وله قصائد أخرى نص على بعضها العلماء وبينوا أنها مصنوعة، وقد وضع شعراء عبد القيس شعرًا كثيرًا١، وقال الجاحظ: إنه هو الذي أورد على الناس نسيب الأعراب، وهذا النسب من أرق الشعر قاطبة وما أحراه أن يكون مصنوعًا٢. ولما توفي خلف رثاه أبو نُواس بشعر فيه:
أودى جميع العلم مذ أودى خلف ... من لا يعدّ العلم إلا ما عرف
قليذمٌ من العيالم الخسف ... كنا متى نشاء منه نغترف
رواية لا تجتنى من الصحف٣. ...
وهو أحد رواة الغريب واللغة والشعر ونقاده والعلماء به وبقائليه وصناعته. وله صنعة فيه. وهو أحد الشعراء المحسنين، ليس في رواة الشعر أحد أشعر منه.
وكان يبلغ من حذقه واقتداره على الشعر أن يشبه شعره بشعر القدماء، حتى يشبه بذلك على جلّة الرواة، ولا يفرقون بينه وبين الشعر القديم، من ذلك قصيدته التي نحلها ابن أخت تأبَّط شرًّا، التي أولها:
إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل٤
جازت على جميع الرواة، فما فطن بها إلا بعد دهر طويل بقوله:
خبر ما نابنا مصمئل ... جلّ حتى دقَّ فيه الأجل
فقال بعضهم:
جل حتى دق فيه الأجل
من كلام المولدين. فحينئذٍ أقر بها خلف"٥.
стр. 6232
كان خلف الأحمر رأس البصرة في رواية الشعر وفي البصر به. كما كان حماد زعيم الكوفة في هذا العلم. وكان خلف نفسه ممن أخذ هذا العلم عن حماد، فهو من أحد تلامذته ورواته وسامعيه. وكان المقدم عند أهل البصرة، حتى كانا لا يصدرون الرأي في شعر دونه، ,إذا اختلف علماؤهم في شيء منه، عرضوا خلافهم عليه للبت فيه١. وروي أنه كان أول من أحدث السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية، فسمع منه٢.
وقيل عنه: إنه كان شاعرًا مجيدًا جيد الشعر كثيره، لم يكن في نظرائه أحد يقول مثله الشعر٣. ووضع على شعراء عبد القيس شعرًا كثيرًا موضوعًا وعلى غيرهم، وأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة. وكان خلف أخذ النحو عن عيسى بن عمر، وأخذ اللغة عن أبي عمرو. "ولم ير أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان يضرب به المثل في علم الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس، فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم نسك فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكُّو فيه، فأبى ذلك. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، لأن كان قد أكثر الأخذ عنه. وبلغ مبلغ لم يقاربه حماد. فلما نسك خرج إلى أهل الكوفة فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم"٤. وروي عن خلف قوله: "كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني، ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق"٥.
ويصعب في الواقع تصديق هذه الرواية المنسوبة إلى خلف الأحمر، فلم يكن حماد بإجماع المنافسين له على شيء من الفضلة والحمق، حتى نصدق ما ورد في هذا الخبر الآحاد، الذي هو خبر من أخبار رواة البصرة، بل نرى من الأخبار
стр. 6233
الواردة عنهم العكس، نرى فيه الفطنة والخبث إلى آخر أيامه. ثم إنه كان أقدم وأشهر وأعرف وأحفظ من خلف الأحمر، وهو في معرفة الشعر وتمييزه أمرس من صاحبه خلف، فلا يعقل فوات ما نحله خلف القدماء على حماد. وقد كان الرواة أنفسهم يتعجبون من مقدرة حماد على التمييز بين الصحيح والفاسد من الشعر، وعلى إحاطته بأساليب الجاهليين في نظم القريض، وعلى إتقانه تلك الأساليب، حتى صار من الصعب على عشَّاق الشعر التمييز بين ما كان يصنعه حماد على ألسنة الشعراء الجاهليين وبين ما كان من نظمهم حقًّا. ولهذه الأسباب يصعب التصديق بهذا الخبر، ورأى أنه من وضع أهل البصرة، وضعوه على حماد، كرهًا له وللكوفيين. ورواته هم من البصريين.
وما خبر توبة خلف الأحمر، وخروجه إلى أهل الكوفة، ليعرفهم الأشعار التي أدخلها في أشعار الناس، والتي أدخلها أهل الكوفة في دواوينهم، وأَبَو إصلاحها، أو حذفها، سوى قصة فيها الطعن والسخرية بعلم أهل الكوفة وبفهمهم للشعر، وفيه مدح وتفخيم لعلم خلف بالشعر، وإن كان لا يخلو من تجريح لخلف نفسه، وفيه مدح لعلم أهل البصرة ولصدقهم في رواية الشعر والأخبار. استهزاء إذن وتعريض بأهل الكوفة، ليس فوقه استهزاء، وضعه رجل فيه دعابة وتعصب وتحامل على الكوفيين.
وقد اختص خلف بالفروع التي اختص بها حماد بالكوفة، وبذلك جعل البصرة تنافس الكوفة فيها. اختص بالشعر القديم، وباللغة، وبشيء آخر مهم جدًّا هو وضع الشعر وحمله على ألسنة القدماء، فصار في هذا الباب بطل البصرة وممثلها، كما كان حماد بطل الكوفة وزعيم الوضَّاعين. وقد امتاز خلف على الأصمعي العالم البصري ومعاصره بقدرته على نظم الشعر، إذ كان هو نفسه شاعرًا متمكنًا في الشعر، متقنًا لفنونه، كان من حذقه واقتداره في الشعر أن يشبه شعره بشعر القدماء فلا يفرق بينه وبين القديم. أما الأصمعي، فلم يبلغ مبلغه فيه، وإن كان من علماء اللغة والأدب والنحو ومن حفظة الشعر ورواته.
وهناك روايات تنسب الصدق إلى خلف، ثم لا تكتفي بذلك حتى تجعله أعرف الناس وأعلمهم بالشعر. وروايات تذكر أنه كان أول من أحدث السماع بالبصرة، وأنه تعلم ذلك من حماد١.
стр. 6234
وكان الأصمعي، وهو من علماء البصرة، كما ذكرت، غير راضٍ عن خلف، إذ كان يغمز فيه، ويتهمه بالكذب. ويظهر أن ذلك بسبب المنافسة على الزعامة في العلم. روي عنه أنه قال في خلف: "رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دواد الإيادي قالها خلف الأحمر. وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون"١. ويريد بهم أهل الكوفة، وذكر الأصمعي أيضًا أن خلفًا الأحمر "وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيرهم، عبثًا بهم، فأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة"٢.
وينسب إلى الأصمعي قوله أنه حضر مأدبة وأبو محرز خلف الأحمر، وابن مناذر معنا، فقال له ابن مناذر: يا أبا محرز أن يكن امرؤ القيس، والنابغة، وزهير ماتوا، فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى شعرهم. قال: فأخذ صفحة مملوءة مرقًا، فرمى به عليه فملأه، فقام ابن مناذر مغضبًا، وأظنه هجاه بعد ذلك"٣. وهذه القصة -إن صحت- تشير إلى وجود غلظة في طبع خلف. وهناك أخبار أخرى تؤيد هذا الرأي٤.
وقد أشار ابن النَّديم إلى كتاب لخلف الأحمر، وأسماه: "كتاب العرب وما قيل فيها من الشعر"٥. وذكر ياقوت الحموي له كتابين: ديوان شعر حمله عنه أبو نواس، وكتاب "جبال العرب"٦.
ومما يؤسف له حقًّا، هو أن حمادًا الراوية، أو غير حماد ممن رووا عنه، أو أخذوا عن غيره، لم يشيروا إلى الموارد التي أخذ حماد منها هذا الفيض من الشعر، كما أنهم لم يشيروا إلى الموارد التي استقى بقية رواة الشعر منها ما رووه
стр. 6235
من الشعر الجاهلي. ولو ذكروه لأفادونا ولا شك بذلك كثيرًا، إذ يكون في مقدورنا التوصل إلى معرفة الأشخاص الذين كان لهم فضل حمل هذه الثروة العظيمة من ذلك الشعر. ومما يؤسف له أيضًا هو أن معظم دواوين الشعراء الجاهليين لا يرتفع سندها إلى رواة يتقدم عهدهم على عهد حماد. ولو ارتفعت لاستفدنا منها بالطبع كثيرًا في معرفة أسماء رواة الشعر الجاهلي وحفاظه وجامعيه وكتبته قبل أيام حماد، ولعرفنا بذلك شيئًا عن الموارد التي أخذ منها هذا الراوية ذلك الكنز الثمين.
ولا بد من ذكر السكري في هذا المكان. وهو أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري اللغوي، المتوفى سنة "٢٧٥هـ". فله مؤلفات عديدة عن الشعر، وشروح للدواوين. منها: شرح أشعار هذيل١، وديوان أبي كبير الهذلي بشرح السكري٢، وكتاب أخبار اللصوص، جمع فيه أشعار اللصوص البدو المشهورين٣، وأشعار اليهود٤، وشرح ديوان زهير٥، وديوان امرئ القيس، بروايته٦، وشرح ديوان حسان، وقد نقل منه البغدادي٧، وديوان الحطيئة، وهو روايته عن ابن حبيب٨، وديوان أبي ذؤيب الهذلي٩، وشرحه على ديوان عبد الله بن قيس الرُّقَيَّات١٠، وديوان الأخطل، وهو روايته عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي١١، وديوان الفرزدق١٢.
وقد أخذ السكري من الموارد التي ألفت قبله؛ كما أخذ من علماء المصرين: البصرة والكوفة، دون تعصب أو تحزب، وكان راوية البصريين١٣.
