يا صاحبي ألا لا حيّ بالوادي ... إلا عبيد وآم بين أذواد
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي
فلما سمعا ذلك أطردا الإبل فذهبا بها١.
وذكر أن "بكر بن وائل" سارت للإغارة على "تميم". ورأته طلائعهما، فأرادت القبض عليه، حتى لا يذهب إليهم فيخبرهم بزحفهم عليهم. ولكنه ركض مسرعا، ففلت منهم، وأخبر قومه بغزوهم، فكذبوه، فقال في ذلك شعرا، وجاءت "بكر بن وائل" فأغارت عليهم٢.
وقد وصفه "عمرو بن معدي كرب" في شعر منه:
وسيريَ حتى قال في القوم قائل ... عليك أبا ثور سليك المقانب٣
ومر "سليك" في بعض غزواته ببيت من "خثعم"، أهله خلوف، فرأى فيهم امرأة بضة شابة، فتسنّمها ومضى، فأخبرت القوم، فركب "أنس بن مدرك الخثعمي" في أثره فقتله، وطولب بديته، فقال: والله لا أديه ابن إفال، وقال:
إني وقتلي سليكا يوم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشد على وجعائها الثغر٤
وقد ورد البيتان على هذه الصورة:
إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
أنفت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشد على وجعائها الثغر٥
ومن بقية الشعراء الصعاليك، "حاجز" الأسدي، و "قيس بن الحدادية"
стр. 6547
الأزدي، و "أبو الطمحان" القيني، و "أبو خراش" الهذلي، وصخر الغي الهذلي١، وأخوه الأعلم الهذلي٢، وعمرو ذو الكلب٣.
فأما "قيس بن الحدادية"، فهو "قيس بن منقذ بن عبيد بن أصرم بن ضاظر بن حبشية بن سلول"، وله مع "عامر بن الظرب" حديث. وصفه "المرزباني" بـ "شاعر قديم كثير الشعر"٤. وأمه من "بني حداد" كنانة، وقومها يجعلونها من حداد محارب. وكان صعلوكا خليعا٥، ساهم مع جماعة من أهله في قتل رجل من قبيلتهم، وعجز قومه عن دفع ديته، فولوا هاربين، فنزلوا في "فراس بن غنم" ثم لم يلبثوا أن قتلوا منهم رجلا، فهربوا، فنزلوا على "أسد بن كرز" من "بجيلة"، فأحسن إليهم وتحمل عنهم ما أصابوه في خزاعة وفي فراس٦. وقد نسب "قيس" إلى أمه الحدادية، وهي حضرمية من محارب٧. وورد أن أمه من "محارب بن خصفة". و"حداد" من كنانة. ومن شعره:
أنا الذي أطرده مواليه ... وكلهم بعد الصفاء قاليه٨
ولا نجد في بطون الكتب شعرا كثيرا لقيس بن الحدادية، بحيث تنطبق عليه جملة "كثير الشعر" التي أطلقها "المرزباني" على شعر هذا الشاعر، مما يبعث على الاحتمال بضياعه منذ عهد طويل.
وألف "قيس بن الحدادية"، عصابة ضمت "شذاذا من العرب وفتاكا
стр. 6548
من قومه" وأخذ يغير على عشيرته بسبب خلعها له، وبقي شريدا متمردا يغزو بصعاليكه، إلى أن قتل صعلوكا١.
وأما "أبو الطمحان" القيني، فهو "حنظلة بن الشرقي" من بني كنانة بن القين، وكان فاسقا، نازلا بمكة على الزبير بن عبد المطلب، وكان ينزل عليه الخلعاء، وكان نديما له في الجاهلية. اختلف فيه، فمنهم من قال إنه جاهلي، ومنهم من قال إنه أدرك الإسلام. وقد زعم بعضهم أنه عاش مائتي سنة، وأنه ندم على ما اقترفه من الذنوب كالزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والسرقة، ورووا له شعرا تبرأ فيه من الذنوب. ذكر أنه قيل له: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير، قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت بديرانية، فأكلت عندها طفشيلا بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت!؟ وكانت له ناقة يقال لها "المرقال"، وله إبل استقاها قوم نزلوا ضيوفا عليه وشربوا من ألبانها ثم أخذوها معهم، فقال في ذلك شعرا منه:
وأني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر٢
وذلك أنه جاورهم. فكان يسقيهم اللبن؛ فقال أرجو أن تشكروا لي رد إبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر، كأنه يقول: كنتم مهازيل فبسط ذلك من جلودكم٣.
وروي أنه كان من المعمرين، عاش على حد قول بعضهم مائتي سنة. فقال في ذلك:
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أني بقيد٤
стр. 6549
ونسب "المرتضى" له قوله:
وإني من القوم الذين همُ همُ ... إذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه١
وقد لاقى "أبو الطمحان" مصاعب عديدة، وكان لا يكاد يجد له مكانا يستقر فيه، حتى تقع له حادثة توقعه في مشكلات عويصة وفي شدة ومحنة، فكان ينتقل من جار إلى جار، ثم يهم بالعودة إلى أهله لولا خوفه من أداء الدية التي عليه أن يدفعها، فيحجم عن الذهاب إليهم، حتى استقر أخيرا في "بني فزارة" في جوار رجل يقال له "مالك بن سعد" أحد "بني شمخ"، وكان كريما، فآواه، وأعطاء إبلا لتكون دية جنايته وزاد عليها، وكان قد لمّح له أنه يريد العودة إلى أهله لولا هذه الدية، فلما وجد هذا السخاء من مالك، بقي عنده، وصار أحد عشيرته حتى هلك فيها، وهو طاعن في السن٢. فذكره "السجستاني" لذلك في المعمرين، وأعطاه مائتي سنة من عمر مديد٣!
ونسب إلى "أبي الطمحان" قوله:
إن الزمان ولا تفنى عجائبه ... فيه تقطع ألاف وأقران
أمست بنو القين أفراقا موزعة ... كأنهم من بقايا حي لقمان٤
وله شعر في مدح "مالك بن حمار" الشمخي، وكان شريفا من أشراف العرب قتله "خفاف بن ندمة" السلمي٥، يقول فيه:
стр. 6550
سأمدح مالكا في كل ركب ... لقيتهم وأترك كل رذل
فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلة سدس وبزل
وقد عرفت كلابُكم ثيابي ... كأني منكم ونسيت أهلي
نمتكم من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل١
وله أيضا:
فكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفيّ بعقد الجار حين يفارقه
يكاد الغمام الغر يزعب إن رأى ... وجوه بني لأم وينهل بارقه٢
وله في "بني نمير" قوله:
مهلا نمير فإنكم أمسيتم ... منا بثغر ثنيّة لم تستر
سودا كأنكم ذئاب خطيطة ... مطر البلاد وحرمها لم يمطر
يحبون ما بين أجا وبرقة عالج ... حبو الضباب إلى أصول السخبر
وتركتم قصب الشريف طواميا ... تهوى ثنيته كعين الأعور٣
وله في الاتعاظ والاعتبار بدروس الغابرين، قوله:
ألا ترى مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان
ظل العبادي يسقي فوق قلته ... ولم يهب ريب دهر حق خوان
حتى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتان٤
ولما في حياة الصعالكة من غرابة وطرافة ومغامرات، تستلذ لسماعها الآذان، وضع الوضاعون عليهم إخبارا كثيرة وأشعارا عديدة، تجد بعضها تحكي الأيام
стр. 6551
التي وضع الوضاعون فيه تلك الأشعار، من حيث الطعن في الأغنياء، وتفضيل الفقراء عليهم، وترجيح الفقير على الغني، لشعوره بشعور إنساني حرم منه الغني الذي لم يكن يفكر إلا بنفسه، كما أن في كثير من الشعر المصنوع طابع حياة المغامرات. وهو يختلف نصا من مؤلف إلى مؤلف، مما يدل على تعدد الروايات، وأنه أخذ من ألسنة متعددة، فتعدد بعددها.
стр. 6552
الفصل الحادي والستون بعد المائة: شعراء القرى العربية
والقرى العربية في نظر "ابن سلام" خمس هن: مكة والمدينة والطائف واليمامة والبحرين١. و "القرية" في تفسير علماء العربية المصر الجامع، وقيل كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وتقع على المدن وغيرها٢. وقد جاءت اللفظة في مواضع عديدة من القرآن. كما وردت فيه: "القريتين"، بمعنى مكة والطائف٣، و"أم القرى"، بمعنى "مكة"٤، و"أهل القرى"، و"القرى". ومكة والمدينة والطائف قرى، أما "اليمامة"، فمصر جامع، ضم قرى، وكذلك البحرين. ولم تدخل "الحيرة"، أو الأنبار، في القرى العربية لكونهما خارج حدود جزيرة العرب في عرف العلماء.
