← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كجرب المعز في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور وكنا لا يرام لنا حريم ... فنحن كضرة الضرع الفخور نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساءة أو سرور١ فهو يتأسف على ما وقع للحيرة، من تسلط قبائل "معد" عليها، ومن دخولهم في حكمهم، بعد أن كانوا يحكمون تلك القبائل، ويجبون الجبايات، ويظهر من ذكر "قريظة" والنضير في هذا الشعر، أن حكم الحيرة قد بلغ أرض هاتين القبيلتين، وذلك إن صح بالطبع أن هذا الشعر هو من شعره، وأنه أصيل غير مصنوع. وهو "عبد المسيح بن بقيلة" الغساني، أو "عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة"، وبقيلة اسمه "ثعلبة"، وقيل: "الحارث". وقد حشر في جملة المعمرين الذين عاشوا ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام، فلم يسلم، وكان نصرانيا. وله حديث مع خالد، حين طلب من أهل الحيرة إرسال رجل من عقلائهم ليكلمه في أمر المدينة، فلما جاء إليه قال له: أنعم صباحا أيها الملك. فقال خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، ثم سأله أسئلة أخرى، ثم قال له. أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا٢، في حديث منمق، يرويه أهل الأخبار، وكأنهم كانوا مع خالد وابن بقيلة يسجلون حديثهما بالكلم والحروف. وقد تطرق "الجاحظ" إلى خبر التقاء "عبد المسيح" بخالد بن الوليد، وروى حديثه معه٣. وذكر "المرتضى" أنه لما بنى قصره المعروف بقصر ابن بقيلة قال:

стр. 6582

لقد بنيت للحدثان حصنا ... لو أن المرء تنفعه الحصون طويل الرأس أقعس مشمخرا ... لأنواع الرياح به حنين١ وروى "المرتضى"، أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة: حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى بلغ المزيد وكافحت الأمور وكافحتني ... فلم أحفل بمعضلة كئود وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود٢ ومن شعره في الناس وفي تهافتهم والتفافهم حول الغنى قوله: والناس أبناء علات فمن علموا ... أن قد أقل فمجفوٌّ ومهجور وهم بنون لأم إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومخفور وهذا يشبه قول أوس بن حجر: بني أم ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدا سيد الأمر جحفلا وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضا في العمومة مخولا٣ ومن شعراء "تنوخ" "عمرو بن عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد بن كثير بن غالب"، وكان فارسا في الجاهلية، و "بنو عبد الجن" أسرة معروفة، كان لها بقية في الكوفة. ومن شعره: أما والدماء المائرات تخالها ... على قنة العُزّى وبالنسر عندما

стр. 6583

ثم: وما سبح الرحمن في كل ليلة ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما١ وأدخلوا في هذه الطبقة "جذيمة" الأبرش، و "لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل"، وهو القائل: من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية٢ وجذيمة الأبرش، هو "جذيمة بن مالك بن فهم بن عمرو" ملك الحيرة، والأبرش لقب له، ويقال له الوضاح٣، وهو خال "عمرو بن عدي"، وكان ينادم عديًّا، وكان له نديمان هما: مالك، وعقيل، بقيا معه أربعين سنة، ثم قتلهما وندم، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه. وقد قتلت الزباء جذيمة٤. وقد شاء أهل الأخبار عده شاعرا من الشعراء وأوردوا له شعرا، كما سبق أن تحدثت عنه في أثناء حديثي عن مملكة الحيرة، وعن أسطورة صلته بالزباء. ولو جعلناه شاعرا: لوجب علينا تقديمه على كل الشعراء الجاهليين. وقصة شعره أسطورة من أساطير أهل الأخبار، فلو كان له شعر، لوجب أن يكون بعربية أخرى، هي العربية التي دون بها شاهد قبر "امرئ القيس" ملك الحيرة، الذي توفي سنة "٣٢٨" للميلاد أي بعد "جذيمة" بأمد، وشعره هو من شعر تبابعة اليمن وآدم والجن من صنع الرواة وأهل الأخبار. وترى في شعر الأعشى، وأمية بن أبي الصلت، و "عدي بن زيد"، وكلهم من شعراء القرى، قصصا، لا تجده في الشعر المنسوب إلى غيرهم من الشعراء. قصصا نصرانيا وقصصا يرد عند اليهود، وقصصا من قصص الأساطير والخرافات، أو مما يتعلق بالأشخاص، كالذي ينسب إلى الأعشى من سرده حكاية السموأل وقصره في قصيدته التي يقول فيها:

стр. 6584

كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار١ وقد وصف فيها السموأل وحصنه، وقصة وفائه، وما كان قد جرى من حوار بينه وبين الملك الغساني المطالب بأدرع الكندي، وترى من قراءتك لها أن النظم نمط غير مألوف في شعر غيره من الشعراء، الأبيات فيهما مكملة لما قبلها متصلة بعضها ببعض، بحيث لا يمكن أن تفصل بينها، وإلا اختل المعنى، وظهر فراغ فيه. وهو شيء غير مألوف عند غيره. فالبيت على حد قول علماء الشعر شعر مستقل قائم بنفسه، لا يؤثر حذفه أو تقديمه أو تأخيره على المعنى ولا على ارتباط الأبيات بعضها ببعض، أما في هذه القصيدة فكل بيت فيها تابع لسابقه، متصل معناه بمعناه، لأنه جزء منه، فلا يمكن حذف شيء من القصيدة دون أن يؤثر في معناها. ونجد في شعره قصصا عن سد مأرب، وعن تهدمه وإغراقه من كان يسكن عنده بالماء، ذكر ذلك ليكون عبرة وأسوة للمؤتسي، وهو قصص بني على حادث تهدم ذلك السد٢. وفي شعر الأعشى قصص إرم وعاد وطسم وجديس، وأهل جوّ، ووبار٣. وهو قصص رصعه الأخباريون بشعر نسبوه إلى "هزيلة" امرأة من "جديس"، وإلى "عميرة بنت غفار الجديسية"، في قصص عن الملوك القدماء، وكيف أنهم كانوا يدخلون على العذارى قبل إدخالهم على أزواجهم، في قصص ينسب إلى ملوك آخرين، مثل ملوك اليمن٤. وهو قصص نجد له مشابه عند الأمم الأخرى. ومن شعراء "غسان": "الشيظم بن الحارث" الغساني، وهو من الأسرة الحاكمة، كان قد قتل رجلا من قومه، وكان المقتول ذا أُسرة، فخافهم

стр. 6585

فلحق بالحيرة، فكان يتكفف الناس نهاره ويأوي إلى خربة من خراب الحيرة، فبينا هو ذات يوم في تطوافه إذ سمع قائلا يقول: لحا الله صعلوكا إذا نال مذقة ... توسد إحدى ساعديه فهوّما مقيما بدار الهون غير مناكر ... إذا ضيم أغضى جفنه ثم برشما يلوذ بأذراء المثاريب طامعا ... يرى المنع والتعبيس من حيث يمما يضنُّ بنفس كدَّر البؤس عيشها ... وجود بها لو صانها كان أحزما فذاك الذي إن عاش عاش بذلة ... وإن مات لم يشهد له الناس مأتما بأرضك فاعرك جلد جنبك إنني ... رأيت غريب القوم لحما موضما فكأنه نبهه من رقدة، فتحايل إلى صاحب خيل المنذر، وتقرب إليه، وأظهر له أنه رجل من أهل "خيبر"، أقبل إلى هذه البلدة بجارة فأصاب بها، وله بصر بسياسة الخيل، فضمه إلى بعض أصحابه، حتى إذا وافق غرة من القوم، ركب فرسا جوادا من خيل المنذر وخرج من الحيرة يتعسف الأرض، حتى نزل بحي من بهراء فأخبرهم بشأنه، فأعطوه زادا ورمحا وسيفا، وخرج حتى أتى الشام فصادف الملك متبديا، وكان إذا تبدى لا يحجب أحد عنه، فأتى قبة الملك فقام قريبا منه، وأنشأ يقول: يا صاحب الخيل الجياد المقربه ... وصاحب الكتيبة المكوكبه والقبة المنيعة المحجبه ... وواهب المضمرة المرببه والكاعب البهكنة المؤتبه ... والمائة المدفأة المنتخبه والضارب الكبش فويق الرقبه ... تحت عجاج الكبة المكتّبه هذا مقام من رأى مطَّلَبَه ... لديك إذ عمّى الضلال مذهبه وخال أن حتفه قد كربه فأذن له الملك، فدخل عليه، وقص قصته، ثم بعث إلى أولياء المقتول فأرضاهم عن صاحبهم١.

