← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

له صاحبته: "سباك الله"١، مما يدل على أنه كان مؤمنا معتقدا به. ونجده يذكر الله في أشعاره الأخرى٢. وزعم أهل الأخبار أن "الأفوه بن مالك" الأودي، كان من المتألهين كذلك، وأنه لما شعر بدنو أجله، أوصى قومه: مذحج، بتقوى الله، وصلة الأرحام، وحسن التعزي عن الدنيا بالصبر٣. وورد في معلقة "عبيد بن الأبرص" قوله: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب٤ ويجب إدخال زهير في جملة المتألهين أيضا، فقد ذكر أنه كان يتأله ويتعفف في شعره ويؤمن بالبعث، ونسبوا له قوله: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم٥ وهو يقسم في معلقته بالبيت، فيقول: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم٦ فهو مؤمن بالله العلام بما في نفوس الناس، فلا تخفى عليه خافية، ومهما حاول الإنسان كتمان سره في قرارة نفسه، فإن الله لايخفى عليه سره، ولا يفوته أبدا٧. وتنسب لزهير قصيدة مطلعها: ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا

стр. 6722

وهي قصيدة ذكر فيها أنه عاش أكثر من مائة سنة، ثم ذكر الله، وأنه حق، وأنه كان مؤمنا به، وأن أيامنا معدودات، ولا يدوم ويبقى إلا الله الذي أهلك تبعا ولقمان بن عاد وعاديا، وأهلك ذا القرنين، وفرعون، ثم ذكر النعمان، وكيف حكم، ثم جاء يوم غير كل شيء. وقد قال الأصمعي، إنها ليست لزهير، ويقال هي لصرمة الأنصاري، ولا تشبه كلام زهير١. وربما كانت من المصنوعات، صنعها من صنع من أمثالها من شعر الوعظ والإرشاد، فنسبه إلى الجاهليين. ونجد "أبا طالب" يقسم بالله في شعره، فيقول في قصيدة له، يخاطب بهاالرسول، إنك جئت بدين سمح، هو من خير أديان البرية دينا، ولولا الملامة، أو حذار سبة، لوجدتني سمحا بذاك مبينا٢. وروي أن "لبيد بن ربيعة" الشاعر المخضرم، كان من المتألهين في الجاهلية وأنه نظم قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل قبل الإسلام، أو عند ظهوره. وأن الرسول قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" ٣. وروي أن له أبياتا تشير إلى التوحيد والصلاح، والخير، هي: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل وقوله: أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل وقوله: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل٤

стр. 6723

و "النابغة" الذبياني من المتألهين كذلك، فقد نسبوا له شعرا، ذكر أنه اعترف فيه بوجود الله، إذ قال: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب١ ونجده في معلقته يقول: إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند٢ ونراه يذكر مكه في شعره: والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد٣ وورد اسم الله في قوله: أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع أي ما يريد الله إلا عدل النعمان بن المنذر، وإلا وفاءه، فلا يدعه أن يجور ولا أن يغدر، فلا النكر يعرفه النعمان، ولا الجميل يضيع عنده٤. ومعنى هذا أن النابغة كان يرى أن الله هو الذي يقدر الأمور للناس، وأن الإنسان مسير بأمر الله. و"الحارث بن حلزة" اليشكرى من هذا الفريق كذلك، لقوله: فهداهم بالأسودين وأمر الله ... بلغ تشقى به الأشقياء٥ ولقوله: وفعلنا بهم كما علم الله ... وما إن للحائنين دماء٦

стр. 6724

وإذا صدقنا بمعلقة "عبيد بن الأبرص"، وأخذنا بصدق الأبيات: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيب والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوب١ بل يجب عده من الأحناف الموحدين، الذين آمنوا بإله واحد لا شريك له. وهو في نظري شعر إسلامي، ويبعد أن يكون من نظم ومن نفس شاعر جاهلي. وقد ذهب "ابن الأعرابي"، إلى أن البيت الأول هو لشاعر آخر، هو: يزيد بن ضبة الثقفي٢. و"عمرو بن الإطنابة" سيد الخزرج في أيامه من هذا الرعيل الذي ذكر اسم الله في شعره، إذ ذكره بقوله: إني من القوم الذين إذا انتدوا ... بدأوا بحق الله ثم النائل وانتدوا: جلسوا في النادي. فهو يبدأ بذكر الله، وبحقه، إذا ما جلس في النادي٣. وورد اسم "الله" في شعر لخداش بن زهير: تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا٤ ونجد ذكر الله في شعر "صريم بن معشر بن ذهل" التغلبي، وكان قد لقي كاهنا، فسأله عن موته، فقال له: إنك تموت في موضع يقال له "الإهة"، فمكث زمانا ثم سار إلى الشام في تجارة ثم رجع في ركب من "بني تغلب"، فضلوا الطريق، ثم أتوا موضعا اسمه "الإهة" قارة بالسماوة، فلدغته حية، ثم تذكر قول الكاهن، فقال:

стр. 6725

لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا كفى حزنا أن يرحل الحي غدوة ... وأصبح في أعلى الإلاهة ثاويا١ وهو شعر إن صح أنه له، دل على أن صاحبه كان يؤمن بأن لكل إنسان أجل، وأنه إذا جاء الأجل، فلا مرد له، وأنه لا مرد لقضاء الله وقدره. وفي شعر "قيس بن الحدادية"، إيمان بالله، وأن الله هو الذي يقدر الأمور، إذ يقول: فقلت لها والله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع ويروى: فقلت لها والله ما من مسافر ... يحيط بعلم الله ما الله صانع٢ وفي شعر "النمر بن تولب"، وهو من المخضرمين قوله: سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر والعرب تقول: "سبحان الله وريحانة، أي: واسترزاقه"٣. ونجد في شعر الأعشى أنه كان يؤمن بالرحمن، إذ يقول: وما جعل الرحمن بيتك في العلى ... بأجياد غربي الصفا والمحرم٤ ويقول: وإن تقى الرحمن لا شيء مثله ... فصبرا إذا تلقى السحاق الغراثيا ثم يبين بعده إيمانه بإله واحد لا شريك له، إذ يقول: وربك لا تشرك به إن شركه ... يحط من الخيرات تلك البواقيا

стр. 6726

بل الله فاعبد لا شريك لوجهه ... يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا وإياك والميتات لا تقربنها ... كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا١ ونجده في القصيدة رقم "١٥" التي فيها البيت الأول، يحلف، برب الراقصات إلى منى، ثم يذكر "ماء زمزم"، أي مكة، بينما نجده في القصيدة الثانية مؤمن بالرحمن، مؤله له، موحد، لا يشرك بربه أحدا. وهو شعر روي عن "أبي عمرو الشيباني"، ركيك ضعيف، موضوع عليه٢. وروي أن "الشنفرى" كان ممن آمن بالرحمن، وذكره في شعره، إذ قال: لقد لطمت تلك الفتاة هجينها ... ألا بتر الرحمن ربي يمينها ولكنه بيت يشك في صحته، ولم ينقله الثقات٣. وقد سبق لي أن تحدثت في الجزء السادس من هذا الكتاب عن عبادة الرحمن، وقلت إن قريشا قالت للرسول لما نزل الوحي بـ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ : "أتدرون ما الرحمن الذي يذكره محمد، هو كاهن باليمامة"٤، وأنها قالت: "دق فوك" إنما تذكر مسيلمة رحمن اليمامة"، وكان قد تسمى بالرحمن قبل مولد عبد الله والد الرسول. وقد زعم أهل الأخبار أن الأعشى كان قدريا، وأنه أخذ رأيه هذا من أهل الحيرة. واستشهدوا على رأيه بالقدر بقوله: استأثر الله بالوفاء وبالعدل ... وولى الملامة الرجلا٦

