: غير بعيدة عن البادية وعن الأعراب

стр. 638

الإسماعيليين. ولهذا ذهب "كلاسر" و"دلج" "F. Delitzsch" وغيرهما إلى أن بوز، هي "بازو" الواردة في نص "سنحاريب"، وتقع في العربية الشمالية١, ورأى "ذورمة" "Dhorme" أنها في منطقة تقع في جنوب شرقي الجوف٢. وأما "موسل"، فيستند أيضا إلى الوصف الذي جاء في النص الآشوري عن "بازو" التي تقع في موضع قاصٍ، ويبدأ من السباخ وبادية مجدبة، "١٤٠ بيرو من الرمال"٣، وليس فيها غير الشوك ونوع من حجر يعرف بـ"حجر فم الغزال"٤، ثم سهل فيه الأفاعي والعقارب مثل "الزربابو" الجراد٥, تليه "خازو"، وهي أرض جبلية اتساعها "٢٠ بيرو" من حجر الـ"٦Saggilmut. ويرى من هذا الوصف أن موضع "بازو" في غرب وفي جنوب "تدمر" وفي "وادي السرحان"، وأن الملوك الثمانية الذين قتلهم "أسرحدون" كانوا يقيمون في وادي السرحان عند الحدود الشرقية لحوران وفي "الرحبة" و"قطبة" إلى وادي "القطامي". ويرى أيضا أن "يدئ" "يادئ" "يدي"، وهو موضع الملك "ليلى"، هو "الجاف"، أو "الودي" وذلك بإبدال الحرف الأول من كلمة "يدي" بحرف الواو. وهو أمر يرى أنه كثير الحدوث، فمن المحتمل أن يكون موضع "الوادي" -على رأيه- هو "يدي" أو "يدئ" مقر الملك "ليلى" "٧Laili. فرأي "موسل" أن "بازو" تعني النصف الشمالي من "وادي السرحان", وأما الأرض الواقعة في شرق "السرحان" وفي شمال السرحان في المنطقة الجبلية، فإنها "خازو" "حازو"، وقد سلك الجيش الآشوري -كما يقول- الطريق التجارية

стр. 639

المارة من الحافات الشرقية لحوران إلى دمشق١. وقد صيرت أرض "بوز" و"بوزي" بـ"أرض أوسيتس" "Ausitis" في الترجمة السبعينية للتوراة "العهد العتيق"٢؛ ولذلك رأى بعض العلماء أن المراد بها اسم "Aiseitai" "إيسايتاي" "إيسايته"، وهو اسم موضع ذكره الجغرافي "بطلميوس" في داخل بادية بلاد العرب٣, ورأوا أن بوز هي هذا المكان٤. ورأى آخرون أن "بازو" هي نجد، وأن البادية التي تحدث عنها "أسرحدون" هي "النفود", وأما "خازو" فإنها الإحساء٥. وذهب "رولنسن" إلى احتمال كون هذه المنطقة هي أرض مملكة الحيرة، وما يتصل بها إلى جبل شمر؛ لأن الوصف المذكور ينطبق -في رأيه- على هذا المكان٦. وذهب "كلاسر" في مكان آخر من بحوثه المستفيضة عن "بازو" و"خازو" إلى أن "خازو" هي "حزو", وإلى أن "بازو" و"حازو" في الأقسام الشرقية والجنوبية من "اليمامة" إلى أرض "مأكن" "Maken" إلى مرتفعات "رأس الخيمة"٧. وأشار أيضًا إلى "حزوى"، وهي "السدوسية" لبني سعد في اليمامة، وقد ذكرها "الهمداني"٨, ويرى أن اللفظة قريبة جدًّا من "حزو" التوراة ومن "خازو" النص الآشوري. وعلى هذا تكون أرض "خازو" في اليمامة، وهي أرض ذات آثار قديمة وعاديات وخرائب تقع بين وادي "ملهم" و"وادي حنيفة"٩.

стр. 640

ورأى بعض الباحثين المحدثين أن أرض "بازو" هي الساحل المقابل لجزر البحرين، أي: جزيرة "تلمون" كما كانت تعرف عند القدامى. وأما "خازو" أي "حازو" في قراءة، فهي "الأحساء"١, ونرى بين اللفظتين "حازو" و"أحساء" تقاربًا كبيرًا. ولم يذكر "أسرحدون" كيف رجع إلى بلاده بعد حملته الطويلة هذه، ومن أي سبيل رجع إلى ملكه؟ غير أن بعض الباحثين يرون أنه سلك طريقًا غير الطريق الأول الذي سلكه في حملته على الشعوب والأرضين المذكورة. يرون أنه سلك طريقًا موازيًا لساحل الخليج، فاخترق أرض "بازو" و"خازو"، "حاسو", ثم سار شمالا إلى إقليم بابل. و"حاسو" عندهم هي الأحساء، وهي بين "نجد" والخليج، وكان "أسرحدون" قد سلك في حملته الأولى كما يروون طريقًا اخترق "نجدًا", فلما قرر العودة سلك الطريق الثاني٢. ويرى "موسل" أن اسم "دخراني" "Di-ih-ra-ani" هو "Dacharenoi" المذكور عند "إصطيفان البيزنطي" "٣Stephen of Byzantium". أما "كلاسر" فيرى أن قبيلة "Dachareni"، التي ذكرها "بطلميوس" بعد اسم قبيلة "Malangite" هي القبيلة المذكورة في نص "أسرحدون"٤, وأن قبيلة "Malangite" هي قبيلة "Ma-gal-a-ni" المذكورة في نص "أسرحدون", ورأى احتمال كون "Gauuani" هي "جوجان"٥ و"Ikhilu" هي "أجلة" أو "أخلة"، وهما عند الخرج٦. ويرى "كلاسر" احتمال وجود علاقة بين "Bi-i-lu" وهو اسم الملكة, و"باهلة" وهو اسم القبيلة المعروفة التي تقع منازلها منذ القديم في هذه المنطقة. وعنده أن حملة "أسرحدون" قد كانت في اليمامة، حيث ينطبق وصف

стр. 641

هذه المنطقة على وصف الأماكن المذكورة في حملة "أسرحدون" أحسن انطباق١. وبعد وفاة "أسرحدون" رأى "يثع" "يطع" "يايطع" "Uaite'" أن من الأصلح مصالحة الآشوريين، فذهب إلى "آشور بانبال"، "آشور بنبال" وقابله وأرضاه، فأعاد إليه أصنامه، ومنها الصنم "عثتر السماء"، "أتر سمائين" "Atarsamain" "A-tar-sa-ma-a-a-in"، أي "عثتر السماوات"، وهو الإله "عثتر" إله السماء، الذي سأتحدث عنه عند كلامي على ديانة العرب قبل الإسلام، ورضي عنه وأعاده إلى منصبه٢. ويذكر "آشور بانبال" أن "Uaite'" حنث بيمينه، وخالف عهده وميثاقه معه، لما أعلن "شمش، شوم، أوكن" "Schamaschschumukin" شقيق آشور بانبال العصيان عليه وخاصمه، فانضم إليه، وأيده بمدد يساعده، جعله تحت قيادة "إب يثع" "أب يثع" "Abjate'" و"إيمو" ابني "تارى" "ثأر" "تور"، "Te'ri". وقام على رأس أتباعه بغزو الحدود الغربية لأرض بلاد الشام التي سبق أن استولى عليها الآشوريون، وأصبحت من المقاطعات الخاصة لهم، من "أدو" "Adom" في الجنوب إلى جنوب "حماة" في الشمال. غير أن السعد لم يحالف "Uaite'" في هذه المرة أيضا، فتصدت الجيوش الآشورية للمدد الذي أرسل لمساعدة "شمش، شوم، أوكن"، وشتَّتَتْ شمله قبل وصوله إلى "بابل". أما الذين تمكنوا من الهرب والوصول إلى "بابل"، فقد أُبيد أكثرهم كذلك. وقد اضطر "أب يتئ" "أب يتع" "Abjate" أن ينجو بنفسه بالهرب إلى البادية خشية أن يقع في الأسر، وذهب من ثم إلى "نينوى" حيث مثل أمام الملك طالبًا منه العفو والصفح، وقبل الملك عذره وصفح عنه، ثم أصدر أمره بتعيينه ملكا في مكان "Uaite'" الذي كان مشغولًا بغزو حدود الشام وفلسطين الشرقية المتاخمة للصحراء أي حدود أرض "أمورو" "Amurru" على رأي بعض العلماء ٣, وذلك بعد

