← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

التمليط: وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيمًا وهذا قسيمًا لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه١، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتوأم اليشكري: إن كنت شاعرًا كما تقول فملط أنصاف ما أقول فأجزها، قال نعم. فقال امرؤ القيس: أحار ترى بريقًا هب وهنا فقال التوأم اليشكري: كنار مجوس تستعر استعارا فقال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كأن هزيمه بوراء غيث

стр. 6092

فقال التوأم: عشار وإله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن علا كتفي أضاخ فقال التوأم: وهت أعجاز رييِّه فحارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك بذات الشر ظبيًا وقال التوأم: ولم يترك بجهلتها حمارا فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك الحرس من يمانته، آلى ألا ينازع الشعر أحدًا آخر الدهر. وذكر أن شعر التوأم في هذا التمليط، أقوى من شعر امرئ القيس، لأن امرأ القيس مبتدئ ما شاء، وهو في فسحة مما أراد، والتوأم محكوم عليه بأول البيت، مضطر في القافية التي عليها مدارها جميعًا، ومن ههنا عرف له امرؤ القيس من حق المماتنة ما عرف. ونازع أيضًا علقمة بن عبدة، فكان من غلبة علقمة عليه ما كان١. والمماتنة المعارضة في جدل أو خصومة، والمباهاة في الجري أو في الشعر، بأن يتماتن شاعران أو أكثر ليتبين أيهم أشعر٢. وقد يمتحن الشعراء بعضهم بعضًا قول الشعر، كأن يقول أحدهم بيتًا أو نصف بيت، ثم يقول لصاحبه: أجز، ليقدم مثله، قيل: قال زهير بن أبي سلمى بيتًا ثم أكدى، ومر به النابغة الذبياني، فقال له: يا أبا أمامة، أجز، قال: ماذا؟ قال:

стр. 6093

تزال الأرض إما مت خفا ... وتحيا ما خييت بها ثقيلا نزلت بمستقر العز منها ... .................... فماذا قال؟ فأكدى النابغة أيضًا، وأقبل كعب بن زهير، وهو غلام، فقال له أبوه: أجز يا بني، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأول ومن الثاني قوله: نزلت بمستقر العز منها، فقال كعب: فنمنع جانبيها أن يزولا١ ومن الإجازة قول حسان بن ثابت: متاريك أرباب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها وأجبل، فقالت ابنته: يا أبت، ألا أجيز عنك، فقال: أو عندك ذاك؟ قالت: نعم، قال: فافعلي، فقالت: مقاويل للمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها فحمى حسان عند ذاك، فقال: وقافية مثل السنان ردفتها ... تناولت من جو السماء نزولها فقالت ابنته: يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها٢

стр. 6094

الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: العروض ... الفَصْلُ التَّاسِعُ والأربعون بعدَ المائةِ: الْعَرُوضُ والعروض ميزان الشعر، سمي به لأنه به يظهر المتزن من المنكسر عند المعارضة بها. وذكر الأخباريون جملة تفسيرات لسبب تسميتهم العروض عروضًا، منها أنه علم الشعر، ألهم الخليل به بمكة، ومكة من العروض، فقيل لهذا العلم عروضًا١، ومنها: أنه إنما سمي عروضًا لأن الشعر يعرض عليه، ومنها: أنه إنما عرف بعروض الشعر، بقولهم: فواصل أنصاف الشعر، وهو آخر النصف الأول من البيت. فالنصف الأول عروض؛ لأن الثاني يبنى على الأول والنصف الأخير الشطر أو لأن العروض طرائق الشعر وعموده مثل الطويل، فيقال هو عروض واحد. واختلاف قوافيه يسمى ضروبًا٢. أو لأنه إن عرف نصف البيت، وهو العروض سهل تقطيع البيت حينئذ، ولذلك قيل له العروض٣. وذهب البعض إلى أنه إنما عرف بذلك من العرض، لأن الشعر يعرض على هذه الأوزان فما وافق كان صحيحًا وما خالف كان سقيمًا. وقيل من العروض، أي الطريق التي في الجبل، والمراد الطريق التي سلكتها العرب، وقيل لما شبهوا البيت من الشعر ببيت الشعر، شبهوا العروض الذي يقيم وزنه بالعروض، وهي الخشبة المعترضة

стр. 6095

في سقف البيت، كما شبهوا الأسباب بالأسباب والأوتاد بالأوتاد، والفواصل بالفواصل١. وعلم العروض، هو علم الشعر والقافية، ويرادفه علم الوزن: وزن الشعر، ويدل اختلافهم الشديد في تعريفه على عدم وجود رأي واضح عند العلماء عن منشئه وعن كيفية ظهوره٢. وعندي أن في اختلاف العلماء هذا الاختلاف الشديد في سبب تسمية العروض عروضًا، دلالة على أن اللفظة من الألفاظ التي كانت مستعملة قبل الإسلام، وأنها لم تكن من وضع "الخليل" وإنما كانت لفظة قديمة جاهلية قصد بها النظر في الشعر والبصر بدروبه وأبوابه وطرقه، فلو كانت الكلمة إسلامية ومن وضع "الخليل" لما وقع بينهم هذا الاختلاف، وما كان "الخليل" ليهمل السبب الذي حمله على اختيار هذه التسمية، ولسأله العلماء حتمًا عن السبب الذي جعله يسمي هذا العلم عروضًا، فقد عودنا العلماء، أنهم إذا وقفوا أمام أمر قديم جاهلي، وهم لا يعرفون من خبره شيئًا، جاءوا بآراء متباينة وبتعليلات مختلفة، لبيان العلل والأسباب. ولو كان العروض من العلوم أو المسميات التي وضعت في الإسلام، لما اختلفوا في تعريفه هذا الاختلاف، وفي اختلافهم هذا الاختلاف في تعريفه، دلالة على قدمه قياسًا على ما عرفناه عنهم، من اختلافهم في تفسير المصطلحات والمسميات القديمة. وقد قال قوم في الإسلام لا حاجة إلى العروض، لأن من نظم بالعروض شق ذلك عليه وأتى به متكلفًا، ومن نظم بالطبع السليم والسليقة جاء شعره طبيعيًّا سليمًا٣. ولا بد وأن تكون هذه المعارضة قد ظهرت بعد ظهور علم العروض وتدوينه وتثبيت قواعده، ومحاولة العروضيين فرض سلطان قواعدهم على الشعر والشعراء، ولما كان الشعراء ينظمون الشعر بسليقتهم وفق عرفهم الذي ألفوه وتعودوا عليه، وعن طبع وموهبة فيهم، لم يحفلوا بالعروض، وصار العروض علمًا يحفظه من لا يقرض الشعر الرفيع العالي المنبعث عن شاعرية وعاطفة وهيجان خاطر، وصار شعر العروضي شعرًا متكلفًا في الغالب، لا يداني شعر الشعراء

стр. 6096

الذين يقولون الشعر، وهم أحرار طلقاء، لعدم وجود الموهبة الشعرية فيهم، والبصر بالعروض يجعل من حافظه شاعرًا. والمعروف بين الناس أن العروض في الإسلام، وضعه "أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم" الفراهيدي الأزدي اليحمدي "١٠٠- ١٧٠، ١٧٥"١. استخرج الأوزان، ودون البحور، "وكان غاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس. وهو أول من استخرج العروض وحصن به أشعار العرب"٢. وقد عرف بـ"صاحب العروض"٣. وقيل عنه: كان "الغاية في تصحيح القياس، واستخراج مسائل النحو وتعليله"٤، "وهو أول من استخرج علم العروض، وضبط اللغة. وكان أول من حصر أشعار العرب. روي عنه أنه كان يقطع العروض فدخل عليه ولده في تلك الحالة فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جن. فدخل الناس عليه وهو يقطع العروض فأخبروه بما قال ابنه، فقال له: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما أقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذلتكا٥ و"الخليل" نفسه من الشعراء، وقد أورد العلماء له شعرًا٦. وقد أورد "ابن قتيبة" له أبياتًا، عقب عليها بقوله: "وهذا الشعر بَيِّن التكلف رديء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصعمي، وشعر ابن المقفع، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر، فإن كان أجودهم طبعًا وأكثرهم شعرًا٧. وقد تعرض "أبو الحسين أحمد بن فارس" لموضوع نشأة النحو والعروض في الإسلام، فقال: "فإنا لم نزعم أن العرب كلها -مدرًا ووبرًا- قد عرفوا

стр. 6097

الكتابة كلها والحروف أجمعها. وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم: فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة، وأبو حية كان أمس، وقد كان قبله بالزمن الأطول من يعرف الكتابة ويخط ويقرأ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ كاتبون". "أفيكون جهل أبي حية بالكتابة حجة على هؤلاء الأئمة؟ والذي نقوله في الحروف، هو قولنا في الإعراب والعروض. والدليل على صحة هذا وأن القوم قد تداولوا الإعراب أنا نستقرئ قصيدة الحطيئة التي أولها: شاقتك أظعان للي ... ى دون ناظرة بواكر فنجد قوافيها كلها عند الترنم والإعراب تجيء مرفوعة، ولولا علم الحطيئة بذلك لأشبه أن يختلف إعرابها لأن تساويها في حركة واحدة اتفاقًا من غير قصد لا يكاد يكون. فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية، وأن الخليل أول من تكلم في العروض، قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول إن هذين العلمين قد كانا قديمًا، وأتت عليهما الأيام، وقلَّا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان، وقد تقدم دليلنا في معنى الإعراب. وأما العروض فمن الدليل على أنه كان متعارفًا معلومًا اتفاق أهل العلم على أن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا -أو من قال منهم- إنه شعر. فقال الوليد بن المغيرة منكرًا عليهم، لقد عرضت ما يقرأه محمد على أقراء الشعر: هزجه ورجزه وكذا وكذا، فلم أره يشبه شيئًا من ذلك. أفيقول الوليد هذا وهو لا يعرف بحور الشعر؟ وقد زعم ناس أن علومًا كانت في القرون الأوائل والزمن المتقادم، وأنها درست وجددت منذ زمان قريب، وترجمت وأصبحت منقولة من لغة إلى لغة. وليس ما قالوا ببعيد"١. "ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر. فكتبوا ذوات

