الإسلام، كان قد خفي ومات.
ودليلنا أننا إذا دققنا في هذا الشعر الجاهلي الواصل إلينا في الكتب، نجد أنه شعر قبائل كبيرة، لعبت في الغالب دورًا خطيرًا في مجتمع ذلك اليوم، مثل: كندة وبكر، وأسد، وتميم، وتغلب، ثم هو شعر شعراء كان لهم اتصال وثيق بالعراق في الدرجة الأولى، أي بملوك الحيرة، الذين كان نفوذهم يشمل أرضين واسعة، مثل البحرين ونجد واليمامة في بعض الأحيان، فكان لقبائل هذه الأرضين اتصال بحكام الحيرة، ولها مواقف معهم: حسنة أحيانًا وسيئة أحيانًا أخرى، وفي مثل هذ المواقف، يكون للشعراء دور خطير فيها، فهم بين مادح، أو ذام قادح، أو رسول قوم جاء إلى الملوك في وفادة لفك أسير، أو لإصلاح ذات بين، أو جاء لنيل عطاء، ونحن لا نكاد نجد شاعرًا من الفحول أو من الشعراء المشهورين، إلا وله صلة بملك أو أكثر من هؤلاء الملوك، حتى لا يكاد يفلت منهم شاعر. أما ملوك الغساسنة، فلهم بعد أولئك الملوك صلة بالشعراء، بل هم دونهم اتصالًا بالشعراء ومرجع ذلك في نظري أن حكم الغساسنة لم يتجاوز بادية الشام وحدود مملكة البيزنطيين، فلم يكن لهم لذلك اتصال بقبائل البادية البعيدة عن منطقة نفوذهم، ولا بقبائل الحجاز ونجد واليمامة والبحرين، فتقلص مجال اتصالهم بالشعراء، ولم يصل إليهم إلا الشعراء من أصحاب الحاجات، الذين كانوا يطوفون البلاد، ويقصدون الموسرين الكرماء أينما كانوا لنيل صلاتهم ثمنا لمدحهم لهم، وإلا الشعراء الذين غضب ملوك الحيرة عليهم، أو لم ينالوا منهم تحقيق مطمع وحل مشكل، أو فك أسير، فجاءوا لذلك إلى الغساسنة خصومهم نكاية بهم، وإلا بالشعراء الذين أغار قومهم على أرض الغساسنة، فوقع نفر منهم في أسرهم، فأرسلهم أهلهم وسطاء ورسلًا عنهم، للتوسل إليهم بفك أسراهم.
ونحن لو ثبتنا أسماء مواطن شعراء الجاهلية على صورة جزيرة العرب نرى أنها كانت في الحجاز ونجد واليمامة، والبحرين والعراق. أما بلاد الشأم فقد كانت فقيرة جدًّا بهم، بل لا نكاد نجد فيها شاعرًا لامع الاسم، ترك أثرًا في الشعر. ويلفت هذا الجدب في الشعر النظر إليه حقًّا، فقد عاشت ببلاد الشأم قبائل كبيرة كان لها شأن كبير في تلك البلاد قبل الإسلام وفي الإسلام، مثل غسان، وبهراء، وكلب، وقضاعة، وتنوخ، وتغلب، وقبائل أخرى لعبت دورًا خطيرًا في الحروب مع عرب الحيرة، وفي مساعدة الروم، كما لعبت دورًا خطيرًا في
стр. 6337
الفتوحات الإسلامية، فقد ساعدت الروم أولًا، ثم انضمت إلى المسلمين في قتالهم مع البيزنطيين، وقبائل هذا شأنها لا يعقل ألا يكون لها شعر وألا ينبغ من بينها شعراء لكثرة عددها ولمنافستها لعرب العراق، ولكون لسانها هذا اللسان العربي الشمالي، فهل كان عند تلك القبائل شعراء، لم يصل اسمهم إلى علماء الشعر، فلم يذكروهم لجهلهم بهم في عداد شعراء الجاهلية؟ فصرنا لذلك لا نعرف من أمرهم شيئًا! أو أنها كانت مجدبة حقًّا لأنها كانت بمنأى عن الشعر والشعراء، لتحضرها وتأثرها بالنصرانية وبثقافة بني إرم، فلم توائم تربتها الشعر، لذلك أجدبت فيه، ولم ينبت فيها شاعر لامع الاسم!
يقول علماء اللغة: والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعد الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
بالجملة، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، لا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطرافها بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يؤخذ من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان، وإياد، لمجاورتهم أهل الشأم، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب١. فالقبائل المذكورة، وإن كانت من القبائل العربية الكبيرة المرموقة، إلا أن إقامتها ببلاد الشام إقامة طويلة ومجاورتها أهل الشأم، وتأثرها بلسانهم، واعتناقها النصرانية، وأخذها ديانتها بالسريانية التي سماها أهل الأخبار العبرانية، وتحضرها وقرارها والتهائها بالزرع والرعي، صيرت كل هذه الأمور ومثالها لسانها عربيًّا مشوبًا برطانة، ولهذا عرفت ب "العرب المستعربة" وب "مستعربة الشأم"، عند المسلمين، حتى صارت تلك الرطانة سببًا لإعراض علماء اللغة عن الاحتجاج بلغتها في شواهد القرآن والشعر على نحو ما رأيت.
وقد يكون لتلك القبائل شعر، غير أن علماء اللغة قاطعوه للسبب المذكور، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك، لعدم ورود إشارة إلى هذه الناحية في كتب أولئك
стр. 6338
العلماء ولا في كتب أهل الأخبار. ثم إني لاحظت أن أخبار فتوح الشأم لا تذكر شيئًا من شعر القبائل المستعربة التي حاربت مع الروم المسلمين، أو التي حاربت مع المسلمين الروم، وحيث إننا نعرف أن من عادة العرب الاستعانة بالشعر والرجز أثناء غزوها وقتالها، لذلك تلفت هذه الملاحظة الأنظار، وتحمل المرء على البحث في سبب وجود هذا الفقر في شعر القتال في فتوح الشأم، بينما نجد شعرًا غزيرًا وافرًا أنتجته قرائح المتقاتلين في حروب العراق نظمه المحاربون المسلمون، ومحاربو القبائل العراقية الوثنية والمنتصرة التي حاربت مع الفرس، أو التي حاربت مع المسلمين أو تلك التي انضمت إلى المسلمين فيما بعد.
وسبب هذا الفقر في نظري، أن قبائل بلاد الشأم، كانت قد تأثرت بلغة وبثقافة أهل الشأم، وبالنصرانية المتأثرة بالسريانية وبالرومية وقد غلبت عليها نزعة الاستقرار، فاستقرت في حواضر حضرية كبيرة مثل دمشق وحمص وحلب، وقنسرين١، وغيرها، وهي حواضر معظم سكانها من السوريين والروم، لا من العرب، وكانت نصرانية، صلواتها بالسريانية، وثقافتها سريانية يونانية فتأثرت بثقافة من عاش بينهم، وانصرفت إلى الزراعة ورعي الماشية، وشابت لهجتها رطانة إرمية، ولم تحفل بالشعر احتفال بقية العرب به. لذلك لم يظهر من بينها شاعر فحل.
أما عرب العراق، فقد كانوا عربًا وأعرابًا، عربهم في قرى عربية، حكامها من العرب ورجال دينها نصارى، ولكنهم نصارى عرب أو مستعربة، علموا العربية في كنائسهم، ونشروا الخط العربي في خارج العراق، وتفقهوا في علوم العربية، وفي جملة هذه العربية الشعر. وأما أعرابهم، فقد كان قوم منهم نصارى والباقون على الشرك وعلى سمة الأعراب منذ وجدوا من الميل إلى الاستقلال وعدم الخضوع لحكم أحد، ومن الاعتزاز بالنفس والتعبير عن الأحاسيس المرهفة بقول الشعر، وأما حكامهم، وهم ملوك الحيرة، فكانوا على سنة كبار سادات القبائل من استقبال الشعراء والاستماع إلى إنشادهم، وتلبية طلباته، وكان من صالحهم اصطناع الشعراء لامتداد ملكهم إلى نجد واليمامة أحيانًا وإلى البحرين وهي من أهم مواطن الشعر في الجاهلية، والشعراء أبواق الدعاية في ذلك العهد، وقد
стр. 6339
كان ملوك الحيرة شعراء، ينظمون الشعر، ولهم اطلاع ووقوف على شعر الشعراء، وكان من اتصل بهم من سادة الحيرة شعراء كذلك، لهم شعر مدوّن في كتب الأدب، وفيه ما قالوه في فتوح المسلمين للعراق، فمن هنا ظهر الشعر في العراق، على حين خمل في بلاد الشأم.
ولم تكن القبائل سواء في الشعر وفي عدد شعرائها، وهذا شيء طبيعي، لا يختلف فيه اثنان. وقد لاحظ ذلك علماء الشعر، فأشاروا إلى أسماء قبائل أنجبت في الشعر وأخصبت في الشعراء، وكان "الجاحظ" الكاتب الذكي ممن لاحظ ذلك، فقال: "وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرًا كلها، ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرًا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء رجازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنهم أهل مدر، وأكالو تمر، لأن الأوس والخزرج كذلك، وهم في اشعر كما قد علمت. وكذلك عبد القيس النازلة قرى البحرين، فقد تعرف أن طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة.
وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبًا وطيبًا، وهم وإن كان شعرهم أقل، فإن ذلك القليل يدل على طبع في الشعر عجيب، وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلة الخصب الشاغل والغنى عن الناس، وإنما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها.
وبنو الحاث بن كعب قبيل شريف، يجرون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات أعراب أهل نجد، ولم يكن لهم في الجاهلية كبير حظ في الشعر. ولهم في الإسلام شعراء مغلقون.
وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرًا لهم من تصبير الشعر في أنفسهم.
وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح قبيلة في الجاهلية، من قريش، كما مُدحت مخزوم، ولم يتهيأ من الشاهد والمثل بالمادح في أحد من العرب، ما تيهأ لبني بدر.
وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما
стр. 6340
من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا لحصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر شعر مذكور"١.
وقال "يونس بن حبيب" الضبي، "ليس في بني أسد إلا خطيب أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس، وليس في هذيل إلا شاعر أو رام أو شديد العدو"٢. وذكر "الجاحظ" أن "عبد القيس" بعد محاربة "إياد" تفرقوا فرقتين، ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين، وهم من أشعر قبيلة في العرب. ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي عدن الفصاحة٣. ولابن سلام رأي في هذا الموضوع إذ يقول: "وبالطائف شعر وليس بالكثير، وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان"٤.
وجاء أن أفصح الشعراء ألسنًا وأعربهم أهل السروات، وهن ثلاث، وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة السراة الوسطى، وقد شركتهم يقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد. أزد شنوءة، وهم بنو الحارث بن كعب بن الحارث بن نضر بن الأزد٥. وذكر أن قبيلة "هذيل" هي في طليعة القبائل عددًا في الشعراء، فقد روى العلماء لأربعين شاعرًا منهم في الجاهلية والإسلام، وهو عدد قياسي بالنسبة إلى عدد الشعراء الذين أنجبتهم القبائل الأخرى٦، وقيل عنها إنها أعرقت في الشعر٧. وروي أن سائلًا سأل "حسان بن ثابت": "من أشعر العرب؟ فقال: "أراحلًا أم حيًّا؟ قيل: بل حيًّا: قال: أشعر الناس هذيل"٨. وكان "الشافعي" يحفظ
стр. 6341
عشرة آلاف بيت من شعر هذيل بإعرابها وغريبها ومعانيها"١. وقد عدت "هذيل" أشعر القبائل في رأي بعض العلماء٢.
وذكر الأخباريون أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم في كل شيء إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت له الشعراء بالشعر أيضًا ولم تنازعها٣. وقالوا: إن قريشًا كانت أقل العرب شعرًا في الجاهلية، فاضطرها ذلك أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام٤.
وروي عن "معاوية" أنه كان يقول: فضل المزنيون الشعراء في الجاهلية والإسلام. وكان يقول: أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وأشعر أهل الإسلام ابنه كعب، و "معن بن أوس". و "معن" شاعر مجيد من مخضرمي الجاهلية والإسلام٥.
فبعض العرب مخصبين في الشعر، وبعضهم أقل خصبًا، وقد رجع "الجاحظ" سبب ذلك إلى الموهبة والطبع، فكما أن النبوغ يتفاوت بين إنسان وإنسان، كذلك يتفاوت الشعر بين قبيلة وقبيلة، ورجع "ابن سلام" ذلك إلى عامل البداوة، والحضارة، فالأعراب متشاجرون مكثرون من الغارات بغزو بعضهم بعضًا، والشعر يكثر بالحروب التي تكون بين الأحياء، أما الحضر، فإنهم لا يميلون إلى الحروب والمعارك، ولذلك يقل شعرهم على رأيه. ولهذا السبب قل شعر قريش لأنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا. فالحرب تهيج العواطف، وتحمل الناس على التحمس لها والدفاع عن أنفسهم وتكديس كل القوى للتغلب على العدو، والشعر من أهم وسائل تسعير نار الحرب.
وقد أشار أهل الأخبار إلى بيوت ذكروا أنها اشتهرت بقول الشعر، وبظهور المعرقين فيها. وضربوا أمثلة عليها ببيت "أبي سلمى". فقد كان شاعرًا واسمه ربيعة، وابنه زهير بن أبي سلمى، وله خؤولة في الشعر: خاله بشامة بن الغدير، وكان كعب وبجير ابنا زهير شاعرين، وجماعة من أبنائهما.
стр. 6342
وضربوا المثل ببيت "حسان بن ثابت"، فقد كان أبوه وجده وأبو جده شعراء، وابنه عبد الرحمن شاعر، وسعيد بن عبد الرحمن شاعر.
ومن البيوت التي عرفت بالشعر: بيت "نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر بن قطن"، ستة ليس يتوالى في بني تميم مثلهم شعرًا، وكذلك بيت "النعمان بن بشير"، وكانت أمه "عمرة بنت رواحة" شاعرة، وخاله "عبد الله بن رواحة" أحد شعراء الرسول١.
ومن بيوتات الشعراء المعرقة في الجاهلية والإسلام، "آل الحارثي"، منهم "عبد يغوث بن الحارث بن وقاص" الحارثي. وكان شاعرًا من شعراء الجاهلية، فارسًا سيد قومه من "بني الحارث بن كعب"، وهو الذي كان قائدهم يوم "الكلاب" الثاني فأسرته "تيم" وقتلته. ومنهم "اللجلاج" الحارثي، وهو طفيل بن زيد بن عبد يغوث، وأخوه "مسهر" فارس شارع، وهو الذي طعن "عامر بن الطفيل" في عينه يوم "فيف الربح". ومنهم ممن أدرك الإسلام "جعفر بن علبة بن ربيعة بن الحارث بن عبد يغوث" وكان شاعرًا صعلوكًا، أخذ في دم فحبس في المدينة ثم قتل صبرًا٢.
وقد تعرض "جرجى زيدان" لموضوع تنقل الشعر في الأقاليم، فقال: "وإذا أحصبت شعراء الجاهلية الذين بلغنا خبرهم بالنظر إلى المواطن، رأيت نحو خمسيهم من نجد، والخمس الثالث من الحجاز، والرابع من اليمن والباقي من العراق، وفئة قليلة من البحرين واليمامة وتهامة"٣، وذلك على اعتبار أن القبائل:
"كندة"، و "أسد"، و "مزينة"، و "عبس"، و "سلم"، و "عامر"، و "طيء"، و "جشم"، و "ضبيعة"، و "سعد"، و "ضبة"، و "جعدة"، و "باهلة"، و "تميم"، و "عكل"، و "بكر"، و "مرة"، و "نبهان"، من قبائل نجد، وأن "ذبيان"، و "هذيل"، و "الأوس"، و "الأزد" من الحجاز، وأن "يشكر"، و "تغلب"، و "العباد"، و "تميم"، و "بكر"، و "إياد"،
стр. 6343
من العراق، وأن "بكرًا"، و "ضبعًا"، من البحرين، وأن "بني ثعلبة" من اليمامة، وأن "فهمًا"، و "مزينة" من تهامة١. وهو تقييم لا يمكن الأخذ به في هذا اليوم، وفيه أخطاء، وقد بني على روايات لأهل الأخبار، تعارضها روايات أخرى لهم، لم يقابلها أو يطابق بعضها ببعض، فوقع لذلك في أوهام.
ونلاحظ أنه سار على رواية أهل الأخبار في تنقل الشعر في القبائل، فجعل "ربيعة" أول من نبغ في الشعر، ثم حوله على قيس فتميم. ثم ظهر اشعر بعد ذلك على رأيه في بطون مدركة من مضر، وهي: هذيل، وقريش، وأسد، وكنانة، والدئل وغيرهم. وكلهم من أهل البادية، وأما أهل المدن، فقلما نبغ بينهم شاعر فحل، وأشعرهم "حسان بن ثابت"٢.
ومن أهم قبائل ربيعة وبطونها: بكر، وتغلب، وعبد القيس، والنمر بن قاسط، ويشكر، وعجل، و "جشم"، وحنيفة، وقيس بن ثعلبة، وضبيعة، وشبيان، وذهل، وسدوس. ومن أشهر شعراء هذه المجموعة المرقشان الأكبر والأصغر، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس، خال طرفة، والأعشى، والمسيب بن علس وآخرون. وقد جعل "زيدان" عددهم "٢١" شاعرًا٣.