وذكر "ابن سلام" أن أشعر أهل القرى الخمس، أهل قرية "المدينة"، أي "يثرب". وقد أخرجت خمسة من الفحول: ثلاثة من الخزرج واثنان من الأوس. فمن الخزرج من "بني النجار": "حسان بن ثابت"، ومن "بني سلمة": "كعب بن مالك"، ومن "بلحارث بن الخزرج": "عبد الله بن رواحة".
стр. 6553
ومن "الأوس": "قيس بن الخطيم"، من "بني ظفر"، و "أبو قيس بن الأسلت" من "بني عمرو بن عوف"١.
وروي عن "أبي عبيدة" قوله: "اجتمعت العرب على أن أشعر أهل المدر: يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدر: حسان بن ثابت، ثم قال: "حسان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر اليمن في الإسلام، وهو شاعر أهل القرى". وروي أنه كان أشعر أهل الحضر٢.
وقال "ابن سلام" في حديثه عن مكة: "وبمكة شعراء"٣ ووصف أشعار قريش بأنها أشعار فيها لين٤، وهي سهلة سلسة إذا قيست بأشعار أهل البادية، يتغلب عليها طابع الحضارة، وكذلك شعر باقي القرى. وقال عن "الطائف"، وبها شعراء وليس بالكثير. وعلل ذلك بقوله: "وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يُغيرون ويغار عليهم. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم ثائرة، ولم يحاربوا. وذلك الذي قلل شعر عمان وأهل الطائف"٥. وقال عن "البحرين": "وفي البحرين شعر كثير جيد وفصاحة"٦. وقال عن "اليمامة": "ولا أعرف باليمامة شاعرا مشهورا"٧.
ولم تنفرد أشعار قريش وحدها باللين، وإنما الليونة والسهولة في الشعر من طبائع الشعر الحضري أجمع. ففي طبيعة الحياة في الحاضرة سهولة غير موجودة في حياة البداوة، وراحة ودعة واستقرار، وهي أمور لا توجد في البادية، ثم فيها اجتماع واحتكاك بعالم خارجي، وميل إلى جمع المال والاستمتاع به، والابتعاد عن الغزو والحرب، وهي هينة رخيصة عند الأعراب، وما الذي يجعل الأعرابي يحرص على حياته حرص أهل الحواضر، وكل ما عنده جوع وفقر وطبيعة قاسية
стр. 6554
تجعله لا يحصل على قوته إلا بالإغارة على غيره لاستلاب ما عنده من رزق. فلا غرابة إذا ما غلظ شعره وخشن شعوره المتمثل في نظمه، ولأن شعر الحضري في مقابله.
ولم يذكر "ابن سلام" السبب الذي جعل "اليمامة" فقيرة في الشعر، حيث يقول: "ولا أعرف باليمامة شاعرا مشهورا"١، ولا الأسباب التي حملته على القول بعدم وقوفه على شاعر شهير فيها، مع أن "الأعشى" منها، وهو شاعر شهير، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وهما شاعران مشهوران من "قيس بن ثعلبة"، و"قيس بن ثعلبة" من القبائل النازلة باليمامة، وقد ذكرها "ابن سلام" في طبقاته، كما ذكر "المتلمس"، في طبقاته، وهو شاعر معروف من شعراء اليمامة كذلك. ويظهر أنه نسي أسماءهم، لأنه كان يعلم أن الغلبة كانت لبني حنيفة على اليمامة عند ظهور الإسلام، ولم يحفظ الرواة -لسبب لا نعرفه- شعرا لشعراء من بني "حنيفة"، فعمم قوله على كل اليمامة، والحكم بالتعميم شيء مألوف بين أهل الأخبار.
وقد ذهب "الجاحظ" إلى أن "بني حنيفة" أهل اليمامة، كانوا أقل الناس شعرا، إذ يقول: "وبنو حنيفة مع كثرة عدهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها، ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء ورجازون". وقد أنكر أن يكون ذلك بسبب مكان الخصب وأنهم أهل مدر، أي حضر، وإنما رجع ذلك إلى الطبع، وإلى "قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها"٢.
ويلاحظ أن علماء اللغة، جعلوا "اليمامة" في جملة الأرضين التي لم يرجعوا إلى لغاتها، فذكروا أنهم لم يأخذوا اللغة "لا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمجاورتهم تجار اليمن المقيمين عندهم"٣، وذلك في الإسلام بالطبع، لأن تدوين اللغة لم يبدأ به إلا في هذا الحين. وهو رأي صحيح، لأن لغات أهل اليمامة متأثرة باللهجات العربية الجنوبية، كما كانت كتابتهم
стр. 6555
بالمسند، بدليل عثور المستشرقين على كتابات عديدة في مواضع من اليمامة، مدونة بهذا القلم، وبلغة عربية جنوبية متأثرة بلهجات خاصة بعض التأثر، ولهذا فنحن تستطيع أن نقول إن كتابات اليمامة التي عثر عليها الآن والتي سيعثر عليها في المستقبل، تكون مجموعة فريدة مهمة من الكتابات الجاهلية وقد تكون جسرا بين العربية الجنوبية القحة، وبين اللغات العربية الشمالية، وقد تكون هذه الخصائص اللغوية الفريدة هي التي جعلت "ابن سلام" يقول في طبقاته: "ولا أعرف باليمامة شاعرا مشهورا"١، إذ سمع أن شعراء اليمامة كانوا يقولون الشعر بلهجاتهم التي تختلف عن اللهجة التي نظم بها شعراء مجموعة "أل" فأهمل لذلك شعرهم، أو أن شعرهم لكونه شعرا محليا خاصا، لم ينتشر خارج قبائل اليمامة، فلم يصل إلى علمه منه شيء، فقال لذلك قوله المذكور، ولم يعده من الشعر المألوف، الذي تعورف عليه بين علماء الشعر، ولما كان "الأعشى" والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، والمتلمس، قد نظموا الشعر باللهجة المألوفة، ولكونهم من المتنقلة الذين تنقلوا بين العرب، وقضوا أكثر أوقاتهم خارج اليمامة، لم يدخلهم لذلك في شعراء اليمامة، لا جهلا منه بأصلهم، وإنما لما بينته من أسباب.
ولعل لكثرة وجود العبيد والموالي بها دخل في هذا الباب، فاليمامة أرض خصبة ذات مياه، استقر أهلها وأقاموا في القرى وزرعوا واستعانوا بالموالي وبالعبيد وبأهل اليمن لاستغلال أرضهم، فصاروا من أصحاب الزارعة في جزيرة العرب، كما استغلوا معادنها، واستعانوا في استغلالها بالأعاجم، فذكر أنه كان في معدن "شمام" ألف أو يزيد من المجوس، لهم بيت نار٢. ولعل "آل كرمان"، و "الأحمر" في الحرملية، هم من الأعاجم الذين كانوا قد ولجوا هذه المواضع للعمل بها قبل الإسلام٣، أضف إلى ذلك وجود عدد كبير آخر من الموالي في أكثر قرى اليمامة، شغلوا في الزراعة وفي استغلال المعادن وفي تصنيعها، وهي أمور يأنف منها الأعرابي ويزدريها. ولهذا قيل لهم أهل "ريف"، وقد وصفهم جرير بقوله:
стр. 6556
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها١
وذلك تعبيرا عن كثرة من كان في اليمامة من العبيد والموالي الذين لعبوا دورا كبيرا في اقتصاد اليمامة، حيث شغلوا في الزراعة وفي الرعي وفي استغلال المعادن والصناعة، وإنشاء القرى، حتى صارت أرضها بين قري وأرض استغلت بزرعها سيحا، أي على مياه الأمطار. وأما القرى، فقد أقيمت على الآبار والعيون والمياه الجارية وعلي حافات الأودية. وقد حفر الرقيق أكثر هذه الآبار، كما استغلت الآبار العادية، أي الآبار القديمة التي تنسب إلى ما قبل مجيء قبائل "ربيعة" إلى اليمامة. ونجد في الكتب التي وصفت اليمامة ذكرا لمواضع كثيرة، توفرت بها المياه، فصارت أرضين خصبة، مونت اليمامة وغيرها بالحنطة والتمور والخضر.
وكان جل أهل "اليمامة" عند ظهور الإسلام من "بكر بن وائل"، وبكر بن وائل من "ربيعة"، فهم ليسوا من "مضر" أذن، الذين أخذ عنهم علماء العربية اللغة في الإسلام. فقوم الأعشى، وهم "بنو قيس بن ثعلبة" من بكر بن وائل، وبنو حنيفة، وهم قوم "مسيلمة" من بني لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل"٢، فإلى ربيعة كانت الغلبة في هذا العهد، وأما بطون "تميم" التي كانت تقيم في مناطق من اليمامة، فلم تكن تكوّن الكثرة إلى جانب ربيعة، وتميم من مضر في عرف أهل الأخبار.
