فذلك سكين على الحلق حاذق"١.
ومن ذلك ما ذكره خلف الأحمر على ألسنة القدماء في ورود لفظة "عشار" في كلام العرب، إذ روى هذه الأبيات:
قل لعمرو يا ابن هند ... لو رأيت اليوم سنا
لرأت عيناك منهم ... كل ما كنت تمنى
إذ أتتنا فليق شهـ ... ـبا من هنا وهنا
وأتت دوسر والملـ ... ـحاء سيرًا مطمئنا
ومشى القوم إلى القو ... م أحادى ومثنى
وثلاثا ورباعًا ... وخماسًا فأطعنا
وسداسًا وسباعًا ... وثمانًا فاجتلدنا
وتساعًا وعشارًا ... فأصبنا وأصبنا
لا ترى إلا كميا ... قائلا منهم ومنا
"ودلائل الوضع في هذه الأبيات ظاهرة. وكان خلف الأحمر متهمًا بالوضع"٢.
ويدخل في باب نحل الشعر عامل آخر، هو الاستشهاد بالشعر لتأييد الخلافات القائمة بين المذاهب في إثبات رأي، أو في تفسير آية، تفسيرًا يؤيد رأي ذلك المذهب. فقد زعم أن المعتزلة، قالت في تفسير الآية: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ ، أي علمه، وأنهم جاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر:
ولا بكرسي علم الله مخلوق٣
وهو قول وإن روي عنهم وقيل، لا أدري، إذا كان قد صدر منهم، أو أنه صنع عليهم، وقد ورد في خبر أن عبد الله بن عباس، كان يقول: الكرسي: العلم. وأنه فسر الآية بهذا المعنى. على كل فقد فسر المفسرون لفظة
стр. 6302
"الكرسي" تفاسير مختلفة، وذلك تحاشيًا من الوقوع في التشبيه، من كونه تعالى يجلس على كرسي شبه كراسينا، ولذلك مالوا إلى التأويل. وذكر في رواية أخرى، أن "ابن عباس" كان يرى أن الكرسي موضع القدمين، "ومن روي عنه في الكرسي أنه العلم، فقد أبطل"١.
ونظرًا إلى ما كان للمذهبية من أثر في الناس في ذلك العهد، فلا أستبعد احتمال الوضع على ألسنة المذاهب، لذا يجب الحذر من الإسراع في التصديق بصحة الشواهد المقالة على لسان مذهب، ونقدها نقدا علميًّا دقيقًا، بالتفتيش عنها في كتب أهل ذلك المذهب، فقد يجوز أن تكون قد وضعت عليهم وضعًا، ومثل هذا الوضع شيء معروف.
ومن أبواب نحل الشعر ما قيل على لسان آدم فمن دونه من الأنبياء من شعر. فقد زعموا مثلا أن قابيل حين قتل أخاه هابيل رثاه أبوه آدم، فقال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح
فأجيب آدم:
أبا هابيل قد قتلا جميعا ... وصار الحي كالميت الذبيح
وجاء بشرة قد كانك منها ... على خوف فجاء بها يصيح٢
ثم ما قيل على لسان الأمم البائدة، والشعوب الهالكة مثل عاد وثمود وقوم تبع، وطسم وجديس، وزرقاء اليمامة، من أشعار زعم أنهم قالوها، وهي من نظم القصاصين وأصحاب السمر والحكايات، وعشاق الأساطير والخرافات، لما وجدوا ميلًا عند الناس إلى الاستماع لمثل هذه الأشعار. فكانوا "يأتون بمثل تلك الأشعار على وهنها وتداعيها ويعزونها إلى القدماء، ثم يزعمون إنهم أخذوها من
стр. 6303
الصحف، ويروونها للأمم البائدة وغيرهم"١. من ذلك ما نسبوه من شعر إلى "معاوية بن بكر"، وكان في أيام عاد، مقيما بظاهر مكة خارجًا من الحرم، زعموا أنه قاله لما استثقل طول مكث وفد "عاد" وفيه "لقمان بن عاد" عليه، وألهمه إلى قينتيه لتغنيا به أمام الوفد، وهو:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نسائهم عياما
وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتهم ... نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لُقُّوا التحية والسلاما
فأجابه جلهمة بن الخيبري:
أبا سعد فإنك من قبيل ... ذوي كرم وأمك من ثمود
فإنا لن نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد
أتأمرنا لنترك آل رفد ... وزمل وآل صد والعبود
ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين هود٢
ومن ذلك ما نسبوه من شعر إلى "مرثد بن سعد بن عفير" زعموا أنه قاله حين سمع خبر هلاك عاد، إذ قال:
عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشًا ما تبلهم السماء
وسير وفدهم شهرا ليسقوا ... فأردفهم من العطش العماء
بكفرهم بربهم جهارًا ... على آثار عادِهِمُ العفاء
ألا نزع الإله حلوم عاد ... فإن قلوبهم فقر هواء
стр. 6304
من الخبر المبيّن أن يعُوه ... وما تغني النصيحة والشفاء
فنفسي وابنتايَ وأم ولدي ... لنفس نبينا هود فداء
أتانا والقلوب مصمدات ... على ظلم وقد ذهب الضياء
لنا صم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء
فأبصره الذين له أنابوا ... وأدرك من يكذبه الشقاء
فإني سوف ألحق آل هود ... وإخوته إذا جن المساء١
فلما هلكت هاد، فلم يبق منهم إلا "الخلجان"، قال:
لم يبق إلا الخلجان نفسه ... يا لك من يوم دهاني أمسه
بثابت الوطء شديد وطسه ... لو لم يجئني جئته أجسه٢
ورووا شعرًا لأحد شعراء ثمود اسمه "مهوس بن عنمة بن الدميل" هو قوله:
وكانت عصبة من آل عمرو ... إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا ... فهم بأن نجيب ولو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا ... وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر ... تولوا بعد رشدهم ذنابا٣
ويروي أهل الأخبار أنه قد كان لأهل الجاهلية شعر كثير قيل في عاد وثمود وأمورهم، يأتون به دليلًا على شهرة أمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام٤. من ذلك ما أوردوه على لسان "أفنون" التغلبي، من قوله:
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... غذيّ سخْل ولقمان وذا جدان٥
ومن هذا القبيل ما نسب إلى "عمرو بن الحارث بن مضاض" الجرهمي، وإلى "الحارث بن مضاض"، من شعر. وهو عند أهل الأخبار أحد المعمرين
стр. 6305
القدماء، زعموا أنه قال شعرًا لما أجلت "خزاعة" "جرهم" عن الحرم، هو:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وزعموا أنه مد في عمره إلى أن أدرك الإسلام١.
ونجد في شعر "النمر بن تولب" ذكر "لقمان"٢. ونجد في أشعار شعراء آخرين إشارات إلى هؤلاء وغيرهم ممن كانت تذكرهم الأساطير وتروي أخبارهم الناس، على نحو ما نسمعه من العجائز عن قصص الماضين، وقد أشرت إلى أسماء بعض منهم في ثنايا هذا الكتاب.
وقد سبق أن ذكرت أن هذا النوع من الأساطير، لم يفت على بال بعض العلماء النقدة، وأنهم أشاروا إلى أنه من صنع جماعة من صناع الأساطير والقصص، فقد قال "ابن سلام": "وكان ممن هجن الشعر وأفسده وحمل منه كل غثاء محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير والمغازي، قبل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به فأحمله، ولم يكن له ذلك عذرًا، فكتب في السيرة من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء، فضلًا عن أشعار الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة وليست بشعر إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ، أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ ألوف من السنين؟ والله تعال يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، أي لا بقية لهم. وقال أيضًا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ . وقال في عاد: ﴿هَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ . وقال: وقررنا بين ذلك كثيرًا"٣.
ولكن أوسع وأظهر أبواب نحل الشعر، هو ما وضعه رواة الشعر على ألسنة الشعراء الجاهليين، وهو ما دعاه "الرافعي": ب "الاتساع في الرواية".
стр. 6306
ونقصد به ما صنعه الرواة من وضعهم قطعًا وقصائد على ألسنة الشعراء الجاهليين لم يقولوها، ومن إضافتهم أشعارًا على قصائد الجاهليين، أو إدخال شعر شاعر في شعر غيره: هوى وتعنتًا١. فهذا الباب هو أخطر أبواب نحل الشعر وأوسعها وأهمها، ويغطي معظم الشعر المنحول. صنعوه، لرواج سوق الشعر الجاهلي في تلك الأيام وللطلب الكثير الذي كان إذ ذاك عليه. وللربح الذي كان يجنيه حامله من روايته، مما حمل الرواة على وضع الشعر بصوغه على قوالب الشعر الجاهلي وعلى مضامينه وطرقه في التنقل في القصيدة، وقد أجاد فيه أساتذة الصنعة من أمثال "حماد" الراوية و "خلف" الأحمر، وليس في الرواة جميعًا من يدانيهما في الصنعة وإحكامها، فهما طبقة في التأريخ كله٢.
ومن أمثلة المصنوع أبيات مطلعها:
قل لعمرو يا ابن هند ... لو رأيت القوم شنا
أنشدها خلف الأحمر، وهي مصنوعة٣.
ومن أمثلة التطويل في الشعر، ما فعلوه بأبيات الطيرة للحارث بن حلزة، وهي أربعة أبيات، ولكنهم جعلوها قصيدة طويلة. والأبيات هي:
يا أيها المزمع ثم انثنى ... لا يشك الحادي ولا الشاحج
ولا قعيد أعضب قرنه ... هاج له من مربع هائج
بينا الفتى يَسْعَى ويُسعى له ... تاح له من أمره خالج
يترك ما رقح من عيشه ... يعيش منه همج هائج٤
وروي أن قول الأعشى:
كتميل النشوان ير ... فل في البقيرة وفي الأزارة
стр. 6307
هو من قصيدة مصنوعة١. وروى "أبو عبيدة" عن "أبي عمرو"، أنه قال: والله ما كذبت فيما رويته حرفًا قط، ولا زدت فيه شيئًا إلا بيتًا في شعر الأعشى، فإني زدته، فقلت:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا٢
وروي أن "حمادًا كان يقول: ما من شاعر إلا وقد حققت في شعره أبياتًا فجازت عنه، إلا الأعشى، أعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت. قيل له: وما البيت؟ فقال:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت"٣.