стр. 6236
الفصل الرابع والخمسون بعد المئة: تنقيح الشعر والدواوين
مدخل
...
الفَصْلُ الرَّابعُ والخمسونَ بَعْدَ المائةِ: تَنقيحُ الشِّعْرِ والدَّواوينُ
والذي يطالع كتب الأدب والأخبار، ويقرأ ما ورد فيها عن الشعراء الجاهليين، يخرج منها بانطباع خلاصته أن أكثر شعراء الجاهلية، لم يكونوا يهذبون شعرهم، ولم يكونوا يثقِّفونه، ولم يكونوا يُجْرون عليه تحويرًا أو تغييرًا أو تعديلا، بعد إنشادهم له، وأن أغلبهم كان يقول شعره ارتجالا من غير تحضير سابق ولا تهيئة، فهو من عفو الخاطر. جرت على ذلك سُنّة الشعراء في الجاهلية، فكان شاعرهم يرتجل شعره حسب الظروف والمناسبات.
وتصدق دعوى أهل الأخبار هذه في شعر المناسبات وفي المفاجآت، أي في الحالات التي لا يكون الشاعر فيها على علم مسبق بأنه سيقول فيها شيئًا من الشعر فتضطره المناسبة إلى قول شيء منه، أما في الحالات الأخرى، فإن دعواهم هذه لا يمكن قبولها، بسبب أننا نجدهم يذكرون أن الشاعر كان يهيِّئ شعره قبل إلقائه، وأنه كان إذا نظم يحفظه رواته، أو يدونه على صحيفة، وقد ينقح فيه ويجوِّد، وأن من الشعراء من كان يحرص على ألا يذيع شعره إلا بعد أمد، وإلا بعد أن يعرضه على خاصته ليروا رأيهم فيه، فيغير فيه ويبدل، فإذا سمع آراءهم وملاحظاتهم ووجدها وجيهة، أخذ بها، وصقل شعره بموجبها، وعندئذٍ يذيعه ويعطيه راويته لينشره بين الناس.
جاء في "طبقات الشعراء" أن الرسول سأل عبد الله بن رواحة: "كيف تقول الشعر إذا قلت؟ " فأجابه: "أنظر في ذلك ثم أقول". فأمره أن
стр. 6237
يقول شعرًا تقتضيه الساعة، وأخذ ينظر إليه: فانبعث عبد الله يقول شعرًا، ثم قال: "ولم أكن أعددت شيئا"١ وجاء في كتاب "الشعر والشعراء" عن الحارث بن حِلِّزة، وهو القائل:
آذنتنا ببينها أسماءُ ... ربَّ ثاوٍ يمل منه الثواء
وقال إنه ارتجلها بين يدي عمرو بن هند ارتجالا" ثم قال: "قال الأصمعي: قد أقوى الحارث بن حِلِّزة في قصيدته التي ارتجلها، قال:
فملكنا بذلك الناس إذ ما ... ملك المنذر بن ماء السماء
قال أبو محمد: ولن يضر ذلك في هذه القصيدة، لأنه ارتجلها فكانت كالخطبة"٢. فاعتذر عن الإقواء بالارتجال، ومعنى هذا أنه لو كان قد هيأها وأعدها من قبل، كما هي العادة لما وقع في الإقواء.
وفي جواب عبد الله بن رواحة "لم أكن أعددت شيئًا"، وفي اعتذار المعتذر عن إقواء الحارث بن حِلِّزة، دلالة بيِّنة على أن الشعراء كانوا يهيئون شعرهم وينقحونه قبل إنشاده، وأنهم كانوا لا يقولون شيئًا منه إلى بعد أن يكون قد اختمر في رءوسهم ورضوا عنه، حتى يكون سديدًا، اللهم إلا في المناسبات وفي الظروف الحرجة التي تهز الشاعر فتحمله على نظم الشعر.
وورد أن الحارث بن حِلِّزة اليشكري، قال لقومه، "وهو رئيس بكر بن وائل: إني قد قلت قصيدة، فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه، فقروَّاها ناسًا منهم، فلما قاموا بين يديه لم يرضهم، فحين علم أنه لا يقوم بها أحد مقامه، قال لهم: والله إني لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة ستور، وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه، وكان لبرص كان به، غير أني لا أرى أحدًا يقوم بها مقامي، وأنا محتمل ذلك لكم"٣، مما يدل على أنه كان قد أعدّها ونظمها بعد تروٍّ ودراسة، ثم ألقاها على الملك، مع أننا
стр. 6238
نرى الكتب، تذكر أنه ارتجلها ارتجالا، بمعنى أنها كانت من وحي الموقف والساعة، ولم تكن مهيأة من قبل. لأن الارتجال في الكلام، التكلم عن غير تدبر ولا تهيئة سابقة، وقيل من غير رويَّة ولا فكر١. ويظهر أنهم قصدوا بالارتجال إلقاء الكلام من غير نظر إلى صحيفة، وذلك أوقع في النفس عندهم من الإلقاء عن شيء مكتوب، على الرغم من كون صاحبه قد أعده من قبل وقد حفظه، كما يفعل شعراء هذا اليوم من إنشادهم شعرهم المنظوم سابقًا من غير نظر في صحيفة، ليظهر الشاعر وكأنه يرتجله ارتجالا.
ولا يعقل أن يكون الشعر كله من نتاج المصادفة والمفاجأة، وأنه كان يحفظ على نحو ما قيل وأنشد، فلم يجر عليه قلم، ولم ينله تهذيب ولا تشذيب، ولا سيما بالنسبة للقصائد. فقد كان الشاعر ينظم شعره مقدمًا في الغالب، ثم ينشده رواته وجماعته، لئلا ينساه، ثم يرى رأيهم فيه، وقد يزيد هو عليه شيئًا، وقد ينقص منه شيئًا، ومن هنا نجد رواية أكثر القصائد لا تثبت على ترتيب واحد، وليست لها وحدة مستقلة ولا ترتيب متكامل، إلا في أحوال نادرة، ومن ثم اختلفت الرواية عن الشاعر، فقد يكون أحد الرواة، قد افترق عن الشاعر وابتعد عنه وهو يحفظ شعره على نحو ما سمعه منه، على حين يكون الشاعر قد أضاف على شعره شيئًا جديدًا، حفظه عنه غيره من الرواة، فتسبب ذلك في ظهور الاختلاف في القصيدة الواحدة، وتكون الرواية القديمة أقصر من الرواية الحديثة في العادة، لعدم دخول الزيادة التي ترد متأخرة بالطبع على الشعر٢. روي عن ابن مقبل قوله: "إني لأرسل البيوت عوجًا، فتأتي الرواة بها قد أقامتها"٣. فللرواة إن صح هذا الخير، يد في إصلاح الشعر، وفي تغييره، وفي إقامة ما قد يكون فيه من اعوجاج.
ولا بد للشاعر من إعداد الشعر"القصيد" وتهيئته والنظر فيه قبل إنشاده، كما في شعر المدح والهجاء، لما يجب أن يتفنن فيه الشاعر، وهو على علم أن من سيقصده لمدحه، قد قصده غيره للغاية نفسها، وقد يصادف إنشاده لشعره
стр. 6239
-وهو ما يقع في الغالب- بحضور عدد آخر من الشعراء المحترفين للشعر: المتفننين فيه، فإذا هو لم يهيِّئ شعره من قبل ولم يعرضه على أحد ولم يتفنن فيه، ويأتي فيه بغرائب الفنون، ضاع شعره بين بقية الأشعار. فهو مضطر إذن على إعداد شعره إعدادًا حسنًا قبل إنشاده أمام الممدوح، وحكّه وتشذيبه لينال المكانة المرجوة بين بقية الشعر.
ونجد في شعر ينسب إلى امرئ القيس، يذكر فيه أن المعاني كانت تنثال عليه، فكان يعمل رأيه فيها، فيؤخر ويقدم، ويتخير ما يستجاد من غرر الأبيات:
أذود القوافي عني ذيادًا ... ذياد غلام جريء جرادا
فلما كثرن وعنينني ... تخيرت منهن ستًّا جيادا
فأعزل مرجانها جانبًا ... وآخذ من درها المستجادة١.
وقد نسب بعض الرواة هذه الأبيات إلى غيره.
ولا بد في شعر الهجاء من إعداد، ولا سيما في شعر الهجاء الذي يعد للرد على شاعر هجاء، أو على شعر هجاء سابق، إذ يجب في هذه الحالة إعداده بعناية لتحطيم الهاجي وإسقاطه وإخماله، ويستدعي ذلك عمل الروية فيه والتأمل طويلا، وإنشاد الشعر مرارًا وتَكْرارًا على الرواة والعارفين بالشعر لأخذ رأيهم فيه. وقد يزيدون عليه وقد ينقصون منه، فإذا رضي الشاعر عنه، وقنع به، أنشده أمام الناس، وقد يكون في المواسم ليسير بين القبائل، وقد يرسل مكتوبًا إلى من يهمهم الأمر ليصل إليهم ذلك الهجاء. وقد يكون الشاعر تميم بن مقبل تميم بن أُبيّ بن مقبل، قد عنى هذا المعنى في البيت المنسوب قوله إليه:
بني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير بابات الكتاب هجائيا٢
وبابات الكتاب، سطوره وهو بيت لا يخلو من غموض، حتى إن علماء
стр. 6240
اللغة اختلفوا في تفسيره، اختلافًا كبيرًا، وقد يفهم منه أن الشاعر كان قد تخير هجاءه ودونه في وجوه الكتاب، أي أن الهجاء كان مدونًا بسطور ومكتوبًا، وقد يكون قد أنذر به وتوعد، بأن من سيهجوهم إذا لم يكفوا عن سفههم، فإنه سيدوِّن هجاءه ويثبته في سطور وينشره بين الناس، فهو ينذرهم به ويتوعدهم وقد أدخله صاحب "العمدة" في "باب الوعيد والإنذار"، وقال: "كان العقلاء من الشعراء وذوي الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذورن من سوء الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة لا يحسن السكوت معها"١. وقد اتخذ "كولدتزيهر" هذا البيت دليلا على وجود التدوين في شعر الهجاء عن العرب، كما اتخذ من شعر ليلى الأخيلية:
أتاني من الأنباء أن عشيرة ... بشوران يزجون المطي المذللا
يروح ويغدو وفدهم بصحيفة ... ليستجلدوا لي، ساء ذلك معملا٢.
