← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

"زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر"١. وكان "الحطيئة" راوية كعب بن زهير، بل يقال إنه كان راوية زهير بن أبي سلمى٢. وله ديوان برواية "السكري" عن "محمد بن حبيب"، طبع مرارا٣. وذكر أنه قال لكعب بن زهير: قد علمت روايتي شعر أهل البيت وانقطاعي، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا، فإن الناس لأشعاركم أروى. فقال كعب: فمن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول٤ وروي "أن أعرابيا وقف على حسان وهو ينشد، فقال له كيف تسمع؟ قال ما أسمع بأسا؛ فغضب حسان. فقال له: من أنت؟ قال: أبو ملكية. قال: ما كنت قط أهون عليّ منك حتى اكتنيت بامرأة، فما اسمك؟ قال: الحطيئة، فأطرق حسان، ثم قال: امض بسلام"٥. وذكر بعض الرواة أن "الحطيئة" لما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة، أوصِ. فقال: ويل الشعر من راوية السوء. قالوا أوصِ، يرحمك الله. قال: من الذي يقول: إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز قالوا: الشماخ. قال أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب. وتستمر الرواية على هذا النوع من طلب قومه منه أن يوصي، ومن إجابته أجولة لا صلة لها بالوصية. حتى انتهت بأنهم حملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون وهو عليها حتى مات، وهو يقول:

стр. 6757

لا أحد ألأم من حطيئة ... هجا بنيه وهجا المريئة من لؤمه مات على الفريئة١ وروى "ابن قتيبة" القصة على هذا النحو: "قيل له حين حضرته الوفاة: أوصِ يا أبا مليكة: فقال: مالي للذكور دون الإناث، فقالوا: إن الله لم يأمر بهذا، فقال: لكني آمر به! ثم قال: ويل للشعر من الرواة السوء، وقيل له: أوصِ للمساكين بشيء، فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا، فإنها تجارة لن تبور! وقيل له: أعتق عبدك يساراً، فقال: اشهدوا أنه عبد ما بقي عبسيّ! وقيل له فلان اليتيم ما توصي له؟ فقال: أوصي بأن تأكلو ماله وتنيكوا أمه! قالوا: فليس إلاهذا؟! قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم، لعلي أنجو! ثم تمثل: لكل جديد لذة غير أنني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ له خبطة في الحلق ليست بسُكَّر ... ولا طعم راح يشتهى ونبيذ ومات مكانه"٢. وهي قصة لا تخلو من أثر الوضع والصنعة، قيلت على لسانه، لما عرف عنه من اللؤم والبخل والتعرض بالناس. وقد رويت بصور مختلفة٣. وقد ذكر "الحطيئة" "سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية"، القرشي الأموي في شعره، وكان سعيد ممن ندبه عثمان لكتابة القرآن. وكان جوادا، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفا، وكان يقال له: "عكة العسل"، قال الحطيئة فيه: سعيد فلا يغررك قلة لحمه ... تخدد عنه اللحم فهو صليب٤

стр. 6758

ومن شعر "الحطيئة" المشهور قوله: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا وكان الرجل من "بني أنف الناقة" إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع، فلما مدحهم "الحطيئة" بهذا الشعر صار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة افتخارا، في قصة سبق أن تحدثت عنها١. ومن جيد شعره قوله: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد٢ والشاعر "كعب بن زهير" هو ابن الشاعر الجاهلي "زهير بن أبي سلمى". فهو شاعر ابن شاعر، وأبو شعراء. فقد كان ولدا "كعب" وهما: "عقبة"، و "العوام" شاعرين. وقد ذكر أن "بجيرا" أخو "كعب"، فارق أخاه عندما بلغا "أبرق" العراق، وذهب إلى الرسول لما سمع من خبره، فأسلم. فلما بلغ "كعبا" خبر إسلامه. ذم أخاه لمفارقته سنة آبائه وأجداده، وخروجه على ما ألف عليه أباه وأمه. بشعر قال فيه: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء أنت منزل ذلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا٣ أو: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء ريب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا سقاك أبو بكر بكأس روية ... فأنهلك المأمور منها وعلكا٤

стр. 6759

ورويت الأبيات على هذه الصورة أيضا: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا سقيت بكأس عند آل محمد ... فأنهلك المأمون منها وعلكا فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أي شيء وَيْبَ غيرك دلكا١ ووردت بصورة أخرى٢، مما يدل على اختلاف الرواية، ووقوع خطأ في الاستنساخ. وقد لام فيها قومه لدخول أكثرهم في الإسلام، وهجاهم هجاء مرًّا٣. فبلغت أبياته رسول الله فأهدر دمه. وكتب بجير بذلك إليه، ويقول له النجاء، ثم كتب إليه أنه لا يأتيه أحد مسلما إلا قبل منه وأسقط ما كان قبل ذلك، ولما انتهى إلى "كعب" قتل "ابن خطل"، قدم المدينة فسأل عن أرق أصحاب النبي، فدل على "أبي بكر"، فأخبره خبره، فمشى "أبو بكر" وكعب على أثره وقد التثم حتى صار بين يدي النبي فقال: رجل يبايعك. فمد النبي يده، فمد كعب يده فبايعه وأسفر عن وجهه فأنشده قصيدته التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يجز مكبول هي قصيدته الشهيرة التي طبعت مرارا وشرحت شروحا كثيرة، وتعد من "المشوبات". فكساه النبي بردة له، فاشتراها "معاوية" من ولده بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد٤. وهي قصيدة نظمها على نفس شعراء البادية وطريقتهم في مدح الملوك وسادات القبائل، ولولا الأبيات:

стр. 6760

نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عن رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيه مواعيظ وتفصيل والبيت: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول لقلنا: إنه إنما أراد ملكا أو سيد قبيلة لا نبيا، جاء يعلن دخوله في دينه، واقتناعه بنبوته١. ويذكر علماء الشعر أن "الحطيئة" قال لكعب: قد علمتم روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك ثم تذكرني بعدك، فإن الناس أروى لأشعاركم، فقال: فمن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوز جرول كفيتك لا تلقى من الناس واحدا ... تنخل منها كل ما يتنخل يثقفها حتى تلين كعوبها ... فيقصر عنها من يسيء ويعمل٢ وقد ذكر "ابن قتيبة" هذه الأبيات في أثناء ترجمته "زهيرا" على هذه الصورة: ومن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوز جرول يقول فلا يعيا بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل كفيتك لا تلقى من الناس شاعرا ... تنخل منها مثل ما أتنخل٣ "قيل لخلف الأحمر: زهير أشعر أم ابنه كعب، قال: لولا أبيات لزهير أكبرها الناس لقلت إن كعبا أشعر منه"٤.

стр. 6761

وكان لكعب ابن يقال له: "عقبة بن كعب"، شاعر، وولد لعقبة العوام، وهو شاعر كذلك١. فنحن إذن أمام بيت توارث نظم الشعر. وقد جمع علماء الشعر شعر "كعب" في ديوان، كما شرحوا وفسروا قصيدة "بانت سعاد" التي نالت عندهم مكانة كبيرة، لأنها قيلت في مدح الرسول، ولتقدير الرسول لها وإعطائه البردة، تقديرا لقيمتها، حتى عرفت بقصيدة البردة، فصارت من أشهر أشعار العرب، التي يتغنى بها في المناسبات، حتى تفنن المغنون في غنائها، وخلدت اسم الشاعر حتى اليوم. وقد ترجمت إلى عدة لغات أعجمية. وشطرت وخمست، لما صار لها من مكانة في أعين الشعراء٢. ومن الشعراء المخضرمين: "العباس بن مرداس" من "بني سليم"، وأمه "الخنساء". أسلم قبل فتح مكة بيسير. ولما فرغ الرسول من رد سبايا "حنين" إلى أهلها، أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن كلدة، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزَّى، وصفوان بن أمية، وكل هؤلاء من أشراف قريش، والأقرع بن حابس بن عنان بن محمد بن سفيان المجاشعي التميمي، وعيينة بن حصن الفزازي، ومالك بن عوف النصري، أعطى كل واحد من هؤلاء مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا من قريش، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، أو أباعر، فسخطها، وقام بين يدي الرسول يعاتبه، فقال: أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع وأبياتا أخرى. فلما أنشد هذه الأبيات بين يديه، قال: "اقطعوا عني لسانه"، فأعطي حتى رضي. وقيل أعطي مائة٣.