стр. 6727

وأبي الشريف "المرتضى" إلا أن يجعله على مذاهب أهل العدل، أي على مثل ما ذهب إليه "المعتزلة" والشيعة الإمامية الاثنى عشرية في الإسلام. وعلل بعض أهل الأخبار سبب تحول الأعشى إلى القدرية، أنه كان يأتي أهل الحيرة في الجاهلية، وكانوا نصارى، يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك٢. ورد في كتاب "الأغاني": "قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى وكان نصرانيا عباديا، وكان معمرا، قال: كان الأعشى قدريا، وكان لبيد مثبتا. قال لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وقال الأعشى: استأثر الله بالوفاء وبالعدل ... وولى الملامة الرجلا قلت: فمن أين أخذ الأعشى مذهبه؟ قال: من قبل العباديين نصارى الحيرة، وكان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك"٣. والبيت المذكور هو من قصيدة مدح فيها "سلامة ذا فائش" مطلعها: إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر ما مضى مهلا استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا٤ شك في صحتها "ابن قتيبة"، فقال: "وهذا الشعر منحول"٥، والصنعة في الواقع بينة على القصيدة، وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن يكون القدري صاحبها، ذلك الرجل الذي نحلها الأعشى، لا الشاعر الأعشى. ويذكر أهل الأخبار أن الأعشى كان ممن أقر بالملكين الكاتبين في شعره، إذ يقول:

стр. 6728

فلا تحسبني كافرا لك نعمة ... على شاهدي يا شاهد الله فاشهد وشاهدي، يعني لساني، ويا شاهد الله، يريد الملك الموكل به. وكان هذا من إيمان العرب بالملكين. وقد نسبواهذه العقيدة إلى بقية من دين إسماعيل١، وزعموا أن العرب ممن أقام على دين إسماعيل، إذا حلفت تقول: وحق الملكين، فكان الأعشى ممن أقام على دين إسماعيل والقول بالأنبياء. "والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية"٢. ونسب إلى "لبيد" العكس، أي القول بالجبر، واستدل من نسبه إلى الجبر، بقوله: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل٣ وقد قال بعض العلماء: إن هذه الأبيات لا تشير حتما إلى مذهب لبيد في الجبر، وأنها لا تكون سببا في نسبة الجبر إليه، وقد تأولها، وأوجد لها مخارج في إبعاد القول بالجبر عنه. ثم قال: "اللهم إلا أن يكون مذهب لبيد في الإجبار معروفا بغير هذه الأبيات، فلا يتأول له هذا التأويل، بل يحمل على مراده على موافقة المعروف من مذهبه"٤. وينسب إلى "زهير بن أبي سلمى" قوله: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم٥

стр. 6729

وذكر أنه كان يتأله ويتعفف في شعره ويدل شعره المذكور على إيمانه بالبعث وبالحساب وبالثواب وبالعقاب١. ومن رأي الجاهليين أن الموت مكتوب على جبين الإنسان، ولا بد له من أن يواجهه في يوم محتوم مكتوب عليه. ومن لم يمت عبطة، مات هرما. وفي ذلك يقول أمية: من لم يمت عبطة يمت هرما ... وللموت كأس والمرء ذائقها٢ ويقول الأعشى: ولو كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء بسلم٣ ونجد رأي الجاهليين في الروح واضحا في أشعارهم وفي أقوالهم عن الموت، فالموت -كماسبق أن تحدثت عنه- في نظرهم مفارقة الروح للجسد، فإذا فارقته صارت "هامة" ترفرف فوق قبر صاحبها. هذا "عروة بن الورد"، يذكر الموت، ثم يذكر ما سيقوله الناس عنه، بقوله: أحاديث تبقى والفتى غير خالد ... إذا هو أمسى هامة فوق صير٤ وقد أشير إلى "العتائر" التي تقدم في "رجب"، في شعر "طرفة": عنتا باطلا وظلما كما تعـ ... ـتر عن حجرة الربيض الظباء٥ وكان الرجل من العرب ينذر نذراعلى شائه إذا بلغت مائة أن يذبح عن كل عشرة منها شاة في رجب، وكانت تسمى تلك الذبائح الرجبية، وهي العتائر.

стр. 6730

وكان الرجل منهم ربما بخل بشائه فيصيد ظباء فيذبحهاعن غنمه في رجب ليوفي نذره١. ومن الشعراء من غلبت عليه نزعة التبرم من هذه الدنيا، وذكر الموت والاتعاظ به، وعلى رأس هؤلاء "عدي بن زيد" العبادي، النصراني، وهو خير من يمثل هذه النزعة التصوفية، التي ترى أن اللذة لا تدوم، وأن السعادة مؤقتة زائلة، وأن على الإنسان أن يتعظ بمن عاش قبله من الملوك العظام، والأمم القوية، وممن نزع هذا المنزع وإن كان دون "عدي" بكثير "الأسود ين يعفر"، في قوله: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد إلى أن قال: أين الذين بنوا فطال بناؤهم ... وتمتعوا بالأهل والأولاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد وآخرها: فإذا وذلك لا نفاد لذكره ... والدهر يعقب صالحا بفساد٢ غير أن هذه النزعة، لم تكن ناتجة عن رأي وعن فلسفة ودراسة تأمل لهذه الحياة، وإنما هي نزعة نجدها عند من أصيب بنكبة وعند من حلت به مصيبة، وعند المسنين الذين غلب العمر عليهم، فجعلهم حطاما وكومة عظام، لا يستطيعون الوقوف على أرجلهم، فهم متعبون لا يجدون من يصغي إليهم أو من يعطف عليهم، أو من يساعدهم في الخروج من المأزق التي وقعوا فيها، فتبرموا لذلك من الحياة، وأخذوا يذمونها، وإنما هم يذمونها لأنهم صاروا في حال لا يتمكنون

стр. 6731

فيها من التلذذ بها ومن التمتع بنعم الحياة التي هي هي لا تتغير وإنما الذي يتغير هو الشخص، الذي كبر وعجز فصار يذم الدنيا، لأنه لم يعد قادراعلى فعل ما كان يفعله أيام كان شابا قويا يحب الدنيا، فتقبل الدنيا عليه. ونجد في شعر ينسب للأعشى إشارة إلى التطير، إذ يقول: ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس برح١ وكان "النابغة" الذبياني من المتطيرين. خرج مرة مع "زبان بن منظور" الفزازي غازيا، فسقطت عليه جرادة، فتطير منها، فجرع من الغزو، ومضى زبان فظفر وغنم، فقال: تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهي الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير وقال خرز بن لوذان، ويقال مرقش السدوسي: لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم لا والتشاؤم بالعطا ... س ولا التيامن بالمقاسم ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم وإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم٢ وفي شعر "عبيد بن الأبرص" القائل: نبئت أن بني جديلة أوعبوا ... نفراء من سلمي لنا وتكتبوا ولقد جرى لهم فلم يتعيفوا ... تيس قعيد كالهرواة أعضب وأبو الفراخ على خشاش هشيمة ... متنكب إبط الشمائل ينعب طعنوا بمران الوشيج فما ترى ... خلف الأسنة غير عرق يشجب وتبدلوا اليعبوب بعد إلههم ... صنما ففروا يا جديل وأعذبوا٣

стр. 6732

كلام عن العيافة، فأشار إلى تيس قعيد من الظباء، والقعيد الذي يأتي من الخلف، والأعضب المكسور القرن، وهو مما يتشاءم به العرب. وأبو الفراخ عنى به الغراب، واليعبوب صنم لجديلة، وكان لهم صنم أخذته منهم بنو أسد، رهط "عبيد بن الأبرص"، فتبدلوا اليعبوب بدله. وقد أشير إلى التشاؤم بالغراب في شعر ينسب لعلقمة الفحل: ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم١ ونجد في شعر "أبي ذؤيب" الهذلي، وهو من الشعراء المخضرمين، إشارة إلى تشاؤم العرب بطير الشمال، إذ يقول: زجرتُ لها طير الشمال فإن تكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها٢ والعرب تتشائم من "طير الشمال"، على نحو ما تحدثت عن ذلك في الجزء السادس من هذا الكتاب. وكان "خزز بن لوذان" السدوسي على مذهب من ينكر الطيرة ولا يعتقد بها، وينسب إليه قوله: لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم قد خط ذلك في الزبو ... ر والأوليات القدائم٣ وفي شعر "عبيد بن الأبرص" إشارة إلى رأي العرب في الحمامة، فالعرب تقول: "أخرق من حمامة"، وعبيد يقول في ذلك: عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامة جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامة

стр. 6733

قال ذلك تعبيرا عن حمقها، فالنشم شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسي، والثمامة نبت قصير يضرب به المثل في الضعف، وذلك حمقها: أن تجمع بين ضعيف وقوي، فيتكسر عشها ويقع البيض فينكسر١. وقد تطرق "العباس بن مرداس" إلى ذكر "الغول"، فقال: أصابت العام رعلا غول قومهم ... وسط البيوت ولون الغول ألوان وهو يشير بذلك إلى تلون الغول٢. وفي شعر "زيد الخيل" إشارات إلى عادة تعليق الحلي، وخشخشة الخلاخيل على السليم، ليبرأ ويشفى، إذ يقول: أيم يكون النعل منه ضجيعه ... كما علقت فوق السليم الخلاخل ونجد مثل ذلك في أشعار شعراء آخرين٣. ومن مذاهب أهل الجاهلية المذكورة في الشعر، أنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم الزهر والرياض، قال النابغة: فلا زال قبر بين تبنى وجاسم ... عليه من الوسمي طل ووابل فينبت حوذانا وعوفا منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام٤. وفي شعر بعض الشعراء أن الحياة لا تدوم، وأن المال وإن كان أساس هذه الحياة، لكنه متاع أيام وكل ذاهب. فبينما هو يجمعه ويحرص عليه، إذا به يعيث همج هامج، وما المال إلا عارة فاخلف وأتلف، فكله مع الدهر ذاهب، هذا "الحارث بن حلزة" اليشكري، يقول:

стр. 6734

بينا الفتى يَسعى ويُسعى له ... تاج له من أمره خالج يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج وهذا تميم بن مقبل يقول: فاخلف وأتلف إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذي هو آكله١ ونجد في شعر الشعراء الجاهليين، ذما للأغنياء الذين يملكون ولا يعطون شيئا منه للفقير والبائس والمحتاج، وللذين يكبرون من شأن الكبير بماله، ويبتعدون عن الفقير لفقره، ويعظمون الغني على كثرة عيوبه ونواقصه، ولا لشيء إلا لماله وغناه، فنرى "عروة بن الورد"، يقول: ذريني للغنى أسعي فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير يباعده النديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل عيبه والعيب جم ... ولكن الغني رب غفور٢ وللشعراء الجاهليين رأي في النساء. رأي أغلبهم أن المرأة متعة للرجل، يلهو بها، ويقضي حاجته منها، خلقت للبيت وللولادة، وهي دون الرجل. وهي تحب الشاب القوي، والغني الكثير المال. ونجد هذا الرأي عند أكثر الشعراء اتصالا بالمرأة، وعند أكثرهم لهوا بها مثل "امرئ القيس" حيث يقول: فيا رب يوم قد أروح مرجلا ... حبيبا إلى البيض الأوانس أملسا أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا٣

стр. 6735

ونجد الأعشى يقول: وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا١ وفي شعر علقمة بن عبدة ترديد لرأي امرئ القيس وزيادة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب٢

стр. 6736

الفصل الثامن والستون بعد المائة: شعر المخضرمين المخضرم هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام١. والشعراء المخضرمون هم الذين عاشوا في الجاهلية وفي الإسلام ونظموا الشعر في العهدين: الجاهلية والإسلام. والمخضرم من يدرك عهدين متناقضين. والشائع بين الناس أن الإسلام قد سبب في انصراف الناس عن الشعر وعن روايته "بما شغلهم من أمور الدين والنبوة والوحي وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا ثم استقر ذلك وأونس الرشد من الملة ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره. وسمعه النبي ﷺ ، وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه"٢. وقد نسب إلى "عمر" قوله: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته"٣، "لما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأن العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم

стр. 6737

كثير"١. والشائع بينهم أيضا أن الشعر قد أصيب بسبب ما تقدم بنكسة، فذبل وضعف وذهبت عنه قوة وسورة وجزالة وشدة الشعر الجاهلي، وأعرض بعض الشعراء مثل "لبيد" عن الشعر، إذ رأوا أن في كلام الله ما يغنيهم عنه، وقل بذلك عدد الشعراء ولا سيما الشعراء الفحول بالنسبة إلى أيام الجاهلية، وغلبت الليونة على الشعر الجديد، فصار شعر "حسان" الذي قاله في الإسلام ضعيفا لينا بالنسبة إلى شعره الجزل المتين الذي قاله في جاهليته. وجوابي على هذه الدعاوى: صحيح أن الشعر الجاهلي قد نقص حجمه وضاع قسم كبير منه، ولكن ضياعة ذلك لم يكن بسبب الإسلام، وإنما بسبب الأحداث والتطورات التي طرأت على جزيرة العرب، بسبب دخولها في الإسلام، كحروب الردة مثلا والفتوح، وانفتاح أرض الله الواسعة أمام المسلمين، وفرار الكثير من أهل جزيرة العرب نحو الخارج بحثا عن أرض أخصب وماء أوفر، وجو أطيب وثراء وعيشة راضية. أما حروب الردة، فقد أكلت من المسلمين ومن المرتدين جماعة عرفت برواية الشعر وبحفظها له، وبنظم الشعر أيضا، فقل بهلاكهم عدد حفاظ الشعر، كما قل في الوقت نفسه عدد حفاظ القرآن. وأما الفتوح، فقد قتل فيها قوم من الشعراء ومن حفاظ الشعر، فهلك بموتهم شطر من الشعر الجاهلي، وتقلص عدد العلماء به. كما ألهت الناس عن الشعر، بما فتحت لهم من آفاق الأرض وبما درت عليهم من أموال وأشغال قلصت من فراغهم الذي كان يكوّن معظم حياتهم في البوادي، فجعلتهم في الأرضين الجديدة يصرفون معظم وقتهم في استغلال الأرضين التي صارت من نصيبهم، وفي إحياء الموات، وفي تربية المواشي، والاشتغال بالزراعة، وهي أشغال تستبد بوقت الإنسان، وتصرف ذهنه إليها لمعالجتها، فلا يشعر في مثل هذه الحالة بما كان يشعر به يوم كان في بواديه فارغ البال، يقضي وقته بالتعبير عن نفسه بشعر يقتل به فراغه، ويسلي به نفسه بالتغني به لأصدقائه، ثم هو قد يتيعش منه، بما يناله من قبيلته من مال واحترام، وبما قد يحصل عليه من مدحه للملوك وللسادات من عطايا وهبات ثمنا للمدح. ومحيط فيه شغل وعمل، وفيه تعب جسماني وعقلي لا يساعد على نمو الشعر فيه، ومن هنا كان إقبال أهل الحضر مثل أهل مكة وأهل يثرب