واليمامة إقليم مشهور عرف بعذوبة مياهه، وبخصبه وبكثرة قراه، وباشتغال أهله بالزراعة، وزراعة النخيل والأشجار المثمرة والحنطة، كما عرف بتربيته للإبل والبقر والغنم، ولذلك وفرت اللحوم به، وقد استقر أهله، وصاروا حضرا وأشباه حضر، ولعل لصلتهم باليمن ولنزوح أهلها القدامى من اليمن، وهم أهل زرع وضرع، ثم توفر الماء والتربة الخصبة في اليمامة، جعلت كل هذه الأمور أهلها حضرا على مستوى عال من الحياة بالنسبة إلى من كان يقيم في البوادي من القبائل، اعتمدوا في الدفاع عن أنفسهم على الحصون والبتل التي لا تزال آثار بعضها قائمة إلى هذا اليوم، فكانوا إذا بوغتوا بهجوم، أسرعوا إلى بتلهم وقصورهم، فتحصنوا بها. وهي من أهم ما يميز أهل الحضر عن
стр. 6557
أهل الوبر. ولهذا نجد مستوطنات أهل المدر، مكونة من أطم كما تسمى في "يثرب"، وقصور كما تسمى في الحيرة وفي قرى عرب العراق، وبتل كما عرفت في اليمامة، وبفضل هذا النظام الدفاعي، حموا أنفسهم من هجمات الأعراب عليهم.
ولطابع الاستقرار الغالب على أهل اليمامة أثر في شعر شعراء اليمامة. يظهر في أساليب شعرائها السهلة وفي البحور التي نظموا بها شعرهم، وهم يقربون بذلك من شعراء عرب العراق أو الشعراء الذين تأثروا بالشعر العراقي، كما يظهر هذا الطابع في المعاني التي تطرقوا إليها، وسبب قربهم في المعاني وفي الصياغة من أهل العراق، هو تشابه الحياة بين عرب الحيرة مثلا وبين أهل اليمامة. فأهل الحيرة حضر أو أشباه حضر، وأهل اليمامة حضر مثلهم أو أشباه حضر، لهم زراعة، ولهم حرف قد احترفوها منذ أمد طويل، ثم إن النصرانية كانت قد انتشرت بين عرب العراق، وقد انتشرت بين أهل اليمامة كذلك، وجذورها وإن لم تكن عميقة راسخة في المحيطين، لكنها كانت قد تأثرت بعقلية أهلهما على كل حال.
ومن شعراء اليمامة المرقش الأكبر، وهو "ربيعة بن سعد بن مالك"، ويقال: بل هو عمرو بن سعد بن مالك، وقيل "عوف بن سعد بن مالك" من "بني قيس بن ثعلبة" من قبائل اليمامة المعروفة، وكان أبوه سيد قومه في حرب البسوس، وهو خال "عمرو بن قميئة"، وله صهر مع طرفة والأعشى ميمون١. ذكر أنه إنما عرف بالمرقش بهذا البيت:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم٢
ويعد "المرقش" الأكبر من الشعراء العشاق، وله قصة عن حبه ابنة عمه، وعن زواجها أثناء غيابه، ثم بحثه عنها، ونزوله كهفا أسفل "نجران"، ثم احتياله في الوصول إليها، ووفاته بعد ذلك، وهي قصة نجد لها مثيلا في قصص
стр. 6558
وحكايات الأمم الأخرى١. وقيل إن صاحبته "أسماء بنت عوف بن مالك"، كان أبوها زوّجها رجلا من مراد، والمرقش غائب، فلما رجع أخبر بذلك، فخرج يريدها ومعه عسيف له من "غفيلة" فلما صار في بعض الطريق مرض، حتى ما يحمل إلا معروضا، فتركه الغفيلي هناك في غار، وانصرف إلى أهله، فخبرهم أنه مات، فأخذوه وضربوه حتى أقر، فقتلوه، ويقال إن أسماء وقفت على أمره، فبعثت إليه فحمل إليها، وقد أكلت السباع أنفه. فقال:
يا راكبا أما عرضت فبلغن ... أنس بن عمرو حيث كان وحرملا
وقد وصف في هذه الأبيات ما لاقاه في سفره، وهروب الغفيلي منه، وذهاب السباع بأنفه، ويقال إنه كتبها على خشب الرحل بالحميرية، وكان يكتب بها، فقرأها قومه، فلذلك ضربوا الغفيلي حتى أقر٢. وفي أكل السباع أنفه يقول:
من مبلغ الفتيان أن مرقشا ... أضحى على الأصحاب عبئا مثقلا
ذهب السباع بأنفه فتركنه ... ينهشن منه في القفار مجدلا٣
ونسب له قوله:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
أخوك الذي إن أحرجتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما
وليس أخوك بالذي إن تشعبت
... عليك أمور ظل يلحاك دائما٤
وقد تعرض "المعري" لكلمة "المرقش":
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان حيا ناطقا كلم
وقال بعد ذلك: "على أن مرقشا خلط في كلمته فقال:
стр. 6559
ماذا علينا إن غزا ملك ... من آل جفنة ظالم مرغم
وهذا خروج عما ذهب إليه الخليل"١.
وتعرض بعد ذلك له، بأن تصور نفسه وهو يقول له وقد زاره في أطباق العذاب: إن قوما من أهل الإسلام كانوا يستزرون بقصيدتك الميمية التي أولها:
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان حيا ناطقا كلم
وإنها عندي لمن المفردات. وكان بعض الأدباء يرى أنها والميمية التي قالها المرقش الأصغر ناقصتان عن القصائد المفضليات، ولقد وهم صاحب هذه المقالة. وبعض الناس يروي هذا الشعر لك:
تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند ولكن من يبلغه هندا
خليلي جورا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
ولم أجدها في ديوانك فهل ما حكي صحيح عنك؟
فيقول: لقد قلت أشياء كثيرة، منها ما نقل إليكم، ومنها لم ينقل. وقد يجوز أن أكون قلت هذه الأبيات ولكني سرفتها لطول الأبد ولعلك تنكر أنها في هند، وإن صاحبتي أسماء، فلا تنفر من ذلك، فقد ينتقل المشبب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عمره مستهترا بشخص من الناس، ثم ينصرف إلى شخص آخر، ألا تسمع إلى قولي:
سفه تذكُّره خويلة بعدما ... حالت ذرا نجران دون لقائها٢
ومن القصيدة الميمية المنسوبة إليه قوله:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم٣
стр. 6560
وقوله:
ليس على طول الحياة ندم ... ومن مراء المرء ما يعلم١
ولم يبق من شعر المرقش الأكبر إلا "١٢" قطعة، وفي بعض شعره اضطراب، والقطعة "٥٤" من الأصمعيات من بحر عروض لم يهتد المتأخرون إلى تحديده٢. ونجد بحر الخفيف عنده٣.
وأما المرقش الأصغر، فهو "عمرو بن حرملة"، وقيل: "ربيعة بن سفيان"، وقيل "عمرو بن سفيان" وهو من بني سعد بن مالك بن ضبيعة، أحد عشاق العرب المشهورين. وورد في رواية أنه أخو المرقش الأكبر، ويقال إنه ابن أخيه، وقد اشتهر بقصة غرامه بفاطمة بنت المنذر الثالث ملك الحيرة٤ وكانت لها خادمة تجمع بينهما، يقال لها "هند بنت عجلان"، وكان للمرقش ابن عم يقال له "جناب بن عوف بن مالك"، لايؤثر عليه أحدا، وكان لا يكتمه شيئا من أمره، فألح عليه أن يخلفه ليلة عند صاحبته، فامتنع عليه زمانا، ثم إنه أجابه إلى ذلك، فعلمه كيف يصنع إذا دخل عليها، فلما دنا منها أنكرت عليه مسه، فنحته عنها، وقالت: لعن الله سرا عند المعيدي. وجاءت الوليدة فأخرجته، فأتى المرقش فأخبره، فعض على إبهامه فقطعها أسفا وهام على وجهه حياء. وخلد القصة في شعر٥.
