شعر طبقة من الطبقات الاجتماعية، كما عنوا بالاختيارات وغير ذلك١.
وقد أخذ بعض رواة الشعر الجاهلي من منابعه، أي من القبائل، "قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: دخل أبو عمرو إسحاق بن مرار البادية ومعه دستيجان من حبر، فما خرج حتى أفناهما يكتب سماعه عن العرب"٢. وأبو عمرو هذا، هو أبو عمرو الشيباني.
وقد أشار ابن النَّدِيم والعلماء الذين عنوا بالشعر إلى أسماء نفر من العلماء عنوا واشتغلوا بجمع الشعر، وذكروا أسماء كتبهم واختياراتهم. وقد وصل إلينا بعض ما اشتغلوا فيه وجمعوه، فطبع، ومنه ما لا زال مخطوطًا محفوظًا في خزائن الكتب. وهو معروف يعرف الناس المواضع التي يوجد فيها، وقد يهيأ له من يقوم بطبعه وتيسيره بذلك للناس، غير أننا لا نزال نجهل مصير عدد كبير من الدواوين والأشعار والاختيارات التي ذكر ابن النَّدِيم وغيره أسماءها مع أسماء جامعيها، لا ندري إذا كانت اليوم في خزائن الكتب لا يعرف الناس من أمرها شيئًا، لعدم إحاطة المسئولين بأمر تلك الخزائن العلم بها، أو أنها عند أسر لا تعرف من أمرها المخطوطات شيئًا، لجهلها بها وبالعلم، أو أنها تلفت وولت لعوامل عديدة، فلا أمل إذن من بعثها ونشرها.
وقد تحرش الجاحظ بنموذج من رواة الشعر بالبصرة، فقال: "وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يروِ أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء. ولقد شهدتم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروى عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتياني متغزل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن المنجم، وأبي مالك
стр. 6197
عمرو بن كركرة، مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله"١.
ولم يقتصر عمل الراوية على رواية الشعر وإنشاده للناس، بل كان يقوم أيضًا بشرح غامض ألفاظه وبإجلاء ما قد يكون في الشعر من معان خفية غامضة، كما كان يقوم بشرح الظروف والمناسبات التي نظم الشعر فيها، إلى غير ذلك من أمور تتعلق بالشعر. ولهذا فإن راوية الشاعر، هو ديوان حي للشاعر، فيه كل ما يتعلق بشعر ذلك الشاعر.
ولم يقتصر الشعر على عشاقه ورواته والعلماء به، أو على الرواة الشعراء، بل ساهم فيه أناس تخصصوا بأمور أخرى، كان لاختصاصهم اتصال متين بالشعر، مثل علماء النسب وعلماء الأيام والأخبار. وفقد أمدنا هؤلاء بمادة لا بأس بها من الشعر الجاهلي في الجاهلية وفي الإسلام. وكانوا إذا تحدثوا عن نسب قبيلة أو عن نسب رجل معروف، ذكروا ما قيل في حقها أو في حقه من مدح أو هجاء، وكانوا إذا تكلموا عن أيام الجاهلية، اضطروا إلى سرد ما قال فيها أبطالها وفرسانها من شعر. فقد كان من عادة الأبطال إنشاد شعر التبجح بالنفس وبمفاخرها وبمفاخر القبيلة حين نزولهم ساحة القتال، وكان من عادة المنتصر تخليد نصره بأشعار ينشدها أبناء القبيلة، لتكون تسجيلا لمفاخره بني الناس.
وساهم علماء العربية: علماء اللغة والنحو والتفسير والحديث مساهمة تذكر في تخليد الشعر الجاهلي، بما جمعوه من شواهد في اللغة وفي النحو وفي الصرف، وفي تفسير القرآن والحديث من أبيات وقطع بل قصائد أحيانًا. فقدموا لنا بفعلهم هذا مادة ساعدتنا في زيادة معارفنا عن شعر ما قبل الإسلام وفي ضبط الشعر الوارد في المصادر الأخرى، وتصحيح ما قد يكون قد وقع في الروايات المتضاربة من أوهام، كما أمدتنا بمادة لا بأس بها، بل جديدة ونادرة أحيانًا عن أصحاب الشعر وعن المناسبات التي قيل فيها.
وقد تعرض الجاحظ لأمر هؤلاء في الشعر، فقال: "ولم أرَ غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. ولم أرَ غاية رواة الشعر إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج. ولم أرَ غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه
стр. 6198
الشاهد والمثل"١.
يقول بروكلمن: "ولم يبدأ جمع الشعر إلا في عصر الأمويين، وإن لم يبلغ هذا الجمع ذروته إلا على أيدي العلماء في عصر العباسيين، بيد أن معنى التحري في وثوق الرواية، والتدقيق في النقل اللغوي على النحو الذي نعرفه في عصرنا هذا، كان أمرًا غريبًا بعد على جماع ذلك العصر. ولما كان كثير من هؤلاء الجماع أنفسهم شعراء، فقد ظنوا أنه ليس من حقهم فقط، بل ربما كان واجبًا عليهم أيضًا في بعض الأحيان أن يصلحوا ما رووه للشعراء القدماء أو يزيدوا عليه. فلا عجب إذا لم يبالوا أيضًا بالوضع والاختراع لتوثيق رواياتهم. وقد أراد حماد الراوية أن يفسر تفوقه، والتفوق المزعوم لأصحابه الكوفيين في الدراية بالشعر القديم، فزعم أنه وجد الشعر الذي كتب بأمر النعمان ودفن في قصره الأبيض بالحيرة، ثم كشف في أيام المختار بن أبي عبيد.
لقد غير الرواة بعض أشعار الجاهلية عمدًا، ونسبوا الأشعار القديمة إلى شعراء من الجاهلية الأولى، كما يمكن أن يكون وضع أشعار قديمة، منحولة على مشاهير الأبطال في الزمن الأول لتمجيد بعض القبائل، أكثر مما نستطيع إثباته.
على أنه بالرغم من كل العيوب التي لم يكن منها بد في المصادر القديمة، يبدو أن القصد إلى التشويه والتحريف لم يلعب إلا دورًا ثانويًّا. وقد روى علماء المسلمين أشعارًا للجاهليين تشتمل على أسماء أصنام وعبادتها، وأن أسقطوا أيضًا أبياتًا أخرى لشبهات دينية، وذلك في حالات يبدو أنها قليلة، لأن الشعور الديني لم يكن غالبًا على نفوس العرب في الجاهلية"٢.
ويعود الفضل في جمع الشعر الجاهلي وتدوينه وتخليده إلى مدينتين اشتهرتا بالعلم، هما: الكوفة والبصرة، فقد كان علماء هاتين المدينتين في طليعة من عني بجمع الشعر الجاهلي وتقصِّيه، ولا نكاد نجد مدينة إسلامية، بلغت مبلغهما في
هذه الناحية، أو تمكنت من مزاحمتهما في جمع شتات هذا الشعر وحصره في كتب مدونة صارت مرجعًا للعلماء ولعشاق هذا الشعر إلى يومنا هذا. ونكاد لا نجد كتابًا في الشعر أو في الأدب، إلا وهو عيال على علم علماء هاتين المدينتين.
стр. 6199
ولم تساهم مكة مدينة قريش، مساهمة الكوفة أو البصرة في جمع الشعر الجاهلي، الذي زعم أنه نظم بلغتهم، ولم تلحق يثرب بالمدينتين المذكورتين في هذا المضمار كذلك. ولم تبلغ دمشق التي صارت حاضرة العالم الإسلامي بعد مقتل "علي" وتولي "معاوية" الحكم، مبلغ المدينتين في هذا العلم وفي علوم العربية الأخرى، مع حب الأمويين للشعر الجاهلي، ورغبتهم في توفيق بلاد الشأم المؤيدة لهم، على العراق لمشاكسته لهم، ومعارضته للشأم منذ ما قبل الإسلام. ويظهر أن أرض دمشق لم تكن أرضًا خصبة بالنسبة للشعر الجاهلي لأن سكانها حتى الفتح كانوا بين سوريين، أي من بني إرم، وبين إغريق وعناصر أعجمية أخرى، بينما كانت الحيرة والأنبار وعين التمر وسائر القرى العربية الأخرى، تعلم العربية في مدارسها، وتدرس الخط العربي، وكان رجال الدين فيها، قد وقفوا على الثقافة اليونانية، ونقلوا كتبًا منها إلى السريانية، ولكونهم من النصارى الشرقيين، كانت لغة العلم والدين عندهم السريانية، ولكنهم كانوا يعظون ويعلمون بالعربية. أما عرب الشأم، فقد أقاموا في قرى ومضارب في أطراف بلاد الشأم، ومع احتفال سادات غسان بالشعراء، فإن عنايتهم بهم لم تبلغ مبلغ عناية آل لخم بهم، ولعل ذلك بسبب ارتباطهم الشديد بالروم، وهيمنة الروم عليهم، بحيث لم يكونوا يسمحون لهم بالتحرك إلا بعد استشارتهم، ولا أن يتصلوا بالعرب إلا بأمر منهم، ولهذا لم يجدوا لهم منفعة تذكر بالإغداق على الشعراء وبإغراء الشعراء بالمجيء إليهم لمدحهم، اللهم إلا إذا جاء الشعراء إليهم، ورموا بأنفسهم ضيوفًا عليهم، أما سادات الحيرة، فقد كانوا أكثر تحررًا في أمورهم وسياستهم من منافسيهم الغساسنة، وكان نفوذ الفرس خفيفًا عليهم، وقد بلغ حكمهم في أيام امرئ القيس "٣٢٨م" أسوار نجران، وكانت البحرين تابعة للحيرة، يحكمها عامل بعينه ملك الحيرة، كما كان نفوذ الملوك يمتد إلى نجد فاليمامة، فلملوك الحيرة إذن مصالح سياسية خاصة في منطقة واسعة من جزيرة العرب، ولهم روابط مع سادات القبائل، ونظرًا إلى ما للشعر والشعراء من أهمية في التأثير بالرأي العام، اضطروا إلى مداهنة الشعراء من أهمية في التأثير بالرأي العام، اضطروا إلى مداهنة الشعراء والإغداق عليهم والترحيب بهم، لشراء ألسنتهم، أما من كان يوشى به عندهم، فيغضبون عليه، أو يجد أنه لم يكافأ على مدحه لهم، وقيامه بشعره بالدعاية لهم، مكافاة عادلة، فكان يهرب إلى أعداء آل لخم،
стр. 6200
الغساسنة، ليجد له مأوى عندهم، كما فعل النابغة والمتلمس. ولما كان الغساسنة قد تأثروا بالحياة الحضرية، أكثر من ملوك الحيرة، وقد تشربوا بالثقافة البيزنطية، فعاشوا في بيوت بدمشق بين الحضر، وبنوا القصور الكبيرة في القرى التابعة لهم، وهي مواضع خصبة، وقد أثثوها على الطريقة الرومية، وكانوا يسمعون الغناء الرومي، وكانت مصالحهم بالأعراب وبجزيرة العرب -كما قلت- غير ذات بال، لم يحفلوا بالشعراء الوافدين عليهم احتفال ملوك الحيرة بهم، ولم يغدقوا إغداق المناذرة عليهم، فصار عدد الشعراء الوافدين عليهم قليلا إذا قيس بعدد من كان يذهب منهم إلى قصور الحيرة، كما يظهر ذلك جليًّا من كتب الأخبار والأدب التي تحدثت عن الشعراء الجاهليين، ولعل هذا الصدّ عن الشعراء هو الذي حمل النابغة على ألا يمكث عند الغساسنة طويلا، فحمل حمله، وعاد إلى الحيرة معتذرًا إلى النعمان عما بدر منه من خطأ، راميًا سبب ما وقع بينهما من قطيعة إلى عمل الوشاة الحساد. ولعله كان أيضًا في جملة العوامل التي جعلت العراق يتقدم على الشأم في رواية الشعر الجاهلي وفي نشره، فنحن لا نكاد نعرف رجلا من أهل الشأم الصميمين، قام بالشعر الجاهلي، أو بأمر شعراء العرب في الشأم من أهل الجاهلية، كما قام به أهل العراق. ولم تشتهر دمشق ولا غيرها من مدن بلاد الشأم بما قامت به مدن العراق من جمع الشعر الجاهلي على الرغم من تحمس الأمويين وكلفهم في جمعه وتدوينه.