стр. 6762

ورويت الأبيات على هذه الصورة: كانت نهابا تلافيتها ... وكرّى على القوم بالأجرع وحثي الجنود لكي يدلجوا ... إذا هجع القوم لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينه والأقرع إلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ ... فلم أُعطَ شيئا ولم أمنع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا ترفع١ ولما بلغ زوجة العباس بن مرداس نبأ إسلامه، قالت: لعمري لئن تابعت دين محمد ... وفارقت إخوان الصفا والصنائع لبدلت تلك النفس ذلا بعزة ... غداة اختلاف المرهفات القواطع٢ ومن شعره قصيدته: لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا ... وأقفر إلا رحرحان وراكسا وتعد من "المنصفات"٣. وروي أن "حرب بن أمية" جد معاوية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مرة بقرية، وهي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام، قال له "مرداس" والد العباس: أما ترى هذا الموضع! قال: بلى فما له؟ قال: نعم المزدرع هو، فهل لك أن تكون شريكي فيه، ونحرق هذه الغيضة ثم نزرعه بعد ذلك؟ قال: نعم. فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهبها سمع من الغيضة أنينا وضجيجا، ثم ظهرت منها حيّات بيض تطير وخرجت منها. ولم يلبث حرب ومرداس أن ماتا: فأما مرداس فدفن بالقرية، ثم ادعاها بعد ذلك

стр. 6763

"كليب بن أبي عهمة" الظفري، فقال في ذلك عباس بن مرداس: أكليب مالك كل يوم ظالما ... والظلم أنكد وجهه ملعون عجبا لقومك يحسبونك سيد ... وإخال إنك سيد معيون فإذا رجعت إلى نسائك فادّهن ... إن المسالم رأسه مدهون وافعل بقومك ما أراد بوائل ... يوم الغدير سميّك المطعون١ وكان للعباس ولد اسمه "جاهمة" أسلم وصحب النبي٢. وكان "زيد الخيل بن مهلهل بن زيد" الطائي ممن وفد على رسول الله سنة تسع، فسماه النبي: "زيد الخير". وكان شاعرا خطيبا شجاعا يكنى "أبا مكنف". وأمه من "كلب". وكان أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم المعدودين، وكان جسيما طويلا. مات "زيد الخيل" منصرفه من عند النبي، وقيل في خلافة عمر٣. ذكر أنه مر بغلام، فسأله من أنت؟ قال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة، ثم أرسل به إلى أبيه. فأراد "زهير بن أبي سلمى" والد الغلام إثابته، فأرسل إليه فرس ابنه "كعب" وكانت من جياد خيل العرب، فاستاء "كعب" من ذلك، وقال شعرا ليوقع بين قوم "زهير" وبين قوم "زيد الخيل"، وهجا زيدا٤. وكان لزيد الخيل ابنان، يقال لهما مكنف وحريث، أسلما وصحبا النبي وشهدا قتال "الردة" مع "خالد بن الوليد". وحماد الراوية مولى "مكنف". ولحريث شعر في رثاء "أوس بن خالد"، وكان قد قتل في حرب٥. وكان "مكنف" أكبر ولد أبيه، وبه كان يكنى. وأسلم وحسن إسلامه، وشهد قتال أهل الردة مع "خالد بن الوليد". وكان أسلم هو وأخوة حريث

стр. 6764

ابن زيد الخيل" ويقال له أيضا "الحارث"، وصحبا النبي. وشهدا قتال أهل الردة مع "خالد" واشترك "مكنف" في قتال "بني أسد" لما ارتدوا مع "طليحة" الأسدي. ونسبت له هذه الأبيات في قتال طليحة: ضلوا وغرهم طليحة بالمنى ... كذبا وداعي ربنا لا يكذب لما رأونا بالفضاء كتائبا ... يدعو إلى رب الرسول ويرغب ولّوا فرارا والرماح تؤزهم ... وبكل وجه وجهوا نترقب١ و"حميد بن ثور بن حزن" الهلالي، من الشعراء المخضرمين الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه. وقد وفد على النبي، فأنشده شعرا فيه: أصبح قلبي من سليمى مقصدا ... إن خطأ منها وإن تعمدا حتى أتيت المصطفى محمدا ... يتلو من الله كتابا مرشدا وذكر أنه كان في عداد الصحابة الذين رووا عن الرسول، وضعفه بعضهم. قيل إنه عاش إلى خلافة عثمان. وذكر بعض العلماء أنه عاش إلى ما بعد ذلك وأنه دخل على بعض خلفاء بني أمية، فقال له: ما جاء بك؟ فقال: أتاك بي الله الذي فوق من ترى ... وبرّك معروف عليك دليل٢ وقد عدّه "ابن قتيبة" في الإسلاميين٣ و"الأسود بن سريع بن حمير بن عبادة" التميمي السعيد، ممن رأى الرسول وغزا معه وروى عنه. وكان شاعرا توفي في أيام "معاوية"، وذكر أنه توفي سنة "٤٢هـ". وقيل فقد يوم الجمل، وقيل ركب سفينة وحمل معه أهله وعياله، لما قتل "عثمان"، فما رؤي بعد. وكان قاصا، قيل إنه كان أول من قص في مسجد البصرة٤.

стр. 6765

وكان "ضرار بن الأزور بن مرداس" الأسدي، فارسا شجاعا وشاعرا مطبوعا، استشهد يوم اليمامة، وقيل بعد ذلك. وقد أتى النبي فأنشده: خلعت القداح وعزف القيا ... ن والخمر أشربها والثمالا وكرى المجبر في غمرة ... وجهدي على المشركين القتالا وقالت جميلة بددتنا ... وطرحت أهلك شتّى شمالا فيا رب لا أغبنن صفقة ... فقد بعت أهلي ومالي بدالا١ ولضرار قصيدة قالها في يوم الردة، لما بلغه ارتداد قومه من "بني أسد"، منها: بني أسد قد ساءني ما صنعتم ... وليس لقوم حاربوا الله محرم وأعلم حقا أنكم قد غويتم ... بني أسد فاستأخروا أو تقدموا نهيتكم أن تنهبوا صدقاتكم ... وقلت لكم: يا آل ثعلبة اعلموا عصيتم ذوي أحلامكم وأطعتم ... ضجيما وأمر ابن اللقيطة أشأم وقد بعثوا وفدا إلى أهل دومة ... فقبح من وفد ومن يتيمم ولو سئلت عنا جنوب لخبرت ... عشية سالت عقرباء بها الدم وضجيم هو "طلحة بن خويلد"، كانت أمه حميرية أخيذة، وابن اللقيطة: "عيينة بن حصن"، وقوله: يا آل ثعلبة، أراد ثعلبة الحلاف بن دودان بن أسد. وعقرباء بأرض اليمامة٢. وكان "عيينة" قد انضم إلى "طلحة" الذي تسميه الموارد "طليحة" استصغارا لشأنه، كما دعت "مسلمة" "مسيلمة"، وقال: "والله لأن نتبع نبيا من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبيا من قريش؛ وقد مات محمد، وبقي "طليحة"، وقاتل معه حتى هرب. وكان يدير المعركة وهو متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر، يتنبأ لهم، والناس يقتتلون، حتى جاءه الوحي بقوله: "إن لك رحا كرحاه، وحديثنا لا تنساه"، ثم لم يصمد، فهرب٣. وضرار هو الذي قتل "مالك بن نويرة" بأمر "خالد بن الوليد"٤.