دليلا آخرعلى تدوين الهجاء.
وتنقيحُ الشعر تهذيبُه. وأنقح شعره إذا حككه، أي أزال عيوبه. ولهذا قيل: خير الشعر الحولي المنقح٣. فكان الشاعر إذا نظم شعرًا أجال بصره به، ليرى ما فيه من نشاز وعيوب، فيحك منه ما يحتاج إلى حك، ويجيل بصره به إلى أن يعجبه ويرضيه، فيقوله للناس. وقد ينقحه بعد إلقائه، إذ قد يسمع نقدًا يراه من شاعر أو من العارفين بالشعر، صائبًا، فينقح الموضع المنتقد. وقد ينتبه الشاعر وهو يقرأ شعره على الملأ، إلى أفكار لم تكن تخطر على باله ساعة نظم شعره، فينظمها ويضيفها إلى ما نظمه.
وكان من الشعراء من يكتب ويقرأ ويدون شعره. ومن هؤلاء عدي بن زيد العبادي، الذي كان يتولى مكاتبة العرب عند كسرى، والذي كان قد حذق الكتابة بالعربية والفارسية٤. وهو من شعراء الحيرة، والشاعر
стр. 6241
سويد بن صامت الأوسي، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك الأنصاري، وهم من شعراء يثرب١، ولهذا فلا يستبعد وقوع التدوين والتنقيح من هؤلاء الشعراء ومن أمثالهم الذي كانوا يقرءون ويكتبون، يكتبون شعرهم، ثم يجيلون النظر فيه، فيغيرون منه ما شاءوا ويبدلون ما لا يعجبهم منه حتى يستوي، فيذاع.
ولو ذهبنا هذا المذهب وقلنا بصحة المذكور في هذه الروايات، حق علينا أن نقول إن الشعراء الجاهليين إن لم يكن أكثرهم فبعضهم على الأقل كانوا ينقحون شعرهم ويعدلون فيه ويجبرونه، حتى يستقيم في نظرهم ويستوي. فإذا رضوا عنه، أذاعوه عندئذ، وأنشدوه حين تدعو الداعية إلى الإنشاد. وقد يطول هذا التنقيح، وقد ينقص. قد يقع في أيام، وقد يقع في شهر أو شهور أو حول أو أكثر. ومثل هذا التنقيح والتحكيك، يستدعي وجود تدوين في الغالب، بأن يدون الشاعر أو راويته الشعر، ثم يجري التنقيح على المكتوب.
ذكر ابن قتيبة، أن من الشعراء المتكلف والمطبوع. "فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة. وكان الأصمعي يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الْحُطيئة يقول: "خير الشعر الحولي المنقح المحكك"، وكان زهير يسمى كبر قصائده: "الحوليات"٢.
وقد أشار بعض الشعراء إلى تنقيحه شعره وإلى تهذيبه له، وتحكيكه فيه. منهم الشاعر المخضرم سويد بن كراع من "عطل"٣، وكان شاعرًا محكمًا٤. فقال في أبيات يذكر تنقيحه شعره:
أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سربًا من الوحش نزعا
أكالثها حتى أعرس بعدما ... يكون سحيرًا أو بعيد فأهجعا
стр. 6242
إذا خفت أن تروى علي رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلعا
وجشّمني خوف ابن عفان ردها ... فثقِّفها حولا جريدًا ومربعا
وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أرَ إلا أن أطيع وأسمعا١
وكان هجا قومه، فاستعدوا عليه عثمان، فأوعده، وأخذ عليه ألا يعود٢. فأخذ يهذب شعره ويثقفه خشية الوقوع فيما لا يحمد عليه.
وذكر ابن قتيبة أن "المتكلف من الشعر وإن كان جيدًا محكمًا، فليس به خفاء على ذوي العلم، لتبينهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه، وزيادة ما بالمعاني غنى عنه"٣.
وقال: "والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشي الغريزة، وإذا لم يتلعثم ولم يتزحر"٤.
والتكلف في نظم الشعر شيء ممجوج ما في ذلك شك، لما فيه من تصنع وتنطُّع، وخروج على عفو الخاطر، وعلى الطبع. أما تهذيب الشعر مراجعته وتشذيبه، والتأني فيه، والنظر فيه، لتعبيده وتشذيبه، حتى يكون عذبا نقيا، نابعًا عن شاعرية وسليقة، خاليًا من الشطحات والنزوات، يعجب السامع، فأمر آخر، على ألا يتجاوز الحد، بحيث يخضع الشعور لاستبداد الصنعة، فهو عندئذ معيب. وقد رأى الأصمعي، وهو من نقدة الشعر وعلمائه، في تثقيف الشعر وحكه وتشذيبه عبودية للشعر، انتقد زهيرًا والحطيئة عليها، فقال: زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر. وكذلك كل من جود في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا أن الشعر قد كان استعبدهم واستخرج مجهودهم، حتى أدخلهم في باب التكلف وأصحاب الصنعة،
стр. 6243
ومن يلتمس قهرهم الكلام، واغتصاب الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين، الذين تأتيهم المعاني سهوًا ورهوًا، وتنثال عليهم الألفاظ انثيالا، وإنما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي؛ ولذلك قالوا في شعره: مطرف بآلاف، وخمار بواف. وقد كان يخالف في ذلك جميع الرواة والشعراء"١. وقد فسر ابن قتيبة الجملة الأخيرة المتعلقة بالنابغة الجعدي، بقوله: "وكان العلماء يقولون في شعره خمار بواف، ومطرف بآلاف. يريدون أن في شعره تفاوتًا، فبعضه حد مبرز، وبعضه رديء ساقط"٢.
وجاء في "العمدة" لابن رشيق: "وكان الأصمعي يقول: زهير والنابغة من عبيد الشعر، يريد أنهما يتكلفان إصلاحه، ويشغلان به حواسهما وخواطرهما"٣، فوضع النابغة في موضع الْحُطيئة المذكور في "البيان والتبيين" وفي الموارد الأخرى.
قال السيوطي: قال الجاحظ في البيان: كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمون تلك القصائد الحوليات والمنقحات والمحكمات، يصير قائلها فحلا خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا"٤. فالقصيدة الحولية المنقحة المحكمة، هي القصيدة التي يتأنى بها صاحبها، فيهذب فيها ويشذب، حتى يحكمها، لتصير متماسكة بينه متينة، ومن هنا قال الحطئية: خير الشعر الحولي المنقح"، أو "خير الشعر الحولي المحكك"٥. وكانوا يسمون تلك القصائد أيضًا المقلدات٦؛ والحوليات، والمنقحات، والمحكمات، وقد أوجز السيوطي كلام الجاحظ، الذي أدرك ما كان يفعله الشاعر بشعره من تغيير وتبديل ومن تنقيح وتجويد، حتى يرضى عنه. فقال أكثر مما نقله السيوطي عنه، قال إن من الشعراء "من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتًا وزمنًا طويلا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله ويقلب فيها رأيه، إتهامًا لعقلة، وتتبعًا على
стр. 6244
نفسه، فيجعل عقله زمانًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره"١. يفعلون ذلك ليخرج شعرهم بليغًا بينًا، خالصًا نقيًّا، حتى ينالوا منه ما يريدون من التأثير في السامع، ومن استهواء الناس إليهم "وكانوا إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور ميَّثوا الكلام في صدورهم وقيدوه على أنفسهم، فإذا قومه الثقاف وأُدخل الكير وقام على الخلاص أبرزوه محكمًا منقحًا ومصفًّى من الأدناس مهذبًا"٢، وقال: "وكانوا يسمون تللك القصائد الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا"٣.
والحوليات، هي القصائد التي يحول عليها الحول. والمقلدات، البواقي من الشعر على الدهر وقلائده٤. والمنقحات، القصائد المنقحة المهذبة المحككة. يقال: خير الشعر الحولي المنقح، وأنقح شعره إذا حككه، وأحسن النظر فيه، وأصلحه وأزال عيوبه٥. وقد كان الشاعر يجيل النظر في شعره، ويفكر فيه ويصلح منه، قبل أن يعرضه على الناس، حتى لا يعاب عليه، فيغض من قدره، وتهبط منزلته بين الناس، وتطمع فيه الشعراء. فهؤلاء الشعراء، هم أصحاب فن، لا يهمهم الإخراج الكثير، بل الشعر المحكك المنسق المنقح، ولذلك يمكثون أمدًا يعيدون النظر فيه حتى يعجبهم نظمه، فيذيعونه عندئذ بين الناس.