стр. 6738

وأهل الطائف وأهل اليمامة على الشعر، ونبوغهم فيه أقل من إقبال أهل البوادي عليه، بسبب انشغال أهل القرى والحضر عامة بتدبير أمور الحياة، وبالحرف وباستغلال الأرض والمال والإتجار، وبسبب تكتلهم وتجمعهم وتلاصق بيوتهم بعضها ببعض، مما يجعلهم يطلعون على أحوال جيرانهم وعلى عوراتهم، ويقفون على أسرار حياتهم في الشعب وفي القرية، فلا يكون للهجاء عندهم لهذا الأثر الذي يكون له عند الأعراب، ولا يكون للمدح عندهم ما يكون له من أثر عند أهل البادية. ومن هنا نجد دولة الشعر وقد قل نفوذها في العالم العربي في هذا اليوم عما كان عليه نفوذها قبل ثلاثين سنة أو أكثر، بسبب التطور الحضاري الذي أخذ يغزو العالم العربي، وهو تطور يقلص من فراغ الإنسان ويستبد به، جاء له بهموم وبمشاكل نفسية وبأمراض الحضارة التي تريد المزيد من التمتع بمتع الحياة من جنسية ومادية، ليتمتع بها الإنسان في هذه الحياة التي لن يعود إليها مرة ثانية، فصار يفكر في الحصول على المادة جهد طاقته، ولو عن طريق إماتة أعصابه، ليستمتع بأقصى حد ممكن باللذة الحسية، التي صار يراها أنها سبب هذا الوجود، وذلك قبل فواتها منه، بموت يخترمه منها، فزاد الإقبال على المتعة، وعلي رأسها الاستمتاع باللذة الجنسية، وبلذة الشرب والتدخين، وقل الإقبال على الاستمتاع باللذات النفسية، وفي جملتها الشعر، فلا تجد اليوم له في أوروبة ما كان له من مكانة قبل عشرات السنين، وغلب النثر عليه، وقل عدد من كان يحفظ شعر الشعراء الماضين والمعاصرين، وعلي هذا النحو صار حالنا اليوم، فتناقص عدد حفاظ الشعر في النجف مثلا تناقصا كبيرامن حيث العدد والكم، والنجف في الشعر أو الأدب كوفة العراق بالأمس أيام الأمويين والعباسيين. فالإعراض الذي لاقاه الشعر في صدر الإسلام، لم يكن بسبب كره الإسلام له، وإنما بسبب التطور الذي طرأ على حياتهم، فغيرها من جميع الوجوه، نتيجة لخروجهم من جزيرتهم، ولاختلاطهم بأمم أعجمية ذات نظم أخرى، ونظرات متباينة مع نظرات العرب إلى مفهوم الحياة. أما إعراض "لبيد" عن قول الشعر بعد اعتناقه الإسلام، فليس مرده اعتقاده بكره الإسلام للشعر، وإنما هو في رأيي بسبب تقدمه في السن، والإنسان متى تقدم في العمر خفتت مواهبه وبرد إحساسه، ووهنت عواطفه التي تكون متقدمة في أيام المراهقة والشباب، أو قد يكون هذا العامل وعامل آخر، هو سلطان

стр. 6739

الدين الذي استولى عليه وهو في سن الشيخوخة، بحيث صيره يشعر بوجوب الانصراف نحو العبادة وحفظ ودراسة كتاب الله، ومع ذلك فهناك روايات روت أن معظم شعره الذي فيه تدين وزهد وحث على العمل الصالح، هو شعر قاله في الإسلام، وأن ما زعم من أنه ترك الشعر، وانكب كلية على قراءة القرآن زعم غير صحيح. وأما إعراض "بشار بن عدي بن عمرو بن سيود" الطائي عن الشعر، فيظهر أنه عن وازع نفسي ديني، حمله على التفرغ لدراسة كتاب الله، وعلى الزهد، وقد يكون ذلك بسبب تقدمه في السن. وفي تركه الشعر يقول: تركت الشعر واستبدلت منه ... كتاب الله ليس له شريك وودعت المدامة والندامى ... إذا داعى منادي الصبح ديك١ وأما إعراض "مالك بن عمير" السلمي عن الشعر٢، فهو حادث فردي كذلك، لا يعلم مبلغ درجته من الصحة، ومع ذلك، فإن كل من ترك الشعر من الشعراء لا يصل عددهم إلى عشرة، وهم قلة بالنسبة إلى عدد الشعراء المخضرمين الذين استمروا في نظمه في الإسلام. وأما ما قالوه عن الضعف الذي ألم بشعر "حسان" الذي قاله في الإسلام، وعن متانة شعره وجزالته في الجاهلية، فلا يعقل إرجاع سببه إلى الإسلام، فقد اتخذ الرسول "حسانا" شاعرا له، يجبُّ عنه وعن الإسلام المشركين، كما شجع غيره في الرد على شعراء الشرك، وكان الرسول يستصوب الشعر الصلد الجزل المتين ذا المعاني الجيدة العميقة، ومصدر ضعف "حسان" في شعره في الإسلام، هو بسبب تقدمه في السن، والتقدم في السن -كماسبق أن قلت- يضعف المواهب، ومنها الشاعرية، ويخمل العواطف، فقد كان حسان في جاهليته شابا ورجلا، قوي الجسم ككل رجل، متقيد الحس، متألق الحس، متألق العاطفة، ذا شاعرية حساسة ثائرة، يشرب ويلهو ويسمع الغناء ويحضر مجالس الطرب، فلما جاء الإسلام، ودخل فيه مع من دخل، كان قد تقدم في السن،

стр. 6740

فبرد حسه، وضعف شعره في المعاني التي قالها في الجاهلية، وفي الدروب التي سلكها من دروب الشعر الجاهلي، ولكنه تألق في معان أخرى تنسجم مع عمره ومع المثل التي اعتنقها، فمن ثم صار شعره يختلف عن شعره في الجاهلية. ولم يقع ذلك لحسان وحده وإنما وقع هذا الحادث لكل شاعر هجم عليه العمر، واستبدت به الأعوام. ومما وقع للشعر في الإسلام، أن الزعامة انتقلت فيه من البوادي إلى الحواضر، فبعد أن كان شعر الأعراب، بجزالته وبخشونته وبصلادته، هو المقدم عند علماء الشعر والمحبين له، وبعد أن كانت القبائل هي التي تنجب الفحول، صارت الحواضر هي التي تنبت الفحول، لتبدل الزمن، ووقوع تغير في الذوق، ولتغلب الحضارة على البداوة، ولاهتمام الناس بالمعاني، أكثر من اهتمامهم بالشكل وبمظهر القوالب فقل شعر الشعراء الأعراب الفصحاء، ثم انحسر الشعر من موطنه، كما انحسر أكثر سكان البوادي عن بواديهم، ليلحقوا بخير الحضر، وصار الشعر العربي الفصيح من حصة الحضر في هذه الأيام. كما حلت الكوفة ثم "دمشق" ثم بغداد فبقية الحواضر محل "الحيرة" وقصور الغساسنة ومضارب سادات القبائل في استقبال الشعراء وفي الإنعام عليهم بالهدايا والألطاف. ولتغير الذوق بتغير المجتمع، تغير الشعر كذلك، ولا سيما في أيام بني العباس. وفي شعر المخضرمين شعر قيل في الرسول وفي حوادث الإسلام، وفي الرد على المشركين وتسفيه مقالتهم وفي دينهم ونيلهم من دين الله. قاله الشعراء بعد دخولهم في الإسلام. وعلي رأس هؤلاء من ذكرت من شعراء يثرب، يتقدمهم "حسان بن ثابت" شاعر الرسول، الذي كان يستدعيه الرسول في المناسبات ليجيب على شعر الشعراء الوافدين عليه، كالذي كان من أمره مع شاعر وفد "تميم" الزبرقان بن بدر. وكان لرد شعراء يثرب على شعراء قريش ومن لف لفهم، أثر كبير في نفوس المشركين. يروى أن النبي قال لحسان بن ثابت: "اهجهم، يعني قريشا، فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس"١. وقد كان هجاؤه شديدا عليهم، له وقع في نفوسهم أشد

стр. 6741

من وقع شعر بقية الشعراء عليهم. فقد كان لسانه حادا قاطعا، لا سيما إذا ما تناول ناحية الهجاء وما يتعلق منه بالوقائع والأيام والنزاع القديم الذي كان بين أهل مكة ويثرب. فيجيد في ذلك كل الإجادة، ويتفوق بهذه الناحية على شعراء قريش. وكان حسان وكعب يعارضان شعراء قريش بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيرانهم بالمثالب. وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شر من الكفر، فكانوا في ذلك الزمان أشد شيء عليهم قول حسان وكعب، وأهون شيء عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام، كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة١. وأما شعر شعراء مكة إلى عام الفتح، فكان في إيذاء الرسول والإسلام، وفي هجاء المسلمين، وتمجيد قريش ورثاء من قتل من المشركين وتعظيم أمر الجاهلية وسنة الآباء وما ألفوه عن آبائهم من أمور، وقد حفظت كتب السير والمغازي والتواريخ شيئا من شعرهم، من النوع الذي لم يتضمن قذعا شديدا بالإسلام، ولا شتما عنيفا وهجاء غليظا بالرسول وبالمسلمين. أما النوع الثاني الذي أفحش فيه أولئك الشعراء، وجاءوا فيه بشتائم وسباب، فقد أنف أصحاب السير والمغازي والتأريخ من روايته، فتركوه، ولو جمع الباقي من شعرهم مع ما رد عليه، لكُوّن منه ديوان ثمين في المعارضة التي كانت بين المشركين والمسلمين في مبدأ ظهور الإسلام، ولكان سجلا قيما لتأريخ ذلك الصراع، ولكيفية تغلب الإسلام على الشرك. فهو وثائق تأريخية من الدرجة الأولى، على أن يغربل ويفحص فحصاعلميا للتيقن من درجة صفائه ونقائه بالطبع. ونوع آخر من أنواع الشعر كان عند المخضرمين، هو شعر القتال. القتال الذي وقع بين المسلمين والمشركين واليهود، إلى أن انتصر الإسلام. فاختفى صوت الشرك وصوت يهود، وبقي صوت الإسلام وحده، لا يعارضه أحد، ولا يجابهه صوت. فقد كان من عادة العرب، أنهم إذا تقاتلوا أنشدوا شعرا يفتخرون فيه بأنفسهم وبقبيلتهم وبشجاعتهم، ولا سيما حين يخرج فارس لمبارزة فارس آخر، وقد يقف الشعراء في صفوف المحاربين يحرضونهم على القتال والاستبسال.