وقد نزل بنو قيس بن ثعلبة وبنو حنيفة اليمامة. ومن بطون قيس بن ثعلبة: سعد بن ضبيعة، رهط الأعشى، ومن ديارهم "منفوحة". وكانوا بين الحياة الحضرية والحياة الأعرابية، يرعون الإبل والغنم، إلا أنهم أصحاب نخيل. أما حنيفة، فكانت تزرع وترعى، وقريتهم الكبرى "حجر"، وكانوا يزرعون الحبوب، ويمونون الأعراب ومكة بها. وكانت النصرانية قد وجدت سبيلها بينهم، وقد افتخر "الأعشى" بقومه على "إياد"، لأنهم أصحاب مال، أما "إياد"، فأصحاب زرع ينتظرون حصاد حبهم، وذلك في هجائه لهم بقوله:
стр. 6344
لسنا كمن جعلت إياد دارها ... تكريت تنظر حبها أن يحصدا
جعل الإله طعامنا في مالنا ... رزقا تضمنه لنا أن ينفدا
مثل الهضاب جزارة لسوفنا ... فإذا تراع فإنها لن تطرد
ضمنت لنا أعجازهن قدورنا ... وضروعهن لنا الصريح الأجردا١
وقيس قبيلة كبيرة من بطونها: عبس، وذبيان، وعطفان، وعدوان، وهوازن، وسليم، وثقيف، وعامر بن صعصعة، ونمير، وجعدة، وقشير، وعقيل. وكانت هذه القبائل في نجد وأعالي الحجاز، وقد نبغ فيها جماعة من فحول الشعراء، منهم النابغتان، وزهير بن أبي سلمى، وكعب بن زهير ابنه، ولبيد، والحطيئة، والشماخ، وأخوه "مزرد"، وخداش بن زهير، وعنترة العبسي وغيرهم. وعندهم أن أشعر قيس الملقبون من بني عامر والمنسوبون على أمهاتهم من غطفان٢. وقد جعل "زيدان" عدد شعراء الجاهلية بالنظر إلى القبائل، كانت قيس أكثرها شعراء، تلبها اليمن فرييعة، فمضر فقريش فقضاعة فإياد"٣.
وأما "تميم"، فقبائل كثيرة من مضر، وأشهرها: مازن، ومالك، وسعد، ودارم، وبهدلة، ويربوع، وكعب، ومجاشع، وزرارة. وكانت منازلها في القديم تهامة، ثم نزحت إلى مواضع أخرى من جزيرة العرب، فسكن بعض منها في اليمامة، وبعض في العربية الشرقية، وقسم بنجد، ونزح قوم منهم إلى العراق، وأقاموا في البادية. وقد لعبت تميم شأن القبائل الكبيرة دورًأ خطيرًا في أحداث الجاهلية القريبة من الإسلام. ومن شعرائها: أوس بن حجر٤.
وجعل "زيدان" عدد شعرائها "١٢" شاعرًا٥. ولكنك لو سجلت أسماء الشعراء الذين وردت أسماؤهم في كتب الأدب والتأريخ، لوجدت أن عدد شعراء تميم
стр. 6345
يزيد على العدد المذكور بكثير. فتميم من القبائل المخصبة بالنثر وبالنظم ولكلامها رأي ومقام عند علماء اللغة.
ومن مضر أيضًا: هذيل: وأسد، وكنانة، وقريش، والدئل. وهذيل من القبائل الساكنة في هضاب وجبال غير بعيدة عن مكة، وقد عد لسانها من الألسنة العربية الجيدة، واشتهرت بكثرة شعرها وبجودته، وقد جمعت في دواوين، وعني العلماء بجمعه وبشرحه، وبقيت منه بقية طبعت١.
وأما القبائل التي يرجع النسابون نسبها إلى اليمن، فهي: كندة، وطيئ، والأشعر، وجذام، والأزد، ولخم، ومذحج، ,وخزاعة، وهمدان، وغسان والأوس والخزرج٢. ولبعض منها شعر وشعراء وردت أسماؤهم في ثنايا هذا الكتاب.
أما ميزات لغاتهم وخصائص نحوهم وصرفهم، فلا نعرف عنها غير قليل. لعدم تطرق علماء اللغة إلى هذه الميزات، خلا ما ذكروه من تفردهم في تفسير معاني بعض الألفاظ، مثل "التخوف" بمعنى التنقّص في لغة أزد شنوءة٣.
ولدراسة شعر هذه القبائل، دراسة لغوية مقارنة، أهمية كبيرة بالنسبة للباحث في لغة العرب، إذ يستطيع بها الوقوف على مزاياها ومفارقاتها بالنسبة إلى العربية المعهودة، ومن الوقوف على الروابط اللغوية التي تجمع بين هذه اللغات التي يرجع أهل الأنساب والأخبار أصل المتكلمين بها إلى اليمن.
وأما مجموعة قضاعة، فجهينة، وضجعم، وتنوخ، وكلب٤. وهي مجموعة لم تنجب عددًا كبيرًا من الشعراء، ولم يحفل علماء اللغة بلغتها، إذا لا نجد للهجتها ذكرًا خطيرًا في كتب اللغة، فلم يشيروا إليها في جملة القبائل التي ركنوا إلى الأخذ بلسانها للاستشهاد به في شواهد اللغة والنحو والصرف. ويظهر أن احتكاكها
стр. 6346
بالنبط وبالآراميين وأمثالهم، قد عرض لسانها إلى الأخذ من ألسنتهم وإلى التأثر بهم، حتى بان ذلك عليه، وهذا ما حمل علماء اللغة على عدم الاستشهاد به في جملة الشواهد. وأنا لا أستبعد احتمال وجود خصائص به، ميزته عن العربية القرآنية، بدليل أن أعراب الصفا "الصفاة"، وهم من أعراب بلاد الشأم، كانوا يتكلمون ويكتبون بعربية مباينة لعربيتنا، وقد تكلمت عن عربيتهم في الجزء السابع من كتابي القديم: تأريخ العرب قبل الإسلام، وأرض الصفا هي من مواطن تلك المجموعة.
وذهب "جرجي زيدان"، كما سبق أن قلت، إلى أن قيسًا أكثر القبائل عددًا في شعرائهم، تليها اليمن، فربيعة، فمضر، فقريش، فإياد. وقدر عدد شعراء الجاهلية الذين وصلتنا أخبارهم ب "١٢٥" شاعرًا، وزعهم على هذا النحو: ثلاثين شاعرًا في قيس، وثلاثة وعشرين شاعرًا في اليمن، وواحد وعشرين شاعرًا في ربيعة، وستة عشر شاعرًا في مضر، واثني عشر شاعرًا في تميم، وعشرة شعراء في قريش، وأربعة شعراء في قضاعة، وشاعرين في إياد. وشاعر واحد من أصل غير عربي، أي مولى١.
وقد سمى "أبو الفرج" لمضر سبعة وستين شاعرًا، ولليمن أربعين، وربيعة ثلاثة عشر: وسمى شعراء آخرين، منهم من يتصل بجديس، ومنهم من يتصل بجرهم٢.
نرى مما تقدم أن الشعراء كانوا من مضر، ومن ربيعة، وهما من عدنان، كما كانوا في القبائل القحطانية ويذكر أهل الأخبار أن حظ القبائل المضرية من الشعر، كان أحسن حالًا من حظ ربيعة وقحطان، وأن حظ قبائل كل مجموعة من هذه المجاميع الثلاث كان متفاوتًا، فبينها المكثر، وبينها المقل. ولا نستطيع إرجاع سبب تفوق القبائل المضرية على قبائل ربيعة أو قحطان إلى اللغة، لأننا لا نملك حتى الآن صورة واضحة علمية عن اصل اللغة العربية التي نظم بها الشعر والتي نزل بها القرآن، حتى نستطيع البت بموجبها في موضوع هذا التفوق. وإذا جارينا أهل الأنساب في تقسيمهم العرب إلى عدنانيين وقحطانيين، جاز لنا حينئذ
стр. 6347
القول، بأن شعر القبائل القحطانية قد قل عن شعر عدنان من مضر وربيعة، بسبب استعراب هذه القبائل، أي أخذها لغة العدنانيين لغة لها، وتركها لغتها الأصلية لغة أهل اليمن، بسبب اتصالها بالقبائل العدنانية، فمن ثم قل شعرها بسبب هذا الاستعراب. ولكن ماذ يكون جوابنا عن تخلف ربيعة في الشعر عن مضر، وربيعة أخت مضر، في عرف النسابين، ولغتها مثل لغة مضر؟
والذي أراه، أن البت في مثل هذه المشكلات، هو أمر لا يمكن أن يكون علميًّا في الوقت الحاضر، فقد رأيت أن الأنساب حاصل تكتلات سياسية، وتجمعات قبلية، وأنها لم تكن حاصل نسب بالمعنى المفهوم من لفظة "نسب"، بمعنى الانحدار من صلب والدين، ورأيت أن العرب كانوا يتكلمون قبل الإسلام بلهجات متباينة، حصرناها في مجموعات استنبطناها من الكتابات الجاهلية، ولكننا لا نستطيع أن نقول إنها تشمل كل لهجات العرب، فقد عثر حديثًا على كتابات جديدة لم تدرس بعد دارسة علمية كافية حتى نقول رأينا فيها، وقد يعثر في المستقبل على كتابات أخرى، قد تزيد في عدد ما نعرفه من المجموعات اللغوية العربية الجاهلية، وفي ظروف كهذه يكون من الصعب علينا الموافقة على ما يذهب إليه أهل الأخبار وما يذهب إليه التابعون لهم من المحدثين من تنقل الشعر في القبائل ومن توزع الشعراء بين مضر وربيعة وقحطان. والرأي عندي أن من الواجب علينا في الوقت الحاضر لزوم إجراء مسح عملي دقيق للهجات العرب في جزيرة العرب، بالبحث في كل مكان عن الكتابات الجاهلية وعن كتابات صدر الإسلام، وبدارسة كل ما كتبه علماء اللغة عن اللغات العربية في الكتب المعروفة وفي الكتب التي قد تكون مؤلفة بلهجات أهل العربية الجنوبية أو غيرها في الإسلام، وبدراسة اللهجات الباقية، ولا سيما اللهجات المنعزلة المتميزة بمميزات خاصة، واستنباط مزاياها وعلاقتها باللهجات القديمة، ثم غربلة كل هذه الدراسات لاستخلاص المجاميع اللغوية منها، وتحديد المواضع التي كانت تتكلم بهذه المجموعات، وبذلك نستطيع تكوين رأي عن لغة الشعر، وعن القبائل التي كانت تتكلم بها، وصارت لهجتها لهجة الشعر عند ظهور الإسلام.