فأنت أمام روايتين متناقضتين، رواية تنسب وضع البيت إلى "أبي عمرو بن العلاء"، ورواية تنسب وضع ذلك البيت إلى "حماد". وسبب التناقض العصبية ولا شك.
ويجب أن نضيف على الشعر المصنوع على ألسنة الجاهليين، الشعر الذي وضع على ألسنة الصعاليك واللصوص، فقد كان الناس يتسقطون أخبار هؤلاء ويتلذذون بسماع مغامراتهم وسطوهم، شأن الناس في كل وقت ومكان من الميل إلى التلذذ بسماع مثل هذه الأخبار، وهذا ما حمل صناع الأخبار والأساطير على وضع الشعر على ألسنة الصعاليك واللصوص لتزيين أخبارهم وترصيعها به، على طريقتهم في رواية أيام العرب وأخبارهم، وفي شعر هذه الطبقة شعر كثير مصنوع.
وهناك شعر وضع للتسلية وللهو من ذلك شعر الفسق والمجون، من ذلك ما نسب إلى "ابنة الخس" من قول، هو:
سلوا نساء أشجع ... أي الأيور أنفع
أألطويل النعنع ... أم القصير المردع
أم الذي لا يرفع ... أم الأسك الأصمع
стр. 6308
في كل شيء يطمع ... حتى القريص يصنع١
وابنة الخس، في زعم أهل الأخبار، جاهلية قديمة من إياد، أدركت القلمس، أحد حكام العرب، "ولها أسجاع كثيرة وشعر قليل. وكانت تحاجي الرجال" إلى أن حاجها رجل، فقال لها قولًا بذيئًا أخجلها، فتركت المحاجاة٢. وأورد الشريف "المرتضى" لها أجوبة عن أسئلة معضلة محيرة، لتحزر جوابها، وذكر أجوبتها، رواية عن "ابن الأعرابي"٣.
والشعر الذي نسبه "أبو محمد ثابت بن أبي ثابت" إليها، هو من الشعر المصنوع بالطبع، وضع على لسان "ابنة الخس"، وقد نص "تاج العروس" على أن قائله "جارية كانت جلعة"٤، وهو من وضع المُجّان، الذين كانوا يتلذذون بسماع هذا النوع من المجون.
وكان "ابن أبي كريمة"، يصنع الشعر وينحله بعض شعراء البادية، كما صنع في قصيدة له في وصف الفأر، نحلها "يزيد بن ناجية" السعدي، "وكان لقي من الفأر جهدًا، فدعا عليهن بالسنانير"، وكان يصطنع شعر الفكاهة، ويحاكي فيه "الحكم بن عبدل" الأسدي٥. وهناك كثير من أضرابه، ممن وضع الشعر للتسلية وللتفكهة على ألسنة الأعراب والشعراء الجاهليين.
وقد وضع "خلف الأحمر قصائد عدة على فحول الشعراء، ذكروا منها قصيدة الشنفري المشهورة بلامية العرب. وروي عن الاصمعي قوله: سمعت خلقًا يقول: أنا وضعت على النابغة هذه القصيدة التي فيها:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما٦
стр. 6309
ومما يدخل في هذا الباب أننا نجد بيتًا أو أبياتًا تنسب في أحد الموارد لشاعر، بينما نرى ديوانه خاليًا منه أو منها، من ذلك ما رواه "المعري"، من أنه لما كان ببغداد، شاهد بعض الوارقين يسأل عن قافية "عدي بن زيد" التي أولها:
بكر العاذلات في غلس الصبـ ... ـح يعاتبنه أما تستفيق
وزعم الوراق أن بعض طلاب شعر هذا الشاعر سأل عن هذه القصيدة، وطلبت في نسخ من ديوان "عدي" فلم توجد. ثم سمع بعد ذلك رجلًا من أهل "استرباذ" يقرأ هذه القافية في ديوان "العبادي"، ولم تكن في النسخة التي في دار العلم١. وذكر أشياء أخرى من هذا القبيل، تراها في كتاب أو في نسخة من نسخ ديوان الشاعر، بينما لا تراها في نسخ الديوان الأخرى، مما يدل على أن الدواوين لم تكن متفقة في النص، وأنها رويت بروايات مختلفة، وأن في بعضها ما يزيد على البعض الآخر٢.
ونحل الشعر، وإن وقع وحدث، غير أن أمره لم يفت على بال العلماء المهرة الحاذقين، ودليل ذلك، ما نجده في كتبهم من الإشارات إلى المنحول والمصنوع من الشعر، ومن نصهم عليه، وإن فات عليهم بعضه، ومن نصهم على المنحول ومن ملاحظاتهم تلك أخذ المستشرقون والمحدثون من العرب آراءهم في الشعر الجاهلي، فما أورده "ماركليوث" مثلا من نقد على الشعر الجاهلي، أو ما أورده "الدكتور طه حسين" من رأي فيه، ليس فيه شيء جديد، وجديده الوحيد، هو في التهويل بمقدار المغشوش من هذا الشعر، أما من حيث المبدأ، أي من حيث وجود شعر منحول فاسد، في الشعر الجاهلي، فالقدماء والمحدثون والمستشرقون متفقون في ذلك، وخلافهم الوحيد، هو في مقدار نسبة الفاسد من الشعر بالنسبة إلى الصحيح.
فما قيل عن نحل الشعر إذن هو قول قديم. روي عن الأصمعي أنه قال: "كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس، فهو من حماد الراوية إلا نتفا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء"٣. وروي عن "حماد" الراوية قوله:
стр. 6310
"دخل علينا ذو الرمة الكوفة، فلم نر أحسن ولا أفصح ولا أعلم بغريب منه. فغم ذلك كثيرًا من أهل المدينة، فأرادوا الكيد له بامتحانه، فصنعوا شعرًا على ألسنة بعض الجاهليين، وأنشدوه إياه، فعلم ذلك "ذو الرمة" بعلمه وبمعرفته للشعر الجاهلي، أنه شعر مصنوع، فقال لهم: "ما أحسب أن هذا من كلام العرب"١.
وقد زيد في شعر "امرئ القيس" كثيرًا، وقد عده علماء الشعر من المقلين، وجعل بعضهم الصحيح من شعره نيفًا وعشرين شعرًا بين طويل وقطعة٢. وفي جملة ما نسب إليه القصيدة المسمطة، وهي:
توهمت من هند معالم أطلال ... عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي
مرابع من هند خلت ومصايف ... يصيح بمغناها صدى وعوازف
وغيرها هوج الرياح العواصف ... وكل مسف ثم آخر مرادف
بأسحم من نوء السماكين هطال٣
ونرى "ابن سلام" يقول: "ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد. والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن، فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذلك. فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير، ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حادثة"٤. ولما تحدث عن "عبيد بن الأبرص" قال: "عبيد بن الأبرص، قديم عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
стр. 6311
ولا أدري ما بعد ذلك"١. فهو مع علمه الواسع بالشعر، واستشهاد العلماء بكلامه وبآرائه في الشعر، لا يعرف لعبيد غير هذا الشعر، مع العلم بأنه قد توفي سنة "٢٣١هـ"، وفي أيامه كان الناس يموتون في طلب الشعر الجاهلي. ونجد "ابن قتيبة" المتوفى بعده "٢٧٠هـ"، يذكر له شعرًا مطلعه:
يا عين فابكي بني ... أسد هم أهل الندامة٢
ثم قوله مخاطبًا امرأ القيس:
يا ذا المخوفنا بقتل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد تلت سراتنا كذبا ومينا٣
ثم قوله:
هلا سألت جموع كندة يوم ولّوا هاربينا٤
وقد ذكر "ابن سلام" أن الرواة قد وضعوا على "عدي بن زيد"شعرًا كثيرًا، وعلل ذلك بقوله: "وعبيد بن زيد، كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد. واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر. وله أبع قصائد غرر روائع مبرزات، وله بعدهن شعر حسن"٥. ولابن قتيبة هذا الرأي فيه، حيث يقول: "وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جدًّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة. وله أربع قصائد غرر"٦. وذكر نقلا عن "أبي عبيد" عن "أبي عمرو بن العلاء" أن "العرب لا تروي شعره، لأن ألفاظه ليست بنجدية، وكان نصرانيًّا من عباد الحيرة، قد قرأ الكتب"٧.
стр. 6312
وقد تعرض القدماء لموضوع الشعر المقال على ألسنة الأمم القديمة وملوكها، فرفض "ابن سلام" ذلك الشعر، بقوله: "وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدل على إسقاط عاد وثمود وحمير وتبع"١. إذن فما أضيف إلى هؤلاء وإلى أهل اليمن هو شعر منتحل.
ومن أصحاب البصر والنظر في الشعر: "خلف الأحمر". "وقد كان أبو عمرو بن العلاء وأصحابه لا يجرون مع خلف الأحمر في حلبة هذه الصناعة، أعني النقد، ولا يشقون له غبارًا، لنفاذه فيها، وحذقه بها، وإجادته لها"٢. وعلمه بالشعر، جعله من كبار الوضاعين له على ألسنة الجاهليين.
وبعد، فإننا لا نستطيع بالطبع التصديق بصحة الشعر المنسوب إلى آدم والجن والتبابعة وأهل العربية الجنوبية وغيرهم ممن لا يعقل قولهم الشعر العربي، وإن نص على صحة ذلك الشعر، ورواه العلماء. أما سبب رفضنا قبول الشعر المنسوب إلى أهل العربية الجنوبية من ملوك وأقيال ورؤساء، فلأنهم كانوا يتكلمون ويكتبون كما هو ثابت لدينا من نصوصهم بلغة تختلف عن لغة الشعر المألوفة، ولو تصورنا أنهم كانوا ينظمون الشعر بلغة الشعر المعروفة، ويكتبون ويتكلمون بلغة أخرى، فإننا نكون قد قلنا برأي مخالف للمعقول وللمنطق، ونكون قد أوجدنا لهم لغة للشعر ولغة للنثر، وهو افتراض لا يمكن لأحد إثباته، ثم إن لغة التدوين تكون في العادة لغة الأدب عامة من شعر ومن نثر، لذا فإذا قفلنا بوجود شعر جاهلي للعرب الجنوبيين، قلنا يجب أن يكون هذا الشعر بلغتهم، لا بلغة هذا الشعر الجاهلي الذي نتحدث عنه.