стр. 6098

الياء بالياء، وذوات الواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا في مثل "الخبء" و"الدفء" و"الملء" فصار ذلك كله حجة، وحتى كره العلماء ترك أتباع المصحف من كره"١. فابن فارس إذن من الذين رأوا أن العرب الجاهليين كانوا على علم بالعربية وبعروض الشعر، قبل أبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي. وأن فضل الرجلين على العلم، إنما هو في جمع علم الأوائل وتثبيته وتدوينه، وهو فضل لا ينتقصه عليهما منتقص. وهو استنتاج يتفق مع قواعد المنطق تمام الاتفاق. لأن من غير المعقول أن يضع إنسان قواعد لغة أو قواعد شعر، من غير أن يكون له علم سابق بأنواع الكلام وباختلاف الإقراء وبالأسس اللغوية والنحوية التي لا بد من تعلمها حتى يتمكن المرء من بناء قواعد أساسية عليها ومن حصر دائرة العلم والإحاطة بأغصان شجرة ذلك العلم، ويكاد يكون من المستحيل وضع قواعد العربية، أو علم العروض على النحو الذي يعرضه علينا علماء اللغة والشعر، من رجل لا علم مسبق له بقواعد اللغة وبأمور الشعر. وفي خبر أن رسول الله دخل المسجد فرأى رجلا يحدث الناس بأنساب العرب وأيامها وبالأشعار، والعربية، فقال رسول الله: "ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه، وإنما العلم ثلاثة: آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة وما خلاها فهو فضل"٢. والأمور المذكورة هي مما كان يتحدث به أهل العلم والثقافة من الجاهليين. والشعر في طليعة تلك الموضوعات، ولا يراد به إنشاده فقط، بل كانوا ينشدونه ويذكرون المناسبات المتعلقة به ومزاياه وعيوبه، ولا أعتقد أن المراد بالعربية مجرد تفسير المفردات، بل كل ما يخصها من أمور. وفي جملة ذلك أخطاء القول، وقواعد العرب في القول. ويذكر أهل الأخبار أن الذي حمل الخليل على وضع العروض، هو أنه مر بسوق الصفارين أو بحارة القصارين، فسمع الدق بأصوات مختلفة، فأعجبه، وقال: والله لأضعن على هذا المعنى علمًا غامضًا، فصنع هذا العروض على حدود

стр. 6099

الشعر وجعل بحورها ستة عشر بحرًا١. وهي قصة باردة من قصص أهل الأخبار، فقد كانوا يضعون مثل هذا القصص حين يسألون عن أمور، لا يكون لهم علم بها، وهل يعقل أخذ الخليل بحوره من دق مطارق الصفارين المزعجة، التي تخرش الأذن، وتبعد الإنسان عن التفكير، وتطير من الدماغ ما قد يكون فيه من علم. فالقصة من مخترعات أهل الأخبار وضعوها في إيجاد سبب لوضع هذا العلم، فربطوا بين دق مطارق الصفارين وبين تقطيع الشعر. ولا يعقل في نظري أن يكون الخليل قد وضع العروض من غير علم مسبق بأصول نظم الشعر عند أهل الجاهلية. إذ لا يمكن للحس المرهف وحده أن يبتكر العلم ابتكارًا من غير علم مسبق وقواعد سابقة وأصول مقررة معروفة. ولا يعقل أن يكون الخليل قد وضع الأسماء والمصطلحات والتعاريف بنفسه من غير رجوع إلى علم سبق للشعراء الجاهليين أن وضعوه، ومن رجوع إلى قواعد ومصطلحات سبق أن كانت مقررة، ففي أخبار أهل الأخبار أن أهل الجاهلية كان لهم علم بالشعر، كالذي ذكرته من مثل "حال الجريض دون القريض"، وما روي على لسان الوليد بن المغيرة من قوله في اتهام قريش للرسول من أنه شاعر: "لقد عرفت الشعر ورجزه وهزجه وقريضه فما هو به"٢. وما روي عن إسلام أبي ذر الغفاري ومن قول أخيه أنيس له: "لقيت رجلا على دينك يزعم أن الله أرسله" فلما سأله أبو ذر "فما يقول الناس؟ قال: "يقولون ساحر كاهن شاعر. وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد، أي على طريق الشعر وبحوره"٣. وقد ورد أن أهل يثرب كانوا يعرفون الإقواء والإكفاء في الشعر، وكانوا يعدونهما من عيوب الشعر٤. وقد علمنا أن مصطلح الرجز والهزج والرمل والقصيد، وأمثال ذلك هي من مصطلحات أهل الجاهلية. ثم إن أكثر مصطلحات العروض هي مصطلحات كانت معروفة في الجاهلية، وقد أخذت

стр. 6100

من حياتهم، فهي ليست بمصطلحات مبتكرة، حتى نقول إن الخليل أوجدها من عنده، وإن علم العروض علم مستحدث نتيجة لذلك، أوجده الخليل بملاحظاته وذكائه من دون علم سابق بأصول الشعر. وورد أيضًا، أن عتبة بن ربيعة لما مدح القرآن، لما تلاه رسول الله، قالت له قريش: هو شعر، قال: لا لأني عرضته على أقراء الشعر، فليس هو بشعر. أقراء الشعر: طرائقه وأنواعه١. وسئل الحطيئة عن زهير بن أبي سلمى، فقال: "ما رأيت مثله في تكفيه على أكتاف القوافي، وأخذه بأعنتها حيث شاء"٢. وكلام مثل هذا لا يمكن أن يصدر إلا من رجال لهم علم بالشعر وبدروبه وبحوره وأنواعه. والذي أراه، أن شعراء الجاهلية كان لهم علم سابق بالشعر وضعوه قبل الإسلام، ولهم قواعد ورثوها من أسلافهم القدماء في كيفية نظم الشعر ببحور. كانوا يعرفون البحور، وربما كانوا قد وضعوا لها أسماء، على نحو ما يفعله شعراء الشعر العامي في هذا اليوم، وأكثرهم ممن لا يحسن الكتابة والقراءة، غير أنهم يعرفون طرق الشعر العامي ودروبه، سموها بأسماء، وعرفوها، ووضعوا لها أوزانًا وزنوا بها شعرهم، وحكموا بموجبها حكمهم على الشعر، فتراهم ينتقدون شاعرًا فيرفعون شعره، أو يذمونه، يزنون حكمهم بميزان علمهم المتوارث والمتعارف عليه عن الشعر. وقد وضع بعض المحدثين كتبًا في هذا الشعر، وفي ضبط دروبه وتسجيل قواعده. والذي فعله الخليل لا يخرج عن هذا العمل: حصر وسجل ما كان معروفًا بين الشعراء عن بحور الشعر وأبوابه وقواعده، ثم جمعه في كتاب فعد بعمله هذا مؤسس علم العروض. وإنما هو في الواقع جامع شتات هذا العلم ومسجل قواعد الشعر وبحوره. فهو بذلك أول من فعل هذا الفعل على ما أعلم. وهو عمل يشكر بالطبع عليه. والذي أعانه وساعده على هذا الحصر والجمع، هو وجوده في العراق، وكان أهل العراق يتدارسون النحو والشعر واللغة قبل الإسلام. كانوا قد نقلوا إلى

стр. 6101

السريانية -لغة الثقافة والعلم- علم اليونان باللغة والنحو والشعر، فساعدهم هذا النقل على تهذيب ما ورثوه من رجالهم من علم بهذه المعارف، وقاسوه بأقيسة ونظموه تنظيمًا علميًّا، وظلوا يتداولونه، فلما دخل منهم من دخل في الإسلام، أو احتك بالمسلمين، وكان عند العرب كلام في اللغة وفي الشعر، ولا سيما عند عرب العراق النصارى، فلا يستبعد عرض هؤلاء ما كان عندهم من علم اللغة والشعر إلى من كان له ميل لمثل هذه الدراسات، كأبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد، فصار هذا العرض سببًا لظهور الأسس في النحو وفي العروض. وقد أدرك ذلك العلماء، فقال الصفدي: "إن الشعر اليوناني له وزن مخصوص ولليونان عروض لبحور الشعر. والتفاعيل عندهم تسمى الأيدي والأرجل، قلت ولا يبعد أن يكون وصل إلى الخيل بن أحمد شيء من ذلك أعانه على إبراز العروض إلى الوجود"١. فهو من ثم "أول من استخرج علم العروض وحصر أشعار العرب فيها"٢، ولكنه لم يكن مخترع هذا العلم وموجده من العدم. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن عروض"Prosody أرسطو هو الذي علم الخليل طريقة وضع العروض واستنباط تفاعيل الشعر وبحوره٣. ولابن خلِّكان رأي طريف في المنبع الذي استمد منه الخليل علم العروض، تراه يتحدث عنه فيقول: "وله معرفة بالإيقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ"٤. وكان الخليل صاحب علم بالموسيقى، ومن بين كتبه "كتاب النغم"، فرجل ذو علم بالموسيقى، وبتقاطيعها وأوزانها، يكون له ميل إلى الشعر وأوزانه، خاصة وأن بين الشعر والغناء والموسيقى روابط قديمة. فقد "كانت العرب تغني النصب، وتمدّ أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء. فقال حسان: تغن بالشعر إما أنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار٥

