وقد ورد كثير من ذلك في اللغة والشعر والأعلام مما يطول الحديث فيه. وقد عمت هذه البلوى حتى قالوا: لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي١. وكما كانوا يهجون الصحفيين كانوا يمدحون من لا يعتمد على الصحف في علمه. وفي ذلك يقول أبو نواس في رثاء خلف الأحمر:
لا يهم الحاء في القراءة بالخا ... ولا يأخذ إسناده عن الصحف١
ولخشية التصحيف نجد بعض المؤلفين يلجئون إلى مخالفة المعروف في اللغة ليتوقوا وقوع غيرهم في الخطأ. جاء في صحاح الجوهري ص٦٨٥ في مادة "سعتر" "السعتر: نبت، وبعضهم يكتبه بالصاد في كتب الطب لئلا يلتبس بالشعير".
كتب المؤتلف والمختلف:
وكان من الطبيعي أن تقاوم هذه الآفة العلمية بما يقضي عليها أو يخفف من حدتها، فلجأ العلماء إلى تأليف الكتب التي تبحث في المؤتلف والمختلف، فمنها ما هو في أسماء الرجال. وقد ألف في ذلك الدارقطني المتوفى سنة ٢٨٥، وأحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣، وابن ماكولا المتوفى سنة ٤٨٧، وابن نقطة الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩، والذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ في كتابه المشتبه.
ومنها ما هو في أسماء الشعراء، وقد ألف فيه الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٣٠٧.
ومنها ما هو في أسماء القبائل، وقد ألف فيه محمد بن حبيب المتوفى سنة ٢١٥.
وغير ذلك كثير.
стр. 72
معالجة النصوص:
ترجيح الروايات:
تجلب إلينا مخطوطات المؤلف الواحد صورا شتى من الروايات، وفي كثير من الأحيان نجد بعض النسخ قد انفردت بزيادات لا نجدها في النسخ الأخرى فهذه الزيادات مما ينبغي أن يوضع تحت الفحص والخبرة ليحكم المحقق بمدى صحتها وانطباقها على سياق النسخة وأسلوب المؤلف. ولينظر فيها طويلا فقد تكون نتيجة لخطأ الناسخ، فبعض المسرفين من النساخ يمزج صلب الأصل الذي نقل عنه بالحواشي التي أضيفت عليه من قبل القراء أو المالكين.
وقد عثرت في أثناء تحقيق لكتاب الحيوان على عبارة مقحمة في نسختين من أصول الحيوان١، وهذا نصها: "كنت بعجت بطن عقرب إذ كنت بمصر فوجدت فيه أكثر من سبعين عقارب صغار كل واحدة نحو أرزة. حرره أبو بكر السروكني". فالأسلوب ليس للجاحظ، والجاحظ لم يدخل مصر وعبارة "حرره أبو بكر السروكني" شاهد بأن العبارة مقحمة بلا ريب.
وأما العبارات الأصيلة التي تزيد بها بعض النسخ على الأخرى، ويؤيدها الفحص، فهي جديرة بالإثبات.
والعبارات المعتلة التي تحمل الخطأ النحوي مرجوعة، أجدر بالإثبات منها عبارة النسخة التي لا تحمل هذا الخطأ. كما أن التي تحمل الخطأ اللغوي أو يستحيل معها المعنى، أو ينعكس، أو يستغلق فهمه، هي رواية مرجوحة، أحق منها بالإثبات رواية النسخة السالمة من هذه العيوب.
وهذا كله في النسخ الثانوية. أما النسخ العادية فإن المحقق حرى أن يثبت
стр. 73
ما ورد فيها على علاته، خطأ كان أو صوابًا، على أن ينبه في الحواشي على صواب ما رآه خطأ، حرصًا على أمانة الأداء.
تصحيح الأخطاء:
سبق في الفصل الماضي أن المحقق قد يجد في تخالف روايات النسخ ما يعينه على استخراج الصواب من نصوصها، فيختار من بينها ما يراه مقيمًا للنص مؤديًا إلى حسن فهمه والأمانة تقتضيه أن يشير في الحواشي إلى النصوص التي عالجها لينتزع من بينها الصواب، وألا يغفل الإشارة إلى جميع الروايات الأخرى التي قد يجد القارئ فيها وجهًا أصوب من الوجه الذي ارتآه.