وكان هرب من المنذر وأتى الشام، فقال:
أبلغ المنذر المنقب عني ... غير مستعتب ولا مستعين
لات هنا وليتني طرف الز ... ج وأهلي بالشأم ذات القرون٦
стр. 6561
وصاحبته بنت عجلان، أمة كانت لبنت "عمرو بن هند"، وفيه يقول:
يا بنت عجلان ما أصبرني ... على خطوب كنحت بالقدوم
ومن شعره المشهور هذا البيت:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما١
ويعد المرقش الأصغر أشعر من عمه، ويغلب على شعره الغزل، وهو أكثر صقلا، وأقرب مطابقة لأسلوب المتأخرين٢.
ومن شعراء اليمامة: "المتلمس"، وهو "جرير بن عبد المسيح"، وقيل "جرير بن عبد العزى"، وقيل غير ذلك، وهو من بني ضبيعة، وأخواله "بنو يشكر". وهو خال" طرفة"، لقب بالمتلمس لبيت قاله، هو:
فهذا أوان العرض حيا ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
وقيل إن اسم أبيه "عبد العزى"، وهو من أسماء الوثنيين، ويظهر أنه تنصر فسمى نفسه عبد المسيح٣.
وكان ينادم "عمرو بن هند" ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فبلغه أنهما هجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين، أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فاستراب "المتلمس" من الكتابين وعرض كتابه على غلام من أهل الحيرة، فقرأه فإذا فيه أمر بقطع يديه ورجليه، ودفنه حيا، فمزقه، ورماه في نهر الحيرة، وقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، فأبى وذهب إلى البحرين فقتله عامل "عمرو بن هند". وهرب المتلمس إلى بصرى
стр. 6562
واستقر هناك إلى أن مات بها. وضرب المثل بصحيفة المتلمس١.
و"المتلمس" من "ضبيعة أضجم"، وقد نسبت إلى "الحارث الأضجم"، وكان قديم السؤدد فيهم، كانت تجبى إليه إتاوتهم٢.
وقد ذكر "العيني" أن البيت المنسوب إلى "المتلمس"، وهو البيت الذي ضرب به المثل، فقيل صحيفة المتلمس، ونصه:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
ليس من نظم المتلمس، ولم يقع في ديوان شعره، وإنما هو لأبي مروان النحوي، قاله في قصة المتلمس حين فر من عمرو بن هند. وكان قد هجا "عمرو بن هند"، وهجاه أيضا طرفة بن العبد، فقتل طرفة وفر المتلمس. وبعد البيت المذكور:
ومضى يظن بريد عمرو خلفه ... خوفا وفارق أرضه وقلاها٣
ويحتمل على رأي "بروكلمان" أن تكون قصة الصحيفة مختلفة، وكذلك القصيدة التي ورد فيها ذلك البيت٤.
قال الشريف المرتضى: "ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة في هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح
стр. 6563
طرفة النعمان، فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان"١.
وفي شعر المتلمس ما يتعلق بأخبار القبائل، وفيه هجاء لعمرو بن هند. وهو من الشعراء المقلين. "قال أبو عبيدة: واتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام المري"٢. وذكر أنه أخذ يهجو "عمرو بن هند" من منفاه، ويحرض قوم طرفة على الطلب بدمه. فمن جملة ما قاله قصيدته:
إن العراق وأهله كانوا الهوى ... فإذا نأى بي ودهم فليبعد
ولما تهدده "عمرو"، وحلف إن وجده بالعراق ليقتلنه وأن لا يطعمه حب العراق، قال المتلمس:
آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس
لم تدر بصرى بما آليت من قسم ... ولا دمشق إذا ديس الكراديس٣
وبقى ببصرى حتى هلك بها، كان له ابن يقال له: عبد المدّان، أدرك الإسلام، وكان شاعرا، هلك ببصرى ولا عقب له٤.
وكان طرفة بن العبد وخاله المتلمس وفدا على "عمرو بن هند" فنزلا منه خاصة ونادماه، ثم إنهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفا يقضي حاجته، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذاالشيخ؟ فسمع الشيخ مقالته فقال: ماترى من عجبي؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوا، وإن أعجب مني لمن يحمل حتفه وهو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة وارتاب بكتابه. ولقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام؟
стр. 6564
قال: نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه إلى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حيا. فأقبل على طرفة فقال: تعلم والله، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت إلى قول المتلمس، وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وهرب إلى الشام، وأخذ يهجو "عمرو بن هند"١.
ورويت القصة بشكل آخر خال من التزويق والتنميق نوعا ما. ذكرت أن "المتلمس وطرفة بن العبد هجوا عمرو بن هند، فبلغه ذلك، فلم يظهر لهما شيئا، ثم مدحاه فكتب لكل منهما كتابا إلى عامله بالحيرة "؟ "، وأوهم أنه كتب لهما فيه بصلة. فلما وصلا الحيرة، قال المتلمس لطرفة: إنا هجوناه، ولعله اطلع على ذلك، ولو أراد أن يصلنا لأعطانا! فهلم ندفع الكتابين إلى من يقرؤهما، فإن كان خيرا وإلا ندرنا. فامتنع طرفة، ونظر المتلمس إلى غلام قد خرج من المكتب فقال: أتحسن القراءة، قال: نعم. فأعطاه الكتاب ففتحه، فإذا فيه قتله. ففر المتلمس إلى الشام وهجا عمرا هجاء مقذعا. وأتى طرفة إلى عامل الحيرة بالكتاب فقتله"٢. وقد حلت الحيرة في هذه القصة في محل البحرين، وصار العامل القاتل عامل الحيرة، وخلت من ذكر الشيخ.
وطرفة هو القائل في قصيدة له:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وكان النبي إذا استراث الخبر يتمثل بعجز هذا البيت من هذه القصيدة٣.
ومن الشعر المنسوب إليه، قوله:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من بغاه ... وجولٍ في البلاد بغير زاد
وقوله:
ولا يقيم على ذل يراد به ... إلا الأذلان غير الحي والوتد
هذا علي الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
стр. 6565
وقوله:
ولو غير أخوالي أراد نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما١
وذكر أن النبي كتب لعيينة بن حصن كتابا، فقال: يا محمد أتراني حاملا إلى قومي كتابا كصحيفة المتلمس. أي لا أحمل إلى قومي كتابا لا علم لي بما فيه. وقد أشير إلى "صحيفة المتلمس" في شعر الفرزدق٢، وفي شعر شعراء آخرين٣.
ونسب إلى "المتلمس" قوله:
وأعلم علم حق غير ظن ... وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد٤
وله شعر في الأقارب ذكره له الجاحظ في كتاب الحيوان٥.
والمسيب بن علس، واسمه "زهير بن علس"، وإنما لقب بالمسيب بقوله:
فإن سركم ألا تئوب لقاحكم ... غزارا فقولا للمسيب يلحق٦
و"المسيب بن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة"، هو من "جُماعة"، وهم من "بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، ويكنى "أبا فضة"، وهو خال الأعشى، وكان الأعشى راويته. واسمه: "زهير بن علس". وإنما سمي "المسيب" لبيت قاله، هو:
فإن سركم ألا تئوب لقاحكم ... غزارا فقولوا للمسيب يلحق
стр. 6566
وهو جاهلي لم يدرك الإسلام، من شعراء بكر بن وائل المعدودين، وكان امتدح بعض الأعاجم، فأعطاه، ثم أتى عدوا له من الأعاجم يسأله، فسمه فمات، ولا عقب له١.
وقد ذكر "الهمداني" أن الأعشى يحتذي في شعره على مثال "المسيب"، وكان الأعشى راويته٢.
وله قصيدة قالها في "القعقاع بن معبد بن زرارة"، فيها:
فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع
أنت الذي زعمت معد أنه ... أهل التكرم والندى والباع٣
وقد أورد "الهمداني" له قصيدة زعم أنه قالها في مدح "زيد بن مرب"، أو في مدح ابن ابنه "زيد بن قيس بن زيد" أولها:
كلفت بليلي خدين الشباب ... وعالجت منها زمانا خبالا
لها العين والجيد من مغزل ... تلاعب في القفرات الغزالا٤
وقد ذكر "الجاحظ" شعرا قال إنه لغيلان بن سلمة الثقفي، هو:
في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأن متونه السحل
عقلا ورقما ثم أردفه ... كلل على ألوانها الخمل
كدم الزعاف على مآزرها ... وكأنهن ضوامرا إجل
وعقب عليه بقوله: "وهذا الشعر عندنا للمسيب بن علس"٥.
وقد نشر ديوان "المسيب بن علس" في سلسلة نشريات "كب" GIBB بلندن سنة "١٩٢٨م"٦.
стр. 6567
ومن شعراء اليمامة: "ذو الكف الأشل"، واسمه "عمرو بن عبد الله بن حنيفة" من بني قيس بن ثعلبة، يكنى أبا جلان، فارس شاعر جاهلي، توعدته "بنو حنيفة" فقال فيها شعرا١.