стр. 6102

وروي أن الخليفة عمر قال يومًا للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من غنائك. فأسمعه كلمة له، قال له: وإنك قائلها؟ قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جِمَال الخطاب"١. فإذا كان العرب قد وزنوا الشعر بالغناء، فلا يستبعد أن يكون الخليل قد ألهم من فعل العرب هذا قبله. وقد ذكرت في الجزء الخامس من هذا الكتاب٢، أنه قد كان للشعر علاقة كبيرة بالغناء، فالغناء هو التغني بالشعر، ولذلك قالوا: تغنى بالشعر، وفلان يتغنى بفلانة إذا صنع فيها شعرًا. وله علاقة بالحداء أيضًا. قال: حدا به، إذا عمل فيه شعرًا٣. فالغناء نغم ووزن ويكون لذلك بكلام موزون. وهو الشعر الذي يناسب نغم الغناء. قال الجاحظ: "العرب تقطع الألحان الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في الوزن اللحن، فتضع موزونًا على غير موزون٤. وقال ابن رشيق: "وزعم صاحب الموسيقى أن ألذ الملاذ كلها اللحن، ونحن نعلم أن الأوزان قواعد الألحان والأشعار معايير الأوتار لا محالة، مع أن صنعة صاحب الألحان واضعة من قدره، مستخدمة له، نازلة به مسقطة لمروءته. ورتبة الشاعر لا مهانة فيها عليه، بل تكسبه مهابة العلم، تكسوه جلالة الحكمة"٥. ولا يستبعد تغني الشعراء الجاهليين بشعرهم، واستعمالهم آلات الموسيقى مثل الرباب لترافق غناهم بشعرهم، كما يفعل شعراء البادية في هذه الأيام. وقد ذكر أن الشاعر عروة بن أذينة، وهو من شعراء العصر الأموي "كان شاعرًا لبقًا في شعره، غزلا. وكان يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثته وينحلها المغنين"٦. وكان من شعراء المدينة٧.

стр. 6103

ومن آيات علم الجاهليين بصناعة الشعر وبفنونه وحذقهم بأساليبه، استعمالهم بحور الشعر حسب المواقف والمناسبات واتخاذهم الإيقاع والنغم وجرس الألفاظ أساسًا في النظم ليكون الشعر مطابقًا للمناسبة التي سينظم لها. فللغناء بحور، وللقتال بحور تثير القلوب وتلهبها، وللسفر وزن، والمناسبات المؤلمة مثل الرثاء والتوجع وزن يناسبها، وكل ذلك ناتج عن طبع وتطبع وعلم بالمناسبة، وقد أشير على هذا الاستعمال في الأخبار. وهذه المناسبات هي التي خلقت تلك البحور. ومن آيات علم الجاهليين بالشعر، ما نقرأه في الأخبار عن علم أهل الجاهلية بطرائق الشعر وأبوابه وبعيوبه وضعفه، ومن أخذهم على الشعراء في أيام الجاهلية وقوعهم في الأخطاء، أو مخالفتهم لأصوله ونغمه وخروجه على ما هو متعارف عليه. وأمثال ذلك مما يدل على أن الشاعر وإن كان ينظم الشعر عن طبع وسليقة، وعن موهبة كامنة فيه، لكنه كان يراعي في نظمه قواعد موروثة معلومة، وأصولا محفوظة، على نحو ما نراه اليوم عند الشعراء الشعبيين، الذين ينظمون الشعر العامي "الشعر النَّبطي"، المقال باللهجات العامية، وفق قواعد مقررة عندهم معروفة، وأبواب مسماة عندهم موسومة، يحفظونها حفظًا، لأنها هي غير مدونة، ثم إن أكثرهم ممن لا يقرأ ولا يكتب. ومما يؤيد هذا الرأي ما جاء في "لسان العرب": "قال أبو الحسن الأخفش: النصب في القوافي، أن تسلم القافية من الفساد، وتكون تامة البناء، فإذا جاء ذلك في الشعر المجزوء، لم يسمَّ نصبًا، وإن كانت قافيته قد تمت، قال: سمعنا ذلك من العرب، قال: وليس هذا مما سمى الخليل، وإنما تؤخذ الأسماء عن العرب"١. فالأسماء والأصول أخذت من العرب، ومعنى هذا أنه قد كان للعرب علم سابق بأصول الشعر وبقواعده، وقد تمكن "الخليل" بذكائه وبتتبعه للعلوم من جمع تلك القواعد، في العروض ومن أخذ ما كان عند الشعراء والعارفين بفنونه من مصطلحات وعلم، فكوَّن من كل ذلك: العَرُوض. هذا وإن المعلوم أن "أرسطو" كان قد ألَّف كتابًا في الشعر وفي العروض "Prosody" وقد تطرق فيه إلى الوزن "Metre" أي وزن الأبيات والقصيدة، كما تلكم عن "التفعيلات"، وعن أنواع النظم، وقد درس كتابه علماء ذلك الوقت.

стр. 6104

ووقف عليه السريان قبل الإسلام، ونقل إلى العربية في الإسلام، قال "ابن النديم": "الكلام على أبوطيقا: ومعناه الشعر، نقله أبو بشر متى من السرياني إلى العربي، ونقله يحيى بن عدي"١. وتوجد ترجمة كتاب "الشعر" في العربية مطبوعة في هذا اليوم، وثبت أيضًا أن البابليين وغيرهم من أهل العراق، كانوا قد وضعوا قواعد في نظم الأشعار وفي تأليف أبياتها، وفي أصول نظمها، فلا استبعد وصولها إلى المتأخرين من العراقيين الذين عاشوا إلى أيام الإسلام، فوقف عليها الخليل، واستنبط منها فكرته في وضع العروض. والذي أراه أن للبت في منشأ علم العروض، لا بد من البحث عن المصطلحات العربية الجاهلية التي كانت شائعة عند العرب في الجاهلية وعند ظهور الإسلام، عن تكوين الشعر وأصول نظمه، ثم تتبع مصطلحات الشعر عند الساميين، مثل الكلدانيين والعبرانيين ومقارنة مسمياتها بالمسميات العربية المنسوبة إلى الخليل، لمعرفة صلتها بعضها ببعض. ومن دراسة البحور، وتفاعليها، وأصول نظمها، فقد ثبت أن لتلك الشعوب قواعد في نظم الشعر، راعاها الشعراء في نظمهم شعرهم٢. ولفظة "بحر" و"البحور" المستعملة في العروض، هي من الألفاظ المعروفة عند الجاهليين. ورد في كتب اللغة أن الشاعر إذا اتسع في القول، قالوا استبحر٣. ولما جاء الحارث بن معاذ بن عفراء على حسان بن ثابت؛ ليستحثه في هجاء النجاشي الذي هجا الأنصار، ألقى عليه حسان ثمانية أبيات، ثم توقف ومكث طويلا على الباب يقول: والله ما أبحرت٤. وذكر أن أبا بكر كان يقدم النابغة على غيره من الشعراء، فلما سئل عن ذلك قال: "هو أحسنهم شعرًا، وأعذبهم بحرًا، وأبعدهم قعرًا"٥. ومن هذا المعنى أخذ مصطلح "بحر" و"بحور الشعر" و"بحور العروض". وكان الجاهليون أصحاب علم إذن بطرق الشعر وببحوره وبمقاصده وإنحائه،

стр. 6105

وكانوا يطلقون على أنواع وعلى ما ذكرت "أقراء الشعر"١. وكانوا ينقحونه ويحكون به حتى يرضون عنه. ويقال للشعر الذي لم يُحْكم ولم يجود "شعر خشيب" و"شعر مخشوب"، عكس الشعر المنقح المجود. ورد على لسان "جندل بن المثنى" قوله: قد علم الراسخ في الشعر الأرب والشعراء أنني لا أختشب حسرى رذاياهم ولكن اقتضب٢ والإقراء في الشعر طرائقه وأنواعه، واحدها قرو وقرى٣. والإكْفاء أحد عيوب القافية الستة التي هي: الإيطاء، والتضمين، والإقواء، والإصراف، والإكفاء، والسِّناد. وقد عرفه العرب الفصحاء، بأنه الفساد في آخر البيت والاختلاف. وكانوا يقولون لمن يخالف بين حركات الروي: أكفأ أو أكفأ الشاعر. وقد كان النابغة يكفئ في شعره. وقد نبَّه إلى ذلك، فتجنب بعضه وهذَّبه٤. والإقواء عيب آخر من عيوب الشعر. وللنابغة في هذا خبر. فلما دخل يثرب، وأنشد داليته المشهورة، عيب عليه فيها فلم يفهم موطن العيب فيه، وهو الإقواء، فلما غنته المغنية بالقصيدة مطلت واو الوصل، فأحس بالإقواء واعتذر منه وغيره فيما يقال إلى قوله: وبذاك تنعاب الغراب الأسود ثم قال: "دخلت يثرب وفي شعري صنعة، ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب"٥. وكان بشر بن أبي خازم يقوي في شعره كذلك٦. وذكر أن