وقد عرف طفيل الغَنَوِيّ في الجاهلية بالمحبر، وذهب علماء الشعر إلى أنه إنما عرف بذلك لحسن شعره٦، وكان مثل زهير والنابغة "في التنقيح وفي التثقيف والتحكيك"٧. وقد عرف ربيعة بن سفيان الشاعر الفارس بالمحبر؛ "لتحبيره شعره وتزيينه كأنه حبر"٨. والحطيئة، والنَّمر بن ثعلب من هذه الطبقة التي تأنقت في شعرها وثقفته٩. وقد عرف النمر بن تولب بالكيس
стр. 6245
لحسن شعره١. وورد في رواية أخرى أنه إنما قيل له المحبر لقوله:
سماوته أمال برد محبر ... وسائره من أتحمي معصب٢
وكان طفيل بن عوف بن كعب "طفيل بن كعب الغنوي"، أحد نعَّات الخيل من الجاهليين، فعرف بطفيل الخيل لكثرة وصفه إياها، قيل إنه كان من أوصف الناس للخيل٣، وقد أخذ عنه بعض الشعراء، مثل النابغة وزهير. وقيل إنه كان ثالث الشعراء الوصافين للخيل٤. وقد نشر "كرنكو" ديواني طفيل والطِّرِمَّاح مع ترجمتهما إلى الإنكليزية، وذلك ضمن سلسلة منشورات "جب"٥.
ذكر أن أبا بكر قال يومًا للأنصار: زادكم الله عنّا يا معشر الأنصار خيرًا، فما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغَنَوِيّ:
جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أمّنا ... تلاقي الذي منا لَملّت
وروي أن معاوية قال: دعوا لي طفيلا وسائر الشعراء لكم، وأن عبد الملك بن مروان، قال: من أراد أن يتعلم ركوب الخيل فليرو شعر طفيل.
ومن جيد الشعر المنسوب له، قوله:
стр. 6246
إني، وإن قلّ مالي لا يفارقني ... مثل النعامة في أوصالها طول
أو قارح في الغرابيات ذو نسب ... وفي الجراء مسح الشد إجفيل
إن النساء كأشجار نبتن معا ... منها المرار، وبعض النبت مأكولا
إن النساء متى ينهينَ عن خلقٍ ... فإنه واجبٌ لا بد مفعول
لا ينصرفن لرشدٍ إن دعين له ... وهن بعد ملائيم مخاذيل١
ومن شعره:
وللخيل أيامٌ فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقب
وقد شرح ديوانه يعقوب بن السِّكِّيت، وقد رجع إليه البغدادي٢.
وقد قسم ابن رشيق الشعر إلى مطبوع ومصنوع. والمطبوع هو الأصل الذي وضع أولا، وعليه المدار. والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم، فليس متكلفًا تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تمثل، لكن بطباع القوم عفوًا فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف يصنع القصيدة، ثم يكرر نظره فيها خوفًا من التعقب، بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك، والعرب لا ينظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي، وتلاحم الكلم بعضه ببعض حتى عدّوا من فضل صنعة الحطيئة حسن نسقه الكلام بعضه على بعض"٣.
ولم يعب علماء الشعر الشعر المنمق المحكك، إذا لم تؤثر فيه الكلفة، ولم يظهر عليه التعمل، ولم يخرج عن حدود الطبع. ومن هنا قال بعض الحذاق بالكلام:
"قل من الشعر ما يخدمك، ولا تقل منه ما تخدمه. وهذا هو معنى قول
стр. 6247
الأصمعي"١، وهو أيضًا معنى ابن رشيق وغيره من علماء الشعر، الذين يريدون شعرًا طبيعًا صدر من القلب وعن عفو الخاطر، لا تعمل فيه ولا تزويق يخرجه من الطبع إلى الصنعة، فيكون ثقيل الظل لا تستسيغه الطباع.
ويرى "بروكلمن" أن "القصائد الطوال كالمعلقات، لم يتم نظمها دفعة واحدة. ومهما كانت القافية كثيرًا ما تهدي الشاعر في نظم شعره، فإنه يجدر بنا أن نتصور نشأة القصيدة في الزمن القديم على غرار ما وصفه "موزل" عند شعراء البادية المحدثين. وعلى ذلك فلا يستبعد بحال من الأحوال أن تكون القصيدة من نتاج حول كامل. ومن هنا وجدنا رواية أكثر القصائد لا تثبت على ترتيب واحد. فقد ينشد الشاعر شعرًا لرواته وأحبائه أول الأمر لئلا ينساه، ثم يزيد عليه، لا سيما إذا ذكَّره أحباؤه بشيء غفل عنه، وربما بدل بعض أبياته بعد ذلك بأخرى لم يسمعها ذووه الأولون، فتختلف الرواية عن الشاعر. ولا يأبى الشاعر نفسه أن يعترف بأن كل ذلك من بنات أفكاره. وقد يكون ذلك أيضًا هو السبب في أن كثيرًا من الشعر القديم لم تبق منه إلا قطع متفرقة"٢.
ولا يختلف الشاعر الجاهلي عن الشاعر الإسلامي في نظري في تهذيب شعره وتنقيحه. فقد كان الفرزدق الشاعر المشهور الذي حفظ وروى شعر عدد كبير من الشعراء المتقدمين رواة، كانوا يعدلون ما انحرف من شعره، ويهذبون ما يحتاج منه إلى تهذيب، وكانوا يروونه. وكان لجرير الشاعر الآخر، وهو خصم الفرزدق ومنافسه في قول الشعر، رواته ومعدلو شعره كانون يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السِّناد٣. وإذا كان هذا شأن شعراء أيام الأمويين الذين ورثوا تقاليد الشعراء المخضرمين والجاهليين، وساروا على هديهم في الشعر، لا نستبعد إذن لجوء الشاعر الجاهلي ورواته إلى التحكيك والتعديل وإجراء التهذيب على شعره، لغفلة قد تكون وقعت له، وقد فاتت عليه، أو لمعنى فات عليه، أدركه رواته عند إنشاده له، أو غمز به خصومه فاضطر إلى إجراء تنقيح عليه لإخراجه بالشكل الذي رآه يصلح فيه.
стр. 6248
وقد حكك ونقح علماء الشعر ورواته، ما سمعوه وأخذوه من شعر، لأنهم وجدوا أنه في حاجة إلى تحكيك، أو أنهم رأوا أن فيه خللا، وأن عليهم واجب إصلاحه وتقويمه. أجروا مثل هذا التنقيح حتى في شعر الشعراء الإسلاميين، روي عن الأصمعي قوله: "قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله:
فيا لك يومًا خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصي عاذله
فقال: ويله! وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبي عمرو. فقال لي: صدقت وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح، مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع. فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال: فيا لك يومًا خيره دون شرِّه.
فاروه هكذا فقد كانت الرواة قديمًا تصلح من أشعار القدماء، فقلت: لا أرويه بعد هذا إلا هكذا"١.
وقد اضطر علماء الشعر إلى تنقيح ألفاظ في الشعر بسبب تصحيف أو تحريف وقع عليها بفعل النساخ، ومثل هذا التنقيح مستساغ الطبع، بل واجب لأنه فيه أعادة الشعر إلى الصواب، على أن ينص على الأصل الذي كان مكتوبًا به، والتصحيح الذي أدخل عليه، وعلى السبب الذي حمل العالم على إجرائه عليه.
стр. 6249
دَوَاوينُ الشِّعْرِ الْجَاهِلي:
ودواوين الشعراء الجاهليين، الموجودة عندنا هي كلها وبغير استثناء من جمع علماء الشعر الإسلاميين. فلا يوجد من بينها ديوان واحد ذكر أنه كان من جمع أهل الجاهلية. وقد شرع بصنع هذه الدواوين في العصر الأموي. وبلغت العناية بها ذروتها في القرن الثالث للهجرة. وقد أبدى علماء العراق من موالي وعرب تفوقًا كبيرًا على غيرهم من علماء الأمصار الإسلامية في هذا الباب.
وقد نسب إلى ابن عباس قوله: "إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله،
стр. 6250
فاطلبوه في الشعر فإنه ديوان العرب"١. إذا صح أن هذا الكلام الذي رواه عكرمة عن عبد الله بن عباس هو من كلامه نكون قد حصلنا لأول مرة على لفظة "الديوان"، بالمعنى المفهوم من اللفظة في عرف علماء الشعر والناس. وذكر أن لفظة الديوان قد وردت في حديث: "لا يجمعهم ديوان حافظ"٢. وإذ صح هذا الحديث وثبت، يكون ورود اللفظة فيه قبل ورودها في كلام ابن عباس، ومعنى هذا أنها كانت معروفة عند أهل الجاهلية، غير أن ورودها في هذا الحديث لا يعني ديوان شعر، وإنما الجمع والإحصاء، وبمعنى كتاب وسجل تدون فيه الأشياء.
وروي أيضًا أن الخليفة عمر سأل الصحابة عن هذه الآية: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، فخاضوا في معناها، فخرج رجل ممن كان حاضرًا فلقي أعرابيًّا، فقال التخوف: التنقص، وكان ذلك الأعرابي من هذيل، فقال له: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلي:
تخوف الرحل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم٤.
ويقال لمجموع الشعر المدون في دفتر أو كتاب "ديوان الشعر". فيقال "ديوان الشاعر" و"دواوين الشعراء"، و"ديوان فلان"، و"ديوان طيء"، و"ديوان الأنصار"، و"ديوان الشعراء الجاهليين"، إلى غير
стр. 6251
ذلك. ويقصدون بذلك مجموعة أشعار جمعت في مجموع. وذكر بعض علماء اللغة أن الديوانَ الدفتر، ثم قيل لكل كتاب، وقد يخص بشعر شاعر معين مجازًا حتى جاء حقيقة فيه. فمعانيه خمسة: الكتبة ومحلهم والدفتر وكل كتاب ومجموع الشعر". والديوان في الأصل الكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية. وأول من وضعه عمر، ويرى علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن كسرى كان قد رتب الدواوين لكتّابه ولمعاملاتهم، فلما جاء الإسلام، وظهرت الحاجة إلى تنظيم العمل. أمر الخليفة عمر باتخاذ الدواوين١.