و"الفند"، هو "سهل بن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك بن صعب" الزماني من شعراء الجاهلية. وله قصيدة في حرب البسوس٢. وهو من "بني حنيفة". وكان أحد فرسان ربيعة المشهورين، شهد حرب بكر وتغلب، أي حرب البسوس، فكتب بنو بكر بن وائل إلى بني حنيفة يستنصروهم، فأمدوهم بالفند الزماني في سبعين رجلا، وكتبوا إليهم أنا قد بعثنا إليكم ألف رجل٣.
ومن الشعر المنسوب إليه، قوله:
كففنا عن بني هند ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام ترجعهم ... جميعا كالذي كانوا
فلما صرح الشر ... وأضحى وهو عريان
شددنا شدة الليث ... عدا والليث غضبان
بضرب فيه تفجيع ... وتوهين وإرنان
وطعن كفم الزق ... وهى والزق ملآن٤
وقد وردت هذه الأبيات في "الخزانة" بشيء من الاختلاف٥.
و"عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مر بن الدئل" الحنفي، من بني حنيفة، وهو شاعر جاهلي٦، وكذلك كان "عمرو بن الذراع" الحنفي من الشعراء الجاهليين٧.
стр. 6568
ومن شعراء اليمامة أيضا "موسى بن حابر بن أرقم بن سلمة بن عبيد" الحنفي اليمامي. وكان جاهليا نصرانيا، يلقب بـ "أزيرق" اليمامة. ويعرف بـ "ابن ليلى"، وهي أمه. وهو شاعر كثير الشعر١، وعرف أيضا بـ "ابن الفريعة"٢. وورد أنه كان من الشعراء الإسلاميين٣.
ومن شعراء اليمامة: "مجاعة بن مرارة بن سلمى٤ بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة" الحنفي اليمامي، وكان من رؤساء حنيفة، وأسلم ووفد، وأعطاه الرسول أرضا باليمامة يقال لها "العورة"، وكتب له كتابا بذلك، وكان بليغا حكيما، وكان ممن أسر يوم اليمامة، فأشير على "خالد" باستبقائه فأبقاه؛ وكان قد انضم إلى "مسيلمة"٥.
ومن شعراء اليمامة "ثمامة بن أثال"، وكان من سادتها، ولما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة، وكانوا قد عتبوا عليه لدخوله في الإسلام، حتى شق عليهم ذلك، فكتبواإلى الرسول: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنا قد هلكنا، فكتب إلى ثمامة أن خل إليهم الحمل، فخلاه إليهم. وكان قد ثبت على الإسلام، ولم يرتد مع مسيلمة. وتوفي سنة "١٢" للهجرة٦. وذكر من شعره قوله:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى ... مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجع
فيا عجبا من معشر قد تتابعوا ... له في سبيل الغي والغي أشنع٧
وأشير إلى شاعرة من شاعرات "بني عجل" اسمها "حسينة"، وكان "عمرو بن الحارث بن أقيش" العكلي، قد أسرها، في يوم العذاب في الجاهلية، وهو يوم أغارت فيه "بنو عبد مناة بن أد بن طابخة" على عجل وحنيفة بأرض
стр. 6569
جو باليمامة، ففاداها أخوها "أبجر بن جابر بن بجير بن شريط" العجلي بمائة من الإبل وخمسة أفراس١.
وإذا تجوزنا فأدخلنا "الحيرة" في جملة هذه القرى، وجب اعتبار "عدي بن زيد" العبادي ممثلها الأول، إذ لم يبلغ أحد مبلغه في الشعر من بين رجال هذه المدينة. فهو المقدم على جميع شعراء الحيرة التي كان يفد إليها الشعراء، ولأكثرهم ذكريات مع ملوكها، الذين كانوا يجملون العطاء لمن يمدحهم ويكيل لهم الثناء، لا لمجرد حب الاستماع إلى المدح والثناء والإطراء، بل لما لشعر المديح ولشعر الهجاء من أثر كبير في حياة ذلك اليوم، فالشعر هو من أهم وسائل الإعلام في ذلك الوقت، وللدعاية والإعلام وجلب الناس نحو الممدوح أهمية كبيرة بالنسبة إلى رجال الحكم والسياسة في كل زمان ومكان، إن كذبا وإن صدقا، فالسياسي يريد تحقيق سياسته، بأية وسيلة كانت، حتى إن كانت بالكذب والغش والتزوير، فالشعر من وسائل الخدمة السياسية التي استعان بها ملوك الحيرة في بسط نفوذهم في جزيرة العرب.
و"عدي بن زيد" العبادي هو ابن الحيرة، فهو لسان هذه المدينة، أما بقية الشعراء، فقد كانوا يأتون هذه المدينة، لنيل صلة أو لقضاء أمر، ثم يعودون إلى ديارهم، ومنهم من كان يطيل المقام بها، فيتأثر بثقافتها وبمحيطها حسب قابلياته وسرعة استجابته للمؤثرات الخارجية. ويظهر أنه كان لأهل الحيرة ولعرب العراق عامة ذوق خاص في الشعر، ولهم حب لتنويع البحور، والتزام البحور السهلة المؤثرة، وميل إلى التنوع في الوزن، والتعبير أحيانا عن بعض أفكار مستمدة من البداوة، والظهور بلون محدد من التراث المحلي٢.
يقول "غرونباوم": "وليس من الغريب أن نجد التفنن في الأوزان الشعرية في العراق أغنى مما كان عليه في أي مكان آخر، وذلك لأن أجيالا كثيرة هي التي عاشت في المدينة وفي البلاط، ونزعت بطبيعة وضعها إلى التحسين في تلك الفنون، ولكن الغريب المدهش حقا أن نرى أبا دؤاد يعرض علينا أغنى تنوع عروضي في الشعر العربي القديم، لأن شعره جاء على اثني عشر بحرا. وإذا
стр. 6570
عدينا أمر التنويع في الأوزان، وجدنا هذه المدرسة قد أكثرت من بحر الرمل، ولا يستعمل هذا البحر في الشعر القديم إلا أبو دؤاد في ثلاث قصائد، وطرفة في ثلاث قصائد، وعدي في سبع قصائد، والمنقب في واحدة، والأعشى في اثنتين. ولا يستثنى من هذا الحكم أيضا إلا امرؤ القيس، القصيدة ١٨ وأقول إن هذه الحقيقة تقوي الرواية التي تقول إنه كان راوية لأبي دؤاد"١.
وقد لفت نظره وجود هذا البحر: بحر الرمل في العراق، ونموه بالحيرة بصورة خاصة، وعلل ذلك بقوله: "إن الرمل استعير من الوزن البهلوي ذي الثماني مقاطع كما صوره "بنفينيسته" "المجلة الآسيوية ٢: ٢٢١، ١٩٣٠"، وأنه عدل على نحو يلائم العروض العربي. والحق أن ليس من عقبة داخلية تقف دون القول بوجود أثر فارسي في النسق الشعري العربي، في المناطق المجاورة للدولة الفارسية والتابعة لها، ولأؤيد هذه النظرية أحيل القارئ على بحر المتقارب، فقد أثبت "بنفينيسته" أنه مشتق من البحر البهلوي hendekaayllabic ذي الأحد عشر مقطعا اثباتا يكاد لا يقبل الشك"٢.
ولاحظ "غرونباوم" أن الخاصية العروضية الثانية لمدرسة الحيرة هي نزوعها إلى بحر الخفيف، وعند أبي دؤاد منه خمس عشرة قصيدة، وعند عدي سبع، وعند الأعشى خمس، ولم يستعمل هذا البحر عند الشعراء المعاصرين إلا على نحو عارض٣. ولكننا نجد بحر الخفيف في شعر "عمرو بن قميئة"٤، وفي شعر للمرقش الأكبر٥، والمرقش الأصغر٦، وفي شعر لعبيد٧، وفي شعر ينسب لعامر بن الطفيل٨، ومعلقة الحارث بن حلزة٩.
ويعتبر "شوارتز" بحري الرمل والخفيف نوعا من الإيقاع الفارسي، انتقل إلى العربية. أما تأثير الشعر الساساني في الأعشى فيشهد به قطعة "بهلفية" طبعها
стр. 6571
"بنفينيسته" وترجمها، وقطعة أبي دؤاد "١٤"١، "١٨"٢، وما فيهما من إشارة إلى البيزرة، تدلان على أثر الحضارة الساسانية في العراق.