وبعد، فلعل قائلًا يقول: وما فائدة الشعر الجاهلي إذن، إذا كان هذا شأنه فيه المنحول والفاسد، وما يشك في أصله والجواب: إن العلماء، وإن اختلفوا فيه، مجمعون ومتفقون على أن رواة هذا الشعر وحملته كانوا من أعلم الناس بالجاهلية: بأخبارها وبأيامها وبأنسابها، وبأنهم كانوا من أمرس الناس بالشعر الجاهلي وبطرقه ودروبه، فهم إن وضعوا ولفقوا، أو كيفوا، فإنهم لا يضعون عن جهل وعمى، بل عن علم وفهم بالجاهليين وبمذاهبهم في نظم
стр. 6313
الشعر والتفسير، ولا سيما أن العهد بينهم وبين الجاهلية لم يكن طويلًا، وأن الأخذ عمن شهد الجاهلية أو أخذ منهم وسمع كان ممكنًا يسيرًا، ومن هنا كان ما رووه من شعر جاهلي مادة مهمة للمؤرخ مهما قيل في أمره.
ثم إننا حين نروي الشعر الجاهلي، فلا نرويه أو ننشده، أو نحفظه لأنه شعر مقدس، لا يجوز أن يمسه أحد بسوء، وأنه تراث خالد، إذا تعرض له إنسان أو تحرش به، فإنما هو يتعرض لأثر تأريخي قديم من آثار هذه الأمة، وإنما نرويه على أنه من مرويات العلماء، وأنه مهما قيل فيه وفي أصله، فإنه يحاول أن يصور لنا أحوال زمن سبق الإسلام، وهو زمن مهم جدًّا بالنسبة لنا، لاتصاله بالإسلام، ولقيام الإسلام عليه، ولكونه فصولًا متقدمة مجهولة من كتاب ناقص، ضاعت فصوله الأولى، هو كتاب في تأريخ العرب منذ القدم إلى هذا اليوم، فإذا فقدنا الأصول، فلا بأس بالتسلي بما نسبه المتأخرون على الأقل إلى المتقدمين، مهما كان بعد هذا المنسوب عن الصحة والحق، ومهما كانت نسبة الباطل فيه كبيرة، وحتى إذا كانت النسبة مائة بالمائة، وهي نسبة نبالغ فيها بالطبع، لا أعتقد أن أحدًا سيراها، مهما بلغ به الشك والحذر بالنسبة إلى أصالة الشعر الجاهلي، ومن هنا فإن النزاع الجائر حول صحة الشعر الجاهلي، والذي سيبقى مثارًا قائمًا، حتى يظهر أثر جاهلي مكتوب، وعندئذ فقد يحسم شيئًا من مواضع الخلاف المؤلفة لهذا النزاع، يجب ألا يحملنا على الابتعاد عن هذا الشعر، باعتبار أنه لا يمثل الجاهلية تمثيلًا صحيحًا، وأنه شعر مكذوب منحول، وإنما يجب أن يدفعنا -على العكس- إلى الاهتمام به، باعتبار أنه من أقدم الآثار التي وصلت إلينا، المدون في الإسلام. وأنها إن كانت منحولة، فإن نحلها على ألسنة الجاهليين، نحل قديم، يعتبر تأريخيًا من أقدم المنحولات الواصلة إلينا في المدونات الإسلامية، وأنها تمثل صنعة وصناعة صناع، حاولوا تقليد الماضي، على ما وصل خبره إليهم، فصاغوه على تلك الصياغة، فهو أثر أصيل لأقدم مصنوعات ومحاكاة وتقليد لآثار قديمة لها صلة بتأريخ العرب القديم.
وأرى في الوقت نفسه أن من الضروري وجوب تقصي الأخبار عن الشعر المصنوع، وتتبع المراجع للوصول إلى أقدم مرجع ورد فيه كل شعر مصنوع، وتسجيل الأبيات والقطع والقصائد التي ترد لأول مرة في أقدم مورد من الموارد، والنص على اسم المورد، وعلى سنده إن كان مذكورا، لنتمكن بهذه الدراسة
стр. 6314
من الوصول إلى اسم صانع الشعر، أو الزمن الذي ظهر فيه ذلك الشعر إن كان الاسم مجهولًا، كما نقوم بتسجيل الموارد التي يرد فيها شعر الشعراء، وما اختلفت فيه بعضها عن بعض من حيث الألفاظ، أو ترتيب الأبيات، أو عددها، ثم أسماء من نسب إليهم تلك الأشعار، فقد ينسب الشعر الواحد إلى جملة شعراء، وتسجيل أسماء من روي ذلك، واسم المصدر، وبذلك نكون قد قمنا بدراسة علمية قيمة عن الشعر المصنوع وعن الشعر الأصيل الذي لم يشك في أصالته عالم من علماء الشعر، ثم نعرض النتائج للبحث بأساليب النقد الحديث لاستخراج الزائف منه، ولاستبعاد صدور بعضه من الشعراء الجاهليين، نفعل ذلك حتى في حالة عدم ورود رواية لعالم قديم تشك في صحة شعر، لأن سكوت العلماء عن الشك في شعر، لا يكون حجة على صحة ذلك الشعر.
стр. 6315
الفصل السادس والخمسون بعد المئة: أولية الشعر الجاهلي
مدخل
...
الفَصْلُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمَائَةِ: أولية الشعر الجاهلي
لا نملك نصوصًا جاهلية مدونة عن مبدأ الشعر عند العرب، وعن كيفية ظهوره وتطوره إلى بلوغه المرحلة التي وصلها عند ظهور الإسلام. ولم يعثر العلماء على شعر مدون بقلم جاهلي، ليكون لنا نبراسًا يعيننا في تكوين صورة عن ذلك الشعر وعن هيكله ومادته التي تكون منها. وكل ما نعرفه عن هذا الشعر مستمد من موارد إسلامية، أخذت علمها به من أفوه الرواة، فلما جاء التدوين دوّن ما وعته الذاكرة مما أخذته عن المتقدمين بالرواية، فثبت واستقر، بعد أن كان المروي عرضة للتغيير والتحريف كلما تنقل من لسان إلى لسان، ومن وقت إلى وقت.
وقد تعرض "الجاحظ" لموضوع قدم الشعر العربي وتأريخه، فقال: "وأما امرؤ القيس بن حجر، ومهلهل بن ربيعة ... فإذا استظهرنا الشعر، وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام"١. وذهب "عمر بن شبة" إلى أن "للشعر والشعراء أول لا يوقف عليه، وقد اختلف في ذلك العلماء، وادعت القبائل كل قبيلة لشاعرها أنه الأول. فادعت اليمانية لامرئ القيس، وبنو أسد لعبيد بن الأبرص، وتغلب لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دؤاد ... وزعم بعضهم أن
стр. 6316
الأفوه الأودي أقدم من هؤلاء، وأنه أول من قصد القصيد، قال: وهؤلاء النفر المدعى لهم التقدم في الشعر متقاربون، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة بمائة سنة أو نحوها"١. وذهب "الأصمعي" إلى أن بين أول شاعر معروف، قال كلمة تبلغ ثلاثين بيتًا من الشعر، وهو "مهلهل"، وبين الإسلام أربعمائة سنة. "وكان امرؤ القيس بعد هؤلاء بكثير"٢.
وقال "الأصمعي" في رواية تنسب إليه، "إن أول من يروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتًا من الشعر مهلهل، ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم ضمرة، رجل من بني كنانة، والأضبط بن قريع. قال: وكان بين هؤلاء وبين الإسلام أربعمائة سنة، وكان امرؤ القيس بعد هؤلاء بكثير"٣. "زعم أبو عمرو بن العلاء: أن الشعر فتح بامرئ القيس وختم بذي الرمة"٤.
وذكر أنه "لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات التي يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد، وطول الشعر على عهد عبد المطلب، أو هاشم بن عبد مناف"٥.
وذكر "المرزباني"، أن "بكر بن وائل"، تزعم أن "عمرو الضائع" "أول من قال الشعر وقصد القصيد، كان امرؤ القيس بن حجر استصحبه لما شخص إلى قيصر يستمده على بني أسد، فمات في سفره ذلك فسمته بكر عمرًا الضائع"٦. فعمرو الضائع، هو أول من قال الشعر وقصد القصيد على رأي بكر بن وائل على رواية "المرزباني".
وقد أورد: "ابن إسحاق" شعرا نسبه إلى "عمرو بن الحارث بن مضاض" الجرهمي، زعم أنه قاله لما خرج بقومه من مكة إلى اليمن، أوله٩:
وقائلة والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالدمع منها المحاجر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقلت لها والقلب مني كأنما ... يلجلجه بين الجناحين طائر
стр. 6317
إلى آخر القصيدة التي يتوجع فيها لمفارقته مع قومه مكة، ونسب له أبياتًا أخرى هي:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطايا وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا
وقد ذكر "ابن هشام" أن "هذا ما صح له منها" وأن بعض أهل العلم بالشعر يقول إن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب١.