وأغلب شعراء الجاهلية من أهل الوبر، أما شعراء أهل المدر فأقل منهم عددًا. ولم يظهر بين شعراء أهل المدر شاعر رفعه علماء الشعر وعشاق الشعر الجاهلي إلى
стр. 6348
مرتبة الشعراء الفحول من رجال الطبقة الأولى١ من طبقات الشعراء الجاهليين. وهم يقدمون شعراء البادية على شعراء الأرياف، ولا سيما شعراء الريف المتصل بالنبط والأعاجم، ولهذه النظرة التي تحمل طابع الغمز في صحة ألسنة عرب الأرياف، تحفظ أكثر علماء العربية في موضوع جواز الاستشهاد بشعر شعراء الحيرة مثلًا، لاتصال أهلها بالنبط ولاختلاطهم بالأعاجم.
стр. 6349
فِهْرِسُ الْجُزْءِ السَّابِعَ عَشَرَ:
الفصل الرابع والأربعون بعد المائة
الإعراب والعربية واللحن ٥
الفصل الخامس والأربعون بعد المائة
النحو ٣٥
الفصل السادس والأربعون بعد المائة
الشعر ٦٢
الفصل السابع والأربعون بعد المائة
حدّ الشعر ١٢٣
стр. 6350
الفصل الثامن والأربعون بعد المائة
القريض والرجز والقصيد ١٦٩
الفصل التاسع والأربعون بعد المائة
العروض ١٩٢
الفصل الخمسون بعد المائة
البصرة والكوفة ٢١٣
الفصل الحادي والخمسون بعد المائة
العصبيَّة والشعر ٢٢٨
الفصل الثاني والخمسون بعد المائة
تدوين الشعر الجاهلي ٢٥٠
стр. 6351
الفصل الثالث والخمسون بعد المائة
أشهر رواة الشعر ٢٧٧
الفصل الرابع والخمسون بعد المائة
تنقيح الشعر والدواوين ٣٢٨
الفصل الخامس والخمسون بعد المائة
الشعر المصنوع ٣٥٥
الفصل السادس والخمسون بعد المائة
أولية الشعر الجاهلي ٤٠٦
الفهرست ٤٣٩
стр. 6352
المجلد الثامن عشر
الفصل السابع والخمسون بعد المئة: أوائل الشعراء
...
الفصل السابع والخمسون بعد المائة: أوائل الشعراء
يقول علماء الشعر: "لم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة"١. ثم تزايد عدد الأبيات وتنوعت طرق الشعراء في نظم الشعر، بتقدم الزمان، وبازدياد الخبرة والمران، وبتقدم الفكر، فظهرت القصائد المقصدة الطويلة، التي توّجت بالمعلقات. قال الأصمعي: "أول من يروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتًا من الشعر مهلهل، ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم ضمرة، رجل من بني كنانة، والأضبط بن قريع". فهؤلاء هم أوائل الشعراء الجاهليين في نظر "الأصمعي"، ممن نظم كلمة بلغ عدد أبياتها ثلاثين بيتًا فما بعدها. "وقال ابن خالويه في كتاب ليس: أول من قال الشعر ابن خدام"٢.
وذكر بعض العلماء أن القصائد إنما قصدت، والشعر إنما طول في عهد "عبد المطلب" أو "هاشم بن عبد مناف"، وذلك يدل على إسقاط عاد وثمود وحمير وتبع٣. ولم يذكروا اسم أول من قصد القصائد وطوّل الشعر، ولكن رأي معظم علماء الشعر أن المهلهل هو أول من قصد القصائد وأول من قال كلمة تبلغ
стр. 6353
ثلاثين بيتًا من الشعر. وزعم بعضهم أن "الأفوه الأودي" أقدم من المهلهل، وهو أول من قصد القصيد١. وإذا ذهبنا مذهب من يقول إن القصائد إنما ظهرت في أيام "عبد المطلب" أو "هاشم"، فيكون ذلك قبل الهجرة بمائة سنة على الأكثر١.
وزعمت بكر بن وائل أن أول من قال الشعر وقصد القصيد، هو "عمرو بن قميئة"، وكان في عصر "مهلهل بن ربيعة"، وعمر حتى جاوز التسعين. وكان "امرؤ القيس"، قد استصحبه لمّا شخص إلى قيصر، فمات في سفره ذلك٣.
وذكر "ابن قتيبة" أن من قديم الشعر قول "دُويد بن نهد القضاعي":
اليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدا كفيته ... يا رب نهب صالح حويته
وربّ عبل خشن لويته
وذكر من بعده اسم: "أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان"، ثم الحارث بن كعب٤.
ولم يكن المذكورون أول من قصد القصيد، وتفنن في أبواب الشعر، وإنما هم أقدم من وصل اسمه إلى مسامع علماء الشعر، فصاروا من ثم أقدم شعراء الجاهلية. وقد نسب إلى "زهير بن أبي سلمى" قوله:
ما أرانا نقول إلا مُعارا ... أو معادًا من قولنا مكرورا
وإذا صح أن هذا البيت هو من شعره حقًّا، دلّ على اعتقاد الشاعر ومن كان في أيامه بقدم الشعر، وبتقدمه وبتطوره، وبتفنن الشعراء الذين عاشوا قبله، في طرق الشعر وذهابهم فيه كل مذهب، حتى صار من جاء بعدهم من الشعراء عالة عليهم فلا يقول إلا معارًا، أو معادًا من الشعر مكرورًا. وإلى هذا المعنى ذهب "عنترة" في قوله:
стр. 6354
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
فقد سبق الشعراء "عنترة" في قول الشعر، وفي الإبداع والتفنن به، حتى لم يتركوا له شيئًا جديدًا ليقوله.
ونجد الشاعر "لبيدًا"، يشير في شعره إلى الشعراء الذين تقدموا عليه، ويقول عنهم إنهم سلكوا طريق مرقش ومهلهل، حيث يقول:
والشاعرون الناطقون أراهم ... سلكوا طريق مرقش ومهلهل١
ولقد تعرض "الفرزدق" في قصيد له إلى من تقدم عليه من الشعراء فقال:
وهب القصائدَ لي النوابغُ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرولُ
والفحل علقمةُ الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
وأخو بني قيسٍ وهن قَتَلْنَهُ ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثل
وأخو بني أسد عبيدٌ إذ مضى ... وأبو دُؤاد قوله يتنخل
وابنا أبي سُلْمى زهيرٌ وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول
والجعفريُّ وكان بشر قبله ... لي من قصائده الكتابُ المجمل
ولقد ورثتُ لآل أوسٍ منطقًا ... كالسّمّ خالط جانبيه الحنظل
والحارثي أخو الحماس ورثته ... صَدْعا كما صدع الصّفاة المعول٢
فهؤلاء هم من أقدم الشعراء العرب الذين وصل خبرهم إلينا على وفق هذه الأخبار والروايات. وهم ونفر آخر من أمثالهم قد عاشوا في أيام لا نستطيع أن نبتعد بها عن الإسلام بأكثر من قرن أو قرن ونصف قرن. وقد عسر على الذاكرة حفظ شيء عن أخبارهم وأيامهم، فلم تذكر عنهم غير أسمائهم وغير شيء يسير جدًّا عنهم، وخلا أبيات، لا ندري أهي من نظمهم حقًّا، أم هي من نظم
стр. 6355
من تحدث عنهم! وعلى موجب روايات أهل الأخبار تكون تلك الأبيات أقدم ما عندنا من شعر عربي.
وقد ولع بعض المحدثين بوضع سنين لتثبيت سنين مواليد ووفيات الشعراء، واكتفى بعضهم بوضع سنين لوفياتهم، وفعلهم هذا لا يستند إلى أساس علمي، لأننا لا نملك أدلة مقبولة صحيحة، تخولنا حتى وضع مثل هذه الأرقام، ثم إن في الكثير من هذا المروي عن حياة الشعراء ما هو غير صحيح، ولهذا فليس من المعقول أبدًا، وضع سنين لتحديد مواليد ووفيات أولئك الشعراء، والشيء الوحيد الذي نستطيع فعله هذا اليوم هو أن نشير إلى زمان من عاصروهم من الملوك كملوك الحيرة والغساسنة، فنحن على شيء من العلم بأوقات حكمهم، وأن نربط بين أيامهم وبين الحوادث الجسام التي أدركوها أو ساهموا فيها.