وقد يقتضيه التحقيق أن يلفق بين روايتين تحمل كل منهما نصف الصواب ونصف الخطأ فهو جدير أن يثبت من ذلك ما يراه، على ألا يغفل الإشارة إلى الروايات كلها، ففي ذلك الأمانة وإشراك القارئ في تحملها.
وقد يقع القارئ على عدة عبارات كلها محرف، فإذا أراد تقويمها فلا بد أن يتقيد بمقاربة الصور الحرفية التي تقلبت فيها العبارة في النسخ، بحيث لا يخرج عن مجموعها بقدر الإمكان.
فتصحيح "ليط به" و"ليطبه" إلى "لبط به" بمعنى صرع، تقويم صحيح وتصحيح "النقيف" و"النقنق" بـ"النقنف" بمعنى صقع الجبل الذي كأنه جدار مبني مستو تصحيح
قويم أيضًا. وكذلك تصحيح "العصراء" "بالقصواء" اسم ناقة.
وهو في هذه الأحوال كلها جميعا لا بد له أن يستعين بالمراجع التي سبقت الإشارة إلى أنواعها في "مقدمات تحقيق المتن".
стр. 74
نموذج لتصحيح بعض التحريفات:
وهي بعض التحريفات التي ظهرت لي في إثناء التحقيقات في كتب شتى
١- "احتراز" المودة = اجترار المودة -أي اجتلابها
٢- "استحقاق غموض" = استخفاء وغموض
٣- "استقضيت" = استغضبت
٤- "اعزترحي" = اعر نزمي -أي تقبضي وتجمعي
٥- وقعة "البسر" = وقعة البشر
٦- "التعويد" والإحجام = التعريد والإحجام
٧- "التمور والبيور" = النمور والببور -جمع نمر وببر
٨- "تنبيه" به = شبيه به
٩- "ثمر صبجاني" = تمر صيحاني -هو نوع من التمر
١٠- "ثوب" العنكبوت = ثوى العنكبوت -أي بيتها
١١- "جاء فرواب = حافر وأب -وهو الشديد
١٢- "الجاري" = الحبارى -ضرب من الطير
١٣- "العيافة و"الجزو" =العيافة والحزو -الحازي: العراف
١٤- "جموسة النياق" = حموشة الساق -أي ذقتها
١٥- "الحياة والعبث" = الحيا والغيث
١٦- "خردل" = قرزل -اسم فرس
١٧- عثر في فضل "خطابه" = عثر في فضل خطامه
١٨- "خلق" الحرص = حاق الحرص - أي شدته
١٩- "الدغلول" الفوائل = الدغلول الغوائل
стр. 75
٢٠- "ذاتية" من بطن الدماغ = دانية من بطن الدماغ
٢١- "رجبية الشوق" = رحيبة الشدق -أي واسعته
٢٢- الكلب "الزيتي" = الكلب الزشني -نوع قصير القوائم
٢٣- "سرورًا" = شرودًا
٢٤- ناس من "السلطان" = ناس من السلطاء -جمع سليط
٢٥- "سول القتال" = شوك القتاد
٢٦- "ظرف الشمام" = طرف الثمام
٢٧- عقيل بن "علقة" = عقيل بن علفة -شاعر مشهور
٢٨- "الغبار" والدود = النبار والدود -جمع نبر، وهو القراد
٢٩- آكل "كالجنائب" = آكل للخبائث
٣٠-الكلاب "كل البقر" = الكلاب على البقر -مثل مشهور
٣١- ليس "يخاف" = ليس بخائن
٣٢- "مالكا لدبا" = مال كالدبا -الدبا: صغار الجراد
٣٣- متون "اكيات" = متون الحيات
٣٤- "النافص بقواه" = الناقص لقواه
٣٥- "نجوع" الناس له = بخوع الناس به -أي خضوعهم
٣٦-النجوم و"الوجوم" = النجوم والرجوم
٣٧- لم "يتحرك" = لم يتحول
٣٨- "يخبر النظم" = يجبر العظم
٣٩- "يرضعن" الصعاب = يرضن الصعاب
٤٠- "يغشى" الضراء = يمشي الضراء -أي يسير مستخفيا
٤١- "يجب له" خاطري = يجيله خاطري
стр. 76
دراسة تحليلية لنشوء بعض هذه التحريفات:
١- سقطت نقطة الجيم من "اجترار" ثم زاد الناسخ نقطة على الراء الأخيرة لتصير كلمة مألوفة، وهي "احتراز".