ودوّن "السهيلي" صاحب "الروض الأنف" شعرا أخذه من كتاب "أبي بحر سفيان بن العاصي" زعم أنه وجد في بئر باليمامة، وهي بئر طسم وجديس، في قرية يقال لها "معنق" بينها وبين الحجر ميل٢، وكان مكتوبًا على ثلاثة أحجار، كتبها قوم من بقايا عاد، غزاهم تبع، كتب على الحجر الأول:
يا أيها الملك الذي ... بالملك ساعده زمانه
ما أنت أول من علا ... وعلا شئون الناس شانه
أقصر عليك مراقًبًا ... فالدهر مخذول أمانه
كم من أشمم معصب ... بالتاج مرهوب مكانه
قد كان ساعده الزما ... ن وكان ذا خفض جنانه
تجري الجداول حوله ... للجند مترعة جفانه
وقد فاجأته منية ... لم ينجه منها أكتنانه
وتفرقت أجناده ... عنه وناح به قيانه
والدهر من يعلق به ... يطحنه مفترشا جرانه
والناس شتى في الهوى ... كالمرء مختلف بنانه
والصدق أفضل شيمة ... والمرء يقتله لسانه
والصمت أسعد للفتى ... ولقد يشرفه بيانه
стр. 6318
وكتب على الحجر الثاني:
كل عيش تعله ... ليس للدهر خله
يوم بؤس ونعمى ... واجتماع وقله
حبنا العيش والتكا ... ثر جهل وضلة
بينما المرء ناعم ... في قصور مظله
في ظلال ونعمة ... ساحبًا ذيل حله
لا يروى الشمس ملغضا ... رة إذ زال زله
لم يقلها وبدلت ... عزة المرء ذله
آفة العيش والنعـ ... ـيم كرور الأهله
وصل يوم بليلة ... واعتراض بعله
والمنايا جواثم ... كالقصور المدله
بالذي تكره النفـ ... ـوس عليها مطله
ووجد في الحجر الثالث مكتوبًا:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهرا فأنتم كما كنا تكونونا١
وقد أضاف "الأزرقي" زيادات على هذه الأبيات الأخيرة.
والأبيات التي زعم أنها وجدت مدونة على الحجر الثالث، هي نفس الأبيات التي نسبها "ابن إسحاق" إلى "عمر بن الحارث بن مضاض" الجرهمي كما رأيت. ويظهر أن واضع هذه الأبيات قد استعان بالأبيات التي وجدت في سيرة "ابن هشام"، أو أنه أخذها من سيرة "ابن إسحاق". ويلاحظ أنها في الحث على الزهد والترغيب في الآخرة، ولو لم يكن هذا الشعر من النوع المصنوع، لكان من أقدم ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي ولا شك.
و"العلماء من العرب الذين قالوا بمدة مائة وخمسين سنة تقريبًا للشعر الجاهلي،
стр. 6319
لم يبعدوا عن الصواب إذا فرضنا أنهم إنما أرادوا بذلك ما وصل إلينا من الأشعار القديمة"١، بمعنى أن أقدم ما وصل إلى علمنا من ذلك الشعر بصورة لا يرتاب بصحتها، لا يمكن أن يرتقي عهده أكثر من قرن أو قرن ونصف عن الهجرة على أكثر تقدير، وأن أقدم اسم شاعر جاهلي وصل إلى سمعنا لا يرتقي عهده عن هذا التقدير. أما إذا كان قصدهم أن نظم القصيد كان قد بدأ في هذا الوقت، وأن الشعر بالمعنى الاصطلاحي المفهوم منه لم يظهر عند العرب، إلا قبل قرن أو قرنين عن الإسلام، فذلك خطل في الرأي، وفساد في الحكم. فالشعر أقدم من هذا العهد بكثير، وقد أشار المؤرخ "سوزيموس" "ZOSIMUS" إلى وجود الشعر عند العرب، وهو من رجال القرن الخامس للميلاد، وإلى تغني العرب بأشعارهم، وترنيمهم في غزواتهم بها٢، وفي إشارته إلى الشعر عند العرب دلالة على قدم وجوده عندهم، واشتهاره شهرة بلغت مسامع الأعاجم، فذكره في تأريخه. وفي سيرة القديس "نيلوس" "nilus" المتوفى حوالي السنة "٤٣٠" بعد الميلاد، أن أعراب طور سيناء كانوا يغنون أغاني وهم يستقون من البئر. "حينئذ ترنم إسرائيلي بهذا النشيد: اصعدي أيتها البئر أجيبوا لها، بئر حفرها رؤساء، حفرها شرفاء الشعب بصولجان بعصيهم"٣، والأشعار المروية في كتب التواريخ والأدب عن حفر آبار مكة وغيرها من هذا القبيل، فقد روي أن "عبد المطلب" لما حفر بئر "زمزم"، قالت "خالدة بنت هاشم":
نحن وهبنا لعدي سجله ... في تربة ذات عذاة سهله
تروي الحجيج زعلة فزعله
وأن "عبد شمس" قال:
حفرت خما وحفرت رما ... حتى أرى المجد لنا قد تما
стр. 6320
وأن "سبيعة" بنت "عبد شمس" قالت في الطوى:
إن الطوى إذا شربتم ماءها ... صوب الغمام عذوبة وصفاء
وأن "الحويرث بن أسد"، قال في "شفية":
ماء شفية كماء المزن ... وليس ماؤها بطرق أجن
وأن "أميمة بنت عميلة بن السباق بن عبد الدار" قالت في حفر بئر "أم أحراد":
نحن حفرنا البحر أم أحارد ... ليست كبذر النذر والجماد
فأجابتها "صفية بنت عبد المطلب":
نحن حفرنا بذر ... تروي الحجيج الأكبر
من قبل ومدبر ... وأم أحراد بشر
فيها الجراد والذر ... وقذر لا يذكر
ولما حفر بنو جمع "السنبلة"، وهي بئر "خلف بن وهب" الجمحي، قال قائلهم:
نحن حفرنا للحجيج سنبله ... صوب سحاب ذو الجلال أنزله
وحفر بنو سهم الغمر، وهي بئر العاصي بن وائل، قال ابن الربعي أو غيره:
نحن حفرنا الغمر للحجيج ... تثج ماء أيما ثجيج
وحفرت بنو عدي "الحفير" فقال شاعرهم:
نحن حفرنا بئرنا الحفيرا ... بحرا يجيش ماؤه غزيرا١
وورد أن "قصيًّا" لما احتفر "العجول"، قال شاعرهم:
نروي على العجول ثم ننطلق ... إن قصيًّا قد وفى وقد صدق
стр. 6321
وأن قصيًّا لما احتفر "سجلة"، قال:
أنا قصي وحفرت سجلة ... تروي الحجيج زغلة فزغلة
وقيل بل حفرها "هاشم"، ووهبها "أسد بن هاشم" لعدي بن نوفل، فقالت: خلدة بنت هاشم:
نحن وهبنا لعدي سجلة ... نروي الحجيج زغلة فزغلة
ونجد في كتب السير شعرًا قيل في حفر بئر زمزم١، وفي آبار أخرى، مما يدل على أن العرب كانوا قبل هذا العهد، إذا حفروا بئرًا، قالو شعرًا فيها، وهو شعر يمكن أن نسميه شعر الآبار، وهو يعود ولا شك إلى عرف قديم، قد يتقدم على الميلاد بكثير، وهو يجب أن يكون من أقدم ما قيل من الشعر، لما للبئر من أهمية في حياة العرب.
ولم يقتصر التغني بالشعر على حفر الآبار وحدها، وإنما تغني به عند بنائهم بناء أو حفرهم خندقًا، أو إقامتهم سورًا، أو قيامهم بزرع أو حصاد، وفي أعمال أخرى يناط القيام بها إلى جماعة في الغالب، وكذلك في الغارات وفي الحروب. ولما شرع المسلمون يبنون مسجد الرسول بالمدينة، قال قائل منهم:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
فارتجز المسلمون وهم يبنون، يقولون:
لا عيش إلا عيش الآخرة ... اللهم فارحم الأنصار والمهاجرة
وقال "ابن هشام": هذا كلام وليس برجز٢، وسبب ذلك كون قائله هو الرسول.
وقيل إنه قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
стр. 6322
وجعل يقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر١
ويروي أهل الأخبار أن "المهلهل"، كان يتغنى في شعره حين قال:
طفلة ما ابنه المحلل بيضا ... ء لعوب لذيذة في العناق٢
ورووا أن من الشعراء الجاهليين من كان يتغنى بشعره، وأن حسان بن ثابت أشار إلى التغني بالشعر بقوله:
تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار٣
وقد قصد بذلك، ترنيم الشعر وإنشاده على نغم مؤثر، وهو الغناء. وما زال الشعراء، يترنمون بشعرهم، وينشدونه بأسلوب خاص يميزه عن أسلوب إلقاء النثر.
ونجد في أخبار غزوة أحد، أن هندًا بنت عتبة، زوجة أبي سفيان، ونسوة من قريش كن يضربن على الدفوف ويتغنين بالشعر، حيث يقولون:
نحن بنات طارق ... إن تقبلوا نعانق
ونبسط السمارق ... أو تدبورا نفارق
فراق غير وامق
وتقول:
ويهًا بني عبد الدار ... ويهًا حماة الأدبار
ضربا بكل بتار٤
ولا بد وأن تكون في الأهازيج وفي أشعار الحج، أنغام يرنم على وقعها الشعر،
стр. 6323
الذي هو شعر الغناء. فإننا نجد في النتف الباقية من الجمل التي كان يقولها الحجاج أثناء حجهم، آثار شعر قد كان مقرونا بالغناء.
ونظرًا لوجود تماس مباشر بين هذا الشعر وبين الحياة العامة، فإن في استطاعتنا القول، إنه قد يكون من أقدم أنواع الشعر عند العرب، وهو شعر لم ينبع من ألسنة الشعراء والمحترفين، وإنما خرج على كل لسان، وساهم فيه كل شخص: رجل أو امرأة، مثقف أو جاهل، حكيم أو سوقي. وهو بعد نابع من صميم الحياة، ومن باطن القلب، للترفيه عن النفس، ولتخفيف التعب، ولا زال الناس يتغنون عند وقوع مثل هذه الأمور لهم، وهو غناء لم يحظ ويا للأسف بالرعاية والعناية، لذلك لا نجد له ذكرًا في الكتب إلا بالمناسبات.
ويرى العلماء المشتغلون بموضوع الشعر من الغربيين، أن بين الشعر والسحر صلة كبيرة، بل رأى بعض منهم أن الغرض الذي قصد إليه من الشعر في الأصل هو السحر، ودليل ذلك أن الغناء عند الشعوب البدائية، ليس متسقا مع نغم العمل وإيقاع اليد العاملة، فنجد الغناء عند البناء أو الجر أو الحفر، أو الزرع لا يتسق مع نوع حركة العمل، وإنما كان يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية، وهو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، أي تشجيع العمل بطريق سحري١.