стр. 6106

أخاه قال له: إنك تقوي١. وبينما نرى أهل الأخبار يرمون النابغة بالوقوع في الإكْفاء وفي الإقواء، وبعدم إدراكه للإقواء مع تلميح الناس له، حتى دبَّر أهل يثرب حيلة، أظهرت إقواءه له، فعلمه، وخرج، وهو يقول: "دخلت وفي شعري صنعة، ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب"، يذكرون أن أبا ذكوان، وهو من العلماء بالشعر يقول: "ما رأيت أعلم بالشعر منه. ثم قال: لو أراد كاتب بليغ أن ينشر من هذه المعاني ما نظمه النابغة ما جاء به إلا في أضعاف كلامه. وكان يفضل هذا الشعر على جميع أشعار الناس"٢. والإقواء أن تختلف حركات الروي، فبعضه مرفوع وبعضه منصوب أو مجرور، وقيل نقصان الحرف من الفاصلة يعني من عروض البيت. وأقوى في الشعر، خالف بين قوافيه. وقيل هو رفع بيت وجر آخر. وذكر أن الإقواء كثير في كلام العرب، لكن ذلك في اجتماع الرفع مع الجر وأما الإقواء وإن كان عيبًا لاختلاف الصوت، فإنه قد كثر في كلامهم"٣، وكان أبو عمرو بن العلاء يذكر أن الإقواء: هو اختلاف الإعراب في القوافي، وذلك أن تكون قافية مرفوعة، وأخرى مخفوضة. كقول النابغة: قالَت بَنو عامِرٍ خالوا بَني أَسَدٍ ... يا بُؤسَ لِلجَهلِ ضَرّارًا لِأَقوامِ وقال فيها: تبدو كواكبه والشمسُ طالعةٌ ... لا النور نور ولا الإظلام إظلامُ"٤ "وبعض الناس يسمي هذا الإكْفاء: ويزعم أن الإقواء نقصان حرف من فاصلة البيت، كقول حجل بن نضلة، وكان أسر بنت عمرو بن كلثوم وركب بها المفاوز، واسمها النوار:

стр. 6107

حنَّت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنَّت لما رأت ماء السلا مشروبًا ... والفرث يُعصرُ في الإناء أرنت سمي إقواء لأنه نقص من عروضه قوة". "وكان يستوي البيت بأن تقول: متشربًا"١. وقد تعرض المعري لموضوع الإقواء وأمثاله في رسالة الغفران، إذ يسأل امرأ القيس عنه، ثم يجيب على لسانه. يقول للشاعر: "كيف ينشد: جالَت لِتَصرَعَني فَقُلتُ لَها اِقصِري ... إِنّي امرُؤٌ صَرعي عَلَيكِ حَرام أتقول: حرامُ فتقوي؟ أم تقول: حرامِ فتخرجه مخرج حذامِ وقطامِ؟ وقد كان بعض علماء الدولة الثانية يجعلك لا يجوز الإقواء عليك. فيقول امرؤ القيس: لا نكرة عندنا في الإقواء"٢. فهو يرى أن الإقواء لم يكن منكرًا عند أهل الجاهلية: وإنما عيب عليه في الإسلام. ومن مصطلحات علماء الشعر: "الإيطاء"، قال العلماء: أطأ كرر القافية لفظًا ومعنى مع الاتحاد في التعريف والتنكير، فإن اتفق اللفظ واختلف المعنى فليس بإيطاء، وكذا لو اختلفا تعريفًا وتنكيرًا. وقال بعضهم الإيطاء رد كلمة قد قفيت بها مرة نحو قافية على رجل وأخرى على رجل فهذا عيب عند العرب، لا يختلفون فيه، وقد يقولونه مع ذلك. ووجه استقباح العرب الإيطاء، أنه دال عندهم على قلة مادة الشاعر ونزارة ما عنده حتى اضطر إلى إعادة القافية الواحدة في القصيدة بلفظها ومعناها فيجري هذا عندهم مجرى العي والحصر، وأصله أن يطأ الإنسان في طريقه على أثر وطئ قبله فيعيد الوطء على ذلك الموضع، وكذلك إعادة القافية من هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء: "الإيطاء ليس بعيب عند العرب، وهو إعادة القافية مرتين"، أما إذا كثر الإيطاء في قصيدة مرات فهو عيب عندهم٣.

стр. 6108

والمضمن من الشعر ما لا يتم معناه إلا في البيت الذي بعده. وقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من عدَّه عيبًا، ومنهم من لم يعده عيبًا، ويراه مذهبًا أجازه العرب لسببين: السماع، والآخر القياس. أما السماع فلكثرة ما يرد عنهم من التضمين، وأما القياس فلأن العرب قد وضعت الشعر وضعًا دلت به على جواز التضمين عندهم، وحجة من قال بتقبيح التضمين أن كل بيت من القصيدة شعر قائم بنفسه فمن هنا قبح التضمين. وقد أوردوا للنابغة ولغيره من الشعراء أمثلة من التضمين١. وهو بهذا المعنى معروف عند غير العرب من الساميين والآريين، إذ إن الأبيات عندهم ترتبط معانيها بعضها ببعض، فلا يفهم معنى بيت إلا بالبيت الذي يليه. ولهذا تكون أبيات القطعة أو القصيدة مرتبطة بعضها ببعض، ولا سيما في أشعار الملاحم والغناء. والإصراف في الشعر، إذا أقوى فيه وخولف بين القافيتين٢. وأما السِّناد، فاختلاف الأرداف. وقال "الأخفش" أما ما سمعت من العرب في السناد، فإنهم يجعلونه كل فساد في آخر الشعر ولا يحدون في ذلك شيئًا وهو عندهم عيب". وقد أشير إليه في قول الشاعر: فيه سناد وإقواء وتحريد٣ ... وتحريد الشيء تعويجه وقيل: السناد: هو أن يختلف أرداف القوافي، كقولك علينا في قافية وفينا في أخرى٤. وقد تحدث الجاحظ عن الأوتاد، والأسباب، والخرم والزحاف، فقال: "وكما وضع الخليل بن أحمد لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابًا لم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب، وتلك الأوزان بتلك الأسماء، وكما ذكر الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، وأشباه ذلك، وكما ذكر

стр. 6109

الأوتاد، والأسباب، والخرم، والزحاف. وقد ذكرت العرب في أشعارهم السناد، والإقواء، والإكفاء، ولم أسمع بالإيطاء. وقالوا في القصيد، والرجز، والسجع، والخطب، وذكروا حروف الروي والقوافي، وقالوا هذا بيت وهذا مصراع"١. وقد أباح علماء الشعر للشاعر ما لم يبيحوه للناثر من ضرورة دعوها: "ضرورة الشعر". وقد جاءوا بأمثلة على ذلك، اعتذروا عن بعضها، وأوجدوا لها مخارج في الإعراب، وعدوا بعضًا منها من "العيب في الإعراب"٢، وورد: "الشعراء أمراء الكلام، يقصرون الممدود، ويمدون المقصور، ويقدمون ويؤخرون، ويومئون ويشيرون، ويختلسون ويعيرون ويستعيرون. فإما لحن في إعراب، أو إزالة كلمة عن نهج صواب فليس لهم ذلك"٣. وقد تعرض بروكلمن لموضوع "العروض"، فقال: "وعلى الرغم من أنه لا تزال تعوزنا بحوث شاملة لفن العروض عند قدامى الشعراء، يمكن أن نقرر اليوم بحق أن هذا الفن كان يعتمد عندهم على قواعد ثابتة. نعم نجد في بعض قصائد الشعراء الأقدمين أبياتًا خارجة عن العروض الذي وضعه الخليل بن أحمد، وما وضعه سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط في كتابه العروض، كما في قصائد المرقش الأكبر، وعبيد، وعمرو بن قميئة، وامرئ القيس، وسلمى بن ربيعة. ويبدو أن هذه الظواهر آثار قليلة لمرحلة من النمو لم نقف على كنهها بعد. وبذل الشعراء المتأخرون محاولات للتخلص من قوانين العروض العربي ولكنهم قلما خرجوا عليه٤. وقد تعرض الهمداني لموضوع الشعر العربي وقواعد العروض، وخروج الشعر على سلطة هذا العلم، فقال: "أنشدني سعيد بن أبحر الهمداني، وكان شاعرًا بدويًّا مطبوعًا:

стр. 6110

يا سمع يا بصري لو جاءكم خبري ... لكان في عذر ناع على كور وفي بني عامر ناع على خاطرٍ ... وفي قرى صافر حزن وتثبير وكان للجاهلية الجهلاء مذهب في الشعر من الأزحاف وغيره ما يستنكره الناس اليوم كقول علقمة: ومنا الذي نودي بسبعة آلاف ... غلامًا صغيرًا ما يشد إزارا وكقوله: كأن به سيد حلاحل ... تصر من دونه الطروق وقول بعض حمير في أيام جديس، النصف الأول من رَوِي والنصف الآخر من روي، قصيدته: لله عينا من رأى حسان ... قتيلا في سالف الأحقاب ومن ذلك شعر مالك بن الحصيب اللعوي، وهو قديم في حلف ربيعة، وأوله: أنا مالك وأنا الذي جددت حلفا ... لكندة قبلنا قد كان سلفا الشعر، وفي وزنه زيادة حرفين"١. وقد يحسن العلماء في المستقبل بدراستهم لما ورد في مؤلفات الهمداني وغيره من شعر قديم ينسب إلى قدماء شعراء اليمن وإلى الشعراء اليمانيين والعرب الجنوبيين عامة الذين نظموا بأسلوبهم الخاص، لما في هذه الدراسة من فائدة كبيرة في إعادة بناء نظريات العلماء الحالية عن الشعر الجاهلي. وفي الدواوين وكتب الأدب أمثلة على أمور خرج فيها الشعر على قواعد العروض أو النحو. من ذلك قول امرئ القيس: كأن أبانًا في أفانين وَدْقه ... كبير أناس في بجاد مزمَّلُ