وقد تعرض "بروكلمان" لموضوع تأثر الشعر الجاهلي بمؤثرات أجنبية، فأنكر ذلك، إذ قال: "وأما ما زعمه بعض العلماء من أن مؤثرات أجنبية أثرت في فن الشعر القديم، فليس هناك ما يؤيده، نعم يريد بورداخ أن يرجع النسيب العربي إلى شعر القصور اليونانية بالإسكندرية، لأن أكثر النسيب العربي يقال في عشق النساء المتزوجات، كما هو الحال عند شعراء ملوك الإسكندرية، ويتصور انتقال هذه الصناعة إلى العرب عن طريق شعراء الملوك في الشام والعراق. ولكن مثل هذه الأبيات الغزلية، التي تشبه النسيب في مطلع القصائد وإن لم تبلغ بعد نموا كاملا، يعرفها أيضا شعر التكرية في أوائل القصائد المطولة وفي أواخرها.
ولا شك أنه من قبيل المصادفة والاتفاق أن يبدو في قصيدة للمسيب بن علس، يتكرر فيها ست مرت هذ الخطاب: ولأنت، صدى ورنين لأسلوب الأنشودة القديم الذي يتميز به أكنوستوس تيوس. كما وضح ذلك الأستاذ نوردن٣.
ونرى في الشعر العراقي وفي شعر سواحل الخليج، أي العربية الشرقية، ذكرا للبحر وللسفين. وفي شعر طرفة قوله:
كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طورا ويهتدي
يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد٤
وصف للبحر ولسفن رجل يظهر أنه كان يهوديا صاحب سفن، ولا نجد هذا الوصف أو الالتفاتة إلى البحر في شعر الشعراء القاطنين البوادي، أو الذين لم يروا النهرين الكبيرين في العراق أو ساحل الخليج. فهذا الوصف هو من خصائص
стр. 6572
البلاد التي تكون على سواحل البحار.
وليس وجود السهولة في الشعر العراقي مثل شعر "عدي بن زيد"، أو في شعر أهل القرى، بأمر غريب. وقد عبر عنها بالليونة كذلك. فالحضارة، أي الحياة في القرية أو في المدينة. وحياة أهل المدر، هي ليونة وسهولة في حد ذاتها بالنسبة إلى حياة البوادي والبراري، حيث الخشونة والغلظة في الحياة، ومن ثم صار الأعرابي غليظا فظًّا خشنا، يتكلم بعنجهية لا يفهمها أهل المدر والاستقرار، فيتصورونها فظاظة منه وغلظة، وإنسان على هذا النحو من الطبع أو التطبع، لا بد وأن يكون شعره خشنا مثله، فالشعر تعبير عن إحساس نفسي، وعن انعكاس لثقافة المرء ولتربيته الناتجة عن محيطه، ولهذا نجد شعر شعراء القرى يختلف عن شعر أهل البوادي، بألفاظه وبأسلوب نظمه وبمعانيه وبروحه الحضرية.
وقد وصف شعر "عدي" بالليونة، ونسبوا ذلك إلى سكنه الحضر. "وأما عدي بن زيد فلقربه من الريف وسكناه الحيرة في حيز النعمان بن المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، وإلا فهو مقل"١. وقالوا عنه "وعدي من الشعراء مثل سهيل في النجوم: يعارضها، ولا يجري معها. هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي الناس، ذهبت بذهاب الرواة الذين يحملونها"٢. وقيل عن شعره: "والعرب لا تروي شعره، لأن ألفاظه ليست بنجدية، وكان نصرانيا من عباد الحيرة، قد قرأ الكتب"٣. وقد أرادوا بالكتب، الكتب المقدسة التوراة والأناجيل والكتب النصرانية الأخرى. ولم يشيروا إلى لغتها، والأغلب أنها كانت بالآرامية التي كانت شائعة في العراق وبين نصارى المشرق، ولكني لا استبعد احتمال وجود بعض منها باللغة العربية، لأن غالبية أهل الحيرة كانت تتكلم بها، ولا سيما الطبقة الحاكمة التي هي من صلب عربي. فلا يستبعد احتمال ترجمة بعض الكتب لهم بالعربية، للوقوف عليها.
قال "أبو عبيدة" إن العرب لاتروي شعر أبي دؤاد وعدي بن زيد، لأن ألفاظهما ليست بنجدية، فلا بد أن يكون أساس الشعر عندهم على صميم العربية.
стр. 6573
من لسان مضر، وما عدا ذلك فهو مما تبعث عليه فطرة صاحبه، ولكن العرب لا يبالون به ولا يروونه، وعلى هذا مشى المتأخرون في الاحتجاج بالشعر العربي، فالعلماء لا يرون شعر عدي بن زيد حجة. لأنه كان يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه؛ وهذا الاعتبار يحدد لنا منشأ الشعر"١. ولكننا لو تصفحنا شعر الشواهد، نجد أن فيه شعرا من شعر عدي، استشهد به في القواعد٢، وقد ذكر "الجاحظ" أن "أبا إياس" النصري، وكان أنسب الناس، كان يقول: "كانوا يقولون: أشعر العرب أبو دواد الإيادي، وعدي بن زيد العبادي"٣.
والواقع أن شعر "عدي" أقرب إلينا من شعر أهل البادية، وأسهل فهما، وفيه معان حضرية لا نعثر عليها في شعر شعراء أهل الوبر، ونجد في شعره ألفاظا معربة، استشهد بها "الجواليقي" في كتابه المعرب، وذلك دليل على تأثره بمحيطه وببلدته التي كانت عربية نبطية فارسية، تلعب بها تيارات ثقافية متباينة، وهو يخالف شعراء البوادي، فابتعاده عن الأعاريض الطويلة، وميله إلى الأعاريض القصيرة، ثم في أسلوب خمرياته الشبيهة بخمريات الأعشى وحسان بن ثابت، ثم يخالف شعراء نجد في أفكار الزهد والتصوف التي ترد في شعره، والتي لا ترد ولا تخطر على بال الشاعر الأعرابي٤.
وعدي بن زيد العبادي، هو "عدي بن زيد بن حماد بن أيوب"، وقيل: "عدي بن زيد بن حمار "حماز" بن زيد بن أيوب بن مجروف "محروف" بن عامر بن عصبة "عصية" بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم"، وقيل: عدي بن زيد بن أيوب بن حمار "حماد" "جمار"، أحد بني "امرئ
стр. 6574
القيس بن زيد مناة بن تميم"١. وكان كاتبا لكسرى على ما يجتبى من الغور، وكان سبب ملك النعمان بن المنذر. وكان كسرى مكرما له محبا، وكان عدي أنبل أهل الحيرة وأجودهم منزلة ولو أراد أن يملكه كسرى على الحيرة ملكه، ولكن كان يحب الصيد واللهو، ولم يكن راغبا في ملك العرب٢. وعرف بـ "أبي سوادة"٣.
وجد عدي أول من سمي من العرب بأيوب، وجده "جمار" "حمار" "حماد" "حماز" أول من كتب من العرب، لأنه نزل الحيرة فتعلم الكتابة منها. وذكره الجمحي في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقال: هم أربعة رهط، فحول شعراء، موضعهم من الأوائل، وإنماأخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، طرفة وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد٤. وذكر أن "حمازا"، كان أول من تعلم الكتابة "من بني أيوب" وكتب للنعمان الأكبر٥.
وكان لعدي بن زيد عدو من أهل الحيرة يقال له: "عدي بن أوس" من "بني مرينا". سبق أن تحدثت عنه، أوغر صدر "النعمان" على عدي حتى حبسه بالصنّين، سجن بظاهر الكوفة، فقال عدي بن زيد شعره كله أو أكثره في الحبس حتى مات به٦. وكان موته من جملة أسباب القضاء على حكم النعمان٧.
стр. 6575
وقد ذكر عنه علماء الشعر، أنه كان نصرانيا هو وأهله، وليس معدودا من الفحول، وعيب عليه أشياء. "وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم، يعارضها ولايجري معها. وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت. ومثلهما عندهم من الإسلاميين الكميت والطرماح"١. وقيل عنه إنه "كان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جدا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة، وله أربع قصائد غرر إحداهن:
أرواح مودع أم بكور ... لك فاعمد لأي حال تصير
والثانية:
أتعرف رسم الدار من أم معبد ... نعم فرماك الشوق قبل التجلد
والثالثة:
لم أر مثل الفتيان في غبن الـ ... ـأيام ينسون ما عواقبها
والرابعة:
طال ليلي أُراقب التنويرا ... أرقب الليل بالصباح بصيرا٢
ومن شعره:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي
يقال إن رسول الله ﷺ قال: كلمة نبي ألقيت على لسان شاعر: إن القرين بالمقارن مقتدي٣
ومن الأخباريين من نسب القصيدة التي مطلعها:
طال ليلي أراقب التنويرا ... أرق الليل بالصباح بصيرا
стр. 6576
إلى "سوادة بن عدي" غير أن معظمهم يرى أنها لعدي١.