وقد ذهب "بروكلمن" و "كولدتزيهر" إلى أن هذا الأثر السحري لا يظهر في الشعر العربي القديم إلا في شعر الهجاء، "فمن قبل أن ينحدر الهجاء إلى شعر السخرية والاستهزاء، كان في يد الشاعر سحرًا يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحري. ومن ثم كان الشاعر، إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، لبس زيًّا خاصًّا شبيهًا بزي الكاهن. ومن هنا أيضا تسميته بالشاعر، أي العلم، لا بمعنى أنه كان علاما بخصائص فن أو صناعة معينة، بل بمعنى أنه كان شاعرًا بقوة شعره السحرية، كما أن قصيدته كانت هي القالب المادي لذلك الشعر"٢.
وكانت غاية الأغاني القصيرة، التي يرددها البدائي في المواقف الكبرى للحياة
стр. 6324
الإنسانية، أن تحدث آثارًا سحرية، وكذلك كانت غاية الرثاء الأصلية أيضًا هي السحر، "فقد كان الغرض من المرثية أن تطفئ غضب المقتول وتنهاه أن يرجع إلى الحياة، فيلحق الأضرار بالأحياء الباقين، ولكن هذا المعنى تلاشى تقريبًا في الجزيرة العربية أمام الشعور الإنساني بالحزن الممض. على أن إظهار الحزن لم يكن يناسب رجال القبيلة كما كان لائقًا بنسائها، خاصة بالأخوات، ومن ثم بقي تعهد الرثاء الفني من مقاصدهن حتى عصر التسجيل التأريخي"١.
وقد لعبت الأغاني دورًا كبيرًا في الصيد والحرب، فقد رافقتهما منذ أوائل انشغال الإنسان بهما، ولم يكن الصيد متعة وتسلية ورياضة عند العرب حسب، بل كان لسد حاجة وللتغلب على شظف العيش أيضًا، ونجد في الشعر الجاهلي شعرًا جعل الصيد، نوعًا من الرياضة والتسلية، وإظهار الرجولة في التغلب على الوحش الكاسر، والحيوان المتوحش، وأكثر أصحابه من المترفين والمتمكنين، من أصحاب الخيل السريعة، مثل الملوك وسادات القبائل، والشعراء الذي يرافقونهم في رحلات صيدهم، أو يقومون هم أنفسهم برياضة الصيد.
ويلعب الغزو دورًا خطيرًا في حياة الجاهليين، فقد كان الغزو في الواقع نوعًا من أنواع الكفاح في سبيل الحياة، عليه معاشهم، وبواسطته يحافظون على حياتهم وأموالهم، وقد أنتج ضربًا من ضروب الشجاعة والمغامرة، يتجلى في الشعر الحماسي، الذي يقال قبل القتال وفي أثناء احتدامه. ونكاد لا نقرأ خبر يوم من أيام العرب أو غزو، أو قتال إلا ونجد للشعر فيه دورا ومكانا في هذه الأحدث. يستوي في ذلك شعر الجاهلية والشعر الذي قيل في الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام.
ونجد للنسيب، والغزل مكانة في الشعر الجاهلي، وقد نجد فيه وصفا للجمال الحسي لأعضاء الجسد. وقد آخذ العلماء امرأ القيس والأعشى على مجاهرتهما بالفحش وبالزنا في شعرهما. والمجاهرة بالاتصال الجنسي بصورة عارية مكشوفة من الأمور التي لا ترد بكثرة في الشعر الجاهلي٢.
ولا بد وأن يكون الشعر قد مر في مراحل، لعل أقدمها مرحلة السجع،
стр. 6325
أي النثر المقفى المجرد من الوزن، الذي تخصص فيه الكهان عند ظهور الإسلام وهو والد "الرجز"، أبسط الشعر، ومن الرجز نشأ بناء بحور العروض، التي يظهر أثر الموسيقى على صياغتها على رأي بعض المستشرقين١، وهو أثر يدل على ما كان للغناء من صلة بالشعر. ولعل هذه الصلة هي التي حملت العلماء على القول بأن بحور الشعر نشأت في الأصل من سير الإبل، من ترنيم الشاعر شعره على إيقاع سير الإبل. غير أن البحث عن هذا الموضوع وعن موضوع كيفية نشوء بحور العروض وصلتها بعضها ببعض لا تزال من الدراسات العويصة المشكلة الشائكة التي لا يمكن الاتفاق عليها، لعدم وجود أسس ثابتة يرتكز عليها الجدل القائم بين الباحثين في كيفية تطور الشعر الجاهلي٢. أما أن هذه البحور، قد نشأت من سير الإبل٣، فكلام لا يقوم على علم، وهو من باب حدس الحداس، فلدى الشعوب الأخرى شعر، له ترانيم وبحور، ومع ذلك فإنها لم تكن تركب الإبل، ولا تعرف إيقاع أرجلها عند المشي.
وقد قام المستشرقون بدراسة البحور التي نظم الشعراء الجاهليون بها شعرهم، فوجود أن بحر الطويل يأتي في المرتبة الأولى من البحور، يليه الكامل، فالوافر، فالبسيط. أما المتقارب فيوجد عند امرئ القيس، كما يوجد عنده المنسرح قليلًا. واستعمل "طرفة" الرمل في قصيدة يبلغ طولها "٧٤" بيتًا، ترتيبها الخامس في ديوانه٤، كما استعمل السريع في قصيدتين٥، واستعمل كل من امرئ القيس وطرفة المديد في قصيدة واحدة٦، وأما الخفيف، فقد وجد في شعر المرقشين، وعبيد بن الأبرص، وعامر بن الطفيل، والأعشى، ولا يوجد الهزج إلا في قطعتين منحولتين، واحدة لطرفة، وأخرى لامرئ القيس٧.
وقد ذهب "غرونباوم" إلى أننا نجد تفننًا في شعر شعراء العراق وفي شعر من احتك بالحيرة من شعراء أكثر مما نجد في شعر أي مكان آخر. وذكر أن شعر
стр. 6326
"أبي دؤاد" الإيادي قد جاء على اثني عشر بحرًا، ثم يرى أن المدرسة العراقية قد أكثرت من بحر الرمل، ولا يستعمل هذا البحر في الشعر القديم إلا أبو دؤاد في ثلاث قصائد، وطرفة في ثلاث قصائد، وعدي في سبع قصائد، والمثقب في قصيدة واحدة، والأعشى في قصيدتين. واستعمله امرؤ القيس في قصيدة واحدة، ورأى في ذلك دلالة على تأثر امرئ القيس بأبي دؤاد، وتأييدًا للرواية التي ترى أنه كان راوية لأبي دؤاد١.
ويجيء امرؤ القيس وعدي والأعشى بعد أبي دؤاد في تنويع البحور التي نظموا بها، فقد نظم كل واحد منهم في عشر أوزان. وتدل الدراسات التي قام بها "فرايتاك" على قلة ورود النظم في بحري الرمل والخفيف بالنسبة إلى البحور الأخرى٢. ويظن أن الشعر الوارد في كتاب: "البخلاء" للجاحظ، وهو:
واعلمن علما يقينا أنه ... ليس يرجى لك من ليس معك
المنسوب لعبيد بن الأبرص٣، هو من الموضوعات.
ويرى "غرونباوم" أن من خصائص المدرسة العراقية نزوعها إلى بحر الخفيف، وعند أبي دؤاد الأيادي خمس عشرة قصيدة بهذا الوزن، وعند عدي سبع، وعند الأعشى خمس، "ولم يستعمل هذا البحر عند سائر الشعراء المعاصرين إلا على نحو عارض"٤. فورد عند عمرو بن قميئة، وعند المرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وعامر بن الطفيل، والحارث بن حلزة اليشكري٥.
ويظهر مما أورده المفسرون وأهل السير من قول "الوليد بن المغيرة" في الرسول وفي القرآن: "ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله: رجزه وهزجه، وقريضه ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر"٦، "فجعل الرجز والهزج من أوزان
стр. 6327
الشعر، وقرن بهما أسماء غير محددة، ويبدو أن تحديد هذه المعاني كلها عند العرب كان مختلفًا عن اصطلاحات العروضيين، وإلا فإن القبض في العروض من عيوب الزحاف، وهو حذف الحرف الخامس الساكن"١. وورد في رواية عن "أبي ذر": "لقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فلا يلتئم على لسان"، وقد اختلفوا في المراد من الأقراء٢، وفي هذين الخبرين وأمثالهما دلالة على أنه قد كان لأهل الجاهلية قواعد ثابتة بالنسبة للشعر، وأن الشعر كان يعتمد عندهم عليها. وأن علماء العروض: "الخليل بن أحمد" و "الأخفش" لم يتمكنا من ضبط كل بحور الشعر التي كانت عند الجاهليين، بدليل أننا نجد أبياتًا خارجة عن العروض الذي وضعاه، ويظهر أن هذا الخروج يمثل مرحلة من مراحل الشعر، لم نقف على كنهها بعد٣. وقد وجد "العيني" أن في الأصمعية المرقمة ب "٧٢" تشعيثًا، قال عنه "غرونباوم": "ومثل هذا لا يعد خطأ، بل هو مظهر من مظاهر التطور الفني في هذا الوزن، مظهر استنكر أو نسي مع الزمن، حين وضع علم العروض، بعد حوالي قرنين من وفاة أبي دؤاد"٤، وقد ذهب "غرونباوم إلى أن "الخليل"، أقر "ستة عشر وزنًا، واطرح بعض الأوزان الهزيلة التي كان القدماء قد استنبطوها"٥، والواقع أننا لا نستطيع الزعم، بأن الخليل قد أحاط علما بكل أنوع العروض العربي الجاهلي.