стр. 6111

فقد ضم اللام في نهاية البيت، وهي مكسورة في المعلقة جميعها١. ورووا أمورًا أخرى وقعت في شعره أيضًا٢، وفي قصيدة "عبيد بن الأبرص": أقفر من أهله ملحوبُ ... فالقطبيات فالذنوبُ فهي من مخلع البسيط، قلما يخلو بيت منها من حذف في بعض تفاعيله أو زيادة٣. وفي قصيدة المرقش الأكبر: هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقًا كلمْ فهي من السريع، وقد خرجت شطور أبياتها على هذا الوزن، كالشطر الثاني من هذا البيت: ما ذنبنا في أن غزا ملك ... من آل جفنة حازم مرغم فإنه من الكامل٤. ورووا اضطرابًا وقع في شعر عدي بن زيد العبادي، على النحو المذكور، خرج فيه من السريع إلى وزن المديد٥، وفي شعر غيره كذلك مثل نونية سلمى بن ربيعة: إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون فهي خارجة عن عروض الخليل٦. ورووا وقوع مثل ذلك في قصيدة عدي بن زيد العبادي: تعرف أمس من لميس الطلل ... من الكتاب الدارس الأحول

стр. 6112

فهي من وزن السريع، وخرجت بعض شطورها على هذا الوزن كالشطر الثاني من هذا البيت: أنعم صباحًا علقم بن عدي ... أثويت اليوم أم ترحلْ فإنه من وزن المديد١. وتستحق هذه الأمور وأمثالها أن تكون موضع دراسة خاصة، لما لها من أهمية في تكوين رأي علمي دقيق عن تطور العرض في الجاهلية. ولا يعقل في نظري أن يكون الشعر الجاهلي قد كان بغفلة عن تلك الأمور التي عدها الإسلاميون من مواطن الاضطراب والخروج عن القواعد وإذا قسنا هذا الخروج في الوزن على مقاييس وزن الشعر عند الساميين، نرى أنه لم يكن خروجًا، لعدم تقيد ذلك الشعر بالوزن في كل القطعة أو القصيدة، وإنما كانوا يتقيدون بوزن البيت فالقطعة أو القصيدة عندهم منسجمة ذات نغم ووزن وإن تكونت من بحر أو من جملة بحور، وربما كان هذا شأن القصيدة عند الجاهليين كذلك. ثم إنه في هذه الاضطرابات دلالة على أن في العروض الجاهلي ما فات أمره عن علم الخليل، وأن العروض الإسلامي لا يمثل كل عروض الشعر الجاهلي. وللخليل كتاب في العروض، اسمه "كتاب العروض" لا أعرف من أمره شيئًا، وهو أول كتاب ألف في هذا الباب، وحمل هذا الاسم، على ما أعلم، وله كتاب اسمه: "كتاب النغم"، وكتاب آخر اسمه "كتاب الإيقاع"، وكتاب اسمه: "كتاب الشواهد"، وكتاب اسمه "كتاب النقط والشكل"، وكتاب باسم "كتاب فائت العين"٢. ولأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش "٢١٥هـ"، "٢٢١هـ"، وهو أحد أصحاب سيبويه، كتاب في العروض، اسمه: "كتاب العروض"٣.

стр. 6113

وعرف الخليل بسعة علمه باللغة، وإليه ينسب وضع أول معجم في اللغة العربية، هو كتاب "العين". وقد نظمت حروفه على ما يخرج من الحلق واللهوات١. وهو ترتيب يرى بعض المستشرقين احتمال أخذ الخليل له من ترتيب الأبجدية السنسكريتية وذلك عن طريق "خراسان" التي لها صلة وثيقة بثقافة الهند٢. وقد نسب بعض العلماء كتاب العين إلى غيره، نسب إلى الليث بن نصر بن سيار الخراساني، ومنهم من زعم أن الخليل عمل قطعة من كتاب العين من أوله إلى حرف الغين وكمله الليث ولهذا لا يشبه أوله آخره٣. وقد كان للهنود حب شديد للشعر، وقد نظمت كتبهم الدينية شعرًا، وقد أدرك البيروني الواسع الاطلاع بأحوال الهند هذا الحب الشديد له، فقال: "أكثر الهنود يهترون لمنظومهم ويحرصون على قراءته، وإن لم يعرفوا معناه، ويفرقعون أصابعهم فرحًا به، واستجادة له، ولا يرغبون في المنثور وإن سهلت معرفته". وقد كانوا يزنون شعرهم بميزان، فـ"عملوا من التفعيلات قوالب لأبنية الشعر، وأرقامًا للمتحرك منها والساكن، يعبرون بها عن الموزون، فكذلك سمى الهند لما تركب من الخفيف والثقيل" أسماء يشيرون بها إلى الوزن المفروض٤. فإذا كانت للهنود تفعيلات وزنوا بها شعرهم، وهي أقدم عهدًا من تفعيلات الخليل، أفلا يجوز أن يكون الخليل قد اقتبس تفعيلاته من تلك التفعيلات، وبين الهندي و "الإبلة" التي حلت البصرة محلها في الإسلام اتصال جد قديم، وقد كان بين سكانها عدد كبير جاءوا قبل الإسلام من الهند. وحيث إن العلماء ينصُّون على أن الخليل، هو موجد البحور المعروفة في العروض، وهو وازنها، وحيث إن أساس المعايير التي قيست بها الأبيات، للوقوف على البحور هي "فعل" فيجب أن تكون هذه التسمية من ابتكاراته إذن. ولم أجد أحدًا وضح كيف اهتدى الخليل إلى إيجاد هذا المعيار، ولِمَ

стр. 6114

سماه بهذه التسمية، إن من المستحسن في نظري الاهتمام بهذا الموضوع، ودراسة موازين الشعر عند الهنود، لمعرفة أسماء معايير الشعر عندهم، للوقوف عليها، فقد تكون لهذه التفعيلات صلة بتفعيلات شعر الهنود. ويلاحظ أن ابن جني، كنى بالتفعيل عن تقطيع البيت الشعري، لأنه إنما نزنه بأجزاء مادتها كلها "فعل"١.

стр. 6115

الفصل الخمسون بعد المئة: البصرة والكوفة ... الفَصْلُ الخمْسونَ بَعْدَ المائةِ: البَصْرَةُ والكُوفَةُ لا بد لنا من التعرض لأثر البصرة والكوفة في عمل القواعد وفي وراية الشعر الجاهلي، إن أردنا فهم هذا الشعر وكيف جمع ودوِّن، وكيف نحل المنحول منه، فقد كان للمدينتين الأثر الأكبر في جمع هذا الشعر وفي تدوينه ونحله. ولا بد من التحدث أولا عن أثر العصبية القبلية في هاتين المدينتين. فقد بنيتا على أساس هذه العصبية. فلما بنيت الكوفة، جعلت قسمين: قسم لليمن، وقسم لنزار، وكانت الأغلبية لليمن. ووزعت المحلات والسكك حسب القبائل١، وكذلك كان الأمر بالبصرة حين شرع ببنائها، فقد روعي في بنائها، توزيع أحيائها على حسب النسب والقبائل٢، فكانت عصبية الحي للعشيرة أولا، وللقبيلة ثانيًا، ثم للمدينة ثالثًا. وهكذا غرست بذور العصبية في أرض المدينتين، منذ شرع بوضع أساس التأسيس. وتجمعت العصبية القبلية في العصبية للمدينة، فتعصب عرب الكوفة ومواليها للكوفة، وتعصب عرب البصرة ومواليها للبصرة، "يفخر كل منهما بطبيعة الأرض وموقعها الجغرافي، ويفخر كل بما كان على يده من فتوح البلدان، ويفخر كل ممن نزل عندهم من صحابة رسول الله، ويعير كل الآخر بما نبت عنده من

стр. 6116

دعاة للضلالة، وأخيرًا كانوا يتفاخرون بالعلم. وظهرت هذه المفاخرات العلمية والمناظرات وتعصب كل مدينة لعلمائها، ظهورًا بينًا في كثير من فروع العلم، فالبصريون والكوفيون في المذاهب الدينية وعلم الكلام، والبصريون والكوفيون في الأدب؛ يقول أعشى همدان: اكسع البصري إن لاقيته ... إنما يكسع من قلّ وذلّ واجعل الكوفي في الخيلِ ولا ... تجعل البصريَّ إلا في النفل وإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل بين شيخ خاضبٍ عثنونه ... وفتى أبيص وضاح رفل جاءنا يخطر في سابغة ... فذبحناه ضحى ذبح الحمل وعفونا فنسيتم عفونا ... وكفرتم نعمة الله الأَجَل"١ والكوفة بظاهر الحيرة. المدينة التي كان يقصدها الشعراء والتجار، وفيهم تجار مكة وأشرافها، مثل عبد الله بن جدعان، وأبو سفيان. ومنه انتقل الخط إلى مكة، على حد قول أهل الأخبار، ومنها انتقلت النسطورية إلى العرب النساطرة، وقد اشتهرت برجال برزوا فيها في العلوم الدينية النصرانية وبالعلوم اللسانية في لغة بني إرم، وبكنائسها وبأديرتها التي كانت تعلم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة، وتهيئ الطلاب للتبحر في علوم الدين وفي العلوم الدنيوية المعروفة في ذلك الوقت، ولما أُنشئت الكوفة انتقلت إليها بأبنيتها وأناسها، فقد هدمت منازلها ونقلت حجارتها إلى الكوفة، لتبني بيوتها بها، وانتقل أهلها إلى الكوفة، لأنها أخذت مكانها في الحكم، وصارت مقر الولاة، فشايع أهلها أهل الكوفة في السكن وفي الالتفاف حول قصر الوالي، وانتقل ما كان قد تبقى من بقية علم من الحيرة إلى الكوفة كذلك، وتجسم في هذا الذي نسميه بعلم أهل، أو بمدرسة الكوفة. وقد كان في أهل الحيرة قوم من النبط، أي من بني إرم أهل العراق، وقوم من الفرس، فتأثر لسان أهلها العرب بلسان النبط ولسان العجم، كما تأثروا بحياة الحضارة والاستقرار، فَلَانَ لسانهم وسهل منطقهم٢؛ وثقل نطقهم بالعربية،