стр. 6766

وكان "هوذة بن علي" الحنفي شاعرا وخطيبا، ذكر أنه كتب إلى الرسول كتابا يقول فيه: "ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر اتبعك". وقد مات عام الفتح١. وهو شاعر يجب إدخاله في الجاهليين، لأنه لم يعتنق الإسلام، وقد تحدثت عنه هنا، لأنه من المتأخرين، وله خبر مع الرسول. و"فروة بن مسيك بن الحارث بن سلمة" المرادي، شاعر، وهو صحابي مخضرم. وكان من أشراف قومه، قدم على رسول الله، مفارقا لملوك كندة، فبايعه، ونزل على "سعد بن عبادة"، فكان يحضر مجلس رسول الله ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام. ثم استعمله الرسول على مراد وزبيد ومذحج كلها، وكتب معه كتابا إلى الأبناء باليمن يدعوهم إلى الإسلام، فأقام فيهم حتى توفي رسول الله. وذكر أن النبي، أجاز "فروة" باثني عشر أوقية، وحمله على بعير نجيب وأعطاه حلة من نسج عمان. واستعمله "عمر" -كماجاء في رواية- على صدقات مذحج٢. وقد جمع شعر "فروة" في ديوان، رجع "السيوطي" إليه، ونقل منه٣. و"عمرو بن معد يكرب" الزبيدي من أشراف اليمن وساداتهم، وقد اشتهر وعرف بالشجاعة، قال عنه "أبو عمرو بن العلاء": "لا يفضل عليه فارس في العرب". وكان فحلا في الشجاعة والشعر. وأكثر شعره في الحماسة. وقد اشتهر سيفه "الصمصامة"، والأرجح أنه شهد "القادسية"، وكان له أثر فيها. واختلف في صبحته للنبي، فمن العلماء من ذكر أنه لم يلق الرسول، وإنما قدم المدينة بعد وفاته، ومنهم من ذكر أنه قدم المدينة في وفد "زبيد"؛ فأسلم سنة تسع أو عشر، وصحب الرسول. ولا تخلوا أقوال الرواة فيه من أثر العصبية لليمن أو عليها، وقد اختلف في عمره، وأكثره أنهم مات بعد أن تجاوز المائة. ومنهم من جعل عمره فوق المائة والخمسين٤. وهو ابن خالة "الزبرقان بن بدر".

стр. 6767

التميمي، وأخته "ريحانة بنت معدي كرب" والدة "دريد بن الصمة"، و "عبد الله بن الصمة". وكانت تحت "الصمة بن الحارث"١. وورد في بعض الروايات، أنه قدم على رسول الله المدينة فأسلم، ثم ارتد بعد وفاته فيمن ارتد باليمن، ثم عاد إلى المدينة فشهد اليرموك ثم هاجر إلى العراق فأسلم، وشهد القادسية، وله بها أثره وبلاؤه، وشهد مع النعمان بن مقرن المزني فتح نهاوند، فقتل هنالك، مع النعمان وطليحة بن خويلد، فقبروهم بموضع يقال له: "الإسفيذهان"٢. ومن شعره الذي يتمثل به، قوله: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوره إلى ما تستطيع وقوله: أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليك من مراد وتمثل به علي بن أبي طالب، لما رأى عبد الرحمن بن ملجم المرادي٣. ولعمرو بن معد يكرب، ديوان برواية "أبي عمرو الشيباني" رآه "ابن حجر" وقاله عنه "ورأيت في ديوانه رواية أبي عمرو الشيباني من نسخة فيها خط أبي الفتح بن جني قصيدة يقول فيها: والقادسية حين زاحم رستم ... كنا الكماة نهز كالأشطان ومضى ربيع بالجنود مشرقا ... ينوي الجهاد وطاعة الرحمن٤ وأورد "ابن حجر" له أشعارا أخرى. ونجد لعمرو بن معدي كرب شعرا في وصف الحرب، ذكر أن "عمر" سأله:

стр. 6768

"أخبرني عن الحرب"، فقال: هي كما قال الشاعر: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتي إذا استعرت وشب ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات حليل شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للضم والتقبيل وهي في بضع الروايات من شعره١. ومن شعر "عمرو بن معدي كرب" قوله: سوى أن أصوابا بأعقق لم يزل ... بها آنس من أهلها غير بارح وجدنا به العمرين عمرو بن عدية ... وعمرو بن عمرو في حلال سُلاطح وجدنا بني عمرو ثمانين فارسا ... لكل صباح كاشر الناب كالح وكان الغدانيون تحت رماحهم ... رماح بني عمرو غداة المصابح مصافين أصهارا ورحما وجيرة ... وما كان فيهم فارس غير جامح وقوله: وجدك مخصي على الوجه ناعس ... تشير به الركبان ما قام أفرع٣ وله أشعار قالها في حروبه في العراق مع جيش الفتح. و"ساعدة بن جؤية" "ساعدة بن جؤين" "جؤية"، هو من الشعراء المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وليست له صحبة. قيل عن شعره إنه محشو بالغريب والمعاني الغامضة٤. وهو شاعر من شعراء مضر، محسن، قيل عن شعره إنه ليس فيه من الملح ما يصلح للمذاكرة٥.

стр. 6769

و "أبو ذؤيب" "خويلد بن خالد بن محرث"، شاعر مخضرم، مجيد. وهو من "هذيل". رحل إلى المدينة، فوصلها والرسول مسجى، فكان ممن صلى عليه وشهد دفنه. "سئل حسان من أشعر الناس؟ فقال حيّا أم رجلا؟ قالوا حيّا، قال: هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب. وتقدم أبو ذؤيب على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي أولها: أمن المنون وريبها تتوجع١ ... التي يرثي بها بنيه. وقد قال عنه بعض المؤرخين إنه شاعر مجيد مخضرم كان أشعر هذيل، وهذيل أشعر أحياء العرب٢. وقال المرزباني عنه: كان فصيحا كثير الغريب متمكنا من الشعر، وعاش في الجاهلية دهرا وأدرك الإسلام، وأسلم. وعامة ما قاله من الشعر في إسلامه٣. هلك في زمان عثمان وقيل في زمن "عمر"٤ وكان راوية لساعدة بن جؤية الهذلي٥. وتعد قصيدته المذكورة التي قالها في رثاء بنيه الخمسة أو الثمانية الذين قتلوا أو هلكوا بالطاعون في عام واحد، من أجود شعره. وهي قصيدة تفيض بالأسى والحنان على بنيه الذين ترك فراقهم أسى وحسرة في قلبه. وأولها: أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع ومن أبياتها الجيدة: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع٦

стр. 6770

وقد وصف فيها حاله، وكيف أن جسمه صار شاحبا من الوجد على ما حل ببنيه، وكيف أنه صار لايعرف طعم الراحة ولا النوم، حتى صار بعيش ناصب، يخال نفسه إنه لاحق بهم مستتبع، ولقد حرص بأن يدافع عنهم، ولكن المنية متى أقبلت فلا دافع لها: ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... وإذا المنية أقبلت لا تدفع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ولأبي ذؤيب شعر في رثاء الرسول وردت أبيات منها في "الاستيعاب" وقد اختلف في المكان الذي توفي به هذا الشاعر، كما اختلف في سنة وفاته١. وقد طبع ديوانه٢. وكان أبو ذؤيب، شاعرا فحلا، لا غميزة فيه ولا وهن٣. ومن شعره في رثاء الرسول قوله: لما رأيت الناس في عسلانهم ... من بين ملحود له ومضرح متبادرين لشرجع بأكفهم ... نص الرقاب لفقد ابيض أروح فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت ... جار الهموم يبيت غير مروح كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح وتزعزعت أجبال يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح ولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه وزجرت سعد الأذبح٤ وكان لأبي ذؤيب ابن يقال له "مازن بن خويلد"، ويكنى أبا شهاب، وهو أحد شعراء هذيل٥. و"أبو خراش"، "خويلد بن مرة الهذلي" من شعراء هذيل، وهو شاعر مشهور، أدرك الإسلام شيخا كبيرا ووفد على "عمر" وفي أيامه كانت وفاته. وكان أحد الفصحاء. يقال إنه كان سريع الجري. دخل مكة