ومن يفحص الشعر الجاهلي، يجد أن في بعضه اضطرابًا وخروجًا وشذوذًا على قواعد "العروض"، وقد وجد هذا الشذوذ في شعر شعراء يعدون من الفحول، مثل "امرئ القيس"، في القصيدة التي مطلعها:
عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنهما أوشال
ومثل عبيد بن الأبرص في قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
стр. 6328
فقلما يخلو بيت من هذه القصيدة من حذف في بعض التفاعيل، أو زيادة، كما في الشطر الأول من هذا المطلع.
ومثل ما نسب إلى المرقش الأكبر، وعدي بن زيد العبادي، وغيرهم، من خروج على الوزن في بعض الشطور، وإخلال في الوزن حتى زعم بعض العلماء، أن في نونية "سلمى بن ربيعة" خروجًا عن العروض: عروض الخليل١. وقد أشرت في مكان آخر إلى وقوع الإقواء والإكفاء والزحاف في شعر بعض الشعراء، مثل امرئ القيس، والنابغة، وبشر بن أبي خازم، وهي أمور تلفت النظر، لا ندري أكانت قد وقعت من الشعراء حقًّا، أم من الرواية والرواة، أم أنها لم تكن عيبًا بالنسبة لعروض الجاهليين، وإنما عدت من العيوب بالنسبة إلى العروض الذي ضبط في الإسلام، أو أنه وقع بسب تعديل أو تبديل أدخله العلماء على الأصل، ليلائم قواعد العربية، فوقع من ثم ما قيل له عيبًا. وإنني لا أستبعد وقوع السهو في نظم الشعر من شاعر مهما كان فحلًا، فقد روي أن بعض الفحول من شعراء العصر الأموي كالكميت والفرزدق والأخطل، قد وقعوا في أخطاء، وأن رواتهم كانوا يجرون تنقيحًا وتغييرًا على أشعارهم، ليقوّموا بذلك ما انحرف في شعرهم وما فيه من الفساد٢، ولكن وقوع ما نشير إليه يدل على أن ما نعده اليوم عيبًا أو خروجًا على القواعد والعروض، لم يكن ينظر إليه هذه النظرة عند الجاهليين وفي صدر الإسلام، وإلا دل ذلك على جهل أولئك الشعراء بقواعد اللغة وعلم الشعر، وحاشا وقوع ذلك منهم، وشعرهم نفسه كان في جملة المواد الأساسية التي استعان بها علماء القواعد والعروض في بناء النحو والعروض.
وقد قصر علماء الشعر فحولة الشعر في الجاهلية على الشعر المعروفين بالنظم بالبحور المشهورة، فيما عدا الرجز، أما قالة الرجز، فهم طبقة خاصة، عرفت عندهم بالرجاز. ويظهر من القول المنسوب إلى "الوليد بن المغيرة": "لقد عرفنا الشعر كله: رجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه"٣، أن الشعر في نظر أهل مكة: رجز، أو هزج، أو قريض، أو مقبوض، أو مبسوط، وأن من يقول الرجز، فهو راجز ورجاز، ولم يكن الرجز كما
стр. 6329
يقول علماء الشعر طويل النفس، وإنما كان أبياتًا، وقد بقي هذا حاله حتى أيام الأمويين، فطول ولقي عناية خاصة عند كثير من الشعراء، فأخذوا يذهبون به مذهب القصيد، فقصدوه، بأن جعلوه قصائد، وعمدوا إلى تخفيف ما تتركه بساطة العروض وسهولته في النفس من ملل، بأن لجئوا إلى استعمال العبارات البعيدة المأخذ، والألفاظ الغريبة، والاختراعات اللطيفة، حتى تمكنوا من إدخاله إلى قصور الخلفاء الأمويين، ومن نيل الجوائز والألطاف منهم١.
ويعود الفضل في رفع مستوى الرجز في الإسلام، إلى رجلين من "بني عجل"، هما: "الأغلب بن عمرو" العجلي، "٢١هـ"، و "أبو النجم الفضل بن قدامة" العجلي، وإلى رجال من "تميم"، على رأسهم: "العجاج" "٩٧هـ" وابنه "رؤبة": المتوفى سنة ١٤٥هـ" وقيل "١٤٧هـ"، و "عقبة" ابن "رؤبة" هذا، و "أبو المرقال الزفيان"، و "دكين بن رجاء" الفقيمي، و "محمد بن ذؤيب" الفقيمي العماني٢.
ولا نمك شعرًا يمكن أن يقال عنه إنه أقدم ما وصل إلينا من مراحل الشعر الجاهلي. حتى هذا الرجز، الذي ينظر إليه المستشرقون على أنه أول مرحلة من مراحل الشعر الجاهلي، لبساطته ولسهولته، ولكونه وسطا بين السجع والشعر، لا نملك نماذج منه، يمكن أن نطمئن إلى أنها كانت من الشعر القديم، الذي يصلح للاستشهاد به على أنه من قديم الشعر، إذ لم يحفل علماء الشعر بالرجز لاعتبارهم إياه دون الشعر، فلم يدونوا منه شيئا يذكر، ولذلك نجد نسبته بالنسبة إلى كمية الشعر الآخر "التقليدي" نسبة ضئيلة جدًّا، وهذا ما جعل علمنا بالرجز الجاهلي قليلًا جدًّا.
ولسهولة الرجز، ولقابليته على الخروج على كل لسان، أرى أنه كان أكثر نظمًا من الشعر المألوف، ودليل ذلك أننا لو درسنا أخبار الأيام وأخبار الغزو والمعارك نجد للرجز فيها مكانة كبيرة، فالمحارب الذي يقرع خصمه ويتجالد معه يرتجز رجزًا في الغالب لسهولته على اللسان ولمناسبته لمقرعة السيوف، وللوقت القصير الذي يكون عنده ليقضي فيه المحارب على من يحاربه، ثم إن في استطاعة
стр. 6330
غير الشعراء الارتجاز، وليس في استطاعتهم نظم الشعر، لذلك كان الرجز أكثر كمية من الشعر، ولكن كثرته هذه وسهولته، قصرتا في عمره، وربما صارتا من العوامل التي جعلت الناس لا تقدم على حفظه.
ولما كان الشعر تعبيرًا عن عواطف جياشة وعن حس مرهف، وعن نفس حساسة تريد التعبير عن نفسها بأي أسلوب كان، فإن في استطاعتنا القول إنه لازم البشرية منذ عرفت نفسها، وأخذت تعبر عن إحساسها بأية طريقة كانت: بطريقة بدائية أو بطريقة متطورة. فبدأ الشعر كما بدأ الإنسان نفسه، بداية بسيطة ساذجة بدائية، ثم تطور بتطور مدارك الإنسان، وتعددت طرقه وبحوره، بتطور العقل والمدارك، وبارتفاع مستوى الحياة، فكان لذة يلتذذ بها المسافر، وهو يقطع الطرق الصعبة، والصحارى الموحشة، يعبر عنها بغناء ذي نغم، وبألفاظ تناسب ذلك الغناء، كما كان يعبر عنها ففي التشوق والتحبب إلى الآلهة والقوى الطبيعية التي كان يرى أنها تؤثر في حياته، وفي مناسبات التقرب إلى الملوك والحكام، لينال منهم لقمة عيش، وشيئًا من مال، كما عبر عنها في الأفراح وفي الأتراح، وفي الفخر والمدح والذم، وهو الهجاء، وفي الظروف التي تؤثر عليه، فتجعله يفرح من رؤيتها ويرتاح، مثل المناظر الطبيعية الجميلة، والأصوات الجميلة وجمال الإنسان.
والشعر الجاهلي الصحيح، هو حاصل تطور طويل مستمر، لا يمكن تحديد أوله، إذ بدأ الشعر مذ بدأ الإنسان يشعر بالفرح وبالسرور بالتعبير عن عواطفه. وقد فقد القديم منه بسب عدم تدوينه في حينه، وبسب صعوبة بقائه في الذاكرة إلى أمد طويل، ولم يصل منه إلينا إلا هذا القليل الذي قيل في عهد لا يرتقي كثيرًا عن الإسلام، وهذا القليل الباقي، هو الصفحات القليلة الأخيرة من كتاب لا نستطيع أبدًا تقدير حجمه، هو كتاب الشعر الجاهلي، الذي ختم بتغلب الإسلام على الشرك، وبموت الجاهلية وظهور دين الله.
أما قول القائلين إنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا أبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد في عهد مهلهل، أو هاشم، أو عبد المطلب، فرأي لا يقوم على دليل، وليس له سناد تأريخي، وإنما هو مجرد رواية رواها رواة الشعر في الإسلام. إذ لا يعقل أن تكون قريحة الجاهليين الذين عاشوا قبل
стр. 6331
الإسلام بقرنين أو بقرن ونصف قرن، قريحة محبوسة محصورة، حددت بحدود لم تتعدها ولم تتخطها، فإذا هاجت وماجت بالأحاسيس وبالشعور المرهف، صاغت حسها هذا ببيت أو ببيتين أو ثلاثة، ثم توقفت عند هذا الحد لا تتجاوزه أبدًا. وإذا كان الشعر طبع في الإنسان كما يقولون ونقول، وهو نوع من أنواع التعبير عن الخاطر، وجب تصور أن صياغته في قوالب من أبيات شعر، إنما تكون صياغة منسجمة مع طول وعرض الخاطر صغيرًا، ضئيلًا، صيغ ببيت أو بأبيات، وإذا كان طويلًا مبعوثًا عن حس ملتهب جياش، صيغ بأبيات تزيد عن تلك يتناسب عددها مع حجم ذلك الخاطر. فمن هنا لا نستطيع أن نقول إن شعر قدماء الجاهليين كان أبياتًا لا تزيد على ثلاثة، وإنهم لم يكونوا يملكون القدرة على نظم ما يزيد على ذلك، إلى أن جاء "عدي بن ربيعة" التغلبي، الملقب بالمهلهل، فوسع الشعر وزاد الأبيات وقصد القصائد. نقول مثل هذا وإن قال به علماء هم أعلم منا بفنون الشعر وبدروبه، قول لا يمكن الأخذ به لما ذكرته. أفلم يكن للذين سبقوا المهلهل من العرب لسان مثل لسانه وحس مثل حسه؟ إذا كان لهم مثل ما كان له، فيفترض أن يكون تعبيرهم عن عواطفهم، مثل تعبيره عنها سواء بسواء، قد يكون قليلًا وقد يكون كثيرًا من غير تغيير أو تحديد ولا تفنين، لأن التحديد يتوقف على طول وقصر الحس الذي يستولي على الشاعر فيصوغه شعرًا.