стр. 642

هزيمة "Uaite'" وتغلب الآشوريين عليه في حوالي سنة "٦٤٨ق. م."١. وقد وافق "أب يتئ" "Abjate'" أن يدفع جزية إلى الآشوريين، تتألف من ذهب وأحجار كريمة وجمال وحمير٢. ولم يتمكن "Uaite'" من الثبات طويلًا والاستمرار على مهاجمة الآشوريين، إذ كلف الملك "آشور بانبال" حرس الحدود والقوات الآشورية التي كانت هناك مهاجمة أتباعه، ومعاقبة "Uaite'" الذي نسي الجميل، وخاس بعهده على حد قول "آشور بانبال"٣. وبعد مصادمات ومعارك وقعت بالقرب من "أزريلو" "٤Azarilu", و"خير أتكاسي" "khiratakasi" و"أدومة" "Udume" في ممر "يبردو" "Jabrudu", في "بيت أماني" "بيت عماني" "Bit Ammani" في منطقة "خوينه" "Khaurina" و"موابه" "Mu'aba" و"ساري" "Sa'ari" و"خرجه" "Kharge" و"صويبتي" "Subiti"، اضطر أتباع "أويتي" "Uaite'" إلى الرجوع إلى البادية للاحتماء بها, ويظهر أنهم أصيبوا في أثناء ذلك بخسائر فادحة. وقد أكره "أويتئ" بعد هذه الخسائر على الالتجاء إلى الملك "نتنو" "Natnu" ملك "نبيتي" "نبيطي" "Nabaitai" "Nabaiti" تاركًا زوجته بين أتباعه من قبيلة "قيدار"٥ "Qidri" "kedar. ولما هاجم "أمولاني" "عمولاطي" "أمولاطي" "Ammulati" ملك قبيلة "قيدار" "قيدري" أرض مملكة "مؤاب" "Moab" أصيبت جيوشه بخسارة كبيرة، وسقط أسيرًا, ومعه "أديا" "عادية" "عدية" "Adija" زوجة "Uaite'" ملك "أريبي" في أيدي الملك "Kamashkalta" "Kamaskhalta" ملك مؤاب "٦٤٨ ق. م", فأرسلا أسيرين إلى نينوى

стр. 643

حيث سلما إلى "آشور بانبال"١. وكان "Ammulati" قد ساعد "شمش، شوم، أوكن" في ثورته على أخيه، وهاجم أرض المغرب "أمورو" "Ammurru"؛ لذلك سر "آشور بانبال" بهذا الانتصار الذي أحرزه "مؤاب". وقد رسم منظر غلب "آشور بانبال" وأسر "Ammulati" و"Adija" على جدار إحدى غرف قصر الملك "آشور بانبال"٢. لقد أثرت الانتصارات التي أحرزتها جيوش "آشور" في نفس "نتنو" "ناتنو" "Natnu" ملك "Nabaiti"؛ فأخذ يتقرب إلى "آشور بانبال"، ومن جملة ما فعله في التقرب إليه أنه أرسل "Uaite'" -الذي كان قد التجأ إليه- إلى نينوى حيث سلم إلى الملك الذي أمر بوضعه في قفص؛ ليعرض على الناس عند أحد أبواب المدينة٣. وذكر "آشور بانبال" في كتابته أن منازل "Nabaiti" قبيلة "Natnu" بعيدة، ولم يسبق لها أن أرسلت رسلًا إلى بلاط أحد من أجداده وآبائه في نينوى من قبل، وأن هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها من هذه القبيلة رسول٤. وقد وصف "آشور بنبال" موقف الأعراب وصفًا مؤثرًا بهذه الكلمات: "اشتدت عليهم وطأة الجوع. ولكي يسدوا رمقهم، أكلوا لحوم صغارهم ... وقد سأل أهل العربية بعضهم بعضًا: ما بال بلاد العرب قد أحدق بها هذا الشر؟ فكان الجواب: تلك عاقبة من ينكث العهد، ويخرق المواثيق التي قطعناها لآشور"٥. وذكر "آشور بانبال" أنه عامل "Uaite'" على هذه الصورة، وذلك في عباراته التي أمر بتدوينها في النص: "حبسته في مربط الكلاب، وضعته مع بنات آوى والكلاب، وأقمته على حراسة الباب في نينوى"٦.

стр. 644

ووصف حملته على الأعراب ومطاردته لهم بهذه الكلمات: "في رمضاء البادية وقيظها، حيث لا ترى طيور السماء وحيث لا يرى حمار الوحش ولا الغزال"١؛ وذلك من شدة جدب البادية، وعدم احتمالها الأحياء. لم تنفع الشدة التي استعملها الآشوريون في القضاء على مقاومة الأعراب شيئًا. فما كاد "آشور بانبال" يشغل نفسه بقتال ملك "عيلام" وحربه في عام "٦٤٠-٦٤١ ق. م." حتى ثارت القبائل العربية على آشور بزعامة "أبيتأ" "أبي يثع" "Abijate'" بن "تاري" "Te'ri" الذي تحدثت عنه سابقًا، و"أويتئ" "Uaite'" الثاني، وهو ابن "بير دادا" "Bir Dadda", وأخذت تتحرش ثانية بحدود المقاطعات الآشورية المتصلة بالبادية. ولما أرسل الآشوريون جيوشًا قوية لصد هذه الهجمات، طلبت قبيلة "قيدري" "قيدار" مساعدة "نتنو" ملك "نبتي" "Nabaiti"؛ فلبى الطلب وتحالف معهم، وأخذوا يهاجمون الحدود ومعهم قبيلتا "يسمع" يسمأ" "Isamme'" و"عثتر سمين" "Atarsamain". غير أن الجيوش الآشورية تمكنت -مع ذلك كما تدعي كتاباتهم- من الانتصار على "قيدار" وعلى حلفائهم؛ فانتصرت على "Isamme'" وعلى "Atarsamain" و"Nabaiti" في موضع في البادية بين "ياركي" "يركي" "Jarki" "أرك" شرق تدمر٢، و"أزلة"٣ "Azalla"، وشتتت شملهم. ثم انتصرت في معركة أخرى على "Atarsamain" على "قيدار" وقعت عند "Qurasiti"، وغنمت فيها غنائم كبيرة من الحمير والجمال والأغنام، كما أسرت أصنام "Uaite'" وأمه وزوجته وعددًا كبيرًا من أتباعه٤, وأخذوا إلى دمشق، وأسر "أبي يثأ" "Abjate'" وشقيقه "أيمو" "Aimnu" في المعركة التي وقعت عند "خوكريتا"٥ "Khukkurina" "Khukruna".

стр. 645

أما الملك "Uaite'"، فقد اعتصم مع عدد من أتباعه بالصحراء، غير أن الأمراض والأوبئة التي انتشرت بين أتباعه أكرهته على الذهاب إلى الآشوريين الذين نقلوه إلى نينوي، وعرضوه أمام الملك. وقد عُوقب عقًابا قاسيًا، وعُذِّب عذابًا شديدًا، ثم عفا عنه الملك بعد ذلك غير أنه لم يسمح له بالعودة إلى البادية، حيث أهله وأتباعه ومنازله، ولعله مات في نينوى١. لقد وردت في أخبار حملات الآشوريين على العرب، أسماء مواضع منها ما يمكن التعرف عليه، ومنها ما ليس في الإمكان تشخيصه الآن، وقد تحدثت عن بعضها. ويرى بعض العلماء أن موضع "أزريلو" "Azarilu" المذكور في أخبار انتصارات "آشور بانبال" على العرب، هو موضع يقع في بادية الشام٢. وأما لفظة "أدومة" "Udume" فيرى "موسل" أنها تعني "إدوم" "Edom" أرض "الأدوميين" من ذرية "عيسو بن إسحاق" على رواية التوراة, وهم شعب استوطن في الأصل جبل "سعير"٣، ثم توسع فسكن في منطقة شملت كل تخوم كنعان الجنوبية من البحر الميت إلى الخليج الشرقي للبحر الأحمر، ومن ضمنها جبل "سعير"٤. وقد كان الأدوميون من أعداء العبرانيين. ولما زاحم النبط الأدوميين على أرضهم، زحفوا نحو الشمال فسكنوا في "اليهودية" "judah"، وتوسعوا حتى تجاوزوا شمال "حبرون"؛ ولذلك دعيت هذه المنطقة باسم "الأدومية"٥ "Idumaea". وذكر المؤرخ اليهودي "يوسفوس" أن من أصنامهم صنمًا يدعى٦ "Koze"، ويذكرنا اسم هذا الصنم باسم الصنم "قزاح"، وهو صنم كان يعبد على مقربة من مكة٧.

стр. 646

عليهم. كانوا يأتون إليهم بخيامهم "كالجراد في الكثرة، وليس لهم ولجمالهم عدد" حتى ذل الإسرائيليون١. وأصل المدينيين من جزيرة العرب، استقروا بأرض "مدين" جاءوا إليها من الحجاز، وأخذوا يغزون العبرانيين، ومنها هذه الغزوات التي يرجع بعض الباحثين تأريخها إلى النصف الأول من القرن الحادي عشر قبل الميلاد٢. أما العمالقة وبنو المشرق، فإنهم مثل المدينيين من قبائل العرب.