стр. 6771

في الجاهلية، وللوليد بن المغيرة فرسان، فقال: ما تجعل لي إن سبقتهما عدوا؟ قال: إن فعلت فهما لك، فسبقهما. يقال إن ضيوفا من اليمن نزلوا عليه، فذهب يستقي لهم الماء فنهشته حية، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، ولم يعلمهم ما أصابه. فباتوا يأكلون، فلما أصبحوا وجدوه في الموت، فأقاموا حتى دفنوه. فبلغ عمر خبره. فكتب إلى عامله أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرمهم ديته١. ومن شعره: لا هم هذا رابع إن تما ... أتمه الله وقد أتما إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما قاله وهو يسعى بين الصفا والمروة، وثم شجر يومئذ٢. ولأبي خراش أخ يقال له: "عروة بن مرة"، من شعراء هذيل المعدودين، وأخ آخر اسمه "أبو جندب بن مرة"، أحد شعراء هذيل المعدودين أيضا٣. و"صخر" الغي، هو "صخر بن عبد الله" الخيثمي الهذلي، من شعراء الخلاعة، وقد عرف بشدة بأسه وكثرة شره، وله صاحبه اسمها "دهماء". وقد ذكرها في قصيدته: إني بدهماء عز ما أجد ... يعتادني من حبابها زؤد عاودني حبها وقد شحطت ... صرف نواياها فإنني كمد٤

стр. 6772

وهو على رأي "المرزباني" من المخضرمين١. و"النمر بن تولب بن زهير بن أقيش"، شاعر مخضرم، يكنى "أبا ربيعة" ويسمى "الكيّس"، أدرك الإسلام وهو كبير، وهو من "الصحابة". وهو من "بني عكل". وصف بأنه كان جوادا واسع القرى، كثير الأضياف، وهابا لماله. وأنه كان أفتى الشعراء، شاعرا فصيحا جريئا على المنطق٢. قال عنه "المرزباني": كان شاعرا فصيحا، وفد على النبي ﷺ ، وكتب له النبي ﷺ كتابا، ونزل البصرة بعد ذلك. وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيّس لجودة شعره وكثرة أمثاله. وكان جوادا وعمر طويلا حتى أنكر عقله، فيقال إنه عمر مائتي سنة. وهو القائل: يحب الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف يرى طول السلامة يفعل وله شعر يخاطب به النبي منه: إنا أتيناك وقد طال السفر ... أقود خيلا وجعا فيها ضرر٣ وفرق "ابن حزم" بين "النمر بن تولب بن أقيش" العكلي، وبين "النمر بن تولب" وبين "النمر بن قاسط". وقال إنه الذي عاش حتى خرف. ويقال إن للنمر بن تولب العكلي ابنا يقال له "ربيعة" هاجر إلى الكوفة٤. وكان "النمر" شاعر الرباب في الجاهلية، ولم يمدح أحدا ولا هجا، واستحسن من شعره قوله:

стр. 6773

تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيام تمر وأغفل يود الفتى طول السلامة والغنى ... فيكف يرى طول السلامة يفعل يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل١ ومن الشعر المنسوب إليه قوله: خاطر بنفسك كي تنال رغيبة ... إن القعود مع العيال قبيح إن المخاطر مالك أو هالك ... والجد يجدي مرة فيريح وقوله: ومتي تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرغائب فارغب لا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم أصل مالك فاغضب٢ وقد تعرض "النمر بن تولب" في شعره إلى قصة "زرقاء" اليمامة وجديس، وإلى قصة غزو "تبع" لجديس واستباحته اليمامة٣. وقد ورد ذكر "عادياء" في شعره بقوله: هلا سألت بعادياء وبيته ... والخيل والخمر التي لم تمنع٤ وفي شعره قصص عن "لقمان" وعن "لقيم بن لقمان" من أخته٥، ويظهر أنه كان من الأشخاص الذين كانوا يهتمون بالقصص والحكايات المروية عن الجاهليين، فأدبج شيئا منه في شعره. و"الخنساء بنت عمرو بن الشريد بن رياح بن ثعلبة بن عُصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم" السلمية، واسمها "تماضر"، ممن أدركن الإسلام. وقد أسلمت فعدت صحابية. و "الخنساء" لقبها، قدمت على رسول الله مع قومها فأسلمت. وذكر أن الرسول كان يستنشدها ويعجبه شعرها.

стр. 6774

"وأجمع أهل العلم بالشعر على أنه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. وكانت أول أمرها تقول البيتين والثلاثة حتى قتل أخوها معاوية ثم أخوها صخر، فأكثرت من الشعر وأجادت"١. وهي أم الشاعر "العباس بن مرداس"، وأم إخوته الثلاثة وكلهم شاعر. ولم تلد إلا شاعرا، وذكر "الكلبي" أن أم ولد "مرداس" جميعا الخنساء، إلا العباس، فإنها ليست أمه، ولم يذكر من أمه. غير أن "أبا فرج الأصبهاني" ذكر أنها أمه. وكان النبي يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس ويومئ بيده٢. روي أنها كانت تقول الشعر في زمن النابغة الذبياني، وكان النابغة تضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وكانت "الخنساء" ممن أنشدته شعرها، ويقال إنه لما سمع شعرها، قال: "والله مارأيت ذات مثانة أشعر منك، فقالت له الخنساء: والله ولا ذا خصيين"٣. ومن جيد شعرها، قولها في "صخر" أخيها: لا بد من ميتة في صرفها غير ... والدهر من شأنه حول وإضرار وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار٤ وذكر أنها كانت سوّمت هودجها براية في الموسم، وعاظمت العرب بمصيبتها بابنها "عمرو" وبأخويها صخر ومعاوية، وجعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وأن هندا ابنة عتبة لما قتل ببدر أبوها وعمها شيبة وأخوها الوليد فعلت كذلك وقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء، فصارتا تبكيان وتتناشدان٥. وروي أن رسول الله كان يستحسن قول الخنساء في صخر أخيها: لا بد من ميتة في صرفها غير ... والدهر من شأنه حول وإضرار

стр. 6775

وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وذكر أنها زارت "عائشة" وتحدثت معها١. وروي أنها حضرت حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فحثتهم على القتال والاستماتة فقتلوا جميعا، فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلتهم. وكان "عمر" أمر أن تعطى الخنساء أرزاق أولادها الأربعة حتى توفي٢، وله قصة معها، وذكر أنه لما طلب منها أن تكف عن البكاء، قال لها: "ما الذي أقرح ما في عينيك؟ قالت: البكاء على سادات مضر، قال: إنهم هلكوا في الجاهلية، وهم أعضاد اللهب وحشو جهنم. قالت: فداك أبي وأمي فذلك الذي زادني وجعا". ثم طلب منها أن تنشده من شعرها، فأنشدته: سقى جدثا أعراق غمرة دونه ... وبيشة ديمات الربيع ووابله٣ و"خفاف بن ندبة"، هو "خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية" ويكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء و "ندبة" أمه. وهو شاعر مشهور من المخضرمين، وله شعر يمدح به "أبا بكر"، وبقي إلى زمن "عمر"، وكان أسود حالكا٤. شهد الفتح وكان معه لواء "بني سليم"، وذكر "الأصمعي"، أنه ودريد أشعر الفرسان. وله يقول: العباس بن مرداس: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع٥ ويعد من فرسان قيس وشعرائها المذكورين. وضابئ بن الحارث بن أرطأة البجرمي، وسويد بن كراع العكلي، والحويدرة الذبياني، واسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول، وسحيم عبد بني الحسحاس الأسديين، من طبقة واحدة، تكون الطبقة التاسعة في "طبقات الشعراء "،