وإذا حملنا قول أهل الأخبار أنه قد كان عند النعمان بن المنذر "ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح به هو وأهل بيته"٢، وقولهم إن النعمان ملك العرب كان قد أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج، وهي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إن تحت القصر كنزًا، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار٣، على محمل الأخبار التي ظهرت في أيام الأمويين، التي صنعها وروَّجها بين الرواة حماد الرَّاوية وأضرابه فإننا نثبت بذلك وجود الدواوين بالمعنى المفهوم من الديوان في أيام حماد، وقبل أيامه. ولدينا أخبار أخرى تفيد أن الدواوين قد عرفت قبل أيام حماد.
ويظهر من قول ابن سلام: "وكان الشعر في الجاهلية ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون. وقال ابن عوف عن ابن سيرين، قال: قال عمر بن الخطّاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزوا فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب ... "٤ أن الدواوين لم تكن موجودة، وأن الشعر لم يكن مكتوبًا في صدر الإسلام، ولهذا ضاع أكثر الشعر الجاهلي بسبب انهماك حفَّاظه في الحروب
стр. 6252
وهلاك بعضهم فيها، ومنها حروب الردة، التي هلك فيها جمع من حفاظ الشعر من مسلمين ومن مشركين.
ويظهر مثل ذلك من رواية يرجع سندها إلى ابن سلام تذكر أنه "كان الرجلان من بني مروان يختلفان في الشعر فيرسلان راكبًا فينخ ببابه يعني قتادة بن دعامة، فيسأله عنه ثم يشخص"١، ويظهر من هذه الرواية إن صحت أن قتادة، كان من الحافظين للشعر، وقد عرف بأنه كان صاحب علم بأيام العرب وأنسابها وأحاديثها٢، وله أخبار في تفسير القرآن٣، ونعت بأنه كان من الحفاظ، قال عنه السيوطي: "ولم يأتِنا عن أحد من علم العرب أصح من شيء أتانا عن قتادة وهو من التابعين، روي عن أنس وابن المسيب، والحسن البصري، وروى عنه سعيد بن أبي عروبة٥. وقد ضرب الجاحظ به المثل في الحفظ، إذ قال: "كان يقال، زهد الحسن، وورع ابن سيرين، وعقل مطرف، وحفظ قتادة، وكلهم من البصرة"٦. ويظهر أنه كان يروي الإسرائيليات٧. وجمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة والزهري، فغلب قتادة الزهري، فقيل لسليمان في ذلك، فقال: إنه فقيه مليح. فقال القحذمي٨: لا، ولكنه٨ تعصب للقرشية، ولانقطاعه كان إليهم، ولروايته فضائلهم٩. وقد عرف بالنسب١٠، وهو أحد رواة رسالة عمرو بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في أصول القضاء١١.
стр. 6253
وروى الجاحظ "إن رجلا قتل أخوين في نقاب، أحدهما بعالية الرمح، والآخر بسافلته. وقدم في ذلك راكب من قبل بني مروان على قتادة يستثبت الخبر من قبله، فأثبته"١. وهو يروي عن ابن عباس٢، وعن أبي موسى٣، ويظهر من الأخبار المنسوبة إليه أنه من طراز القصاص والذين يروون الأخبار من دون نقد٤.
وورد أن الخطاط الشهير خالد بن أبي الهيجا، وهو أول من كتب المصاحف في الصدر الأول، وكان من أحسن الخطاطين في زمانه، كتب "المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك"٥. وإذا صح هذا الخبر، نكون قد وقفنا على جمع قديم للشعر وهو في مقدمة المجموعات القديمة للشعر.
لكننا نجد في رواية تذكر أن حمادًا الراوية سرق جزءًا من أشعار الأنصار، فقرأه فاستحلاه وحفظه، فمن ثم صار يطلب الأدب ويحفظ الشعر٦. وهي رواية أشك في صحتها، يظهر أنها من موضوعات أعداء حماد، ولو صحت لكانت دليلا على وجود ديوان شعر ضم شعر الأنصار. كما نجد في خبر استدعاء الوليد بن يزيد له وإرساله إليه بمائتي دينار، وأمره عامله يوسف بن عمر أن يحمله إليه على البريد، وقوله في نفسه: "لا يسألني إلا عن طرفيه: قريش وثقيف: فنظرت في كتابي قريش وثقيف. فلما قدمت إليه سألني عن أشعار بلى"٧، دلالة على وجود ديوانين كانا عند حماد أحدهما ديوان شعر قريش، والآخر ديوان شعر ثقيف. غير أننا لا نستطيع التأكد من صحة هذا الخبر، وإن كنت لا أستبعده أيضًا، لظهور التدوين قبل هذا العهد، في أيام معاوية مثلا.
وإذا صح ما ذكره ابن النَّديم من قوله: "قال أبو العباس ثعلب جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها الوليد بن يزيد بن عبد الملك ورد
стр. 6254
الديوان إلى حماد وجنّاد"١، فيكون معنى ذلك، أنه قد كان عند حماد وجناد ديوانان أو دواوين للشعر، استعارهما منهما الوليد، وجمع منهما ديوان العرب وأشعارهم، ثم أعاد الديوانين إلى صاحبيهما، وتكون بذلك قد وقفنا على وجود لفظة "ديوان" بالمعنى الاصطلاحي المعروف في أيام الأمويين ووثقنا من وجود دواوين الشعر في تلك الأيام.
ولم أجد في الدواوين التي وصلت إلينا في كتب الأدب إشارات إلى اقتباس رواة الشعر وحفظته وجماعه والمعنيين به من هذا الديوان ولا وصفًا لمحتوياته ولما كان بين دفتيه من قصائد وأشعار. ولو وصل إلينا شيء من هذا، لأفادنا ولا شك كثيرًا في التعرف على ذلك الديوان الملكي الذي يجب أن نعده أول ديوان شعر عربي وصل خبره إلينا بكل تأكيد حتى الآن.
ويذكر أن بعض شعراء العصر الأموي كانوا يملكون دواوين شعر لشعراء جاهليين. ذكر مثلا أن الفرزدق كان يمتلك نسخة من ديوان الشاعر زهير بن أبي سلمى"٢.
وقد أطلق القدماء مصطلح "دفاتر أشعار العرب" على مدونات الشعر. والدفتر جماعة الصحف المضمومة٣، وقسم البغدادي هذه الدفاتر إلى قسمين: دواوين ومجاميع. فالدواوين هي دواوين الشعراء، والمجاميع مثل أشعار بني محارب للشيباني والمفضليات للمفضل الضبي وأشعار الهذليين للسكري، وأشعار لصوص العرب للسكري، ومختار شعر الشعراء الست: امرئ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة وشرحها للأعلم الشنتمري وغيرها٤.
ويظهر أن أول اختبار مدوّن للشعر عند العرب كان القصائد المعروفة بالمعلقات اختارها حماد الراوية، ثم سار من جاء بعده مثل المفضل الضبي، وأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، ثم من جاء بعدهما على منهجه في اختيار وانتقاء الشعر والقصائد وجمعها في مجموعات. وقد ذكر الجمحي أن حمادًا
стр. 6255
"كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها. وكان غير موثوق به. كان ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار"١.
ولم أجد في الكتب المطبوعة التي تحدثت عن حماد ما يفيد اشتغال حماد بتدوين الشعر وإثباته في دواوين. وفي الفِهْرِسْت عبارة تقطع بعدم ورود كتاب ولا ديوان كان من تأليف حماد أو جمعه، إذ يقول: ولم ير لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس، وصنفت الكتب بعده"٢. ويفهم بالطبع من كلام ابن النَّديم هذا أن حمادًا كان راوية حسب، يروي للناس ما حفظه من شعر دون أن يعتني هو نفسه بإثباته لما يحفظه في حروف وكلمات. غير أنه يجب الاحتراز كثيرًا في الأخذ برواية ابن النَّديم هذه، إذ لا يعقل إهمال حماد ترتيب ما كان يحفظه من شعر كثير، وتدوينه وإملاءه. وقد أهمل ابن النَّديم أسماء كتب عديدة لمؤلفين معروفين، كما ذكر أسماء علماء لم يشر إلى مؤلفات لهم، مع أن غيره أشار إلى مؤلفاتهم، وقد وصلت بعض منها إلينا وطبعت، فلا أستبعد أن يكون قول ابن النَّديم هذا من القبيل. ومما يقوي هذا الرأي ويؤيده، ما ورد في مختارات ابن الشجري عن أبي حاتم السجستاني من وجود كتاب لحماد الراوية، إذ قال: "قال أبو حاتم هذا آخرها وفي كتاب حماد الراوية زيادة، وقوله: قال السجستاني: وفي كتاب حماد الراوية زيادة بعد هذا البيت أربعة أبيات، كتبتها ليعرف المصنوع"٣. وقد أورد ابن الشجري قولَي السجستاني عند إيراده شعر الحطيئة. وكان السجستاني قد أشار إلى كتاب حماد هذا، لوجود أبيات فيه لم يجدها في رواية الأصمعي التي اعتمد عليها لشعر الحطيئة. وقد أورد تلك الزيادات، ذاكرًا أنها مع ذكره لها من المصنوعات المردودات٤.
وفي عبارة ابن النديم: "ولم يرَ لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس
стр. 6256
وصنفت الكتب بعده"١، هفوة، فقد ذكر ابن النديم نفسه حين كلامه عن "عوانة"، أن الخليفة "الوليد بن يزيد" "جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها.... ورد الديوان إلى حماد وجناد"٢، وفي هذه الإشارة دلالة على أنه كان لحماد ديوان، ثم نجده يذكر أنه كان لعوانة بن الحكم كتاب التأريخ، وكتاب سيرة معاوية وبني أمية، وقد توفي عوانة سنة "١٤٧هـ" أي قبل حماد المتوفى سنة "١٥٦م"٣، ونجده يذكر لعبيد بن شرية الجرهمي كتاب الأمثال، ويذكر لصحار العبدي كتابًا في الأمثال كذلك، وقد عاشا قبل عوانة وحماد٤.