стр. 6117

فلم يعد ينطق لسانهم نطق الأعراب من حيث الوضوح والإفصاح١. والذي عند علماء العربية أن في لسان الأعراب جفاء وشدة وغلظة، دخلت عليه من خشونة البادية ومن طباعها، فإذا خالط أهل البادية البلديين والأعاجم، لان جفاؤهم وسهل لسانهم، فيبتعد بذلك عن اللسان العربي القُحّ، ولهذا طلب علماء اللغة جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، وأخذوا عن القبائل التي بعدت عن أطراف الجزيرة، وبقيت في سرة البادية أو فاضت حواليها، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف٢. أما البصرة، فأخذت مكانة "الأبلة" المدينة الشهيرة المعروفة باسم "أبولم" Ubulum في الكتابات الأكادية، وبـ Apologus "أبولوكس" في النصوص الكلاسيكية٣، وهي أقرب إلى جزيرة العرب من الكوفة، ولها اتصال ببلاد الخليج وبالهند، فكانت سفن الهند وسيلان تأوي إليها، وسكن قوم من الهند بها، كما سكن بها قوم من الفرس، خالطوا العرب، ولعلي لا أخطئ إذا قلت إن شأن الموالي بالبصرة كان أقوى منه بالكوفة، لاتصال البصرة بالهند وببلاد فارس، وبعد الكوفة عنهما، وقد أثر هذا الاتصال في لسان عرب البصرة، مما أدى إلى ظهور اللحن في الكلام، وظهور أثر اللغات أهل الهند في لسان أهل "الأبلة" ثم البصرة، بسبب نزوح جاليات كبيرة من الهند إلى "الأبلة"، وذلك قبل الإسلام. وأما "بغداد" التي ظهرت بعد المدينتين بأمد، فقد أسسها أبو جعفر المنصور العباسي، فإنها كانت مدينة ملك، ولم تكن مدينة علم، وما فيها من العلم، فمجلوب للخلفاء وأتباعهم، "قال أبو حاتم: أهل بغداد حشو عسكر الخليفة، لم يكن بها من يوثق به في كلام العرب، ولا من ترتضى روايته، فإن أدعى أحد منهم شيئًا رأيته مخلطًا صاحب تطويل وكثرة كلام ومكابرة"٤. وللأصمعي كلام يستهزئ به على علم أهل بغداد. قال "خرجت إلى بغداد وما فيها أحد

стр. 6118

يحسن شيئًا من العلم، لقد جاءني قوم يسألوني عن الجعطرى، فأخبرتهم أنه المكتل. قالوا: وما المكتل؟ قلت: هو المعضل! قالوا: وما المعضل؟ وكان بقربي بقال ضخم، فقلت: هو مثل ذلك البقال! فرووا عني"١. ونجد المعري يتهم رواة بغداد بعدم الفهم في الشعر، ترى رأيه هذا فيهم في رسالة الغفران، حيث يسأل امرأ القيس: "يا أبا هند، إن رواة البغداديين ينشدون في قفا نبك، هذه الأبيات بزيادة الواو في أولها، أعني قولك: وكأن ذرى رأس المجيمر غدوة وكأن مكاكي الجواء وكأن السباع فيه غرقى فيقول: أبعد الله أولئك! لقد أساءوا الرواية. وإذا فعلوا ذلك فأي فرق يقع بين النظم والنثر؟ وإنما ذلك شيء فعله من لا غريزة له في معرفة وزن القريض، فظنه المتأخرون أصلا في المنظوم، وهيهات هيهات"٢. وأما المدن الأخرى، فلم تبلغ في العلم شأو البصرة والكوفة ثم بغداد. فلم يعترف أحد من علماء العربية بوجود إمام في العربية بدمشق أو يثرب أو مكة. وقد زعم الأصمعي، أنه أقام بالمدينة زمانًا ما رأى بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة، وكان بها عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب المعروف بابن دأب، يضع الشعر وأحاديث السمر، وكان شاعرًا وعلمه بالأخبار أكثر. وكان بها علي الملقب بالجمل، وضع كتابًا في النحو لم يكن شيئًا. "وأما مكة فكان بها رجل من الموالي، يقال له: ابن قسطنطين، شدا شيئًا من النحو، ووضع كتابًا لا يساوي شيئًا"٣. وقد دفعت العصبية إلى المدن، أهل المدينتين على التحاسد والتفاخر والتنافر، فادعى أهل كل مدينة أنهم أرسخ علمًا من أهل المدينة الثانية، وأنهم أكثر إحاطة

стр. 6119

به من خصومهم، ومن ثم صار أهل الكوفة يتمرءون بخصومهم، فينتقصونهم ويلصقون بعلمهم وبعلمائهم التهم، ويغمزون فيهم، وصار أهل البصرة يكيدون لأهل الكوفة وينتقصونهم، وكانوا "يرون أن أصحابهم لو ركبوا في نصاب رجل واحد ما بلغوا أن يعدلوا أضعف رجل في البصرة، وقد رموهم في باب الكذب بقمص الحناجر، والأخذ عن كل بر في الرواية وفاجر، وجعلهم من علماء الأسواق، وتلامذة الأوراق"١. ووجدت هذه المنافسة أرضًا صالحة في قصور الخلفاء والوزراء والأكابر ببغداد، حتى تحولت إلى مؤامرات ومهاترات، ابتعدت عن أدب العلم والعلماء، حتى نزلت أحيانًا إلى درك مهاترات العامة. وإلى التزوير، والاستعانة بالشهود الزور لتأييد عالم على عالم، كالذي وقع في المسألة الزنبورية في الخلاف الذي كان بين سيبويه والكسائي. وقد وقعت العصبية بين المدينتين حتى في قراءة القرآن ففضل أهل كل مدينة قارئ مدينتهم، واعتبروا قراءة صاحبهم أحسن القراءات، فأهل الكوفة يتعصبون لقراءة عبد الله بن مسعود ويرون أن مصحفه أصح المصاحف، وأهل البصرة يتعصبون لأبي موسى الأشعري، ويأخذون بقراءته وبلحنه، "وكأنما يسمون مصحفه لباب القلوب"٢. والكوفيون يكتبون "والضحى" بالياء، وأهل البصرة يكتبونها بالألف٣. وكانت أولية العربية بالبصرة، "لأن أبا الأسود الدؤلي قد نزل بها وأخذ عنه جماعة هناك، فكان كل أصحابه الذين شققوا العربية بعده بصريين، ثم انتقل النحو إلى الكوفة". ثم استفاض نحو الكوفيين، فنبغ فيه من سكنة الكوفة أبو جعفر الرؤاسي، ومعاذ الهراء، واضع التصريف، والكسائي، والفراء٤. وذكر أنه لم يعلم أن أحدًا من علماء البصريين أخذ شيئًا من النحو واللغة عن أحد من أهل الكوفة، بينما أخذ الكوفيون عن أهل البصرة، وما من أساتذتهم أحد إلا وقد تلمذ لبصري٥. وقد قدم ابن سلام أهل البصرة على غيرهم في

стр. 6120

العربية، قال: "وكان لأهل البصرة في العربية قدمة بالنحو وبلغات العرب والغريب عناية"١. وابن سلام نفسه من علماء البصرة، ومن المتعصبين لها على أهل الكوفة. وروي أن أبا الخطاب المعروف بالأخفش، وهو من علماء البصرة، كان أول من فسر الشعر تحت كل بيت، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله، وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة فسروها٢، فلأهل البصرة قدمة على أهل الكوفة في هذا المضمار. ومن أهم ميزات أهل البصرة، هو استعمالهم القياس في النحو، فقد سبقوا به أهل الكوفة. أما أهل الكوفة، فقد أخذوا بالقياس في الفقه. فالقياس من أهم وسائل استنباط الأحكام الشرعية في فقه أبي حنيفة، وهو من علماء الكوفة. كان علماء البصرة يطبقون القياس على النحو واللغة، فما يسمعونه يقيسونه على ما جمعوه من قواعد استنبطوها من القرآن ومن الشعر ومن لغة العرب، ثم يحكمون حكمهم عليه. أما أهل الكوفة، فقد تحرروا منه، وكانوا على ما قيل عنهم، يأخذون بالشاذ والغريب، ولو خالف القياس. ومن هنا اتهموا بالضعف، وبعدم التروي في البحث والاستقصاء، وبالأخذ بالخبر من غير نقد ولا تمحيص. وهو اتهام، قد يكون للعاطفة يد فيه. وقد صار هذا القياس سببًا في إخضاع اللغة إلى حكم قواعد ثابتة اتفق عليها، استنبطت من الاستقراء، ومن تطبيق حكم القياس عليها، إلا أنه صار في الوقت نفسه سببًا في إهمال اللهجات المخالفة التي سماها العلماء لغات شاذة أو غريبة، وتركها لعدم استحقاقها في نظرهم شرف التسجيل والتثبيت، ولم يقدروا آنذاك أهميتها بالنسبة لمن يريد تتبع تأريخ لغات العرب وتطورها منذ الجاهلية إلى الإسلام. وكان لأهل البصرة ميزة قربهم من أعراب نجد والبوادي، فكانوا يأخذون منهم القواعد واللغة، أما أهل الكوفة، فقد اعتمدوا على أشباه الأعراب من المقيمين في أطراف البادية، وهم ممن رفض أهل البصرة الأخذ عنهم، لأنهم