وقد تعرض العلماء لأمر المدينة، فقالوا: "فأما مدينة الرسول ﷺ فلا نعلم بها إمامًا في العربية. قال الأصمعي: أقمت بالمدينة. زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة.
وكان بها ابن دأب، يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلامًا ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفت روايته، وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب، يكنى أبا الوليد، وكان شاعرًا وعلمه بالأخبار أكثر١. وذكر أن في جملة ما صحفه من الشعر، قول الحارث بن حِلِّزةَ اليَشْكُرِيّ:
أيها الكاذب المبلغ عنا ... عبد عمرو وهل بذاك انتهاء
стр. 6201
وإنما هو: عند عمرو١.
وأقدم ما لدينا من مدونات الشعر الجاهلي، الاختيارات التي جمعها حماد الراوية، المعروفة بالمعلقات، والتي عرفت بالسموط. ولعلها الديوان الذي ذكر ابن النَّدِيم أنه أرسله إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فاستعان به مع ديوان آخر بعثه إليه جناد، ليجمع منهما ومن غيرهما ديوان العرب وأشعارها٢، وقد يكون ديوانًا آخر أوسع من هذا المجموع.
ويلي هذه الاختيارات، اختيارات أخرى جمعها رجل من أهل الكوفة أيضًا، ورواية من رواة الشعر المعروفين هو المفضل بن محمد بن يعلى الضبي، المتوفى سنة "١٦٤هـ" "٧٨٠م"، أو "١٦٨"، أو "١٧٠هـ"، على اختلاف الروايات. وقد اتخذه المنصور مؤدبًا لابنه المهدي فعمل له الأشعار المختارة المسماة المفضليات، وهي مائة وثمانٍ وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه، والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي قال: وأول النسخة التي لتأبط شرًّا:
يا عبد ما لك من شوق وإبراق ... ومر طيف على الأهوال طراق٣
"هذا وقد وقع في الجزء الأول من هذا الكتاب سهو، إذا سقطت لفظة "مائة" من: "وهي مائة وثمان وعشرون قصيدة"، فصارت على هذا النحو: "وهي ثمان وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص"٤، ولذلك أحببت أن ألفت نظر القراء لإصلاح هذه الهفوة"
ويلي هذه الاختيارات اختيارات أخرى جمعها الأصمعي، سأتحدث عنها أثناء حديثي عنه بعد قليل، ثم اختيارات أخرى عرفت بـ"جمهرة أشعار العرب"، قد جمعت في أواخر المائة الثالثة للهجرة. "وهي مجموعة سباعية تشتمل على سبعة أقسام، أولها المعلقات السبع، وتحمل الأقسام الستة الباقية حلى من العناوين المختارة
стр. 6202
وهي: المجمهرات، المنتقيات، المذهبات، المراثي، المشوبات، الملحمات"١.
ويسمى جامعها أبا زيد القرشي، وقيل إن سند رواية أبي زيد هذا، وهو المفضل، كان في المرتبة السادسة من سلالة الخليفة عمر بن الخطاب، وإذا فلا بد أن حياته كانت في أواخر القرن الثالث الهجري. على أن كلا الرجلين: أبي زيد والمفضل، مجهول بالكلية فيما عدا ذلك. ويبدو لنا أن تسميتها موضوعة على اسمي كل من أبي زيد الأنصاري النحوي المشهور وشيخه المفضل. ولكن لما كان كتاب الجمهرة معروفًا لابن رشيق "٣٩٠- ٤٥٦هـ/ ١٠٠٠- ١٠٤٦م"، فقد يكون تم تأليفه في القرنين الثالث والرابع للهجرة"٢.
وهناك مجموعات أخرى مثل ديوان الحماسة لأبي تمام "المتوفي ٢٣١هـ"، وديوان الحماسة للبحتري "٢٠٥- ٢٨٤هـ"، وحماسة "الخالديين"، أو كتاب الأشباه والنظائر، للأخوين: أبي عثمان سعيد "المتوفي حوالي ٣٥٠هـ"، وأبي بكر محمد "المتوفي٣٨٠هـ"، ومجموعات أخرى معروفة، مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، ذكرها "بروكلمن" و"جرجي زيدان"، وغيرهما ممن بحث عن الشعر الجاهلي، فلا حاجة إذن إلى ذكرها في هذا المكان.
ولم يلزم رواة الشعر الأول وعلماء اللغة والنحو أنفسهم النص على اسم المنبع الذي عرفوا الشعر أو الخبر منه، فصار من الصعب علينا، بل من غير الممكن التعرف على السبيل الذي سلكه هذا الشعر الجاهلي من الجاهلية حتى وصل إلى حماد الراوية، أو خلف الأحمر، أو غيرهما من رواة الشعر، ولو كانوا قد نصوا عليه، لأمكن التثبت من صحة الشعر، بنقد سلسلة السند، أو المصدر المكتوب إن كان مكتوبًا، فيخفف بذلك من هذا الشك الذي يحوم حول صحة المصادر التي أخذ الرواة منها معينهم عن هذا التراث الخالد الجاهلي.
وقد اكتفى الرواة أحيانا بذكر اسم أعرابي، نسبوا أخذ شعرهم أو خبرهم إليه، اتصلوا به أثناء قدومه البصرة أو الكوفة، أو في أثناء ذهابهم إلى البادية لجمع العلم بأخبار العرب وبشعرها القديم منها، ومعظمهم من قبائل مختارة
стр. 6203
نصوا على اسمها، مثل تميم، وأسد، وهي القبائل التي ارتضى علماء اللغة الأخذ عنها، وكان بعضهم ممن ترك البادية وعاش في الحاضرتين، وأظهروا مقدرة وكفاءة في الرد على أسئلة العلماء، واستوجبت توثيقهم وتقديمهم، حتى صار بعضهم من طبقة العلماء.
ولم يشرِ العلماء أحيانًا إلى اسم الأعرابي، أو الأعراب الذين أخذوا عنهم، بل اكتفوا بالإشارة إلى أنهم سمعوا ما ذكروه من أعرابي، أو من أعرابي فصيح، أو من فصحاء الأعراب، أو فصحاء العرب. ولا ندري حال هؤلاء الأعراب وحظهم من العلم والمعرفة بعلوم اللغة، وبأمور القبيلة في الجاهلية، وقد يصح الأخذ منهم في أمور لغوية تخص لهجة قبيلتهم، أما في موضوع الشعر والأخبار، فهناك مشاكل شائكة تجعل من الصعب قبول روايتهم، لمجرد أنهم أعراب، وأنهم أعلم من الحضر بأمور قبيلتهم، فبينهم من كان لا يبالي من التحقق بإجابته، فيجيب حسب مزاجه وهواه.
وقد اشتهر وعرف بعض الأعراب، حتى دخلت أسماؤهم في الكتب، وقد دون ابن النَّدِيم أسماء جماعة منهم في باب دعاه: "أسماء فصحاء العرب المشهورين الذي سمع منهم العلماء، وشيء من أخبارهم وأنسابهم"١. وقد ذكر أن من بين هؤلاء من كان معلما، يعلم الصبيان بأجرة، ويؤخذ منه العلم، وكان شاعرًا، مثل أبي البيداء الرباحي، وهو أعرابي نزل البصرة، وعلم بها، وأبي مالك عمرو بن كركرة، وكان يعلم في البادية ويورق في الحضر مولى بني سعد، راوية أبي البيداء، وكان عالما باللغة، وله رأي طريف: "يزعم أن الأغنياء عند الله أكرم من الفقراء"٢، وأبي عرار، وهو أعرابي من بني عجل، قريب من أبي مالك، في غزارة علم اللغة، وكان شاعرًا، وكان ممن يتصل به جناد وإسحاق بن الجصاص"٣. ولبعضهم مؤلفات، ذكر أسماءهم ابن النديم. وقد أقام معظمهم بين الحضر، في المدن المشهورة التي كانت تبحث عن أمثال هؤلاء، مثل البصرة والكوفة، ثم بغداد، وكان أكثرهم ينظم الشعر، ومنهم من كان كاتبًا قارئًا، طابت له الإقامة بين الحضر، ووجد له الرزق بينهم، ففضل وطلب المال على الإقامة في أرض الشح والفقر.
стр. 6204
بَعْضُ رُوَاةِ الشِّعْرِ:
هناك رجال غلبت عليهم رواية الشعر، فاشتهروا بها، مثل حماد الراوية وخلف الأحمر. غير أن هناك رجالا، اشتغلوا بالعربية والنحو، لا يقل جهدهم في جمع الشعر الجاهلي عن جهد رواة الشعر، منهم من جمعه لتفسير كلام الله، ومنهم من حفظه للاستشهاد به في ضبط اللغة وقواعد النحو، حتى إنا لنجد في كتب اللغة والمعاجم وشواهد النحو، أبيات شعر وقطعًا لشعراء جاهليين فات خبرها عن رواة الشعر، ولهذا فنحن لا نستطيع فصل عمل هؤلاء عن عمل رواة الشعر، وعدم الإشارة إليهم في أثناء حديثنا عن العلماء الذين كان لهم فضل جمع الشعر الجاهلي.