стр. 6776

لابن سلام١. وكان "ضابئ"، رجلا بذيًّا كثير الشر، وكان بالمدينة، صاحب صيد وصاحب خيل، وقد حبسه عثمان، وبقي في سجنه حتى مات٢. و"سحيم" عبد بني الحسحاس، شاعر مشهور مخضرم، أدرك النبي، وتمثل النبي بشيء من شعره. وكان عبدا أسود شديد السواد أعجميا. وذكر أن اسم "عبد بني الحسحاس" "حميمة"، وقيل "سُحيم"، وأنه شبب بنساء قومه، ثم ببنت سيده فقتله سيده. وقيل إن قتله كان في خلافة عثمان٣. وله ديوان مطبوع٤. وورد أن "عمر" أمر بقتله لأبيات فاحشة. وذكر أنه حُفر له أخدود وضع فيه وألقي عليه الحطب ثم أحرق٥. وورد أن "عمر" استنشده شعره، وأنه أنشده قصيدته: ودع سليمى إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا٦ وكان سحيم حبشيا معلّطا قبيحا، وهو القائل في نفسه: أتيت نساء الحارثيين غدوة ... بوجه يراه الله غير جميل فشبهني كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه إن كان غير قليل اشتراه "عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي"، وكتب إلى "عثمان": "إني قد اشتريت لك غلاما حبشيا شاعرا، فكتب إليه عثمان: لا حاجة بنا إليه، فاردده، فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم". "ويقال سمعه عمر بن الخطاب ينشد: ولقد تحدر من كريمة بعضهم ... عرق على جنب الفراش وطيب

стр. 6777

فقال له: إنك مقتول، فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة، فلما مرت به التي كان يتهم بها أهوى إليها، فقتلوه"، إلى غير ذلك من قصص١. و"سحيم بن وثيل بن أعيقر بن أبي عمرو بن إهاب بن حميري" الرياحي، شاعر مخضرم، تفاخر هو وغالب بن صعصعة والد الفرزدق، فتناحرا الإبل وقد وصف بأنه شاعر خنذيذ شريف مشهور الذكر في الجاهلية والإسلام. وله قصيدة مطلعها: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وماذا يدرك الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين٢ و"ربيعة بن مقروم بن قيس بن جابر بن خالد" الضبي، أحد الشعراء المخضرمين، وكان أحد شعراء مضر. ذكر أنه وفد على كسرى في الجاهلية، ثم عاش إلى أن أسلم٣. "وذكره دعبل في طبقات الشعراء، وقال مخضرم حبسه كسرى بالمشقر ثم أدرك القادسية"٤. وكانت عبد القيس أسرته، ثم منت عليه بعد دهر٥. والشاعر "أبو زيد، حرملة بن المنذر بن معد يكرب بن حنظلة" الطائي من شعراء طيء، وكان نصرانيا ومات على دينه بعد خلافة عثمان٦. وكان نديم

стр. 6778

"الوليد بن عقبة"، يشرب الخمر معه، ولما صار "الوليد بن عقبة" إلى "الرقة"، سار "أبو زيد" إليه، فكان ينادمه، وكان يحمل في كل يوم أحد إلى البيعة، فيحضر مع النصارى، ويشرب، ولما مات دفن على "البليخ"، وهناك أيضا قبر "الوليد بن عقبة"١. وقد اشتهر بوصف الأسد، وكان مغرى بوصفه في شعره٢. وورد في رواية أنه أسلم بتأثير "الوليد بن عقبة" عليه. لكن الأغلب أنه بقي على نصرانيته، وقد استعمله "عمر" على صدقات قومه، ولم يستعمل نصرانيا غيره. قيل إنه رثى "علي بن أبي طالب" وكان له أخ "من خلصة ملوك العجم". وذكر أنه بقي إلى أيام معاوية٣. و"الشماخ بن ضرار" الذبياني من الشعراء كذلك، أدرك الجاهلية والإسلام. و "الشماخ" لقب، واسمه "معقل"، وقيل "الهيثم". "قال ابن الكلبي: كان الشماخ أوصف الناس للخمر وللقوس"، وأرجز الناس على بديهة، وهو كثير الهجاء، له مهاجاة مع "الحليج بن سعد" التغلبي. وله شعر في مدح "عرابة" الأوسي، وكان قدم المدينة، فأوقر له عرابة راحلته تمرا وبرا وكساه وأكرمه٤. وكان له أخوان: مزرد وجزء، رويت مقطعات صغيرة من شعرهما. وللشماخ ديوان شعر مطبوع٥. قال عنه "ابن سلام": "فأما الشماخ: فكان شديد متون الشعر، أشد أسر الكلام من لبيد، وفيه كزازة. ولبيد أسهل منه منطقا، وكان للشماخ إخوة، وهو أفحلهم، ومزرد هو أشبههم به٦. ذكر أن "الوليد بن عبد الملك" أنشد شيئا من شعره في وصف الحمير، فقال: ما أوصفه لها، إني لأحسب أن أحد أبويه كان حمارا. قيل: كان يهجو قومه

стр. 6779

وضيفه ويمنّ عليهم بقراه، وهو أرجز الناس على البديهة. وجعله "الجمحي" في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وقرنه بالنابغة الجعدي، ولبيد، وأبي ذؤيب الهذلي. وقال: إنه كان شديد متون العشر، أشد كلاما من لبيد١. وكان معاصرا للحطيئة، ويروى أن "الحطيئة" كان يعدّه أشعر بني غطفان٢. وأخوه "مزرد"، واسمه "جزء بن ضرار". وقيل يزيد وجزء أخوهما. وهو "مزرد بن ضرار بن سنان بن عمر بن جحاش بن بجالة الغطفاني" الثعلبي. يقال مزرد لقب له، لقب به لقوله: فقلت تزردها عبدي فإنني ... لزرد الشيوخ في الشباب مزرد وكان يكنى "أبا ضرار"، وقيل: "أبا الحسن"، وهو أسن من الشماخ، وكان هجّاءً حلف أن لا ينزل به ضيف إلا هجاه، ولا سكب سنه ولا بيت بيته إلا هجاء، ثم أدرك الإسلام فأسلم. قدم على رسول الله فأنشد له أبياتا منها: تعلم رسول الله لم أر مثلهم ... أحسن على الأدنى وأقرب للفضل تعلم رسول الله أنا كأننا ... أفأنا بأنمار ثعالب ذي غسل وأنمار رهطه، وكان يهجوهم. وورد عن "عائشة" أنها قالت: من صاحب هذه الأبيات: تعني التي في عمر لما مات: جزى الله خيرا من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق قالوا: مزرد، فسألت من مزرد؟ فحلف بالله أنه لم يشهد الموسم تلك السنة، ومنهم من نسب هذه الأبيات التي قبلها للشماخ٣.

стр. 6780

ومعن بن أوس بن نصر بن زياد المزني، شاعر مجيد فحل من المخضرمين. عمر إلى أيام ابن الزبير١، وهو من شعراء مضر. ذكر "المرزباني"، أنه كان رضيع "عبد الله بن الزبير"، وكان مصاحبا له، وكف في آخر عمره٢. و"سويد بن أبي كاهل" أو "سويد بن غطيف" وقيل اسمه: "غطيف بن حارثة" اليشكري، ويقال "الوائلي"، ويقال "الغطفاني"، ويكنى "أبا سعيد"، هو شاعر مخضرم. وهو صاحب قصيدة مطلعها: بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها ما اتسع وهي قصيدة من أغلى الشعر وأنفسه في نظر علماء الشعر، ذكر أن العرب كانت تفضلها وتقدمها، وتعدها من حكمها، وكانت في الجاهلية تسميها "اليتيمة" لما اشتملت عليه من الأمثال. وللشاعر شعر كثير، ولكن برزت هذه على شعره٣. ذكر أنه كان إذا غضب على قومه، ادعى إلى غطفان، فقال رجل من "بني شيبان": من يشتري مسجدي ذبيان إذ ظعنوا ... إلى فزارة أو من يشتري الدارا فأجابه سويد: إن المساجد لا تباع وإنما ... باعت كحيلة بظرها البيطارا٤