стр. 6586

وفي شعر شعراء القرى، مزية امتازوا بها عن شعر شعراء أهل البوادي، هي أن أبيات القصيدة عندهم ليست على نحو أبيات القصيدة عند بقية الشعراء من استقلال الأبيات بنفسها، وقيامها بذاتها بحيث يمكن رفع الأبيات من مواضعها وتقديمها أو تأخيرها، أو حذفها، دون أن يؤثر ذلك على وحدة القصيدة أو المعنى. ففي شعر "الأعشى" مثلا، ترابط بين الأبيات واتصال بين البيت المتقدم والبيت الذي يليه، بحيث لا يمكن حذف أحدهما ورفعه، دون أن يؤثر حذفه على المعنى، كذلك يتعذر علينا في بعض شعره نقل البيت عن موضعه، وقد يأتي الأعشى بالفعل في بيت ثم يأتي بفاعله أو بمفعوله في البيت التالي، أو يأتي بفعل الشرط في بيت ويأتي بخبره بعد بيت أو بيتين١. ويرد التضمين في شعره، كما نجد "الاستدارة" فيه كذلك، والاستدارة توالي مجموعة متلاحمة من الأبيات تجري على نظام متسق، يقوم فيه كل بيت بنفسه في معناه، ولكن المعنى التام لا يتم إلا بالبيت الأخير منها. وهو أسلوب يثير السامع ويشوقه، ويجعله يتتبع الكلام حتى يبلغ منتهاه٢. وأشعر شعراء "البحرين" الذين ذكرهم "ابن سلام": المثقب العبدي، والممزق العبدي، والمفضل بن معشر٣. و"المثقب العبدي" واسمه "عائذ بن محصن بن ثعلبة"، من "بني عبد القيس"، من شعراء الجاهلية، وإنما سمي مثقبا لقوله: ظهرن بكلّة وسدلن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون٤ وذكر "ابن قتيبة" أن اسمه "محصن بن ثعلبة"٥، وقيل اسمه شأس بن عائذ

стр. 6587

ابن محصن، وقيل اسمه نهار بن شأس، وكان يكنى أبا وائلة. وهو من شعراء البحرين١. "وكان أبو عمرو بن العلاء يستجيد هذه القصيدة له، ويقول: لو كان الشعر مثلها لوجب على الناس أن يتعلموه، وفيها يقول: أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألتك أن تبيني ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمر بها رياح الصيف دوني فإني لو تعاند في شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني إذا لقطعتُها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا ابتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني٢ وتحدث عنه "ابن قتيبة"، فقال: "وهو قديم جاهلي، كان في زمن عمرو بن هند، وإياه عنى بقوله: إلى عمرو ومن عمرو أتتني ... أخي الفعلات والحلْم الرزين وله يقول: غلبت ملوك الناس بالحزم والنهى ... وأنت الفتى في سورة المجد ترتقي وأنجب به من آل نصر سميدع ... أغر كلون الهندوانيّ رونق٣ ويرى "بروكلمان"، أن "ابن قتيبة" إنما أخذ رأيه المذكور من البيت المتقدم المذكور في المفضليات، ولكن الأصمعي يعارض ذلك، فقد مدح المثقب أبا قابوس النعمان بن المنذر٤.

стр. 6588

وللمثقب العبدي ديوان مطبوع، كما يوجد له شرح١. ومن شعره: لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم حسن قول نعم من بعد لا ... وقبيح قول لا بعد نعم إن لا بعد نعم فاحشة ... فبلا فابدأ إذا خفت الندم فإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح القول إن الخلف ذم٢ واعلم بأن الذم نقص للفتى ... ومتى لا تتقي الذم تذم أكرم الجار وراع حقه ... إن عرفان الفتى الحق كرم لاتراني راتعا في مجلس ... في لحوم الناس كالسبع الضرم إن شر الناس من يكشر لي ... حين يلقاني وإن غبت شتم وكلام سيء قد وقرت ... عنه أذناي وما بي من صمم فتعديت خشاة أن يرى ... جاهل أني كما كان زعم ولبعض الصفح والإعراض عن ... ذي الخنى أبقى وإن كان ظلم٣ وأما "الممزق" العبدي، فاسمه "شأس بن نهار بن أسود"، وإنما سمي "الممزق" ببيت قاله: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق٤ وهو ابن أخي المثقب العبدي، وكان معاصرا لأبي قابوس النعمان بن المنذر٥. قال عنه "ابن قتيبة": "وهو جاهلي قديم، قال البيت المذكور في قصيدة قالها لبعض ملوك الحيرة٦. وذكر أنه قالها للملك عمرو بن هند، حين هم بغزو عبد القيس، فلما بلغته القصيدة انصرف عن عزمه٧. وقيل: إنه عرف بالممزق ببيته:

стр. 6589

فمن مبلغ النعمان أن ابن أخته ... على العين يعتاد الصفا ويمزق١ وقد نسبه "السيوطي" على هذه الصورة: "شأس بن نهار بن الأسود بن جبريل بن عباس بن حي بن عوف بن سود بن عذرة بن منبه بن بكرة" العبدي، ثم البكري٢. ومن شعره: أحقا أبيت اللعن إن ابن فرتنا ... على غير إجرام بريقي مشرقي فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق فأنت عميد الناس مهما تقل نقل ... ومهما تضع من باطل لا يحقق أكلفتني أدواء قوم تركتهم ... فإلا تداركني من البحر أغرق فإن يعمنوا أشئم خلافا عليهم ... وإن يتهموا مستحقبي الحرب أعرق٣ ومما ينسب إليه: هل للفتى من بنات الدهر من واق ... أم هل له من حمام الموت من واق وقوله: هون عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي٤ ونجده يذكر في شعره صراخ الديك، ولا نجد للديك ذكرا عند الأعراب؛ لأنهم لا يربون الدجاج، وتربية الدجاج من خصائص الحضر. تراه يقول: وقد تخذت رجلاي في جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق أنيخت بجو يصرخ الديك عندها ... وباتت بقاع كادئ النبت سملق٥ وذكر "المرتضى" أن من شعره قوله: ألا من لعين قد نآها حميمها ... وأرقني بعد المنام همومها

стр. 6590

فباتت لها نفسان شتي همومها ... فنفس تعزيها ونفس تلومها وذكر أن من العلماء من ينسبه لمعقر بن حمار البارقي١. ومن شعراء "عبد القيس": "سويد" و "زيد" ابنا "خذاق". قال عنهما "ابن قتيبة": "وهما قديمان، كانا في زمن عمرو بن هند. ويزيد القائل: نعمان إنك غادر خدع ... يخفي ضميرك غير ما تبدي فإذا بدا لك نحت أثلتنا ... فعليكها إن كنت ذا جد وهززت سيفك كي تحاربنا ... فانظر بسيفك من به تردي وله شعر في الموت وفي ذم الدنيا، قال عنه "أبو عمرو بن العلاء" إنه "أول شعر قيل في ذم الدنيا"٢. وكان يزيد قد هجا "النعمان بن المنذر" فبعث إليه النعمان كتيبته "الدوسر" فاستباحتهم، فقال أخوه سويد: ضربت دوسر فينا ضربة ... أثبتت أوتاد ملك فاستقر فجزاك الله من ذي نعمة ... وجزاه الله من عبد كفر٣ ومن شعره قوله في "عمرو بن هند": أبى القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزير به البق والحُمّى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور وهو القائل أيضا: جزى الله قابوس بن هند بفعله ... بنا وأخاه غدرة وأثاما بما فَجَرا يوم العطيف وفرقا ... قبائل أحلافا وحيا حراما لعل لبون الملك تمنع درها ... ويبعث صرف الدهر قوما نياما وإلا تغاديني المنية أغشكم ... على عدواء الدهر جيشا لهاما٤