ومن أعرف رواة الشعر الجاهلي، عامر بن شراحيل الشعبي، المولود سنة "٥" للهجرة والمتوفى سنة "١٠٤"، أو "١٠٥" للهجرة، وأبو عمرو بن العلاء المتوفى ما بين السنة "١٥١" والسنة "١٥٩" للهجرة، وحماد الراوية، والمفضل الضبي، وخلف الأحمر، وأبو عمرو الشيباني، والمتوفى سنة "٢٠٥"، أو "٢٠٦"، أو "٢١٣" للهجرة، وأبو عبيدة، ومحمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة "١٤٦" للهجرة، وابنه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وابن الأعرابي، وابن السِّكِّيت، المتوفى سنة "٢٤٤" أو "٢٤٦" للهجرة، والطوسي، المتوفى في حوالي السنة "٢٥٠" للهجرة، والسكري، المتوفى سنة "٢٧٠" أو "٢٧٥" للهجرة والمبرد، المتوفى سنة "٢٨٢"، أو "٢٨٥"، أو "٢٨٦" للهجرة١، وغيرهم ممن تجد اسماءهم في الفِهْرِسْت لابن النَّدِيم وفي الموارد الأخرى. ويعد أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان من خزاعي ابن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم" المتوفى سنة "١٥٤هـ"٢. من أعلم زمانه في الشعر واللغة، وقد ذكر أن
стр. 6205
اسمه زبّان بن العلاء بن عمار المازني١. وكان عالما بكلام العرب ولغاتها وغريبها، وكان مشهورًا في علم القراءة والحديث واللغة والعربية٢. وقد أخذ الشعر عن أعراب أدركوا الجاهلية، وأثنى عليه الجاحظ، وأطرى على علمه، فقال: "كان أعلم الناس بأمور العرب، مع صحة سماع وصدق لسان حدثني الأصمعي، قال: جلست إلى أبي عمرو عشر حِجَج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. قال: وقال مرة: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته. يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما. وحدثني أبو عبيدة قال: كان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية، وبالقرآن والشعر، وبأيام العرب وأيام الناس"، "وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ٣ فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه. وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية"٤.
وقد فسر بعض المستشرقين إحراق أبي عمرو بن العلاء لكتبه، على أنه كانت تحت تأثير أزمة دينية تدل "على أوساط التدين في العراق لا تنظر بعين الارتياح إلى التنقيب عن بقايا الوثنية"٥. وأشار بعض منهم إلى أن الحرق تناول ما جمعه من الشعر الجاهلي، وأنه كان في أزمة زهدية لينصرف إلى دراسة القرآن٦. وهو تفسير غريب، استنتجوه من لفظة "تقرأ"، أي "تنسك" على ما يظهر، وليس بهذه اللفظة صلة بالوثنية وبالشعر الجاهلي، ولو كان الشعر الجاهلي ممقوتا، وجمعه وحفظه مذمومين، لما حفظه الصحابة وترنموا واستشهدوا به، ثم إن غيرهم من الزهاد مثل أبي الأسود الدؤلي، كان يحفظ هذا الشعر ويستشهد به، وقد رأينا أن الرسول، كن يسمعه ويستشهد به، ثم إن خبر
стр. 6206
إحراق الكتب، لا يشير لا تصريحا ولا تلميحًا إلى علاقته بالشعر، ولعله خير موضع، وضعه أبو عبيدة لغرض ما، كأنه كان يريد من وضعه المبالغة في علمه وفي زهده، أو أن حريقًا غير متعمد أصاب بعض كتبه، فضخمه ووسعه، وجعله إحراقًا متعمدًا، إذا لا يعقل أن يقوم هو بإحراق كتبه كلها، ثم إن قوله: "وكان كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء، قد ملأت له بيتًا على قريب من السقف، ثم إنه تقرأ فأحرقها كلها" لا يخلو من مبالغة فليس من السهل على رجل كتابة هذا القدر من الكتب بالنسبة لذلك الوقت، حيث كان الورق غاليًا، بحيث تملأ بيتًا إلى قريب من السقف، ثم قيامه بإحراقها كلها بمثل هذه البساطة والسذاجة، فهي في نظري قصة مصطنعة، لا حقيقة فيها. ومما يؤيد سذاجة هذه القصة، هو أن صاحبها عاد فقال إنه رجع بعد إلى علمه الأول، فلم يكن أمامه عنده إلا ما حفظه بقلبه١، مما يثبت أنه أراد من وضعها المبالغة في علمه، بزعمه أنه كان قد حفظ ما شاء الله من العلم، ومنه الشعر الجاهلي الذي كان يمجده، ويرى أنه وحده هو الشعر، ولهذا لم يستشهد أو يحتج ببيت إسلامي، مهما بلغ الشعر الإسلامي من الجودة والحسن لأنه شعر محدث، والمحدث لا يقاس بالشعر الجاهلي الأصيل، مهما بلغ من الإتقان.
وقد زعم أنه قال: "ما زدت في شعر العرب إلا بيتًا واحدًا، يعني ما يروى للأعشى من قوله:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا٢
ولا ندري بالطبع إذا كان هذا الكلام المنسوب إلى أبي عمرو هو من كلامه حقًّا، أو كان من الكلام المصنوع المنحول عليه. وإذا كان صحيحًا، فإن فيه تلميحًا إلى أن هناك من قد اتهمه بالوضع، جريًا على العادة التي كانت إذ ذاك من اتهام العلماء بعضهم بعضًا بالوضع، فروي هذا الخبر في تبرير ذمته من الوضع، وإنه لم يضع في حياته إلا البيت المذكور.
وعوانة بن الحكم بن عياض الكلبي، ويُكَنَّى أبا الحكم، من هذا
стр. 6207
الرعيل الذي كان له فضل في جمع الشعر. كان من علماء الكوفة، راوية للأخبار عالما بالشعر والنسب، وكان فصيحًا ضريرًا. وله كتب منها: كتاب التأريخ وكتاب سيرة معاوية وبني أمية، وقد ذكر بعضهم أنه لمنجاب بن الحارث، غير أن ابن النديم، نص على أنه لعوانة، وليس لمنجاب. وذكر ابن النَّدِيم أنه قرأ بخط أبي عبد الله بن مقلة، قال أبو العباس ثعلب: جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها والوليد بن يزيد بن عبد الملك، وردَّ الديوان إلى حماد وجناد"١. مما يدل على أن الوليد كان قد استعار منهما ديوانًا كان عندهما في أشعار العرب. ولعل كل واحد منهما كان قد جمع ديوانًا خاصًّا به، فاستعان الوليد بهما في إخراج ديوان واحد يضم ما جاء في الديوانين من شعر. وكان وفاة عوانة سنة "١٤٧هـ".
والمفضل بن محمد بن يعلى الضبي الكوفي، المتوفى سنة "١٦٤هـ"، "١٦٨هـ"، "١٧٠هـ"، هو من أصحاب العلم بالشعر، وكان قد انضم إلى جماعة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن العلوي، فظفر به المنصور، وعفا عنه، وألزمه ابنه المهدي، وجعله مؤدبًا له. وللمهدي عمل الأشعار المختارة المسماة المفضليات، "وهي مائة وثمانٍ وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه. والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي. قال: وأول النسخة لتأبط شرًّا:
يا عبد ما لك من شوق وإبراق ... ومر طيف على الأهواء طراق٢
وذكر ابن النَّدِيم أن له من الكتب: "كتاب الاختبارات -وقد ذكرناه- كتاب الأمثال، كتاب العروض، كتاب معاني الشعر، كتاب الألفاظ"٣.
وكتاب الاختيارات هو المفضليات، ويظهر أنه عرف بالمفضليات نسبة إلى الجامع، فطغت هذه التسمية على الاسم الأصل٤.
стр. 6208
وكان المفضل عالما بالشعر، وكان أوثق من روى الشعر من الكوفيين. ولم يكن أعلمهم باللغة والنحو، إنما كان يختص بالشعر. وقد روى عنه أبو زيد شعرًا كثيرًا١.
وليست هذه القصائد التي يضمها كتاب المفضليات كلها من جمع المفضل وترتيبه على ما جاء في بعض الموارد، وليست في هذه القصائد المطبوعة في المفضليات إلا سبعون قصيدة هي من اختيار المفضل. أما بقيتها، فهي زيادات وإضافات وضعت على تلك القصائد٢. وليس للمفضل منها على ما جاء في مرود آخر إلا ثمانون قصيدة هي التي أخرجها للمهدي. وأما ما تبقى منها، فهي من اختيارات الأصمعي، وهي أربعون قصيدة من مجموع عشرين ومائة٣. فيكون ثلثاها على وفق هذه الرواية من اختيار المفضل. وأما الثلث الباقي، فمن اختيار الأصمعي٤. ولم يذكروا شيئًا عن القصائد الثماني الباقية، وقد نص "ذيل الأماني" على أنها مائة وعشرون٥.
ويدل هذا الاختلاف على أن رواة المفضليات لم يعتمدوا في روايتهم للكتاب على النسخة الأم، وهي النسخة التي اختارها المفضل للمهدي. وإلا لما حدث اختلاف بين الرويات في ترتيب القصائد وفي عددها، أو أن المفضل نفسه لم يدون اختياراته تلك في كتاب، وإنما اختار ما اختاره دون تدوين، فكان يمليه على المهدي مجلسًا مجلسًا، حتى أكمل تلك الاختيارات، وأنه ألقى اختياراته هذه على من كان يحضر مجلسه طلبًا للشعر في مجالس أيضًا، فمن هنا وقع هذا الاختلاف. وقد كان يكتفي بإلقاء المختار على طلابه دون شرح. أما الشرح المطبوع، فليس من شرح الضبي وتفسيره، وإنما هو من عمل رواة آخرين ورد ذكرهم في مقدمة الكتاب، وليس للمفضل إلا الاختيارات٦.
стр. 6209
والشرح المطبوع هو من صنع أبي محمد القاسم محمد القاسم بن بشار الأنباري وجمعه، وقد أخذه من موارد متعددة أشار إليها في الكتاب. وقد رواه عنه ابنه أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، وعنه أبو بكر أحمد بن محمد الجراح الخزاز. وفي جملة من اعتمد عليه أبو محمد صاحب هذا الشرح من شيوخه، عامر بن عمران أبو عكرمة الضبي، وقد أملى عليه القصائد المختارة المنسوبة إلى المفضل "إملاء، مجلسًا مجلسًا، من أولها إلى آخرها عن المفضل الضبي"١. كما كان في جملتهم أبو عمرو بندار الكرخي، وأبو بكر العبدي، وأبو عبد الله محمد بن رستم، والطوسي، وأبو جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح. من هؤلاء ومن أمثالهم جمع الأنباري هذا الشرح، وفيهم من هو من الكوفة وفيهم من هو من أهل البصرة وهم من أتباع الأصمعي، ولهذا نجدد رواياته تتداخل فيه من أبيات شعر أو قصائد لم يخترها المفضل، ومن شرح أو تفسير لكلم غريب.