ودواوين الشعر أنواع: فقد يكون الديوان مجموع شعر شاعر واحد. وقد يكون مجموع شعراء قبيلة، أو مجموع شعر قبائل، أو شعر جماعة مثل الأنصار، وقد يكون مجموع شعر شعراء، جمعت أشعارهم على شكل طبقات، أو فن امتازوا به، أو اختيارات أو أسباب أخرى تذكر في مقدمة الدواوين. ومن النوع الأول دواوين بعض الشعراء الجاهليين، مثل ديوان امرئ القيس، وديوان النابغة الذبياني، وديوان عنترة، وديوان المتلمس وغيرهم. وقد يجمع ديوان شاعر واحد عدة علماء، فيرد الديوان بروايات مختلفة. وقد تختلف النسخ في ترتيب أبيات القصيدة، وفي عدد القصائد، وقد تزيد بعضها أشعارًا، وقد تنقص بعض منها أشعارًا، وقد تختلف نسخ الديوان الذي هو من جمع عالم واحد، بسبب أن العلماء كانوا يملون علمهم إملاء على تلامذتهم، في مجالس إملائهم، فيقوم تلامذتهم بتدوين ما يملى عليهم. ويحدث أن العالم يسمع كتابه من بعض طلابه أو من كتابه، فيصحح فيه، وقد يزيد عليه ما فات عن ذاكرته يوم إملائه في المرة الأولى، فيأمر بتدوينه، وقد يحذف منه شيئًا، لم يرض عنه، فتتعدد بذلك النسخ، ويحدث ذلك في الكتب الأخرى ومن هنا تتعدد الروايات للدواوين أو للكتاب، مع أن جامعه أو مؤلفه رجل واحد.
وقد يأخذ الطالب هذا الديوان، ثم يزيد عليه ما يسمعه من شيوخ آخرين،
стр. 6257
وقد يعلق عليه ويزيد على شرحه، شروحًا سمعها من رجال آخرين، وبذلك تتولد نسخ جديدة، تختلف عن النسخ الأم١.
وقد جمع العلماء دواوين الشعراء، وقد وصل بعض منها، وفقد البعض الآخر. وقد ذكر "العيني" أنه كان حصل على ما ينيف على مائة ديوان شعر، من بينها ديوان امرئ القيس، وديوان النابغة الذبياني، وديوان علقمة بن عبدة التميمي، وديوان زهير بن أبي سلمى، وديوان طرفة بن العبد، وديوان عنترة بن شداد العبسي، وديوان الأعشى ميمون، وديوان الحطيئة، وديوان أبي دؤاد، وديوان كعب بن زهير، وديوان لبيد العامري، وديوان الشنفرى، وديوان الحارث بن حلِّزة، وديوان أبي ذؤيب الهذلي، وديوان أبي كبير الهذلي، وديوان ساعدة بن جؤية الهذلي، وديوان أبي خراش الهذلي، وديوان أبي المثلم، وديوان صخر الغي، وديوان المتنخل، وديوان أبي العيال، وديوان السموءل بن عادياء، وديوان سحيم عبد بني الحسحاس، وديوان عمرو بن قميئة، وديوان عمرو بن كلثوم، وديوان أوس بن حجر، وديوان النمر بن تولب، وديوان أبي الطمحان القيني٢، وغير ذلك من دواوين لم أشر إليها. ومما يؤسف له أنه لم يذكر أسماء رواة هذه الدواوين.
ومن النوع الثاني، دواوين القبائل، أو أشعار القبائل، وقد ضمت شعر شعراء قبيلة أو شعر بعض من شعرائها، ممن اشتهر وعرف، وتحتوي الإضافة إلى الشعر كلامًا يتصل بالشعر وبالشاعر وبالمناسبة التي قيل الشعر فيها، وبنسب الشاعر وقبيلته، على نحو ما نجده في الدواوين الخاصة، فتكون بذلك وثائق مهمة جامعة لأمور شتى من حياة الجاهليين. وقد سميت هذه المجموعات بأشعار القبائل، مثل: أشعار الأزد، وأشعار حمير، وأشعار الرباب، وأشعار بني عامر بن صعصعة، وأشعار فهم، وشعر بني يشكر، وأشعار بني عوف بن همام، وشعر هذيل٣. وأشعار تغلب للسكري، وقد رجع إليه البغدادي٤.
стр. 6258
وقد هلك أكثر ما جمع من أشعار القبائل، ولم يصل إلينا مطبوعًا من هذه المجموعات إلا ديوان هذيل، وأكثر شعراء هذا الديوان إسلاميون. وقد نال شعراء هذيل بذلك حظًّا من العناية، كما نشرت لشعراء هذه القبيلة جملة دواوين١.
وقد أطلق ابن النديم جملة "أشعار العرب" على معنى ديوان أشعار العرب، فذكر مثلا أن الأصمعي، عمل "قطعة كبيرة من أشعار العرب ليست بالمرضية عند العلماء لقلة غربتها واختصار روايتها"٢، وذكر أن خالد بن كلثوم الكلابي، كان من رواة الأشعار والقبائل، وله صنعة في الأشعار والقبائل، وله من الكتب كتاب الشعراء المذكورين وكتاب أشعار القبائل، ويحتوي على عدة قبائل٣. وذكر أن أبا عمرو الشيباني "٢٠٦هـ" كان عالمًا بأشعار القبائل، وقد أخذ العلماء عنه دواوين أشعار القبائل، وكان قد جمع أشعار نيف وثمانين قبيلة٤. وذكر أيضًا أنه قد كان في بيت أبي عبيدة "٢١٠هـ" "٢١١هـ" "٢٠٨هـ" "ديوان العرب"٥، ويظهر أنه قصد به ديوانًا ضم أشعار القبائل. فهو مجموع أشعار شعراء.
ومن النوع الثالث، أي الكتب التي جمعت أشعار طبقة معينة من طبقات الشعراء أو المجتمع، ما ذكره ابن النديم من أن أبا العباس ثعلب، صنع قطعة من أشعار الفحول وغيرهم، منهم الأعشى والنابغتان وطفيل والطِّرِمَّاح٦. ومن أن أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري، وهو ممن أخذ عن ثعلب، كان قد عمل عدة دواوين من أشعار العرب الفحول، منه شعر زهير، والنابغة، والجعدي، والأعشى٧. وقد عمل محمد بن حبيب قطعة من أشعار العرب، وكتابًا سمّاه: "كتاب أخبار الشعراء وطبقاتهم"٨، وألف ابن سلام "٢٣١هـ"
стр. 6259
كتابًا في طبقات الشعراء، عرف بـ "طبقات الشعراء"، وهو مطبوع معروف، ولعمر بن شبة كتاب في الطبقات اسمه: "كتاب طبقات الشعراء"١.
هذا ونقرأ في كتاب "الفهرست" لابن النديم، وفي مؤلفات أخرى أن من العلماء من ألف كتبًا في القبائل، مثل "كتاب الأوس والخزرج" لأبي عبيدة٢. وكتاب إياد، وكتاب كنانة، وكتاب بني نهشل، وكتاب بني محارب، وكتاب بني الحارث، وكتاب بني مرة، وأشعار حمير، وكتاب بني القين بن حسر، وكتاب بني حنيفة وغيرها من كتب كان الآمدي قد رجع إليها وأخذ منها. وقد درست هذه الكتب، ولم يتحدث الآمدي بشيء عما احتوته، لذلك لا نستطيع أن نتحدث عن موضاعاتها، بيد أن الآمدي يشير أحيانًا، إلى مواضع اقتبس منها بعض الأشياء، لها صلة بالشعر والشعراء، مما يحملنا على القول بأن الكتب المذكورة كانت في الشعر: في شعر القبائل، وفيمن نبغ بينها من شعراء، كما يشير إلى أمور أخذها من هذه الموارد، التي لم يشر إلى أسماء مؤلفيها، تدل على أنها خاصة بأخبار القبائل وأنسابها، ونظرًا إلى ورود أسماء قسم من هذه المؤلفات التي لم يذكر الآمدي أسماء مؤلفيها في "الفهرست" لابن النديم، وفي موارد أخرى نقلت منها وأشارت إلى أسماء مؤلفيها، فإن في الإمكان التعرف بهذه الطريقة على أسماء مؤلفاتهم التي استقى أخباره منها في مواضع أخرى.
وعلى كثرة ما ألف من دواوين، فإننا لا نملك منها سوى قسم قليل من ذلك الكثير. ويرى "بلاشير" أن الدواوين القديمة المهمة لا تحتوي وسطيًّا أكثر من عشرين صفحة، وأن أطولها كدواوين النابغة وزهير وامرئ القيس لا تتجاوز أبدًا الثلاثين صفحة في الأصل، غير أن المتأخرين زادوا فيها قصائد ومقطعات عثروا عليها في موارد أخرى، فتضخمت تلك الدواوين حتى صارت أضعاف ما كانت عليه في الأصل٣.
وجمع بعض علماء الشعر أشعار طوائف من المجتمعات مثل شعر اللصوص،
стр. 6260
فللسكري ديوان دعاه: أشعار لصوص العرب. ومثل شعر الصعاليك، وشعر الشعراء المغتالين، وأخبار من نسب إلى أمه من الشعراء، وأخبار المتيمين من الشعراء في الجاهلية وفي الإسلام، إلى غير ذلك من مؤلفات في أخبار الشعراء وفي شعرهم١.