стр. 6121

مِمَّنْ خالط أهل الريف، وأقاموا على أطراف الحواضر١. كما أن قياس أهل البصرة في النحو، بني على قواعد بنوها هم وأقاموها، وفق دراساتهم، وأخذهم عن الأعراب من نثر وشعر، ولهذا سخروا من علم أهل الكوفة ومن علم علمائهم في النحو، وتتجلى سخريتهم في أشعار نظموها في أهل الكوفة وفي شيخهم "الكسائي". ترى استهزاء أهل البصرة بعلم وبقياس وبعلماء أهل الكوفة في مثل هذا الشعر: كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأول فجاء أقوام يقيسونه ... على لغي أشياخ قطربل فكلهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي إن الكسائي وأشياعه ... يرقون في النحو إلى أسفل٢ وتراه في شعر آخر، هو: وقل لمن يطلب علمًا ألا ... ناد بأعلى شرف ناد يا ضيعة النحو، به مغرب ... عنقاء أودت ذات إصعاد أفسده قوم وأزروا به ... من بين أغتام وأوغاد ذوي مراء وذوي لكنة ... لئام آباء وأجداد لهم قياس أحدثوه هم ... قياس سوء غير منقاد فهم من النحو، وإن عمروا ... أعمار عاد، في أبي جاد والكسائي، الذي طعن البصريون في علمه، وقدموا صاحبهم سيبويه عليه، ناظر خصمه بحضرة الرشيد أو في مجلس البرامكة على رواية، وغلبه بمؤامرة يقال إنها حكيت، للإيقاع به. وذلك في المسألة التي عرفت بـ"المسالة الزنبورية" في كتب العلماء٣. وكان الكسائي قد أخذ النحو عن أبي جعفر الرؤاسي، وهو أول من وضع من الكوفييين كتابًا في النحو، وقيل إن كل ما في كتاب سيبويه: "وقال الكوفي كذا.." إنما عنى به الرؤاسي هذا، وكتابه يقال

стр. 6122

له الفيصل، وكان له عم يقال له معاذ بن مسلم الهراء، وهو نحوي مشهور، وهو أول من وضع التصريف. وقد طعن رواة البصرة في علم الرؤاسي. قال أبو حاتم: "كان بالكوفة نحوي يقال له: أبو جعفر الرؤاسي، وهو مطروح العلم ليس بشيء، وأهل الكوفة يعظمون من شأنه، ويزعمون أن كثيرًا من علومهم وقراءتهم مأخوذ عنه"١. وسبقت الكوفة البصرة في رواية الشعر، وقد خاطب علي بن أبي طالب أهل الكوفة بقوله: "إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقًا عِزِينَ، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار"٢، فالأمثال والشعر من أهم الموضوعات التي كان يتدرسها أهل الكوفة في أيام نشأتها الأولى، فهم على سنن الجاهليين في ضرب الأمثال ورواية الشعر. روي أن المفضل كان يروي للأسود بن يعفر ثلاثين ومائة قصيدة، وكان أهل الكوفة يروون له أكثر من غيرهم، ويتجوزون فيه أكثر من غيرهم٣، وقد انفردوا برواية شعر امرئ القيس، خلا نتف أخذت من أبي عمرو بن العلاء وبعض الرواة الأعراب٤. وروي أن "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بيِّنٌ في دواوينهم"٥. وقد زعم أهل الكوفة، أن علمهم بالشعر القديم، إنما ورد إليهم من "الطنوج"، وهي الكراريس التي أمر النعمان بن المنذر بتدوين أشعار العرب عليها، وما مدح به هو وأهل بيته، ثم أمر بدفنها في القصر الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد، احتفرها، "فأخرج تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة"٦. وكان حماد الراوية رأس أهل الكوفة في رواية الشعر وتدوينه، فقد بلغ الغاية في العلم بشعر الجاهليين، يقابله فيه خلف الأحمر عند أهل البصرة، وكان خلف أول من أحدث السماع في البصرة، "وذلك أنه جاء إلى حماد الرواية فسمع

стр. 6123

منه الشعر، ثم تابعه البصريون فأخذوا عن حماد بعد ذلك، لانفراده بروايات من الشعر، فإنه هو الذي أخذ عنه كل شعر امرئ القيس، إلا شيئًا أخذوه عن أبي عمرو بن العلاء"١. وذكر أن الخثعمي، و"أبا البلاد" كانا من رواة أهل الكوفة في الشعر قبل "حماد، وكانا في خلافة عبد الملك بن مروان٢. ونسب إلى بعض العلماء إضافتهم البيت أو الأبيات على ألسنة الشعراء، لتوجيه الحجة وتزيين الخبر، والاستشهاد على قاعدة نحوية أو صرفية. وذكر أن بعضًا منهم قد اعترف بذلك، وأقر الوضع٣. وفي هذه الاعترافات المنسوبة إليهم، ما هو باطل مصنوع. صنعه عليهم حاسدهم ومنافسوهم في الصنعة، ورموه بين الناس على أنه إقرار من أولئك العلماء بالوضع، ولا يعقل صدور مثل هذه الاعترافات منهم، لشهرتهم ولمكانتهم بين الناس، ولخوفهم من السمعة السيئة، واشتهارهم بالكذب والانتحال. وليس معنى هذا أنهم لم يضعوا ولم يصنعوا شيئًا على الشعر الجاهلي، إنما أشك في صحة ما قيل على ألسنتهم من اعترافهم بالدس والوضع. وذكر أن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس، وأن أهل الحجاز والبادية يقدمون زهيرًا والنابغة٤. وقد كان من اللازم أن يتعصب أهل الكوفة لامرئ القيس، فقد روى أكثر شعره حماد ورواة آخرون من أهل الكوفة. وقد كان يونس بن حبيب، وهو من البصريين ومن المتعصبين لمدينته يقول: "يا عجبًا للناس، كيف يكتبون عن حماد وهو يصحف ويكذب ويلحن ويكسر"٥. وقد اتهم الكوفيون بأنهم كانوا أكثر الناس وضعًا للأشعار التي يستشهد بها، "لضعف مذاهبهم وتعلقهم على الشواذ واعتبارهم منها أصولا يقاس عليها". "وأول من سنَّ لهم هذه الطريقة شيخهم الكسائي، قال ابن درستويه: كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلا ويقيس عليه، فأفسد النحو بذلك". و"قال الأندلسي في شرح المفصل: والكوفيون لو سمعوا

стр. 6124

بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه، بخلاف البصريين"١. واتهموا أنهم كانوا يصنعون الشاهد من الشعر فيما لا يصيبون له شاهدًا إذا كانت العرب على خلافهم، ولذلك تجد في شواهدهم من الشعر ما لا يعرف قائله، بل ربما استشهدوا بشطر بيت لا يعرف شطره الآخر٢، وربما أخذوا من العرب المتحضرة، "ومن أجل هذا وأمثاله كان البصريون يغتمزون على الكوفيين فيقولون: نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز والكوامخ٣. ومن الأعراب الذين أخذ الفراء -عالم الكوفة بعد الكسائي- عنهم اللغة، أبو الجراح، وأبو مروان، وأهل البصرة يمتنعون من الأخذ عن أمثال هؤلاء الأعراب، ولا يرون في قولهم حجة. وقال أبو حاتم: إذا فسرت حروف القرآن المختلف فيها، وحكيت عن العرب شيئًا، فإنما أحكيه عن الثقات منهم، مثل أبي زيد. والأصمعي، وأبي عبيدة ويونس وثقات من فصحاء الأعراب وحملة العلم، ولا التفت إلى رواية الكسائي، والأحمر والأموي، والفراء، ونحوهم"٤. واتهموا بأنهم كانوا يكثرون من الشعر، يقولونه على ألسنة الشعراء، قال ابن سلام في أثناء حديثه عن الأسود بن يعفر الشاعر الجاهلي: "وذكر بعض أصحابنا أنه سمع المفضل يقول: له ثلاثون ومائة قصيدة، ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريبًا منه. وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجوزون في ذلك أكثر من تجوزنا"٥. وكان الأسود، يكثر التنقل في العرب يجاورهم، فيذم ويحمد. وله في ذلك أشعار. له قصيدة جيدة، طويلة رائعة تعد من أول الشعر، وهي: نام الخلي فما أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وسادي٦

стр. 6125

ونسمع قصصًا عن تغليط علماء البصرة والكوفة بعضهم البعض، فنجد خلفًا الأحمر، وهو شيخ البصرة في الشعر، يذكر أنه أخذ على المفضل الضَّبِّي في يوم واحد تصحيف ثلاثة أبيات١. ونجد الأصمعي وهو من علماء البصرة كذلك، يحمل على علم الضبي في الشعر، ويرميه بعدم الفهم٢. وتجد قصصًا روي عن علماء مشاهير مثل ثعلب وغيره، يحمل فيه أولئك العلماء بعضهم على بعض، وينتقص بعضهم على البعض الآخر٣. ونحن إذا أردنا الوقوف موقفًا علميًّا، فلا نستطيع إلا أن نقول: إننا لا نستطيع تبرئة أهل الكوفة من الصنعة والوضع، كما لا نستطيع تبرئة أهل البصرة منهما، لأن في كل مدينة من المدينتين منافسات بين العلماء، وتزاحم على الرئاسة، وحسد يدفع الإنسان على الوضع والصنعة والأخذ بالخبر مهما كان شأنه لإقحام الخصوم، والتغلب عليهم. فإذا كان حماد عالم الكوفة في الشعر من الوضاعين، وكان يصحف ويكذب ويلحن ويكسر٤، فقد كان خلف الأحمر وهو عالم البصرة، مثله في الصنعة والوضع والكذب. وكان "شوكر" وهو من أهل البصرة، ومن رجال المائة الثانية، ممن يضع الأخبار والأشعار، وفيه يقول خلف الأحمر: أحاديث ألفها شوكر ... وأخرى مؤلفة لابن دأب٥ وقد نقح علماء الشعر من المدرستين والمدارس الأخرى ما أخذوه من الشعر الجاهلي، وأجروا على ما لا يتفق منه والقواعد التي ثبتوها للنحو وللعروض تهذيبًا وتشذيبًا، وعابوا منه أمورًا مثل الإقواء والزحاف، واختلال الوزن، وما شاكل ذلك. وقد تحدث عن ذلك المعري في رسالة الغفران، وهو شاعر ومن نقدة