فالمفضليات وإن نسبت إلى المفضل، غير أنها في الواقع من جمع الأنباري المذكور، وقد جمعها من أفواه جملة رجال، كل واحد منهم له فيها عمل ويد. وفق الأنباري بين تلك القصائد والأشعار وبين هذه الروايات والمعارف الواردة عن الشعر، وأخرج منها هذا الكتاب الثمين الكبير٢.
وللمفضل أقوال حفظت في كتب أخرى غير هذا الكتاب، فنجد أبا زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي صاحب كتاب جمهرة أشعار العرب يذكره في مواضع من كتابه، ويذكر نتفًا من روايات مستندة إليه٣، كما نجد الأصبهاني يورد له أخبارًا في الشعر في مواضع عديدة من كتابه الأغاني، ونجد غيرهما من رجال الأدب يشيرون إليه. وفي الموارد التي أشاروا إليها ما يدل على علم واسع له في الشعر وعلى إدراك في النقد.
وإذا كان ما ذكره ابن النَّدِيم عن المفضليات من قوله: "هي مائة
стр. 6210
وثمانٍ وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص وتتقدم وتتأخر، بحسب الرواية، والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي، قال: وأول النسخة لتأبط شرًّا:
يا عيد ما لك من شوق وإبراق ... ومر طيف على الأهوال طراق١.
تكون هذه النسخة أصح الروايات إذن، وكان ابن الأعرابي المتوفى سنة "٢٣١هـ" قد سمع المفضل، وكان يذكر أنه ربيب المفضل، كانت أمه تحته٢، فلا يستبعد أن تكون نسخته، هي النسخة الصحيحة، لاتصاله به.
وقد ذكر أبو جعفر بن الليث الأصفهاني قال: أملى علينا أبو عكرمة الضبي المفضليات من أولها إلى آخرها، وذكر أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة للمهدي، وقرئت بعد على الأصمعي فصارت مائة وعشرين، قال أبو الحسن٣: أخبرنا أبو العباس ثعلب أن أبا العالية الأنطاكي والسدري، وعافية بن شبيب، وهؤلاء كلهم بصريون من أصحاب الأصمعي، أخبروه أنهم قرءوا عليه المفضليات ثم استقرءوا الشعر فأخذوا من كل شاعر خيار شعره، وضموه على المفضليات وسألوه عما فيه مما أشكل عليهم من معاني الشعر وغريبه فكثرت جدًّا"٤. وروي عن أبي عكرمة قوله: "مرَّ أبو جعفر المنصور بالمهدي، وهو ينشد المفضل قصيدة المسيب التي أولها: أرحلت...... فلم يزل واقفًا من حيث لا يشعر به حتى استوفى سماعها، ثم صار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما، فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له: لو عمدت إلى أشعار الشعراء المقلين واخترت لفتاك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابًا! ففعل المفضل"٥.
ويلاحظ أن الرواة مختلفون فيما بينهم في عدد قصائد وقطع المفضليات، فمنهم من جعلها مائة وثمانٍ وعشرين قصيدة وقطعة، كما هي رواية ابن النَّديم.
стр. 6211
ومنهم من صيرها مائة وعشرين١.
وأما جناد أبو محمد بن واصل الكوفي مولى بني أسد، فقد كان على حد وصف ابن النديم: "أعلم الناس بأشعار العرب وأيامها"، غير أنه "لم يكن له علم بالنحو"، و"كان يلحن كثيرًا"٢. وهو يعد من الكوفيين، وقد ذكروا أنه كثير الحفظ في قياس حماد الراوية، وأن أهل الكوفة كانوا يلجئون إليه حين يشُكُّون في شعر وحين يعزب عنهم اسم شاعر فيجدونه حافظًا وبما أرادوه عارفًا. غير أنهم مجمعون على أنه كان لحانًا، كثير اللحن جدًّا، فوق لحن حماد. وقد ذكروا أمثلة على لحنه، وعلى عدم وقوفه على العروض، فكان يخطئ فيه ويخلط في الأشعار٣. وممن كان ينتقض علمه ويرى قلة بضاعته في العربية وفي الشعر أيضًا يونس بن حبيب "١٨٣هـ" وهو كما رأينا من المتحاملين أيضًا على حماد، ومن المتعصبين للبصرة على الكوفة. ولهذا يكون لتحامله على جناد أثر من التعصب للبصريين.
وقد أخذ الثوري على أهل الكوفة روايتهم عن حماد، وجنَّاد واتِّكالهم عليهما، وهما رجلان "كانا يرويان ولا يدريان، كثرت رواياتهما، وقل علمهما"، ومن ثم فسدت روايتهم عن الرجلين. غير أن علينا أن نكون حذرين في تقبل هذه المؤاخذة على الكوفيين في رواية الشعر، فقد كان الثوري من جماعة الأصمعي حتى كان ينسب إليه. وكان الأصمعي يحمل على حماد، وعلى أهل الكوفة، لأنه كان بصريًّا، فلا يستبعد تحمل التلميذ لأستاذه، وتأثره به، فقال ما قال جناد وحماد بِدَاعي العاطفة والتعصب للبصريين على الكوفيين.
وقد أشرت إلى ورود رواية تنسب إلى ثعلب ذكرت أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك "جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها ولغاتها ... ورد الديوان إلى حماد وجناد"٤ مما يدل وجود ديوان للشعر عند جناد لعله كان من جمعه.
стр. 6212
ويُونُس بن حبيب، وكني أبا عبد الرحمن، المتوفى سنة "١٨٢هـ" "١٨٣هـ" من رواة الشعر كذلك، وأن غلب النحو عليه١.
ذكر أنه كان مولى لبني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وذكر أنه من موالي ضبة. وقيل عنه: "كان أعلم الناس بتصاريف النحو". وهو من أصحاب أبي عمرو بن العلاء، وكانت حلقته بالبصرة، ينتابها طلاب العلم وأهل الأدب وفصحاء الأعراب ووفود البادية٢. وكان له مذاهب وأقيسة بها٣.
وذكر أن أبا عمر، وهو إسحاق بن مراد المعروف بالشيباني مولى بني شيبان، كان عالِمًا بشعر القبائل، "أخذ عنه دواوين أشعار القبائل كلها". ولما جمع أشعار العرب كانت نيفًا وثمانين قبيلة. وقد توفي سنة "٢٠٦هـ"، وقيل سنة "٢١٣هـ"٤. وكان قد خرج إلى البادية ليأخذ عن الأعراب، فكان يدون ما يأخذ منهم٥.
وأبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، هو من رواة الشعر وعلمائه، كما كان من علماء اللغة وأخبار العرب وأنسابها، وقد عرف بالطعن في أنساب الناس وبالبحث عن المثالب، لذلك كرهه الناس، فلما مات لم يحضر جنازته أحد، لأنه لم يكن يسلم منه شريف ولا غيره. وقد توفي سنة ثمانٍ وقيل تسع، وقيل عشر وقيل إحدى عشرة ومائتين وقيل ثلاث عشرة ومائتين "وكان ديوان العرب في بيته"٦. وله كتب في الأخبار والحوادث والبيوت والنسب والشعر. وفي جملة مؤلفاته شرح ديوان المتلمس٧. ونجد له أخبارًا عن أيام العرب، مشتتة في بعض كتب الأدب٨، وآراء في الشعر مدونة في تلك الكتب أيضًا.
стр. 6213
والأصمعي عبد الملك بن قريب بن عبد الملك، المتوفى سنة "٢١٣هـ" "٢١٦هـ"، "٢١٧هـ"، من العلماء الحفاظ للشعر، وقد بالغ مترجموه في الثناء عليه، فزعموا أنه كان يروي على روي كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة، وذكر ابن النَّديم أنه عمل "قطعة كبيرة من أشعار العرب، ليست بالمرضية عند العلماء لقلة غربتها واختصار روايتها"١. ولا تشتمل الأصمعيات إلا على "٧٢" قصيدة وقطعة، ومجموع أبياتها "١١٦٣" بيتًا، لكثرة ما فيها من المقطوعات. وعدد شعرائها واحد وستون شاعرًا، لم يسمِّ ثلاثة منهم. وبقي خمسة مجهولين لا تعرف أسماؤهم في الموارد الأخرى. وأكثر الباقين من الجاهليين وليس فيها إلا أربعة عشر شاعرًا من المخضرمين والإسلاميين. وفيها قصيدة لكل من امرئ القيس وطَرَفَة٢. وقد نسب ابن النَّديم له كتابًا دعاه: "مصادر كتاب القصائد الست"٣. وربما كان هو الكتاب الذي نشره "آلورد" برواية الأعلم الشمنتري بعنوان: دواوين الشعر الستة٤.
وذكر أن الأصمعي جمع أشعار بني جعدة، وأشعار الأنصار٥ وأنه جمع "ديوان المتلمس"٦ وديوان امرئ القيس، وأنه روى شرح هذا الديوان لأبي عمرو الشيباني٧. وجمع ديوان الفرزدق وجرير٨.
وروي أن الأصمعي كان "أتقن القوم باللغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم
стр. 6214
حفظًا، وكان قد تعلم نقد الشعر من خلف الأحمر"١. وروي أنه كان يقول أحفظ عشرة آلاف أرجوزة، وأن الرشيد يسميه شيطان الشعر، وروي أنه كان يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة٢.
وابن الأعرابي، أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، ممن سمع من المفضل الضبي، وكان يذكر أنه ربيب المفضل. كانت أمه تحته. ومات سنة "٢٣١هـ". فروايته للاختيارات، يجب أن تعد من أصدق الروايات، لاتصاله بالمفضل، ولصلته به. وكان له مجلس، يحضره طلاب العلم، يسألونه فيه ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب. وكان ممن لازمه بضع عشرة سنة "أبو العباس" ثعلب. ويذكر ثعلب أن شيخه هذا "قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال. لم ير أحد في الشعر أغزر منه"٣. وقد أورد ابن النَّديم له جملة كتب، روى بعضها عنه جماعة من مشاهير العلماء، مثل الطوسي وثعلب٤. وذكر أن روايته للمفضليات تعد من أصح الروايات٥. وقد سمع من المفضل الدواوين وصححها، واعتبر رأسًا في كلام العرب، وكان من أكابر علماء اللغة المشار إليهم في معرفتها٦.