أما إذا قصدوا من قولهم المذكور معنى أن المهلل كان أول شاعر وصل شعره إلينا أبياتًا زاد عددها على عدد ما وصل إلينا من شعر أي شاعر تقدم عليه، وأنه أول من رويت له كلمة بلغت ثلاثين بيتًا١، فذلك أمر آخر لا صلة له بدعواهم أن الشعر كان قبل المهلهل رجزًا وقطعًا، فقصده مهلهل، ثم امرؤ القيس من بعده. وظل الرجز على قصره بمقدار ما تمتح الدلاء، أو يتنفس المنشد في الحداء حتى كان الأغلب العجلي، وهم على عهد النبي، فطوله شيئًا يسيرًا وجعله كالقصيد٢.
وهذا معناه عندي أن شعر "المهلهل"، هو أول شعر طويل وصل إلى علماء الأخبار من شعر قدماء الشعراء الجاهليين، وأما شعر من سبقه، فقد فقد وضاع معظمه،
стр. 6332
ولم تبق منه إلا بقية، هي بيت أو أبيات دون مرتبة القصيدة، لعدم تمكن الذاكرة من حفظ أكثر من ذلك لتقادم العهد.
والشعراء الجاهليون كثيرون، "لأنه قل أحد له أدنى مسكة من أدب، وله أدنى حظ من طبع، إلا وقد نال من الشعر شيئًا، ولاحتجنا أن نذكر صحابة رسول الله ﷺ ، وجلة التابعين، وقومًا كثيرًا من حملة العلم"١، ويكاد يكون قول الشعر سجية في نفوس الجاهليين، ولهذا كثر عدده، فصعبت الإحاطة بهم، واكتفى علماء الشعر بذكر النابهين البارزين منهم، "الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو، وفي كتاب الله، وحديث رسول الله"٢. وقال: "ابن قتيبة": "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيط، أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم واستفرغ جهده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها"٣. وقال "أبو عمرو بن العلاء": "ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"٤.
стр. 6333
تنقل الشعر وانتشاره بين القبائل:
ذكر "أبو عبد الله محمد بن سلام" الجمحي، وغيره من المؤلفين أن الشعر كان في الجاهلية في ربيعة، ثم تحول في قيس، ثم استقر في "تميم"١. ومعنى هذا على لغة أهل الأنساب وعلماء الشعر، أن الشعر بدأ في ربيعة، ثم انتقل منها إلى "مضر"، فقيس من مضر، و "تميم" من مضر كذلك، وعن مضر نافست ربيعة في الشعر، وصار الحيان الشقيقان: ربيعة ومضر، أصحاب الشعر
стр. 6334
وموجدوه، أما "اليمن"، فإنهم قد ساهموا فيه أيضًا، حسب زعم أهل الأخبار والأنساب، لكنهم لم يبلغوا فيه مبلغ ربيعة ومضر.
ويزعم أهل الأخبار، أن من شعراء ربيعة: "المهلهل"، والمرقشان، وسعد بن مالك، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس، والأعشى، والمسيب بن علس. وأن من شعراء "قيس" النابغتان، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، ولبيد، والحطيئة، والشماخ، وأخوه مرزد. وأن من شعراء "تميم" "أوس بن حجر" شاعر مضر في الجاهلية، ولم يتقدم منه أحد منهم، حتى نشأ "النابغة"، و "زهير" فأخملاه، وبقي شاعر "تميم" في الجاهلية غير مدافع١.
ولا يمثل هذا التنقل المزعوم ترتيبًا زمنيًّا، بمعنى أن الشعر بدأ بربيعة أولا، ثم انتقل منها إلى قيس، ثم انتقل بعدها إلى تميم، إذ يتعارض ذلك مع ما يرويه أهل الأخبار وعلماء الشعر من تعاصر أكثر الشعراء، ومن نبوغ معظمهم في وقت واحد، وإنما هو قول من أقوال أهل الأخبار المألوفة، أصله رأي رجل واحد، حمل عنه بالنص بذكر اسمه أحيانًا، وبدون ذكره أحيانًا أخرى، فلما توافر في الكتب، صار في حكم الإجماع، يقال دون نقد ولا مناقشة على هذا اليوم.
وما ذكرته عن تنقل الشعر يمثل رأي الرواة العدنانيين، أما اليمانية، فترى "تقدمة الشعر لليمن: في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت". "وقال آخرون: بل رجع الشعر إلى ربيعة فختم بها كما بدئ بها"٢. وهو رأي يتعلق بالنسبة إلى النسب الأكبر للقبائل، وترى في الرأيين أثر العصبية للعدنانية أو لليمانية، فقد صعب على القحطانية المناهضة للعدنانية، الاعتراف بالتفوق عليها حتى في الشعر، فزعمت أن الشعر بدأ بها، وأنه كان من مكارمها القديمة، وكل مكرمة إنما بدأت بقحطان، وما عدنان إلا مستعربة أخذت عربيتها من "يعرب بن قحطان"، وهي دون القحطانية في كل شيء.
وحكم مثل هذا لا يمكن إصداره بالطبع إلا بسند علمي، وليس في يد أحد حتى يومنا هذا سند جاهلي، يؤيد رأي هذا أو ذاك، وقد لا يأتي يوم يمكن
стр. 6335
إعطاء رأي علمي فيه. أما ما ذكرته، فهو نقل لآراء أهل الأخبار، ورأينا في آرائهم في هذه الأمور معروف، فنحن لا نأخذ آراءهم مأخذ الجد، ولا نثق بها، وكلها في نظرنا حاصل عصبية، وقد لعبت العاطفة القبلية دورًا خطيرًا في ظهرها، ونحن لا نستطيع تقديم ربيعة على مضر في الشعر، ولا تقديم مضر على ربيعة فيه، لعدم وجود دليل لدينا نتخذه سندًا ومستمسكًا في أيدينا لإثبات أي رأي من هذه الرأيين. أما أن يكون قد بدأ باليمن، فالمسند، يعارضه ويناقضه، إلا إذا اعتبرنا اليمن، القبائل الساكنة في الشمال، أي خارج العربية الجنوبية، والتي يرجع النسابون نسبها عادة إلى اليمن، وهي قبائل كانت تتكلم بلهجات عربية شمالية، فذلك أمر آخر، وأمرها عندنا حينئذ مثل أمر ربيعة ومضر، لا نستطيع تقديمها على ربيعة ولا على مضر، ولا نستطيع تقديم ربيعة أو مضر، للسبب المتقدم، وهو عدم وجود أدلة لدينا تعيننا في الحكم بتقديم فريق على فريق، وإعطائه الأولية في قول الشعر.
والشعر في نظرنا موهبة إنسانية عامة، لم تختص بقوم دون قوم، ولا بأمة دون أمة، وهي على هذه السجية بين العرب، لم تختص بربيعة، حتى نقول إن الشعر بدأ أول ما بدأ بها، ولا بمضر حتى نقول إنه ظهر أول ما ظهر عندها ولا باليمن، حتى نقول إنه بدأ بها وختم بها. وإنما هو نتاج قرائح كل موهوب وذي حس شاعري من كل القبائل والعشائر. والشعر كما قلت مرارًا شعور وتعبير عن عواطف تخالج النفس، فكل إنسان يكون عنده حس مرهف، واستعداد طبيعي، وذوق موسيقي، يمكن أن يكون شاعرًا من أي حي كان، ولهذا كان الشعراء من قبائل مختلفة، وإذا تقدمت قبيلة على أخرى في كثرة عدد شعرائهم، فليس مرد ذلك أن تلك القبيلة كانت ذات حس مرهف واستعداد فطري لقول الشعر، وأن بقية القبائل كانت قبائل غبية بليدة الحس والعواطف، فلم ينبغ بينها مثل ذلك العدد من الشعراء، فقد تكون هنالك أسباب أخرى نجهلها في هذا اليوم جعلتنا نتصور أنها كانت متخلفة في الشعور، كأن تكون منازل تلك القبائل بعيدة منعزلة، لم يتصل بها أحد من جمّاع الشعر ورواته. وهم بين كوفي وبصري، فلم يصل شعرها إليهم، فانقطع نتيجة لذلك عنا، أو أن تلك القبائل كانت قبائل صغيرة، لم يكن لها شأن يذكر، فانحصر شعرها في حدودها ولم يخرج عنها، فخمل ذكره ولم ينتشر خبره بين القبائل الأخرى، فلما ظهر
стр. 6336
الإسلام، كان قد خفي ومات.
ودليلنا أننا إذا دققنا في هذا الشعر الجاهلي الواصل إلينا في الكتب، نجد أنه شعر قبائل كبيرة، لعبت في الغالب دورًا خطيرًا في مجتمع ذلك اليوم، مثل: كندة وبكر، وأسد، وتميم، وتغلب، ثم هو شعر شعراء كان لهم اتصال وثيق بالعراق في الدرجة الأولى، أي بملوك الحيرة، الذين كان نفوذهم يشمل أرضين واسعة، مثل البحرين ونجد واليمامة في بعض الأحيان، فكان لقبائل هذه الأرضين اتصال بحكام الحيرة، ولها مواقف معهم: حسنة أحيانًا وسيئة أحيانًا أخرى، وفي مثل هذ المواقف، يكون للشعراء دور خطير فيها، فهم بين مادح، أو ذام قادح، أو رسول قوم جاء إلى الملوك في وفادة لفك أسير، أو لإصلاح ذات بين، أو جاء لنيل عطاء، ونحن لا نكاد نجد شاعرًا من الفحول أو من الشعراء المشهورين، إلا وله صلة بملك أو أكثر من هؤلاء الملوك، حتى لا يكاد يفلت منهم شاعر. أما ملوك الغساسنة، فلهم بعد أولئك الملوك صلة بالشعراء، بل هم دونهم اتصالًا بالشعراء ومرجع ذلك في نظري أن حكم الغساسنة لم يتجاوز بادية الشام وحدود مملكة البيزنطيين، فلم يكن لهم لذلك اتصال بقبائل البادية البعيدة عن منطقة نفوذهم، ولا بقبائل الحجاز ونجد واليمامة والبحرين، فتقلص مجال اتصالهم بالشعراء، ولم يصل إليهم إلا الشعراء من أصحاب الحاجات، الذين كانوا يطوفون البلاد، ويقصدون الموسرين الكرماء أينما كانوا لنيل صلاتهم ثمنا لمدحهم لهم، وإلا الشعراء الذين غضب ملوك الحيرة عليهم، أو لم ينالوا منهم تحقيق مطمع وحل مشكل، أو فك أسير، فجاءوا لذلك إلى الغساسنة خصومهم نكاية بهم، وإلا بالشعراء الذين أغار قومهم على أرض الغساسنة، فوقع نفر منهم في أسرهم، فأرسلهم أهلهم وسطاء ورسلًا عنهم، للتوسل إليهم بفك أسراهم.