стр. 647

العرب والآشوريون: إن أول إشارة إلى العرب في الكتابات الآشورية، هي الإشارة التي وردت في كتابات الملك "شلمنصر الثالث" "شلمناصر" ملك آشور١. فقد كان هذا الملك أول من أشار إلى العرب في نص من النصوص التأريخية التي وصلت إلينا، إذ سجل نصرًا حربيًّا تم له في السنة السادسة من حكمه على حلف تألف ضده، عقده ملك "دمشق" وعدد من الملوك الإرميين الذين كانوا يحكمون المدن السورية وملك إسرائيل ورئيس قبيلة عربي اسمه "جندب", وقد كان هذا النصر في سنة "٨٥٣" أو "٨٥٤ ق. م"٢. وقد قصد "شلمنصر" بلفظة "عرب "الأعراب، أي: البدو، كما شرحت ذلك في الفصل الأول. أما العرب الحضر, أهل المدر, أي: المستقرون، فقد كانوا يدعون كما ذكرت ذلك أيضا بأسماء الأماكن التي يقيمون فيها أو التسميات التي اشتهروا بها؛ ذلك لأن لفظة "العرب" لم تكن قد صارت علمًا على جنس، من بدو ومن حضر، بالمعنى المفهوم من اللفظة عندنا. ولم يكن هذا الاستعمال مقتصرًا على الآشوريين

стр. 648

عددها على تسع للانتقام من الأعراب الذين كانوا قد تعودوا التحرش بهم، ومضايقتهم عند اجتياز البوادي، ومهاجمة قوافلهم وحدود إمبراطوريتهم، تحرضهم بابل في بعض الأحيان، أو حكومة مصر، أو يدفعهم إلى ذلك أملهم في الحصول على غنائم يتعيشون منها. وقد أزعجت هذه التحرشات الآشوريين كثيرًا وأغضبتهم، يتجلى غضبهم هذا فيما دونوه عنهم, وفي الصور التي رسموها للعرب في قصورهم، فصوروهم يقبلون أرجل ملوك "نينوى" ليرضوا عنهم، مقدمين إليهم الهدايا فيها الذهب والحجارة الكريمة وأنواع الطيب والكحل واللبان والجمال, وصوروا الآشوريين وهم يحرقون خيام الأعراب وهم نيام، وصوروا عساكرهم يقاتلون الأعراب ويطاردونهم وهم على ظهور خيولهم المطهمة, أما العرب، فإنهم على ظهور الجمال لا يستطيعون الإفلات من الآشوريين١. وترجع هذه الصور إلى أيام "آشور بانبال"، حيث عثر عليها في قصره بـ"نينوى". وقد صور العرب ولهم لحى وقد تدلى شعر رءوسهم على أكتافهم ضفائر، وشد أحيانا بخيط, وأما الشوارب، فإنها محفوفة في الغالب. وقد صور العرب وهم يركبون الجمال عراةً في بعض الأحيان، أو تمنطقوا بمنطقة ثخينة, أو ائتزروا إزارًا يمتد من البطن إلى الركبتين٢. ولا تصور هذه الصور كل الأعراب بالضرورة, بل هي تمثل أولئك الذين تحاربوا مع الآشوريين. لقد أقام الآشوريون لهم مسالح في أقاصي الأماكن التي بلغ نفوذهم الحربي والسياسي إليها، كما أقاموا حصونًا في مفارق الطرق المؤدية إلى البادية؛ وذلك لحماية حدودهم من غزو أبناء البادية. كما وضعوا مراقبين آشوريين، أو مندوبين سياسيين في مواطن سكن سادات القبائل؛ وذلك لمراقبة حركات القبائل وإخبار حكوماتهم بنوايا وبأعمال ساداتها, وللتأثير على أولئك السادات لحملهم على تنفيذ ما يريده ملوك آشور, وهي خطة قلدها من جاء بعد الآشوريين من أجانب. ولم يكن الآشوريون هم أول من ابتدع هذه السياسة، فلا بد وأن يكون من سبقهم قد سار على هذا الدرب، ومهد أرضه للآشوريين ولمن جاء بعد الآشوريين من حكام.

стр. 649

الفصل الخامس عشر: صلة العرب بالكلدانيين والفرس لا نعلم شيئًا كثيرًا عن صلات العرب بالكلدانيين، فلم تصل إلينا كتابات منهم تفصح عن علاقتهم بالعرب. غير أن سكوت هذه الكتابات وعدم وصولها إلينا، لا يمكن أن يكون سببًا يحملنا على التفكير في عدم قيام صلات بين العرب والكلدانيين؛ فقد رأينا فيما مضى أنهم ساعدوا أهل بابل في نزاعهم مع آشور، ثم إن العرب كانوا يجاورون البابليين منذ القديم، وهذه المجاورة القديمة في حد ذاتها واسطة طبيعية لتكوين الاتصال المباشر بين العرب والكلدانيين. وقد تحدث الأخباريون عن غزو "بخت نصر" "بختنصر" "٦٠٤-٥٦١ ق. م." للعرب في أيام "معد بن عدنان"، ووصوله إلى موضع "ذات عرق"، كما تحدثت عن ذلك في فصل "طبقات العرب"، وقد قلت: إن رواته أخذوا مادته من أهل الكتاب، وأضافوا إليه مادة جديدة أنتجها ابتداعهم له، فصار نسيجًا جديدًا هو المدون في الكتب١, وهو حديث لا قيمة تأريخية له؛ ولذلك لا يمكن الاطمئنان إليه والأخذ به. وقد قص علينا الأخباريون ألوانًا كثيرة من هذا القصص الذي بان لونه وعرف أصله في القرن العشرين. وأنا لا أريد أن أستبعد احتمال قتال "بخت نصر" مع القبائل العربية، فذلك

стр. 650

ممكن جدا، ولا سيما أن بابل مجاورة للعرب، وأن توسع هذا الملك ودخوله فلسطين جعل البابليين يتصلون اتصالًا مباشرًا بالأعراب، فلا بد أن يكون "بخت نصر" قد احتك بالعرب واتصل بهم, وقد يكون حاربهم وأوقع خسائر بهم؛ لتحرشهم بجيوشه وبحدود إمبراطوريته التي شملت البادية الواسعة الفاصلة بين العراق وبلاد الشام١. ولكن الذي نتوقف عنده وننظر إليه بحذر، هو هذا الطابع المعروف عن الأخباريين، الذي يروون به كيفية غزو ذلك الملك لـ"معد بن عدنان". وقد يكون "بخت نصر" قد بلغ موضع "ذات عرق" وقد يكون بلغ موضعًا آخر أبعد منه، إلا أن الذي أراه أن استيلاء البابليين على الأماكن التي احتلوها من جزيرة العرب إن وقع فعلًا، فإنه لم يدم طويلًا؛ فقد كانت فتوحات الفاتحين لجزيرة العرب كالسيول، تأتي جارفة عارمة، تكتسح كل شيء تجده أمامها، ثم لا تلبث أن تزول وتختفي آثارها بعد مدة قصيرة؛ لأسباب منها بُعد طرق المواصلات عن عواصم الغازين الفاتحين وعدم وجود مواد غذائية كافية في البلاد المفتوحة لإعاشة جيش كبير، ليستطيع ضبط القبائل والمحافظة على الأمن، ومهاجمة القبائل للقوافل التي ترد لتموين الحاميات وللحاميات نفسها، وعدم تمكن الفاتح من وضع جيش كبير جاهز في كل لحظة للقتال ليصد غارات القبائل التي تؤلف غالبية سكان جزيرة العرب في ذلك العهد. ثم إن القسم الأكبر من الذين قاتلوا وفتحوا, أناس مرتزقة سِيقوا إلى القتال سَوْقًا، خوفًا أو طمعًا، وقبائل اشترى الفاتحون ساداتها بإطماعهم في مغانم يجنونها أو لدوافع حقد قبليّ، ومن عادة سادات القبائل أنهم مع الفاتح ما دام قويا سخيا يبذل لهم بكل سخاء، فإذا ضعف أو أمسك أو دارت الدنيا عليه، كانوا هم أول من ينقلب عليه؛ ولذلك صارت أمثال هذه الفتوحات غارات انتقامية سريعة، لا يلجأ إليها إلا بعد تفكير وإعداد خطط ووجود ضرورات ملحة تستوجب إرسال مثل هذه الحملات. ويرى بعض علماء التوراة والبابليات ما جاء في كتاب "دانيال" الذي كتب بعد أيام "بخت نصر" من نبوءة ومن رسالة أرسلها النبي إلى ذلك الملك، ومن

стр. 651

فتوحات في بلاد العرب، هو من وضع كاتب تلك الرسالة، وضعه ليثبت نبوءته، وأن ذلك الكاتب أخذ فتوحات "نبونيد" فنسبها إلى "بخت نصر"١. أما أنا، فلا أريد أن أثبت فتوحات "بخت نصر" ولا أريد أن أنفيها في هذا العهد، فوصول "بخت نصر" إلى الحجاز أمر ممكن، وسوف نرى أن "نبونيد" قد وصل إلى مدينة "يثرب"، فليس بمستبعد وصول "بخت نصر" إلى الحجاز، بعد أن استولى جيشه على فلسطين، وصار في إمكانه الزحف نحو الجنوب، ولكن الذي أراه الآن هو التريث، فلعل الزمن يجود علينا بنصوص قد تتحدث عن حروب وفتوح أمر بها هذا الملك في بلاد العرب. وكتاب "دانيال"، وإن كُتب على شكل نبوءة، لا يستبعد أن يكون قد استمد خبر النبوءة من وثيقة أو خبر شائع، فصاغه في شكل نبوءة؛ ليثبت نبوءته لبني إسرائيل. وقد أخبرتنا الكتابات البابلية أن "بختنصر" "Nebuchadrezzar" أرسل في شهر "كسلو" "Kislev" "Kislew" من السنة السادسة من ملكه المقابلة لسنة "٥٩٩ ق. م." حملة على العرب الساكنين في البادية، نهبت أملاكهم وما عندهم من مواشٍ، وسرقت آلهتهم ثم عادت٢. ولم يذكر النص البابلي اسم البادية التي هاجمها الجيش البابلي ولا اسم القبائل التي هاجمها، ولم يذكر أيضا اسم المواضع التي تحرك منها الجيش لمهاجمة العرب. ويرى الباحثون احتمال مهاجمة البابليين للعرب من "حماة" "Hamath" أو "ربلة" "Riblah"، أو "قادش" "Kadesh"، فتوغل جيش "بختنصر" في البادية، ثم عاد حاملًا معه ما ذكر في النص من أسلاب ومن مواشٍ وآلهة العرب أي: الأصنام. وكانت غاية البابليين من أسر الأصنام وأخذها، هو إكراه القبائل على الاستسلام والخضوع لهم؛ لما للأغنام من أثر كبير في نفوسها، وقد رأينا أن ملوك الآشوريين مثل: "سرجون" و"سنحريب" و"أسرحدون" كانوا قد أسروا أصنام العرب وأخذوها معهم إلى آشور وكتبوا عليها شهادة الأسر والوقوع في أيدي الآشوريين؛ ليؤثروا بذلك نفسيًّا في نفوس أتباعها وعبَّادها