٢- تقاربت نقطتا "استخفاء" فصارت "استحقاء" ثم اقتربت الهمزة واستعلت فوق واو "وغموض" فأشبهت نقطتي القاف فقرئت "استحقاق".
٣- كتبت غين "استغضبت" مقاربة للقاف في استدارتها، وانضم إلى نقطتها السكون فزاد قربها من القافن وزيدت نقطة إلى نقطة الباء من أسفل فصارت إلى ذاك التحريف.
٤- صغرت فتح راء "اعر نزمي" فصارت كالنقطة، وتقاربت نقطتا النون والزاء فانقلبت النون تاء، وفتح رأس الميم فأشبهت الحاء.
٦، ٣٦- تضخم رأس الراء فأشبه الواو.
٩- انضم السكون إلى نقطتي التاء في الكلمة الأولى، وتباعدت نقطتا الياء في الثانية.
١٠- كتب رأس الياء من "ثوى" صغير فقاب في ضموره رسم الباء.
١١- حورت كسرة "حافر" فصارت همزة، أو زيدت همزة لتباعد ما بين "حا: و"في".
١٢- ضمرت سن الباء من "الحبارى" فصارت "الجاري".
١٦- عظم أعلى القاف فأشبه الخاء، والتصقت نقطة الزاي برأسها فزادت من شبهها بالدال.
١٨- قربت القاف من "حا" فقرئت "حلق"، ثم زيدت النقطة، لأن الحرص خلق من الأخلاق.
١٩- وكذلك اقتراب واو "الدغاول" سهل أن تقرأ "الدغلول".
٢٤- جعلت "السلطاء" لغرابتها "السلطان".
стр. 77
٣٠- اجتمع طرفا العين في "على" واتصلت بها الفتحة فأشبهت رأس الكاف، واضمحل نتوء الياء فصارت "كل".
٣٢- اتصلت لام "مال" بالكاف بعدها.
٣٣- ضمر رأس الحاء من "الحيات" وعظمت فتحة الحاء فأشبهت رأس الكاف.
٣٥- عدم الاتزان في وضع نقط الحروف، فاتجه ما حقه اليمين إلى اليسار وما حقه اليسار إلى اليمين.
٣٨- تأكل رأس عين "العظيم" فأصبح شبيها بالنقطة.
٣٩- التصق سكون الضاد من "يرضن" بوصلتها فصارت "يرضعن".
٤٠- كتب رأس الميم من "يمشي" مرتفعًا، ثم ضمر السكون فأشبه النقطة فقرئت "يغشى".
ومن أندر وأقدم ما عثرت عليه من تعليل التصحيف ما جاء في شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري١ عند الكلام على بيت الأعشى:
قالت قتيلة ما له ... قد جلت شيبا شواته
قال: أنشده أبو الخطاب الأخفش "شواته"، فقال له أبو عمرو بن العلاء: صحفت، وذلك أن الراء كبرت فظننتها واوا، إنما هي "سراته"؛ وسراة كل شيء: أعلاه. فقال أبو الخطاب: كذا سمعته. قال أبو عبيدة: فلم نزل دهرا نظن أن أبا الخطاب صحف، حتى قدم أعرابي محرم٢ فقال: "اقشعرت شواتي"، يريد جلدة رأسه. فعلمنا أن أبا عمرو وأبا الخطاب أصابا جميعا.
стр. 78
الزيادة والحذف:
وهما أخطر ما تتعرض له النصوص، والقول ما سبق: أن النسخة العالية يجب أن تؤدي كما هي دون زيادة أو نقص، أو تغيير أو تبديل.
على أننا نلمح في مذاهب الأقدمين اتجاها يرمي إلى أن يلحق بالكتاب ما هو ضروري متعين لإقامة النص، وفي نوع خطير من النصوص، وهو نصوص الحديث. قال ابن كثير١: "وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا ندرس بعض الكتاب فلا بأس بتجديده على الصواب". فقد يكون في النص نحو "عبد الله مسعود" فلا ريب أن ذلك يكون سهوا من المؤلف، فإثبات [بن] لا ضير فيه ولا إخلال بالأمانة. وقد يكون في نص المتن نحو "بني الإسلام على خمس" فلا جرم أن صوابه "على خمس" فإلحاق "على" ليس فيه عدوان على الكتاب ولا على صاحبه. وكذا إذا كان المتن "بني الإسلام على على خمس" كان المحقق في كُلٍّ أن يحذف الحرف الزائد على أن ينبه على المحذوف. والأولى في حالة الزيادة أن تميز بوضعها بين جزأي العلامة الطباعية الحديثة [] ، أو أن ينبه في الحواشي على أنهما مما أخل به أصل الكتاب.