ونحن لا نستطيع ترتيب الشعراء ترتيبًا زمنيًّا يستند على سنوات الوفيات، فنقدم شاعرا على شاعر آخر استنادا إلى سنة الوفاة، لأننا لا نملك نصوصا فيها سني الوفاة. ثم إن حياة أقدم شاعر جاهلي لا يمكن أن تتجاوز المائة والخمسين سنة عن الإسلام على أكثر تقدير، وإن أكثرهم قد كانوا متعاصرين، وإن بين حياة الشاعر القديم منهم، وبين الشاعر المتأخر، فترات غير طويلة، تتطاول على العشرة سنين أو العشرين، وهي أزمنة لا تعد شيئًا بالنسبة إلى تأريخ هذا الشعر القصير الأجل.
ويجب ألا تخدعنا بعض العبارات التي نقرأها في كتب الأدب مثل قولهم: "وهو شاعر جاهلي قديم"، أو "هو شاعر قديم"، أو "هما قديمان"١، أو "وهو جاهلي قديم"٢، وأمثال ذلك من تعابير تشير إلى قدم الشاعر أو الشعراء، فنأخذها على الصحة، ونقول بقدم الشاعر، أو الشاعرين، أو الشعراء، فإن أكثر من ذكر أهل الأخبار أنهم من الشعراء القدماء، هم من الذين كانوا في أيام حكم الملك "عمرو بن هند"، وقد كان حكم هذا الملك فيما بين السنة "٥٥٤" والسنة "٥٦٩" للميلاد. وإذا ما تذكرنا أن ميلاد الرسول كان في سنة "٥٧٠" أو "٥٧١" للميلاد، عرفنا إذن أي قدم هو هذا القدم الذي توهموه
стр. 6356
خذ ما قاله "ابن قتيبة" مثلا عن "زهير بن جناب" سيد "كلب" وهو في نظره من الشعراء المعمرين، تراه يقول: "وهو جاهلي قديم. ولما قدمت الحبشة تريد هدم البيت خرج زهير فلقي ملكهم، فأكرمه ووجهه إلى ناحية العراق يدعوهم إلى الدخول في طاعته ... "١. ولو جاريناه وأخذنا بصحة الخبر المزعوم، نكون قد جعلناه حيًّا في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، فقدوم الحبشة تريد هدم البيت، كان في عام الفيل، أي سنة "٥٧٠" أو "٥٧١" للميلاد، أي العام الذي ولد فيه الرسول، فهل يعد "زهير بن جناب" إذن "جاهلي قديم"؟ وقد أدرك على حد قول "ابن قتيبة" ميلاد الرسول؟ ثم خذ ما قاله عن "ابني خذاق"، تراه يقول: "وهما قديمان، كانا في زمن عمرو بن هند"٢، ثم خذ ما قاله عن "سلامة بن جندل"، إذ قال عنه: "جاهلي قديم"، وجعل أيامه في عهد "عمرو بن هند"٣، وقد عرفنا أيام حكم "عمرو بن هند".
ثم خذ ما قاله عن "عبيد بن الأبرص"، تراه يقول: "وكان عبيد شاعرًا جاهليًّا قديمًا من المعمرين، وشهد مقتل حجر أبي امرئ القيس"٤، أو خذ ما ذكره عن "عمرو بن قميئة"، حيث يقول: "وهو قديم جاهلي، كان مع حجر أبي امرئ القيس"٥، بل خذ ما ذكره عن "امرئ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية" المعروف بـ "ابن حمام" أو "ابن حزام"، أو "ابن خذام"، الذي يقول عنه الشعراء إنه أول من بكى الديار عند العرب، وأنه عاش قبل امرئ القيس٦، ترى أهل الأخبار يذكرون أنه كان معاصرا للشاعر "المهلهل"٧، خال "امرئ القيس" الكندي. وإذا علمنا أن حكم ملوك كندة للحيرة، كان ما بين السنة "٥٢٥" والسنة "٥٢٨" للميلاد، وأن وفاة "الحارث" والد "حجر" والد "امرئ القيس" الشاعر الكندي، أي
стр. 6357
جد الشاعر، قد كانت في سنة "٥٢٨" للميلاد، وأن قتل "حجر" قد وقع بعده، استطعنا الحكم بأن أولئك الشعراء المذكورين قد عاشوا في النصف الأول من القرن السادس للميلاد، وأن حياة أقدم واحد منهم، لا يمكن أن تتجاوز قرنًا واحدًا قبل الإسلام، مهما بالغنا في التقدير.
وأما ما زعمه أهل الأخبار عن بعض أولئك الشعراء، من أنهم كانوا من المعمرين، وأن منهم من عمّر أكثر من ثلاثمائة سنة، وأن المعمر في نظرهم لا يعدّ معمرًا إلا إذا زاد عمره على المائة والعشرين عامًا، فأترك أمر تصديقه إلى القارئ، إن شاء أخذ به، متمنيًا له أيضًا عمر المعمرين وزيادة، وإن شاء رفضه، أما أنا، فلست من حزب الذين يعتقدون برأي أهل الأخبار في العمر وفي المعمرين، ولا أريد أبدًا أن أكون من أولئك المعمرين.
وقد قسم "محمد بن سلام" الجمحي المتوفى سنة "٢٣٢" الشعراء إلى طبقات، ضمت كل طبقة جماعة من الشعراء، رأى أن بينها تشابهًا وتقاربًا فجمعهم لذلك في طبقة واحدة، أما "ابن قتيبة" فقد بدأ بأوائل الشعراء، وهم: "دويد بن نهد" القضاعي، ثم "أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان"، ثم "الحارث بن كعب"، وقد تحدث عنهم حديثا قصيرًا جدًّا، ثم تكلم عن بقية الشعراء وعلى رأسهم "امرؤ القيس" فزهير بن أبي سلمى، ولم يسر في كتابه على طريقة "ابن سلام" في عرضه الشعراء على طبقات، كما لم يسر على الترتيب الأبجدي لأسماء الشعراء أو على شهرتهم أو كناهم، كما سار غيره في مؤلفاتهم عن الشعراء.
وقد سار "جرجي زيدان" على مبدأ تقسيم الشعراء على وفق الأغراض التي نظموا شعرهم بها والتي غلبت طبائعهم عليها. فجعلهم: أصحاب المعلقات، وعددهم "١٠"، والشعراء الأمراء، وجمعهم في "١٤" رجلًا، والشعراء الفرسان، ومجموعهم "٢٨"، والشعراء الحكماء، وحاصلهم "٤"، والشعراء العشاق وعددهم "٨"، والشعراء الصعاليك وهم "٧"، والمغنون، وهم "١"، والنساء الشواعر، وعددهن "٤"، والوصافون للخيل، وعددهم "٤" والموالي، وعددهم "١"، وسائر الشعراء ومجموعهم "٢٦"، ومجموع الجميع "١٢١" شاعرا١.
стр. 6358
وقسم "كارلو نالينو" الشعراء الجاهليين إلى أربعة أصناف: الصنف الأول ما نسجه أهل البادية أو من تقرب منهم سواء كانوا وثنيين أم يهود من شعر، الثاني: أشعار الوثنيين الذين قصدوا ملوك الحيرة وبني غسان وجالسوهم، الثالث: أشعار النصارى بالحيرة أو في مملكة بني غسان، الرابع: أشعار أهل الحضر الوثنيين في مدن الحجاز١. وقد أدخل في الصنف الأول: تأبط شرًّا والشنفرى وأمثالهم، لأنهم رجال بادية عوائدهم أقرب للهمجية المحضة منها لأحوال أهل بلد ذات نظام اجتماعي، فسُمّوا "أولئك الرجال" الصعاليك٢، وأدخل في هذا الصنف أيضًا أصحاب المعلقات، وحاتم الطائي، وعروة بن الورد، والأفوه الأودي، ودريد بن الصمة٣. وأدخل في الصنف الثاني "زهير بن جناب" الكلبي، وطرفة بن العبد، وهو من أصحاب المعلقات، وأوس بن حجر، وبقية من كان لهم اتصال بملوك الحيرة والغساسنة٤، وأدخل في الصنف الثالث: أبو دؤاد الإيادي، وعدي بن زيد العبادي، وأدخل في الصنف الرابع قيس بن الخطيم، وأمية بن أبي الصلت٥.
وأقدم من ذكرهم علماء الشعر من شعراء أهل الجاهلية: دويد بن نهد القضاعي، وأعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، والحارث بن كعب٦، والعنبر بن عمرو بن تميم، والمستوغر بن ربيعة بن كعب بن نهد، وزهير بن جناب الكلبي، وجذيمة الأبرش، ولجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وابن حذام٧، والأفوه الأودي، وذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، وضمرة، رجل من كنانة، والأضبط بن قريع. وقيل: "أول من قال الشعر ابن حذام"٨.