стр. 652

ويكرهوهم على الخضوع لهم وعلى مساومة الآشوريين لاستردادها في مقابل الاستسلام لهم وتأييد سياستهم وعدم التحرش بهم, ولم يذكر النص البابلي أسماء تلك الآلهة. وكانت غاية "بختنصر" من إرسال حملته هذه على العرب، هو حماية حدود "حماة" وبقية مشارف فلسطين وبلاد الشام من الأعراب وإخضاعهم لحكمه، ثم تأديب بعض القبائل التي تحرشت به على ما يظهر حين دخوله بلاد الشام وفي جملة ذلك فلسطين. واستنادًا إلى ما جاء في "سفر إرميا" نستطيع أن نقول: إن "قيدار" كانوا على رأس القبائل العربية البارزة التي غزاها جيش "بختنصر" وكذلك "بنو المشرق" "أبناء المشرق" و"ممالك حاصور". ونظرًا لوجود تشابه كبير بين الرواية البابلية عن حملة "بختنصر" على العرب وبين ما جاء في "سفر إرميا"١، أرى أن مدون السفر قد أخذ خبره هذا الذي صيَّره نبوءة من موارد بابلية ثم كيَّفه على النحو المذكور. ولدينا خبر رواه لنا "إكسينوفون" "Xenophon"، يفيد أن "بختنصر" لما حمل على مصر أخضع "ملك العربية". وقد قصد بذلك حملته على مصر سنة "٥٦٧" قبل الميلاد٢. والخبر التأريخي الثاني الذي وصل إلينا عن صلات البابليين المتأخرين بالعرب، هو ما ورد عن الملك "نبونيد" "Nabonid" "Nabonidus" "٥٥٥-٥٣٨ ق. م." "٥٥٦-٥٣٩ ق. م." من اتخاذه "تيماء" مقرًّا له. ففي السنة الثالثة من حكمه جرد حملة على "أدومو" "Adumu" "Adummu" أي "دومة" "دومة الجندل"، وسار منها إلى "تيماء" سالكًا طريقًا لم تعرف في الزمن الغابر على رأس جيشه، جيش أرض "أكد" "أكاد". فلما وصل إليها، أعمل فيها السيف، وقتل أميرها وأهلها, والظاهر أن ذلك بسبب مقاومتهم له وعنادهم في الدفاع عن مدينتهم، ثم طاب له أن يستقر بها، فابتنى بها قصرًا ضخمًا له جعلوه كالقصر الذي في بابل، وحلت "تيماء" محل

стр. 653

بابل، أي صارت عاصمة لملك البابليين١. ويرى العلماء أن حملة "نبونيد" على "دومة الجندل" "أدومو" "Adummu" و"تيماء" "Tema" كانت في سنة "٥٥٢ ق. م."٢. وقد جاء إليهما سالكًا الطريق البرية المؤدية من بلاد الشام إلى شرقي الأردن، الطريق التي يسلكها حجاج بلاد الشام في الإسلام إلى مكة, وبعد أن قضى على حكام المدينتين استقر في "تيماء" ومعه حرسه البابليون. ويظهر من إشارته في نصه المدون عن أخبار فتوحاته أنه سلك في وصوله إلى "تيماء" سبيلًا لم يسلكها الأقدمون من قبل، ومن إشارته إلى قتله "ملك تيماء" وسكان المدينة أن المدينة في أيامه كانت مستقلة، يحكمها ملك من أهلها، وأن البابليين لم يكونوا قد حكموها قبله٣. وقد أقام "نبونيد" سنين في عاصمته الجديدة, أما ابنه "بلشاصر" "بلشصر" "بلشسر" "Belsharrusur" "Belsazar"، فكان بـ"بابل" مع الجنود البابليين. ويظهر أنه أقام بهذه المدينة حتى السنة الحادية عشرة من حكمه، وربما أقام بها أكثر من ذلك قليلًا، حتى اضطر إلى تركها والعودة إلى بابل, بظهور الفرس الذين هددوا البابليين، ووسعوا ملكهم، وصاروا على مقربة من بابل. فقد تغلب "كيرش" "كورش"٤ "cyrus" على العربية وأدخلها في جملة أملاكه، وعين عليها مقيمًا سياسيًّا فارسيًّا "ستراب" "satrap"، ويظهر أن حملته هذه على العربية كانت حوالي سنة "٥٤٠-٥٣٩ ق. م."، وأن "نبونيد" كان قد ترك "تيماء" وجاء إلى بابل قبل تغلب "كيرش" على العربية٥. وقد يتساءل المرء عن الأسباب التي حملت "نبونيد" على ترك بابل والالتجاء هذه السنين إلى "تيماء": أهي شئون سياسية خطيرة حملته على السكنى في هذه

стр. 654

المدينة البعيدة عن عاصمته القديمة، أم هي عوامل عسكرية, أو اقتصادية, أو بواعث شخصية لا تتعلق بهذه ولا بتلك؟ أما إجابات المؤرخين، فهي مختلفة ومتنوعة. منهم من رأى أن لتيماء أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية لوقوعها في ملتقى طرق تجارية عالمية بالنسبة إلى ذلك العهد، والاستيلاء عليها والبقاء فيها معناه كسب عظيم, وربح كبير بالنسبة إلى عالم السياسة في ذلك اليوم. ومنهم من رأى أن ذلك كان لأثر مزاج الملك وطبيعته ورغبته في التخلص من أمراض بابل؛ بسكناه في محل جاف مرتفع زهاء "٣٤٠٠" قدم عن سطح البحر. وتيماء مركز مهم، ذكر كما رأينا في نصوص الآشوريين، وهو من الأماكن القديمة المذكورة في التوراة، وهو فيها كناية عن أحد أبناء إسماعيل، مما يدل على أنه كان من المواطن الإسماعيلية، ويقع على مسافة "٢٠٠" ميل إلى الجنوب الشرقي من رأس خليج العقبة، وبمثل هذه المسافة إلى الشمال من المدينة، وعلى بعد "٦٥" ميلًا من شمالي العلا. وبها عين غزيرة المياه، هي التي بعثت الحياة في هذا المكان, وتعد أشهر عين ماء في جزيرة العرب١، تستعمل للسقي، ولإرواء المزارع التي تنبت مختلف الفواكه والتمور والحبوب. وهواؤها صحي جيد، ولا تزال مأهولة، فهي في الزمن الحاضر كناية عن قرية يزيد عدد سكانها على الألفين، يسكنون في بيوت من طين وفي أكواخ٢. وعلى مقربة من "تيماء" خربة فيها أحجار ضخمة مربعة، وبقايا عمران قديم, يظن بعض العلماء أنها موضع معبد عتيق. ويرى بعض من زارها أنها كانت مدينة لا تقل ضخامةً عن "الحجر" وعن المدن الأخرى التي ترى آثارها في العربية النبطية حتى الآن. ولم تفحص هذه الخربة التي يسميها الناس "توما" "Tuma" فحصا علميا٣. وقد يعثر فيها على كتابات آشورية وبابلية ويونانية وإرمية وعربية ترينا أثر الاتصال الثقافي الذي كان في هذه المواضع التي تعد ملتقى القوافل والتجار والثقافات.