стр. 6781

وعدّ من المعمرين، ذكر أنه عمر في الإسلام ستين سنة بعد الهجرة١. وقد وضعه "ابن سلام" مع الحارث بن حلزة، وعنترة، وعمرو بن كلثوم في الطبقة السادسة من شعراء الجاهلية٢. و"الزبرقان بن بدر" شاعر تميم من الشعراء المخضرمين. وكان اسمه "الحصين". ولما قدم وفد "تميم" إلى المدينة في أشرافهم، كان الزبرقان أحدهم، ولما تفاخروا بأنفسهم وتباهوا بفعالهم، قالوا للرسول: يامحمد ائذن لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزبرقان بن بدر، فقال قصيدته التي مطلعها: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع٣ وذكر أن الرسول ولاه صدقات قومه فأداها في الردّة إلى أبي بكر فأقره، ثم إلى عمر٤. وقد هجا "الحطيئة" الزبرقان بن بدر، وكان سبب ذلك أن الحطيئة لقي الزبرقان بـ "قرقرى" ومعه ابناه أوس وسوادة وبناته وامرأته فعرفه الزبرقان وسأله أين تريد؟ قال: العراق لأصادف من يكفيني عيالي وأصفيه مدحي، فقال له: لقيته، قال: من؟ قال: أنا، قال: من أنت؟ قال الزبرقان بن بدر. وكتب له كتابا إلى امرأته، لتعطيه وتنفق عليه، فبلغ ذلك: "بغيض بن عامر" وإخوته وبني عمه، وكانوا ينازعون "الزبرقان" الرياسة، فدسوا إلى "أم بدرة" امرأة الزبرقان أن الزبرقان ير يد أن يتزوج بنت "الحطيئة"، ولذلك أمرك أن تكرميه، فجفته أم بدرة، فأرسل بغيض وأهله إلى "الحطيئة" أن ائتنا فنحن أحسن لك جوارا من الزبرقان، وأطمعوه ووعدوه، فتحول إليهم، فلما جاء "الزبرقان" بلغه الخبر فركب إليهم، فقال لهم: ردوا علي جاري، فأبوا حتى كاد أن يكون بينهم حرب، فحضرهم أهل الحي فاصطلحوا على أن يخيروه

стр. 6782

فاختار بغيضا ورهطه، فجعل الحطيئة يمدحهم من غير أن يتعرض بالزبرقان، فلم يزل كذلك حتى أرسل الزبرقان إلى شاعر من "النمر بن قاسط" يقال له: "دثار بن شيبان" فهجا بغيضا وآل بيته، فلما سمع الحطيئة شعر دثار، حمي لجيرانه، فقال شعره في الزبرقان معرضا به، فاستعدى الزبرقان "عمر" عليه، فحبس الحطيئة أياما، فقال وهو محبوس: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر وشفع له "عمرو بن العاص" فأطلقه١. وقيس بن عاصم بن سنان المنقري، من الصحابة ومن الشعراء الفرسان الشجعان. ومن الحلماء. قدم في وفد تميم على النبي، فقال رسول الله: "هذا سيد أهل الوبر"٢. وقد عاش بعد الرسول٣. و"عمرو بن سنان بن سُمي بن سنان بن خالد بمن منقر" المنقري، من "بني منقر"، فهو من شعراء تميم. ويعرف بـ "عمرو بن الأهتم"، سمي أبوه سنان الأهتم، لأن "قيس بن عاصم" المنقري ضربه بقوس فهتم فمه. وكانت أم سنان سبية من الحيرة، يقال إنها سبيت وهي حامل. قال قيس بن عاصم: نحن سبينا أمكم مقربا ... يوم صبحنا الحيرتين المنون جاءت بكم غفرة من أرضها ... حيرية ليست كما تزعمون لولا دفاعي كنتم أعبدا ... منزلها الحيرة والسيلحون و"غفرة" هي أم سنان

стр. 6783

وأخو "عمرو بن الأهتم"، عبد الله بن الأهتم، جد خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم الخطيب. وآل الأهتم خطباء١، وكلهم من البلغاء المشهورين٢. وعمرو بن الأهتم، ممن وفد على رسول الله، وكان في الجاهلية يدعى "المُكحّل" لجماله، وكان له ابن يقال له "نعيم بن عمرو" من أجمل الناس، وفيه تأنيث، وله يقول عبد الرحمن بن حسان: قل للذي كاد لولا خط لحيته ... يكون أنثى عليه الدر والمسك هل أنت إلا فتاة الحي إن أمنوا ... يوما وأنت إذا ما حاربوا دعك٣ ومن شعره قوله في حق الزبرقان بن بدر، وكان ينافسه: ظللت مفترش العلياء تشتمني ... عند النبي فلم تصدق ولم تصب إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب فإن سؤددنا عود وسؤددكم ... مؤخر عند أصل العجب والذنب٤ و"نافع بن الأسود بن قطبة بن مالك" التميمي ثم الأسيدي، شاعر مخضرم يكنى "أبا نجيد". وقد شهد فتوح العراق، وأنشد له "سيف" في الفتوح

стр. 6784

أشعارا كثيرة، يفتخر فيها بقومه، ويذكر فيها مشاهده في فتوح الشام والعراق١. ومن شعراء تميم المخضرمين: "متمم بن نويرة" الذي قتله "خالد بن الوليد" لما سار لقتال أهل الردة، وتزوج امرأته، مما أدى إلى غضب بعض الصحابة ومنهم "عمر" على "خالد"، لأمور أخذوها في قتله عليه. ومن شعره المشهور في رثاء "مالك" قوله: أبى الصبر آيات أراها وإنني ... أرى كل حبل بعد حبلك أقطعا وإني متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا وكنا كندمانيْ جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محمودا أخي يوم ودعا أقول وقد طال السنا في ربابه ... وغيث يسح الماء حتى تريعا سقى الله أرضا حلها قبر مالك ... دهاب الغوادي المدنات فأمرعا وآثر سيل الواديين بديمة ... ترشح وسميا من النبت خروعا٢ وهي قصيدة مؤثرة تعد من المراثي الجيدة القوية، تعبر عن قلب منفطر عن شدة ما حل به من ألم. قيل إن "عمر" قال لمتمم لما دخل عليه أنشدني بعض ما قلت في أخيك فأنشده شعره المتقدم، قال له "عمر": "يا متمم، لو كنت أقول الشعر لسرني أن أقول في زيد بن الخطاب مثل ما قلت في أخيك، قال متمم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخي قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبدا، فقال عمر: يا متمم ما عزاني أحد في أخي بأحسن ما عزيتني به"٣. وقد ضربت الشعراء الأمثال به وبأخيه مالك في أشعارهم.

стр. 6785

ومما سبق إليه مالك، وأخذه الناس منه قوله: جزينا بني شيبان أمس بقرضهم ... وعدنا بمثل البدء والعود أحمد فقال الناس: العود أحمد١. "يروى أن عمر قال للحطيئة: هل رأيت أو سمعت بأبكى من هذا؟ قال: لا والله ما بكى بكاء عربي قط ولا يبكيه"٢. وكان عمر يستمع إلى قوله في رثاء أخيه. ومن شعره المشهور قوله: وكل فتى في الناس بعد ابن أمه ... كساقطة إحدى يديه من الخبل٣ وكان "مالك بن نويرة" من الشعراء كذلك. وقد عرف بـ "فارس ذي الخمار". وذو الخمار فرسه٤. ولقب بـ "الجفول". وهو من شعراء وفرسان "بني يربوع" المعدودين. وكان من أشرافهم ومن أرداف الملوك. استعمله النبي على صدقات قومه. وبقي عليها إلى وفاة الرسول، فيقال إنه لما بلغه خبر وفاته أمسك الصدقة وفرقها في قومه وقال في ذلك. فقلت خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجيء من الغد فإن قام بالدين المحوق قائم ... أطعنا وقلنا الدين دين محمد وقد قتل خالد بن الوليد، مالكا، في قصة ترد في كتب الردة والفتوح