وقد رمي بعض من جمع الشعر بالوضع وبانتحال الشعر وإدخاله في شعر القدماء، واتهموا بدس القصائد عليهم، أو بزيادتها أو بتنقيص أبيات منها، أو بإجراء تغيير عليها. وقد تمكن بعض علماء الشعر من الإشارة إلى بعض الشعر المصنوع، أو المدخول، ولم يتمكنوا من الإشارة إلى البعض الآخر منه. ومن هؤلاء الذين عرفوا واشتهروا برواية الشعر وبعلمهم به، وبصنعهم له، ودسه بين الناس على أنه شعر قديم حماد الرواية وخلف الأحمر.
فأما حماد الراوية فعلى راس مشاهير رواة الشعر الجاهلي وحفاظه. وقد كان هو نفسه شاعرًا مجيدًا يضع الشعر على ألسنة المتقدمين، لكنه اشتهر بالرواية
стр. 6215
أكثر من اشتهار بكونه شاعرًا. ولد سنة "٧٥" للهجرة "٦٩٤م" بالكوفة، وهو من "الديلم" في الأصل، وعرف بأبي القاسم. وعرف والده بسابور بن المبارك بن عبيد. سباه ابن عروة بن زيد الخيل، ووهبه لابنته ليلى فخدمها خمسين سنة، ثم ماتت فبيع بمائتي درهم، فاشتراه عامر بن مطر الشيباني وأعتقه. وقيل إن اسم أبي ليلى "ميسرة". وكان حماد ربما لحن في الشيء. وقيل إنه كان لصًّا في شبابه، يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص، فوجد في بعض سرقاته جزءًا من شعر الأنصار، فقرأه واستعذبه وحفظه، ثم اندفع في طلب الشعروأيام الناس ولغات العرب١. وأخذ ينظم الشعر يشبه به مذهب شاعر من الشعراء ويدخله في شعره، وكان هو بالشعر القديم بصيرًا، وحمل ذلك عنه في الآفاق، فاختلط شعره بشعر الشعراء الجاهليين، وذاع بين الناس على أنه لهم، حتى صار من الصعب حتى على نقاد ذلك الشعر والعالمين به، تمييز الفاسد منه من الصحيح٢.
وذكر أن حمادًا، هو حماد بن هرمز، وكان هرمز من سبي مكنف بن زيد الخيل وكان ديلميًّا، يكنى أبا ليلى٣. وإذا أخذنا برواية ابن النَّديم من أن مولد حماد كان سنة "خمس وسبعين"، ومن أن وفاته كانت سنة ست وخمسين ومائة٤، فيكون حينئذ قد عمَّر "٨١" سنة.
ويذكر ابن النَّديم أن حمادًا كان في أيام الوليد بن عبد الملك، وعاش إلى سنة "١٥٦هـ"، وأنه كان يقول" "كنت أنشد الوليد الشعر الجيد، فيطلب مني السفساف فأنشده فيطرب، فأعلم أن الأمر مدبر، ثم أنشد المهدي السفساف، فيطلب مني الجيد الفحل، فأعلم أن أمرهم مقبل"٥. وذكر عنه أنه كان يجالس المهدي. وذكر أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك
стр. 6216
جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ورد الديوان إلى حماد وجناد"١. ولم يشر ابن النَّديم الذي روى هذا الخبر نقلا عن رواية تنسب إلى ثعلب إلى ديوان حماد المذكور في أثناء تحدثه عنه. فلعله قصد "الاختيارات"، أي القصائد السبع، وقد يكون قصد ديوانًا آخر. ولم نسمع أي خبر عن مصير الديوان الذي جمعه الوليد بن يزيد.
ويذكر ابن النَّديم أنه "لم يُرَ لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس وصنفت الكتب بعده"٢. وهو خبر يظهر أن حمادًا لم يؤلف كتبًا، وإنما كان يروي الشعر رواية، ويمليه إملاء على طلاب الشعر، فيدونونه. أما أن تصنيف الكتب لم يكن معروفًا آنذاك، وإنما الناس صنفت الكتب بعده، فيناقضه ما قاله ابن النَّديم نفسه، من أن زياد بن أبيه، ألف كتابًا في المثالب، ودفعه إلى ولده، وقال: استظهروا به على العرب فإنهم يكفون عنكم٣، ومن أن عبيد بن شرية الجرهمي، ألف كتاب الأمثال، وكتاب الملوك وأخبار الماضين٤، وقد طبع له كتابًا في حيدر آباد بالهند، بعنوان: أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها، وهو يشتمل على أسئلة لمعاوية وأجوبة عبيد عليها، وما قاله من أن "صحارًا" العبدي له كتاب اسمه كتاب الأمثال٥، وما قاله من أن لعوانة بن الحكم بن عياض الكلبي، المتوفى سنة "١٤٧هـ" أي قبل حماد، من الكتب: كتاب التأريخ، كتاب سيرة معاوية وبني أمية٦، أضف إلى ذلك ما ألفه وهب بن منبه المتوفى سنة "١١٤هـ"٧، وأبو مخنف، وابن شهاب الزُّهري، وابن سيرين وغيرهم٨.
وقد روى أهل الأخبار قصصًا عن مدى علم حماد بالشعر الجاهلي، وزعموا
стр. 6217
أن خلفاء بني أمية كانوا إذا أشكل عليهم مشكل في الشعر سألوه، وأنهم كانوا يكتبون إلى عمالهم بإرساله إليهم لاستفتائه في أمر شعر جاهلي أشكل خبره عليهم وعلى من عندهم من أهل العلم بالشعر. من ذلك ما رووه عن حماد قوله: "كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته. وكان أخوه هشام يجفوني لذلك، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من أخواني سرًّا، فلما لم أسمع أحدًا ذكرني في السنة أمنت وخرجت وصليت الجمعة في الرُّصافة، فإذا شرطيَّان قد وقفا علي وقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر الثقفي، وكان واليًا على العراق. فقلت في نفسي من هذا كنت أخاف. ثم قلت لهما تدعاني حتى آتي أهلي وأودعهم ثم أسير معكما! فقالا: ما إلى ذلك من سبيل. فاستسلمت في أيديهما، ثم صرت إلى يوسف بن عمر، وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه، فرد على السلام ورمى إيى بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر. أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الرواية من يأتيك به من غير ترويع، وادفع له خمسمائة دينار وجَمَلا مهريًّا يسير عليه ثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. فأخذت الدنانير ونظرت، فإذا جمل مرحول فركبت وسرت حتى وافيت دمشق في ثنتي عشرة ليلة، فنزلت على باب هشام، واستأذنت فإذن لي فدخلت عليه وهو جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب من حرير أحمر وقد ضمخ المسك، فسلمت عليه، فردَّ علي السلام، واستدناني فدنوت منه حتى قبَّلت رجله، فإذا جاريتان لم أرَ أحسن منهما قط. فقال: كيف أنت وكيف حالك؟ فقلت بخير يا أمير المؤمنين. فقال: أتدري فيما بعثت إليك؟ فقلت: لا. قال: بعثت إليك بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله. قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
فقلت يقوله عدي بن زيد "؟ " العبادي في قصيدة. قال: أنشدنيها، فأنشدته:
بكر العاذلون في وضح الصبـ ... ـح يقولون لي أما تستفيق
ويلومون فيك يابنة عبد الله ... والقلب عنكم موثوق
لست أدري إذا كثر العذل فيها ... أعذول يلومني أم صديق
стр. 6218
قال حماد: فانتهيت فيها إلى قوله:
ودعوا بالصبوح يومًا فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
قدمته على عقار كعين الـ ... ـديك صفى سلافها الرووق
مرة قبل مزجها، فإذا ما ... مزجت لذَّ طعمها من يذوق
قال: فطرب هشام، ثم قال: أحسنت يا حماد، سل حاجتك؟ قلت: إحدى الجاريتين. قال: هما جميعًا لك بما عليهما وما لهما، فأقام عنده مدة، ثم وصله بمائة ألف درهم"١.
وكل من تحدث عن حماد من مبغض ومحب، مجمع على سعة حفظه للشعر وإحاطته به. وحفظه هذا الشعر هو الذي وسمه بسمة عرف بها طوال حياته وبعد وفاته، حتى صار لا يعرف إلا بها، هي الرواية، فقيل له حماد الرَّاوية. ولو جرد حماد من هذا النعت، لما صار في الإمكان التعرف عليه. قيل إن الخليفة الوليد بن يزيد قال لحماد الراوية: بم استحققت هذا اللقب، فقيل لك: الراوية؟ فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرًا قديما ولا محدثًا إلا ميزت القديم منه من المحدث. فقال: إن هذا العلم وأبيك كثير! فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيرًا، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام. قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد. فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسع مائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم٢.
وفي الأغاني خبر آخر من هذا النوع يطري علم حماد ويثني عليه، روي
стр. 6219
عن الشاعر مروان بن أبي حفصة. زعم أنه رآه عند الوليد بن يزيد. وكان قد دخل عليه في جماعة من الشعراء، "وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده، كلما أنشد شاعر شعرًا، وقف الوليد بن يزيد على بيت من شعره، وقال: هذا أخذه من موضع كذا وكذا، هذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان، حتى أتى على أكثر الشعر، فقلت: من هذا؟ فقالوا: حماد الراوية، فلما وقفت بين يدي الوليد أنشده، قلت: ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين، وهو لحنة لحانة؟ فأقبل الشيخ علي وقال: يابن أخي، إني رجل أكلم العامة فأتكلم بكلامهم، فهل تروي من أشعار العرب شيئًا؟ فذهب عني الشعر كله إلا شعر ابن مقبل، فقلت له: نعم، شعر ابن مقبل قال: أنشد، فأنشدته قوله:
سل الدار من جنبي حبر فواهب ... إذا ما رأى هضب القليب المفجع
ثم جزت، فقال لي: قف فوقفت، فقال لي: ماذا يقول؟ فلم أدرِ ما يقول! فقال لي حماد: يابن أخي، أنا أعلم الناس بكلام العرب. يقال تراءى الموضعان إذا تقابلا"١.
وقد كان الخليفة الوليد بن يزيد يعطف على حماد كثيرًا، ويشمله برعايته، ويجالسه، ويتباحث معه في الشعر. وقد كانت إحاطة حماد بالشعر هي السبب في تقديمه إلى الخليفة، إذ كان الوليد من العاشقين للشعر ومن الواقفين عليه المعروفين بسعة العلم، وكان هو نفسه شاعرًا مجيدًا٢. وقد ذكر عنه أنه كان يمتلك ديوانًا فيه أشعار الفحول، أو جملة دواوين جمعت أشعار العرب، كما سبق أن أشرت إلى ذلك.