وأما النسخ الثانوية فكذلك، لا يزاد فيها ولا يحذف منها إلا ما هو ضروري متعين، ولا سيما إذا وجد المحقق دعامة له في مراجع التحقيق التي سبق الكلام عليها.
ومن البديهي أن يعمد المحقق إلى إثبات أكمل النصوص وأوفاها، وألا
стр. 79
يغفل من ذلك إلا ما ينضح أنه زيادة مقحمة لا تمت إلى الأصل بسبب. ومع هذا فالواجب عليه أن ينبه على ذلك أيضًا.
وأما الزيادة الخارجية التي يقصد بها التوضيح أو إشباع الكلام فلا يصح أن يكون في منهج أداء النص، وللمحقق أن يشير في الحاشية إلى ذلك الضرب من الزيادة، فما هو إلا ضوء جانبي يعين على تجلية الصورة وتضويئها، وليس من حقيقة الصورة في شيء.
التغيير والتبديل:
لا ريب إن إحداثهما في النسخة العالية يخرج بالمحقق عن سبيل الأمانة العلمية ولا سيما التغيير الذي ليس وراء هـ إلا تحسين الأسلوب، أو تنميق العبارة، أو رفع مستواها في نظر المحقق، فهذه تعد جناية علمية صارخة غذا قرنها صاحبها بعد التنبيه على الأصل، وهو أيضا انحراف جائر عما ينبغي، إذا قرن ذلك بالتنبيه.
ومن مذاهب أداء النصوص قديما وحديثا ألا يلجأ المحقق إلى أي تغيير أو تبديل كان إلا ما تقتضيه الضرورة الملحة ويحتمه النص، مما هو واضح وضوح الشمس، متعين لذى النظرة الأولى، أو يكون المؤلف قد نص على إجازة إصلاح أخطائه١. ومع ذلك فلا بد لصاحب هذا المذهب من التنبيه على صورة الأصل.
وأما النسخ الثانوية فإن استخدام مراجع التحقيق مما يعين على توجيه نصوصها وتصحيح أخطائها التي جلبتها أقلام النساخ على تطاول الزمان.
وليكن ذلك كله في أضيق نطاق تتطلبه ظروف النص، مع التنبيه على الأصل أيضا.
стр. 80
الضبط:
إن أداء الضبط جزء من أداء النص، ففي بعض الكتب القديمة نجد أن النص قد قيدت كلماته بضبط خاص، فهذا الضبط له حرمته وأمانته، وواجب المحققق أن يؤديه كما وجده في النسخة الأم، وألا يغير هذا الضبط ولا يبدله ففي ذلك عدوان على المؤلف؟.
وقد سبق في مقدمات تحقيق المتن١، أن للأقدمين طريقة خاصة في الضبط ومن الطبيعي أن يترجم المحقق هذا الضبط بنظيره في الطريقة الحديثة. فالشدة والفتحة القديمة "- ِّ" لا بد أن تترجم بالشدة والفتحة الجديدة "-َّ" وهكذا.
وكثيرا ما يرد بعض الكلمات موجها بضبطين، وهذا ينبغي أن يؤدي كما ورد في النسخة، وإذا تعذر أداؤه بالمطبعة فليؤد بالعبارة في الحاشية.
وأما الكتب التي خلت بعض كلماتها من الضبط، وأراد المحقق أن يضبطها فإنه حرى أن يستأنس بطريقة المؤلف فلا يضبطها ضبطًا مخالفًا لما ارتضاه المؤلف في نظير الكلمة التي ضبطها المؤلف. فإذا ضبط المؤلف كلمة "ضنّ" مثلا في كثير من مواضع كتابه بكسر الضاد. وأهمل ضبطها في موضع، وأردنا أن نضبطه، وجب أن نجاري ضبطه الأول، مع أن من المعروف أن الكلمة تقال أيضا بفتح الضاد. ومثلها كلمة "المعدلة" غذا وردت في معظم مواضعها بكسر الدال وأهملت في موضع وأردنا ضبطه، فينبغي أن نضبطها بكسر الدال وننبه على اللغة الأخرى.