ويظهر أن مؤلفي الدواوين لم يحفلوا في أيامهم بموضوع شرح المناسبات التي من أجلها نظم الشعر، ولهذا جاءت خالية في الغالب من ذكر المناسبة، وهي إذا ذكرتها فإنما تذكرها بإيجاز واختصار. أما الشروح التي قد ترد في الديوان، فإنها شروح لغوية ونحوية في الغالب، لم تتمكن من تقديم صورة واضحة عن الشاعر وعن المناسبات التي من أجلها نظم الشعر. وقد انبرى علماء آخرون بشرح هذه الدواوين، إلا أن شروحهم لم تخرج أيضًا عن مألوف ذلك الزمن من الاهتمام باللغة والنحو وجمع الشواهد والنادر والغريب، فضاع التأريخ نتيجة لهذه الطريقة.
وقد ذكر ابن النديم أن شعر "امرئ القيس" قد عمله جملة علماء، منهم أبو عمرو الشيباني، والأصمعي، وخالد بن كلثوم، ومحمد بن حبيب، وأبو سعيد السكري الذي صنعه من جميع الروايات. وقد صنعه أبو العباس الأحول ولم يتمه وعمله ابن السكيت. ويلاحظ أن جامعي هذه الدواوين لم يشيروا إلى المورد الذي استقوا منه شعرهم. صحيح أن منهم من ذكر السند، إلا أنه لم يذكر كيف حصل المرجع الذي ينتهي السند عنده على هذا الشعر. ولم يحفل الرجال الذين تنتهي الأسانيد بهم بذلك، مع أن لذكر السند كاملًا أهمية كبيرة بالنسبة للمؤرخ. إذ نتمكن بهذا التشخيص من الوقوف على معين هذا الشعر.
وقد دوَّن ابن النديم جريدة بأسماء علماء الشعر الذين اشتغلوا بعمل دواوين الجاهليين. وقد استعمل لفظة "صنع" و "عمل", و "صنعة" في معنى "جمع" و "ألف" و "تأليف"، واستعمل جملة "صنعه من جميع الروايات" بعد اسم الجامع وقبل اسم الشاعر للإشارة إلى أن جامع الديوان قد اعتمد على المجموعات
стр. 6261
الشعرية التي صنعت قبله، وأوجد من مجموعها ديوانه. فقد تقدم رواية قصيدة على قصيدة، وقد تؤخر أخرى قصيدة متقدمة، فتقدم عليها قصيدة متأخرة، وقد يقدم ديوان بعض أبيات قصيدة، وقد يرتبها ديوان آخر ترتيبا آخر، لاعتماده على مورد آخر، روى القصيدة بصورة أخرى، وقد يذكر ديوان: شعرًا وقطعًا وقصائد أو قصيدة لا تكون موجودة في الدواوين الأخرى أو في بعض منها، ولهذا يأتي جامع جديد، تقع عنده تلك الدواوين، أو تكون عنده كتب شواهد ونوادر وأخبار، فيها من شعر الشاعر ما لم يرد في ديوانه فيضمه إليه، ويكون من المجموع ديوانًا جديدًا، برواية جديدة، تنسب إليه، كما فعل السكري بالنسبة لشعر امرئ القيس.
ومن أعرف من اشتغل بجمع أشعار القبائل: أبو عمرو الشيباني، وخالد بن كلثوم، والطوسي، والأصمعي، وابن الأعرابي، ومحمد بن حبيب١. ونظرًا لحفظهم أشعار القبائل، حفظوا بالطبع أشعار الشعراء الجاهليين، وحملهم ذلك على جمع أشعارهم في دواوين خاصة. وقد أضاف ابن النديم عليهم، اسم ابن السكيت، وثعلب٢. وكان الطوسي عدوًّا لابن السكيت، لأنهما أخذا عن نصران الخراساني، واختلفا في كتبه بعد موته. وكانت كتب نصران لابن السكيت حفظًا وللطوسي سماعًا٣.
ولم يرتب صناع الدواوين الشعر على حسب الترتيب الزمني، وإنما رتبوه على ترتيب القوافي، أي وفقًا لترتيب أبحدية القوافي. وقد يسر هذا الترتيب للقارئ الرجوع إلى الشعر الذي يريده، لكنه حرمه من شيء ثمين جدًّا، هو معرفة زمن نظم الشعر. وللزمن أثر كبير في الوقوف على تطور شعر الشاعر، وعلى مدى تقدمه أو تأخره في نظم الشعر، كما حرمه من الوقوف على العوامل التأريخية التي أثرت على الشاعر وعلى مجتمعه فدفعته إلى نظم شعره. ومع وجود بعض المراجع المساعدة من مثل كتب الأخبار والأدب والشواهد، فإن هناك أمورًا تأريخية تخص الشعراء الجاهليين والشعر الجاهلي، بقيت خافية علينا، بسبب عدم
стр. 6262
اهتمام علماء الشعر آنذاك بموضوع الشعر ترتيبًا زمنيًّا، ولعدم اهتمامهم بذكر أسباب نظم كل بيت أو قطعة أو شعر، أو قصيدة، مع بيان الزمن الذي نظم الشاعر فيه شعره.
وقد ظهر قوم دونوا الشعر في الصحف، وقرءوه منها، ونظرًا لمكانة الحفظ عند العلماء، ولقياسهم علم الإنسان بمقدار حفظه، لا بما كان يشرحه أو يفسره من الصحف والكتب، لذلك لم ينظر إلى مدوني الصحف نظرة تجلة وتقدير، لأنهم في نظرهم قراء صحف لا غير. قال ابن قتيبة: "يرويه المصحفون والآخذون عن الدفاتر"١، ذكر ذلك في معرض الاستخفاف بعلمهم، لكونهم لا يميزون بين الشعر الصحيح من الفاسد، والرديء من الجيد، لأنهم يقرءون عن صحف، وينطقون بحروف وكلم مكتوبة، لا عن فهم ودراية مثل رواة الشعر، الذين خزنوا علمهم في أدمغتهم، فإذا سئلوا عن شيء أجابوا عن روية وفكر، لا عن صحيفة مكتوبة.
وقد ساعدت الكتب المؤلفة في أخبار القبائل مساعدة كبيرة في جمع الشعر الجاهلي، ونجد في كتاب "الفهرست" لابن النديم أسماء مؤلفات كثيرة، في القبائل، وفي أمور أخرى لها صلة بالشعر، ذكرها أثناء تحدثه عن الأشخاص الذين ذكرهم في كتابه. وقد هلكت أكثر المؤلفات المذكورة، ولكننا نجد نقولًا منها في بعض الكتب التي كتب لها البقاء والتي قدر لها أن تطبع.
ولا أجد في نفسي حاجة إلى ذكر الموارد الأخرى التي أفادتنا كثيرًا في جمع الشعر الجاهلي وفي الوقوف عليه، لأن لقارئ هذا الكتاب إلمامًا بها، قد يزيد على إلمامي بها. وعلى رأس هذه الموارد كتب الأدب، مثل مؤلفات الجاحظ، وكتاب الأغاني للأصبهاني، وكتب الأمالي والمجالس وغيرها، ففي هذه الموارد مادة قد لا نجدها في كتب الشعر، وقد ذكرت أسماء مصادر قديمة نقلت منها لا نعرف اليوم من أمرها شيئًا.
ولا بد من الإشارة أيضًا إلى كتب النحو والشواهد، فقد جاءت بأشعار جاهلية استشهد بها على إثبات قاعدة نحوية، أو شاهد رأي جاء به عالم لإثبات
стр. 6263
رأيه في موضوع لغوي أو نحوي، وقد نص على اسم أو أسماء الشعراء في بعض الأحيان، ولم ينص على الأسماء في أحيان أخرى. وقد يمكن معرفة بعض الأشعار التي لم ينص على اسم قائلها، بالرجوع إلى الموارد الأخرى التي نسبتها إلى قائليها، غير أن الحظ لا يساعد في أحيان أخرى على معرفة اسم قائل الشاهد، لعدم وجوده في موارد أخرى. وقد يكون شاهدًا مفتعلًا، فلا يمكن التوصل إلى أصله بالطبع.
стр. 6264
الفصل الخامس والخمسون بعد المئة: الشعر المصنوع
...
الفَصْلُ الخامِسُ والخمسونَ بَعْدَ المائةِ: الشِّعْرُ المصنُوعُ
ليس البحث في معرفة المصنوع من الشعر، وفي أسباب وضعه، من البحوث الجديدة، التي أوجدها المستشرقون، أو من أخذ عنهم من الباحثين المحدثين، بل هو بحث قديم، أتقنه أهل الجاهلية، وأخذه عنهم أهل الإسلام. وفي هذا المعنى قال الشاعر الشهير الحطيئة: "ويل للشعر من الرواة السوء"١. فرواة الشعر، آفة بالنسبة للشعر وللشعراء، قد يزيدون فيه، وقد ينقصون، وقد يصحفون، وقد يفتعلون ويصنعون الشعر على ألسنة غيرهم، ولو لم يكن هذا المرض معروفًا في أيام الحُطَيئَة وقبلها لما ورد هذا القول عنه.
ومعنى انتحله وتنحله ادَّعاه لنفسه، وهو لغيره. يقال: انتحل فلان شعر فلان أو قوله ادعاه أنه قائله، وتنحله ادعاه وهو لغيره. قال الأعشى:
فكيف أنا وانتحال القوا ... في بعد المشيب كفى ذاك عارا
وقيدني الشعر في بيته ... كما قيد الأسرات الحمارا
"ويقال نحل الشاعر قصيدة، إذا نسبت إليه وهي من قبل غيره. ومنه حديث قتادة بن النعمان: كان بشير بن أبيرق يقول الشعر ويهجو به أصحاب
стр. 6265
النبي ﷺ وينحله بعض العرب"١. ولم يكن بشير أول من فعل ذلك بالطبع من العرب، فهناك غيره ممن سبقه وممن عاش في أيامه صنعوا صنيعه في نحل الشعر وإضافته إلى الشعراء لمآرب مختلفة. ويظهر من الشعر المتقدم المنسوب إلى الأعشى، أنه قد اتهم بانتحال الشعر، بأخذ شعر غيره وادعائه لنفسه، فنفى عنه تلك التهمة.