ويروى عن حماد أنه كان ذا ذاكرة عجيبة، وحافظة قوية غريبة في سرعة الحفظ. روي أن الطِّرِمَّاحَ بنَ حَكِيمٍ قص على ابنه هذه القصة، قال:
стр. 6220
أنشدت حمادًا الراوية في مسجد الكوفة -وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي:
بان الخليط بسحرة فتبددوا
وهي ستون بيتًا: فسكت ساعة ولا أدري ما يريد، ثم أقبل علي فقال: أهذه لك. قلت: نعم، قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتًا زادها فيها في وقته، فقلت له: ويحك! إن هذا الشعر قلته منذ أيام، ما اطلع عليه أحد، قال: قد والله قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة، وإلا فعلي وعلي، فقلت: لله علي حجة حافيا راجلا إن جالستك بعد هذا أبدًا. فأخذ قبضة من حصى المسجد وقال: لله علي بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجة إن كنت أبالي، فقلت، أنت رجل ماجن، والكلام معك ضائع، ثم انصرفت"١.
وقد أخذ عن حماد أهل المصرين: الكوفة والبصرة، ومنهم: خلف الأحمر، وروى عنه الأصمعي شيئًا من شعره. ونسب إلى الأصمعي قوله: "كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس، فهو عن حماد الراوية إلا شيئًا بمعناه من أبي عمرو بن العلاء"٢.
وللهيثم بن عدي خبر يشيد فيه بعلم حماد وبسعة حفظه له. وهناك أخبار أخرى في سعة حفظ حماد للشعر، مدونة في كتب الأدب، قد يخرجنا سردها من صلب هذا الموضوع٣.
وقد عرف حماد كذلك بسعة علمه بالعربية، فقالوا إنه "كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها". وورد عن الهيثم بن عدي قوله فيه: "ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حماد"٤، والهيثم راويته وصاحبه. وروي أن عمرو بن العلاء كان يقدم حمادًا على نفسه، وكان حماد يقدم عمرًا على نفسه٥، وعمرو بن العلاء نفسه من شيوخ علماء العربية في ذلك العهد.
стр. 6221
غير أن هنالك أخبارًا تزعم أنه كان قليل البضاعة من العربية، وأنه كان لَحَّانًا، وأنه "حفظ القرآن الكريم من المصحف في نيِّف وثلاثين حرفًا"١، وأنه قرأ "الغاديات ضبحًا" "بالغين المعجمة"، فسعى به إلى عقبة بن مسلم بن قتيبة الباهلي، فامتحنه بالقراءة في المصحف، فصحَّف في عدة آيات٢. ولا استبعد وقوع اللحن منه، إذ كان من الموالي، بعد أن وقع اللحن من عرب خلص ومن أنبل الأسر العربية ومن بعض كبار رجال الدولة في ذلك العهد. غير أن في هذا الوارد عن قلة بضاعته في العربية وفي كثرة لحنه وتصحيفه في القرآن الكريم، مبالغات وزيادات، وضعها عليه حسَّاده ومنافسوه لا شك؛ إذ لا يعقل وقوع مثل هذه الأغلاط الشنيعة من رجل وصل إلى الخلفاء برواية الشعر وتفسيره وتفسير غريبه، وعرف بين العلماء بسعة علمه بلغات العرب، حتى كانوا يلجئون إليه في حل مُشْكِلها وغريبها. ولو كان على مثل ما ذكر من اللحن في الكلام والتصحيف فيه ومن قلة بضاعته في العربية، لما وصل إلى الوليد بن زيد وإلى هشام وإلى خلفاء آخرين، وقد كانوا لا يختارون في الشعر واللغة إلا الفطاحل القديرين، قال المدائني: "وكانت ملوك بني أمية تقدمه، وتؤثره، وتستزيده، فيفد عليهم، ويسأله عن أيام العرب وعلومها، ويجزلون صلته".
ولم يكن حماد عند أهل البصرة ثقة ولا مأمونًا، وكانوا يضعفونه. ذكروا أنه كان يصنع الشعر ويقتني المصنوع منه وينسبه إلى غير أهله. ورووا أن أعرابيًّا جاء مجلس حماد فأنشده قصيدة لم تعرف، ولم يدر لمن هي، فقال حماد: اكتبوها، فلما كتبوها، وقام الأعرابي، قال: لمن ترون أن نجعلها؟ فقالوا أقوالا، فقال حماد: اجعلوها لطَرَفَة٣. وروي أنه قدم البصرة على بلال بن أبي بردة، فقال ما أطرفتني شيئًا، فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الْحُطيئة مديح أبي موسى. فقال: ويحك يمدح الْحُطيئة أبا موسى لا أعلم به وأنا أروي للحطيئة ولكن دعها تذهب في الناس٤.
стр. 6222
وقد اتهم حماد بالوضع، قال محمد بن سلام الجمحي: "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، حماد الراوية، وكا غير موثوق به. وكان ينحل الشعر غيره، ويزيد في الأشعار"١ وقال: يونس بن حبيب: "إني لأعجب كيف أخذ الناس عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر الشعر، ويصحف ويكذب"٢. وروي عن الأصمعي قوله: "جالست حمادًا الراوية، فلم آخذ عنه ثلاثمائة حرف، ولم أرضَ روايته وكان قارئًا"٣. وروي عنه أيضًا قوله: "كان حماد أعلم الناس إذا نصح"، يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار، فإنه كان متهمًا بأنه يقول الشعر وينحله شعراء العرب. وهؤلاء كلهم من رؤساء البصرة في العلم، وقد كان علماء هذه المدينة، يطعنون كما سبق أن قلت في علمه وفي أمانته، ولكنهم يعترفون مع ذلك بقابليته وبمواهبه في الشعر، حتى زعموا أنه كان إذا صنع الشعر على لسان شاعر جاهلي، صعب حتى على العلماء، استخراجه من الصحيح.
وقد أدخله الشريف المرتضى في عداد الزنادقة الملحدين المتهمين في دينهم، ومنهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وحماد الرواية، وحماد بن الزبرقان، وحماد عجرد، وعبد الله بن المقفَّع، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وبشار بن برد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثي، وصالح بن عبد القدوس الأزدي، وعلي بن خليل الشيباني، وقال عن حماد: "وأما حماد الراوية، فكان منسلخًا من الدين، زاريًا على أهله، مدمنًا لشرب الخمور وارتكاب الفجور"٤. ونقل عن
الجاحظ أنه كان يجتمع مع أمثاله "على الشرب وقول الشعر، ويهجو بعضهم بعضًا، وكل منهم متهم في دينه". وقال عنه "وكان حماد مشهورًا بالكذب في الرواية وعمل الشعر، وإضافته إلى الشعراء المتقدمين ودسه في أشعارهم، حتى إن كثيًرا من الرواة قالوا: قد أفسد حماد الشعر، لأنه كان رجلا يقدر على صنعته فيدس في شعر كل رجل منهم ما يشاكل طريقته، فاختلط لذلك الصحيح بالسقيم"٥
стр. 6223
و"روي أن هارون الرشيد قال للمفضل بن محمد: كيف بدأ زهير بقوله:
دع ذا وعد القول في هرم
ولم يتقدم قبل ذلك شيء ينْصَرِفُ عنه. فقال المفضَّل: قد جرت عادة الشعراء بأن يقدموا قبل المديح نسيبًا، ووصف إبل وركوب فَلَوات، ونحو ذلك. فكأن زهيرًا همَّ بذلك، ثم قال لنفسه: دع هذا الذي هممت به مما جرت به العادة، واصرف قولك على مدح هَرِم. فهو أولى مِنْ صُرِف إليه القول ونُظِم، وأحق من بدئ بذكره الكلام وختم. فاستحسن الرشيد قوله. وكان حماد الراوية حاضرًا، فقال: يا أمير المؤمنين، ليس هذا أول الشعر، ولكن قبله:
لمن الديار بقنة الحجر
وذكر الأبيات الثلاثة. فالتفت الرشيد إلى المفضل وقال: ألم تقل إن "دع ذا ... " أول الشعر، فقال: ما سمعت بهذه الزيادة إلا يومي، ويوشك أن تكون مصنوعة. فقال الرشيد لحماد: أصدقني، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا زدت هذه الأبيات. فقال الرشيد: من أراد الثقة والرواية الصحيحة فعليه بالمفضل، ومن أراد الاستكثار والتوسع فعليه بحماد"١.
والقصة بهذا الشكل مصنوعة، فالمعروف أن وفاة حماد كانت سنة "١٥٦هـ". فلا يعقل التقاء حماد بالرشيد أيام خلافته. ومخاطبته له بيا أمير المؤمنين. ثم إن من الصعب تصور اعتراف حماد بإضافة أشعار من عنده على شعر الجاهليين بمثل هذه الصورة والبساطة، وهو في حضرة خليفة. والأغلب أنها وضعت على حماد من خصومه، للطعن به، وللرفع من شأن المفضل بن محمد الضَّبي.
وقد وردت هذه القصة بشكل آخر، وردت أنها وقعت في أيام المهدي، روي أن جماعة من العلماء "كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بـ"عيساباذ" وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية، فدخل، فمكث مليًّا،
стр. 6224
ثم خرج إلينا، ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الإنكار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفًا لصدقه وصحة روايته. فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب، فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
دع ذا وعد القوم في هَرِمِ
ولم يتقدم له قبل ذلك قول: فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئًا، إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله، أو يروى في أن يقول شعرًا، فعدل عنه إلى مدح هرم وقال: "دع ذا"، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه فتركه وقال: "دع ذا"، أي دعْ ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول في هرم، فأمسك عنه. ثم دع بحماد، فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير يأمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشده:
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين مذ حجج ومذ دهر؟
قفر بمندفع النحائت من ... ضفوى أولات الضال والسدر
دع ذا وعد القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر
قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أميرَ المؤمنين عنك خبرٌ لا بد من استحلافك عليه. ثم استحلفه بإيمان البيعة وبكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثق منه. قال له: أصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقر له حينئذ أنه قائلها. فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه"١.
стр. 6225
فأنت ترى أن هذه القصة تكاد تكون القصة السابقة نفسها، لولا ما أدخل عليها من ذكر اسم المهدي بدل الرشيد ومن تزويقات، وهي أقرب إلى الواقع من حيث الزمن من الأولى، فقد أدرك حماد أيام خلافة المهدي. أما من حيث الصحة أو الكذب، فربما كانت من وضع أعداء حماد عليه، أو من وضع المتعصبين للمفضل الضبي المرجحين علمه على علم حماد.