ولهؤلاء البيت والبيتان والأبيات، ولم ترد لهم قصائد، لأن أول من قصد القصائد، ووضع القصيد هو المهلهل، على ما يزعمه أهل الأخبار.
стр. 6359
وقد قدم "ابن قتيبة" "دويد بن نهد" القضاعي على سائر الشعراء، وقال: "لم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة. فمن قديم الشعر قول دويد بن نهد القضاعي:
اليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدًا كفيته ... يا رب نهب صالح حويته
ورب عبل خشن لويته١
وقال بعد ذلك: وقال الآخر:
ألقي علي الدهر رجلًا ويدا ... والدهر ما أصلح يومًا أفسدا
يصلحه اليوم ويفسده غدا٢
وهو رجز نسبه "ابن سلام" وغيره لدويد نفسه٣.
وزعم أهل الأخبار أنه لما حضرته الوفاة، جمع آله، وقال يوصيهم: "أوصيكم بالناس شرًّا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوهم عثرة، قصّروا الأعنة وطوّلوا الأسنة، واطعنوا شزرًا، واضربوا هبرًا.." إلى آخر وصيته، ثم قال:
اليوم يبنى لدويد بيته ... يا رب نهب صالح حويته
ورب قرن بطل أرديته ... ورب غيل حسن لويته
ومعصم مخضب ثنيته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدا كفيته٤
стр. 6360
وهو كلام يشعرك أنه نص لوصية الشاعر، ضبط ضبطًا، يشعرك أن ضابطه كان حاضرا إذ ذاك، وأنه سجله سجل المسجل للصوت، حتى وصل إلينا أصيلًا كاملًا لا تغيير فيه ولا تحوير، أما رأيي فيه، فهو أنه من هذه النصوص الكثيرة التي وضعها أهل الأخبار على ألسنة المتقدمين عليهم، والتي لا يمكن أن يركن إليها، ولا أن يؤخذ بها، ومن في استطاعته إثبات أنه نص أصيل، وليس لديه دليل قطعي يثبت تلك الإصالة.
ومن قدماء الشعراء: "أعصر بن سعد بن قيس عيلان"، وهو "منبه بن سعد" أبو باهلة وغني والطفاوة. وهو القائل:
قالت عميرة ما لرأسك بعدما ... نفد الزمان أتى بلون منكر
أعمير إن أباك شيَّب رأسه ... كره الغداة واختلاف الأعصر١
وذكر "ابن قتيبة" بعد "أعصر" اسم "الحارث بن كعب" وقال عنه: "وكان قديمًا"، وروى له هذه الأبيات:
أكلت شبابي فأفنيته ... وأفنيت بعد شهور شهورا
ثلاثة أهلين صاحبتُهم ... فبانوا وأصبحت شيخًا كبيرًا
قليل الطعام عسير القيا ... م قد ترك القيد خَطوي قصيرا
أبيت أراعي نجوم السماء ... أقلب أمري بطونا ظهورا٢
والحارث بن كعب، هو "الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد" المذحجي، وهو من المعمرين، وقد نسبوا له وصية زعموا أنه لما حضرته الوفاة، جمع ولده، فخطبهم يوصيهم، وكان مما جاء فيها أنه على دين "شعيب" النبي، "وما عليه أحد من العرب غيري"، وغير "أسد بن
стр. 6361
خزيمة" و"تميم بن مرة"، ثم أوصاهم بوصية، على الطريقة المألوفة التي نراها في الوصايا التي تنسب في العادة إلى المعمرين، ثم ختمها بإنشاده الأبيات المذكورة١.
"والمستوغر بن ربيعة بن كعب بن نهد"، من قدماء المعمرين، بقي بقاء طويلًا حتى قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وازددت من عدد السنين مئينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي ... وازددت من عدد الشهور سنينا٢
وذكر "ابن دريد" أن "المستوغر" عاش ثلاثماية وعشرين سنة، ولقّب "المستوغر" لقوله:
ينش الماء في الرّبلاتِ منها ... نشيش الرضف في اللبن الوغير٣
وذكر أنه أدرك الإسلام، أو كاد يدرك أوله. ونسبوا له قوله:
إذا ما المرءُ صمَّ فلم يكلّم ... وأودى سمعه إلا ندايا
ولاعب بالعشيّ بني بنيه ... كفعل الهرّ يحترش العَظايا
يلاعبهم وودّوا لو سقوه ... من الذيفان مترعةً ملايا
فلا ذاق النعيمَ ولا شرابًا ... ولا يشفي من المرض الشفايا٤
وزعم "أن المستوغر مرّ مرة بعكاظ يقود ابن ابنه خرفًا، فقال له رجل:
стр. 6362
يا عبد الله أحسن إليه، فطالما أحسنَ إليك! قال: أوتدري من هو؟ قال: نعم هو أبوك أو جدك، قال: هو والله ابن ابني! قال الرجل: لم أرَ كاليوم في الكذب ولا مستوغر بن ربيعة!! قال: فأنا المستوغر بن ربيعة". "قال أبو عمرو بن العلاء: عاش المستوغر ثلاثمائة سنة وعشرين سنة"١.
وقد ذكره "ابن حجر" في الصحابة، وقال عنه: "المستوعز، بعين مهملة ثم زاي، ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم السعدي، أبو بيهس، واسمه عمرو، والمستوعز لقب". وكان من فرسان العرب في الجاهلية، وقال "المرزباني" إنه عاش في أيام معاوية، ويقال مات في صدر الإسلام٢. والأغلب أن وفاته كانت قبل الإسلام، وأنه لا يمكن لذلك عده في الصحابة.
والأفوه الأودي، هو "صلاءة بن عمرو بن مالك" من "مذحج"، ومذحج من اليمن، فهو من اليمانيين، وكان من سادات قومه وقائدهم في حروبهم، وكانوا يصدرون عن رأيه، والعرب تعده من حكمائها، بما اشتمل عليه شعره من الحكمة٣. وقد اشتهر بقصيدته:
فينا معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومُهم ما أفسدوا عادوا
لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم ... فالجهل منهم معًا والغيّ ميعاد
أضحوا كقيل بن عمرو في عشيرته ... إذ أهلكت بالذي سدّى لها عاد
أو بعده كقدارٍ حين تابعه ... على الغواية أقوامٌ فقد بادوا
والبيت لا يُبتنى إلا له عمدٌ ... ولا عماد إذ لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتادٌ وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
وإن تجمع أقوام ذوو حسب ... اصطاد أمرهم بالرشد مصطاد
لا يصلح الناسُ فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تبقي الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد
стр. 6363
إذا تولى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
أمارة الغي أن يُلقى الجميع لذي ... الإبرام للأمر والأذناب أكتاد
حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا ... فيهم صلاح لمرتاد وإرشاد
فسوف أجعل بُعد الأرض دونكم ... وإن دنت رحمٌ منكم وميلاد
إن النجاء إذا ما كنت ذا نفر ... من أجّة الغيّ إبعادٌ فإبعاد
فالخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلما زاد
وقد رويت بعض الأبيات بصور مختلفة. فلابن دريد قراءة، ولأبي بكر بن الأنباري قراءة. وقد نص "القالي" على القراءتين١ ومن أبياتها:
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفرٍ ... لهم عن الرشد أغلال وأقياد
أعطوا غواتهم جهلًا مقادتهم ... فكلهم في حبال الغي منقاد٢
وله قصيدة تعد من جيد شعره، أولها:
إن ترى رأسي فيه نزعٌ ... وشواي خلّة فيها دُوار
إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
ولياليه إلالٌ للقوى ... ومدى قد تجتليها وشفار
وصروف الدهر في إطباقه ... خلفةٌ فيها ارتفاع وانحدار
بينما الناس على عليائها ... إذ هَوَوا في هوة منها فغاروا
حَتَم الدهر علينا أنه ... ظلفٌ ما نال منا وجبار٣
وهو القائل:
والمرءُ ما يُصلح له ليلةٌ ... بالسعد تُفْسُدُهُ ليالي النحوس
والخير لا يأتي ابتغاء به ... والشر لا يفنيه ضرح الشموس٤
стр. 6364
وله ديوان مطبوع١.
وذكر أن النبي نهى عن إنشاد قصيدة الأفوه:
إن ترى رأسي فيه نزع ... وشواي خلة فيها دوار
وذلك لورود ذم فيها لبني هاجر مثل قوله:
يا بني هاجر ساءت خطة ... أن تروموا النصف منا ونجار
إن يجل مُهرى منكم جولة ... فعليه الكر فيكم والغوار
نحن أود ولأود سنة ... شرف ليس لنا عنها قصار
سنة أورثناها مذحج ... قبل أن ينسب للناس نزار٢
وهي قصيدة يمانية، فيها تعصب ليمن، وتهجم على "نزار" أبناء هاجر، أي العدنانيين، ولهذا ذكر الرواة أن النبي نهى عن روايتها، وهي من موضوعات الصراع القحطاني النزاري المعروف، أرادت النزارية طمسها، فروت أن النبي نهى عن روايتها، والنهي والقصيدة -في نظري- من المصنوعات التي ظهرت بعد وفاة النبي، وأسلوب نظم القصيدة يتجسس على أصالتها، يتحدث أنه من النظم الإسلامي.