стр. 6591

وكانت عبد القيس وتميم على اتصال بملوك المناذرة الذين كان نفوذهم يمتد إلى البحرين واليمامة في بعض الأحايين، فكانت جيوش الحيرة في نزاع مستمر مع هذه القبائل التي كانت تنفر من دفع الإتاوة ومن الخضوع لآل لخم. ونجد أخبار هذا النزاع في شعر شعرائها، وهي أخبار لا نجدها في كتب التواريخ المألوفة، التي لم تحفل بالشعر، فضاع عليها قسط كبير من تأريخ الحيرة، حصلنا عليه لحسن حظنا من كتب الشعر والأدب التي دونت أخبار الشعراء ودونت المناسبات التي قيل فيها هذا الشعر.

стр. 6592

الفصل الثاني والستون بعد المائة: شعراء قريش ويزعم أهل الأخبار أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها١. وذكر أن قريشا كانت أقل العرب شعرا في الجاهلية، فاضطرها ذلك أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام. ويؤيد هذا الرأي أننا نجد أكثر من ذكر الرواة أسماءهم وأشعارهم من الشعراء الجاهليين إنما هم من غير قريش٢. وذكر أهل الأخبار أن المنافسة التي كانت بين قريش والأوس والخزرج، أهل يثرب، دفعت أهل مكة إلى صنع الأشعار لتتغلب بها على الأنصار، "يروي الناس لأبي سفيان بن الحارث قولا يقوله لحسان: أبوك أبو سوء وخالك مثله ... ولست بخير من أبيك وخالكا وإن أحق الناس أن لا تلومه ... على اللوم من ألقى أباه كذلكا أخبرنا أبو خليفة، أخبرنا محمد بن سلام، قال: وأخبرني أهل العلم من

стр. 6593

أهل المدينة أن قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي قالها ونحلها أبا سفيان. وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على حسان"١. وهناك أخبار أخرى في هذا المعنى تفيد نحل الشعر وضمه إلى شعراء مكة، لتتباهى به على يثرب. ولا نجد بين الشعراء البارزين من أصحاب المعلقات شاعرا واحدا هو من قريش. كذلك لا نجد من بين شعراء الطبقات المتقدمة من فحول الشعراء الذين قدمهم علماء الشعر على غيرهم شاعرا هو من أهل مكة. وهذا هو تفسير قول أهل الأخبار المتقدم، الدال على تأخر قريش بالنسبة إلى باقي العرب في قول الشعر، أما لو أخذنا قولهم المذكور، وصرفناه على أهل القرى، فإننا نجد مكة متقدمة فيه، لأنها أنجبت عددا لا بأس به من الشعراء بالقياس إلى الطائف، التي اشتهرت بشعر شاعرها "أمية بن أبي الصلت"، ولكنها لا تداني مكة في عدد من ظهر بها من الشعراء، وبالقياس إلى "نجران" وإلى قرى اليمامة. أما بالنسبة إلى يثرب، فقد برز بيثرب شعراء، هم أكثر عددا وشهرة من شعراء مكة. وقد وصف "ابن سلام" شعر قريش بقوله: "وأشعار قريش أشعار فيها لينٌ يشكل بعض الإشكال"٢. وذلك حين تحدث عن شعر "أبي طالب" وعن شعر "الزبير بن عبد المطلب"، وعما وضع الناس من شعر عليهما. ويذكر أهل الأخبار، أن قريشا كانت في الجاهلية دون غيرها من العرب، تعاقب شعراءها إذا هجا بعضهم بعضا، كما كانت ترمي من يروي المثالب ويقع في أعراض الناس بالحمق، فتسقط منزلته بين الناس، ولهذا قل فيها شعر الهجاء٣. ويذكرون أن أهل مكة لما أصبحوا يوما وعلي باب الندوة مكتوب: ألهى قُصيا عن المجد الأساطير ... ورشوة مثل ما ترشي السفاسير وأكلها اللحم بحثا لا خليط له ... وقولها رحلت عير أتت عير أنكر الناس ذلك، وقالوا ما قالها إلا "ابن الزبعرى" وأجمع على ذلك

стр. 6594

رأيهم، فمشوا إلى "بني سهم"، وكان مما تنكر قريش وتعاقب عليه أن يهجو بعضها بعضا، فقالوا لبني سهم: ادفعوا إلينا نحكم فيه بحكمنا. قالوا: وما الحكم فيه؟ قالوا قطع لسانه، قالوا: فشأنكم. واعلموا والله أنه لا يهجونا رجل منكم إلا فعلنا به مثل ذلك. وكان "الزبير بن عبد المطلب" يومئذ غائبا نحو اليمن، فخاف بنو قصي أن يقول شيئا من هجاء، فيؤتى إليه مثل ما أتى إلى ابن الزبعرى، وكانوا أهل تناصف، فأجمعوا على تخليته فخلوه١. وقد أحصى "جرجي زيدان" عدد الشعراء الجاهليين بنحو من "١٢٠" شاعرا على اختلاف القبائل والبطون. وقد وجد أن عشرة شعراء منهم هم من قريش٢. معظمهم إن لم نقل كلهم كان ممن عاش عند ظهور الإسلام، وقد اشتهر بالشعر وعرف به لموقفه المعادي من الإسلام، ولاضطراره إلى مهاجاة النبي والمسلمين دفاعا عن عقيدته، ولهذا كان معظم شعره في هجاء المسلمين، وفي الرد عليهم وفي الفخر بقومه وتعديد مآثرهم ومناقبهم والدفاع عنهم. قال "ابن سلام: "وبمكة شعراء، فأبرعهم شعرا عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن ربيعة بن سعد بن سهم، وأبو طالب بن عبد المطلب، شاعر، وأبو سفيان بن الحارث، شاعر، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، شاعر، وضرار بن الخطاب، شاعر، وأبو عزة الجمحي، شاعر، واسمه عمر بن عبد الله، وعبد الله بن حذافة السهمي الممزق، وهبيرة بن أبي وهب بن عامر بن عائذ بن عمران بن مخزوم"٣. ونجد في كتب السيرة والأخبار شعرا لعبد المطلب، من جملته قوله: لا هم إن العبد يمـ ... ـنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك إن كنت تاركهم وقبـ ... ـلتنا فأمرٌ ما بدا لك٤

стр. 6595

ومن شعراء قريش "أبو لبيد بن عبدة بن جابر"، وكان أحد فرسانها في الجاهلية١. و"أبو طالب"، عم النبي، وقد أدخلناه في عداد الشعراء، لوجود شعر ينسب إليه، ورد أكثره في سيرة "ابن إسحاق"، ولوجود ديون مطبوع نسب إليه. واسمه "عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي"، وقيل اسمه "عمران"، وقيل اسمه كنيته٢. وقال عنه "ابن سلام": "وكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام، وأبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي ﷺ ، وهي: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل٣ ولد قبل النبي بخمس وثلاثين سنة، ولما مات "عبد المطلب" وصي بالنبي إليه، فكفله، وسافر به إلى الشام، وهو شاب، ولما بعث الرسول كان لا زال حيا، وقد اختلف في إسلامه٤، وتوفي في السنة العاشرة من المبعث٥. وقد ذكر "ابن هشام" قصيدة لأبي طالب، قال إنه قالها في "المطعم بن عدي" يعرض به، ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش منها قوله: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ... ألا ليت حظي من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه ... يرش على الساقين من بوله قطر٦ وأورد "ابن هشام" له قصيدة أخرى، ذكر أنه قالها في مدح قريش، لما رأى "أبو طالب" من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه. فقال:

стр. 6596

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرها وصميمها فإن حصلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها١ ونسبت له قصيدة ذكر أنه قالها لما خشي "أبو طالب" دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، تعوذ بها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم الرسول ولا تاركه أبدا حتى يهلك دونه. إذ يقول: ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل٢ وهي قصيدة طويلة، قال "ابن هشام" في آخرها: "هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم ينكر أكثرها"٣. ويظهر أنها وردت بصورة أطول في سيرة "ابن إسحاق"، إلا أن "ابن هشام" طرح منها ما شك في أصله وما لم يثبت عنده أنه من شعر "أبي طالب"، واكتفى بهذا القدر الذي دوّنه في سيرته. وفي جملة ما جاء في القصيدة المذكورة قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقد ذهب "ابن سلام" إلى أن الرواة زادوا في قصيدة أبي طالب وطولوها فأبعدوا آخرها عن أولها. وتعرض لها "الرافعي" فقال: "وقد يزيدون في القصيدة ويبعدون بآخرها متى وجدوا لذلك باعثا، كقصيدة أبي طالب التي قالها في النبي ﷺ ، وهي مشهورة أولها: خليلي ما أذني لأول عاذل ... بصغواء في حق ولا عند باطل٤

стр. 6597

قال ابن سلام: زاد الناس في قصيدة أبي طالب وطولت بحيث لا يدرى أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها فقلت صحيحة، فقال: أتدري أين منتهاها قلت لا، قلنا: وإنما طولت هذه القصيدة معارضة للطوال المعروفة بالمعلقات حتى لا يكون من شعر الجاهلية ما هو خير مما قال عم النبي ﷺ ، ولكن في أصلها أبياتا هاشمية تفي بكثير من الطوال"١. وقد تعرض "ابن سلام" -كما قلت- لهذه القصيدة فقال: "وقد زيد فيها وطولت. رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها، فقلت صحيحة. قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت لا أدري"٢. ونسب أهل الأخبار لأبي طالب شعرا زعموا أنه قال لأبي لهب يحرضه فيه على نصرته ونصرة الرسول، فيه: وإن امرأ أبو عتيبة عمه ... لفي روضة ما إن يسام المظالما٣ ونسبوا له قصيدة "دالية" ذكروا أنه نظمها لما مزقت "الصحيفة": صحيفة قريش، التي كتبوها في مقاطعة "بني هاشم"، أولها: ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود فيخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد ترواحها إفك وسحر مجمع ... ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد٤ وقد أورد "الزبيري" منها هذه الأبيات: جزى الله رهطا من لؤي تتابعوا ... على ملأ يهدي لحزم ويرشد قعودا لدى جنب الحطيم كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد هم رجعوا سهل بين بيضاء راضيا ... فسر أبو بكر بها ومحمد ألم يأتكم أن الصحيفة مزقت ... وإن كان ما لم يرضه الله يفسد

стр. 6598

أعان عليها كل صقر كأنه ... شهاب بكفي قابس يتوقد جريٌّ على حل الأمور كأنه ... إذا ما مشى في رفرف الدرع أجود١ وهي من الشعر المصنوع. ونسبوا له قوله: ودعوتني وزعمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت قبل أمينا ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا٢ وقوله: ألا أبلغا عني على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤي بن كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا ... نبيا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العبادة مودة ... وخير فيمن خصه الله بالحب٣ ولأبي طالب شعر، رثى به "أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكان قد خرج تاجرا إلى الشام، فمات في موضع يقال له: "سرو سحيم". وكان "أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله" من "أزواد الركب" في قريش، وهم ثلاثة: هو و "مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس"، و "زمعة بن الأسود بن عبد المطلب"، وكانوا إذا سافروا لم يتزود معهم أحد٤. وله شعر في رثاء "مسافر"٥. وفي الديوان المطبوع شعر يمكن أن يكون صحيحا، ولكن أكثره شعر منحول، ولا سيما القصيدة "اللامية" الطويلة. فإن القسم الأكبر منها، لا يمكن أن يكون من الشعر الأصيل. ويرى "بروكلمان" أن سبب الوضع، هو رغبة من وضعه في تزيين سيرة الرسول بمكة، وفي أوائل عهد النبوة، بكثير من الأشعار،

стр. 6599

بعد أن كثرت الأشعار في سيرته بالمدينة، كما أن للشيعة يدا في وضع هذا الشعر على لسان "أبي طالب" لإظهاره بمظهر المعاون للنبي المؤيد له، المؤمن بدعوته في قلبه ولسانه، تأييدا للإمام "علي"، الذي هو ابن "أبي طالب"١. ونسب "الجاحظ" له قوله: أمن أجل حبل لا أباك علوته ... بمنسأة قد جاء حبل وأحبل٢ ويروى لعلي بن أبي طالب شعر كثير٣. ولا يوجد شك في أن عليا كان مطبوعا على قول الشعر، وأنه كان ذا شاعرية، وله مواهب تؤهله لنظمه، كما كان من الحفاظ للشعر، وقد أورد له أهل الأخبار والأدب شعرا ذكروه في المواضع المناسبة، كما جمع بعض الأدباء شعره في ديوان، فهو صاحب شعر، نظم في المناسبات، غير أنه لم يكن شاعرا بمعنى أنه اتخذ الشعر صناعة له، وإنما كان يقوله في المناسبة، ثم إن في المنسوب إليه، شعرا كثيرا، هو موضوع. صنع وحمل عليه. وأكثر ما جاء في الديوان الذي يحمل اسمه هو من هذا القبيل٤. ونظرا إلى ما لعلي بن أبي طالب من المكانة في نفوس المسلمين، ولوجود شيعة له، فقد اهتم الناس بأمر ديوانه، وشرحوه شروحا عديدة، وترجموه إلى لغات مختلفة، وطبع جملة طبعات، بحيث نستطيع أن نقول دون مبالغة، إن ديوان "علي" نال من المكانة والتقدير ما لم ينله أي ديوان آخر، ليس لما فيه من شعر أو من بلاغة، بل لحرمة ولمكانة صاحبه، ففي هذا الديوان غث كثير، وفيه ما لا يمكن إرجاعه إلى "علي" أبدا٥. قال "أبو عثمان" المازني: لم يصح عندنا أن عليا تكلم من الشعر إلا هذين البيتين: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما برّوا وما ظفروا فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات روقين لا يعفو لها أثر٦

стр. 6600

ونسبوا لعلي قصيدة في الأيام السبعة منها: أرى الأحد المبارك يوم سعد ... لغرس العود يصلح والبناء وفي الاثنين للتعليم أمن ... وبالبركات يعرف والرخاء وإن رمت الحجامة في الثلاثا ... فذاك اليوم إهراق الدماء وإن أحببت أن تسقي دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء وفي يوم الخميس طلاب رزق ... لإدراك الفوائد والغناء ويوم الجمعة التزويج فيه ... ولذات الرجال مع النساء ويوم السبت إن سافرت فيه ... وقيت من المكاره والعناء وقد رويت القصيدة بروايات أخرى١. ونسبوا "لورقة بن نوفل" شعرا، زعموا أنه قال حين رآهم يعذبون بلالا على إسلامه. منه: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد لا تعبدن إلاها غير خالقكم ... فإن دعيتم فقولوا دونه حدد سبحان ذي العرش لا شيء يعادله ... رب البرية فرد واحد صمد٢ وورقة، هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يجتمع مع النبي في جدّ جدّه. ذكر أنه كره عبادة الأوثان وطلب الدين في الآفاق وقرأ الكتب، وأنه كان حنيفا على ملة إبراهيم، وذكر أنه كان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ومات في فترة الوحي قبل نزول الفرائض والأحكام، وروى بعضهم أنه آمن بالرسول وجعله من الصحابة، وشدد الإنكار على من أنكر صحبته، وجمع الأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة، وهكذا نجد الروايات تجمع على نبذه عبادة الأوثان، ثم تختلف في أنه كان حنيفا على ملة الأحناف، أو نصرانيا، أما زعم إيمانه بالرسول، وما رووه من الشعر من ذكره اسم الرسول وإيمانه به، ومن أخباره عنه، فإنه من الشعر الموضوع، الذي وضع على لسان غيره أيضا، بزعم إثبات نبوة الرسول، وفي أكثره ركة.

стр. 6601

وقد نسب بعضه مثل قوله: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد إلى غيره، فقيل إنه لأمية بن أبي الصلت، وقيل إنه لزيد بن عمرو بن نفيل. غير أن "السهيلي"، و"أبا الربيع" الكلاعي، والبغدادي يرون أنه له١. ومن الشعر المنسوب إليه قوله: ارفع ضعيفك لا يَحُرْ بك ضعفه ... يوما فندركه العواقب قد نمى يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى وقد نسبا أيضا لزهير بن جناب٢. ولزيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد الأحناف شعر، وهو من المتألهين الذين حاربوا عن مكة طالبا للعلم والمعرفة والدين، ذهب إلى بلاد الشام. وهناك احتك بالنصارى، فتعلم منهم أمور الدين. ولعله تعلم السريانية والرومية بها ونظر في كتب النصرانية، لما يذكره أهل الأخبار من تعلمه للغتين. وفارق شأن بقية الأحناف قومه، وعاب الأصنام والأوثان، ونسب أهل الأخبار إليه أنه كان يسند ظهره إلى الكعبة ثم يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. وكان مثل بقية الأحناف أمثال ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وعبيد بن جحش وغيرهم، قد خالفوا قريشا، وقالوا: إنكم تعبدون ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام وعابوا عليهم ما هم عليه من التقرب إلى الحجارة. وقد أورد من ترجم حياته شيئا من شعره، واستشهدوا ببعضه في الشواهد٣. ومن شعر "زيد بن عمرو بن نفيل" في الأصنام قوله: تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابتغيها ... ولا صنمي بني غنم أزور

стр. 6602

ولا هبلا أزور وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي صغير١ و"سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"، المعروف بـ "أبي الأعور"، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الصحابة الذين أسلموا قديما، من الشعراء وهو ابن "زيد بن عمرو" المذكور. وكان إسلامه قديما وقبل عمر، وكان إسلام "عمر" عنده في بيته، لأنه كان زوج أخته فاطمة، وقد توفي سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، وقيل اثنتين وخمسين٢. ومن شعره قوله: تلك عرساي تنطقان على عمـ ... ـد لي اليوم قول زور وهتر سالتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر فلعلّي أن يكثر المال عندي ... ويعرى من المغارم ظهري وترى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من خوادم عشر ونجر الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر وي كأن من لم يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجي ولكن أخا ... المال محضر كل سر٣ وكان "نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب" شاعرا، وكان هو وأخوه "منبه" من وجوه قريش وذوي النباهة فيهم، وقتلا ببدر كافرين، وكانا من المطعمين يوم بدر. وقد رثاهما "الأعشى بن نباش بن زرارة" التميمي، حليف بني عبد الدار، وكان مداحا لنبيه بن الحجاج٤. وقد أورد "الزبيري" له شعرا منه قوله: تلك عرساي تنطقان بهجر ... وتقولان قول زور وهتر تسألان الطلاق إذا رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر

стр. 6603

فلعلّي أن يكثر المال عندي ... وتخلى من المغانم ظهري وترى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من ولائد عشر١ وقال "الزبيري" إن له أشعارا كثيرة٢. وقد رأينا أن هذا الشعر الذي نسب لنبيه، قد نسب أيضا لزيد. وقد نسب صاحب "الخزانة" الشعر لزيد، ثم عاد فنسبه لنبيه. وكان "أبو العاص" المعروف بـ "الأمين" من حكماء وشعراء قريش، ومما نسب إليه من شعر قوله: أبلغ لديك بني أمية ... آية نصحا مبينا إنا خلقنا مصلحين ... وما خلقنا مفسدينا إني أعادي معشرا ... كانوا لنا حصنا حصينا خلقوامع الجوزاء إذ ... خلقوا ووالدهم أبونا٣ وهو العاص بن وائل، وكان من أشراف قريش، وفيه يقول ابن الزعبرى: أصاب ابن سلمى خُلة من صديقه ... ولولا ابن سلمي لم يكن لك راتق فآوى وحيا إذ أتاه بخلة ... وأعرض عنه الأقربون الأصادق فإما أصب يوما من الدهر نصرة ... أتتك وإني بابن سلمى لصادق وإلا تكن إلا لساني فإنه ... بحسن الذي أسديت عني لناطق ثمال يعيش المقترون بفضله ... وسيب ربيع ليس فيه صواعق٤ وعبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن ربيعة بن سعيد بن سهم القرشي السهمي، من "أشعر قريش"٥، وكان شديدا على المسلمين، ثم أسلم في الفتح. وذكر أنه لما فتح رسول الله مكة، هرب إلى "نجران"، ثم أسلم ومدح النبي،

стр. 6604

فأمر له بحلة١. وكان يهاجي "حسان بن ثابت" و "كعب بن مالك". وذكر أنه "كان من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، وعلى أصحابه بلسانه ونفسه. وكان من أشعر الناس وأبلغهم. يقولون إنه أشعر قريش قاطبة. قال محمد بن سلام: بمكة شعراء فأبرعهم شعرا عبد الله بن الزبعرى، قال الزبير: "كذلك يقول رواة قريش إنه كان أشعرهم في الجاهلية. وأما ما سقط إلينا من شعره وشعر ضرار بن الخطاب، فضرار عندي أشعر منه، وأقل سقطا"٢. كان "ابن الزبعرى" من المؤذين للرسول، قام يوما فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي، فانفتل النبي من صلاته، ثم أتى "أبا طالب" عمه فقال: يا عم ألا ترى إلى مافعل بي؟ فأخذ "أبو طالب" فرثا ودما فلطخ به وجوه القوم الذين كان "ابن الزبعرى" بينهم. وبقي على عداوته هذه للرسول وفي هجائه له وللمسلمين إلى عام الفتح، فأسلم٣. وقد أشرت إلى ما ذكره "ابن سلام" من أمر البيتين اللذين وجدا مكتوبين على باب الندوة، وهما: ألهى قصيا عن المجد الأساطير ... ورشوة مثل ما ترشى السفاسير وأكلها اللحم بحتا لا خليط له ... وقولها رحلت عير أتت عير وما كان من إجماع أهل مكة على أنها من قول "ابن الزعبرى" ليس غير. وذلك مما أهاج أولاد قصي خاصة، فمشوا إلى "بني سهم" رهط "ابن الزعبرى" طالبين منهم تسليمه لهم ليحكموا فيه حكمهم٤. وفي البيتين، هجاء مر لقصي ولآل قصي، الذين ألهتهم الأساطير عن المجد، وكانوا يرشون ويرتشون مثل ما ترشى السفاسير، وهم السماسرة، أولئك الذين يأكلون اللحم، ولا يعرفون إلا كلام: رحلت عير، أتت عير، كلام التجار. فلا يفهمون قولا غير هذا القول.