стр. 6786

والتأريخ، وتزوج امرأته، وكانت فائقة في الجمال، مما حمل بعض الصحابة على مؤاخذته على هذا العمر، منهم "عمر"١. ومن المخضرمين "النجاشي" "قيس بن عمرو" الحارثي٢، وكان ممن لازم عليًّا وشهد معه "صفين"، ومدحه. وقد بلغ "عليًّا" وهو بالكوفة أنه كان سكران في شهر "رمضان" مع "أبي سماك" الأسدي، فهرب "أبو سماك"، وقبض على "النجاشي" فحده "علي" ثمانين سوطا، ثم زاده عشرين، فقال له: ما هذه العلاوة؟ فقال: لجرأتك على الله في شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه، فهرب إلى "معاوية" وهجا "عليا" على ما يقال، وهجا أهل الكوفة. وكان هجاء، هجا "بني العجلان"، فاستعدوا عليه "عمر". فهدد "عمر" النجاشي، وقال له: إن عدت قطعت لسانك. وهجا قريشا هجاء مرا. وهجا "عبد الرحمن بن حسان بن ثابت"، ولما مات "الحسن بن علي" رثاه النجاشي، وتوفي بعد ذلك بقليل. وروي أنه هاجى "تميم بن مقبل" من "بني العجلان"، وهو من شعراء الجاهلية، الذين أدركوا الإسلام، وعمر طويلا. وكان يتهاجى مع "النجاشي"، فاستعدى "تميم" "عمر" على النجاشي، فسمع "عمر" ما قال فيه وفي بني قومه، فلما وصل إلى بيته: أولئك أولاد الهجين وأسرة ... اللئيم ورهط العاجز المتذلل وما سمي العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل قال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه فحبسه وضربه٣. وكان "عمر" قد

стр. 6787

حكم "حسانا" في هجاء "النجاشي" لتميم، فلما حكم "حسان" بإقذاعه في هجائه له حبس "النجاشي" عليه. وقد جمع "أبو سعيد" السكري شعر "تميم بن مقبل"١، وجمعه غيره من العلماء. وهو "تميم بن أبي بن مقبل". وقد اشتهر بوصف القداح، حتى جعل من أوصف العرب للقدح، ولذلك يقال: "قدح ابن مقبل"٢. ويعد "تميم بن مقبل" من عوران قيس، وعددهم خمسة شعراء، هم: تميم بن مقبل، وعمرو بن أحمر الباهلي، والشماخ معقل بن ضرار، وراعي الإبل عبيد بن حصين التميري، وحميد بن ثور الهلالي٣. وهو من الجاهليين الذين أدركوا الإسلام، فأسلم، فهو من المخضرمين. وقد أدرك زمن معاوية، وكان هواه مثل هوى قبيلته مع "معاوية" على "علي". وكان عثمانيا له قصيدة في رثاء أهل الجاهلية، وكان يتذكر الجاهلية ويترحم على أيامها، ويحن إليها، ويرى أن الزمان قد تغير، وأن الأرض قد تغيرت، وتبدلت أخلاق الناس، فصار يرى نفسه غريبا في مجتمع غريب عنه، له مُثل تختلف عن مثل أهل الجاهلية، فصار يحن إلى أيام ما قبل الإسلام. قيل لتميم بن مقبل: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم: فقال: وما لي لا أبكي الديار وأهلها ... وقد زارها زوار عك وحميرا وجاء قطا الأحباب من كل جانب ... فوقّع في أعطافنا ثم طيّرا وفي هذه القصيدة المؤلفة من خمسين بيتا، والمنشورة في ديوانه، والتي وردت بروايات مختلفة، حنين ظاهر إلى أيام الجاهلية، وتوجع بيّن للتغير الذي حدث فاجتث ذكريات الأيام القديمة، إذ باد أهلها، وتنكر الناس لها، وبرز من

стр. 6788

لم يكن معروفا إذ ذاك من الناس. فهو يرى أن الجاهلية بأيامها وبمثلها وبرجالها وبقبائلها، وبمروءتها، أحسن حالا من الأيام الجديدة التي أخذت مكانها، والتي أحلت الموالي ونكرات الناس محل السادة الأشراف١. وكان قد تزوج "الدهماء" زوجة أبيه في الجاهلية، على عادتهم في تزوج نساء الآباء، وأحبها حبا شديدا، فلما جاء الإسلام وحرم هذا الزواج، اضطر إلى تطليقها، وهو مكره، فكان يقول: هل عاشق نال من دهماء حاجته ... في الجاهلية قبل الدين مرحوم٢ ولعل هذا الطلاق، كان في جملة العوامل التي جعلته يحن إلى الجاهلية ويذكرها بخير. ومما ينسب إليه قوله: فاخلف وأتلف إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذي هو آكله وأيسر مفقود وأهون هالك ... على الحي من لا يبلغ الحي نائله وقوله: خليلي لا تستعجلا وانظرا غدا ... عسى أن يكون الرفق في الأمر أرشدا٣

стр. 6789

وكان "عبد الرحمن بن حسل" الجمحي من الشعراء الهجائين. كان أبوه من أهل اليمن، فسقط إلى مكة، فولد له بها: "كلدة" و"عبد الرحمن"، وكانا ملازمين لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، فنسبا إلى "بني جمح". وذكر أنهما كانا أخوي "صفوان" لأمه. وذكر أنه كان بعسكر "يزيد بن أبي سفيان"، وأنه كان من مسلمة الفتح. وقد هجا "عثمان" لما أعطى مروان خمسمائة ألف من خمس "إفريقية" فقال: وأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله أمرا سدى ولكن جعلت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك أو تبتلى دعوت الطريد فأدنيته ... خلافا لما سنه المصطفى ووليت قرباك أمر العباد ... خلافا لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس الغنيمـ ... ـة آثرته وحميت الحمى ومالا أتاك به الأشعري ... من الفيء أعطيته من دنا فإن الأمينين قد بينا ... منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة ... ولا قسما درهما في هوى١ فأمر "عثمان" به فحبس بخيبر. وقيل إن "عليا" كلم "عثمان" فيه فأطلقه وشهد الجمل مع علي، ثم صفين فقتل بها. وذكر أنه قال وهو في السجن: إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا ... أبا حسن غلا شديدا أكابده بخيبر في قعر الغموص كأنها ... جوانب قبر أعمق اللحد لاحده أإن قلت حقا أو نشدت أمانة ... قتلت فمن للحق إن مات ناشده٢

стр. 6790

و "ألس بن أبي أناس بن زنيم" الكناني، هو من الشعراء الذين كانوا قد هجوا الرسول فأهدر النبي دمه، فبلغه ذلك، فقدم عليه معتذرا، وأنشده شعرا مدحه به، وكلمه فيه "نوفل بن معاوية" الديلي، فعفا عنه، قائلا للرسول: "أنت أولى بالعفو، ومن منا لم يؤذك ولم يعادك، وكنا في الجاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة؟ " فقال: "قد عفوت عنه". فقال: "فداك أبي وأمي". وأول القصيدة يقول فيها: فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد ويقول فيها: ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي فإني لا عرضا خرقت ولا دما ... هرقت فذكر عالم الحق واقصد١ وقد ذكر "ابن قتيبة"، أن "أبا أناس"، والد "أنس"، هو القائل في رسول الله: فما حلمت من ناقة فوق حملها ... أعف وأوفى ذمة من محمد٢ وقد قال "دعبل بن علي" في طبقات الشعراء، هذا أصدق بيت قالته العرب. وفي جملة ما جاء في هذه القصيدة التي تنسب إلى أنس بن زنيم قوله: ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي فإني لا عرضا خرقت ولا دما ... هرقت فذكر عالم الحق وأقصد٣