وأورد "المعري" له هذا البيت:
كشهاب القذف يرميكم به ... فارس في كفه للحرب نار
وهو بيت من "رائيته" التي يعدونها من أجود الشعر العربي٣.
وهي قصيدة يقول عنها "الجاحظ": "وما وجدنا أحدًا من الرواة يشك في أن القصيدة مصنوعة"٤. ونظرًا لإشارة "الجاحظ" إليها، فإن صنعها يجب
стр. 6365
أن يكون قبل أيامه، في الإسلام على أثر ظهور العصبية النزارية في أيام الأمويين، فوضعها أحدهم على لسان الأفوه في التعريض بالنزاريين.
ونسب "الجاحظ" له قوله:
أضحت قُرينةُ قد تغير بشرها ... وتجهّمت بتحية القوم العدا
ألوت بإصبعها وقالت إنما ... يكفيك مما لا ترى ما قد ترى١
كما نسب له قوله:
تهنا لثعلبة بن قيس جفنة ... يأوي إليها في الشتاء الجوع
ومذانب لا تستعار وخيمة ... سوداء عيب نسيجها لا يرفع
وكأنما فيها المذانب حلقة ... وذم الدلاء على دلوج تنزع٢
وقد نسبت إليه أبيات ورد فيها ذكر "التبابعة والمثامنة وأولاد نوح: سام وحام ويافث"، هي:
فلو دام الخلود إذن جدودي ... وأسلافي بنو قحطان داموا
ودام لهم تبابعهم ملوكا ... ولم تمت المثامنة الكرام
وعاش الملك ذو الأذعار عمرو ... وعمرو حوله اللجب اللهام
وخلد ذو المنار وما تردى ... أبوه الرائش الملك الهمام
ملوك أدت الدنيا إليها ... إتاوتها ودان لها الأنام
ولما يعصها سام وحام ... ويافث حيث ما حلت ولام٣
ونسبت إليه أبيات في مدح "مذحج"، وفي الإشادة بكرمها، أولها:
نعظم النار إذ النار التي ... شبّها عنس خبت أو صعصعة٤
والشعر المتقدم من الشعر المصنوع ولا شك، وضعه قوم من المتعصبين للقحطانية على النزاريين، أي العدنانيين.
стр. 6366
ومن الشعراء القدماء: "زهير بن جناب" الكلبي، سيد بني كلب وقائدهم، وكان شجاعًا مظفرًا ميمون النقيبة في غزواته١. ذكر أنه لما قدمت الحبشة تريد هدم البيت خرج "زهير" فلقي ملكهم، فأكرمه ووجهه ناحية العراق يدعوهم إلى الدخول في طاعته، فلما صار في أرض "بكر بن وائل" لقيه رجل منهم فطعنه، لكنه نجا وفر هاربًا، وعمر طويلًا. وقد مات منتحرًا. شرب الخمر صرفًا حتى قتلته. وفي الشعر المنسوب إليه ما يشك بصحة نسبته إليه. وقد ذكر أنه كان في أيام "داود بن هُبالة"، الذي كان أول ملك للعرب في بلاد الشام، فغلبه ملك الروم على ملكه، فصالحه داود على أن يقره في منازله ويدعه فيكون تحت يده، ففعل. فكان يغير بمن معه، ثم تنصر وكره الدماء وبنى ديرًا، سمي "دير اللثق"، وأنزله الرهبان، ثم إن ملك الروم طلب منه أن يغزو بمن معه من العرب، ففعل وكان معه في جيشه زهير بن جناب. فقتل زهير بن جناب "هداج بن مالك" سيد عبد القيس، فتواعد رجلان من قضاعة على قتل "داود"، وكان إذا سار ليلًا، سار وأمامه شمعة، فقتلاه٢.
"قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتي وقعة، وكان سيدًا مطاعًا شريفًا في قومه، ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم -والطب في ذلك الزمان شرف- وحازي قومه -والحزاة الكهان- وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد منهم.
ونسبوا له وصية، ذكروا أنه أوصى بها بنيه حين حضرته الوفاة، وذلك على طريقتهم عند تحدثهم عن المعمرين.
وقد أورد أهل الاخبار له شعرًا، في العمر وفي النساء وفي مخاطبة أولاده١. وقد نسبوا له هذا الشعر:
стр. 6367
لقد عُمّرت حتى لاأبالي ... أحتفي في صباحي أو مسائي
وحق لمن أتت مائتان عاما ... عليه أن يمل من الثواء
شهدت الموقدين على خزاري ... وبالسلان جمعا ذا زهاء
ونادمت الملوك من آل عمرو ... وبعدهم بني ماء السماء١
ومن جيد شعره قوله:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه عواقب ما جنى
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وهو شعر نسبه "ابن قتيبة" إليه، غير أن من العلماء من نسبه لورقة بن نوفل، ومنهم من نسبه لغريض اليهودي، وقيل لابنه "سعية"، ومنهم من نسبه لشعراء آخرين٢.
أما المهلهل، فهو امرؤ القيس بن ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير بن جشم، وإنما سمي مهلهلا لبيت قاله لزهير بن جناب الكلبي:
لما توعر في الكراع هجينهم ... هلهلت أثأر جابرا أو صنبلا
وقيل إن اسمه كان عديًّا، وقد ذكره "امرؤ القيس" في شعره٣. ولقب مهلهلا لطيب شعره ورقته، أو لأنه أول من أرق المراثي، أو لأنه أول من قصد القصائد، وقال الغزل، فقيل: هلهل الشعر أي أرقه٤. وفيه يقول الفرزدق:
стр. 6368
ومهلهل الشعراء ذاك الأول١
وزعم أنه كان به خنث. وهو أخو "كليب وائل" الذي هاجت بمقتله حرب بكر وتغلب. وهو جدّ "عمرو بن كلثوم"، أبو أمه "ليلى"، وخال امرئ القيس الشاعر٣.
وقد تطرق "المعري" في "رسالة الغفران" إلى سبب اشتهار "المهلهل" بهذا النعت، فجعل أحد الأشخاص يسأله: "أخبرني لم سميت مهلهلا؟ فقد قيل: إنك سميت بذلك، لأنك أول من هلهل الشعر، أي رققه".
فيقول: إن الكذب لكثير. وإنما كان لي أخ يقال له امرؤ القيس، فأغار علينا زهير بن جناب الكلبي، فتبعه أخي في زرافة من قومه، فقال في ذلك:
لما توقل في الكراع هجينهم ... هلهلت أثأر مالكا أو صنبلا
وكأنه باز علته كبرة ... يهدي بشكته الرعيل الأولا٤
وقد أورد "المعري" له بيتا، هو أول بيت من قصيدة تنسب إليه، هو:
أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذنائب طال ليل ... فقد أبكي من الليل القصير٥
وأورد له بيتًا آخر هو:
أرعدوا ساعة الهياج وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا
وذكر أن "الأصمعي" كان ينكره ويقول: إنه مولد. وكان أبو زيد
стр. 6369
يستشهد به ويثبته١.
"وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزًا وقطعًا، وأنه إنما قصد على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة ونيف وخمسون سنة. ذكر ذلك الجمحي وغيره"٢.
وقيل إنه كان أول شاعر بلغت قصائده ثلاثون بيتًا من الشعر، فاحتذى من جاء بعده حذوه. وأن أول قصيدة قالها كانت في قتل أخيه كليب٣. وأنه كان أول من كذب في شعره، بقوله:
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
ويذكرون أن هذا البيت هو من أول كذب العرب، وكانت العرب قبل ذلك لا تكذب في أشعارها، وكان بين الموضع الذي كانت فيه هذه الواقعة وهي بالجزيرة وبين حجر وهي قصبة اليمامة مسافة بعيدة، فأخرجه هذا الشاعر بقوة منّته ونفاذ فطنته إلى معنى أخر مستظرف في بابه٤. وقد اتهمه البعض بأنه كان يتكثر ويدعي قوله بأكثر من فعله٥.
وزعم أنه أحد البغاة، لقوله:
قل لبني حصن يردونه ... أو يصبروا للصيلم الخَنْفَقيق
من شاء دلى النفس في هوة ... ضنكٍ ولكن من له بالمضيق٦
أمرهم أن يردّوا كليبا وقد قتل، وأعلمهم أنه لا يرضى بشيء غير ذلك.
стр. 6370
وهو أحد أصحاب المنتقيات السبع، المدونة في كتاب: "جمهرة أشعار العرب".