стр. 655

وقد عثر في هذه الخربة على حجر مكتوب بلغة بني إرم، يرجع تأريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ورد فيه أن أحد الكهان استورد صنمًا جديدًا إلى تيماء، وبنى له معبدًا، وعين له كهانًا توارثوا خدمة "صلم هجم", و"صلم" بمعنى صنم. وقد مثل صنم "هجم" في زي آشوري، وظهر في أسفل الرسم رسم الكاهن الذي شيد ذلك النصب, وقد نشرت ترجمة الكتابة الإرمية. ويرى "سدني سمث" أن تأريخها يرجع إلى أيام "نبونيد"، فلعله صنع في ذلك الزمن بتأثير البابليين١. ولطول إقامة "نيونيد" في "تيماء" لا يستبعد أن يجيء يوم قد يعثر فيه على كتابات أو آثار أخرى ترجع إلى هذا الملك. فلا يعقل أن تذهب ذكريات أيامه كلها من هذه المدينة، وينطمس أثر قصره عنها، ذلك القصر الذي بالغ الملك في وصفه وأراد أن يجعله في مستوى قصور بابل. وقد يعثر فيها على مراسلاته مع مدينته بابل ومع الحكومات الأجنبية التي كانت في أيامه ومع الأعراب. وإذا حدث ذلك، فقد نجد شيئًا جديدًا لا نعرفه عن أيام تيماء في عهد نبونيد. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "تيماء" التي استقر بها "نبونيد" هي تيماء أخرى تقع في العروض على ساحل الخليج، وحجتهم في ذلك أن المسافة بين تيماء الحجاز وبابل كبيرة واسعة، تجعل من الصعب تصور إقامة "نبونيد" في هذا المكان. أما العروض فإنه على اتصال ببابل، ولا يفصل بينهما حاجز أو فاصل أو عائق؛ ولهذا ذهبوا إلى احتمال وقوع "تيماء" في العروض٢، كما ذهب بعض آخر إلى احتمال كون "تيماء" "تيمان" المذكورة في التوراة٣. وهي أرض "أبناء الشرق"٤، وملتقى طرق القوافل القادمة من بلاد الشام ومصر والعراق والجنوب٥, غير أن الباحثين في هذا اليوم متأكدون من أن "تيماء"

стр. 656

"نبونيد" هي "تيماء" الحجاز، في المملكة العربية السعودية. فقد عثر في "حرَّان" على كتابة مهمة جدًّا في بحثنا هذا، دَوَّنها الملك "نبونيد"، عثر عليها في سنة "١٩٥٦م"، وكانت مدفونة في خرائب جامع حران الكبير، وترجمت إلى الإنجليزية، وإذا بها تتحدث عن تأريخ أعمال ذلك الملك. ومما جاء فيها: أنه لما ترك "بابل" وجاء إلى "تيماء"، أخضع أهلها، ثم ذهب إلى "ددانو" "ديدان" و"بداكو" و"خبرا" و"إيديخو" حتى بلغ "أتريبو"١. ثم تحدث بعد ذلك عن عقده صلحًا مع "مصر" و"ميديا" "ما، دا، ا، ا" "مادا ا" "Ma-da-a-a" "Medes" ومع "العرب" "مات ا، را، بي، أو"٢ "Mat A-ra-bi-u". وقد ختم العمود الذي جاء فيه هذا الخبر بأسطر تهشمت جمل منها؛ يفهم من مآلها أن العرب المذكورين أرسلوا إليه رسلا، عرضوا عليه عقد صلح معه، واستسلامهم له، فوافق على ذلك بعد أن كبَّدهم جيشه خسائر فادحة، وأسر منهم ونهب, ولم تذكر تلك الأسطر المواضع التي حارب فيها جيش "نبونيد" أولئك الأعراب٣. وقد يفهم من هذه السطور الأخيرة أيضا أن بعض هؤلاء العرب هاجموا البابليين، ونهبوا المناطق الخاضعة لهم بالرغم من عقدهم الصلح معه، وموافقتهم على أن يسالموه، وهذا ما دعاه إلى إرسال حملات تأديبية عليهم، أنزلت بهم خسائر فادحة٤. ولم يكن نص "نبونيد" معروفًا بين العلماء يوم اختلفوا في تعيين موضع "تيماء", أما اليوم وقد نشر النص وترجم ترجمة دقيقة صحيحة، وعرفنا منه "فدك" و"خيبر" "ويثرب"، وهي مواضع معروفة مشهورة حتى اليوم وتذكر مع "خيبر"، فقد أجمع العلماء على أن "تيماء "نبونيد" هي "تيماء" الحجاز من دون أي شك، وأن موضع إقامة ملك بابل وقصره

стр. 657

كان في هذا المكان من الحجاز. ولما كان استيلاء "بنونيد" على "تيماء" في حدود سنة "٥٥١-٥٥٢ ق. م." وجب أن يكون زحفه على الأماكن المذكورة بعد ذلك. والظاهر أن الذي حمله على التوغل في الجنوب, رغبته في السيطرة على أخطر طريق برية للتجارة، تربط بلاد الشام بالعربية الجنوبية، وهي طريق قديمة مسلوكة، تسلكها القوافل التجارية المحملة بأنفس التجارات المطلوبة في ذلك العهد، ثم السيطرة على البحر الأحمر, وذلك بالاستيلاء على الحجاز وعسير واليمن وربما على العربية الجنوبية كلها؛ ولو تم له ذلك، لكان ملكه قد بلغ المحيط الهندي. ومن يدري, فلعل اختياره "تيماء" مقرا له، وتجوله في الأرضين الواقعة بينها وبين "يثرب" كان لهذا السبب، أي: لتنفيذ تلك الفكرة الخطيرة، فكرة السيطرة على جزيرة العرب وبلوغ المياه الدافئة للوصول إلى إفريقية والهند والعربية الجنوبية, إلا أن فكرته هذه لم تتحقق كما يتبين من النص، فكان أقصى ما وصل إليه "يثرب"، ثم توقف عند ذلك المكان. ويرى بعض الباحثين الذين درسوا كتابة "حران" هذه أن الصلح الذي أشار إليه الملك يجب أن يكون قد عقد في حوالي سنة "٥٤٨ ق. م." في مدينة "تيماء" عاصمة الملك الجديدة، وأن الصلح الذي عقد مع الأعراب قد وقع في "تيماء" أيضا, وأن الهجمات التي هاجم بها بعض الأعراب البابليين وقعت إبان وجوده في هذه العاصمة وقبل رحيله عنها إلى "بابل"، ولكن من هم العرب الذين عقدوا الصلح مع "نبونيد"؟ ومن هم العرب الذين هاجموا جيشه والأرضون التي خضعت له؟ إن النص لم يشر إليهم، ولم يتحدث عنهم، وهم بالطبع قبائل عديدة, قد يكون منها قبائل سالمت البابليين وحالفتهم، ومنها قبائل عارضتهم وكرهتهم. ثم إن بين القبائل منافسةً وأحقادًا وحسدًا، فإذا حالفت قبائل حكومة ما، حسدتها القبائل المنافسة، فهاجمتها وهاجمت الحكومة التي عقدت معها الحلف؛ لإثبات نفسها، ولإظهار وجودها, ولأخذ الزعامة منها، وهذا داء القبائل منذ كان النظام القبلي. والذي أراه أن الحجاز لم يكن آنذاك تحت حكومة واحدة يرأسها ملك واحد، وإنما كان على نحو ما كان عليه عند ظهور الإسلام، حكومات قرى ومدن وقبائل. ويؤيد ذلك ما جاء في النص البابلي عن "تيماء" أن "نبونيد"، "قتل

стр. 658

بالسلاح ملك تيماء" "ملكو"١. ومعنى هذا أنها كانت في حكم حاكم يلقب نفسه بألقاب الملوك. ولا أستبعد أن يكون حال "ديدان" و"خيبر" و"فدك" و"يديع" و"يثرب" مثل حال هذه المدينة، أي: عليها حكام يلقبون أنفسهم بألقاب الملوك, ولا أستبعد أيضًا أن يكون حالها أو حال بعضها على نحو حال هذه المدن يوم ظهور الإسلام, أي: تحت حكم سادات المدينة والأشراف يشتركون معًا في الحكم, ويتشاورون فيما بينهم عندما يحدث حادث ما في مدينتهم أو قريتهم في أمور السلم, وفي أمور الحرب. ووضع سياسي على هذا النحو لا يمكن أن يقاوم جيشًا لجبًا قويًّا عارمًا كجيش بابل المدرب على القتال، والذي يعيش على الحروب؛ ولذلك انهار بسرعة وسلم أمره إلى البابليين. ومن هنا نشتم من نص "نبونيد" رائحة الاستخفاف بأسلحة "العرب"، أي: الأعراب سَكَنَة هذه المواضع، وبأسلحة تلك المدن التي استسلمت له. وكل ما فعله الأعراب أنهم تراجعوا إلى البوادي، وصاروا يشنون منها غارات على البابليين؛ ليأخذوا منهم ما يجدونه أمامهم، فإذا تعقبهم البابليون عادوا إلى معاقلهم وحصونهم: الصحراء. وقد عثر على كتابة ثمودية وردت فيها جملة: "رمح ملك بابل"، وعلى كتابة ثمودية أخرى جاء فيها: "حرب دون" "حرب ديدان"٢. وقد فسر العلماء الجملتين المذكورتين بأنهما إشارة إلى الحرب التي نشبت بين البابليين وأهل ديدان في أيام "نبونيد"، وأن أهل تلك المناطق صاروا يؤرخون بها لأهميتها عندهم كحادث تأريخي٣. فالكتابتان إذًا تحددان وقت تلك الحرب، وتعينان مبدأ تقويم يؤرخ بموجبه عند أهل ثمود, غير أننا لم نتمكن من الوقوف على ذلك المبدأ من الكتابتين المذكورتين؛ لقصرهما ولعدم وجود مفتاح معهما يفتح لنا الباب لنصل منه إلى الموضع الذي حفظ فيه سر ذلك التأريخ. أما موضع "Da-da-nu" "دادانو"، فإنه "ديدان"، وهو موضع معروف مشهور، ورد ذكره في "العهد القديم"، وفي عدد من الكتابات٤,

стр. 659

وتحدثت عنه في مواضع من هذا الكتاب, فكان إذن في جملة الأرضين التي خضعت لحكم "نبونيد". وأما "Pa-dak-ku" "بداكو"، فهو موضع "فدك"، ولم يكن مشهورًا في الأخبار القديمة، وإنما اشتهر في أيام الرسول، إلا أن عدم اشتهاره لا يمكن أن يكون دليلًا على عدم وجوده في أيام "نبونيد"١. وربما لا يستبعد أن يعثر في خرائبه على آثار من عهد "نبونيد" وقبل عهده؛ إذ كان معروفًا قبل أيامه، بدليل ذكره في جملة المواضع التي استولى عليها هذا الملك. وأما "Hi-ib-ra-a" "خي، اب، را، ا" "خيبرا" فهو موضع "خيبر", وهو موضع معروف وقد كان من مواطن يهود في أيام النبي. وهو موضع "خيبر" الذي أرخ بحرب وقعت فيه في حوالي سنة "٥٦٨م" "بعد مفسد خيبر بعام"٢. وموضع "Ia-di-hu-u" "Iadihu"، وهو موضع "يديع"، ويقع بين "فدك" و"خيبر"، وقد ذكره "ياقوت الحموي" والهمداني٣. وأما "Iatribu" "إيتريبو"، فهو موضع "يثرب" أي المدينة. وقد ذكر في جغرافية "بطلميوس"، فيكون نص "حران" إذًا أقدم نص ذكر اسم هذا المكان. و"يثرب" إذن آخر موضع استولى عليه البابليون في الحجاز وألحقوه بمملكتهم مملكة بابل؛ لسكوت النص عن ذكر مواضع أخرى تقع في جنوبها, ولو كانوا قد تجاوزوها لذكروا اسم الأماكن التي استولوا عليها من دون شك. وقد استطعنا بفضل هذا النص التأريخي الخطير من العثور على خبر "يثرب" في وثيقة تعود إلى ما قبل الميلاد بكثير، فعلمنا منه أنها كانت مدينة عامرة قديمة، وأنها كانت أقدم بكثير مما تصوره أهل الأخبار عن نشوئها، ثم استطعنا

стр. 660

أن نفهم أن العراقيين كانوا قد استولوا على منطقة مهمة من الحجاز في ذلك العهد، وأن بعد المسافات بين الحجاز والعربية الجنوبية لم يحل بين الآشوريين والبابليين من التوغل مسافات شاسعة في جزيرة العرب من طرفيها ومن اجتياز نجد أيضا، كما رأينا من وصولهم إلى جنوب البحرين على الخليج, وإلى سبأ وإلى يثرب في هذا العهد. وقد تنقل "نبونيد" مدة عشر سنوات في هذه المنطقة التي فتحها من الحجاز، في أرض يبلغ طولها حوالي "٢٥٠" ميلًا من "تيماء" إلى "يثرب" وحوالي "١٠٠" ميلٍ عرضًا، يراجع أهلها وينزل بين قبائلها، ويختلط بها، ثم يعود إلى عاصمته تيماء، حيث يسير منها أمور الدولة. ويظهر أنه تطبع من خلال إقامته هذه المدة بين العرب ببعض طباعهم، واقتبس بعض مصطلحاتهم حيث وردت في النص١. ويرى بعض من عالج هذا النص ودرسه أن الملك البابلي نقل معه خلقًا من العراق، وأسكنهم في هذه الأماكن الحجازية في المواضع المذكورة, وكان يأتي إليهم من تيماء؛ ليتفقد أحوالهم، وليرى بنفسه سبل الدفاع عنهم وحمايتهم من غارات الأعداء. ويرون أيضا أن في جملة ما جاء بهم إلى هذه الأماكن اليهود: يهود من بابل، ويهود من فلسطين، كما رأوا أن اليهود كانوا قد سكنوا هذه المواضع من قبل، وربما كان ذلك منذ جاء اليهود إلى فلسطين، فأقاموا بها إلى أيام النبي٢. ويظهر أن الملك "نبونيد" كان قد وضع خطة للهيمنة على الأرضين ولإلحاقها نهائيا ببابل، وذلك بإسكان أتباعه بها وإجبارهم على الإقامة فيها. وقد نفذ خطته هذه فعلًا، ووزع من كان قد جاء بهم معه على هذه المواضع, بأن انتزع الأملاك من أصحابها العرب وأعطاها للمستوطنين الجدد، وحماهم بجيش وضعه في كل مكان؛ لصد غارات الأعراب عليهم. ولتقوية معنوياتهم ولتثبيت قلوبهم في البقاء في هذه الأرضين الجديدة, صار يتفقد شئونهم بين الحين والحين ويزورهم, ولكن الخطة لم تنجح؛ لأن الظروف السياسية والعسكرية أكرهته

стр. 661

على العودة إلى بابل، فمات مشروعه مع عودته، فلم تُلحَق تلك الأرضون ببابل، غير أن أكثر المستوطنين الجدد بقوا في هذه الأماكن، وفي جملتهم اليهود الذين ازداد عددهم بمرور الأيام وكونوا مستعمرات يهودية وصلت "يثرب" في الجنوب. لقد ترك فتح "نبونيد" لهذه الأرضين من الحجاز وبقاء بعض من نقلهم إلى هذه المواضع فيها للاستيطان بها أثرًا كبيرًا من الناحية الثقافية والاقتصادية والحضارية، وهي نواحٍ لم تدرس حتى الآن، ولم يهتم بها أحد. ولكن وجود ألفاظ عراقية قديمة في لغة أهل "يثرب" والمناطق الأخرى التي تقع إلى الشمال منها، وخاصة في الزراعة، يدل دلالة واضحة على أثر العراق في أهل هذه المواضع، فقد يكون قسم منه من بقايا أثر أولئك العراقيين الذين نقلوا إلى هذه الأماكن، وقد يكون قسم منه من مؤثرات أخرى وقعت قبل هذا الحادث, قد يكون في أيام "بخت نصر" أو قبله، وقد يكون بعضه من مؤثرات حوادث وقعت بعد ذلك. وفي نسخة "قمران" الحاوية لبعض الإصحاحات من العهد القديم، وقد عثر عليها في نفس الوقت الذي عثر فيه على نص "حران" -أخبار قد تساعدنا في توضيح أسباب سوق "نبونيد" لليهود وأخذهم معه، وإرسائهم بهذه الأرضين الجديدة من أعالي الحجاز، إرساءً أقرهم فيها وأبقاهم حتى جاء الإسلام فأبعدهم عن الحجاز١. إننا لا نملك نصوصًا بابلية عن مدى بلوغ سلطان البابليين السياسي في جزيرة العرب وعن صلاتهم بالقبائل العربية؛ لذلك انحصر علمنا بعلاقة بابل بالعرب في الأمور التي ذكرتها. وقد عثر على نص في مدينة "عانة" يثبت وجود صلات تجارية بين بابل والبلاد العربية, كما يشير إلى أثر بابل في الحياة العربية٢. أما علاقات البابليين بأهل الخليج، فلا نعرف من أمرها شيئًا، فلم يرد في النصوص البابلية التي تتحدث عن هذه الحقبة شيءٌ ما عن الفتوحات البابلية في هذه الأرضين. وقد يعثر على شيء من الكتابات في المستقبل، تتحدث عن نوع

стр. 662

الصلات التي كانت بين حكومة "بابل" وأهل الخليج في هذا العهد. وكل ما نعرفه عن علاقة البابليين بالخليج، أن البابليين كانوا قد ضموا جزيرة "دلمون" أي: البحرين إلى أملاكهم، وعينوا عليها حاكمًا بابليًّا، وذلك بعد سنة "٦٠٠ ق. م." بقليل١. ومعارفنا بصلات العرب بالأخمينيين "Achaemenian" وبالبارثيين "الفرث" "Parthians" قليلة جدًّا. ويرى بعض المؤرخين أن العرب كانوا في أيام "الأخمينيين" قد تقدموا في زحفهم نحو الشمال، فدخلت قبائل منهم إلى العراق، ووسعت مساحة الأرضين التي كان العرب قد استوطنوها سابقًا، كما تقدموا في هذا العهد نحو الغرب، فتوسعوا في بلاد الشام وفي طور سيناء إلى شواطئ نهر النيل، حيث كانوا قد استوطنوها، وقد قاموا بخدمات كبيرة نحو ملوك الفرس في زحفهم على مصر٢. ولم يلاقِ العرب أية مقاومة كانت في أثناء حركاتهم وتنقلاتهم ودخولهم الأرضين التي كان الأخمينيون قد استولوا عليها، ولكن وجدوا أنفسهم في حرية تامة، لهم الحق في الذهاب إلى أي مكان شاءوا، وهذا مما مكنهم من الدخول إلى أرضين جديدة وإلى توسيع هجرتهم في الأرضين التي كان الأخمينيون قد بسطوا سلطانهم عليها٣. لقد ذكر "أكسنوفون" "Xenophon" العرب في جملة أتباع الملك "كيرش" "Cyrus" "Kyros" الثاني "٥٥٧-٥٢٩ ق. م." "٥٥٩-٥٢٩ ق. م."، وذكر أن هذا الملك عين واليًا عنه على "العربية" "Arabiai" "Arabioi" ويظهر من ورود لفظة "Arabiai" بعد "Kappadokia" أن المراد بها "الجزيرة", أي "Mesopotamia"، أو جزء منها. ويظهر من موضع آخر أن "العربية" هي المنطقة الواقعة في شرق "Araxes" أي: "الخابور"٤. وقد ورد في أخبار حملة "كيرش" على "بابل" أن جماعة من العرب

стр. 663

كانت تحارب معه١, وكانت تلك الجماعة من الأعراب الراكبين للجمال, وذلك في سنة "٥٣٩" قبل الميلاد٢. ويتبين من مراجعة الموارد اليونانية التي تعرضت لتأريخ وجغرافية العراق، أن اليونان أخذوا يطلقون لفظة "Arabioi" من هذا الوقت فما بعده بمعنى "العرب" و"عرب"، أي: علم لقوم وشعب على نحو ما كانوا يطلقون من أسماء على الشعوب الأخرى. وقد ذكروهم في جملة شعوب الجزيرة، أي "Mesopotamia". وقد أخذوا ذلك من "الأيونيين" "Ionien". وعلى هذا فسيكون مراد "أكسينوفون" وغيره من العربية الأرض التي غلب عليها العرب. ومعنى هذا توسع العرب في زحفهم وتقدمهم نحو الشمال وتغلبهم على أرضين جديدة كان سكانها من بني إرم وغيرهم، وتعرب كثير من بني إرم وتكوين طبقة عربية مستعربة٣. ولما قام "قمببز" الثاني "قمباسوس" "Cambyses" بغزو مصر سنة "٥٢٥ ق. م." وطلب معونة العرب, أمدوه بالجمال وبالماء، وساعدوه مساعدة كبيرة لولاها لما تمكن من الوصول إلى مصر. ويزعم "هيرودوتس" أن "فانس" "Phanes"، الذي خان سيده فرعون مصر، فهرب منه وذهب خلسة إلى "قمبيز" وحثه على فتح مصر، أشار على الملك بأن يستعين بالعرب ليساعدوه في اجتياز الصحراء, وكان الملك يفكر في الصعوبات التي ستعترض جيوشه في قطع تلك الفيافي والقفار, ومن أهمها قلة الماء. فلما اقتنع الملك بصواب رأي "فانس" وصدقه، أرسل رسولًا إلى ملك العرب ليتفاوض معه في هذا الأمر، فوافق العرب على تقديم المساعدات فهيئوا قِرَبًا كثيرة ملئوها بالماء، وحملوها على ظهور جمالهم حيث قدموها إلى الفرس٤. ولم يشر "هيرودوتس" إلى اسم الملك العربي الذي وافق على تموين الجيش الفارسي بما يحتاج إليه في حملته على مصر بالماء، ولم يشر أيضا إلى الأرض التي

стр. 664

كان يحكمها. وقد يكون هذا الملك أحد ملوك النبط الذين كانوا يحكمون في أعالي الحجاز وفي الأقسام الجنوبية من الأردن وطور سيناء، وقد يكون أحد كبار سادات القبائل العربية الكبيرة في طور سيناء، حيث كان له سلطان واسع كبير على الأعراب الساكنين في هذه الأرضين. وأشار "هيرودوتس" في معرض كلامه على تزويد العرب قمبيز بالماء، إلى وجود نهر عظيم في بلاد العرب، دعاه: "كوريس" "قوريس" "Corys"، زعم أنه يصب في "البحر الأريتري" "البحر الأرتيري" "Erythraean Sea" أي البحر الأحمر، قائلًا: إن هناك من يزعم أن ملك العرب عمل أنبوبًا من جلود الثيران والحيوانات الأخرى لنقل المياه من النهر إلى صهاريج، أمر بحفرها وعملها في الصحراء لخزن الماء فيها، وإن هناك ثلاثة خطوط من هذه الأنابيب تنقل الماء إلى مسافة اثني عشر يومًا من النهر إلى موضع هذه الصهاريج١. ولا يعقل أن يكون في بلاد العرب نهر على الوصف الذي ذكره "هيرودوتس" في ذلك العهد, كما أن الأنابيب المذكورة الممتدة إلى تلك المسافات المذكورة، هي من مخيلات القصاص الذين أخذ منهم ذلك المؤرخ خبره. والظاهر أن الذين حدثوه عن ذلك النهر، كانوا قد سمعوا أو شاهدوا السيول التي تصب في البحر الأحمر في مواسم الأمطار الشديدة، فتصوروها أنهارًا عظيمة تجري طول السنة. أما الصهاريج، فإنها معروفة في بلاد العرب، ولا سيما شمال العربية الغربية، تأتي إليها مياه الأمطار فتملؤها، وتغطي فتحاتها، فلا يعرف مواضعها إلا أصحابها، فإذا داهمهم عدو، سدُّوا منافذها، فلا يصل إلى مائها أحد. والظاهر أن الذين أمدوا الفرس بالماء كانوا يأخذونه من الصهاريج المنتشرة في مختلف الأماكن، ومن هنا ظهرت أسطورة نقل المياه إليها من ذلك النهر, في ثلاثة خطوط من الأنابيب المصنوعة من الجلود. وذكر "هيرودوتس" في أثناء الكلام على "دارا" "داريوش" "داريوس"٢ "Darius"، أن جميع سكان آسيا الذين أذلهم "كيرش" "كورش" ثم

стр. 665

"قمبيز" بعده قد اعترفوا بسلطانه، إلا العرب؛ فهؤلاء لم يخضعوا كالرقيق ألبتة لسلطان الفرس، وإنما كانوا قد تحالفوا معهم، وأصبحوا حلفاء وأصدقاء لهم منذ مهدوا الطريق لقمبيز للوصول إلى مصر. ولو كانت علاقاتهم غير ودية معهم؛ لما تمكن الفرس من القيام بذلك الغزو. وأثنى هذا المؤرخ على إباء العرب، وعلى شهامتهم، وعلى محافظتهم على الوعد والعهود١. وذكر "هيرودوتس" أن الأرضين بين "Phoenicia"، أي "فينيقية" ومدينة "Cadytis"، كانت تابعة للسريان الفلسطينيين "Palaestine Syrian", أما الأرضون بين مدينة "Cadytis" وموضع "Jenysus" "Ienysos"، فقد كانت تابعة للملوك العرب٢، ويريد بهم عددًا من سادات القبائل ولا شك. ويرى "جيمس رنل" "James Rennell" أن مدينة "Cadytis" هي القدس٣, ويرى آخرون أنها "غزة"٤. وأما "Jenysus" فهي "خان يونس" في جنوب غربي "غزة" على رأي "جيمس رنل"٥. يتبين من قول "هيرودوتس" هذا أن العرب كانوا في أيام "قمبيز" أي: قبل الميلاد بعدة قرون، في هذه المنطقة من فلسطين, وأنهم كانوا قد انتشروا في "طور سيناء"، ونزلوا المناطق الشرقية من مصر حتى ضفة نهر النيل؛ ولهذا السبب أطلق عليها اسم "العربية" دلالةً على توغل العرب فيها٦. لقد كانت "غزة" مدينة عربية يحكمها ملوك عرب, وقد كانت في حكم ملك عربي في أيام "هيرودوتس"، وكانت كل الأرضين الواقعة بين "غزة "وبين "Rhinokolura" تحت حكم العرب أيضا وذلك منذ أيام الفلسطينيين٧. وقد كان يحكم "غزة" في أيام "هيرود الكبير" ملك من أهل غزة٨, وقد كانت "غزة" قبيل الإسلام وعند ظهوره فُرْضَة العرب، يقصدها أهل

стр. 666

العربية الغربية للبيع والشراء, ولا أستبعد أن تكون "غزة" فرضة عرب العربية الغربية في هذا الوقت أيضا. وقد كان تجار العربية الشرقية يقصدونها أيضا على الرغم من بعد المسافة واتساع الشقة، فقد كان أهل "الجرعاء" "جرها" "Gerrha" يقصدونها، حاملين معهم تجارة الهند وما وراء الهند، فتأخذهم إبلهم عن طريق الواحات والآبار إلى "دومة الجندل" ومنها إلى جنوب فلسطين فغزة, حيث يبيعون ما عندهم ويشترون ما يحتاجون إليه من حاصلات البحر المتوسط, ثم يعودون بأموالهم الجديدة إلى بلادهم لبيعها هناك، أو لشحنها إلى ما وراء الخليج من أرضين. وفطن "دارا" لخطورة المشروع القديم، مشروع ربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عن طريق نهر "النيل" فاحتفره١. وقد وضع أساس هذا المشروع "رامسيس الثاني"، غير أنه امتلأ بعد ذلك بالرمال مرارًا، فاحتفره من جاء من بعده من الملوك٢. وذكر "هيرودوتس" أن الفرعون "نخو" "Necos" كان قد أرسل بعثة دخلت الخليج العربي، أي: البحر الأحمر في اصطلاح اليونان عن طريق القناة التي حفرت بين النيل وهذا البحر، وكانت هذه البعثة من الفينيقيين للبحث عن أعمدة "هرقل"٣ "Hercules". ويرى بعض الباحثين احتمال كون الملك الذي حكم "غزة" في هذا العهد, ملكًا من ملوك اللحيانيين٤. واهتم "دارا" بأمر التجارة البحرية، فأمر "Skylax" من اليونانيين بالذهاب إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي لكشف تلك المناطق وتكوين صلات تجارية معها، فوصل هذا المكتشف اليوناني -على رواية هيرودوتس- إلى الهند. وهو بذلك أول يوناني يبلغنا خبره حتى الآن، يدخل البحر الأحمر، ويطوف حول جزيرة العرب للوصول إلى الهند٥. ويفتخر "دارا" في كتابته التي أشار فيها إلى مشروع القناة، بأنه استطاع أن يسير السفن عبرها من مصر إلى أرض فارس٦, وقد كانت هذه الخطوة من أعظم الخطوات في تأريخ العالم، ولا شك.

стр. 667

وقد أثرت تأثيرًا خطيرًا في التجارة العربية في البحار، إذ فتحت البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي لمنافسين أقوياء، صار بإمكانهم شراء تجارة أفريقية والهند وسواحل جزيرة العرب بأسعار رخيصة؛ لبيعها في الأماكن التي تريدها والتي كانت تشتريها بأثمان عالية، وبذلك أخذت من التجار العرب جزءًا كبيرًا من أرباحهم، وألحقت بتجارتهم مع البحر المتوسط ضررًا لا يستهان به. ولما تحدث "دارا" عن الأرضين التي خضعت لحكمه، أدخل "عرباية" "أرباية"١ "Arabaya" في جملة تلك البلاد, وقد دعاها بـ"ماتو أريبي" "Matu A-ra-bi" في النص البابلي٢. ولم يقصد "دارا بـ"عرباية" كل البلاد العربية، أي جزيرة العرب وبادية الشام، وإنما أراد بها بادية الشام، كما تحدثت عن ذلك في شرح المراد من "ماتو أريبي" في الكتابات المسمارية. وقد كانت هذه البادية مثل جزيرة العرب موطنًا للأعراب منذ وجد العرب. وقد ذكر "هيرودوتس" أن بلاد العرب كانت تقدم جزية سنوية من الطيب إلى "دارا"٣، إلا أنه لم يحدد مكان البلاد العربية، ولم يشر إلى العرب الذين دفعوا هذه الجزية. ولما كانت هذه الجزية طيبًا، فإنها تحملنا على التفكير في أن العرب الذين دفعوها كانوا من رجال القوافل المتاجرة التي تأتي بتجارة العربية الجنوبية لبيعها في بلاد الشام ومصر، وكان الطيب والبخور من أهم المواد الرائجة في أسواق تلك البلاد. وهذه الجزية لم تكن بالمعنى السياسي المفهوم الذي يدل على خضوع العرب للفرس, وإنما كانت جعالة سنوية تدفع للسلطات الحاكمة على تلك الأسواق مقابل السماح لها بالاتجار، أو أن "هيرودوتس" عنى ببلاد العرب الأرضين التي كان يسكنها العرب ودخلت تحت حكم الفرس، وعنى بالعرب الذين دفعوها بعض القبائل العربية التي كانت تقيم في مصر أو طور سيناء

стр. 668

أو بادية الشام. ويلاحظ أن "هيرودوتس" كان قد ذكر، كما بينت قبل قليل، أن العرب لم يخضعوا للفرس في أيام كورش ولا في أيام قمبيز، وإنما كانوا حلفاء الفرس. فيظهر من كلام "هيرودوتس" الأخير أن العرب الذين خضعوا للفرس ولدارا، هم من أعراب بادية الشام، ومن كانت منازلهم وديارهم في فلسطين وفي طور سيناء١. ويرى بعض المؤرخين أن "العربية" التي خضعت لحكم "دارا" لم تكن جزيرة العرب، وإنما منطقة الجزيرة الواقعة بين "بابل" وآشور٢، مثل منطقة "سنجار" "Singara" و"الحضر"، وكان العرب قد توغلوا فيها٣. وقد ورد في خبر للمؤرخ "أكسينوفون" "Xenophon" وفي كتابة لـ" كيرش الثاني" "Kyros II" "Kyrush II"، ما يفيد أن العرب كانوا قد خضعوا لحكم الأخمينيين. فورد في كتابة "كيرش" مثلًا: "ملوك الأرضين الغربية الذين يقطنون في الخيام"، وذلك في جملة من اعتراف بسلطان الملك عليهم. غير أن هذه الإشارات لا تفيد أن العرب كانوا قد خضعوا لهم مدة طويلة، كما أنها لا تدل على خضوع حقيقي لهم، ولا سيما وقد ذكرنا أن "هيرودوتس" قد صرح أن العرب لم يخضعوا لحكم الفرس٤. وأشار "هيرودوتس" إلى وجود فرقة عسكرية من العرب في الجيوش الفارسية التي كانت بمصر، كان على رأسها قائد فارسي دعاه "أرسامس" "Arsames"، وقال: إنه أحد أولاد "دارا"٥. ويظهر أن هؤلاء الجنود هم من عرب مصر، أي: من العرب القاطنين هناك، ولعلهم من سكان الأرضين المحصورة بين النيل والبحر الأحمر٦. وقد كان العرب ينزلون هذه المنطقة والمنطقة شرقي النيل وجنوب البحر المتوسط والمتصلة بطور سيناء منذ القديم. فالعرب كانوا من قدماء سكان مصر، لا كما يتصور بعضهم من أنهم دخلوا مصر في

стр. 669

الفتح، وأنهم لذلك غرباء لا صلة هناك بينهم وبين المصريين قبل الإسلام. والمعروف أن "الهكسوس" الذين حكموا مصر كانوا من العرب في رأي كثير من العلماء، بل في نظر قدماء المصريين، كما حكى ذلك الراهب المصري المؤرخ "مانيتو" "Manetho" في كتابه المؤلف باليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد١. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "هيرودوتس" قصد بـ"العرب" النبط٢، غير أن بعضًا آخر يخالف هذا الرأي ويعترض عليه، فيرى أن النبط لم يظهروا ظهورًا بينًا إلا في أواخر أيام الأخمينيين، وكان ظهورهم في "بطرا" "Petra" وما حولها. أما مملكتهم فلم تقم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد؛ ولهذا فإن العرب الذين قصدهم المؤرخ اليوناني هم عرب آخرون، وإن الأرض التي أرادها ذلك المؤرخ هي: طور سيناء حتى شواطئ نهر النيل٣. وظهر من الإشارات الواردة في التوراة، أن عرب الضواحي كانوا يقيمون في مستوطنات، عرفت بـ"حاصير" "حازير" "حاصور" "حصور" "Haser" في العبرانية, ومعناها: "محاط". وقد كانوا أشباه بدو في الواقع, أناخوا في هذه المواضع واستقروا بها وامتهنوا الرعي٤. وكان الجنود العرب يلبسون كما يقول "هيرودوتس" نوعًا من الثياب يسمى "زيرا" "Zeira"، وهي ثياب طويلة تشد عليها الحُزُم, ويحمل مرتدوها على أكتافهم اليمنى قِسِيًّا طوالًا. أما في حاله عدم استعمالها، فيعلقونها على طهورهم٥. والظاهر أن هذه الكلمة هي تحريف "السِّيرا", و"السِّيرا": "ضرب من البرود، وقيل: ثوب مسير، فيه خطوط تعمل من القز كالسيور. وقيل: برود يخالطها حرير. وقيل: هي ثياب اليمن"٦. ويلاحظ أن الثياب المخططة كانت ولا تزال شائعة بين شعوب الشرق الأدنى، فلا تستبعد أن تكون كلمة "Zeira" تصحيفًا أو تحريفًا للسيراء، وهي أقرب إليها من لفظة "إزار" أو مئزر على ما أرى.

стр. 670

وقد ألف الفرس -بالإضافة إلى الجنود العرب المشاة- كتائب عربية من الهجانة، تقاتل على الإبل، يلبسون ملابس المشاة، ويحملون أسلحتهم. يقول "هيرودوتس": إنهم كانوا يوضعون في مؤخرة الفرسان؛ تجنبًا لانزعاج الخيل إذا ما سارت مع الإبل١. وقد استعملت دول أخرى كتائب عربية من الهجانة في جملة القوات المحاربة؛ للعمل في البوادي خاصة، حيث يصعب على المشاة والفرسان اجتيازها وتعقب الأعراب. ولا تزال كتائب الهجانة محافظة على حياتها بين القوات المحاربة، ولحماية الحدود الصحراوية حتى الآن. وقد ألف العرب فرقة محاربة من الرماة بالسهام ومن المقاتلين، اشتركت في جيش "أحشويرش" "Xerxes" "٤٨٥-٤٦٥ ق. م."٢. وقد أدخل الملك "أحشويرش" "العربية" "Arabia" في جملة البلاد التي كانت قد خضعت لحكمه، وذلك في نص من أيامه عثر عليه. وقد ذكر "العربية" بعد موضع "Maka" وقبل موضع "Gandara"٣.
следующие страницы →