ونحن لو ثبتنا أسماء مواطن شعراء الجاهلية على صورة جزيرة العرب نرى أنها كانت في الحجاز ونجد واليمامة، والبحرين والعراق. أما بلاد الشأم فقد كانت فقيرة جدًّا بهم، بل لا نكاد نجد فيها شاعرًا لامع الاسم، ترك أثرًا في الشعر. ويلفت هذا الجدب في الشعر النظر إليه حقًّا، فقد عاشت ببلاد الشأم قبائل كبيرة كان لها شأن كبير في تلك البلاد قبل الإسلام وفي الإسلام، مثل غسان، وبهراء، وكلب، وقضاعة، وتنوخ، وتغلب، وقبائل أخرى لعبت دورًا خطيرًا في الحروب مع عرب الحيرة، وفي مساعدة الروم، كما لعبت دورًا خطيرًا في
стр. 6337
الفتوحات الإسلامية، فقد ساعدت الروم أولًا، ثم انضمت إلى المسلمين في قتالهم مع البيزنطيين، وقبائل هذا شأنها لا يعقل ألا يكون لها شعر وألا ينبغ من بينها شعراء لكثرة عددها ولمنافستها لعرب العراق، ولكون لسانها هذا اللسان العربي الشمالي، فهل كان عند تلك القبائل شعراء، لم يصل اسمهم إلى علماء الشعر، فلم يذكروهم لجهلهم بهم في عداد شعراء الجاهلية؟ فصرنا لذلك لا نعرف من أمرهم شيئًا! أو أنها كانت مجدبة حقًّا لأنها كانت بمنأى عن الشعر والشعراء، لتحضرها وتأثرها بالنصرانية وبثقافة بني إرم، فلم توائم تربتها الشعر، لذلك أجدبت فيه، ولم ينبت فيها شاعر لامع الاسم!
يقول علماء اللغة: والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعد الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
بالجملة، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، لا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطرافها بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يؤخذ من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان، وإياد، لمجاورتهم أهل الشأم، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب١. فالقبائل المذكورة، وإن كانت من القبائل العربية الكبيرة المرموقة، إلا أن إقامتها ببلاد الشام إقامة طويلة ومجاورتها أهل الشأم، وتأثرها بلسانهم، واعتناقها النصرانية، وأخذها ديانتها بالسريانية التي سماها أهل الأخبار العبرانية، وتحضرها وقرارها والتهائها بالزرع والرعي، صيرت كل هذه الأمور ومثالها لسانها عربيًّا مشوبًا برطانة، ولهذا عرفت ب "العرب المستعربة" وب "مستعربة الشأم"، عند المسلمين، حتى صارت تلك الرطانة سببًا لإعراض علماء اللغة عن الاحتجاج بلغتها في شواهد القرآن والشعر على نحو ما رأيت.
وقد يكون لتلك القبائل شعر، غير أن علماء اللغة قاطعوه للسبب المذكور، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك، لعدم ورود إشارة إلى هذه الناحية في كتب أولئك
стр. 6338
العلماء ولا في كتب أهل الأخبار. ثم إني لاحظت أن أخبار فتوح الشأم لا تذكر شيئًا من شعر القبائل المستعربة التي حاربت مع الروم المسلمين، أو التي حاربت مع المسلمين الروم، وحيث إننا نعرف أن من عادة العرب الاستعانة بالشعر والرجز أثناء غزوها وقتالها، لذلك تلفت هذه الملاحظة الأنظار، وتحمل المرء على البحث في سبب وجود هذا الفقر في شعر القتال في فتوح الشأم، بينما نجد شعرًا غزيرًا وافرًا أنتجته قرائح المتقاتلين في حروب العراق نظمه المحاربون المسلمون، ومحاربو القبائل العراقية الوثنية والمنتصرة التي حاربت مع الفرس، أو التي حاربت مع المسلمين أو تلك التي انضمت إلى المسلمين فيما بعد.
وسبب هذا الفقر في نظري، أن قبائل بلاد الشأم، كانت قد تأثرت بلغة وبثقافة أهل الشأم، وبالنصرانية المتأثرة بالسريانية وبالرومية وقد غلبت عليها نزعة الاستقرار، فاستقرت في حواضر حضرية كبيرة مثل دمشق وحمص وحلب، وقنسرين١، وغيرها، وهي حواضر معظم سكانها من السوريين والروم، لا من العرب، وكانت نصرانية، صلواتها بالسريانية، وثقافتها سريانية يونانية فتأثرت بثقافة من عاش بينهم، وانصرفت إلى الزراعة ورعي الماشية، وشابت لهجتها رطانة إرمية، ولم تحفل بالشعر احتفال بقية العرب به. لذلك لم يظهر من بينها شاعر فحل.
أما عرب العراق، فقد كانوا عربًا وأعرابًا، عربهم في قرى عربية، حكامها من العرب ورجال دينها نصارى، ولكنهم نصارى عرب أو مستعربة، علموا العربية في كنائسهم، ونشروا الخط العربي في خارج العراق، وتفقهوا في علوم العربية، وفي جملة هذه العربية الشعر. وأما أعرابهم، فقد كان قوم منهم نصارى والباقون على الشرك وعلى سمة الأعراب منذ وجدوا من الميل إلى الاستقلال وعدم الخضوع لحكم أحد، ومن الاعتزاز بالنفس والتعبير عن الأحاسيس المرهفة بقول الشعر، وأما حكامهم، وهم ملوك الحيرة، فكانوا على سنة كبار سادات القبائل من استقبال الشعراء والاستماع إلى إنشادهم، وتلبية طلباته، وكان من صالحهم اصطناع الشعراء لامتداد ملكهم إلى نجد واليمامة أحيانًا وإلى البحرين وهي من أهم مواطن الشعر في الجاهلية، والشعراء أبواق الدعاية في ذلك العهد، وقد
стр. 6339
كان ملوك الحيرة شعراء، ينظمون الشعر، ولهم اطلاع ووقوف على شعر الشعراء، وكان من اتصل بهم من سادة الحيرة شعراء كذلك، لهم شعر مدوّن في كتب الأدب، وفيه ما قالوه في فتوح المسلمين للعراق، فمن هنا ظهر الشعر في العراق، على حين خمل في بلاد الشأم.
ولم تكن القبائل سواء في الشعر وفي عدد شعرائها، وهذا شيء طبيعي، لا يختلف فيه اثنان. وقد لاحظ ذلك علماء الشعر، فأشاروا إلى أسماء قبائل أنجبت في الشعر وأخصبت في الشعراء، وكان "الجاحظ" الكاتب الذكي ممن لاحظ ذلك، فقال: "وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرًا كلها، ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرًا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء رجازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنهم أهل مدر، وأكالو تمر، لأن الأوس والخزرج كذلك، وهم في اشعر كما قد علمت. وكذلك عبد القيس النازلة قرى البحرين، فقد تعرف أن طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة.
وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبًا وطيبًا، وهم وإن كان شعرهم أقل، فإن ذلك القليل يدل على طبع في الشعر عجيب، وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلة الخصب الشاغل والغنى عن الناس، وإنما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها.
وبنو الحاث بن كعب قبيل شريف، يجرون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات أعراب أهل نجد، ولم يكن لهم في الجاهلية كبير حظ في الشعر. ولهم في الإسلام شعراء مغلقون.
وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرًا لهم من تصبير الشعر في أنفسهم.
وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح قبيلة في الجاهلية، من قريش، كما مُدحت مخزوم، ولم يتهيأ من الشاهد والمثل بالمادح في أحد من العرب، ما تيهأ لبني بدر.
وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما
стр. 6340
من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا لحصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر شعر مذكور"١.
وقال "يونس بن حبيب" الضبي، "ليس في بني أسد إلا خطيب أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس، وليس في هذيل إلا شاعر أو رام أو شديد العدو"٢. وذكر "الجاحظ" أن "عبد القيس" بعد محاربة "إياد" تفرقوا فرقتين، ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين، وهم من أشعر قبيلة في العرب. ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي عدن الفصاحة٣. ولابن سلام رأي في هذا الموضوع إذ يقول: "وبالطائف شعر وليس بالكثير، وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان"٤.
وجاء أن أفصح الشعراء ألسنًا وأعربهم أهل السروات، وهن ثلاث، وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة السراة الوسطى، وقد شركتهم يقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد. أزد شنوءة، وهم بنو الحارث بن كعب بن الحارث بن نضر بن الأزد٥. وذكر أن قبيلة "هذيل" هي في طليعة القبائل عددًا في الشعراء، فقد روى العلماء لأربعين شاعرًا منهم في الجاهلية والإسلام، وهو عدد قياسي بالنسبة إلى عدد الشعراء الذين أنجبتهم القبائل الأخرى٦، وقيل عنها إنها أعرقت في الشعر٧. وروي أن سائلًا سأل "حسان بن ثابت": "من أشعر العرب؟ فقال: "أراحلًا أم حيًّا؟ قيل: بل حيًّا: قال: أشعر الناس هذيل"٨. وكان "الشافعي" يحفظ