ويروى أن النعمان بن المنذر، كان يرى به هذا الرأي، فقد ذكروا أنه قال له: "لعلك تستعين على شعرك هذا؟ فقال له الأعشى: احبسني في بيت حتى أقول، فحبسه في بيت، فقال قصيدته التي أولها:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطَّت على ذي هوى أن تزارا
ثم ذكر فيها البيتين المتقدمين٢. وورد أن الذي قال له ذلك، هو قيس بن معد يكرب الكندي٣.
وكان السطو على الشعر، معروفًا في الجاهلية كما كان معروفًا في الإسلام.
قال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شرودًا ... تنحلها ابن حمراء العجان
وقال ابن هرمة:
ولم أتنحل الأشعار فيها ... ولم تعجزني المدح الجياد٤
يقال تنحل الشاعر قصيدة، إذا نسبها إلى نفسه، وهي من قبل غيره.
قال يزيد بن الحكم:
ومسترق القصائد والمضاهي ... سواء عند علام الرجال٥.
стр. 6266
ويقال: إن "الأعشى"، وضع في شعره أن "هرم بن قطبة" حكم لعامر بن الطفيل على علقمة بن علاثة، وتزيد بذلك على "هرم"، وأشاعه بين الناس١. والتزيد تكلف الزيادة في الكلام وغيره. وورد أن من الشعراء الجاهليين من كان ينتحل شعر غيره، أو يجتلب منه. قال الراجز:
يا أيها الزاعم أني أجتلب ... وأنني غير عضاهي أنتجب
كذبت إن شر ما قيل الكذب٢
فهو ينكر أنه يجتلب الشعر من غيره. واجتلب الشاعر، إذا استوق الشعر من غير واستمده. قال جرير:
ألم يعلم مسرحي القوافي ... فلا عيا بهن ولا اجتلابا
أي لا أعيا بالقوافي ولا اجتلبهن ممن سواي، بل أنا في غنى بما لدي منها٣.
وقد نحل على الأعشى فنسب له الرواة ما ليس من شعره، مثل قصيدته التي قالها في مدح سلامة ذا فائش، فقد روى ابن قتيبة الأبيات الأربعة الأول منها، ثم قال: وهذا الشعر منحول، لا أعرف فيه شيئًا يستحسن إلا قوله:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسًا بكف من نجلا٤
وروي عن الخليل قوله: "إن النحارير من العرب ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب، إرادة اللبس والتعنيت"٥. وحمل الكلام على الغير شيء مألوف، كما أن أخذ شخص كلام غيره وادعائه لنفسه شيء مألوف كذلك. وقد أشار جهابذة العلماء إلى أن في الشعر مصنوعًا وفيه مفتعل موضوع. وهو كثير لا خير فيه ولا حجة في عربيته. وقد أنبرى له العلماء فنقدوا الشعر.
стр. 6267
لاستخراج الصحيح منه من الفاسد، وتمكنوا قدر إمكانهم من ضبط بعض الفاسد المنحول ومن الإشارة إليه١. قال "ابن سلام: "وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم، أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الإشكال"٢.
وقد ذكروا أن قومًا تداولوا هذا الشعر المصنوع "من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة ولا يروي عن صحفي"٣. فمقياس الصحة في نظرهم، هو الرواية والأخذ عن أهل البادية، وقول علماء الشعر في الشعر، أما الشعر المدون والمنقول من الصحف، فلا قيمة له، مع أن التدوين أصدق وأكثر صحة من النقل والرواية، وإذا كانوا قد خافوا التزوير في التدوين، فإن التزوير في الرواية لا يقل خطرًا عن التزوير في التدوين. وقد عدُّوا الصحفيين، قومًا لا علم لهم بالشعر، وإنما هم نقلة، يقرءون ما هو مكتوب، وليس في القراءة دليل على علم٤، وذلك لأنهم كانوا يصحفون في القراءة، ويلحنون، بينما الراوية الذي اعتمد على علمه وعلى حافظته وعلى ذوقه وطبعه، لا يصحف ولا يقع في اللحن، ولهذا قيل لهؤلاء الصحفيين المصحفين.
"قال خلاد بن زيد الباهلي لخلف بن حيان أبي محرز -وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله- بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تروى؟ قال له: هل تعلم أنت منها ما أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكر أن يعرفوا من ذلك ما لا تعرفه أنت. وقال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنته فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك. فقال له: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته،
стр. 6268
فقال لك الصراف: إنه رديء، هل ينفعك استحسانك له؟ "١.
وقد افتخر رواة الشعر بأنفسهم، وزعموا أنهم أكثر فهمًا في النقد من رواة الحديث، قال يحيى بن سعيد القطان: "رواة الشعر أعقل من رواة الحديث، لأن رواة الحديث يروون مصنوعًا كثيرًا، ورواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون: هذا مصنوع"٢. يعيبون رواة الحديث على روايتهم الحديث المصنوع، مع أن وضعهم للشعر لا يقل عن وضع رواة الحديث للحديث على لسان الرسول، ونقدهم له لا يرتفع كثيرًا عن نقد رجال الحديث للحديث.
وقد تعرض ابن سلام لموضوع إفساد الشعر ونحله، فقال: "وكان ممن هجن الشعر وأفسده وحمل كل غثاء: محمد بن إسحاق مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها. ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به، فأحمله ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن أشعار الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ ألوف من السنين؟ والله يقول: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ . وقال في عاد: ﴿فهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ . وقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣.
فهو يتهم ابن إسحاق بالجهل بالشعر، وهو جهل استغله صناع الشعر فجاءوا إليه بشعر غثاء فاسد، وبشعر مصنوع، فأدخله، وبشعر مفتعل وضع على ألسنة الماضين فقبله. فكان جهله من عوامل إفساد الشعر.
وهذا الشعر بيّن الفساد، يمكن لكل ذوي عقل رفضه، ولكن الذي أفسد الشعر وهجنه، هم علماء الشعر وصناعه من أصحاب الحرفة، الذين وضعوا على ألسنة الشعراء، شعرًا صعب حتى على نقدة الشعر رده إلى أصله، لأنهم وضعوه وصاغوه على ألسنة الشعراء صياغة محبوكة من نمط الشعر الصحيح المحفوظ عن أهل الجاهلية، ومن هنا هان عمل ابن إسحاق بالنسبة إلى عمل حماد الراوية وخلف الأحمر وغيرهما من صاغة الشعر.
стр. 6269
وقال ابن سلام: "فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم. ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال"١.
وروى ابن سلام خبرًا طريفًا من أخبار النَّحْل في الشعر، فقال: "أخبرني أبو عبيدة أن داود بن مُتَمِّم بن نُويرَة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علينا علمنا أنه يفتعله"٢.
وتحاشيًا من الوضع، امتحنوا من كان يقدم عليهم، للأخذ منه، أو من كان يتصل بهم من الأعراب، حتى يتأكدوا من أمانتهم ومن علمهم بما سيسألونهم عنه. إذ ثبت عند العلماء بالشعر أن بعض الأعراب كانوا يفتعلون الشعر ويضعون الأخبار ويجيبون عن غير علم. وقد أفرد أبو العباس المبرد لبعض منهم بابًا خصصه بأكاذيب الأعراب. وبما كانوا يروونه من أساطير وخرافات٣، ومع ذلك فقد فات عليهم الكثير من هذه الأكاذيب، ودخلت كتبهم، ويمكنك التعرف على البعض منه، من دون حاجة إلى بذل مشقة أو جهد.
وقد أورد علماء الشعر أمثلة على المصنوع من الشعر من ذلك ما ذكره أبو عبيدة من أنه أنشد بشار بن برد، البيت:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
стр. 6270
وهو بيت وضعه أبو عمرو الشيباني على لسان الأعشى، فقال بعلمه بالشعر وبألفاظ العرب: "كأن هذا ليس من لفظ الأعشى"١، وقد كان بشار الشاعر المعروف حاذقًا بأشعار العرب ملمًا بأساليبهم، فأدرك بسليقته وبعلمه بشعر الأعشى أن هذا البيت ليس من شعره، وقد روى الرواة أن أبا عمرو هو الذي وضعه على لسان الأعشى، وأنه اعترف بصنعه له.
وقد جاء المعري في "رسالة الغفران" بأمثلة كثيرة من أمثلة الشعر المنحول الذي صنع على ألسنة الشعراء الجاهليين. كما أشار إلى التحوير والتغيير الذي أدخله "المعلمون في الإسلام" على الشعر "فغيروه على حسب ما يريدون"٢.
وروي أن قريشًا كانوا أول من وضع الشعر من القبائل في الإسلام. نظروا إلى أنفسهم، فإذا حظهم في الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثروا منه في الإسلام. قال ابن سلام: "وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على حسان"٣. ولم يكتف القرشيون بإضافة الشعر إليهم، وباستكثاره، بل عملوا الشعر على لسان شعراء المدينة للغض منهم، وذلك لما كان بينهم وبين أهل يثرب من تحاسد يعود إلى ما قبل الإسلام. وقد ذكر أن "قتادة بن موسى" الجمحي هجا "حسان بن ثابت" ونحلها "أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب"٤، صنعوا الشعر الغث الضعيف وأضافوه إلى شعراء الأنصار للغض من منزلتهم في الشعر.
وقد أشار السيوطي إلى أشعار، ذكر أن علماء الشعر يروون أنها من صنع خلف الأحمر، صنعها على ألسنة الشعراء الجاهليين. من ذلك اللامية المنسوبة إلى الشنفرى٥، والقصيدة التي فيها:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما