كيف تجمع الأصول:
لعل من البديهي أنه لا يمكن بوجه قاطع أن نعثر على جميع المخطوطات التي تخص كتابا واحدا إلى على وجه تقريبي. فمنها أجهد المحقق نفسه للحصول على أكبر مجموعة من المخطوطات فإنه سيجد وراءه معقبا يستطيع أن يظهر نسخا أخرى من كتابه، وذلك لأن الذي يستطيع أن يصنعه المحقق، هو أن يبحث في فهارس المكتبات العامة، على ما بها من قصور وتقصير؛ وهو ليس بمستطيع أن يبحث فيها كلها على وجه التدقيق، فإن عددها يربى على الألف في بلاد الشرق والغرب
стр. 37
وكتاب الفيكونت فيليب دي طرازي المسمى: "خزائن الكتب العربية في الخافقين" يتيح لقارئه أن يعلم مقدار ضخامة عدد المكتبات العامة التي تناهز ألفا وخمسمائة مكتبة١.
ويبقى عليه بعد ذلك المكتبات الخاصة, وليس يمكن المحقق أن يدعى إلماما تامًّا بما فيها، أو يفكر في استيعاب ما تتضمنه من نفائس المخطوطات.
فليس وراء الباحث إلا أن يقارب البحث مقاربة مجتهدة، بحيث يغلب على ظنه أنه قد حصل على قدر صالح مما يريد.
وكتاب بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، يعد من أجمع المراجع التي عنيت بالدلالة على مواضع المخطوطات وكذلك كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان. فإذا أضاف إليها الباحث أن ينقب بنفسه في فهارس المكاتب العامة وملحقاتها الحديثة، وساءل الخبراء بالمخطوطات مستدلا على مواضعها، أمكنة أن يقارب وأن يقع على ما تطمئن نفسه إليه.
стр. 38
فحص النسخ:
يواجه فاحص المخطوطة جوانب شتى يستطيع بدراستها أن يزن المخطوطة ويقدرها قدرها.
١- فعليه أن يدرس ورقتها ليتمكن من تحقيق عمرها، ولا يخدعه ما أثبت فيها من تواريخ قد تكون مزيفة. ومما يجب التنبه له أن ليست آثار العث
стр. 39
والأرضة والبلى تدلى دلالة قاطعة على قدم النسخة، فإننا نشاهد تلك الآثار في مخطوطات قد لا يتجاوز عمرها خمسين عامًا، كما رأينا بعضًا من المخطوطات الحديثة يزورها التجار بطريقة صناعية حتى يبدو روقها قديما باليًا. ويرى القفطي١ أن ابن سينا صنع ثلاثة كتب أحدها على طريقة ابن العميد، والثاني على طريقة الصاحب، والثالث على طريقة الصابي، وأمر بتجليدها وأخلاق جلدها، لتجوز بذلك على أبي منصور الجبان. ولا ريب أن هذا التزييف قصد به المزاح، ولكنه يدلنا على أن التاريخ يحمل في بطونه دلائل على حدوث التزييف.
٢- وأن يدرس المداد فيتضح له قرب عهده أو بعد عهده.
٣- وكذلك الخط، فإن لكل عصر نهجا خاصا في الخط ونظام كتابته يستطيع الخبير الممارس أن يحكم في ذلك بخبرته.
٤- وأن يفحص اطراد الخط ونظامه في النسخة، فقد تكون النسخة ملفقة فيهبط ذلك بقيمتها أو يرفعها.
٥- وعنوان الكتاب وما يحمل صدره من إجازات وتمليكات وقراءات.
٦- كما أنه يجد في ثنايا النسخة ما يدل على قراءة بعض العلماء أو تعليقاتهم.
٧- وأن ينظر إلى أبواب الكتاب وفصوله وأجزائه حتى يستوثق من كمال النسخة وصحة ترتيبها. وكثير من الكتب القديمة يلتزم نظام "التعقيبة"، وهي الكلمة التي تكتب في أسفل الصفحة اليمنى غالبا لتدل على بدء الصفحة التي تليها، فيتتبع هذه التعقيبات يمكن الاطمئنان إلى تسلسل الكتاب.
٨- وأن ينظر في خاتمة الكتاب لعله بتبين اسم الناسخ وتاريخ النسخ وتسلسل النسخة.
وهذه هي أهم الجوانب الجديرة بعناية الفاحص، وقد يجد أمورا أخرى، تعاونه على تقدير النسخة، فلكل مخطوط ظروف خاصة تستدعي دراسة خاصة.
стр. 40
التحقيق:
هذا هو الاصطلاح المعاصر١ الذي يقصد به بذل عناية خاصة بالمخطوطات حتى يمكن التثبت من استيفائها لشرائط معينة.
فالكتاب المحقق هو الذي صح عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه.
وعلى ذلك فإن الجهود التي تبذل في كل مخطوط يجب أن تتناول البحث في الزوايا التالية:
١- تحقيق عنوان الكتاب.
٢- تحقيق اسم المؤلف.
٣- تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
٤- تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربا لنص مؤلفه.
وبديهي أن وجود نسخة المؤلف -وهو أمر نادر ولا سيما في كتب القرون الأربعة الأولى- لا يحوجنا إلى مجهود إلا بالقدر الذي نتمكن به من حسن قراءة النص. نظرًا إلى ما قد يوجد في الخط القديم من إهمال النقط والإعجام، ومن إشارات كتابية لا يستطاع فهمها إلا بطول الممارسة والإلف. وهذا الأمر يتطلب عالما في الفن الذي وضع فيه الكتاب، متمرسا بخطوط القدماء.
стр. 41
وبهذه المناسبة أذكر أن إهمال النقط والإعجام قد امتد شيء منه إلى قرون متأخرة، فالناظر في خط ابن حجر -وهو من علماء القرن التاسع- يرى هذا الإهمال بوضوح تام.
стр. 42
تحقيق العنوان:
وليس هذا بالأمر الهين، فبعض المخطوطات يكون خاليًا من العنوان:
١- إما لفقد الورقة الأولى منها.
٢- أو انطماس العنوان.
٣- وأحيانًا يثبت على النسخة عنوان واضح جلي ولكنه يخالف الواقع:
أ- إما بداع من دواعي التزييف.
ب- وإما الجهل قارئ ما وقعت إليه نسخة مجرة من عنوانها فأثبت ما خاله عنوانها.
١- فيحتاج المحقق في الحالة الأولى إلى إعمال فكرة في ذلك بطائفة من المحاولات التحقيقية، كأن يرجع إلى كتب المؤلفات كابن النديم، أو كتب التراجم، أو أن يتاح له الظفر بطائفة منسوبة من نصوص الكتاب مضمنة في كتاب آخر، أو أن يكون له إلف خاص أو خيرة خاصة بأسلوب مؤلف نم المؤلفين وأسماء ما ألف من الكتب، فتضع تلك الخبرة في يده الخيط الأول للوصول إلى حقيقة عنوان الكتاب.
٢- والانطماس الجزئي لعنوان الكتاب مما يساعد كثيرا على التحقيق من العنوان الكامل متى وضح معه في النسخة اسم المؤلف، فإن تحقيقه موكول إلى معرفة ثبت مصنفات المؤلف وموضوع كل منها متى تيسر ذلك.
٣- وأما التزييف المعتمد فيكون بمحو العنوان الأصيل للكتاب وإثبات عنوان لكتاب آخر أجل قدرا منه ليلقي بذلك رواجا، أو يكون ذلك مطاوعة لرغبة أحد جماع الكتب. وقد ينجح المزيف نجاحا نسبيا بأن يقارب ما بين
стр. 43
خطه ومداده وخط الأصل ومداده فيجوز هذا على من لا يصطنع الحذر والريبة في ذلك.
وأما التزييف الساذج فمنشؤه الجهل، فيضع أحد الكتاب في صدر الكتب الأغفال عنوانا يخيل إليه أنه هو العنوان الأصيل.
стр. 44
تحقيق اسم المؤلف:
إن كل خطوة يخطوها المحقق لا بد أن تكون مصحوبة بالحذر، فليس يكفي أن نجد عنوان الكتاب واسم مؤلفه في ظاهر النسخة أو النسخ لتحكم بأن المخطوطة من مؤلفات صاحب الاسم المثبت، بل لا بد من إجراء تحقيق علمي يطمئن معه الباحث إلى أن الكتاب نفسه صادق النسبة إلى مؤلفه.
وأحيانًا نفقد النسخة النص على اسم المؤلف، فمن العنوان يمكن التهدي إلى ذلك الاسم، وبمراجعة فهارس المكتبات، أو كتب المؤلفات، أو كتب التراجم التي أخرجت إخراجًا حديثًا وفهرست فيها الكتب، كمعجم الأدباء لياقوت، أو غير ذلك من الوسائل العلمية.
على أن اشتراك كثير من المؤلفين في عنوانات الكتب يحملنا على الحذر الشديد في إثبات اسم المؤلف المجهول، إذ لا بد من مراعاة اعتبارات تحقيقية، ومنها المادة العلمية للنسخة، ومدى تطويعها لما يعرفه المحقق عن المؤلف وحياته العلمية وعن أسلوبه وعن عصره.
والمحقق إذا عثر طائفة معقولة من الكتاب منسوبة إلى مؤلف معين في نقل من النقول، كان ذلك مما يؤيد ما يرجحه أو يقطع به في ذلك.
وأحيانًا تدل المصطلحات الرسمية في الكتاب على ما يوجهنا إلى تعيين عصر المؤلف، يظهر ذلك لمن قرأ شيئًا من هذه المصطلحات في صبح الأعشى للقلقشندي،
стр. 45
والتعريف بالمصطلح الشريف لابن فضل الله العمري١.
وقد يعتري التحريف والتصحيف أسماء المؤلفين المثبتة في الكتب، فالنصرى قد يصحف بالبصري، والحسن بالحسين، والخراز بالخرار، وكل أولئك يحتاج إلى تحقيق لا يكتفي فيه بمراجع واحد، فقد يكون ذلك المرجع فيه عين ذلك التصحيف أو تصحيف آخر أقسى منه، فليس هناك بد من اجتلاب الطمأنينة في ذلك البحث العلمي الواسع.
وما قيل في تزييف العناوين يقال أيضا في تزييف أسماء المؤلفين، لذلك لم يكن بد من أن يتنبه المحقق لهذا الأمر الدقيق.
стр. 46
تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
وليس الأمر الهين أن نؤمن بصحة نسبة أي كتاب كان إلى مؤلفه، ولا سيما الكتب الخاملة التي ليس لها شهرة، فيجب أن تعرض هذه النسبة على فهارس المكتبات والمولفات الكتبية وكتب التراجم، لنستمد منها اليقين بأن هذا الكتاب صحيح الانتساب.
وقديما تكلم الناس في كتاب العين المنسوب إلى الخليل. وقد ساق السيوطي في المزهر١ نصوص العلماء وأقوالهم في القدح في نسبة هذا الكتاب، ويكادون يجمعون أن الخليل وضع منهجه ورسمه، وأن العلماء حشوه من بعده.
وقد ذكر السيرافي كتابه أخبار النحويين البصريين٢ أن الخليل
стр. 47
عمل أول كتاب العين".
والذي نبه العلماء إلى ذلك دراستهم للكتاب، وتأديهم إلى أن مثل هذا التأليف لا يصح أن ينسب إلى رجل قارب الغاية في الفضل مثل الخليل.
فمعرفة القدر العلمي لمؤلف مما يسعف في التحقيق ينسبه الكتاب.
على أن بعض المؤلفين تتفاوت أقدارهم العلمية وتختلف اختلافا ظاهرا بتفاوت أعمارهم، وباختلاف ضروب التأليف التي يعالجونها، فنجد المؤلف الواحد يكتب في صدر شبابه كتابا ضعيفا، فإذا علت به السن وجدت بونا شاسعا بين يوميه. وهو كذلك يكتب في فن من الفنون قويا متقنا، على حين يكتب في غيره وهو من الضعف على حال. فلا يصح أن يجعل هذا القياس حاسما باطراد، في تصحيح نسبة الكتاب.
وتعد الاعتبارات التاريخية من أقوى المقاييس في تصحيح الكتاب وتزييفها، فالكتاب الذي تحشد فيه أخبار تاريخية تالية لعصر مؤلفه الذي نسب إليه جدير بأن يسقط من حساب ذلك المؤلف، ومن أمثلة ذلك كتاب نسب إلى الجاحظ، وعنوانه "كتاب تنبيه الملوك والمكايد"، ومنه صورة مودعة بدار الكتب المصرية برقم ٢٣٤٥ أدب. وهذا الكتاب زيف لا ريب في ذلك؛ فإنك تجد من أبوابه باب "نكت من مكايد كافور الإخشيدي" و"مكيدة توزون بالمتقي الله". وكافور الإخشيدي كان يحيا بين سنتي ٢٩٢ و٣٥٧ والمتقي لله كان يحيا سنتي ٢٩٧ و٣٥٧. فهذا كله تاريخ بعد وفاة الجاحظ بعشرات من السنين. وأعجب من ذلك مقدمة الكتاب التي لا يصح أن ينتمي إلى قلم الجاحظ وهذا صدرها: "الحمد لله الذي افتتح بالحمد كتابا، وفتح للعبد إذا وافا "وافي" إليه بابا، وقسم بين خليفته فطور وأطوارا وتحزبوا أحزابا وأنفذ فيهم سهمه وأمضى فيهم حكمه وجعل لكل شيء أسبابا، فهم دائرون
стр. 48
في دائرة إرادته لا يستطيعون عنها انقلابًا، داهشون في بدائع حكمته، ومشيئته، وإرادته، يعز من يشاء ويرزق من يشاء..".
وليس هذا الأسلوب بحاجة إلى التعليق، كما أن الكتاب ليس بحاجة إلى أن نسهب في نفي نسبته إلى أبي عثمان الجاحظ.
стр. 49
تحقيق متن الكتاب:
ومعناه أن يؤدي الكتاب أداءً صادقًا كما وضعه مؤلفه كمًّا وكيفًا بقدر الإمكان، فليس معنى تحقيق الكتاب أن نلتمس للأسلوب النازل أسلوبًا هو أعلى منه، أو نحل كلمة صحيحة محل أخرى صحيحة بدعوى أن أولاهما أولى بمكانها، أو أجمل، أو أوفق، أو ينسب صاحب الكتاب نصا من النصوص إلى قائل وهو مخطئ في هذه النسبة فيبدل المحقق ذلك الخطأ ويحل محله الصواب أو أن يخطئ في عبارة خطأ نحويا دقيقا فيصحح خطأه في ذلك، أو أن يوجز عبارته إيجازا مخلا فيبسط المحقق عبارته بما يدفع الإخلال.
ليس محققا المتن تحسينا أو تصحيحا، وإنما هو أمانة الأداء التي تقتضيها أمانة التاريخ، فإن متن الكتاب حكم على المؤلف، وحكم على عصره وبيئته، وهي اعتبارات تاريخيه لها حرمتها، كما أن ذلك الضرب من التصرف عدوان على حق المؤلف الذي له وحده حق التبديل والتغيير.
وإذا كان موسوما بصفة الجرأة فأجدر به أن يتنحى عن مثل هذا العمل، وليدعه لغيره ممن هو موسوم بالإشفاق والحذر.
إن التحقيق نتاج خلقي، لا يقوى عليه إلا من وهب خلتين شديدتين: الأمانة والصبر، وهما ماهما!!
وقد يقال: كيف نترك ذلك الخطأ يشيع، وكيف نعالجه؟
стр. 50
فالجواب أن المحقق إن فطن إلى شيء من ذلك الخطأ نبه عليه في الحاشية أو في آخر الكتاب وبين وجه الصواب فيه. وبذلك يحقق الأمانة، ويؤدي واجب العلم.
أما الشواهد من القرأن الكريم فلما لها من تقدير ديني لا بد أن توضع في نصابها. وقد كشفت في أثناء تحقيق لكتاب الحيوان عن تحريفات كثيرة لم أستطع إلا أن أردها إلى أصلها. ومن أمثلة ذلك في الجزء الرابع ص٧؛ "فلما أتوا على وادي النمل" وهي ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ . وفي ص١٥٩: "على أن لا أقول على الله إلا الحق فأرسل معي بني إسرائيل". وفي ص١٦٠: "يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ" وهي: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ وفي الجزء الخامس ص٣٢: "إني مبتليكم بنهر" وهي ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ وفي ص٩٣: "هو الذي جعل لكم من الشجر الأخصر نارا" والوجه إسقاط "هو": وفي ص١٣٧: "وأنهار من ماء غير آسن" والوجه إسقاط الواو. وفي ص٥٤٤: "ثم اسلكي سبل ربك" وإنما هي ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ . وفي ص٥٤٧ في بعض النسخ "فلما جاء أمرنا وفار التنور" وفي بعضها: "ولما جاء" وكلاههما تحريف، وإنما هي ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ . إلى غيرها كثير.
ومن عجب أن يشيع هذا التحريف القرآني في كتاب معروف مثل كتاب الحيوان ولا يتصدى له من يصلحه في خلال هذه القرون المتطاولة، وفي ذلك يصدق المثل القائل: "يؤتى الحذر من مأمنه".
وجاء في كتاب الجواري للجاحظ في مجموعة داماد: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا"، وهي: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
ومما عثرت عليه في مخطوطات تهذيب اللغة للأزهري من التصحيف
стр. 51
القرآني ما جاء في مادة "وقى": "ما لكم من الله من واق" وهي ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ . وفي مادة "فوق": "ما ينظرون إلا صيحة ما لها من فواق" وهي ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ .
وفي مخطوطة كتاب سيبويه ونسخه المطبوعة في ثلاث طبعات١: "والذاكرين الله كثيرا والذاكرات والحافظين فروجهم والحافظات" وصوابها ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ .
وإنما أسهبت في تلك الأمثلة لأنبه على أمرين:
أما أحدهما فإنه يجب أن يستشعر المحقق الحذر الكامل في تحقيق الآيات القرآنية، وألا يركن إلى أمانة غيره في ذلك مهما بلغ قدره.
وأما الآخر فإن التزمت في إبقاء النص القرآني المحرف في الصلب كما هو، فيه مزلة للأقدام، فإن خطر القرآن الكريم يجل عن أن نجامل فيه مخطئًا، أو نحفظ فيه حق مؤلف لم يلتزم الدقة فيما يجب عليه فيه أن يلزم غاية الحذر.
ومع ذلك فإننا نرى بعض المتزمتين الغالين يذهب إلى التزام الأمانة الصارمة في أداء النص القرآني الخاطئ يؤديه كما وقع من مؤلفة. والمسألة خلافية قديمة بسطها ابن كثير في كتابه اختصار علوم الحديث٢.
ونصه ما يلي:
وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور. وحكى عن محمد بن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونًا. قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وعن القاضي عياش: أن الذي
стр. 52
استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي.
ثم قال: "وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش ويسكت عن الخفي السهل".
فالمسألة قديما جدا مردها إلى الأمانة، وهي متحققة في المذهبين إذا نبه المصحح على ما كان عليه الأصل الذي صححه، مما هو واضح الخطأ.
واختبار النصوص القرآنية لا يكفي فيها أن نرجع إلى المصحف المتداول، بل لا بد فيه من الرجوع إلى كتب القراءات وكتب التفسير. ففي كتب القراءات يرجع المحقق إلى كتب القراءات السبع، ثم العشر ثم الأربع عشرة ثم كتب القراءات الشاذة. وفي كتب التفسير يلجأ إلى تلك التي تعني عناية خاصة بالقراءات كتفسير القرطبي وأبي حيان. وذلك يجدر أن ينسب المحقق كل قراءة تكون مخالفة لقراءة الجمهور.
وأما النصوص الحديث فإنها يجب أن تختبر بعرضها على مراجع الحديث لقراءة نصها وتخريجها إن أمكن التخريج. وتعدد روايات الحديث يدفعنا إلى أن نحمل المؤلف أمانة روايته، فنبقيها كما كتبها المؤلف إذا وصلنا إلى يقين بأنه كتبها كذلك، ولندع للتعليق ما يدل على ضعف روايته أو قوتها.
وهذا أيضا هو واجب المحقق إزاء كل نص من النصوص المضمنة، من الأمثال والأشعار ونحوها، يجب أن يتجه إلى مراجعتها ليستعين بها في قراءة النص وتخريجه إن أمكن التخريج. ومع ذلك يجب أن نحترم رواية المؤلف
стр. 53
إذا أيقنا أن ما في النسخة هو ما قصده المؤلف وأراده، ولا سيما إذا كان يبني على تلك الرواية حكما خاصا, فهذا قيد شديد يحرم على المحقق أن يتناول النص بتغيير أو تبديل.
وهذه الضروب الثلاثة من النصوص هي أخطر ما يجب فيه الدقة والحرص والتريث، وليس معنى ذلك أن نستهين بغيرها، ولكن معناه أن نبذل لها من اليقظة، ونستشعر لها من الحرص، ما يعادل خطرها البالغ.
стр. 54
خطر تحقيق المتن:
عرفت إذن أن التحقيق أمر جليل، وأنه يحتاج من الجهد والعناية إلى أكثر مما يحتاج إليه التأليف. وقديما قال الجاحظ١: "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام".
مقدمات تحقيق المتن:
هناك مقدمات رئيسية لإقامة النص، فمنها:
١- التمرس بقراءة النسخة، فإن القراءة الخاطئة لا تنتج إلا خطأ. وبعض الكتابات يحتاج إلى مراس طويل وخبرة خاصة، ولا سيما تلك المخطوطات التي لا يطرد فيها النقص والإعجام، وكذلك تلك المخطوطات التي كتبت بقلم أندلسي أو مغربي، ولهذا الخط صورة الخاصة ونقطه الخاص، بل رسمه الخاص. قال الشيخ نصر الهوريني٢: "وكذلك أهل الأندلس يكتبون في غير المصحف
стр. 55
الألف الحشوية الممالة بالياء، كما يدل له قول القاموس: بنيل بضم الباء وكسر النون جد مسلم بن محمد الشاعر الأندلسي. والأصح أنه ممال. ولكنهم يكتبونه بالياء اصطلاحا".
ولكل كاتب من الكتاب طريقة خاصة تستدعي خبرة خاصة كذلك، فبعضهم يقارب بين رسمي الدال واللام. أو بين رسمي الغين والفاء فلا يفطن للفصل بينهما إلا الخبير. كما أن كثيرًا من الكتاب الأقدمين يكتبون على طريقة خاصة بهم في الرسم الإملائي. وهذا يحتاج إلى خبرة خاصة تكتسب بالمرانة وبالرجوع إلى كتب الرسم. ومن أجمع الكتب في ذلك "المطالع النصرية" للشيخ نصر الهوريني.
والنقط تختلف طرائقة في الكتابة المشرقية والكتابة المغربية؛ ففي الأخيرة تنقط الفاء بنقطة من أسفلها، والقاف بنقطة واحدة من أعلاها.
وفي الكتابات القديمة توضع بعض العلامات لإهمال الحروف، فبعضهم يدل على السين المهملة بنقط ثلاث من أسفلها، إما صفا واحدا وإما صفين، وبعضهم يكتب سينا صغيرة "س" تحت السين، ويكتبون حاء "حـ" تحت الحاء المهملة. ومن الكتاب من يضع فوق المهمل أو تحته همزة صغيرة "ء" ومنهم من يضع خطا أفقيا فوقه "__" ومنهم من يضع رسما أفقيا كالهلال، ومنهم من يضع علامة شبيهة بالرقم "٧". وفي بعض الكلمات التي تقرأ بالإهمال والإعجام معا قد ينقط الحرف من أعلى ومن أسفل معا، وذلك مثل "التسميت" و"التشميت" أي تشميت العاطس، يضعون أحيانا فوق السين نقطًا ثلاثًا وتحتها كذلك، وإشارة إلى جواز القراءتين. و"المضمضة" و"المصمصة" تكتب بنقطة فوق الضاد وأخرى تحتها، تجويزًا لوجهي القراءة.
وفي الإعجام -أي الشكل والضبط- يحتاج المحقق كذلك إلى خبرة
стр. 56
خاصة، وهذا هو الذي كان يسميه أبو الأسود "النقط". قال أبو الأسود لكاتبه القيسي: "إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فمي فجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت ذلك شيئًا من غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين".
فهذه طريقة أبي الأسود يراها القارئ في المصاحف العتيقة.
ومما يلحق بالضبط القطعة، أي الهمزة، وهي صورة رأس عين توضع فوق ألف القطع، أو على الواو والياء المصورتين بدلا من الألف أو في موضع ألف قد حذفت صورتها مثل ماء وسماء. وفي الكتابة القديمة كثيرا ما تهمل كتابتها فتلتبس ما بكلمة "ما" وسماء بالفعل "سما". والهمز المكسورة تكتب أحيانا تحت الحرف وتكتب أحيانا فوقه.
والمدة، وهي السحبة التي في آخرها ارتفاع، قد ترد في الكتابة القديمة فيما لم نألفه، نحو "مآ" التي نكتبها ماء بدون مدة.
والشدة، وهي رأس الشين، نجدها في الكتابة القديمة حينا فوق الحرف، وآنا تحته إذا كانت مقرونة بالكسرة. ونجد خلافًا في كتابتها مع الفتحة فأحيانًا توضع الفتحة فوق الشدة، وأحيانًا تكتب الفتحة تحت الشدة هكذا "- ِّ" فيتوهم القارئ أنها كسرة مع الشدة، مع أن وضع الكسرة تحت الشدة وفوق الحرف أمر لا يكاد يوجد في المخطوطات العتيقة. والضمة يضعها المغاربة تحت الشدة، وفي كثير من الكتابات القديمة توضع الشدة على الحرف الأول من الكلمة إذا كان مدغمًا في آخر من نهاية الكلمة السابقة مثل "بل رّان"، "يقول أهلكت مالا لو قنعت به".
والشدة في الكتابة المغربية تكتب كالعدد "٧" شديدة التقويس وقد عثرت على مخطوط أندلسي عتيق هو كتاب العققة والبررة لأبي عبيدة، وقد
стр. 57
التزم فيه كاتبه وضع الحركات تحت النقط هكذا "مُضعَة"، أي مضغة.
وفي النسخة المغربية من كتاب المحتسب لابن جني "٧٨ قراءات دار الكتب" وجدت الشدة توضع مشابهة للعدد "٧" فوق الحرف للدلالة على الشدة والفتحة ومشابهة للعدد "٨" فوقه للدلالة على الشدة والضمة. أما الشدة والكسرة فيعبر عنهما بالرسم "٨" لكن تحت الحرف.
وتخفيف الحرف، أي مقابل تشديده، يرمز إليه أحيانا بالحرف "خ" أو بإشارة "خف" إشارة إلى الخفة.
وهناك بعض الإشارات الكتابية، ومنها علامة الإلحاق التي توضع لإثبات بعض الأسقاط خارج سطور الكتاب. وهي في غالب الأمر خط رأسي يرسم بين الكلمتين يعطف بخط أفقي يتجه يمينًا أو يسارًا إلى الجهة التي دون فيها السقط
وبعضهم يمد هذه العلامة حتى تصل إلى الكتابة الملحقة التي يكتب إلى جوارها كلمة "صح"، أو "رجع"، أو "أصل". وبعض النساخ يكتب ما يريد إلحاقه بين الأسطر في صلب الكتاب.
وهناك علامة التمريض، وهي صاد ممدودة "صـ" توضع فوق العبارة التي هي صحيحة في نقلها ولكنها خطأ في ذاتها، وتسمى هذه العلامة أيضا علامة التضبيب.
قال السيوطي في تدريب الراوي١: ويسمى ذلك لكون الحرف مقفلًا بها لا يتجه لقراءة، كضبة الباب يقفل بها".
وعلامة التثليث اللغوي، وهي "ث" توضع فوق الكلمة اقتباسًا من كلمة التثليث. وجدتها في مخطوطة الاشتقاق لابن دريد.
وأحيانًا يوضع الحرف "ض" في وسط الكلام، إشارة إلى وجود بياض في الأصل المنقول عنه. وجدته في نسخة من جمهرة ابن حزم.
стр. 58
وكذلك الحرف "ء" رأس العين، إشارة إلى "لعله كذا": وجدته في هامش بعض مخطوطات الجمهرة. وقد يكتب الحرف "ظ" في الهامش أيضًا إشارة إلى كلمة "الظاهر". وتوضع "كـ" في بعض الهوامش إشارة إلى أنه "كذا في الأصل".
وإذا كان هناك خطا ناشئ من زيادة بعض الكلمات فإنهم يشيرون إلى الزيادة بخط بوضع فوق الكلام منعطفا عليه من جانبيه بهذا الوضع " " وأحيانا توضع الزيادة بين دائرتين صغيرتين "ْ ْ" أو بين نصفي دائرة " () " وأحيانا توضع كلمة "لا"، أو "من"، أو "زائدة" فوق أول كلمة من الزيادة ثم كلمة "إلى" فوق آخر كلمة منها.
وفي التقديم والتأخير توضع فوق الكلمتين أو العبارتين "ا" و"ا". وجدت بخط مغلطاي على هامش الاشتقاق "سنة ومائة إحدى" أي سنة إحدى ومائة. أو يوضع الحرفان "خ" و"ق" أي تأخير وتقديم. "م" "م" أي مقدم ومؤخر.
وكذلك الأرقام تحتاج إلى خبرة خاصة، وهذه صورة الأرقام التي ترد في بعض المخطوطات القديمة وهي "١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦". وأحيانا تكتب الاثنان والأربعة والخمسة هكذا.
وهناك رموز واختصارات لبعض الكلمات أو العبارات نجدها في المخطوطات القديمة ولا سيما في كتب الحديث.
وهذا مما سبق به أسلافنا العرب, أو علماء العجم المتأخرون، وقلدهم في ذلك الفرنجة١:
ثنا= حدثنا.
стр. 59
ثني= حدثني.
نا= حدثنا، أو أخبرنا.
دثنا= حدثنا.
أنا= أنبأنا، أو أخبرنا.
أرنا= أخبرنا، في خط بعض المغاربة.
أخ نا= أخبرنا، في خط بعض المغاربة.
أبنا= أخبرنا.
قثنا= قال حدثنا.
ح= تحويل السند في الحديث.
صلعم= ﷺ .
ص م= ﷺ
ع م= ﵇. وكتابة هذه الثلاثة مكروهة عند الفقهاء وقد استعملها العجم.
رضي= ﵁.
المصـ= المصنف بكسر النون.
ص= المصنف بفتح النون، أي المتن.
ش= الشرح.
الشـ= الشارح.
س= سيبويه.
أيضـ= أيضا.
لا يخـ= لا يخفى. للعجم في الكتب العربية.
الظ= الظاهر.
نعم= ممنوع. للعجم في الكتب العربية.
стр. 60
م= معتمد، أو معروف، استعمل الأخيرة صاحب القاموس ومن بعده.
إلخ= إلى آخره.
اهـ= انتهى، أو إلى نهايته.
ع= موضع، استعمله صاحب القاموس ومن بعده.
ج= جمع، استعمله صاحب القاموس ومن بعده.
جج= جمع الجمع، استعمله صاحب القاموس ومن بعده.
د= بلد، استعمله صاحب القاموس ومن بعده.
ح= أبو حنيفة، أو الحلبي.
حج= ابن حجر الهيثمي في كتب الشافعية.
م ر= محمد الرملي.
ع ش= علي الشبراملسي.
ز ي= الزيادي.
ق ل= القليوبي.
شو= خضر الشوبري.
س ل= سلطان المزاحي.
ح ل= الحلبي.
ع ن= العناني.
ح ف= الحفني.
ط= الإطفيحي.
م د= المدابغي.
стр. 61
ع ب= العباب.
س م= ابن أم قاسم العبادي.
ح= حينئذ، في غير كتب الحديث وكتب الحنفية.
ح= الحلبي عند الحنفية.
٢- والثاني من مقدمات التحقيق هو التمرس بأسلوب المؤلف، وأدنى صورة أن يقرأ المحقق المخطوطة المرة تلو المرة، حتى يخبر الاتجاه الأسلوبي للمؤلف، ويتعرف خصائصه ولوازمه، فإن لكل مؤلف خصيصة في أسلوبه، ولازمة من اللوازم اللفظية أو العبارية، كما أن لكل مؤلف أعلامًا خاصة تدور في كتاباته، وحوادث يديرها في أثنائها.
وأعلى صور التمرس بأسلوب المؤلف أن يرجع المحقق إلى أكبر قدر مستطاع من كتب المؤلف، ليزداد خبرة وأسلوبه ويستطيع أن يوجد ترابطًا بين عباراته في هذا الكتاب وذاك. ومعرفة ذلك مما يعين في تحقيق المتن، والتهدي إلى الصواب فيه.
٣- وأمر ثالث، وهو الإلمام بالموضوع الذي يعالجه الكتاب حتى يمكن المحقق أن يفهم النص فهمًا سليمًا يجنبه الوقوع في الخطأ حين يظن الصواب خطأ فيحاول إصلاحه، أي يحاول إفساد الصواب!
وهذا إنما يتحقق بدراسة بعض الكتب التي تعالج الموضوع نفسه أو موضوعًا قريبًا منه، ليستطيع المحقق أن يعيش في الأجواء المطابقة أو المقاربة، حتى يكون على بصيرة نافذة.
٤- فإذا اجتمع لدى المحقق أقصى ما يمكن جمعه من المخطوطات، واستطاع قراءتها قراءة سليمة، وعرف أسلوب المؤلف، وألم إلماما كافيًا
стр. 62
بموضوع الكتاب، استطاع أن يمضي في التحقيق مستعينًا بالمراجع العلمية التي يمكن تصنيفها على الوجه التالي:
أ- كتب المؤلف نفسه مخطوطها ومطبوعها.
ب- الكتب التي لها علاقة مباشرة بالكتاب، كالشروح والمختصرات والتهذيبات. فنسخة الشرح هي من جهة نسخة أخرى من الكتاب. كما أن الشروح تقيد النصوص بضبطها أحيانا، وتتكفل ببيان عوامضها، وهو أمر له قيمته في مكملات التحقيق.
ويليها في ذلك نسخة المختصر أو التهذيب، فإن كلا منهما تلقي ضوءا المخطوطة لتلك في تحقيق النص. ومن البديهي أن يرجع المحقق إلى الأصول المخطوطة لتلك المراجع ما أمكنه ذلك، وألا يعتمد على المطبوعات الخالية من الروح العلمية المحققة.
ج- وهناك ضرب آخر من الكتب التي لها علاقة مباشرة بالكتاب، وهي الكتب التي اعتمدت في تأليفها اعتمادا كبيرا على الكتاب، وهذه كثيرا ما تحتفظ بالنص الأصلي للكتاب الأول. فكتاب عيون الأخبار لابن قتيبة من الكتب التي اعتمدت على كتاب الحيوان للجاحظ، ولا سيما في كلام ابن قتيبة على الحيوان. والكتاب نفسه من الكتب التي اعتمدت على كتاب "البيان والتبيين"، ولا سيما في كتاب الزهد ونصوص الخطب والوصايا.
ولعل السر في ذلك أن الجاحظ كان قد أجاز ابن قتيبة برواية بعض كتبه١.
وكانت حياة ابن قتيبة بين سنتي ٢١٣، ٢٨٦.
د- ويليها الكتب التي استقى منها المؤلف. فإذا تهدى المحقق إلى المنابع التي يستمد منها المؤلف تأليفه كان ذلك معوانا له على إقامة النص. وبعض
стр. 63
المؤلفين القدماء ينصون في كتبهم على المصادر التي استقوا منها، كما فعل ابن فارس في مقدمة مقاييس اللغة، وابن منظور في مقدمة لسان العرب، والسيوطي في مقدمة "بعية الوعاة"، وابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب".
وبعضهم يعتمد اعتمادًا كليًّا على مؤلف آخر، ولكنه لا ينص على الأخذ إلا أحيانًا قليلة، كما فعل التبريزي في نقله معظم شرحه للحماسة عن شرح المرزوقي. والذي يوازن بين الشرحين يسترعي نظره التقارب الشديد بين عبارات التفسير واتجاهاته، ثم لا يرتاب أن التبريزي كان في جمهور شرحه كلا على المرزوقي.
ومن عجب أن التبريزي مع ذلك ينعى على هؤلاء الذين يهملون نسبة أقوال العلم إلى أصحابها، فيقول في تفسير الشطر الثالث من الحماسية ٨٩: "قال المرزوقي: وذكر بعض المتأخرين -يعني ابن جني- ولم ينصفه حيث لم يسمه في كتابه..".
وكما صنع التبريزي ذلك في شرحه للحماسة صنع في شرحه للقصائد العشر، إذا اعتمد اعتمادًا كبيرًا على ابن الأنباري في شرحه للمعلقات.
هـ- الكتب المعاصرة للمؤلف، التي تعالج نفس الموضوع، أو موضوعا قريبا منه.
و المراجع اللغوية، وهي المقياس الأول الذي تسبر به صحة النص، فأحيانا يحكم المحقق العجلان أن في النص تحريفا وما به من بأس، وهو حين يرجع إلى كتب اللغة تفتيه بصواب ما خاله غير الصواب. ولا يكفي لذلك ضرب واحد من المراجع اللغوية.
ويمكننا أن نقسم المراجع اللغوية إلى الضروب التالية:
١- معاجم الألفاظ، وأعلاها لسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي. ومنها معاجم المفردات الطبية، كالمفردات لابن البيطار، وتذكرة داود الأنطاكي، ومن المعجم الحديثة في ذلك معجم الحيوان للمعلوف، والنبات
стр. 64
لأحمد عيسى. ومنها معاجم المصطلحات العلمية كمفاتيح العلوم للخوارزمي، وكليات أبي البقاء، وأوسعها جميعًا كتاب "كشاف اصطلاحات الفنون".
وقد وضع بعض فضلا المستشرقين معاجم استدركوا بها على المعاجم القديمة، ومنها معجم دوزي المسمى: supplemeut aux dictioonaires arabes ومنها معجمه الخاص بأسماء الملابس: dictionneire detaille nems des des vetements chex les arabes
وهذه المعاجم تفيد في تحقيق النصوص الواردة في الكتب المتأخرة.
٢- معاجم المعاني، وأعلاها المخصص لابن سيده، وفقه اللغة للثعالبي.
٣- معاجم الأسلوب، وأعلاها جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر، والألفاظ الكتابية للهمذاني.
٤- كتب المعربات، ومن أعلاها في القديم المعرب للجواليقي، وشفاء الغليل للخفاجي، وفي الحديث كتاب الألفاظ الفارسية المعربة لأدى شير.
٥- معاجم اللغات التي تمت بصلة وثيقة إلى العربية كالفارسية والعبرية والسريانية.
ز- المراجع النحوية، وهي كثيرة، وأعلى المتداول منها وأجمعها همع الهوامع للسيوطي، وحاشية الصبان على الأشموني.
ح- المراجع العلمية الخاصة، وهذه لا يمكن حصرها، ولكل كتاب يكون موضع التحقيق مراجع شتى يتطلبها. فكانت الأدب يحتاج إلى مراجع الأدب والتاريخ على اختلاف ضروبها والعلوم الدينية، وكذلك إلى مراجع الشعر من الدواوين وكتب النقد القديم والبلاغة ومراجع البلدان وغيره. وكتاب التاريخ يفتقر إلى كتب الأدب والعلوم الدينية ومراجع البلدان. وهكذا.
فنحن نجد أن نتج الثقافة الإسلامية العربية متواشج الأنساب، متداخل
стр. 65
الأسباب. وحذق المحقق وسعة اطلاعه يهديانه إلى اختيار المراجع التي يتطلبها الكتاب.
وأذكر أنني قبل تحقيقي لكتاب الحيوان هالني تنوع المعارف التي يشملها هذا الكتاب، ووجدت أني لو خبطت على غير هدى لم أتمكن من إقامة نصه على الوجه الذي أبتغي، فوضعت لنفسي منهجا بعد قراءتي للكتاب سبع مرات، منها ست مرات اقتضاها معارضتي لكل مخطوط على حدة، وفي المرة السابعة كنت أقرؤه لتنسيق فقاره وتبويب فصوله، فكنت بذلك واعيا لكثير مما ورد فيه، فلجأت إلى مكتبتي أتصفح ما أحسب أن له علاقة بالكتاب وأقيد في أوراق ما أجده معينا للتصحيح، حتى استوى لي من ذلك قد صالح من مادة التحقيق والتعليق؛ ولكن ذلك لم يغني عن الرجوع إلى مصادر أخرى غير التي حسبت، فكانت عدة المراجع التي اقتبست منها نصوصا للتحقيق والتعليق نحو ٢٩٠ كتابا عدا المراجع التي لم أقتبس منها نصوصا، وهي لا تقل عن هذه في عدتها.
والذي أريد أن أقوله، أن تحقيق النصوص محتاج إلى مصابرة وإلى يقظة علمية، وسخاء في الجهد الذي لا يضن عل الكلمة الواحدة بيوم واحد أو أيام معدودات.
стр. 66
التصحيف والتحريف:
وهما أكبر آفة منيت بها الآثار العلمية، فلا يكاد كتاب منها يسلم من ذلك. وبعض العلماء الأقدمين يفرقون بين مدلول الكلمتين. فالعسكري، وهو الحسن بن عبد الله بن سعيد "٢٩٣-٣٨٢"- وهو من أقدم من ألف في هذا الفن يضع حدا فاصلا بينهما. ويقول في صدر كتابه١. "شرحت في كتابي هذا الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف، ويدخلها التحريف".
ويقول أيضا٢: "فأما معنى قولهم الصحفي والتصحيف فقد قال الخليل: إن الصحفي الذي يروى الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف. وقال غيره: أصل هذا أن قوما كانوا قد أخذوا العلم عن الصحف من غير أن يلقوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير فيقال عنده: قد صحفوا، أي رددوه عن الصحف، وهم مصحفون، والمصدر التصحيف".
وجاء في جمهرة ابن دريد٣: "أن الماء يؤنه أنا: صبه. وفي الكلام للقمان بن عاد: أن ماء واغله. أي صب ماء واغله. وكان ابن الكلبي يقول: أز ماء، ويزعم أن أن تصحيف".
فهذه النصوص تجعل كل تغير في الكلام ينشأ من تشابه صور الخط تصحيفًا ويقول العسكري٤ في قول ابن أحمر الذي روى على هذا الوجه:
стр. 67
فلا تصلي بمطروق إذا ما ... سرى بالقوم أصبح مستكينا
إنما هو "إذا ما سرى في الحي". ثم يقول: "وهذا من التحريف لا من التصحيف". وفي كتابه أيضا١: "سأل أبو زيد الأخفش فقال: كيف تقول يوم التروية أتهمز؟ قال: نعم. قال: ولم؟ قال: لأني أقول: روأت في الأمر. قال: أخطأت، إنما هو ترويت من الماء غير مهموز. قال الشيخ -أي العسكري: وهذا من التبديل لا من التصحيف". يريد أنه من التحريف؛ لأنه ليس ناشئًا من تشابه الحروف في النقط، بل هو تغيير الياء بالهمز.
ثم إننا نجد السيوطي "٨٤٩-٩١١" في المزهر٢ يعقد فصلا في التصحيف والتحريف، لم يفصل بينهما فصلا دقيقا، فلم يكن هناك ضابط دقيق عنده لما يسمى تحريفا وما يسمى تصحيفا. وكذلك نجد بعض المؤلفين الأقدمين لا يفرقون بين التحري والتصحيف، يجعلونهما مترادفين.
أما ابن حجر في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر٣ فيفرق بين النوعين فرقا واضحا. قال: "إن كانت المخالفة بتغيير حرف من حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرف".
فهو يجعل التصحيف خاصا بالاقتباس في نقط الحروف المتشابهة في الشكل كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، والدال والذال، والراء والزاي، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء. فإن صور تلك الحروف واحدة، لا يفرق بعضها عن بعض في الكتابة الحديثة إلا النقط أو مقدارها.
وأما التحريف فهو خاص بتغيير شكل الحروف ورسمها كالدال والراء،
стр. 68
والدال واللام، والنون والزاي في الحروف المتقاربة الصورة، والميم والقاف، واللام والعين في الحروف المتباعدة الصورة.
ومن التصحيف الناجم عن سوء القراءة ما جاء في سير النبلاء للذهبي في ترجمة عبد الرازق بن همام في حديث روى عنه مصحفًا "النار جبار". قال الذهبي: أظنها تصحفت عليهم، فإن النار تكتب "النير" على الإمالة بياء، على هيئة "البئر"، فوقع التصحيف.
وصواب نص هذا الحديث: "البئر جبار"، أي هدر، "إذا سقط إنسان فيها فهلك فدمه هدر".
ومن التصحيف والتحريف ما يكون نتاجًا لخطأ السمع لا لخطأ القراءة، كأن يملي المملي كلمة "ثابت" فيسمعها الكاتب ويكتبها "نابت"، أو"احتجم" فيسمعها الكاتب ويكتبها "احتجب". ومن هذا ما جاء في قول الراجز١:
كأن في ريقه لما ابتسم ... بلقاءة في الخيل عن طفل متم
إنما هي "بلقاء تنفي الخيل".
ومنه ما ورد في الطبعة الأولى من الصحاح في مادة "سلت قال: "وسلته مائة سوط، أي جلدته، مثل جلدته". وصوابها "حلته" كما في مخطوطات الصحاح واللسان ومادة "حلت" من الصحاح نفسه، وفيه: "قال الأصمعي: حلته مائة سوط: جلدته".
ومما اجتمع فيه تصحيف الخط وتصحيف السمع ما جاء في الإصابة لابن حجر في ترجمة "فرات بن ثعلبة البهراني"، إذ وقع في بعض نسخ كتاب
стр. 69
ابن منده "النحراني" قال ابن حجر: "النجراني وقع في النسخ المعتمدة من كتاب ابن مندرة بنون وجيم، والصواب بموحدة ثم مهملة -يعني البحراني- فوقع فيه تصحيفان: خطي وسمعي. أما الخطي فهذا. وأما السمعي فإنه بالهاء لا بالحاء".
وفي ذلك يروون هذه الطريقة عن كيسان مستملى أبي عبيدة١: أنه كان يكتب غير ما يسمع، ثم ينقل عن ذلك غير ما كتبه في أول الأمر، ثم يحفظ غير ما كتب، ثم يحدث غير ما حفظ.
ومنه ما يكون من خطأ في الفهم كقول السيوطي٢: "كحديث الزهري عن سفيان الثوري". وهو خطأ غريب، فإن الزهري أقدم كثيرًا من الثوري، ولم يذكر أحد أنه روى عنه. والصواب: "كحديث أبي شهاب عن سفيان الثوري"، فالتبس على السيوطي أبو شهاب الحناط بابن شهاب الزهري، والذي يروى عن سفيان إنما هو أبو شهاب الحناط، واسمه عبد ربه ابن نافع الكناني. وأما ابن شهاب الزهري فهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب.
ومن ذلك ما ذكره الجاحظ في البيان٣: "قال يونس بن حبيب: ما جاءنا من أحد من روائع الكلم ما جاءنا عن رسول الله ﷺ "، جاء في حاشية قديمة من إحدى نسخة تعليقا على ذلك:
"هذا مما صحفه الجاحظ وأخطأ فيه، لأن يونس إنما قال: عن البتي، وهو عثمان البتي، فلما لم يذكر عثمان التبس البتي فصحفه الجاحظ النبي، ثم جعل مكان النبي الرسول. وكان النتي من الفصحاء".
والبتي هذا هو عثمان بن مسلم البصري البتي.
стр. 70
كتب التصحيف والتحريف:
ومن أقدم كتب التصحيف والتحريف ما صنعه أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري ٢٩٣-٣٨٢ وقد طبع نحو نصفه بمصر سنة ١٣٢٦ ثم طبع كاملا بتحقيق الأستاذ عبد العزيز أحمد سنة ١٣٨٣. وما صنعه الحافظ علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ ذكره ابن الصلاح والنووي وابن حجر والسيوطي.
ومما يصح أن يجعل بين كتب التصحيف والتحريف كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة، لعلي بن حمزة البصري المتوفى سنة ٣٧٥ وإن كان لم يسم كتابه بما يدل على ذلك.
تاريخه:
وتاريخ التصحيف والتحريف قديم جدًّا، وقد وقع فيه جماعة من الفضلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: "ومن يعرى من الخطأ والتصحيف١".
ففي كتاب الله قرأ عثمان بن أبي شيبة: "جعل السفينة في رجل أخيه"٢ وقرأ أيضا: "ألم. تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل"٣، وكان حمزة الزيات القارئ يتلو القرآن من المصاحف، فقرأ يومًا وأبوه يسمع: "ألم. ذلك الكتاب لا زيت فيه"، فقال أبوه: دع المصحف وتلقن من أفواه الرجال٤!
وفي الحديث صحف بعضهم: "صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين" فقال "كناز في غلس". وصحف آخر: "يا أبا عمير، ما فعل النغير"، فقال "ما فعل البعير"٥.
стр. 71
وقد ورد كثير من ذلك في اللغة والشعر والأعلام مما يطول الحديث فيه. وقد عمت هذه البلوى حتى قالوا: لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي١. وكما كانوا يهجون الصحفيين كانوا يمدحون من لا يعتمد على الصحف في علمه. وفي ذلك يقول أبو نواس في رثاء خلف الأحمر:
لا يهم الحاء في القراءة بالخا ... ولا يأخذ إسناده عن الصحف١
ولخشية التصحيف نجد بعض المؤلفين يلجئون إلى مخالفة المعروف في اللغة ليتوقوا وقوع غيرهم في الخطأ. جاء في صحاح الجوهري ص٦٨٥ في مادة "سعتر" "السعتر: نبت، وبعضهم يكتبه بالصاد في كتب الطب لئلا يلتبس بالشعير".
كتب المؤتلف والمختلف:
وكان من الطبيعي أن تقاوم هذه الآفة العلمية بما يقضي عليها أو يخفف من حدتها، فلجأ العلماء إلى تأليف الكتب التي تبحث في المؤتلف والمختلف، فمنها ما هو في أسماء الرجال. وقد ألف في ذلك الدارقطني المتوفى سنة ٢٨٥، وأحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣، وابن ماكولا المتوفى سنة ٤٨٧، وابن نقطة الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩، والذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ في كتابه المشتبه.
ومنها ما هو في أسماء الشعراء، وقد ألف فيه الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٣٠٧.
ومنها ما هو في أسماء القبائل، وقد ألف فيه محمد بن حبيب المتوفى سنة ٢١٥.
وغير ذلك كثير.
стр. 72
معالجة النصوص:
ترجيح الروايات:
تجلب إلينا مخطوطات المؤلف الواحد صورا شتى من الروايات، وفي كثير من الأحيان نجد بعض النسخ قد انفردت بزيادات لا نجدها في النسخ الأخرى فهذه الزيادات مما ينبغي أن يوضع تحت الفحص والخبرة ليحكم المحقق بمدى صحتها وانطباقها على سياق النسخة وأسلوب المؤلف. ولينظر فيها طويلا فقد تكون نتيجة لخطأ الناسخ، فبعض المسرفين من النساخ يمزج صلب الأصل الذي نقل عنه بالحواشي التي أضيفت عليه من قبل القراء أو المالكين.
وقد عثرت في أثناء تحقيق لكتاب الحيوان على عبارة مقحمة في نسختين من أصول الحيوان١، وهذا نصها: "كنت بعجت بطن عقرب إذ كنت بمصر فوجدت فيه أكثر من سبعين عقارب صغار كل واحدة نحو أرزة. حرره أبو بكر السروكني". فالأسلوب ليس للجاحظ، والجاحظ لم يدخل مصر وعبارة "حرره أبو بكر السروكني" شاهد بأن العبارة مقحمة بلا ريب.
وأما العبارات الأصيلة التي تزيد بها بعض النسخ على الأخرى، ويؤيدها الفحص، فهي جديرة بالإثبات.
والعبارات المعتلة التي تحمل الخطأ النحوي مرجوعة، أجدر بالإثبات منها عبارة النسخة التي لا تحمل هذا الخطأ. كما أن التي تحمل الخطأ اللغوي أو يستحيل معها المعنى، أو ينعكس، أو يستغلق فهمه، هي رواية مرجوحة، أحق منها بالإثبات رواية النسخة السالمة من هذه العيوب.
وهذا كله في النسخ الثانوية. أما النسخ العادية فإن المحقق حرى أن يثبت
стр. 73
ما ورد فيها على علاته، خطأ كان أو صوابًا، على أن ينبه في الحواشي على صواب ما رآه خطأ، حرصًا على أمانة الأداء.
تصحيح الأخطاء:
سبق في الفصل الماضي أن المحقق قد يجد في تخالف روايات النسخ ما يعينه على استخراج الصواب من نصوصها، فيختار من بينها ما يراه مقيمًا للنص مؤديًا إلى حسن فهمه والأمانة تقتضيه أن يشير في الحواشي إلى النصوص التي عالجها لينتزع من بينها الصواب، وألا يغفل الإشارة إلى جميع الروايات الأخرى التي قد يجد القارئ فيها وجهًا أصوب من الوجه الذي ارتآه.
وقد يقتضيه التحقيق أن يلفق بين روايتين تحمل كل منهما نصف الصواب ونصف الخطأ فهو جدير أن يثبت من ذلك ما يراه، على ألا يغفل الإشارة إلى الروايات كلها، ففي ذلك الأمانة وإشراك القارئ في تحملها.
وقد يقع القارئ على عدة عبارات كلها محرف، فإذا أراد تقويمها فلا بد أن يتقيد بمقاربة الصور الحرفية التي تقلبت فيها العبارة في النسخ، بحيث لا يخرج عن مجموعها بقدر الإمكان.
فتصحيح "ليط به" و"ليطبه" إلى "لبط به" بمعنى صرع، تقويم صحيح وتصحيح "النقيف" و"النقنق" بـ"النقنف" بمعنى صقع الجبل الذي كأنه جدار مبني مستو تصحيح
قويم أيضًا. وكذلك تصحيح "العصراء" "بالقصواء" اسم ناقة.
وهو في هذه الأحوال كلها جميعا لا بد له أن يستعين بالمراجع التي سبقت الإشارة إلى أنواعها في "مقدمات تحقيق المتن".
стр. 74
نموذج لتصحيح بعض التحريفات:
وهي بعض التحريفات التي ظهرت لي في إثناء التحقيقات في كتب شتى
١- "احتراز" المودة = اجترار المودة -أي اجتلابها
٢- "استحقاق غموض" = استخفاء وغموض
٣- "استقضيت" = استغضبت
٤- "اعزترحي" = اعر نزمي -أي تقبضي وتجمعي
٥- وقعة "البسر" = وقعة البشر
٦- "التعويد" والإحجام = التعريد والإحجام
٧- "التمور والبيور" = النمور والببور -جمع نمر وببر
٨- "تنبيه" به = شبيه به
٩- "ثمر صبجاني" = تمر صيحاني -هو نوع من التمر
١٠- "ثوب" العنكبوت = ثوى العنكبوت -أي بيتها
١١- "جاء فرواب = حافر وأب -وهو الشديد
١٢- "الجاري" = الحبارى -ضرب من الطير
١٣- "العيافة و"الجزو" =العيافة والحزو -الحازي: العراف
١٤- "جموسة النياق" = حموشة الساق -أي ذقتها
١٥- "الحياة والعبث" = الحيا والغيث
١٦- "خردل" = قرزل -اسم فرس
١٧- عثر في فضل "خطابه" = عثر في فضل خطامه
١٨- "خلق" الحرص = حاق الحرص - أي شدته
١٩- "الدغلول" الفوائل = الدغلول الغوائل
стр. 75
٢٠- "ذاتية" من بطن الدماغ = دانية من بطن الدماغ
٢١- "رجبية الشوق" = رحيبة الشدق -أي واسعته
٢٢- الكلب "الزيتي" = الكلب الزشني -نوع قصير القوائم
٢٣- "سرورًا" = شرودًا
٢٤- ناس من "السلطان" = ناس من السلطاء -جمع سليط
٢٥- "سول القتال" = شوك القتاد
٢٦- "ظرف الشمام" = طرف الثمام
٢٧- عقيل بن "علقة" = عقيل بن علفة -شاعر مشهور
٢٨- "الغبار" والدود = النبار والدود -جمع نبر، وهو القراد
٢٩- آكل "كالجنائب" = آكل للخبائث
٣٠-الكلاب "كل البقر" = الكلاب على البقر -مثل مشهور
٣١- ليس "يخاف" = ليس بخائن
٣٢- "مالكا لدبا" = مال كالدبا -الدبا: صغار الجراد
٣٣- متون "اكيات" = متون الحيات
٣٤- "النافص بقواه" = الناقص لقواه
٣٥- "نجوع" الناس له = بخوع الناس به -أي خضوعهم
٣٦-النجوم و"الوجوم" = النجوم والرجوم
٣٧- لم "يتحرك" = لم يتحول
٣٨- "يخبر النظم" = يجبر العظم
٣٩- "يرضعن" الصعاب = يرضن الصعاب
٤٠- "يغشى" الضراء = يمشي الضراء -أي يسير مستخفيا
٤١- "يجب له" خاطري = يجيله خاطري