стр. 6605

ومن شعر "ابن الزبعرى" قصيدته في وقعة أحد، ومطلعها: يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل قالها وهو مشرك، فلما أسلم قال: يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور١ وقد أشار في قصيدته في يوم أحد، إلى انتصاف أهل مكة من المسلمين بقوله: ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل حين ألقت بقُباء بركها ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل٢ وقصيدته في "أحد" من القصائد الجيدة، وقد دونها "ابن هشام في جملة ما دون من الشعر الذي قيل في هذه المعركة، وقد رد عليه "حسان بن ثابت" بقصيدة دونها "ابن هشام" بعدها٣. وله شعر في مدح النبي، فيه: منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني أن أحمد لامني ... فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين رسوم إني لمعتذر اليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم وتأمرني بها مخزوم فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... ذنبي فإنك راحم مرحوم وعليك من أثر المليك علامة ... نور أضاء وخاتم مختوم مضت العداوة فانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم٤ وهي أبيات نظمها معتذرا فيها عما كان منه من هجاء الرسول والمسلمين،

стр. 6606

ومن وقوفه مع المشركين في مواقفهم المعروفة، بعد أن سمع بما حل بغيره ممن هجا الرسول من قتل. ويذكر أهل الأخبار أن "عبد الله بن الزعبرى" و "ضرار بن الخطاب" الفهري، قدما المدينة أيام "عمر بن الخطاب"، فأتيا "أبا أحمد بن جحش" الأسدي، وكان مكفوفا، وكان مألفا يُجتمع إليه ويتحدث عنه، ويقول الشعر، فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان بن ثابت فنناشده ونذاكره، فإنه كان يقول في الإسلام ويقول في الكفر، فأرسل إليه، فجاء فقال: يا أبا الوليد أخواك تطربا إليك: ابن الزبعرى وضرار يذاكرانك ويناشدانك. قال: نعم إن شئتما بدأت وإن شئتما فابدآ قالا: نبدأ. فأنشداه حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما. فخرج حسان حتى لقي عمر بن الخطاب، وتمثل ببيت ذكره ابن جعدبة لا أذكره. فقال عمر: وما ذاك؟ فأخبره خبرهما. فقال: لا جرم والله لا يفوتانك. فأرسل في أثرهما فرُدا. وقال لحسان أنشد. فأنشد حسان حاجته. قال له: اكتفيت؟ قال: نعم. قال شأنكما الآن، إن شئتما فارحلا وإن شئتما فأقيما"١. ومن شعره قوله: ألا لله قوم و ... لدت أخت بني سهم هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصم وذو الرمحين أشبال ... على القوة والحزم فإن أحلف وبيت الله ... لا أحلف على إثم لما أن إخوة بين ... قصور الروم والروم بأزكى من بني ريطة ... أو أوزن في حلم٢ وكان "الزبير بن عبد المطلب" من فرسان قريش ومن شعرائها٣، وقد روى "ابن كثير" له شعرا، ذكر أنه قاله فيما كان من أمر الحية التي كانت

стр. 6607

قريش تهاب بنيان الكعبة لها، هو: عجبت لما تصوبت العقاب ... إلى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت يكون لها كشيش ... وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت ... تهيبنا البناء وقد تهاب فلما أن خشينا الرجز جاءت ... عقاب تتلئب لها انصباب فضمتها إليها ثم خلت ... لنا البنيان ليس له حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء ... لنا منه القواعد والتراب غداة نرفع التأسيس منه ... وليس على مساوينا ثياب أعز به المليك بني لؤي ... فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي ... ومرة قد تقدمه كلاب فبوأنا المليك بذاك عزا ... وعند الله يلتمس الثواب١ وقد وردت هذه الأبيات في سيرة "ابن هشام"٢، أخذت من سيرة "ابن إسحاق". وهي ولا شك من ذلك الشعر المصنوع الذي انتحل على الشعراء، وأعطي إلى "ابن إسحاق" فأدخله في سيرته، أسلوبها يتحدث عن نفسه، ونظمها بعيد عن نظم شاعر عاش في ذلك الوقت. وقد تعرض "ابن سلام" لشعر "الزبير"، فقال عنه: "وأجمع الناس على أن الزبير بن عبد المطلب شاعر، والحاصل من شعره قليل. فما صح عنه قوله: ولولا الحبش لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا ويقال إن: إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حليما ولا توصه للزبير٣.

стр. 6608

وكان "الزبير شاعرا مفلقا شديد العارضة مقذع الهجاء، ولما جاء "عبد الله بن الزبعرى" السهمي "بني قصي" رفعوه برمته إلى "عتبة بن ربيعة" خوفا من هجاء "الزبير" فلما وصل "عبد الله" إليهم أطلقه "حمزه بن عبد المطلب" وكساه، فمدحه. وكان "الزبير" غائبا بالطائف أو باليمن، فلما وصل إلى مكة وبلغه الخبر قال: فلولا نحن لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا ثيابهم سمال أو طمار ... بها ودك كما دسم الحميت ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت١ وقد كان الخلعاء ينزلون على "الزبير بن عبد المطلب"، ومنهم "أبو الطمحان" القيني، وكان فاسقا ومن الشعراء٢. وكان "أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي" الهاشمي، أن عم الرسول وأخيه في الرضاعة من شعراء قريش المطبوعين. وكان ممن يؤذي النبي والمسلمين، ويهجو رسول الله، وقد عارضه "حسان بن ثابت"، ثم أسلم. وكان إسلامه يوم الفتح قبل دخول رسول الله مكة٣. قال "ابن سلام": "ولأبي سفيان بن الحارث شعر، كان يقوله في الجاهلية فقط، ولم يصل إلينا منه إلا القليل، ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شعرا، ولإن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذلك لهم. قال أبو سفيان: لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد أنا المدلج الحيران أظلم ليله ... بعيد أرجى حين أهدى واهتدي هداني هاد غير نفسي وقادني ... إلى الله من طردت كل مطرد٤

стр. 6609

وروي له شعر قاله يوم تعرض المسلمون لقافلة "أبي سفيان"، ويوم أحد، وفي المناسبات الأخرى١. وله شعر يوم أحد، وقد رد عليه حسان بن ثابت٢ وبقية شعراء المسلمين حيث كان بينهم وبين شعراء مكة مساجلات. وكان نديما لعمرو بن العاص السهمي، وكان الحارث بن حرب بن أمية، نديما للحارث بن عبد المطلب٣، وكان الحارث بن عبد المطلب من المؤلفة قلوبهم٤. ولما توفي الرسول رثاه "أبو سفيان بن الحارث" بقصيدة مطلعها: أرقت فبات ليلي لايزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كريت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول٥ وقد وضعت أشعار على لسان "أبي سفيان" في هجاء "حسان بن ثابت". فقد هجا "قتادة بن موسى" الجمحي حسان بن ثابت بأبيات ونحلها "أبا سفيان". وقتادة من الشعراء المخضرمين٦. وضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري من ظواهر قريش، وكان لا يكون بالبطحاء إلا قليلا.

стр. 6610

وكان أبوه رئيس بني فهر في زمانه، وكان يأخذ المرباع لقومه. وقد قدمه بعض رواة الشعر من قريش على "عبد الله بن الزبعرى"، وعدوه من الشعراء المطبوعين المجودين، قاتل المسلمين في الوقائع أشد القتال، ثم أسلم في الفتح١. وهو من الأشراف٢. وذكر أنه: كان من فرسان قريش وشجعانهم وشعرائهم المطبوعين المجودين، حتى قالوا: ضرار بن الخطاب فارس قريش وشاعرهم. قال الزبير بن بكار: لم يكن في قريش أشعر منه ومن ابن الزبعرى. قال الزبير: ويقدمونه على ابن الزبعرى، لأنه أقل منه سقطا، وأحسن صنعة"٣. وكان من فرسان قريش يوم الخندق. ولضرار شعر قاله في يوم "بدر"٤، وشعر في رثاء "أبي جهل"٥. وأشعار أخرى في أحد الوقائع الأخرى تجدها في سيرة "ابن هشام". وكان ضرار جمع من حلفاء قريش ومن مراق كنانة ناسا، فكان يأكل بهم ويغير ويسبي، ويأخذ المال. وكان خرج في الجاهلية في ركب من قريش فمروا ببلاد دوس، وهم يطالبون قريشا بدم "أبي أزيهر"، قتله "هشام بن المغيرة"، فثاروا بهم وقتلوا فيهم، فقاتلهم ضرارا، ثم لجأ إلى امرأة منهم، يقال لها: "إم غيلان" مقينة تقين العرائس، فساعدته وساعده بنوها وبناتها، فسلم. ولقي ضرار يوم أحد "عمر بن الخطاب"، فضربه بعارضه سيفه، وقال: انج يا ابن الخطاب، لأنه كان قد آلى أن لا يقتل يومئذ قرشيا، فلما ولي "عمر" الخلافة، وسمعت "أم غيلان" بذكر "ابن الخطاب" ظنته ضرارا، فقدمت المدينة، فتوسط لها "ضرارا" عند الخليفة فأثابها٦.

стр. 6611

وكان من مسلمة الفتح، ومن شعره في يوم الفتح، قوله: يا نبي الهدى إليك لجاحي ... حي قريش وأنت خير لجاء حيث ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء والتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء إن سعدا يريد قاصمة الظهـ ... ـر بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغيـ ... ـظ رمانا بالنسر والعواء وغر الصدر لا يهم بشيء ... غير سفك الدماء وسبي النساء قد تلظى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسوءة السواء إذ تنادى بذل حي قريش ... وابن حرب بدا من الشهداء فلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللواء أهل اللواء ثم ثابت إليه من نهر الخز ... رج والأوس أنجم الهيجاء لتكونن بالبطحاء قريش ... فقعة القاع في كف الإماء فانهينه فإنه أسد الأسـ ... ـد لدى الغاب والغ في الدماء إنه مطرق يدير لنا الأمـ ... ـر سكونا كالحية الصماء١ ومن الشعراء الذين هجوا الرسول والإسلام "هبيرة بن أبي وهب" المخزومي. من فرسان قريش وشعرائها، وكان مثل "الزبعرى" ممن يؤذون الإسلام، فهدر النبي دمه، فهرب إلى "نجران" حتى مات بها كافرا. وكانت عنده "أم هانئ" ابنة "أبي طالب" فأسلمت عام الفتح، فقال حين بلغه إسلامها قصيدة من بينها هذه الأبيات: أشاقتك هند أم نآك سؤالها ... كذاك النوى أسبابها وانفتالها وقد أرقت في رأس حصن ممرد ... بنجران يسري بعد نوم خيالها وإن كنت قد تابعت دين محمد ... وعطفت الأرحام منك حبالها وهي قصيدة رويت في موارد متعددة مع شيء من الاختلاف٢.

стр. 6612

وأورد "ابن هشام" قصيدة لـ "هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ" المخزومي، في معركة "أحد"١. وذكر "ابن سلام" أن "هبيرة"، كان شاعرا من رجال قريش المعدودين، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فأخمله الله ودحقه، وهو الذي يقول يوم أحد: قدنا كنانة من أكتاف ذي يمن ... عرض البلاد على ما كان يزجيها قالت كنانة أنى تذهبون بنا ... قلنا النخيل فأموها وما فيها وله شعر كثير وحديث"٢. و"الحارث بن هشام بن المغيرة" المخزومي، أخو "أبي جهل" وابن عم "خالد بن الوليد"، كان من أشراف قومه، وقد مدحه "كعب بن الأشرف اليهودي، وكان فيمن شهد بدرا مع المشركين، وفر حينئذ وقتل أخوه أبو جهل، فعير بفراره، فمما قيل فيه قول حسان بن ثابت: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام فأجابه الحارث: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزيد فعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولايبكي عدوي مشهدي ففرت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد ويرى علماء الشعر أن هذه الأبيات أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار٣.

стр. 6613

وكان الحارث يضرب به المثل في السؤدد حتى قال الشاعر: أظننت أن أباك حين تسبني ... في المجد كان الحارث بن هشام أولى قريش بالمكارم والندى ... في الجاهلية كان والإسلام١ وله أشعار في بدر وفي المناسبات الأخرى التي وقعت مع المسلمين، وله شعر في رثاء أخيه "أبي جهل". وذكر "ابن هشام" أن بعض أهل العلم بالشعر ينكر بعض هذا الشعر٢. وقد شهد "أحدا" مشركا حتى أسلم يوم فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم، وشهد مع النبي حنينا فأعطاه مائة من الإبل كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وكان من المطعمين بمكة. وخرج إلى الشام في زمن "عمر"، فتبعه أهل مكة يبكون فراقه، وتوفي هناك بطاعون عمواس سنة ثمانية عشرة في رواية، أو بيوم اليرموك رجب سنة خمسة عشرة في رواية أخرى٣. ومن شعراء قريش: "مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي" القرشي، وهو جاهلي، من معاصري "هشام بن المغيرة" المخزومي٤. ومن شعراء قريش الذين أدركوا الإسلام وصاروا عليه، "ابن خطل"، "عبد الله بن خطل"، أو "آدم" القرشي الأدرمي. وهو من ولد "تميم بن غالب". وكان ممن يهجو الرسول والإسلام، ويأمر قينتين له بأن تغنيا بهجاء الرسول. فأهدر النبي دمه ولو وجد تحت أستار الكعبة. وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلما، ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان: فرتني وأخرى معها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله، فأمر بقتلهما معه. فقتله "أبو برزة" الأسلمي وهو متعلق بأستار الكعبة٥.

стр. 6614

ومن شعراء قريش "أبو العاصي بن أمية الأكبر بن عبد شمس"، كان يقال له "الأمين"، وكان من حكماء قريش. وينسب إليه قوله: أبلغ لديك بني أمية ... آية نصحا مبينا إنا خلقنا مصلحين ... وما خلقنا مفسدينا إني أعادي معشرا ... كانوا لنا حصنا حصينا خلقوا مع الجوزاء إذ ... خلقوا ووالدهم أبونا١ وكان "أبو عزة" واسمه "عمرو بن عبد الله بن عمير" شاعرا، كان مملقا ذا عيال، فأسر يوم بدر كافرا، فمن عليه الرسول على أن لا يهجو المسلمين، فعاهده وأطلقه. فلما كان يوم أحد، أطمعه "صفوان بن أمية بن خلف الجمحي"، وكان محتاجا، والمحتاج يطمع، فأخذ يحرض الناس على الإسلام، فقتل. وقيل إنه برص بعد ما أسن، وكانت قريش تكره الأبرص، وتخاف العدوى، فكانوا لا يؤاكلونه ولا يشاربونه ولا يجالسونه، فكبر ذلك عليه، فصعد جبل حراء، يريد قتل نفسه، فطعن بها في بطنه، فسال ماء أصفر، وذهب ما كان به، فقال في ذلك شعرا٢. وذكر "الزبير" أنه أسر يوم "بدر" وكان ذا بنات؟ فقال: "دعني لبناتي" فرحمه، وأخذ عليه ألا يكثر عليه بعدها، فلما جمعت قريش لرسول الله لتسير إليه، كلمه "صفوان بن أمية" وسأله أن يخرج إلى "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة"، وهم حلفاء قريش، فيسألهم النصر، فأبى عليه، وقال: "إن محمدا قد من علي وأعطيته ألا أكثر عليه"، فلم يزل صفوان يكلمه حتى خرج إلى بني الحارث، يحرضهم على الخروج مع قريش والنصر لهم، فقال في ذلك: أنتم بنو الحارث والناس إلهام ... أنتم بنو عبد مناة الرزام أنتم حماة وأبوكم حام ... لا تعدوني نصركم بعد العام لا تسلموني لا يحل إسلام