وذكر "أبو العلاء" المعري، أنه شاهد بعض الوراقين ببغداد، يسأل عن قافية "عدي بن زيد" العبادي، التي أولها:
بكر العاذلات في غلس الصبـ ... ـح يعاتبنه أما تستفيق
وأن "ابن حاجب النعمان"، وهو أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم، سأل عن هذه القصيدة وطلبت في نسخ من ديوان عدي، فلم توجد، ثم سمع بعد ذلك أن رجلا من أهل "استراباذ"، يقرأ هذه القافية في ديوان "العبادي"، ولم تكن في النسخة التي في دار العلم٢. وقد أورد "المعري" قصائد من شعره في رسالة الغفران٣، وأشار إلى بعض ما نحل عليه، وإلى بعض ما نسب إليه، ونسب إلى غيره٤.
"قال الأصمعي: كان عدي لا يحسن أن ينعت الخيل، وأخذ عليه قوله في صفة الفرس: فارها متتايعا. وقال: لا يقال لفرس "فاره" إنما يقال له جواد وعتيق، ويقال للكودن والبغل والحمار: فاره"٥. ووصف الخمر بالخضرة، ولم يعلم أحد وصفها بذلك. وهو أول من شبه أباريق الخمر بالظباء٦. وقالوا عنه إنه ممن أقر على نفسه بالزنا. وأوردوا له أبيات شعر في ذلك٧.
وفي شعر "عدي بن زيد"، زهد الرهبان وتصوف المتصوفين، فيه تذكير بالآخرة وتزهيد في الدنيا، ووعظ بمصير محزن يلحق المغرورين العتاة المتجبرين كالمصير الذي لحق الملوك الطغاة والأقوام الخالية، ولا سيما في القصيدة التي يقول فيها:
стр. 6577
أين كسرى كسرى الملوك أنوشَرْ ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور
وأخو الخضر إذ بناه وإذ دجـ ... ـلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلـ ... ـسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فبان الـ ... ـملك عنه فبابه مهجور
وتبين رب الخورنق إذ أشـ ... ـرف يوما وللهدي تفكير
سره ماله وكثرة ما يمـ ... ـلك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال فما غبـ ... ـطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والنعـ ... ـمة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور١
وورد أن "هشام بن عبد الملك"، كان في مجلس فخم، فحدثه "خالد بن صفوان" بحديث ملك الحيرة الذي اغتر بهذه الدنيا، ثم أنشد قصيدة "عدي بن زيد"، التي منها:
أيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ ... ـام بل أنت جاهل مغرور
حتى أتم إنشادها عليه، فبكى وتأثر٢. وورد في رواية أخرى أن قائل هذا الشعر هو: أحد بني تميم "عدي بن سالم" المري العدوي. وقد ذكر ذلك "السهيلي"، لكنه عاد بعد ذكره الشعر، فقال: "والذي ذكره عدي بن زيد في هذا الشعر هو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر. وأول هذا الشعر:
أرواح مودع أم بكور ... لك فانظر لأي ذاك تصير
قاله عدي وهو في سجن النعمان بن المنذر وفيه قتل"٣. وروي أن "يونس
стр. 6578
النحوي"، كان يقول: "لو تمنيت أن أقول شعرا ما تمنيت إلا هذا"١، أي القصيدة المذكورة.
وفي شعره الذي قيل إنه قاله للنعمان بن المنذر، وكان قد نزل معه في ظل شجرة مونقة ليلهو النعمان هناك، مثال على الحث على الزهد والابتعاد عن الدنيا والإقناع بنبذها والترهب في هذه الحياة، تحدث فيه على لسان الشجرة، مخاطبا الملك، قائلا له بعد أن رأى ما عليه من الأنس والحبور: أيها الملك؟ أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: وما الذي تقول؟ قال: تقول:
من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال
وصروف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتي به صمُّ الجبال
رب ركب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال
إلى أن يقول:
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالًا بعد حال
قالوا: فتنغص النعمان، ونزع ملكه، وخلعه عنه، وترهب إلى غير ذلك من أشعار له، فيها هذا المعنى من الترغيب في الزهد والإبعاد عن لذائذ الدنيا٢.
و"حكي عن النعمان بن المنذر، أنه خرج متصيدا ومعه عدي بن زيد العبادي فمر بآرام -وهي القبور-، فقال عدي: أبيت اللعن أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:
أيها الركب المخفو ... ن على الأرض تمرون
لكما كنتم فكنا ... وكما كنا تكونون٣
والشعر المنسوب إلى "عدي" الذي أدى على حد قول علماء الأخبار إلى
стр. 6579
إعراض "النعمان" السائح عن ملكه، وهروبه إلى البراري ليعيش فيها عيشة الرهبان، هو شعر لا يمكن أن يكون من شعر "عدي"، لأن شاعرنا لم يكن كبير السن آنذاك حتى يصدر منه مثل هذا الشعر، كما أنه لم يكن على اتصال وثيق بذلك الملك في ذلك العهد، ولعله من الشعر المصنوع، الذي وضع عليه. وهو شيء كثير. ولو قالوا إنه نظمه، وهو في سجنه حكاية عن قصة قديمة، لكان كلامهم هذا أقرب إلى العقل وأسهل للتصديق، لأنه كان قد كبر في العمر، وفي موقف يمكن أن يصدر منه مثل هذا الشعر.
وهو شعر سلس سهل جميل ذو معان عميقة لطيفة، تتحدث عن تجارب رجل خبر الأيام، وعاش في نعيم ورفاه، حتى وصل مركزا عاليا في بلده، وإذا به يجد طريقه إلى المقابر، فيقبر بها وكأنه لم يكن شيئا مذكورا، فمن رأى الثاوين فيها، ومن نظر إلى القبور، فليحدث نفسه، أنه سيكون مثلهم، وأنه موف على قرن زوال، وصروف الدهر لا يبقى لها، ولا تدوم حال على حال، وقد صار أسلوبه هذا نموذجا لمن مال إلى الزهد والتصوف في الإسلام، وربما كان الشاعر "أبو العتاهية" ممن تأثر بهذا الشعر المنسوب إلى "عدي".
ولعل الأحداث التي وقعت له، والأيام التي قضاها في سجنه، حتى جاءته منيته، وهو فيه، قد أثرت في نفسيته فجعلته، يكثر من الزهد في هذه الحياة، ومن وعظ الإنسان، بأن يغتر ويتجبر ويتكبر، فالسعادة لا تدوم لأحد، والملك لا يخلد لملك أو مالك، والحياة مهما كانت سعيدة ناعمة، فإنها قصيرة تمر مر البرق خاطفة، فعلى المتجبر أن يتعلم العبر من حياة الماضين ومن الأمم العظيمة، ومن الجبابرة، من أمثال: الأكاسرة وملوك الروم، وصاحب الحضر، ومن حياة من شاد القصور، وإذا به يتركها لغيره، ثم يدفن في حفرة ضيقة، فيخاطب النعمان صاحبه والشامتين به، الحساد الذين وشوا به حتى أصابه ما أصابه، ويقول لهم جميعا، وهو قابع في سجنه١:
أيها الشامت المعير بالدهـ ... ـر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ ... ـام بل أنت جاهل مغرور
стр. 6580
من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أين قبله سابور
إلى أن ينتهي منها بقوله:
ثم صاروا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور
وهي قصيدة نظمت بالبحر الخفيف.
قال "الجاحظ": "وقال عدي بن زيد العبادي، وهو أحد من قد حُمِل على شعره الحمل الكثير، ولأهل الحيرة بشعره عناية، وقال أبو زيد النحوي: لو تمنيت أن أقول الشعر ما قلت إلا شعر عدي بن زيد:
كفى زاجرا للمرء أيام عمره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
فنفسك فاحفظها من الغي والردى ... متى تغوها تغو الذي بك يقتدي
فإن كانت النعماء عندك لامرئ ... فمثلا بها فاجز المطالب أو زد
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي
ستدرك من ذي الجهل حقك كله ... بحلمك في رفق ولما تشدد
وظلم ذوي القربى أشد عداوة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد١
وورد أن "عمر بن الخطاب" تمثل بشعر عدي:
كدمى العاج في المحاريب أو كالـ ... ـبيض في الروض زهره مستنير٢
ومن شعراء الحيرة "ابن بقيلة"، وله شعر ذكر فيه حال الحيرة بعد فتح المسلمين لها، إذ يقول:
أبعد المنذرين أرى سواما ... تروح بالخورنق والسدير
وبعد فوارس النعمان أرعى ... قلوصا بين مرة والحفير
стр. 6581
فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كجرب المعز في اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور
وكنا لا يرام لنا حريم ... فنحن كضرة الضرع الفخور
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساءة أو سرور١
فهو يتأسف على ما وقع للحيرة، من تسلط قبائل "معد" عليها، ومن دخولهم في حكمهم، بعد أن كانوا يحكمون تلك القبائل، ويجبون الجبايات، ويظهر من ذكر "قريظة" والنضير في هذا الشعر، أن حكم الحيرة قد بلغ أرض هاتين القبيلتين، وذلك إن صح بالطبع أن هذا الشعر هو من شعره، وأنه أصيل غير مصنوع.