وقد ذكره "لبيد" في شعره، فجعله و "مرقشا" من الشعراء الذين مهدوا السبيل لمن جاء بعدهم في نظم الشعر، فالشاعرون الناطقون الذين جاءوا بعدهما إنما سلكوا دروبهما في نظم الشعر:
والشاعرون الناطقون أراهم ... سلكوا سبيل مرقش ومهلهل١
وكان مهلهل القائم بالحرب ورئيس تغلب، فلما كان يوم قضة، وهو آخر أيامهم، وكان على تغلب، أسر "الحارث بن عبّاد" مهلهلا وهو لا يعرفه، فقال له الحارث: تدلني على عدي بن ربيعة المهلهل وأنت آمن؟ فقال له "المهلهل": إن دللتك على عدي فأنا آمن ولي دمي؟ قال: الحارث: نعم، قال: فأنا عدي١ فجز ناصيته وخلاه، وقال: لم أعرف. وفي ذلك يقول الحارث بن عباد:
لهف نفسي على عدي ... ولم أعرف عديا إذ أمكنتني اليدان
طُلَّ من طُلَّ في الحرب ولم ... يطلل قتيل أبأته ابن أبان٢
ثم خرج "مهلهل" فلحق باليمن، فنزل في "جنب"٣، فخطب إليه رجل منهم ابنته، فقال: إني طريد غريب فيكم، ومتى أنكحتكم قال الناس اعتسروه، فأكرهوه حتى زوجها، وكان المهر أدما، فقال:
أنكحَهَا فَقْدُها الأراقمَ في ... جنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... رُمل ما أنف خاطبٍ بدم
ثم انحدر، فلقيه "عوف بن مالك بن ضبيعة"، وهو أبو أسماء صاحبة
стр. 6371
المرقش الأكبر، فأسره فمات في إساره١. وللأخباريين قصص عن كيفية موته٢.
ونسبوا له قصيدة رثى بها أخاه كليبًا، بقوله:
أليلتنا بذي حُسُمٍ أنيري ... إذا أنتِ انقضيتِ فلا تحوري
وفيها:
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا رجف العضاة من الدبور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلًا من كليب ... غداة تلاتل الأمر الكبير
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما خام جار المستجير٣
وأورد المرتضى "مرثية" لليلى الأخيلية رثت فيها: ثوبة بن الحمير، لها أسلوب خاص في الرثاء، حيث ترد جملة: "لنعم الفتى" و"نعم الفتى" في أوائل أربعة أبيات من القصيدة، تلتها "لعمري لأنت المرء أبكي لفقده" أربع مرات مكونة الأنصاف الأولى من الأبيات، ثم "أبى لك ذم الناس يا ثوب كلما" مرتين، ثم: "فلا يبعدنك الله يا ثوب إنما"، ثم "ولا يبعدنك الله يا ثوب إنها" مرة، ثم: "ولا يبعدنك الله يا ثوب والتقت". فخرجت من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعاني٤.
وروى قصيدة أخري لابنة عم للنعمان بن بشير رثت فيها زوجها، أنصاف أبياتها الأولى: "وحدثني أصحابه أن مالكا"، أما القافية فهي على اللام.
стр. 6372
ومن معاصري "مهلهل" الشاعر "امرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هبل" ابن أخي "زهير بن جناب بن هبل"، وزعم بعضهم أنه الذي عنى "امرؤ القيس" بقوله: نبكي الديار كما بكى ابن حذام. وكان مهلهل تبعه "يوم الكلاب" ففاته ابن حمام بعد أن تناوله "مهلهل" بالرمح. وكان "ابن حمام" أغار على "بني تغلب" مع زهير بن جناب فقتل جابرًا وصنبلًا. وفيهما يقول مهلهل:
لما توعر في الكلاب هجينهم ... هلهلتُ أثأر جابرًا أو صنبلًا
و"امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية"، أو "امرؤ القيس بن حارثة بن خذام بن معاوية" على رواية أخرى، أو "ابن خذام"، أو "ابن حذام"، هو شاعر سبق "امرأ القيس" الكندي في البكاء على الديار وتذكر الأطلال، استنتجوا ذلك من شعر ينسب لامرئ القيس، هو:
يا صاحبيَّ قفا النواعجَ ساعة ... نبكي الديارَ كما بكى ابن حمام
أو "ابن خذام" في رواية "أبي عبيدة".
ومن بيت آخر هو:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام٢
وابن "خذام"، و "ابن حمام"، و "ابن حزام" و "ابن حذام"، اسم الشاعر، وهو اسم واحد، تحرف بالرواية وبالنسخ، فصار على هذه الصور.
ومن شعراء ربيعة "سعد بن مالك"، الذي يقول:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا٣
стр. 6373
قال هذا البيت في قصيدة يعرض فيها بـ "الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة" من حكام "ربيعة" وفرسانها المعدودين، وكان اعتزل حرب "بني وائل" وتنحى بأهله وولده وولد إخوته وأقاربه، وحل وتر قوسه، ونزع سنان رمحه، ولم يساهم في الحرب التي هاجت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي حرب البسوس.
وسعد، هو "سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل". وكان أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها في الجاهلية. وكان شاعرًا، وله أشعار جياد في كتاب بني قيس بن ثعلبة١.
وفي رواية تنسب إلى "دغفل" النسّابة أنه كان جد "طرفة بن العبد"٢. وطرفة، هو: "عمرو بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"٣، وإذا أخذنا بهذا النسب نرى أن "سعد بن مالك"، هو جد "العبد" والد "طرفة". وإذا أخذنا برواية من جعل نسب الشاعر "عمرو بن قميئة" على هذه الصورة: "عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، فيجب عده ابنًا من أبناء "سعد بن مالك"، أما إذا اعتبرنا نسبه على هذه الصورة: "عمرو بن قميئة بن ذريح بن سعد بن مالك"، فنكون بذلك قد جعلناه حفيدًا له، ويكون "ذريح"، ابنًا من أبناء هذا الشاعر٤.
ويظهر من نسب المرقش الأكبر، وهو "ربيعة بن سعد بن مالك"، ويقال: "بل هو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"٥، أنه كان ابنًا، لسعد بن مالك، الشاعر الذي نتحدث عنه، وإذا ذهبنا مذهب من يقول إن المرقش الأصغر كان أخا للمرقش الأكبر، فيكون بذلك ابنًا من أبناء "سعد بن مالك"، وأما إذا أخذنا برواية من يذكر أنه كان ابن أخي المرقش الأكبر وأنه "عمرو بن حرملة"، أو "ربيعة بن سفيان" فيكون ابن ابن "سعد بن
стр. 6374
مالك"، أي حفيده، ويكون المرقش الأكبر عمه إذن ويكون بيت "سعد بن مالك" من البيوت التي عرفت بالشعر.
وروي أن الشاعر "خزز بن لوذان" السدوسي، كان قبل امرئ القيس. وقد نسب بعض أهل الأخبار له قوله:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا
ونسب هذا الشعر لغيره من الشعراء١.
ونسب له قوله:
كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقًا فاذهبي
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون لونك مثل لون الأجرب
وكانت له فرس اسمها ابن النعامة، ورد ذكرها في هذا الشعر٢.
ويجب أن نضيف إلى الشعراء المتقدمين شاعرًا يظهر من روايات أهل الأخبار، أنه لم يكن من فحول الشعراء، ولا من أوساطهم وإنما كان "شويعرًا"، ولذلك عرف ب "الشويعر". ويذكر أهل الأخبار أنه كان أحد من سمي "محمدًا" في الجاهلية، وهم سبعة، واسمه الكامل: "محمد بن حمران بن أبي حمران". وهو قديم٣. كان "امرؤ القيس" أرسل إليه في فرس يبتاعها منه، فأبى فقال فيه:
أبلغا عني الشويعر أني ... عمد عين قلدتهن حربما
وحربم، هو جد الشويعر٤. فقال الشويعر مخاطبا امرأ القيس:
أتتني أمور فكذبتها ... وقد نميت لي عامًا فعاما
بأن امرأ القيس أمسى كئيبا ... على آله ما يذوق الطعاما
стр. 6375
لعمر أبيك الذي لا يهان ... لقد كان عرضك مني حراما
وقالوا هجوت ولم أهجه ... وهل يجدن هاج فيك مراما١
وذكر الشاعر "ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم"، بعد مهلهل في تقصيد القصائد، وهو "عمرو بن تميم"، وهو من تميم، قيل إنه كان شاعرًا قديمًا، وهو الذي يقول:
يا كعب إن أباك منحمق ... إن لم تكن بك مرة كعب
وهي أبيات قديمة يقول فيها:
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدى الصحاح مبارك الجرب٢
والأضبط بن قريع، هو "الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم"، فهو من "بني تميم". وقد عدّ في المعمرين٣. وقد أورد "الجاحظ" له شعرا منه:
لكلّ همّ من الهموم سَعَه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
فصل حبالَ البعيد إن وصل الـ ... ـحبل وأقصِ القريب إن قطعه
وخذ من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينًا بعيشه نفعه
لا تحقرن الفقير عَلَّكَ أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه
قد يجمع المال غيرُ آكله ... ويأكل المالَ غير من جمعه٤
وقد روي الشعر على هذا النحو:
يا قوم من عاذري من الخدعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
فصل حبال البعيد إن وصل الـ ... ـحبل واقص القريب إن قطعه