стр. 6742

ونجد في بطون كتب السير والمغازي والتواريخ، نماذج طيبة من هذا الشعر: شعر القتال. قال المحاربون عند خروجهم من صفوف المقاتلين لمقابلهم من سيخرج من الجانب الثاني. وتولد من هذا النوع من الشعر شعر آخر قيل في معارك الفتوح. في المعارك التي وقعت مع عرب الحيرة، ثم مع الفرس، وفي المعارك التي حدثت بين المسلمين وبين الغساسنة، وبين المسلمين والروم، ثم في الفتوحات الأخرى. فقد ساهم في هذا القتال شعراء مخضرمون، حاربوا في الجاهلية، وحاربوا في الإسلام. وحافظوا على تقاليدهم وأعرافهم القديمة التي كانت لهم في الجاهلية عند القتال، من التحمس في القتال والاندفاع من الصفوف إلى الأمام لمبارزة من قد يبرز لهم لمقاتلتهم، ومن التغني بالقتال ومبارزة العدو. ونجد في كتب الفتوح والتأريخ والأخبار، نماذج من هذا الشعر. ونجد في شعر "قيس بن مكشوح" المرادي وصفا ليوم القادسية، وفخرا بسيره مع جمع من قومه من "صنعاء" إلى وادي القرى فديار كلب، إلى اليرموك، فالشام، ثم القادسية بعد شهر، ثم مقابلته جمع كسرى وأبناء المرازبة، وهجومه على رأس الفرس١، ولو جمعنا هذا الشعر الذي قيل في هذا القتال لكوّنّا منه ديوانا٢، يصور هجرة القبائل العربية من مواطنها إلى البلاد المفتوحة، ويتحدث عن الأبطال الذين ساهموا في جمع هذا الديوان، والملحمة الشعرية التي تروي قصص الفتوح، وما قام به المحاربون الشجعان في حروب الفتح٣. وهناك شعراء أسلموا، لكن قلوبهم بقيت على ما كانت عليه قبل الإسلام من عدم الاهتمام بأمور الدين، فلم يحفلوا بالإسلام، ولم يذكروا الرسول، وهم شعراء أهل البادية الأعراب. وطالما كان يأتي الشعراء إلى "يثرب" على طريقتهم في الجاهلية في إنشاد شعرهم أمام رجل منهم عظيم، مثل ملوك الحيرة أو الغساسنة، أو سادات القبائل. فيقف الشاعر أمام الرسول لينشده شعره الذي أعده لهذه المناسبة، أو ليقول شعرا

стр. 6743

بالمناسبة. ولما قدم وفد "تميم"، المدينة، ودخلوا المسجد، وقالوا: "يا محمد، جئناك لنفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أذنت لخطيبكم فليقل، فخطب: "عطارد بن حاجب"، فلما انتهى قال الرسول لثابت بن قيس بن شماس، أجبه، فأجابه. ثم قالوا: يا محمد، ائذن لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع فلما انتهى، أجابه حسان، فحكموا أن خطيب المسلمين أخطب من خطيب تميم، وأن شاعر الرسول أشعر من شاعرهم١. وعادة التفاخر في مجالس الملوك وسادات القبائل، وإنشاد الشعر في ذلك، ورد الشعراء بعضهم على بعض، دفاعا عن قومهم، من العادات الجاهلية القديمة، التي بقيت في الإسلام كذلك، ولما أخذت الوفود تفد على الرسول بعد فتح مكة، كان في أعضائها من يخطب على طريقتهم في الخطابة، ومنهم من ينشد الشعر، ثم يعلنون إسلامهم، ومنهم من يشترط شروطا، وكان من بين المسلمين من يتولى الرد عليهم، وقد يجيبهم الرسول بنفسه. وقد كره الإسلام من الشعر الجاهلي الشعر الذي يتعرض بالأعراض ويتحرش بعورات الناس، والشعر الذي يهيج الفتن، ويلقي البغضاء بين الإخوة، فيعيدها فتنة جاهلية، ومن هنا جاء النهي عنه في قوله: "لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" ٢، ولم يأت في عامة الشعر. وأخذ الخلفاء الشعراء الهجائين متى أقذعوا في شعرهم، وتحاملوا فيه على الناس، تحاملا يغض منهم. وهنا حبس "عمر" الحطيئة، وكان يقف بالمرصاد لمن يفعل فعله في نهش أعراض الناس. ولذلك تخوف المخضرمون في شعرهم من شعر الهجاء واحترسوا فيه امتثالا للمثل الإسلامية التي تأمر بالابتعاد عن ذكر المثالب والامتناع عن إيذاء الناس، وخوفا من تأديب الخلفاء لهم إن نهشوا أعراض المسلمين.

стр. 6744

والقديم من شعر المخضرمين، ولا سيما شعر المتقدمين منهم في السن، هو استمرار في الواقع للشعر الجاهلي، نظم على طريقة أهل الجاهلية وأساليبهم في نظم الشعر وعلى معانيهم التي كانوا يتطرقون إليها في شعرهم في الغالب، فقد ولدوا في الجاهلية وقضى بعض منهم أكثر سني حياته فيها، ونظموا أكثر شعرهم في تلك الأيام وفي الأحداث التي وقعت فيها. ولذلك صار شعرهم يختلف عن شعر الشعراء الإسلاميين، لأنهم لم يشهدوا الجاهلية ولم يدركوها، وهم من ثَمّ لم يتأثروا بعقليتها كثيرا، ومن هنا يجب علينا أن نوجه لشعر الشعراء المخضرمين المسنين الذين قضوا أكثر أيام حياتهم في الجاهلية عناية خاصة، وأن نقوم بدراسته دراسة نقد دقيقة، إذ نتمكن بها من الوقوف على تطور الشعر الجاهلي ومكانته عند ظهور الإسلام. ومن الشعراء المخضرمين من لقي الرسول وصحبه ومدحه وروى عنه، ومنهم من صحبه، لكنه لم يرو عنه، ومنهم من لم يره لكنه دخل في الإسلام. وقد ذكر بعض العلماء أسماء الشعراء الذين صحبوا الرسول ورووا عنه، منهم "حسان بن ثابت"، و"كعب بن مالك"، و"عبد الله بن رواحة"، و "عدي بن حاتم" الطائي، و "عباس بن مرداس" السلمي، و "أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب"، و "حميد بن ثور" الهلالي، و "أبو الطفيل عامر بن وائلة"، و "أيمن بن خريم" الأسدي، و "أعشى" بني مازن، و "الأسود بن سريع"، و "الحارث بن هشام"، و "عمرو بن شاس"، و "ضرار بن الأزور"، و "خفاف بن ندبة"، و "لبيد بن ربيعة"، و "ضرار بن الخطاب"، و "عبد الله بن الزبعرى"، ولم تكن للبيد، ولا لضرار ولا لابن الزبعرى رواية عنه. وكذلك "أبو ذؤيب" الهذلي، و "الشماخ بن ضرار"، وأخوه "مزرد بن ضرار"١. وقد عد "ابن سلام" "النابغة" الجعدي، والشماخ بن ضرار، ولبيد، وأبو ذؤيب الهذلي طبقة، وقال: وكان الشماخ أشد متونا من لبيد، ولبيد أحسن منه منطقا٢.