стр. 6791

وذكر أن "عبيد الله بن زياد" كان يحرش بين الشعراء، فأمر "حارثة" أن يهجو "أنس بن زنيم"، فقال فيه أبياتا، منها قوله: وخبرت عن أنس أنه ... قليل الأمانة خوانها فأجابه أنس بأبيات أولها: أتتني رسالة مستنكر ... فكان جوابي غفرانها١ وأنس هو القائل لعبد الله بن الزبير، حين تزوج مصعب عائشة بنت طلحة على ألف ألف درهم: أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... من ناصح لك لا يريد خداعا بضع الفتاة بألف ألف كامل ... وتبيت سادات الجنود جياعا لو لأبي حفص أقول مقالتي ... وأقص شأن حديثكم لارتاعا٢ وكان "أسيد بن أبي إياس بن زنيم" الكناني ابن أخي "سارية" الكناني، ممن هجوا الرسول أيضا، فأهدر النبي دمه، فخرج إلى "الطائف" وأقام بها، مثل غيره ممن هجوا الرسول فخافواعلى أنفسهم، فلجأوا إلى ثقيف. فلما كان عام الفتح، خرج مع "سارية بن زنيم"، وقدم على الرسول فأسلم. ومدحه بشعر. وذكر أنه كان قد رثى قتلى بدر، فأهدر النبي دمه. وروي أنه قال في علي بن أبي طالب وفي مخاطبة قريش: في كل مجمع غاية أخزاكم ... صدع يفوق على المذاكي القرح هذا ابن فاطمة الذي أفناكم ... ذبحا وقتلا بعضه لم يرتح لله دركم ألما تذكروا ... قد يذكر الحر الكريم ويستحي٣ وورد في رواية أنه كان قد أسلم وأدرك "أحدا". وتشابه قصته في هدر

стр. 6792

النبي دمه وفي هجائه للرسول قصة "أنس بن زنيم" الكناني، المتقدم، وهو ابن أخي "أسيد" على رواية "الإصابة"١. وروي أن "سارية بن زنيم" الكناني، كان ممن هجا الرسول كذلك، فبلغ ذلك الرسول، فتوعده. فجاء إليه معتذرا فأنشد: تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل حي من تهام ومنجد تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد تعلم بأن الركب إلا عويمرا ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي٢ وتليها أبيات أخرى، نسبت كلها إلى "أنس بن زنيم". ويظهر أن التباسا قد وقع عند الرواة، فخلطوا بين الثلاثة من "آل زنيم". وقد ذكر أن "سارية" هذا كان خليعا في الجاهلية، لصا كثير الغارة، وأنه كان يسبق الفرس عدوا على رجليه، ثم أسلم، وأرسله "عمر" فيمن أرسله من المسلمين لفتح فارس. وكان "بشير بن أبيرق" "بشر بن أبيرق" الشاعر يقول الشعر ويهجو به أصحاب النبي، وينحله بعض العرب٤. وجعل "ابن سلام": "أمية بن حرثان بن الأشكر" "أمية بن الأسكر" و "حريث بن مُحفّض"، و "الكميت بن معرور بن الكميت" الأسدي، و "عمرو بن شأس" الأسدي، طبقة واحدة، هي الطبقة العاشرة من طبقاته. وكلهم ممن عاش في الجاهلية والإسلام٥، وكان "أمية بن الأسكر" الكناني من سادات قومه وفرسانهم، وله أيام، وابنه "كلاب بن أمية"، أدرك النبي.

стр. 6793

فأسلم مع أبيه. وقد سكن "كلاب" البصرة١. وروى لأمية شعرا في حروب الفجار٢. و"حريث بن حفض" "حريث بن محفص"، المازني من بني تميم، من "خزاعي بن مازن". وهو مخضرم له في الجاهلية أشعار، وتمثل الحجاج بأبيات من شعره، مثلا لأهل الشام في طاعتهم وبأسهم، وهي قوله: ألم تر قومي إن دعوا لملمة ... أجابوا وإن أغضب على القوم يغضبوا بني الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم أباء صدق فأنجبوا فإن يك طعن بالرُديني يطعنوا ... وإن يك ضرب بالمناصل يضربوا٣ و"عمرو بن شأس" الأسدي، المكنى بـ "أبي عرار"، شاعر كثير الشعر مقدم، شهد القادسية٤، ومنهم المستوغر، واسمه "عمرو بن ربيعة"، ويكنى "أبا بهنس"، وهو من تميم، زعم أنه عاش ثلاثين وثلاثمائة سنة، وأدرك أيام معاوية٥. وذكر أن "عمرو بن شأس" عاش حتى أدرك أيام عبد الملك بن مروان٦. ومن الشعراء المخضرمين "المنذر بن رومانس" الكلبي، وهو أخو النعمان بن المنذر لأمه، وأمهما "رومانس". وله شعر قاله بعد فتح الحيرة، يتذكر فيه أيام الحيرة الأولى، وكيف كانوا يحكمون العراق ونجدا٧.

стр. 6794

ومن المخضرمين "أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"، وهو أحد الصحابة الذين أسلموا قديما، وفي بيته أسلم "عمر"، لأنه كان زوج أخته فاطمة، توفي سنة "٥٠"، وقد أورد الجاحظ له شعرا، وهو شعر نسب أيضا لوالده، وتروى كذلك لنبيه بن الحجاج١. و"سالم بن دارة من الشعراء المخضرمين" وهو "سالم بن مسافع "مسافح" بن عقبة بن يربوع بن كعب بن عدي" من "غطفان". وكان رجلا هجاء وبسببه قتل. قتله "زميل بن أبير" "زميل بن عبد مناف"، "زميل بن أبرد"، "زميل بن وبير" من بين فزارة وكان "سالم" قد أمعن في هجاء فزارة، وألح عليها في الهجاء، فقال في جملة ما قاله: َ حَدَبْدبا بَدَبْدبا منك الآن ... استمعوا أنشدكم يا ولدان إن بني فزارة بن ذبيان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان مشيا أعجب بخلق الرحمن ... غلبتم الناس بأكل الجردان كل متل كالعمود جوفان ... وسرق الجار ونيك البعران إلى غير ذلك من شعر مقذع، فلما أمعن في الهجاء، تعقبه "زميل بن أبير" "زميل بن أم دينار" الفزازي، فلحق به وضربه بالسيف ضربة جرحته، وكان قد خرج من المدينة، فعاد إليها، يتداوى، فدفعه "عثمان" إلى طبيب نصراني، ويقال إن "أم البنين" "بسرة بنت عيينة بن حصن" الفزاري، وكانت عند "عثمان"، جعلت للطبيب جعلا حتى سمه فمات٢. ومن شعره في هجاء فزارة قوله: لا تأمنن فزاريًّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وله شعر يخاطب به "عينة بن حصن" الفزاري، وكان قد ارتد في خلافة

стр. 6795

"أبي بكر" ثم عاد إلى الإسلام، وقال لأبي بكر: قصتي وقصة الأشعث بن قيس الكندي واحدة، فما بالكم أكرمتموه وزوجتموه، ولم تفعلوا ذلك بي، فأجاب سالم عن ذلك بقوله: يا عيينة بن حصن آل عدي ... أنت من قومك الصميم صميم لست كالأشعث المعصب بالتا ... ج غلاما قد ساد وهو فطيم جده آكل المرار وقيس ... خطبه في الملوك خطب عظيم إن تكونا أتيتما خطب العذ ... ر سواكما تقد الأديم فله هيبة الملوك وللأشـ ... ـعث إن حان حادث قديم إن للأشعث بن قيس بن معدي ... كرب عزة وأنت بهيم١ وأتى "سالم بن دارة" عدي بن حاتم، فمدحه، فشاطره "عدي" ماله٢. والأغلب بن عمرو بن عبيدة بن حارثة بن دُلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن الصعب بن علي بن بكر بن وائل، من الشعراء المخضرمين، ويعد من أرجز الرجاز، وأرصنهم كلاما وأصحهم معاني. وهو أول من أطال الرجز، وكان الرجل قبله يقول البيت والبيتين إذا فاخر أو شاتم. وذكر أنه استشهد بنهاوند٣. وله ديوان٤. وقيل إن الخليفة "عمر" كتب إلى "المغيرة بن شعبة" وهو على الكوفة، أن استنشد من قبلك من الشعراء عما قالوه في الإسلام، فكتب إلى لبيد، فكتب لبيد إليه سورة البقرة في صحيفة، وقال: قد أبدلني الله بهذه في الإسلام مكان الشعر، وجاء "الأغلب" إلى المغيرة، فقال له: أرجزا تريد أم قصيدا ... لقد طلبت هينا موجودا فكتب بذلك إلى "عمر"، فكتب إليه أن أنقص من عطاء الأغلب خمسمائة
следующие страницы →