وفي القصة الثانية موطن شك أيضًا، فالمعروف أن خلافة المهدي كانت سنة "١٥٨هـ"، وأنه اتخذ داره بعيساباذ بعد تولِّيه الخلافة، وقد كان وفاة حماد سنة "١٥٦هـ"، أي قبل توليه إمارة المؤمنين. فيظهر أنها من الموضوعات التي وضعت على حماد، ربما وضعها أصحاب المفضل لتعظيم أمر صاحبهم، وللحط من شأن حماد. وقد كان المفضل يكره حمادًا الراوية، ويطعن في علمه، بسبب تنافس الرجلين على الزعامة في العلم.
وأكثر هذه التهم التي وجهت إلى علم حماد وإلى جهله بالعربية، وبالعروض، إنما هي تهم وجهها إليه أهل البصرة، عصبية لمدينتهم ورجالهم، وما اتهام ابن سلام ويونس بن حبيب لحماد، بالتهم المذكورة، سوى ترديد لهذه العصبية الضيقة، وللخصومة على الزعامة التي كانت بين المدينتين. ويونس بن حبيب الذي يحمل على حماد، ويتهمه باللحن، قد أتهم نفسه بتهمة اللحن، اتهمه خصومه أهل الكوفة بالطبع، ونجد مثل هذه الاتهامات من تجهيل العلماء بعضهم بعضًا بقواعد العربية وبالوقوع في اللحن، في صفحات الكتب الباحثة في المناظرات وفي التراجم، وفي كتب الأخبار والأدب، حتى يكاد يكون من الصعب علينا العثور على عالم، نقول إنه سلم من سهم من سهام النقد والتجريح.
ويظهر أن المنافسة على الزعامة في العلم بالشعر الجاهلي، جعلت المفضل الضبي ينال من حماد، ويظهر أثر هذه المنافسة فيما ينسب إلى الضبي من أقوال ذكر أنه قالها في حماد مثل قوله: "قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا" فقيل له: "وكيف ذلك أيخطئ في رواية أم لحن؟ قال: "ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم
стр. 6226
ناقد، وأين ذلك؟ "١.
وابن الأعرابي الذي يروي انتقاص المفضل الضبي لحماد، هو على ما يذكر ربيب المفضل، كانت أمه تحته٢، فلا أستبعد تأثره بحنق الضبي على حماد، بسبب المنافسة التي كانت بينه وبين حماد.
وقد اتهم حماد الزندقة، كما اتهم بها حماد عجرد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وعلي بن الخليل، وصالح بن عبد القدوس، وبشار، وأبو نُواس. وقد وصف الجاحظ الزنادقة بقوله: "ربما سمع أحدهم ممن لا معرفة عنده ولا تحصيل له، أن الزنادقة ظرفاء، وأنهم عقلاء وأدباء، وأنه عباد وأصحاب اجتهاد، وأن لهم البصائر في دينهم، والبذل لمهجهم، وأن هناك علمًا وتمييزًا، وإنصافًا وتحصيلا، فيسري إليهم مسرى المهر الأرن، ويحن إليهم حنين الواله العجول، ويتصبب فيهم صبابة العاشق المتيم، ويرى أنه متى اتهم بهم، فقد قضى لهم بذلك كله، فلا يزال كذلك حتى يسهل في طباعه، ويرجح عنده أن يزعم أنه زنديق". وذكر أنه "ما منهم في الظاهر إلا نظيف البزة، جميل الشكل، ظاهر المروءة، فصيح اللهجة، ظريف التفضيل والجملة، والله أعلم ببواطنهم وضمائرهم. قال أبو نواس، وكان أيضًا زنديقًا يعد فيهم:
تيه مغنٍّ وظرف زنديق٣
وكان حماد صديقًا لحمادين آخرين هما حماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، وكانوا "يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة"٤. وقد هجا حماد بن الزبرقان حمادًا الراوية، فقال:
نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حمادُ
هدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم يسنها الحداد
стр. 6227
وابيضَّ من شرب المدامة وجهُهُ ... فبياضه يوم الحساب سوادُ١
غير أن علينا باعتبارنا من المؤرخين أن نحترز احترازًا شديدًا في تقبل كل ما يرون من الأخبار، ولا سيما في المسائل الشخصية، وفي القضايا التي تكتنفها الخصومات في مثل هذه الحالة. فقد كان لحماد خصوم كثيرون من أهل هذا الشأن، وقد حسدوه على تقدمه وشهرته كما كان هو يحسد غيره ولا شك إن تقدم عليه. والإنسان مهما تقدم وترفع، فإنه لا يستطيع أن يرد نفسه من العاطفة، ولا سيما عاطفة الدفاع عن النفس وإثبات الشخصية والتنافس مع الآخرين. وقد كان المفضل الضبي -كما ذكرت- في جملة خصوم حماد، وهو من رءوس رواة الشعر في تلك الأيام، وهو نفسه لم يكن من الناجين من هذه التهمة التي اتهم بها حماد.
غير أن لا يعني أن حمادًا كان صادقًا في كل ما قاله وفي كل ما رواه، فوضعه للشعر، وصنعه له، وحمله على القدماء من المسائل المتواترة التي لا سبيل إلى نكرانها. إنما أريد هنا أن أنبه على ضرورة التأني والتقصي في أثناء مجابهتنا لمثل هذه الأخبار، لنخرج ما قد بولغ أو زيد فيه، حتى يكون حكمنا حكمًا محايدًا، أو قريبًا من الواقع.
وكما استدعى خلفاء بني أمية حمادًا للاستفادة منه في الشعر، كذلك استدعاه خلفاء بني العباس الأوائل، كالمنصور والمهدي، ليروي لهما ما كان يحفظه من الشعر والأخبار، وليتحدث إليهم فيما أشكل عليهم من غريب الشعر وقد استدعاه الخليفة المنصور مرة، فأحضر من البصرة. غير أن صِلاته بهم لم تكن -على ما يظهر- على نحو صلاته بالأمويين، حيث حسب عليهم. واستدعي إلى المهدي، كما ذكرت ذلك. ونقرأ في رواية أن حمادًا قال لإياس بن مطيع، وقد ذكر صِلاته بالعباسيين: "دعني فإن دولتي كانت في بني أمية، وما لي عند هؤلاء خير"٢، مما يخبر أنه كان مجفوًا عند بني العباس، وذكر أنه قال لمروان بن أبي حفصة: "ذهب ويحك ما كنت تعهد"٣. وقد يكون لتقدم حماد
стр. 6228
في العمر دخل في هذا البعد، فقد كان قد جاوز السبعين من العمر في أيام المهدي، والعمر يؤثر بالطبع في مثل هذه الاتصالات، التي تحتاج إلى همة ونشاط، وجواب حاضر وبديهة، ورد على منافسين وحساد.
وعاش حماد فشهد سقوط دولة بني أمية، إذ توفي سنة "١٥٦هـ"، وذكر أنه أبطل روايته فيما دسه على غيره من الشعر١.
ومن شعر حماد قوله:
إذا سرت في عدل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف
وفي شيمة الأعمى زيار وغيلة ... وقشب وإعمال لجندالة القذف
وكلم شرٌ على أن رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف
متى كنت في حيي بجيلة فاستمع ... فإن لهم قصفًا يدل على حتف
إذا عتزموا يومًا على خنقِ زائرٍ ... تداعوا عليه بالنباح وبالعزف٢
وقوله مخاطبًا الشاعر أبي عطاء السندي:
فما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رُجَيلتها منجلان
وروي أن أبا العطاء أحس بدس حماد له، فأجابه:
أردت زرارة وأزن زنا ... بأنك ما أردت سوى لساني
أي: أردت جرادة، وأظن ظنًّا بأنك ما أردت إلا أن تستخرج رطانتي، وكان في لسانه لكنة شديدة ولثغة٣.
ويعد ابن كناسة أبو يحيى محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدي "٢٠٧هـ" في جملة الرجال الذين اتصلوا بحماد ورووا عنه. ونجد في الأغاني جملة أخبار رويت عن حماد في الشعر والأخبار. وابن كناسة نفسه من علماء
стр. 6229
أيامه بالعربية وأيام الناس والشعر، وقد سمع هشام بن عروة، وسلمان الأعشى، وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد بن إسحاق الصاغاني١. كذلك كان أبو أيوب المديني في جملة من رأى حمادًا وروى عنه٢.
ومن أصحاب حماد: سالم بن أبي السمحاء٣، والشاعر عمار بن عمرو بن عبد الأكبر المعروف بذي كناز، وهو من الشعراء المجان المعاقرين للشراب المتهتكين القائلين للشعر الطريف المضحك المستخدمين لسخف فيه لأجل الإضحاك٤، وابن عياش٥، والحسين بن يحيى٦، ومعاوية بن بكر الباهلي٧.
ومن أشهر رواة الكوفة بعد حماد خالد بن كلثوم الكلبي، وله صنعة في الأشعار المدونة على القبائل٨. وكان لغويًّا راوية لأشعار القبائل وأخبارها، عارفًا بالنساب والألقاب وأيام الناس. له كتاب "أشعار القبائل" يحتوي على عدة قبائل٩.
وأما خلف الأحمر، الذي توفي بعد حماد، سنة "١٨٠هـ" على رواية، فذكر العلماء أنه "لم ير قط أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر. كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء فلا يتميز عن مقولهم، ثم تنسك فكان يختم القرآن كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا جزيلا على أن يتكلم في بيت من الشعر شكُّوا فيه فأبى"١٠. وقيل عنه "كان من أمرس الناس لبيت شعر، وكان شاعرًا يعمل الشعر على لسان العرب وينحله إياهم ...
стр. 6230
وله من الكتب: كتاب العرب وما قيل فيها من الشعر"١. واسمه خلف بن حيان، وعرف بأبي محرز، وكان مولى لأبي موسى الأشعري، وقيل مولى بني أمية، وأصله من خراسان٢. وقيل مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أعتقه وأعتق أبويه، وكانا فرغانيين٣، وقد ذكر ابن قتيبة أن في شعر العلماء تكلف، وهو رديء الصنعة، ليس فيه شيء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعي، وشعر ابن المقفع، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر، فإنه كان أجودهم طبعًا وأكثرهم شعرًا٤. وكان عالِمًا بالغريب والنحو والنسب والأخبار، شاعرًا كثير الشعر جيده، ولم يكن في نظرائه من أهل العلم أكثر شعرًا منه. وكان يقول الشعر وينحله المتقدمين، ويكثر قول الشعر في وصف الحيات، وأراجيزه في ذلك كثيرة٥.