стр. 6745

و "النابغة" الجعدي، هو: "أبو ليلى عبد الله بن قيس"، أو "قيس بن عبد الله بن عدس"، وقيل: "حبّان بن قيس"، "حيان بن قيس"، وغير ذلك. قيل له "النابغة"، لأنه كان يقول الشعر ثم تركه في الجاهلية، ثم عاد إليه بعد أن أسلم، فقيل: نبغ. قيل إنه كان قديما شاعرا مفلقا طويل العمر في الجاهلية وفي الإسلام، حتى زعم أنه كان أسن من النابغة الذبياني، واستدلوا على طول عمره بأبيات زعموا أنه قالها هي: ألا زعمت بنو أسد بأني ... أبو ولد كبر السن فاني فمن يك سائلا عني فإني ... من الفتيان أيام الختان أتت مائة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجتان وقد أبقت صروف الدهر مني ... كما أبقت من السيف اليماني١ وذكر "السجستاني" في كتاب المعمرين، أنه عاش مائتي سنة. وهو القائل: قال"؟ " أمامة كم عمرت زمانه ... وذبحت من عنز على الأوثان ولقد شهدت عكاظ قبل محلها ... فيها وكت أعد من الفتيان والمنذر بن محرق في ملكه ... وشهدت يوم هجائن النعمان وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى ... وقوارع تتلى من القرآن ولبست في الإسلام ثوبا واسعا ... من سيب لا حرم ولا منان٢ وهو عند الأخباريين أسن من النابغة الذبياني وأكبر، واستدلوا على أنه أكبر من النابغة الذبياني، بأن النابغة الذبياني كان مع النعمان بن المنذر، وكان النعمان ابن المنذر بن محرق. وقد أدرك النابغة الجعدي المنذر بن محرق ونادمه، ولكن النابغة الذبياني مات قبله، وعمر بعده عمرا طويلا. ذكر بعضهم أنه عمر مائة وثمانين وذكر بعضهم أنه عمر أكثر من ذلك حتى ذكر بعض منهم أنه عمر مائتين

стр. 6746

وعشرين سنة. وذكروا أن "عمر" قال له: كم لبثت مع كل أهل؟ قال ستين سنة. وأنشده قوله: لقيت أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا١ وجعل بعضهم عمره "٢٤٠" سنة، وكان أكثرها في الجاهلية٢. وهو من "الفلج" جنوب نجد، وكان يزور بني لخم في الحيرة. وكان شاعرا مغلبا، ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء، وليلى الأخيليلة، وكعب بن جميل فغلبوه جميعا، وذكر أنه مكث إلى أيام "عبد الله بن الزبير"٣. وذكروا أنه كان يذكر في الجاهلية دين إبراهيم والحنيفية ويصوم ويستغفر. وقال في الجاهلية كلمته التي أولها: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما وفيها ضروب من دلائل التوحيد والإقرار بالبعث والجزاء والجنة والنار وصفة بعض ذلك على نحو شعر أمية بن أبي الصلت، وقد قيل إن هذا الشعر له، ولكنه قد صححه علماء الشعر مثل: يونس بن حبيب، وحماد الراوية، ومحمد بن سلام، وعلي بن سليمان الأخفش للنابغة الجعدي٤. وروي أنه كان ممن فكر في الجاهلية وأنكر الخمر والسكر وهجر الأزلام واجتنب الأوثان وذكر دين إبراهيم٥.

стр. 6747

وذكر أن "النابغة" قدم على "عثمان" يستأذنه في السفر إلى البادية، لأن نفسه اشتاقت إليها، ليشرب من ألبانها، وليشرب من شيح البادية، فقال له عثمان: "أما علمت أن التعرب بعد الهجرة لا يصلح؟ قال: لا والله ما علمت وما كنت لأخرج حتى أستأذنك، فأذن له، وضرب له أجلا". ثم دخل على "الحسن بن علي" فودعه، فقال له: أنشدنا من بعض شعرك، فأنشده: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما فقال: يا أبا ليلى ما كنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت؟ قال: يا ابن بنت رسول الله، والله إني لأول الناس قالها وإن السروق من سرق أمية شعره"١. وذكر أنه كان من أصحاب "علي" وحارب معه يوم صفين، وله مع "معاوية" أخبار. ومات معمرا بأصبهان سنة "٦٥هـ" "٦٨٤م". وكان معاوية سيره إليها مع "الحرث بن عبد الله بن عوف بن أصرم". وكان ولي أصبهان من قبل علي٢. وقد وفد النابغة على النبي وأنشده قصيدته الرائية التي فيها: أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابا بالمجرة نيرا إلى أن بلغ قوله: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا٣ فقال رسول الله: "إلى أين أبا ليلى"؟ فقال: إلى الجنة. فقال رسول الله: "نعم إن شاء الله" ٤.

стр. 6748

ولما أنشده: ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فاستحسنه الرسول وقال: "لا يفضض الله فاك". وذكر أن كلمة النابغة هذه قصيد مطول نحو مائتي بيت أوله: خليلي غضا ساعة وتهجرا ... ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا وهو من أحسن ما قيل من الشعر في الفخر بالشجاعة سباطة ونقاوة وجزالة وحلاوة١. وقد تعرض فيها بأمور الجاهلية والإسلام. وأسلم وحسن إسلامه وكان يرد على الخلفاء ورد على عمر ثم على "عثمان". ويظهر أن القصيدة قد طولت على "النابغة" فيما بعد، وأنها لم تكن على هذا النحو من الطول لما أنشدها على الرسول. وقد روى بعض العلماء منها أربعة وعشرين بيتا٢، لعلها هي الأبيات التي أنشدها أمام النبي. وذكر أنه كان بالبصرة، فرعت "بنو عامر" في الزرع، فبعث "أبو موسى" الأشعري في طلبهم، فتصارخوا يا آل عامر! فخرج النابغة الجعدي ومعه عصبة له. فضربه أسواطا. فقال النابغة في ذلك: رأيت البكر بكر بني ثمود ... وأنت أراك بكر الأشعرينا فإن تك لابن عفان أمينا ... فلم يبعث بك البر الأمينا فيا قبر النبي وصاحبيه ... ألا يا غوثنا لو تسمعونا ألا صلى إلهكم عليكم ... ولا صلى على الأمراء فينا٣ وقد مدح "النابغة" الجعدي عبد الله بن الزبير، ويظهر أنه كان في ضيق. وعسر، إذ يقول فيها:

стр. 6749

أتاك أبو ليلى تجوب به الدجى ... دجى الليل جوّاب الفلاة عرمرم لتجبر منه جانبا دعدت به ... صروف الليالي والزمان المصمم فأعطاه قلائص سبعا وفرسا وخيلا، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا١. ومن جيد شعره قوله: فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا٢ قال العلماء في شعر "النابغة": "خمار بواف، ومطرف بآلاف. يريدون أن في شعره تفاوتا، فبعضه جد مبرز وبعضه رديء ساقط"٣. ونسب إلى "الفرزدق" قوله في النابغة الجعدي: صاحب خلقان، يكون عنده مطرف بألف دينار، وخمار بواف"٤. وقد ذكر "أبو العلاء" المعري قصيدة النابغة التي يقول فيها: ولقد أغدو بشرب أنف ... قبل أن يظهر في الأرض ربش فقال على لسان "النابغة" الجعدي: "ما جعلت الشين قط رويا، وفي هذا الشعر ألفاظ لم أسمع بها قط"٥. وروى "المعري" له قصيدة، استحسن منها قوله: طيبة النشر والبداهة والـ ... ـعلات عند الرقاد والنسم٦ ومن شعره قوله في "زياد بن الأشهب بن أدد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة" العامري الجعدي: مقام زياد عند باب ابن هاشم ... يريد صلاحا بينكم ويقرب