стр. 6126

الشعر، في أحاديثه التي وضعها على ألسنة الشعراء في الجنة أو في النار، وفي أسئلته التي وجهها إليهم، أو وجهها غيره إليهم. كما في استفساره من امرئ القيس عن رواة أهل بغداد في إنشادهم أبياتًا من قصيدته: "قفا نبك" بزيادة الواو في أولها، فوضع الجواب على لسانه، بقوله: "باعد الله أولئك! لقد أساءوا الرواية. وإذا فعلوا ذلك فأي فرق يقع بين النظم والنثر؟ وإنما ذلك شيء فعله من لا غريزة له في معرفة وزن القريض، فظنه المتأخرون أصلا في المنظوم، وهيهات هيهات! "١. ثم يقول: "لو شرحت لك ما قال النحويون في ذلك لعجبت"٢. ونرى المعري يوجه أسئلة إلى امرئ القيس، فيقول له: "أخبرني عن كلمتك "الصادية"، و"الضادية"، و"النونية" التي أولها: لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان لقد جئت فيها بأشياء ينكرها السمع، كقولك: فإن أمس مكروبًا فيا ربَّ غارةٍ ... شهدت على أقب رخو اللبانِ وكذلك قولك في الكلمة الصادية: على نقنق هيقٍ له ولعرسه ... بمنقطع الوعساء بيض رصيص وقولك: فأسقى به أختي ضعيفة إذ نأت ... وإذ بَعُدَ المزدارُ غير القريضِ في أشباه لذلك، هل كانت غرائزكم لا تحس بهذه الزيادة؟ أم كنتم مطبوعين على إتيان مغامض الكلام وأنتم عالمون عما يقع فيه؟ كما أنه لا ريب أن زهيرًا كان يعرف مكان الزحاف في قوله:

стр. 6127

يطلب شأو َامرأين قدّما حسبًا ... نالا الملوك، وبذَّا هذه السوقا فإن الغرائز تحس بهذه المواضع"١. ثم يجيب المعري على لسان امرئ القيس بقوله: "أدركنا الأولين من العرب لا يحفلون بمجيء ذلك، ولا أدري ما شجن عنه "فأما أنا وطبقتي فكنا نمر في البيت حتى نأتي إلى آخره، فإذا فنى وقارب، تبين أمره للسامع"٢. ثم نراه يسأل امرئ القيس عن قوله: ألا رب يوم لك منهن صالحٍ ... ولا سيما يوم بدارة جلجل أتنشده: لك منهن صالح؟ أم تنشده على الرواية الأخرى. فيجيب على لسانه بقوله: "أما أنا فما قلت في الجاهلية إلا بزحاف: لك منهن صالح وأما المعلمون في الإسلام، فغيروه على حسب ما يريدون"٣. وقد سأله المعري عن الشعر المسمط المنسوب إليه، فأنكر على لسانه أن يكون قد سمع به قط، قائلا "وإنه لقرى لم أسلكه، وإن الكذب لكثير، وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام، ولقد ظلمني وأساء إلي"٤. ولما سأله عن الإقواء في شعره، قائلا له: "وقد كان بعض علماء الدولة الثانية يجعلك لا يجوز الإقواء عليك"، أجاب على لسانه: "لا نكرة عندنا في الإقواء"٥. وقد كان من أصعب الأشياء على بعض رجال المدرستين ألا يجيبوا على أسئلة توجه إليهم إجابة تفيد بوجود علم لهم عنها، ولهذا كانوا يعمدون إلى الصنعة والافتعال. نجد ذلك عند أهل الأخبار، وعلى رأسهم ابن الكلبي، كما نجد ذلك عند رواة الشعر مثل حماد الراوية، وخلف الأحمر، كما نجد عند علماء

стр. 6128

اللغة. وقد أشرت في صفحات هذا الكتاب إلى أمثلة عديدة من هذا القبيل، اضطر فيها المجيب على افتعال جواب وصنعه، ليظهر نفسه بمظهر العارف بكل شيء. ويجب الانتباه إلى أن علماء البصرة أو الكوفة أو غيرهم، مهما سموا في العلم وارتفعوا، فإنهم بشر، لم يرزقوا العصمة، وهم في التأثر والانفعال مثل أي كائن حي، فقد يتأثر عالم من عالم متقدم عليه، فيحاول الغمز في علمه أو الطعن به. قال علي بن العباس: "رآني البحتري ومعي دفتر، فقال: ما هذا؟ فقلت شعر الشنفرى. قال: وإلى أين تمضي؟ قلت أقرأه على أبي العباس أحمد بن يحيى. قال: رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام، فلم أرَ له علمًا بالشعر مرضيًا، ولا نقدًا له، ورأيته ينشد أبياتًا صالحة ويعيدها، إلا أنها لا تستوجب الترديد والإعجاب فيها"١. وروى أحمد بن يحيى ثعلب، خبر مناظرات وقعت بين أبي عمرو الشيباني، والأصمعي، ترينا مبلغ التنافس الذي كان بين العالمين، واستهتار الأصمعي بخصمه، استهتارًا تجاوز الحد٢. وقد حاول السيوطي إيجاد عذر لغمز العلماء بعضهم في بعض، بأن قال: "فإن قلت: فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلين به من المصرين كثيرًا ما يهجن بعضهم بعضًا، فلا يترك له في ذلك سماء ولا أرضًا؟ قيل: هذا أدل دليل على كرم هذا الأمر ونزاهة هذا العلم، ألا ترى أنه إذا سبق إلى أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة سبَّ بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها، ولعل أكثر ما يرمى بسقطة في رواية، أو غمزة في حكاية، محمي جانب الصدق فيها، برئ عند الله من تَبِعَتها؛ لكن أخذت عنه إما لاعتناق شبهة عرضت له، أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاة، مغموض الطرف دون مداه، وقد عرض الشبهة للفريقين، ويعترض على كلا الطريقين" ثم أخذ يعتذر عن ذلك، بأنه وقع في سبيل العلم والحق، ثم قال: "وإذا كانت هذه المناقضات والمنافسات موجودة بين السلف القدي ... جاز مثل ذلك أيضًا في علم العرب"٣.

стр. 6129

ومن هنا يجب الاحتراس كثيرًا حين قراءتنا الطعون التي ترد على ألسنة العلماء يطعن فيها بعضهم ببعض، فأكثر هذا المروي عنهم، صادر عن طبيعة بشرية، تظهر بين الزعماء نتيجة التنافس الذي يقع بينهم على الزعامة والصدارة، ولو في زعامة العلم. ولا تقتصر هذه الطعون والمغامز على طعن علماء البصرة بعلماء أهل الكوفة، أو العكس، بل نجدها بين علماء المدينة الواحدة أيضًا، لأن الموضوع موضوع زعامة ورئاسة، والتحاسد بين المتحاسدين لا ينحصر بقوم دون قوم، وقد يقع بين الإخوة الأشقاء.

стр. 6130

الفصل الحادي والخمسون بعد المئة: العصبية والشعر مدخل ... الفَصْلُ الْحَادِي والخمسونَ بَعْدَ المائةِ: العَصَبِيَّةُ والشِّعْرُ رأيت أن أهل الكوفة كانوا يفضلون بعض الشعراء الجاهليين على غيرهم وأن أهل البصرة كانوا يرجحون غيرهم عليهم، فلا يرون التقدمة لمن اختارهم أهل الكوفة، ورأيت أن أهل الحجاز يقدمون شعراء آخرين على الشعراء الذين قدمهم أهل الكوفة أو أهل البصرة. وموضوع من هو أشعر شعراء أهل الجاهلية، موضوع تضاربت فيه الآراء كثيرًا، وكثرت فيه الأقوال، لما له من تماس بروح العصبية، والعصبية إذا دخلت قضية أفسدتها. ثم إنه قائم على أحكام الأذواق، وأذواق الناس في الشعر وفي الذوق والتذوق متفاوتة متباينة، ثم هو لا يستند إلى أسس مقررة تعود إلى أيام الجاهلية، كنقد علمي ودراسة عامة شاملة قام بها الجاهليون في أيامهم، وإنما مرجعه أقوال قيل إنها صدرت من خبراء الشعر وعلمائه، لا أدري مقدار ما فيها من صدق أو كذب. وكل ما أستطيع أن أقوله: إنها آراء دونت في الإسلام، وهي مرسلة، محمولة على المبالغة في الاستحسان لقصيدة أو لقطعة أو لبيت، بل ولنصف بيت أحيانًا، وهي تمثل تذواقًا شخصيًّا، لحالة من الحالات، لا لغالب شعر الشاعر وعامة ما روي عنه، ولما فيه من فن وإبداع، ثم إنك تجدها أحيانًا متناقضة متضاربة، تجد رواية تقول إن الشاعر الفلاني، أو عالم الشعر فلان قال: أشعر الناس فلانًا ثم تجد رواية ثانية تذكر أنه قدم شاعرًا آخر محله فجعله أشعر الشعراء، ثم لا تلبث أن تجد رواية ثالثة، تذكر
следующие страницы →