стр. 6615

فلما انصرفت قريش من أحد، تبعهم رسول الله حتى بلغ "حمراء الأسد"، فأصاب بها "عمرا"؛ فقال له: "يامحمد! عفوك! " فقال له الرسول، "لا تمسح سبلتيك بمكة، تقول: خدعت محمدا مرتين! " "لايلدغ مؤمن من جحر مرتين، وقتله صبرا"١. ومن شعراء قريش "حرب بن أمية"٢، وهو من بني أمية٣، وكان رئيسا بعد المطلب٤، وهو والد "أبي سفيان بن حرب"، وقد زعم أن الجن قتلته، وأنشدوا في ذلك شعرا ذكروا أن الجن قالته، هو: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر٥ وقد زعموا أن الجن خنقته٦. وقد نسبوا له هذه الأبيات: أبا مطر هلم إلى صلاح ... فتكفيك الندامى من قريش فتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش وتنزل بلدة عزت قديما ... وتأمن أن يزورك رب جيش قالوا إنه قالها مخاطبا بها "أبا مطر" الحضرمي، يدعوه إلى حلفه ونزول مكة٧. ومن شعراء قريش الذين أدركوا الإسلام: "أبو زمعة"، واسمه "الأسود بن عبد المطلب". له شعر رثا به من قتل ببدر، منه: تبكِّي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود

стр. 6616

فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكّي إن بكيت على عقيل ... وبكي حارثا أسد الأسود وبكي إن بكيتهم جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا١

стр. 6617

الفصل الثالث والستون بعد المائة: شعراء يثرب قال "ابن سلام": "شعراؤها الفحول خمسة: ثلاثة من الخزرج واثنان من الأوس. فمن الخزرج، من بني النجار حسان بن ثابت، ومن بني سلمة، كعب بن مالك، ومن بلحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، ومن الأوس: قيس بن الخطيم من بني ظفر، وأبو قيس بن الأسلت من بني عمرو بن عوف"١. وهناك شعراء آخرون لكنهم لم يبلغوا مبلغ هؤلاء الشعراء، منهم: "أحيحة بن الجلاح" و "سويد بن الصامت"، و "أبو قيس بن مالك بن الحارث" وآخرون. ونسبوا لأبي آمنة جد النبي قوله: وإذا أتيت معاشرا في مجلس ... فاختر مجالسهم ولما تقعد ولكل أمر يستعاد ضراوة ... فالصالحات من الأمور تعود٢ ويعد "مالك بن العجلان" الخزرجي في جملة شعراء يثرب، ذكر أنه القائل للربيع بن أبي الحقيق اليهودي من أبيات: إني امرؤ من بني سالم ... كريم وأنت امرؤ من يهود

стр. 6618

فأجابه الربيع من أبيات أولها: أتسفه قيلة أحلامها ... وحان بقيلة عثر الجدود١ وفيه يقول الشاعر "عمرو بن امرئ القيس" من بني الحارث بن الخزرج، من شعراء الجاهلية: يا مال والسيد المعمم قد ... يبطره بعد رأيه السرف نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف٢ وهو من مشاهير سادة "يثرب"، وله ذكر في نزاع أهل يثرب مع اليهود، وفي حرب "سمير" بين الأوس والخزرج. وهو قاتل" الفطيون"٣. وعمرو بن الإطنابة من شعراء "يثرب"، وهو من الخزرج، وهو شاعر فارسي قديم، خرجت الخزرج معه وخرجت الأوس وأحلافها مع "معاذ بن النعمان" في حرب كانت بين الأوس والخزرج، وذكر أن حسان بن ثابت جعله أشعر الناس، لقوله: إني من القوم الذين إذا انتدوا ... بدأوا بحق الله ثم النائل المانعين من الخنا جيرانهم ... والحاشدين على طعام النازل والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل لا يطبعون وهم على أحسابهم ... يشفون بالأحلام داء الجاهل القائلين ولا يعاب خطيبُهم ... يوم المقامة بالكلام الفاصل ومن شعره: أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذ الحمد بالثمن الربيح وإكراهي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح

стр. 6619

ويقال إن معاوية قال: لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين وهممت بالفرار، فما منعني من ذلك إلا قول "ابن الإطنابة" الشعر المذكور١. ونسب "أبو الفرج" الأصبهاني إلى "أحيحة بن الجلاح بن الحريش "الجريش؟ " بن جحجبي بن كلفة" الأوسي قوله: لتبكين قنية ومزمرها ... ولتبكيني قهوة وشاربها ولتبكيني ناقة إذا رحلت ... وغاب في سربخ مناكبها وهي أبيات قبلها: يشتاق قلبي إلى مليكة لو ... أمست قريبا لمن يطالبها ماأحسن الجيد من مليكة والـ ... ـلبات إذ زانها ترائبها وقد نسبها بعض آخر لعدي بن زيد العبادي، ونسبها بعض آخر لبعض الأنصار٢. و"أحيحة بن الجلاح"، من سادات الأوس. وكان سيدهم في زمانه، وكان شاعرا. وكانت عنده "سلمى بنت عمرو" من بني النجار، وأولاده منها إخوة "عبد المطلب"٣ وهو من أصحاب المذهبات. وقد ذكر "ابن الشجري"، أنه وجد في كتاب لغوي أن الشعر المذكور منسوب إلى "عدي بن زيد"، وقد تصفح نسختين من ديوان عدي فلم يجده فيهما، وإنما وجد له قصيدة على هذا الوزن وهذه القافية أولها: لم أر مثل الأقوام في غبن ال ... أيام ينسون ما عواقبها وذكر "البغدادي" أن "الأصبهاني" اقتبسه في "الأغاني" لأحيحة٥. وقد ذكر أهل الأخبار أن "أحيحة" كان في أيام التبع "أبو كرب بن حسان بن تبع بن أسعد" الحميري، وأن هذاالتبع لما عاد من العراق يريد

стр. 6620

"يثرب" لقتل أهلها ابنا له بها، وهو مجمع على خرابها وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرية، نزل بسفح "أحد" فاحتفر بها بئرا، عرفت بـ "بئر الملك"، ثم أرسل إلى أشرافها ليأتوه، فكان ممن أتاه "زيد بن ضبيعة" وابن عمه "زيد بن أمية بن عبيد"، وكانوا يسمون "الأزياد"، و"أحيحة بن الجلاح: فلما جاء رسول التبع، ذهب الأزياد إليه، وكان "أحيحة" له تابع من الجن أخبره أنه يريد قتلهم جميعا، وكان لا يقول إلا صوابا، فلما قابل التبع تحدث معه عن أمواله وعن أموال المدينة، ثم خرج من عنده ودخل خباءه، وكان "تبع" قد أوكل حراسا به، فشرب وقرض أبياتا مطلعها: يشتاق قلبي إلى مليكة ... أمسي قريبا لمن يطالبها وأمر قينته أن تغنيه حتى استغفل الحرس، ففر منهم إلى أطمة "الضحيان"، وقيل "المستظل"، فجرد الملك كتيبة عليه، ثم حاصر المدينة، فلم يتمكن منها، إذ اعتصم أهلها من الأوس والخزرج واليهود بأطمهم، ثم أقنعه "حبران" من أحبار يهود بكف الحصار عنها، فرجع١. وكان "أحيحة" سيد الأوس في الجاهلية، وكان كثير المال شحيحا عليه يبيع بيع الربا بالمدينة، حتى كاد يحيط بأموالهم، وكان له تسع وتسعون بعيرا كلها ينطح عليه، وكان له أطمان، أطم في قومه يقال له "المستظل"، وأطم يقال له "الضحيان" بالعصبة في أرضه التي يقال لها الغابة، بناه بحجارة سود، ويزعمون أنه لما بناه هو وغلام له أشرف، ثم قال: لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع وقع جميعا. فقال غلامه: أنا أعرفه قال: فأرنيه يا بني؟ قال: هو ذا، وصرف إليه رأسه. فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم، فوقع على رأسه فمات٢. وهي قصة تشبه قصة "سنمار"، ولها شبه عند اليونان. ويذكرون أنه لما بناه قال: بنيت بعد مستظل ضاحيا ... بنيته بعصبة من ماليا
следующие страницы →