وهو "عبد المسيح بن بقيلة" الغساني، أو "عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة"، وبقيلة اسمه "ثعلبة"، وقيل: "الحارث". وقد حشر في جملة المعمرين الذين عاشوا ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام، فلم يسلم، وكان نصرانيا. وله حديث مع خالد، حين طلب من أهل الحيرة إرسال رجل من عقلائهم ليكلمه في أمر المدينة، فلما جاء إليه قال له: أنعم صباحا أيها الملك. فقال خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، ثم سأله أسئلة أخرى، ثم قال له. أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا٢، في حديث منمق، يرويه أهل الأخبار، وكأنهم كانوا مع خالد وابن بقيلة يسجلون حديثهما بالكلم والحروف.
وقد تطرق "الجاحظ" إلى خبر التقاء "عبد المسيح" بخالد بن الوليد، وروى حديثه معه٣. وذكر "المرتضى" أنه لما بنى قصره المعروف بقصر ابن بقيلة قال:
стр. 6582
لقد بنيت للحدثان حصنا ... لو أن المرء تنفعه الحصون
طويل الرأس أقعس مشمخرا ... لأنواع الرياح به حنين١
وروى "المرتضى"، أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة:
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى بلغ المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني ... فلم أحفل بمعضلة كئود
وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود٢
ومن شعره في الناس وفي تهافتهم والتفافهم حول الغنى قوله:
والناس أبناء علات فمن علموا ... أن قد أقل فمجفوٌّ ومهجور
وهم بنون لأم إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومخفور
وهذا يشبه قول أوس بن حجر:
بني أم ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدا سيد الأمر جحفلا
وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضا في العمومة مخولا٣
ومن شعراء "تنوخ" "عمرو بن عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد بن كثير بن غالب"، وكان فارسا في الجاهلية، و "بنو عبد الجن" أسرة معروفة، كان لها بقية في الكوفة. ومن شعره:
أما والدماء المائرات تخالها ... على قنة العُزّى وبالنسر عندما
стр. 6583
ثم:
وما سبح الرحمن في كل ليلة ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما١
وأدخلوا في هذه الطبقة "جذيمة" الأبرش، و "لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل"، وهو القائل:
من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية٢
وجذيمة الأبرش، هو "جذيمة بن مالك بن فهم بن عمرو" ملك الحيرة، والأبرش لقب له، ويقال له الوضاح٣، وهو خال "عمرو بن عدي"، وكان ينادم عديًّا، وكان له نديمان هما: مالك، وعقيل، بقيا معه أربعين سنة، ثم قتلهما وندم، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه. وقد قتلت الزباء جذيمة٤. وقد شاء أهل الأخبار عده شاعرا من الشعراء وأوردوا له شعرا، كما سبق أن تحدثت عنه في أثناء حديثي عن مملكة الحيرة، وعن أسطورة صلته بالزباء. ولو جعلناه شاعرا: لوجب علينا تقديمه على كل الشعراء الجاهليين.
وقصة شعره أسطورة من أساطير أهل الأخبار، فلو كان له شعر، لوجب أن يكون بعربية أخرى، هي العربية التي دون بها شاهد قبر "امرئ القيس" ملك الحيرة، الذي توفي سنة "٣٢٨" للميلاد أي بعد "جذيمة" بأمد، وشعره هو من شعر تبابعة اليمن وآدم والجن من صنع الرواة وأهل الأخبار.
وترى في شعر الأعشى، وأمية بن أبي الصلت، و "عدي بن زيد"، وكلهم من شعراء القرى، قصصا، لا تجده في الشعر المنسوب إلى غيرهم من الشعراء. قصصا نصرانيا وقصصا يرد عند اليهود، وقصصا من قصص الأساطير والخرافات، أو مما يتعلق بالأشخاص، كالذي ينسب إلى الأعشى من سرده حكاية السموأل وقصره في قصيدته التي يقول فيها:
стр. 6584
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار١
وقد وصف فيها السموأل وحصنه، وقصة وفائه، وما كان قد جرى من حوار بينه وبين الملك الغساني المطالب بأدرع الكندي، وترى من قراءتك لها أن النظم نمط غير مألوف في شعر غيره من الشعراء، الأبيات فيهما مكملة لما قبلها متصلة بعضها ببعض، بحيث لا يمكن أن تفصل بينها، وإلا اختل المعنى، وظهر فراغ فيه. وهو شيء غير مألوف عند غيره. فالبيت على حد قول علماء الشعر شعر مستقل قائم بنفسه، لا يؤثر حذفه أو تقديمه أو تأخيره على المعنى ولا على ارتباط الأبيات بعضها ببعض، أما في هذه القصيدة فكل بيت فيها تابع لسابقه، متصل معناه بمعناه، لأنه جزء منه، فلا يمكن حذف شيء من القصيدة دون أن يؤثر في معناها.
ونجد في شعره قصصا عن سد مأرب، وعن تهدمه وإغراقه من كان يسكن عنده بالماء، ذكر ذلك ليكون عبرة وأسوة للمؤتسي، وهو قصص بني على حادث تهدم ذلك السد٢.
وفي شعر الأعشى قصص إرم وعاد وطسم وجديس، وأهل جوّ، ووبار٣. وهو قصص رصعه الأخباريون بشعر نسبوه إلى "هزيلة" امرأة من "جديس"، وإلى "عميرة بنت غفار الجديسية"، في قصص عن الملوك القدماء، وكيف أنهم كانوا يدخلون على العذارى قبل إدخالهم على أزواجهم، في قصص ينسب إلى ملوك آخرين، مثل ملوك اليمن٤. وهو قصص نجد له مشابه عند الأمم الأخرى.
ومن شعراء "غسان": "الشيظم بن الحارث" الغساني، وهو من الأسرة الحاكمة، كان قد قتل رجلا من قومه، وكان المقتول ذا أُسرة، فخافهم
стр. 6585
فلحق بالحيرة، فكان يتكفف الناس نهاره ويأوي إلى خربة من خراب الحيرة، فبينا هو ذات يوم في تطوافه إذ سمع قائلا يقول:
لحا الله صعلوكا إذا نال مذقة ... توسد إحدى ساعديه فهوّما
مقيما بدار الهون غير مناكر ... إذا ضيم أغضى جفنه ثم برشما
يلوذ بأذراء المثاريب طامعا ... يرى المنع والتعبيس من حيث يمما
يضنُّ بنفس كدَّر البؤس عيشها ... وجود بها لو صانها كان أحزما
فذاك الذي إن عاش عاش بذلة ... وإن مات لم يشهد له الناس مأتما
بأرضك فاعرك جلد جنبك إنني ... رأيت غريب القوم لحما موضما
فكأنه نبهه من رقدة، فتحايل إلى صاحب خيل المنذر، وتقرب إليه، وأظهر له أنه رجل من أهل "خيبر"، أقبل إلى هذه البلدة بجارة فأصاب بها، وله بصر بسياسة الخيل، فضمه إلى بعض أصحابه، حتى إذا وافق غرة من القوم، ركب فرسا جوادا من خيل المنذر وخرج من الحيرة يتعسف الأرض، حتى نزل بحي من بهراء فأخبرهم بشأنه، فأعطوه زادا ورمحا وسيفا، وخرج حتى أتى الشام فصادف الملك متبديا، وكان إذا تبدى لا يحجب أحد عنه، فأتى قبة الملك فقام قريبا منه، وأنشأ يقول:
يا صاحب الخيل الجياد المقربه ... وصاحب الكتيبة المكوكبه
والقبة المنيعة المحجبه ... وواهب المضمرة المرببه
والكاعب البهكنة المؤتبه ... والمائة المدفأة المنتخبه
والضارب الكبش فويق الرقبه ... تحت عجاج الكبة المكتّبه
هذا مقام من رأى مطَّلَبَه ... لديك إذ عمّى الضلال مذهبه
وخال أن حتفه قد كربه
فأذن له الملك، فدخل عليه، وقص قصته، ثم بعث إلى أولياء المقتول فأرضاهم عن صاحبهم١.