стр. 6750

وكان قد مشى في الصلح بن علي ومعاوية. وكان من أشراف أهل الشام ومن المقربين إلى معاوية١. و"الطفيل بن عمرو بن طريف" الدوسي، من الشعراء الأشراف. كان شاعرا لبيبا. تذكر رواية أنه أسلم حين كان الرسول بمكة، وأنه لما أتى مكة ذكر ناس من قريش أمر النبي، وسألوه أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده من شعره، فتلا النبي الإخلاص والمعوذتين فأسلم في الحال وعاد إلى قومه. وتذكر رواية أنه عاد مرة أخري إلى مكة، ثم عاد إلى قومه حتى هاجر الرسول إلى المدينة، فجاء على رأس وفد من دوس ممن أسلم، فوصل والرسول محاصر "خيبر"، فمكث بالمدينة حتى إذا فتحت مكة، بعثه الرسول إلى "ذي الكفين" صنم "عمرو بن حممة" حتى أحرقه. وقد أورد "المرزباني" شيئا من شعره٢. وأعشى بن مازن، أو الأعشى المازني، هو "عبد الله بن الأعور"، وقيل إن اسم "الأعور" "رؤبة بن فزارة بن غضبان بن حبيب بن سفيان بن مكرز بن الحرماز بن مالك بن عمرو بن تميم". يكنى "أبا شعيثة". "وقال أهل الحديث: يقولون المازني وإنما هو الحرمازي، وليس في بني مازن أعشى". وذكر أنه أتى النبي فأنشده: يا مالك الناس وديّان العرب ... إني لقيت ذربة من الذرب وفيه قصة امرأته وهربها٣. فكتب النبي إلى "مطرف بن نهصل"، وكانت امرأته عنده، أن يعيدها إليه، فأعادها، فقال:

стр. 6751

لعمرك ما حبي معاذة بالذي ... يغيره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزلها ... غواة رجال إذ ينادونها بعدي١ وذكر صاحب "الاستيعاب"، أن اسم والد "أعشى" مازن، هو "الأطول". وقيل اسم الأطول أو الأعور: "عبد الله". وروي أن اسمه "عبد بن لبيد" الأعور. وقيل: "الأعور بن قراد بن سفيان". وكان قد خرج في "رجب" يمير أهله من هجر، فهربت امرأته بعده ناشزا عليه، فعاذت برجل منهم. فجاء "الأعشى" إلى الرسول وعاذ به. وأنشأ يقول قصيدته٣. ومن شعره: يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود أنت الجواد ابن الجواد المحمود ... نبتَّ في الجود وفي بيت الجود والعود قد ينبت في أصل العود٤ و"الحطيئة"، وهو "جرول بن أوس بن مالك بن "حيوة" جؤية بن مخزون بن مالك" العبسي، ويكنى "أبا مليكة" "من فحول الشعراء ومقدميهم وفصحائهم، وكان يتصرف في جميع فنون الشعر من مدح وهجاء وفخر ونسب ويجيد في جميع ذلك. وكان ذا شر وسفه، وكان إذا غضب على قبيلة انتمى إلى أخرى، زعم مرة أنه ابن عمرو بن علقمة من بني الحارث بن سدوس. وانتمى مرة إلى ذهل بن ثعلبة، وأخرى إلى بني عمرو بن عوف. وله في ذلك أخبار مع كل قبيلة وأشعار مذكورة في ديوانه. وكان كثير الهجاء حتى هجا أباه وأمه وأخاه وزوجته ونفسه، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام. وكان أسلم في عهد النبي ﷺ ، ثم ارتد ثم أسر وعاد إلى

стр. 6752

الإسلام١. وكان ملحفا شديد البخل، لا يقف إلحافه في السؤال عند حد، ولا يخجل من التصريح في الاستكداء وفي إذلال نفسه في الحصول على مال. طاف في الآفاق يمتدح الأمائل ويستجديهم. وقد عد في البخلاء. "قيل بخلاء العرب أربعة: الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدؤلي، وخالد بن صفوان"٢. وقيل عنه إنه كان "دنيء الطبع، لئيم النفس، كثير الطمع، جعل الشعر متجرا، فكان له من الهجاء معاش ومكسب لأن الناس كانوا يهدون له الهدايا خوفا من شره. فقال الأصمعي: كان الحطيئة جشعا سئولا ملحفا دنيء النفس، كثير الشر قليل الخير، بخيلا قبيح المنظر، رث الهيئة مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شعر شاعر ما من عيب إلا وجدته فيه، وقلما تجد ذلك في شعره"٣، كان لا يبالي من هجو من سبق أن مدحه وأثنى عليه، لإغداقه المال عليه، بل يظهر أنه كان من ذلك الفريق من الناس المرضى النفوس الذين كانوا يسيئون إلى من أحسن إليهم، بل كانوا أول من يسيء إلى من أحسن إليهم، لعقد مستعصية في النفس. وكان قصير القامة، ولقصره هذا لقب بالحطيئة. وكان ذميما، قبيح الوجه، سيئ الهيئة، ولعل هذه الأمور هي التي صيرته سيئ الطبع، هجاء لكل أحد، فلا يسلم من لسانه أحد. فلما هجا أباه، بأبيات قاسية شديدة منها: فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي جمعت اللؤم لا حياك ربي ... وأبواب السفاهة والضلال قيل: "كان الحطيئة يرعى غنما له، وفي يده عصا. فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك؟ قال: عجراء من سلم. يعني عصا. قال: إني ضيف. فقال الحطيئة للضيفان أعددتها"٤.

стр. 6753

وهجا أمه بشعر موجع منه قوله: تنحي فاقعدي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا ألم أوضح لك البغضاء مني ... ولكن لا أخا لك تعقلينا أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا جزاك الله شرا من عجوز ... ولقاك العقوق من البنينا حياتك ما علمت حياة سوء ... وموت قد يسر الصالحينا ثم هجا أخاه وزوجته، فلما لم يبق أمامه أحد سلم من هجائه إلا نفسه، إذ اطلع في حوض فرأى وجهه فقال: أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بسوء فما أدري لمن أنا قائله أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله١ وقد جعل "المعري" هذا الشعر، سببا دخل به الجنة، لقوله بالصدق٢. وله قصيدة "سينية" مشهورة، هجا فيها "الزبرقان بن بدر"، فسجنه "عمر" عليها، منها قوله: ملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنياب وأضراس دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وفيها: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وقد قال "أبو عمرو بن العلاء" عن هذاالبيت""لم تقل العرب قط بيتا، أصدق "منه٤.

стр. 6754

وقد حملت دمامة خلقة الحطيئة ورثة هيئته وسوء ملبسه الناس إلى ازدراء شأنه وعدم الاهتمام به عند حضوره مجلسا لا يعرفه فيه أحد، وإلى وقوعه في مشاكل معهم. وقد يكون من الصعب عليهم رتق الخرق بعد وقوعه وإصلاح حاله غير أن منهم من كان يجد سبيلا إلى ذلك، باسترضائه بتقديم المال له، وهو ما يطلبه، فينسيه ما أصابه من ازدراء وإهمال١. وزعم أنه كان مغمور النسب، وأنه كان من أولاد الزنا الذين شرفوا٢. وقد غلب الهجاء على طبعه، حتى عد من أنبغ الشعراء المتقدمين فيه. وقد ذهب "بروكلمان" إلى أن للهجاء الفضل في بقاء شعر الحطيئة٣. فالهجاء باب له منفذ واسع إلى العواطف حفظه الأعداء والحساد للنيل ممن قيل بحقهم من أعدائهم وحسادهم، فحفظه الناس جيلا عن جيل. ويقال إن "عمر" لما لقي الحطيئة قال له: "كأني بك عند بعض الملوك تغنيه بأعراض الناس. أي تغني بذمهم وذم أسلافهم في شعرك وثلبهم"٤. ولما هجا "الحطيئة" "الزبرقان بن بدر" استعدى عليه "عمر"، فدعا "حسان بن ثابت" فقال: أتراه هجاه؟ قال: نعم وسلح عليه فحبسه، فقال وهو في حبسه شعرا يستعطف به "عمر" حتى رق عليه، وشفع له "عمرو بن العاص"، فأطلقه على ألا يهجو أحدا٥. ويقال إنه كتب إلى عمر شعرا يتوسل فيه العفو عنه، وأن يرحم حال أولاده الصغار بذي مرخ، فيه: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر

стр. 6755

أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الخير١ وإذا صح ما روي من أن الحطيئة لما قدم المدينة، يريد الرسول، أرصدت له قريش العطاء، خوفا من شره٢، فيجب أن يكون قدومه قبل عام الفتح، وغلبة المسلمين على المشركين. ولكننا نجد بعض الرواة يشكون في دخوله في الإسلام في حياة الرسول. يقول "ابن قتيبة": "ولا أراه أسلم إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لأني لم أسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب، إلا أني وجدته يقول في أول خلافة أبي بكر ﵁ حين ارتدت العرب: أطعنا رسول الله إذ كان حاضرا ... فيا لهفتي ما بال دين أبي بكر أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر وقد مدح شعر الحطيئة، فذكر عنه "أبو الفرج الأصبهاني" أنه "كان من فحول الشعراء ومقدميهم وفصحائهم. وكان يتصرف في جميع فنون الشعر من مدح وهجاء وفخر ونسيب، ويجيد في جميع ذلك". وقال "الأصمعي": "وما تشاء أن تقول في شعر شاعر ما من عيب إلا وجدته فيه، إلا الحطيئة، فقلما تجد ذلك في شعره". وروي عن "إسحاق الموصلي" قوله: "ما أزعم أن أحدا من الشعراء بعد زهير أشعر من الحطيئة"٤. قال "الجاحظ": وكان الأصمعي يقول: "الحطيئة عبد لشعره. عاب شعره حين وجده كله متخيرا منتخبا مستويا، لمكان الصنعة والتكلف، والقيام عليه"٥، ونسب للأصمعي قوله:

стр. 6756

"زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر"١. وكان "الحطيئة" راوية كعب بن زهير، بل يقال إنه كان راوية زهير بن أبي سلمى٢. وله ديوان برواية "السكري" عن "محمد بن حبيب"، طبع مرارا٣. وذكر أنه قال لكعب بن زهير: قد علمت روايتي شعر أهل البيت وانقطاعي، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا، فإن الناس لأشعاركم أروى. فقال كعب: فمن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول٤ وروي "أن أعرابيا وقف على حسان وهو ينشد، فقال له كيف تسمع؟ قال ما أسمع بأسا؛ فغضب حسان. فقال له: من أنت؟ قال: أبو ملكية. قال: ما كنت قط أهون عليّ منك حتى اكتنيت بامرأة، فما اسمك؟ قال: الحطيئة، فأطرق حسان، ثم قال: امض بسلام"٥. وذكر بعض الرواة أن "الحطيئة" لما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة، أوصِ. فقال: ويل الشعر من راوية السوء. قالوا أوصِ، يرحمك الله. قال: من الذي يقول: إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز قالوا: الشماخ. قال أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب. وتستمر الرواية على هذا النوع من طلب قومه منه أن يوصي، ومن إجابته أجولة لا صلة لها بالوصية. حتى انتهت بأنهم حملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون وهو عليها حتى مات، وهو يقول:

стр. 6757

لا أحد ألأم من حطيئة ... هجا بنيه وهجا المريئة من لؤمه مات على الفريئة١ وروى "ابن قتيبة" القصة على هذا النحو: "قيل له حين حضرته الوفاة: أوصِ يا أبا مليكة: فقال: مالي للذكور دون الإناث، فقالوا: إن الله لم يأمر بهذا، فقال: لكني آمر به! ثم قال: ويل للشعر من الرواة السوء، وقيل له: أوصِ للمساكين بشيء، فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا، فإنها تجارة لن تبور! وقيل له: أعتق عبدك يساراً، فقال: اشهدوا أنه عبد ما بقي عبسيّ! وقيل له فلان اليتيم ما توصي له؟ فقال: أوصي بأن تأكلو ماله وتنيكوا أمه! قالوا: فليس إلاهذا؟! قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم، لعلي أنجو! ثم تمثل: لكل جديد لذة غير أنني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ له خبطة في الحلق ليست بسُكَّر ... ولا طعم راح يشتهى ونبيذ ومات مكانه"٢. وهي قصة لا تخلو من أثر الوضع والصنعة، قيلت على لسانه، لما عرف عنه من اللؤم والبخل والتعرض بالناس. وقد رويت بصور مختلفة٣. وقد ذكر "الحطيئة" "سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية"، القرشي الأموي في شعره، وكان سعيد ممن ندبه عثمان لكتابة القرآن. وكان جوادا، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفا، وكان يقال له: "عكة العسل"، قال الحطيئة فيه: سعيد فلا يغررك قلة لحمه ... تخدد عنه اللحم فهو صليب٤

стр. 6758

ومن شعر "الحطيئة" المشهور قوله: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا وكان الرجل من "بني أنف الناقة" إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع، فلما مدحهم "الحطيئة" بهذا الشعر صار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة افتخارا، في قصة سبق أن تحدثت عنها١. ومن جيد شعره قوله: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد٢ والشاعر "كعب بن زهير" هو ابن الشاعر الجاهلي "زهير بن أبي سلمى". فهو شاعر ابن شاعر، وأبو شعراء. فقد كان ولدا "كعب" وهما: "عقبة"، و "العوام" شاعرين. وقد ذكر أن "بجيرا" أخو "كعب"، فارق أخاه عندما بلغا "أبرق" العراق، وذهب إلى الرسول لما سمع من خبره، فأسلم. فلما بلغ "كعبا" خبر إسلامه. ذم أخاه لمفارقته سنة آبائه وأجداده، وخروجه على ما ألف عليه أباه وأمه. بشعر قال فيه: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء أنت منزل ذلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا٣ أو: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء ريب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا سقاك أبو بكر بكأس روية ... فأنهلك المأمور منها وعلكا٤

стр. 6759

ورويت الأبيات على هذه الصورة أيضا: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا سقيت بكأس عند آل محمد ... فأنهلك المأمون منها وعلكا فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أي شيء وَيْبَ غيرك دلكا١ ووردت بصورة أخرى٢، مما يدل على اختلاف الرواية، ووقوع خطأ في الاستنساخ. وقد لام فيها قومه لدخول أكثرهم في الإسلام، وهجاهم هجاء مرًّا٣. فبلغت أبياته رسول الله فأهدر دمه. وكتب بجير بذلك إليه، ويقول له النجاء، ثم كتب إليه أنه لا يأتيه أحد مسلما إلا قبل منه وأسقط ما كان قبل ذلك، ولما انتهى إلى "كعب" قتل "ابن خطل"، قدم المدينة فسأل عن أرق أصحاب النبي، فدل على "أبي بكر"، فأخبره خبره، فمشى "أبو بكر" وكعب على أثره وقد التثم حتى صار بين يدي النبي فقال: رجل يبايعك. فمد النبي يده، فمد كعب يده فبايعه وأسفر عن وجهه فأنشده قصيدته التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يجز مكبول هي قصيدته الشهيرة التي طبعت مرارا وشرحت شروحا كثيرة، وتعد من "المشوبات". فكساه النبي بردة له، فاشتراها "معاوية" من ولده بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد٤. وهي قصيدة نظمها على نفس شعراء البادية وطريقتهم في مدح الملوك وسادات القبائل، ولولا الأبيات:

стр. 6760

نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عن رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيه مواعيظ وتفصيل والبيت: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول لقلنا: إنه إنما أراد ملكا أو سيد قبيلة لا نبيا، جاء يعلن دخوله في دينه، واقتناعه بنبوته١. ويذكر علماء الشعر أن "الحطيئة" قال لكعب: قد علمتم روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك ثم تذكرني بعدك، فإن الناس أروى لأشعاركم، فقال: فمن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوز جرول كفيتك لا تلقى من الناس واحدا ... تنخل منها كل ما يتنخل يثقفها حتى تلين كعوبها ... فيقصر عنها من يسيء ويعمل٢ وقد ذكر "ابن قتيبة" هذه الأبيات في أثناء ترجمته "زهيرا" على هذه الصورة: ومن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوز جرول يقول فلا يعيا بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل كفيتك لا تلقى من الناس شاعرا ... تنخل منها مثل ما أتنخل٣ "قيل لخلف الأحمر: زهير أشعر أم ابنه كعب، قال: لولا أبيات لزهير أكبرها الناس لقلت إن كعبا أشعر منه"٤.
следующие страницы →