وقد ذكر عنه أنه كان يتلاعب بالشعر الجاهلي، فيزيد فيه وينقص. يروى أنه زاد البيت الأول والثالث من قصيدة زهير بن أبي سلمى "رقم٤" في الديوان٦. ونسب بعضهم إليه صنع المرثية التي رثى تأبَّطَ شَرًّا بها أقاربه٧. وقد نسب بعض العلماء إليه صنع لأمية الشَّنْفَرى٨، والمشهورة بلامية العرب التي أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم ... فإني إلى قومٍ سواكم لأميلُ
وروي عن الأصمعي قوله: سمعت خلفًا يقول: أنا وضعت على النابغة هذه القصيدة التي فيها:
خيلٌ صيامٌ وخيل غير صائمة ... تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما٩
стр. 6231
وله قصائد أخرى نص على بعضها العلماء وبينوا أنها مصنوعة، وقد وضع شعراء عبد القيس شعرًا كثيرًا١، وقال الجاحظ: إنه هو الذي أورد على الناس نسيب الأعراب، وهذا النسب من أرق الشعر قاطبة وما أحراه أن يكون مصنوعًا٢. ولما توفي خلف رثاه أبو نُواس بشعر فيه:
أودى جميع العلم مذ أودى خلف ... من لا يعدّ العلم إلا ما عرف
قليذمٌ من العيالم الخسف ... كنا متى نشاء منه نغترف
رواية لا تجتنى من الصحف٣. ...
وهو أحد رواة الغريب واللغة والشعر ونقاده والعلماء به وبقائليه وصناعته. وله صنعة فيه. وهو أحد الشعراء المحسنين، ليس في رواة الشعر أحد أشعر منه.
وكان يبلغ من حذقه واقتداره على الشعر أن يشبه شعره بشعر القدماء، حتى يشبه بذلك على جلّة الرواة، ولا يفرقون بينه وبين الشعر القديم، من ذلك قصيدته التي نحلها ابن أخت تأبَّط شرًّا، التي أولها:
إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل٤
جازت على جميع الرواة، فما فطن بها إلا بعد دهر طويل بقوله:
خبر ما نابنا مصمئل ... جلّ حتى دقَّ فيه الأجل
فقال بعضهم:
جل حتى دق فيه الأجل
من كلام المولدين. فحينئذٍ أقر بها خلف"٥.
стр. 6232
كان خلف الأحمر رأس البصرة في رواية الشعر وفي البصر به. كما كان حماد زعيم الكوفة في هذا العلم. وكان خلف نفسه ممن أخذ هذا العلم عن حماد، فهو من أحد تلامذته ورواته وسامعيه. وكان المقدم عند أهل البصرة، حتى كانا لا يصدرون الرأي في شعر دونه، ,إذا اختلف علماؤهم في شيء منه، عرضوا خلافهم عليه للبت فيه١. وروي أنه كان أول من أحدث السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية، فسمع منه٢.
وقيل عنه: إنه كان شاعرًا مجيدًا جيد الشعر كثيره، لم يكن في نظرائه أحد يقول مثله الشعر٣. ووضع على شعراء عبد القيس شعرًا كثيرًا موضوعًا وعلى غيرهم، وأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة. وكان خلف أخذ النحو عن عيسى بن عمر، وأخذ اللغة عن أبي عمرو. "ولم ير أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان يضرب به المثل في علم الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس، فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم نسك فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكُّو فيه، فأبى ذلك. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، لأن كان قد أكثر الأخذ عنه. وبلغ مبلغ لم يقاربه حماد. فلما نسك خرج إلى أهل الكوفة فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم"٤. وروي عن خلف قوله: "كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني، ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق"٥.
ويصعب في الواقع تصديق هذه الرواية المنسوبة إلى خلف الأحمر، فلم يكن حماد بإجماع المنافسين له على شيء من الفضلة والحمق، حتى نصدق ما ورد في هذا الخبر الآحاد، الذي هو خبر من أخبار رواة البصرة، بل نرى من الأخبار
стр. 6233
الواردة عنهم العكس، نرى فيه الفطنة والخبث إلى آخر أيامه. ثم إنه كان أقدم وأشهر وأعرف وأحفظ من خلف الأحمر، وهو في معرفة الشعر وتمييزه أمرس من صاحبه خلف، فلا يعقل فوات ما نحله خلف القدماء على حماد. وقد كان الرواة أنفسهم يتعجبون من مقدرة حماد على التمييز بين الصحيح والفاسد من الشعر، وعلى إحاطته بأساليب الجاهليين في نظم القريض، وعلى إتقانه تلك الأساليب، حتى صار من الصعب على عشَّاق الشعر التمييز بين ما كان يصنعه حماد على ألسنة الشعراء الجاهليين وبين ما كان من نظمهم حقًّا. ولهذه الأسباب يصعب التصديق بهذا الخبر، ورأى أنه من وضع أهل البصرة، وضعوه على حماد، كرهًا له وللكوفيين. ورواته هم من البصريين.
وما خبر توبة خلف الأحمر، وخروجه إلى أهل الكوفة، ليعرفهم الأشعار التي أدخلها في أشعار الناس، والتي أدخلها أهل الكوفة في دواوينهم، وأَبَو إصلاحها، أو حذفها، سوى قصة فيها الطعن والسخرية بعلم أهل الكوفة وبفهمهم للشعر، وفيه مدح وتفخيم لعلم خلف بالشعر، وإن كان لا يخلو من تجريح لخلف نفسه، وفيه مدح لعلم أهل البصرة ولصدقهم في رواية الشعر والأخبار. استهزاء إذن وتعريض بأهل الكوفة، ليس فوقه استهزاء، وضعه رجل فيه دعابة وتعصب وتحامل على الكوفيين.
وقد اختص خلف بالفروع التي اختص بها حماد بالكوفة، وبذلك جعل البصرة تنافس الكوفة فيها. اختص بالشعر القديم، وباللغة، وبشيء آخر مهم جدًّا هو وضع الشعر وحمله على ألسنة القدماء، فصار في هذا الباب بطل البصرة وممثلها، كما كان حماد بطل الكوفة وزعيم الوضَّاعين. وقد امتاز خلف على الأصمعي العالم البصري ومعاصره بقدرته على نظم الشعر، إذ كان هو نفسه شاعرًا متمكنًا في الشعر، متقنًا لفنونه، كان من حذقه واقتداره في الشعر أن يشبه شعره بشعر القدماء فلا يفرق بينه وبين القديم. أما الأصمعي، فلم يبلغ مبلغه فيه، وإن كان من علماء اللغة والأدب والنحو ومن حفظة الشعر ورواته.
وهناك روايات تنسب الصدق إلى خلف، ثم لا تكتفي بذلك حتى تجعله أعرف الناس وأعلمهم بالشعر. وروايات تذكر أنه كان أول من أحدث السماع بالبصرة، وأنه تعلم ذلك من حماد١.
стр. 6234
وكان الأصمعي، وهو من علماء البصرة، كما ذكرت، غير راضٍ عن خلف، إذ كان يغمز فيه، ويتهمه بالكذب. ويظهر أن ذلك بسبب المنافسة على الزعامة في العلم. روي عنه أنه قال في خلف: "رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دواد الإيادي قالها خلف الأحمر. وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون"١. ويريد بهم أهل الكوفة، وذكر الأصمعي أيضًا أن خلفًا الأحمر "وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيرهم، عبثًا بهم، فأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة"٢.
وينسب إلى الأصمعي قوله أنه حضر مأدبة وأبو محرز خلف الأحمر، وابن مناذر معنا، فقال له ابن مناذر: يا أبا محرز أن يكن امرؤ القيس، والنابغة، وزهير ماتوا، فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى شعرهم. قال: فأخذ صفحة مملوءة مرقًا، فرمى به عليه فملأه، فقام ابن مناذر مغضبًا، وأظنه هجاه بعد ذلك"٣. وهذه القصة -إن صحت- تشير إلى وجود غلظة في طبع خلف. وهناك أخبار أخرى تؤيد هذا الرأي٤.
وقد أشار ابن النَّديم إلى كتاب لخلف الأحمر، وأسماه: "كتاب العرب وما قيل فيها من الشعر"٥. وذكر ياقوت الحموي له كتابين: ديوان شعر حمله عنه أبو نواس، وكتاب "جبال العرب"٦.
ومما يؤسف له حقًّا، هو أن حمادًا الراوية، أو غير حماد ممن رووا عنه، أو أخذوا عن غيره، لم يشيروا إلى الموارد التي أخذ حماد منها هذا الفيض من الشعر، كما أنهم لم يشيروا إلى الموارد التي استقى بقية رواة الشعر منها ما رووه
стр. 6235
من الشعر الجاهلي. ولو ذكروه لأفادونا ولا شك بذلك كثيرًا، إذ يكون في مقدورنا التوصل إلى معرفة الأشخاص الذين كان لهم فضل حمل هذه الثروة العظيمة من ذلك الشعر. ومما يؤسف له أيضًا هو أن معظم دواوين الشعراء الجاهليين لا يرتفع سندها إلى رواة يتقدم عهدهم على عهد حماد. ولو ارتفعت لاستفدنا منها بالطبع كثيرًا في معرفة أسماء رواة الشعر الجاهلي وحفاظه وجامعيه وكتبته قبل أيام حماد، ولعرفنا بذلك شيئًا عن الموارد التي أخذ منها هذا الراوية ذلك الكنز الثمين.
ولا بد من ذكر السكري في هذا المكان. وهو أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري اللغوي، المتوفى سنة "٢٧٥هـ". فله مؤلفات عديدة عن الشعر، وشروح للدواوين. منها: شرح أشعار هذيل١، وديوان أبي كبير الهذلي بشرح السكري٢، وكتاب أخبار اللصوص، جمع فيه أشعار اللصوص البدو المشهورين٣، وأشعار اليهود٤، وشرح ديوان زهير٥، وديوان امرئ القيس، بروايته٦، وشرح ديوان حسان، وقد نقل منه البغدادي٧، وديوان الحطيئة، وهو روايته عن ابن حبيب٨، وديوان أبي ذؤيب الهذلي٩، وشرحه على ديوان عبد الله بن قيس الرُّقَيَّات١٠، وديوان الأخطل، وهو روايته عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي١١، وديوان الفرزدق١٢.
وقد أخذ السكري من الموارد التي ألفت قبله؛ كما أخذ من علماء المصرين: البصرة والكوفة، دون تعصب أو تحزب، وكان راوية البصريين١٣.