← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وهو يختلف عن الشعر المألوف الذي لا يمكن أن يتغنى به دائمًا لثقله، وعدم اتساقه مع الإيقاع. ونجد في التوراة شعرًا نظم خصيصًا للإنشاد والتغني به، وهو يختلف في نظمه عن الشعر المألوف. ولم يُشِر أهل الأخبار إلى وجود شعر من هذا النوع عند الجاهليين، وإن ذكروا أن الجاهليين كانوا يتغنون بالشعر، وكانت قيانهم يتغنين بشعر الشعراء. ومعنى هذا أنهم كانوا يغنون ببحور الشعر المألوفة، لا بشعر غنائي خاص. ونجد في خبر "أحد" أن "هندًا" قامت في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضرب خلف الرجال ويحرضونهم، فقالت "هند" فيما تقول: إن تقبلوا نُعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نُفَارق ... فراق غيرِ وامق وتقول: ويهًا بني عبد الدار ... ويهًا حماة الأدبار ضربًا بكل بَتَّار١ فهذا شعر، ينسجم التغني به مع الإيقاع على الدُّفوف، ووزنه يناسب ذلك النغم، لكنه ليس من شعر الغناء الخالص، الذي يتناسب مع الألحان المبنية على ارتفاع وانخفاض الصوت، وعلى التغيير في النَّبرات، وعلى الجرِّ والمطِّ، والقصر والجزم، وما شاكل ذلك من حركات يقتضيها إيقاع اشتراك جملة آلات دفعة مع الشعر الذي يتغنى به في وقت واحد، وربما اشترك في الغناء جملة مغنين. ويذكر أهل الأخبار أن الغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن للعرب إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسمونه "الركبانية"، "وأول من نقل الغناء العجمي إلى العربي من أهل مكة سعيد بن مسجح، ومن أهل المدينة سائب خاثر، وأول من صنع الهزج طويس"٢، وهو كلام قصد به أن الغناء العربي

стр. 6057

قبل الإسلام لم يكن كثير التنويع، وإنما كان مقصورًا على طرق معينة، ثم تطور في الإسلام بدخول الأعاجم فيه، وباحتكاك العرب بهم. فالشعر الجاهلي إنما كان يتغنى به بتلك الطرق المحدودة، ونحن لا نستطيع البت في هذا الموضوع، لأنه من أخبار أهل الأخبار، ولكن لا يعقل في نظري أن يقتصر غناء الحضر على هذه الأنغام البدوية، وبينهم مغنون أعاجم وقيان استوردن من فارس والروم، وكن يحسن الغناء، ويتغنين بالشعر، فكان لعبد الله بن جدعان قينتان أعجميتان، تغنيان له ولضيوفه، وكان لغيره قيان، وقد ورد أن بعضهن كنَّ يغنين بهجاء الرسول. ثم إن ملوك الحيرة كانوا على اتصال بغناء الفرس وغناء بني إرم والنبط، فلا يعقل ألا يتأثروا بدروب غناء الأعاجم، فيدخلوها في غنائهم، وينوعوا في التغني بالشعر، وألا يبرز بينهم من يضع أشعارًا تنسجم مع ألحان الغناء وكان من غناء العرب "النصب"، وقد عرف به الأعراب، وهو غناء يشبه الحداء، إلا أنه أرق منه. وهو العقيرة، يقال: رفع عقيرته إذا غنى النصب١.فهو غناء يتغنى به بشعر على طريقة معلومة، اشتهرت بها العرب، أهل البوادي. وقد لعب الجمل دورًا خطيرًا في الشعر الجاهلي، وكيف لا يستأثر بمكانة مهمة في الشعر الجاهلي وهو مرافق الأعرابي، والحيوان الوحيد الذي رضي مصاحبته ومرافقته في الصحاري الموحشة المتعبة، ولهذا نال حقه من المدح والثناء عليه، كما ألهب مشاعر الأعراب فجعله يصفه في شعره، وصفًا كاد يحيط بجميع أجزاء جسمه٢، وحظيت الخيل بمكان مرموق أيضًا في مملكة الحيوان المذكورة في الشعر، فالفارس لا يكون فارسًا إلا بفرسه، وكان يقدم فرسه على نفسه وأهله في الطعام، لأهمية الفرس في حياته، فلا عجب إذا ما أبدع الشاعر الجاهلي في وصف الفرس، وأشاد بذكر الخيل في شعره. وحظيت الحيوانات الوحشية مثل المها والظباء، والحمار الوحشي، والأسود، على مكانة في الشعر الجاهلي كذلك، لما لها من صلة بحياة العربي. يقول بروكلمن: "والقصيدة، المؤلفة على نظام دقيق، ينبغي استهلالها

стр. 6058

بالنسيب، والحنين إلى الحبيبة النائية، ذلك الحنين الذي يعتري الشاعر عند رؤية أطلالها الدائرة وهو راكب في القفار. ثم يتحول الشاعر في تخلص نموذجي من موطن لوعته وذكرياته إلى وصف مسيره في المفاوز دون انقطاع، وهو وصف قد يخرج أحيانًا إلى مجرد تعداد لأسماء ما يجتازه من أماكن. ثم يخلص من ذلك إلى وصف راحلته، فإذا هو عمد في هذا الوصف إلى تشبيه راحلته ببعض حيوان الوحش استطرد أحيانًا إلى وصف هذا الحيوان وصفًا شاملا. ثم لا يتجه الشاعر إلى التعبير عن حقيقة قصده إلا في آخر القصيدة. هذا المنهج لا بد أن يكون قد رسخ منذ زمن طويل. وقد ذكر امرؤ القيس سلفًا له في الشكوى والبكاء على الإطلال، يدعى ابن خذام، وإن لم يستطع أدباء العصر العباسي تعيين هذا الشاعر، وتبع المتأخرون هذا المنهج ولم يكادوا يجسرون على تغييره"١. وقد أكثر الشعراء من استعمال بعض الجمل في افتتاح شعرهم، مثل "بانت سعاد". ذكر أن "بندر الأصبهاني" كان يحفظ تسعمائة قصيدة أول كل منها "بانت سعاد"٢. والشعر الجاهلي، شعر صلد متين، يميل إلى الرَّصَانة وإلى استعمال اللفظ الرَّصين، الذي يغلب عليه طابع البداوة، وشعر هذا طابعه، لا يمكن أن يتحرر، وأن يعبر عن المعاني بحرية، إذ يكون الشاعر مقيدًا بقيود الخضوع للعرف وللشكليات التي اصطلح عليها الشعراء والناس، ولهذا لم يتمكن الشعراء من التطرق إلى مختلف المعاني والتصورات الإنسانية، وصار الطابع الغالب عليه هو الطابع اللغوي، فخشونة الشعر، وجزالته وغرابته، من مميزات هذا الشعر ومن محبباته إلى النفوس، وكلما كان الشعر غريبًا وبألفاظ غريبة، نال التقدير والاستحسان، ولقد عمل الأصمعي قطعة كبيرة من أشعار العرب، لكنها لم تنل الاستحسان ولم يَرْضَ عنها العلماء لقلة غربتها واختصار روايتها"٣. والشعر الذي ينال التقدير، هو الشعر الخشن، الذي روي بألفاظ نجدية، ولذلك لم يحفل العلماء بشعر عدي بن زيد،

стр. 6059

لأن فيه ليونة١، والعلماء يبحثون عن الشعر الخشن، الذي على العالم أن يفكر فيه ويعمل رأيه فيه طويلا، ويفكر ويغوص فيه حتى يجد معناه. واشتهر بعض الشعر بشهرة عرف ونعت بها، مثل قصيدة سويد بن أبي كاهل، واسمه عطيف بن حارثة اليَشْكُري ويقال الوائلي، ويقال الغطفاني، التي عرفت باليتيمة، وهي قصيدة عينية. قيل عرفت بذلك لما اشتملت عليه من الأمثال. وهو من الشعراء المخضرمين٢. وعرفت القصيدة التي نظمها خداش بن زهير، في هشام والوليد ابني المغيرة المخزوميين، وفي عبد الله بن جدعان بالمنصفة٣. وذلك لإنصافه خصومه في شعره. ومن المنصفات قول المفضل النُّكْري: كأن هزيزنا يوم التقينا ... هزيز أباءة فيها حريق وكم من سيد منَّا ومنهم ... بذي الطرفاء منطقة شهيق٤ لقد مر الشعر بمراحل، سنة كل شيء في هذه الدُّنيا. بدأ بدائيًّا لبداءة أصحابه، ثم تطور بتطور الناس، تطور من حيث معانيه وأفكاره، وتطور من حيث قوالبه وأشكاله، أي بحوره. واقتضى هذا التطور ومرور الزمن وتغير الإنسان، ظهور أوزان جديدة، أوجدها الشعراء هروبًا من التقليد، وخروجًا على التقاليد، وابتداعًا من الشاعرية، لتقدم لعشاق الشعر لونًا جديدًا من ألوان النظم، يمتاز على المعروف المألوف المتوارث، بنفس جديد، وموسيقية حديثة تناسب الزمان والمكان، كما هو شأن الشعر عند كل أمة، فتعددت ألوانه وبحوره، حتى إذا كان الإسلام ضبطت ألوانه في بحور جمعها علم العروض المعروف. أما أسماء أولئك المجددين في الشعر الجاهلي، فقضية لا يمكن البتُّ بها، ولا إصدار حكم فيها. فنحن لا نعرف من أمر الشعر الجاهلي إلا هذا الذي يرويه أهل الأخبار عنه، وهو لا يستند -كما قلنا- إلى سند جاهلي مدون، ولا إلى كتاب من كتب أهل الجاهلية ولا إلى ديوان من دواوينهم، بل روي رواية وحكى

стр. 6060

حكاية، وأقام الإسلاميون على هذا المروي قواعد نظرياتهم في الشعر الجاهلي، ولم يرد في هذا المروي أي شيء عن كيفية ظهور بحور الشعر الجاهلي، ولا عمن جدد وأوجد هذه البحور. وليس لنا أي أمل في إمكان الحصول في المستقبل على علم جديد عن تطور ذلك الشعر وعن ابتكار رجاله الجاهليين فيه، ما دام سند علمنا هذا المورد القائم على الرواية القديمة. أما إذا عثر على نصوص مدفونة عربية جاهلية أو أعجمية فيها بحوث عن الكلام المنظوم عند العرب، فذلك شيء آخر بالطبع. ومثل هذه النصوص هي التي يكون في وسعها وحدها تقديم صورة علمية واضحة عن الشعر الجاهلي. ومن رأي بعض أهل الأدب، أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدِّمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الرِّبع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب، وضاربًا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسرى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل. فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل، فيمل السامعين، ولم يقطع بالنفوس ظمأ إلى المزيد"١. وزعموا أن هذا كان نهج شعراء الجاهلية في نظم شعرهم، ونهج شعراء صدر الإسلام، حتى اختلط العرب بالعجم، وانتقل العرب من حياة إلى حياة، وظهر الشعراء الأعاجم الذي لم يتمكنوا من غسل أدمغتهم من المعاني الأعجمية، ومن التفكير الأعجمي، فنظموا الشعر بالعربية، ولكن بمعانٍ أعجمية جديدة، وجاءوا

стр. 6061

ومن تأثر بالحضارة العربية الجديدة التي ظهرت في البلاد المفتوحة بآراء مستجدة، وظهرالتجديد في الشعر العربي وابتعد بذلك عن أسلوب الشعر الجاهلي. ويتوقف طول الشعر وقصره على نَفْسِ الشاعر، أي على الظروف النفسية التي تحيط بالشاعر حين ينظم شعره، وبالمؤثرات التي أثرت عليه. وقد سئل أبو عمرو بن العلاء "هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم ليسمع منها. قيل: هل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها. ويستحب عندهم الإطالة عند الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب والإصلاح بين القبائل كما فعل زهير والحارث بن حِلِّزة ومن شابههما، وإلا فالقطع أطير في بعض المواضع والطوال للمواقف المشهورة"١. وقد ذهب "غرونباوم" إلى إمكانية تقسيم الشعر الجاهلي إلى مدارس أدبية متميزة، جعلها ستة مدارس أو اتجاهات أو مذاهب بتعبير أصح. تضم الشعراء الذين ولدوا ما بين سنة ٤٤٠ و٥٣٠م على وجه التقريب. "وليس معنى هذا أنه ليس هنالك شعراء تتجافى طبيعتهم نفسها عن مثل هذا التقسيم وتشذ عنه. فإن الشاعرين الصعلوكين الشهيرين تَأَبَّطَ شرًّا والشَّنْفَرَى، هما الْمِثْلان البارزان على مثل هذا المواهب الفردية. ولعل من أمتع الأمور، ما يتجلى في آثار تلك الفئة من الشعراء، الذين عاشوا في بلاط الحيرة، من مظاهر الحضارة الساسانية. فأبو دؤاد الإيادي حوالي "٤٨٠- ٥٥٠م" والشاعر النصراني عدي بن زيد حوالي "٥٤٥- ٥٨٥م" يتجلى في شعرهما خليط من العقلية البدوية والتفكير الحضري. وطرفة "حوالي ٥٣٥- ٥٣٨م" وكذلك الأعشى، ينقلان إلى العراق سياقًا فنيًّا آخر لمدرسة أخرى ينتمي أعلامها إلى قبيلة قيس بن ثعلبة، من بني بكر بن وائل؛ هذا وليس من شك في أن الأعشى هو أكبر مالك لأزمة اللغة بين شعراء الجاهلية، وأن المشاهد البهجة في قصائده تنم عن تأثير الشعراء الساسانيين. ثم إن امرأ القيس بن حجر الأمير الكندي "حوالي ٥٠٠- ٥٤٠م" أشهر شعراء العرب الجاهليين وأبعدهم أثرًا، قد كان نظير طَرَفَة، صاحب إحدى القصائد النموذجية المعروفة بالمعلقات. ومعاصره عبيد بن الأبرص يمثل قمة مدرسة أخرى من هذه المدارس.

стр. 6062

وقبل أن يتجرم القرن السادس، كانت وحدة اللغة واتساق الأسلوب، قد قطعا مرحلة واسعة نحو التبلور. وقد تداخلت هذه المدارس عن طريق تجمع المفردات وتوارد الصور الشعرية، لكن هذا التطور لم يتسع فيشمل جماعات الشعراء التي عاشت إلى جانب التيار الرئيسي الذي جرى فيه الشعر العربي. وأهم مدارس هذا العصر المتأخر هي مدرسة الشعراء الهذليين التي برزت آثارها ما بين سنة ٥٥٠- ٧٠٠م. وكان من الموضوعات التي اختصت بها هذه الجماعة وصف النحل والعسل. ومثل هذه الأوصاف قد استتبعت ضربًا من الخصوبة في مشاهد الطبيعة لاسيما حيث ألحت بالشاعر الرغبة في جمع العسل البري. ويشتمل ديوان الهذليين على قصائد كثيرة لأفراد ما نظموا الشعر إلا لمامًا. ولا بد ههنا من التأكيد أنه كان إلى جانب الشعراء المحترفين، عدد عظيم من الشعراء الهواة والذين عمدوا، بين الفَيْنَةِ والفينة، إلى التعبير بالشعر عن عواطفهم ورغباتهم. وهذا يعلل لنا ما نجده دائمًا من أبيات هي من حيث التأريخ وليدة عصر واحد، لكنها ليست كذلك من حيث درجة الإتقان. فشعر غير المحترفين يغلب أن يكون دون شعر المحترفين بنحو من جيل على أقل تقدير. ولما لم تكن هذه الظواهر قد أخذت حتى الآن بالاعتبار الكافي، فقد ساعد ذلك على استمرار الاعتقاد بجمود الشعر القديم في سياقه الموحد. وقد بقي في مؤخرة الركب -لكن ثقافيًّا لا فنيًّا- الرجز الذي هو أقرب إلى الأدب الشعبي. على أن الفاصل ما بين الرجز والقَرِيض -وهو الشعر بالمعنى المعروف- قد ظل حادًّا إلى عهد متأخر جدًّا"١. وبعد، فهناك مسائل تتصل بتطور الشعر الجاهلي أرى أن من المستحيل حلها في الوقت الحاضر، لعدم وجود أدلة علمية مقبولة يمكن أن يركن إليها لحل ما عندنا من عقد مستعصية، مثل نشأة وتطور الشعر العربي، وكيف نشأت القصيدة، وعدد الأوزان والبحور العروضية التي سار عليها الجاهليون في وزن الشعر، والتزام القافية أو عدم التقيد بها في الشعر، ومتى نشأت القصيدة، ثم هل كانت لغة الشعر لغة واحدة، خاصة كما نراها في الشعر الجاهلي المدون، أم لم تكن، وإنما كان الشعراء ينظمون بلهجاتهم من الوجهة اللفظية والنحوية والصرفية، ولكن علماء

стр. 6063

الشعر في الإسلام، هذَّبوا تلك الأشعار حتى جعلوها بهلجة واحدة، هي اللهجة التي وصلت إلينا، وإذا كان هذا هو ما جرى، فما هي نسبة التحوير التي أوقعها العلماء على ذلك الشعر؟

стр. 6064

الْقَدِيمُ وَالْحَدِيثُ: مشكلة القديم والحديث، وتصادم الحديث مع القديم، وتفضيل الناس القديم على الحديث، من المشاكل التي شغلت الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض حتى اليوم. فالحديث ينافس القديم، ليحل محله، والقديم يصر على حقه في البقاء وفي جدارته في الخلود. والجيل الجديد يريد أخذ القيادة من الجيل القديم، والجيل القديم لا يريد إعطاءها لأحد إلا إذا كان من جيله، لأنه أقدر في نظره على إدراك الأمور، وأكثر تجاربًا وخبرة وحكمة من الأحداث جماع الجيل الجديد، مع أن كل قديم هو محدث في زمانه الإضافة إلى من كان قبله، وكل جديد سيصير قديمًا بالنسبة إلى من يأتي بعده، ولسبب آخر، هو أن القديم، هو الحاكم المتنفذ، فلا يهون عليه التنازل عن حقه لمستجد. وقد شغلت هذه المشكلة أذهان الجاهليين ولا شك، كما شغلت أذهان الإسلاميين، فشعراء العصر الأموي، كانوا يرون في شعرهم إبداعًا لم يكن عند من سبقهم من المخضرمين والجاهليين غير أن الناس في أيامهم، لم يكونوا يعطون شعرهم من التقدير ما أعطوه للشعر القديم، كانوا يرونه مولدًا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين، وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين١. وكان الشعر القديم، هو الشعر الممتاز المقدم عند علماء الشعر واللغة، فكان أبو عمرو بن العلاء يقول: "لقد أحسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته" لكنه لم يستشهد به، ولم يجعل الجيد الممتاز من الشعر المولد في منزلة الشعر القديم، لسبب واحد هو قدم الشعر الجاهلي. وقال الأصمعي: جلست إليه ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي، وسئل عن المولدين، فقال: ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم،

стр. 6065

ليس النمط واحدًا، ترى قطعة ديباج، وقطعة مسيح، وقطعة نطع. هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه: الأصمعي، وابن الأعرابي، أعني أن كل واحد منهم يذهب في أهل عصره هذا المذهب، ويقدم مَنْ قبلهم، وليس ذلك الشيء إلا لحاجتهم إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون ثم صارت لجاجة"١. وقد رجع الجاحظ سبب هذا الركض وراء الشعر الجاهلي إلى لجاجة علماء اللغة في البحث عن كل شعر يستفاد منه في الشواهد، إذ يقول: "ولم أَرَ غاية النَّحْويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أَرَ غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل"٢. ويقول: "طلبت علم الشعر عند الأصمعي، فوجدته لا يعرف إلا غريبه، "الألفاظ والمعاني العربية"، فسألت الأخفش، فلم يعرف إلا إعرابه، فسألت أبا عبيدة فرأيته لا ينفذ إلا فيما اتصل بالأخبار، ولم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب، كالحسن بن وهب وغيره"٣. لقد كان القدم، هو المقياس الأول في تقدير الشعر في ذلك الحين. فالشعر القديم محبوب مطلوب مقدم على الحديث، مهما كان في الشعر الحديث من إبداع في المعنى وفي القالب. قال عبد الله التميمي، "كنا عند ابن الأعرابي، فأنشده رجل شعرًا لأبي نواس أحسن فيه فسكت. قال له الرجل: أما هذا من أحسن الشعر؟ قال: فقال: بلى، ولكن القديم أحب إلي"٤. وقد بلغ من تعظيم بعضهم للقديم، أنهم كانوا يرون المعاني على مقادير أصحابها من الشعراء، فالمعنى الذي يكون لامرئ القيس يكون كامرئ القيس في اعتباره وإجلاله وتحاميه أن يتلقى بالرد والمواجهة، ولذا فشا الغلط بينهم في تفسير الشعر وأخذ منه التصحيف كل مأخذ٥. فالقدم وحاجة العلماء إلى الشعر القديم للاستشهاد به، والبحث عن الغريب، كانت كلها من العوامل التي أعطت للشعر القديم منزلة لم ينلها شعر المعاصرين،

стр. 6066

فأغاظ ذلك الشعراء المحدثين، وجعلهم يحنقون على علماء اللغة، ويسخرون منهم ومن عروضهم ونحوهم، ولم يخفف من غلواء هؤلاء العلماء إلا تغير الزمن، وبروز الأدباء الذين نظروا إلى الأدب نظرة أخرى، نظرة تقدر الجيد من الشعر من غير نظر إلى زمانه أو قائله. ولابن قتيبة رأي في الشعر يخالف رأي أبي عمرو بن العلاء وأصحابه، رأيه في قيمة الشعر رأي الجاحظ الذي ذكرته، وقد عرضه بقوله: "رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرَّصين، ولا عيب له عنده إلى أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله. ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره، وكل شرف خارجية في أوله". وقال: "ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارًا له سبيل من قلد، أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه، ووفرت عليه حقه"١. قال خلف الأحمر: قال لي شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال: أنبت قيصومًا وجثجاثا ... فاحتمل له، وقلت أنا أنبت إجاصًا وتفاحًا ... فلم يحتمل لي؟ "٢ ومن شدة عجب الناس بالشعر الجاهلي أنهم جعلوه أنموذجًا لشعرهم ودليلا لهم

стр. 6067

وهاديًا في أصول نظم الشعر، من محافظة على مظهر القصيدة وعلى "عمود الشعر". وجعلوا الشكل الخارجي، الذي رسم للقصيدة من ذكر الديار والدِّمن والآثار إلى آخر ما قالوه عن ترتيب المراحل التي يجب أن تمر بها القصيدة، ثم عمود الشعر مقياسين، قاسوا بموجبهما الشعر الجيد من الشعر الرديء، وميزوا بينهما بهذين المقياسين. "فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعلوا واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنقوس ظمأ إلى المزيد"١. وكان "الجاحظ" وهو من شيوخ الأدباء، يرى مذهب الأديب في تقدير الشعر وتثمينه، يرى أن الشعر بمواضع الحسن منه، وبالمعاني الجليلة التي فيه، وعلى الألفاظ العذبة التي تشتمله، وفي ذلك يقول: "وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين، ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الأحاديث والقصائد والفقر والنتف من كل شيء، ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب عباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في نسيب العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سنيات وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر أو فتياني متغزل. وقد جلست إلى أبي عبيدة والأصمعي ويحيى بن نجيم وأبي مالك عمرو بن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده، وكان خلف يجمع ذلك كله. ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل، ورأيت عامتهم -فقد طالت مشاهداتي لهم- لا يقفون على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك

стр. 6068

الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إن صارت في الصدور عمَّرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حِسَانِ المعاني. ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعر أظهر، ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارًا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر، وبما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أن يقولوا شعرًا جيدًا، لمكان إغراقهم في أولئك الآباء، ولولا أن أكون عيابًا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة"١. وكانت نظرة المبالغة هذه في تقدير الشعر القديم من جملة العوامل التي حملت جهابذة العلماء الخبراء بأساليب الشعر الجاهلي المتقنين له على وضع الشعر على ألسنة الجاهليين وعلى إذاعته ونشره بين الناس. فقد وجدوا أن سوقه رائجة، وأن ما يقدمونه منه لطلابه يقدر تقديرًا عظميًا، وأن ما ينظمونه هم وينشرونه باسمهم لا ينال مثل ذلك التقدير. وقد يحفل به. وأن بعض خلفاء بني أمية كان لهم عشق خاص بشعر الجاهلية، وأنهم كانوا يبحثون عنه، وإذا سمعوا بوجود راوية عرف بحفظه ذلك الشعر، أرسلوا إليه، ليتحفهم بما عنده، ثم يجزلون له العطاء، على حين كانوا لا يعطون على الشعر الذي ينظمونه أو ينظمه الشعراء الأحياء إلى قليلا، وإلا إذا كان مدحًا لهم وتزلفًا إليهم. فدفعهم حرصهم المادي هذا على صنع الشعر وإسناده إلى الشعراء الجاهليين. وهم لو نسبوه إليهم لصار فخرًا لهم، يثمنه لهم من يجيء بعدهم، ولكنهم ما كانوا ليحصلوا عليه شيئًا مغريًا، ففضلوا المادة على الشهرة التي تأتي إليهم بعد الموت. وقد اتخذ بعض علماء الشعر ورجال الأدب موقفًا وسطًا بين المحدثين، من الشعراء الذي قيل لشعرهم: المولد، وبين الشعراء المتقدمين، فقال "ابن رشيق": "ليس التوليد والرقة أن يكون الكلام رقيقًا سفسافًا، ولا باردًا غثًّا، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشيًا خشنًا، ولا أعرابيًّا جافًّا، ولكن حال بين حالين.

стр. 6069

ولم يتقدم امرؤ القيس والنابغة والأعشى إلا بحلاوة الكلام وطلاوته، مع البعد من السخف والركاكة، على أنهم لو أغربوا لكان ذاك محمولا عنهم، إذ هو طبع من طباعهم، فالمولد المحدث -على هذا- إذا صح كان لصاحبه الفضل البين بحسن الاتباع، ومعرفة الصواب، مع أنه أرق حوكًا، وأحسن ديباجة١.

стр. 6070

الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: القريض والرجز والقصيد مدخل ... الفَصْلُ الثَّامِنُ وَالأَرْبَعونَ بَعْدَ المائة: الْقَرِيضُ والرَّجَزُ والقَصِيدُ ويقال للشعر: القريض وهو الاسم كالقصيد، والقرض: قول الشعر خاصة، والتقريض صناعته. وقد فرَّق الأغلب العجلي بين الرَّجز والقَرِيض بقوله: أرجزًا تريد أم قريضًا؟ ... كليهما أجدُ مستريضا١ وقد ورد أن أصحاب رسول الله كانوا يتقارضون، أي يقولون القريض وينشدونه. وورد أن المنذر ملك الحيرة حين أراد قتل عبيد بن الأبرص قال له: أنشدني من قولك، فقال عبيد: حال الجريض دون القريض، فذهب قوله مثلا٢. و "قال النحاس: القريض عند أهل اللغة العربية الشعر الذي ليس برجز"٣. ويلاحظ أن العرب وإن قالوا: "نظمت الشعر ونظمته"، وقصدوا

стр. 6071

بالنظم الشعر، وعرفوا الشعربأنه "منظوم الكلام"١، غير أنهم كانوا يقولون أيضًا: "قال شعرًا"، و"هو يقول الشعر"، وفي القرآن: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُون﴾ ٢، و ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ٣. ويقولون: قول شاعر. والشعر في تعريف علمائه: "منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية"، وهو "الكلام المقفى الموزون قصدًا"٤، ومن صيروا الكلام نوعين: كلام منظوم، وكلام منثور. والفرق بينهما هو في وجود الوزن والقافية في الشعر، وفي عدم وجودهما في الكلام المنثور. وتوجد هذه النظرة عند أفلاطون، وفيتاغورس، وهي تختلف بعض الاختلاف عن رأي أرسطو في الشعر٥. "وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزًا أو قطعًا، وأنه إنما قُصِّد على عهد هاشم بن عبد مَنَاف، وكان أولَ من قصَّده مهلهلُ وامرؤُ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة ونَيِّف وخمسون سنة. ذكر ذلك الجمحي وغيره. وأول من طول الرجز وجعله كالقصيد الأغلب العجلي شيئًا يسيرًا، وكان على عهد النبي ﷺ ثم أتى العَجَّاج فافتَنَّ فيه فالأغلب العجلي والعجاج في الرجز كامرئ القيس ومهلهل في القصيدة"٦. والقصيدة من الشعر ما تمَّ شطر أبياته، سمي بذلك لكماله وصحة وزنه. قال ابن جني: "سمي قصيدًا لأنه قصد واعتمد وإن كان ما قصر منه واضطرب بناؤه نحو الرَّمَل والرَّجَز شعرًا مرادًا مقصودًا. وذلك أن ما تَمَّ من الشعر وتوفر آثر عندهم وأشد تقدمًا في أنفسهم مما قصر واختلَّ، فسموا ما طال ووفر قصيدًا، أي مرادًا مقصودًا، وإن كان الرمل والرجز أيضًا مرادين مقصودين،

стр. 6072

والجمع قصائد"١. وذكر علماء الشعر: "سمي الشعر التام قصيدًا، لأن قائله جعله من باله قصدًا ولم يحتسه حسيًا على ما خطر بباله وجرى على لسانه، بل روَّى فيه خاطره واجتهد في تجويده، ولم يقتضبه اقتضابًا، فهو فعل من القصد". "وقالوا شعر قصيد إذا نُقِّح وجوِّد وهذِّب"٢. جاء في قول شاعر: قد وردت مثل اليماني الهزهاز ... تدفع عن أعناقها بالأعجاز أعيت على مقصدنا والرُّجَّاز يقال: أقصد الشاعر وأرمل وأهزج وأرجز، من القصد والرمل والهزج والرجز٣. والرجز عند العرب كل ما كان على ثلاثة أجزاء، وهو الذي يترنمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به. هذا هو تعريفه عند بعض العلماء. وعرفه بعضهم: أنه بحر من بحور الشعر معروف ونوع من أنواعه يكون كل مصراع منه مفردًا، وتسمى قصائده أراجيز، واحدتها أرجوزة، وهي كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجزًا كما يسمى قائل بحور الشعر شاعرًا. وعرَّفه آخرون أنه الشعر ابتداء أجزائه سَبَبَان ثم وَتِد، وهو وزن يسهل في السمع ويقع في النفس٤. وذكر أن كل شعر تركب تركيب الرجز سمي رجزًا٥. والرجز في الوقع سجع موزون. ونجد شبهًا في التوراة، حيث ورد على ألسنة الحكماء العبرانيين في سِفْر الأمثال٦ وعلى لسان بلعام الحكيم٧، الذي جعله بعض العلماء لقمان الحكيم المذكور في القرآن.

стр. 6073

وذكر بعض العلماء أن الرجز إنما سمي رجزًا لأنه تتوالى فيه في أوله حركة وسكون ثم حركة وسكون إلى أن تنتهي أجزاؤه، يشبه بالرجز في رجل الناقة ورعدتها، وهو أن تتحرك وتسكن ثم تتحرك وتسكن١، وقيل سمي بذلك لتقارب أجزائه واضطرابها وقلة حروفه، وقيل لأنه صدور بلا أعجاز. وقيل الرجز ضرب من الشعر معروف وزنه: "مُسْتَفْعِلُنْ" ست مرات، فابتداء أجزائه سببان ثم وتد، ولذلك جاز أن يقع فيه المشطور وهو الذي ذهب شطره، والمنهوك، وهو الذي قد ذهب منه أربعة أجزاء وبقي جزءان٢. وذهب بعض العلماء إلى أن الرجز ثلاثة أنواع غير المشطور، والمنهوك، والمقطع٣. وهو تام ومختصر. والمختصر أنواع: المجزوء والمشطور والمنهوك. وذكر أن الذي جرى على لسان الرسول من الرجز ضربان: المنهوك والمشطور٤. والأرجوزة القصيدة من الرجز، وهي كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، والجمع أراجيز. ويسمى قائله راجزًا ورجَّازًا، ورجازة، ومرتجز٥.وقد فرق علماء الشعر بين الشاعر والراجز، فأطلقوا لفظة "الشاعر" على من ينظم الشعر، أي "القصيدة"، وأطلقوا كلمة "الراجز" على من يرتجز الرجز. فنجدهم يقولون: الأغلب الراجز، والعجاج الراجز، وأبو الزحف الراجز ودكين الراجز وغيرهم٦. وقد اختلف العلماء في طبيعة الرجز، فمنهم من جعله شعرًا صحيحًا، وضربًا من الشعر، معروف وزنه، ومنهم من جعله صنفًا من أصناف الكلام قائمًا بنفسه ليس بشعر، ولا بسجع، وإنما مجازه مجاز الشعر. ونسب إلى الخليل قوله: الرجز شعر صحيح في رواية، وقوله: إنه ليس بشعر، وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث في رواية أخرى٧. ومردُّ اختلافهم فيه هو ما ورد على لسان الرسول من الرجز المنهوك والمشطور، وما ورد في القرآن الكريم من قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاه

стр. 6074

الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ١، و ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وما ورد في كتب الحديث والأخبار من أن الرسول لم يكن ينشد الشعر ولا يقوله وينظمه، لأنه لم يكن شاعرًا وما كان له أن يقوله، وأنه إذا استشهد بالشعر، لم يقمه على وزنه، وإنما كان ينشد الصدر أو العجز، ثم يجيء بالنصف الثاني على غير تأليف الشعر، لأن نصف البيت لا يقال له شعر ولا بيت، ولو جاز أن يقال لنصف البيت شعر، لقيل لجزء منه شعر. وقد جرى على لسان النبي: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. فلو كان شعرًا لم يَجْرِ على لسانه٣. وجاء على لسانه. هل أنت إلا أصبعٌ دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت٤ فالرجز إذن ليس بشعر. وقد رد من يقول إن الرجز شعر على قول من يقول إنه ليس بشعر، بقوله: "معنى قول الله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاه الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ، أي لم نعلمه الشعر فيقوله ويتدرب فيه حتى ينشئ منه كتبًا، وليس في إنشاده ﷺ البيت والبيتين لغيره ما يبطل هذا لأن المعنى فيه أنا لم نجعله شاعرًا"٥، مطبوعًا على نظم الشعر وقوله، ولهذا فلا صلة لموضوع أصل الرجز، هل هو نوع من الشعر، أو ليس بنوع منه مع ما جاء من نفي الشعر عن الرسول. وورد في الحديث، أن الرسول كان يرتجز برجز عبد الله بن رواحة الأنصاري، الشاعر النقيب، وهو ينقل التراب يوم الخندق ويقول:

стр. 6075

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأعداءَ قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا١ ورويت الأبيات بصورة أخرى. فقد رُوي أنه "لما خرج عامر بن الأكوع إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب النبي ﷺ يسوق به الركاب، وهو يقول: تا الله لولا الله ما اهتدينا ... وما تصدقنا ولا صلينا الكافرون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا٢ وموضوع أصل الرجز إذن موضوع ظهر في الإسلام، لما ورد في الأخبار من ارتجاز الرسول بعض الرجز، ولما ورد في القرآن الكريم وفي الحديث من نفي قول الشعر ونظمه عنه. فرأي فريق من العلماء إخراج الرجز من الشعر، لما بينته من أسباب. ورأي فريق آخر، أن الرجز جزء من الشعر، وأن ارتجاز الرسول الرجز، لا يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم، لأن الرسول لم يتدرب عليه ولم يتعلمه ولم ينشأ منه أراجيز، وإنما ارتجز منه قليلا من غير قصد ولا عمد، ولا علاقة لذلك بالانكباب على تعلم الشعر والتخصص به. والدليل على أن الرجز نوع من أنواع الشعر، هو ما يرويه أهل الأخبار أنفسهم من أن قريشًا اجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة وكان ذا سن فيهم، ليتدبروا أمر الناس إذا حضر الموسم، ولإيجاد جواب موحد لهم في أمر القرآن وفيما يجب قوله فيه. فلما قالوا هل: نقول إنه قول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه

стр. 6076

ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر"١. فالرجز -إن صح هذا الخبر- هو مثل الهزج والقريض والمقبوض والمبسوط صنف من أصناف الشعر، ولون من ألوانه، ومن هذه الأصناف المذكورة تكون الشعر في نظر الجاهليين. فالرجز إذن صنف من أصناف الشعر، وبحر من بحوره، له وزن وإيقاع، هكذا كانت نظرة أهل الجاهلية إليه. وهو في الواقع شعر. و"الرجاز شعراء عند العرب وفي متعارف اللسان"٢. "وليس يمتنع الرجز على المقصد امتناع القصيد على الراجز، ألا ترى أن كل مقصد يستطيع أن يرجز وإن صعب عليه بعض الصعوبة، وليس كل راجز يستطيع أن يقصد، واسم الشاعر وإن عمَّ المقصد والراجز فهو بالمقصد أعلق، وعليه أوقع، فقيل لهذا شاعر، ولذلك راجز، كأنه ليس بشاعر، كما يقال خطيب أو مرسل أو نحو ذلك"٣. ولسهولة الرجز على اللسان لم ينظر إليه نظرة إكبار مثل نظرتهم إلى الشعر، هذا أبو العلاء المعري، يجعل جنة الشعراء جنة سامقة، لها بيوت عالية، أما جنة الرجز، فجنة أبياتها ليس لها سموق أبيات الجنة، جُعل فيها: أغلب بني عجل، والعجاج، ورؤبة، وأبو النجم، وحميد الأرقط، وعُذافر بن أوس، وأبو نخيلة، ثم يقول: "تبارك العزيز الوهاب! لقد صدق الحديث المروي: "إن الله يجب معالي الأمور ويكره سفاسفها". وإن الرجز لمن سفساف القريض، قصرتم أيها النفر فقصر بكم"٤. ويعد الرجز من أقدم أنوع الشعر، ومن أبسطه وأيسره على الإنسان، ثم هو خفيف على النفس، فيه طرب وتأثير، وهو مطاوع يؤدي أغراضًا مختلفة، ويصلح لأن يعبر عن أحاسيس متنوعة، حتى يكاد أن يكون مطية الشعراء، يركبها كل من له طبع وذوق وحس مرهف، ومن هنا صار شعر من كان لا يقول الشعر أو لا يحضره إلى في الملمات والأزمات.

стр. 6077

وهو في نظري أقدم من القصيد، لأنه أبسط منه وأسهل على النظم، فهو يمثل المرحلة الأولى من مراحل الشعر المألوف. وقد تكون سهولته في النظم، هي التي جعلت كبار الشعراء يأنفون من النظم به، فهو باب يمكن أن يلجه الشعراء الصغار، وربما يتغلبون به على كبار أهل القصيد، ولعل سهولته هذه قصرت في عمره، إذ جعلت الذاكرة تنساه بسرعة، لسهولته هذه، كما يسرع نسيان السجع والكلام الاعتيادي من الذاكرة فضاع بسبب ذلك الرجز الجاهلي، ولم تبق منه غير بقية قليلة. واستعمل الرجز في أحوال البديهة والارتجال، وقد ارتجز في القتال، وفي الحداء والمفاخرة، وما جرى هذا المجرى، واستعمل في الأعمال التي تحتاج إلى تنشيط وإثارة همم، لما فيه من ملاءمة لذلك. فلما بنى المسلمون مسجد الرسول بالمدينة، وكان الرسول يحمل اللَّبن معهم، كان الصحابة يرتجزون الرجز لإثارة الهمم وللتخفيف من وطأة العمل. قال "أبو عبيدة: إنما كان الشاعر يقول من الرجز البيتين والثلاثة ونحو ذلك، إذا حارب أو شاتم أو فاخر، حتى كان العجاج أول من أطاله وقصده، ونسب فيه، وذكر الديار، واستوقف الركاب عليها ووصف ما فيها، وبكى على الشباب، ووصف الراحلة، كما فعلت الشعراء بالقصيد. فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء. وقال غيره: أول من طوَّل الرجز الأغلب العجلي، وهو قديم، وزعم الجمحي وغيره أنه أول من رجز، ولا أظن ذلك صحيحًا، لأنه إنما كان على عهد رسول الله ﷺ ونحن نجد الرجز أقدم من ذلك"١. وبعد "الأغلب بن جشم بن عمر بن عبيدة بن حارثة العجلي" أول من نحا بالرجز منحى القصيد، فأسبغه وأطاله. وهو من المخضرمين. وقد قتل بنهاوند سنة "٢١هـ". وهو الذي جاء إلى "المغيرة بن شعبة"، فقال له: أرجزًا تريد أم قصيدًا ... لقد طلبت هينًا موجودا وكان الخليفة "عمر" -على ما يذكره أهل الأخبار- كتب إلى المغيرة وهو

стр. 6078

على الكوفة أن استنشد من قبلك من الشعراء عما قالوه في الإسلام مكان الشعر، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه أن أنقص من عطاء الأغلب خمسمائة فزدها في عطاء لبيد١. وروي أن العجاج، وهو عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كثيف بن عمرو أبو الشعثاء التميمي، والد الشاعر رؤبة، هو أول من رفع الرجز وشبهه بالقصيد، وجعل له أوائل٢. وهو من شعراء الإسلام، وكان يفد على ملوك بني أمية من أمثال الوليد بن عبد الملك٣، وسليمان بن عبد الملك٤. وهو قليل الورود في شعر الشعراء الجاهليين، فقلما استعمل "نوابغ الشعراء في زمان الجاهلية" الرجز، كأنه ليس أهلا لمنزلتهم. ففي ديوان امرئ القيس لا نعثر إلا على أربع مقطعات صغيرة منه. أعني اثنتين من المشطور واثنتين من غير المشطور. وأكثر من امرئ القيس ارتجازًا لبيد بن ربيعة من الذين أدركوا الإسلام تنسب إليه خمس عشرة مقطعة في الرجز المشطور، تدور على المفاخرة والحكمة والمعاتبة والمديح والرثاء، وتشتمل إحداهما وهي أطولها على ستة عشر بيتًا. أما دواوين النابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وعلقمة الفحل، فلا شيء فيها من الرجز. وعلى كل حال لم يكن الارتجاز في زمان الجاهلية إلا بصفة قطع صغيرة يقولها الناس غالبًا في الهجاء أو في الحرب وعند اللقاء. أما في القرن الأول للهجرة، فأخذ بعض الشعراء من الفحول ينظمون الشعر في ذلك البحر المحتقر فإلى هذا التغير أشار ابن رشيق القيرواني في كتاب العمدة حين قال: قال أبو عبيدة إنما كان الشاعر يقول من الرجز البيتين والثلاثة ونحو ذلك إذا حارب أو شاتم أو فاخر حتى كان العجاج أول من أطاله وقصده ونسب فيه وذكر الديار واستوقف الركاب عليها ووصف ما فيها

стр. 6079

وبَكَى على الشباب ووصف الراحلة كما فعلت الشعراء بالقصيد، فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء، وقال غيره أول من طوَّل الرجز الأغلب العجلي، وهو قديم. وزعم الجمحي وغيره أنه أول من رجز، ولا أظن ذلك صحيحًا، لأنه إنما كان على عهد رسول الله ﷺ ونحن نجد الرجز أقدم من ذلك. ولكن لا شك في وقوع سهو في آخر كلام ابن رشيق، لأنه من الواضح أن الجمحي إنما أراد بقوله استعمال بحر الرجز في نظم الشعر مثل القصائد، فليس من الممكن أن رجلا عالمًا بتأريخ الشعر ودقائقه مثل الجمحي جهل ما هو متداول عند كل العلماء أن الرجز من أقدم فنون الشعر عند عرب الجاهلية. وقول الجمحي صواب تؤيده عدة نصوص منها شهادة العجاج من أشهر شعراء الأراجيز الذي قال مفتخرًا: وإن يكن أمسي شبابي قد حسر ... وفترت مني البواني وفتر إني أنا الأغلب أضحى قد نشر يعني أنه أحيا طريقة شعر الأغلب. وهو الأغلب بن جشم العجلي عاش في الجاهلية مدة وأدرك الإسلام وأسلم وله شعر في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذاب"١. والهزج نوع من أعاريض الشعر، من الأغاني وفيه ترنم٢. وهو باب معروف من أبواب الشعر عند الجاهليين، كباب الرجز، بدليل جعل الوليد بن المغيرة إياه صنفًا من أصناف الشعر. وقد عرف من كان يقول الهزج بالهزاج. وأهزج إذا هزج الهزج، أي قال به. والهزاجون طبقة امتازت عن غيرها بقولها الهزج، وكانوا يرددونه ترديد الغناء، ولذلك عد من الأغاني، وقالوا: الهزج صوت مطرب. قيل سمي بذلك تشبيهًا بهزج الصوت، وقيل لطيبه لأن الهزج من الأغاني٣. فهي إذن من الشعر الغنائي "Lyric"

стр. 6080

وقد استعمل العرب الهزج في أناشيد التنشيط للقتال، وفي المناسبات العامة، مثل الأفراح، والتجمعات، حيث يترنم القوم جماعةً بأنغام الهزج، فالهزج شعر مقرون بغناء وترنيم. والرَّمَل من الشعر كل شعر مهزول غير مؤتلف البناء. قال بعض العلماء عنه: "وأما الرمل فإن العرب وضعت فيه اللفظة نفسها، عبارة عندهم عن الشعر الذي وضعه أهل الصناعة، لم ينقلوه نقلا علميًّا ولا نقلا تشبيهيًّا. وبالجملة فإن الرمل كل ما كان غير القصيد من الشعر وغير الرجز"١. وقد أخذ علماء العروض اللفظة والمعنى كما سمعوها من العرب ولم يحدثوا عليهما أي تغيير. مما يدل على أنه كان من الأبواب المميزة المعروفة عند الجاهليين. وذلك مثل الرجز والقصيد٢، والمقبوض والمبسوط، على نحو ما ذكرت قبل قليل. وأما "القصيد" من الشعر، فما تم شطر أبياته أو شطر أبنيته، سمي بذلك لكماله وصحة وزنه. سمي قصيدًا لأنه قصد واعتمد، وإن كان ما قصر منه واضطرب بناؤه نحو الرمل والرجز شعرًا مرادًا مقصودًا، وذلك أن ما تم من الشعر وتوفر آثر عندهم وأشد تقدمًا في أنفسهم مما قصر واختل، فسموا ما طال ووفر قصيدًا، أي مرادًا مقصوداً، وإن كان الرمل والرجز أيضا مرادين مقصودين٣. وقيل "القصيد من الشعر المنقح المجود المهذب الذي قد أعمل فيه الشاعر فكرته ولم يقتضبه اقتضابًا كالقصيدة"٤. والقصيد، جمع القصيدة، وقيل: الجمع قصائد وقصيد. سمي قصيدًا لأن قائله احتفل له فنقحه باللفظ الجيد والمعنى المختار، وقالوا: سمي الشعر التام قصيدًا لأن قائله جعله من باله فقصد له قصدًا ولم يحتسه حسيًا على ما خطر بباله وجرى على لسانه، بل روى فيه خاطره واجتهد في تجويده ولم يقتضبه اقتضابًا٥. ويقال قصد الشاعر وأقصد، إذا أطال وواصل عمل القصائد. والذي في العادة أن يسمى ما كان على ثلاثة أبيات أو عشر أو خمس عشرة قطعة، فأما ما زاد

стр. 6081

على ذلك فإنما تسميه العرب قصيدة١. "وقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس. ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة وجاوزها ولو ببيت واحد. ويستحسنون أن تكون القصيدة وِترًا، وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه"٢. فالقصيدة إذن كلمة طويلة بالنسبة إلى القطعة فيها وحدة أطول هي وحدة القصيدة، التي تعرف بفتافيتها٣. ويعبر عنها بلفظة "كلمة" "الكلمة" مجازًا، كما عبر عنها في المؤلفات القديمة٤. وينسب إلى الأخفش قوله: "القصيد من الشعر هو الطويل، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، والوافر التام، والرجز التام، والخفيف التام، وهو كل ما تغنى به الركبان، ولم نسمعهم يتغنون بالخفيف"٥. و"القصد" مواصلة الشاعر عمل القصائد وإطالته كالإقصاد. قال الشاعر: قد وردت مثل اليماني الهزهاز ... تدفع عن أعناقها بالأعجاز أعيت على مقصدنا والرجاز٦. وكلمة "قصيدة" من الكلمات المستعملة في الشعر الجاهلي. جاء أن أحد شعراء "بكر بن وائل" سخر من تغلب لما كانت تتباهى به من ترديدها لقصيدة شاعرها عمر بن كلثوم في مدح نفسه وقومه، فقال: ألهي بني تغلب عن كلمة مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم يروونها أبدًا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسئوم٧ وورد في شعر للمسيب بن علس قوله: فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع٨

стр. 6082

فاللَّفظة إذن من الألفاظ التي استعملها الجاهليون، بمعناها المفهوم. وقد بحث في أصلها علماء اللغة، وذهبوا في تفسيرها مذاهب١. وللمستشرقين كلام في أصلها وفي معناها. ذهب بعض منهم إلى أنها من القصد والغرض، وأنها قيلت في شعر الطلب أولا، ثم أطلقت على كل شعر آخر، ولهذا اقترح بعضهم ترجمتها بشعر الطلب أو شعر التسول، وعارض هذا التفسير بعض آخر، لأن التسول في رأيهم لم يكن الغرض الأول من نظم الشعر، وإنما كان غرضًا من أغراضه، ثم إن أقدم الشعراء الذين قصدوا القصائد لم يكونوا من الشعراء المتسولين، وإنما كانوا من المترفعين المتعالين، ولهذا رفضوا تفسير القصيد بشعر التسول والطلب١، وقال "بروكلمن": "إن صح أن لفظ القصيد بعيد القدم، فمن الممكن أن يكون الغرض والقصد بحسب الأصل غرضًا من أغراض السحر، وكثيرًا ما صار غرضًا سياسيًّا في وقت متأخر، ثم صار يستعمل بأوسع معاني الكلمة في جميع أغراض الحياة الاجتماعية، وإن كان من الحق أنه استعمل أيضًا منذ عهد قديم في أغراض أنانية محضة"٢. وتعرف القصيدة بالقافية كذلك. واستشهد العلماء على ذلك بقول الخنساء: فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء وبقول آخر: نبئت قافية قيلت تناشدها ... قوم سأترك في أغراضهم ندبا وذكروا أن القافية في قول حسان بن ثابت: فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء قد تعني القصيدة، وقد تعني البيت منها. "قال الأزهري: العرب

стр. 6083

تسمي البيت من الشعر قافية، وربما سموا القصيدة قافية، ويقولون رويت لفلان كذا وكذا قافية١. والقافية هي "ميقف" في العبرانية. وأطلقت على القصيدة لفظة "كلمة"، وقد استعملها ابن سلام في مواضع من كتابه "طبقات الشعراء"، فتجده يقول: "ومن شعر حسان الرائع الجيد ما مدح به بني جفنة من غسان ملوك الشأم في كلمة"، ثم ذكر القصيدة، ثم يقول: "وقوله في الكلمة الأخرى الطويلة"٢، و"قال في يوم أحد كلمة قال فيها"٣، ويقول "وكان أبو الصلت يمدح أهل فارس حين قتلوا الحبشة في كلمة قال فيها"٤، و"السموأل بن عادياء يقول في كلمة له طويلة"٥، ووردت في مواضع عديدة أخرى بهذا المعنى وفي بقية كتب الشعر والأدب. وتتألف القصيدة من أبيات. والبيت هو بيت الشعر٦. ويتكون البيت من شطرين. والشَّطْرُ نصف الشيء. فشطر البيت نصفه٧. والبيت في القصيدة الجاهلية وحدة معنوية مستقلة قائمة بذاتها، إذا انتزعت بيتًا منها، أو تركت بيتًا، أو قدمت فيها بيتًا على بيت، أو أخرت في أبياتها، فإنك لا تكاد تفصم عرى القصيدة ولا تؤثر على ترابط معناها في الغالب، لأن كل بيت منها وحدة قائمة بذاتها لا تتصل بما قبلها أو بما بعدها إلا بسبب الوزن والقافية. وقد عرفت بعض الأبيات بالأوابد. والأوابد من الشعر: الأبيات السائرة كالأمثال٨. وذكر أن الأوابد الشوارد من القوافي٩، ورد في كتب اللغة: "ومن المجاز أبد الشاعر يأبد أبودًا، إذا أتى العويص في شعره. وهي الأوابد والغرائب وما لا يعرف معناه على بادئ الرأي"١٠.

стр. 6084

وتكون القصائد طويلة في الغالب، أما القطع، فهي أقصر من القصيدة، وفيه كان "ابن الزبعري"، لا ينظم القصائد الطوال، ويميل إلى القطع، وكان عذره "أن القصار أولج في المسامع، وأجول في المحافل". وللشعراء الطوال والقصار، كل حسب المناسبة١. وقد اختتمت بعض القصائد الجاهلية بالحكم والأمثال وبالأقوال المأثورة. وللقصائد الطوال المحبوكة حبكًا حسنًا، والمنظومة نظمًا جيدًا، سابقة وقدم على مثيلاتها من القصائد الوسط أو القصيرة، ومن هنا اختار حماد الراوية "السبع الطوال" "السبع الطول" من الشعر الجاهلي، وزعم في أصلها ما زعم. ونظم القصيدة الطويلة، يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تمكن من الشعر، وإلا أصابها الوهن والعجز، ومن هنا عد أصحاب المطولات الجيدة من أحسن الشعراء. وقد ذهب "غرونباوم" إلى أن القصيدة العاشرة من القصائد المنسوبة إلى "عمرو بن قميئة"، ربما تكون أقدم قصيدة تامة وصلت إلينا من الشعر الجاهلي، "على أنها لم تكن بعد تفي بجميع مقتضيات النقاد النظريين، لأنها لا تشمل، في الأبيات التسعة عشر التي تلي النسيب، إلا على وصف سحابة ممطرة، ومدح رجل يدعى امرأ القيس بن عمرة. ولو أن هذه القصيدة تأخرت عن العصر، بوقت قصير، لاعتبرت أثرًا غثًّا. وليس السبب في ذلك أن عدد أبيات القصيدة من بعد قد ازداد إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، أو بلغ أو جاوز المائة، وإنما هو في كثرة المشاهد التي حشدت حتى تحققت هذه المنظومات الرائعة. ومن شواهد ذلك قصيدتان للأعشى "حوالي ٥٦٥- ٦٢٩م" هما الأول والسادسة من ديوانه، وأولى قصائد أبي ذؤيب الهذلي "ت حوالي ٦٥٠م"، وفيها تصوير لسلطة القدر المحتوم في ثلاثة مشاهد مؤثرة تمثل مصرع حمار الوحش القوي وثور الوحش الهائج، والفارس الشاكي السلاح المستجن بدرعه. وإذ كان الحافز لقول القصيدة هو وفاة ابن الشاعر، فقد جمعت هذه القصيدة جمعًا موفقًا بين مزايا المرثية وخصائص القصيدة"٢. وقد بلغ الشعر الجاهلي ذروته عند ظهور الإسلام. كان الشعراء في هذا العهد ينظمون القصيد ببحوره التي ضبطت وثبتت في الإسلام، في مقاصد أشرت إليها

стр. 6085

في موضع آخر من هذا الجزء من الكتاب، كما كانوا قد طوروا الرجز وتفننوا فيه. وقد أدى ظهور الإسلام إلى إحداث تغير في نمط نظم القصائد، لأن الإسلام حدث تأريخي جاء برأي في شئون الحياة جديد، فكان لا بد للشعراء من مجاراة هذا التيار الفكري، لا سيما بعد خروج العرب من جزيرتهم وانتشارهم في أرضين جديدة غنية، وحكمهم لأقوام كانت لهم حضارة، فكان لا بد من تأثر النفس بالوضع الجديد، والشعر تعبير عن النفوس والأحاسيس. والقافية من الشعر الذي يقفوا البيت، سميت قافية لأنها تقفوه، أو لأن بعضها يتبع أثر بعض. وقيل: هي آخر كلمة في البيت، أو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، وهو المسمى رويًّا. وعرف الخليل القافية بقوله: "القافية من آخر حرف ساكن فيه، أي في البيت، إلى أول ساكن يليه مع الحركة التي قبل الساكن"١. وأرى أن هذا التعريف قد أخذه الخليل من أهل الكتاب. فالقافية بهذا التعريف تقابل Maqqeph "مقف" "مقيف" عند العبرانيين٢، و"المقيفات" هي التي تحدد الشعر، وتجعل من الكلام المؤلف من "مقيفات" شعرًا، ولا يستبعد استعمال الجاهليين لهذا المصطلح استعمال العبرانيين والسريان له، لما دوَّن الخليل علم العروض أخذ هذا المصطلح منهم، ودليل ذلك ورود لفظة "قافية" و"القوافي" في الشعر قبل أيام الخليل٣، ثم اختلاف العلماء وتباين آرائهم في معنى القافية٤. ويذكر أهل الأخبار أن مهلهل بن ربيعة، وهو خال امرئ القيس الشاعر، وجد عمرو بن كلثوم هو أول من قصد القصائد. وقد قال الفرزدق فيه: ومهلهل الشعراء ذاك الأول٥ فهو أول شعراء القصائد، وهو متقدم على امرئ القيس.

стр. 6086

ويرى "فون غرونباوم" أن الشعراء حرصوا منذ حوالي السنة ٥٠٠م على التصريع في المطلع، ثم التزام قافية واحدة في جميع أبيات القصيدة، من أولها إلى آخرها، بحيث يسوغ القول: إن القافية الواحدة أدل على وحدة القطعة الشعرية من المعاني الواردة فيها. "ويتجلى في أقدم المحفوظ من الشعر العربي تنويع عظيم في الوزن، وصقل بارع في التعبير اللغوي. وهذا يعني أنه كان قد نشأ، قبل ذلك، مذهب شعري ينص على التنويع والصقل المشار إليهما. وأخذت الأقطار المختلفة تؤثر أوزانًا مختلفة، ويكاد يكون من المرجح أن الفرس قد تركوا، في شعر الأقدمين من شعراء العراق، تأثيرًا بالغًا في الطريقة الفنية. فهنالك وزنان على الأقل، امتاز بهما هؤلاء الشعراء هما الرمل والمتقارب، وربما زدنا إليهما الخفيف. ويبدو أنها جميعًا اقتبست من أصول فارسية بهلوية، وحورت بما يلائم الأوضاع العربية. وربما كان للسريان فضلٌ ما في وضع المصطلحات الفنية الأولى مثل كلمة "البيت" أي "الخيمة" لتدل على الوحدة الجزئية من القصيدة. لكن كان لنظرية الفن العروضي، على العموم نشأة مستقلة، فالخليل بن أحمد "ت١٧٥هـ- ٧٩١م"، وضع قواعد العروض العربي بعد ذلك بزمن طويل، وقد بقيت قواعده معتمد الأدباء عبر القرون. فقد أقر الخليل ستة عشر وزنًا، واطرح بعض الأوزان الهزيلة التي كان القدماء قد استنبطوها. ثم إنه جرى على طريقة، جرى عليها النحاة من بعد في الرمز إلى صيغة اللفظة، فأشار إلى وحدة الإيقاع الشعري بصيغة مشتقة من فعل"١. وقد تكلف الناس كثيرًا، وحملوا أنفسهم حملا ثقيلا، باعتذارهم عن أمور متكلفة وردت في شعر زعم أنه كان للقدماء من الشعراء، فالتصريع مثلا، إذا كثر استعماله في القصيدة دل في نظر العلماء بالشعر على التكلف، إن كان من المحدثين، أما إذا كان من المتقدمين، لا يعد متكلفًا في نظرهم، واعتذروا عنه بأنه جرى على عادة الناس، لئلا يخرج عن المتعارف. ومن هذا القبيل التصريع المنسوب إلى امرئ القيس:

стр. 6087

تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر١ ونسبوا إلى امرئ القيس "المسمط" من الشعر. والشعر المسمط الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة أو منهوكة مقفاة، وتجمعها قافية مخالفة لازمة للقصيدة حتى تنقفى. وقيل: أبيات مشطورة تجمعها قافية واحدة، وهو الذي يقال له عند المولدين "المخمس". ومن أنواعه المسبع والمثمن، وقيل المسمط من الشعر أبيات تجمعها قافية واحدة مخالفة لقوافي الأبيات. وقيل المسمط من الشعر ما قفي أرباع بيوته وسمط قافية مخالفة. يقال: قصيدة مسمطة وسمطية. ومن الشاعر المسمط المنسوب إلى امرئ القيس قوله: ومستلثم كشفت بالرمح ذيله ... أقمت بعضب ذي سفاسق ميله فجعت به في ملتقى الخيل خيله ... تركت عتاق الطير تحجل حوله كأن على أثوابه نضح جريال ونسب له قوله: توهمت من هند معالم أطلال ... عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي مرابع من هند خلت ومصايف ... يصيح بمغناها صدى وعوازف وغيرها هوج الرياح العواصف ... وكل مسف ثم آخر رادف بأسحم من نوء السماكين هطال٢ وتعرض المعري للتسميط في رسالة الغفران، حين التقى بامرئ القيس، فسأله: "أخبرني عن التسميط المنسوب إليك، أصحيح هو عنك؟ وينشده الذي يرويه بعض الناس:

стр. 6088

يا صحبنا عرِّجوا ... نقف بكم أسج مهرية دُلُج ... في سيرها مُعج طالت بها الرحل فعرجوا كلهم ... والْهَمّ يشغلهم والعيس تحملهم ... ليست تعللهم وعاجت الرمل يا قوم إن الهوى ... إذا أصاب الفتى في القلب ثم ارتقى ... فهد بعض القوى فقد هوى الرجل فيجيب المعري على لسانه بقوله: "لا والله ما سمعت هذا قط، وإنه لقرى لم أسلكه، وإن الكذب لكثير، وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام، ولقد ظلمني وأساء إليّ! أبعد كلمتي التي أولها: ألا أنعم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي وقولي: خليليّ مرّا بي على أم جندب ... لأقضي حاجات الفؤاد المعذب يقال لي مثل ذلك؟ والرجز من أضعف الشعر، وهذا الوزن من أضعف الرجز"١. ونسبوا إليه كثرة التصريع في غير أول القصيدة، وكثرة استعمال الضرب المقبوض في الطويل، وكثرة الأقواء في القافية٢. ويعد الأقواء من عيوب الشعر، غير أننا لا نستطيع مجاراة علماء العروض في هذا الرأي، إذ يجوز ألا يكون الاقواء عيبًا عند أهل الجاهلية، وإنما صار عيبًا في الإسلام، بعد تثبيت قواعد اللغة والبحور. ونجد هذا الرأي مثبتًا في رسالة الغفران.

стр. 6089

ولا يمكن أن نتصور أن القصائد الجاهلية الطويلة قد نظمت على نحو ما يرويها أهل الأخبار، دون إجراء أي تغيير أو تحوير عليها. فقد كان الشاعر ينفصل فيتعلم قصيدته ويحفظها راويته ويذيعها بين الناس، ثم يحدث أن تخطر له خواطر أو يسمع نقدًا لبعض أبياتها، أو توجيهًا يبديه له بعض أصدقائه أو يسمع تنبيهًا موجهًا إليه بوجود شيء في قصيدته غفل عنه، فيجري بعض التغيير عليها من تعديل أو زيادة أو نقصان، قد يحفظ ويروى، وقد يهمل ويترك، ولهذا فنحن لا نستطيع الادعاء: أن نظم القصائد كان نظمًا تامًّا، لم يشمله أي تعديل أو تبديل وأن الشاعر لم يكن ينشد قصيدته إلا بعد أن يكون قد اطمأن منها وضبطها ضبطًا تامًّا. "ومن الشعراء من يحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئًا، ففي الجاهلية منهم: زهير، والنابغة، والأعشى. وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز، وطرفة وله كمثل ذلك، ولبيد وقد أكثر"١. وليس في مستطاع أحد إثبات أن البحور المدونة في علم العروض، هي كل بحور الشاعر الجاهلي وأوزانه، لم يهمل منها وزن، ولم ينس منها بحر، لأن على من يدعي هذه الدعوى، إثبات أن الإسلاميين الذين جاءوا بعد الجاهليين قد أحاطوا علمًا بكل الشعر الجاهلي، وأنهم أحصوه عددًا، فلم يتركوا منه بيتًا ولا قطعة ولا قصيدة. وعلماء الشعر ينفون ذلك ويقولون: "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيط، أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها"٢. ويرى "غرونباوم" أن الشعر الجاهلي قد تطور: "وتتجلى فيه معالم التطور بصورة واضحة: فمن ذوبان اللهجات المتعددة في لغة واحدة، تجمَّع فيها تراث المدارس المختلفة واللهجات المتباينة بصورة متزايدة حتى تحقق حوالي سنة ٦٠٠، إلى زيادة القيود في نظام العروض الفني، فإن ظفر بعض الفئات باستنباط تعابير

стр. 6090

جديدة لم تلبث أن شاعت تدريجيًّا في أوساط أخرى، وأخيرًا إلى اتجاه سياق الشعر نحو الاتساع وعدد أبيات القصيدة إلى الازدياد. إن تحليل هذا النمو السريع نسبيًّا، على ضوء ما نعرفه عن المخلفات القديمة ليحملنا على الاعتقاد بأن وضع تأريخ معين يحدد بدء الشعر العربي الفني أمر متعذر، ولكن الغالب على الظن أن أوائل هذا الشعر لا تتخطى أقدم المدونات التي بلغتنا بزمن طويل. وهذا الحكم إنما ينطبق على الطبقة الشعرية الثالثة والأخيرة لا غير. ولئن تعاصرت هذه الطبقات الشعرية الثلاث معًا في الفترة الجاهلية المذكورة، فمن البدهي أنها لم تبرز إلى الوجود في وقت واحد"١.

стр. 6091

التمليط: وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيمًا وهذا قسيمًا لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه١، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتوأم اليشكري: إن كنت شاعرًا كما تقول فملط أنصاف ما أقول فأجزها، قال نعم. فقال امرؤ القيس: أحار ترى بريقًا هب وهنا فقال التوأم اليشكري: كنار مجوس تستعر استعارا فقال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كأن هزيمه بوراء غيث

стр. 6092

فقال التوأم: عشار وإله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن علا كتفي أضاخ فقال التوأم: وهت أعجاز رييِّه فحارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك بذات الشر ظبيًا وقال التوأم: ولم يترك بجهلتها حمارا فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك الحرس من يمانته، آلى ألا ينازع الشعر أحدًا آخر الدهر. وذكر أن شعر التوأم في هذا التمليط، أقوى من شعر امرئ القيس، لأن امرأ القيس مبتدئ ما شاء، وهو في فسحة مما أراد، والتوأم محكوم عليه بأول البيت، مضطر في القافية التي عليها مدارها جميعًا، ومن ههنا عرف له امرؤ القيس من حق المماتنة ما عرف. ونازع أيضًا علقمة بن عبدة، فكان من غلبة علقمة عليه ما كان١. والمماتنة المعارضة في جدل أو خصومة، والمباهاة في الجري أو في الشعر، بأن يتماتن شاعران أو أكثر ليتبين أيهم أشعر٢. وقد يمتحن الشعراء بعضهم بعضًا قول الشعر، كأن يقول أحدهم بيتًا أو نصف بيت، ثم يقول لصاحبه: أجز، ليقدم مثله، قيل: قال زهير بن أبي سلمى بيتًا ثم أكدى، ومر به النابغة الذبياني، فقال له: يا أبا أمامة، أجز، قال: ماذا؟ قال:

стр. 6093

تزال الأرض إما مت خفا ... وتحيا ما خييت بها ثقيلا نزلت بمستقر العز منها ... .................... فماذا قال؟ فأكدى النابغة أيضًا، وأقبل كعب بن زهير، وهو غلام، فقال له أبوه: أجز يا بني، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأول ومن الثاني قوله: نزلت بمستقر العز منها، فقال كعب: فنمنع جانبيها أن يزولا١ ومن الإجازة قول حسان بن ثابت: متاريك أرباب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها وأجبل، فقالت ابنته: يا أبت، ألا أجيز عنك، فقال: أو عندك ذاك؟ قالت: نعم، قال: فافعلي، فقالت: مقاويل للمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها فحمى حسان عند ذاك، فقال: وقافية مثل السنان ردفتها ... تناولت من جو السماء نزولها فقالت ابنته: يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها٢

стр. 6094

الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: العروض ... الفَصْلُ التَّاسِعُ والأربعون بعدَ المائةِ: الْعَرُوضُ والعروض ميزان الشعر، سمي به لأنه به يظهر المتزن من المنكسر عند المعارضة بها. وذكر الأخباريون جملة تفسيرات لسبب تسميتهم العروض عروضًا، منها أنه علم الشعر، ألهم الخليل به بمكة، ومكة من العروض، فقيل لهذا العلم عروضًا١، ومنها: أنه إنما سمي عروضًا لأن الشعر يعرض عليه، ومنها: أنه إنما عرف بعروض الشعر، بقولهم: فواصل أنصاف الشعر، وهو آخر النصف الأول من البيت. فالنصف الأول عروض؛ لأن الثاني يبنى على الأول والنصف الأخير الشطر أو لأن العروض طرائق الشعر وعموده مثل الطويل، فيقال هو عروض واحد. واختلاف قوافيه يسمى ضروبًا٢. أو لأنه إن عرف نصف البيت، وهو العروض سهل تقطيع البيت حينئذ، ولذلك قيل له العروض٣. وذهب البعض إلى أنه إنما عرف بذلك من العرض، لأن الشعر يعرض على هذه الأوزان فما وافق كان صحيحًا وما خالف كان سقيمًا. وقيل من العروض، أي الطريق التي في الجبل، والمراد الطريق التي سلكتها العرب، وقيل لما شبهوا البيت من الشعر ببيت الشعر، شبهوا العروض الذي يقيم وزنه بالعروض، وهي الخشبة المعترضة

стр. 6095

في سقف البيت، كما شبهوا الأسباب بالأسباب والأوتاد بالأوتاد، والفواصل بالفواصل١. وعلم العروض، هو علم الشعر والقافية، ويرادفه علم الوزن: وزن الشعر، ويدل اختلافهم الشديد في تعريفه على عدم وجود رأي واضح عند العلماء عن منشئه وعن كيفية ظهوره٢. وعندي أن في اختلاف العلماء هذا الاختلاف الشديد في سبب تسمية العروض عروضًا، دلالة على أن اللفظة من الألفاظ التي كانت مستعملة قبل الإسلام، وأنها لم تكن من وضع "الخليل" وإنما كانت لفظة قديمة جاهلية قصد بها النظر في الشعر والبصر بدروبه وأبوابه وطرقه، فلو كانت الكلمة إسلامية ومن وضع "الخليل" لما وقع بينهم هذا الاختلاف، وما كان "الخليل" ليهمل السبب الذي حمله على اختيار هذه التسمية، ولسأله العلماء حتمًا عن السبب الذي جعله يسمي هذا العلم عروضًا، فقد عودنا العلماء، أنهم إذا وقفوا أمام أمر قديم جاهلي، وهم لا يعرفون من خبره شيئًا، جاءوا بآراء متباينة وبتعليلات مختلفة، لبيان العلل والأسباب. ولو كان العروض من العلوم أو المسميات التي وضعت في الإسلام، لما اختلفوا في تعريفه هذا الاختلاف، وفي اختلافهم هذا الاختلاف في تعريفه، دلالة على قدمه قياسًا على ما عرفناه عنهم، من اختلافهم في تفسير المصطلحات والمسميات القديمة. وقد قال قوم في الإسلام لا حاجة إلى العروض، لأن من نظم بالعروض شق ذلك عليه وأتى به متكلفًا، ومن نظم بالطبع السليم والسليقة جاء شعره طبيعيًّا سليمًا٣. ولا بد وأن تكون هذه المعارضة قد ظهرت بعد ظهور علم العروض وتدوينه وتثبيت قواعده، ومحاولة العروضيين فرض سلطان قواعدهم على الشعر والشعراء، ولما كان الشعراء ينظمون الشعر بسليقتهم وفق عرفهم الذي ألفوه وتعودوا عليه، وعن طبع وموهبة فيهم، لم يحفلوا بالعروض، وصار العروض علمًا يحفظه من لا يقرض الشعر الرفيع العالي المنبعث عن شاعرية وعاطفة وهيجان خاطر، وصار شعر العروضي شعرًا متكلفًا في الغالب، لا يداني شعر الشعراء
следующие страницы →