وأما الكلمة التي لم يرد لها نظير في الضبط فإننا نختار لضبطها أعلى اللغات وندع اللغة النازلة، وإذا اتفقت لغات في العلو وأمكن أداؤها معا فليكن ذلك ومما يجب أن يتنبه له المحقق ألا يضبط ضبطا يؤدي إلى خلاف مراد المؤلف، فبعض المؤلفين يتعمد سرد عبارة خاطئة لينبه على تصحيحها فيما بعد،
стр. 81
فضبط هذه العبارة الخاطئة ضبطًا صوابًا يعد في هذه الحالة خطأ؛ لأن المؤلف لم يرد الصواب في تلك الحالة.
ومهما يكن فإن الضبط يحتاج إلى الدقة والحرص والتريث، كما يحتاج إلى قدركبير من التحرز عن الانسياق إلى المألوف. فقد ترد كلمة "الكهول" بمعنى بيت العنكبوت، فيضبطها الضابط خطأ بالكهول، "العلب" بمعنى الوسم والتأثير، تضبط "العُلْب" إلى نحو ذلك، مما تسوق الألفة إليه. والألفة من أخطر البواعث على الخطأ.
ومن ذلك أعلام الناس، يجدر بالمحقق ألا يضبطها إلا بعد الرجوع إلى مصادر الضبط ككتب الرجال، والمؤتلف والمختلف، والمعاجم اللغوية، فإن انسياق المحقق وراء المألوف يوقعه في كثير من الخطأ، إذ يلتبس المصغر بالمكبر، والمخفف بالمثقل، والمعجم بالمهمل. ومثل ذلك أعلام البلدان والقبائل ونحوها.
التعليق:
لا ريب أن الكتب القديمة، بما تضمنت من معارف قديمة، محتاجة إلى توضيح يخفف ما بها من غموض، ويحمل إلى القارئ الثقة بما يقرأ والاطمئنان إليه.
ومن هنا كان من المستحسن ألا يترك المحقق الكتاب غفلا عن التعليقات الضرورية التي تجعله مطمئنًا إلى النص، واثقًا من الجهد الذي بذله المحقق في تفهم النص وتقدير صحته.
ولكن بعض المحققين يسرفون في هذه التعليقات بما يخرج عن هذا الغرض العلمي إلى حشد المعارف القريبة والبعيدة من موضوع الكتاب، وهذا الأمر إن أعجب بعض العلماء فإنه حرى ألا يعدب جمهرتهم. لذلك لم يكن بد من الاقتصاد في التعليق كما سبق القول.
ومما يقتضيه التعليق ربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض، وقد ترد إشارة لاحقة إلى لفظة سابقة في الكتاب، فمن المستحسن كذلك أن يشير المحقق إلى
стр. 82
الصفحات الماضية، وهو إن استطاع التنبيه في الصفحات السابقة إلى ما سيأتي في اللاحقة، جلب بذلك إلى القارئ كثيرًا من الفائدة وأضاء الكتاب بعضه ببعض.
ويقتضي التعليق أيضًا التعريف بالأعلام الغامضة أو المشتبهة، وكذلك بالبلدان التي تحتاج إلى تحقيق لفظي أو بلداني.
وقتضي أيضًا توضيح الإشارات التاريخية والأدبية والدينية وغيرها. التي تستعصى معرفتها على خاصة الفقراء، ويقتضي كذلك في آي الذكر الحكيم بيان السورة ورقم الآية, والأقرب لأمانة الأداء أن يكون ذلك في حواشي الكتاب لا في أثنائه، لما يترتب على جعلها في أثناء الكتاب من مخالفة الأصل وتشوية صورته.
وفي حديث الرسول يشار كذلك إلى تخريجها من الكتب الستة وغيرها مما أمكن التخريج.
وكذلك الأشعار والأرجاز وأقوال العرب الشاهدة، يشار إلى الدواوين والكتب الأصيلة التي ورد فيها ذلك.
وقد أصبح النهج العلمي الحديث يقتضي المحقق أن يشير عند اقتباس نصوص في التعليق، إلى المواد التي استقى منها، وذلك بأن يذكر الكتاب ومؤلفه والجزء والصفحة التي وجد فيها النص.
وكان شبه ذلك قديما. قال أبو عبيد: من شكر العلم أن يستفيد الشيء، فإذا ذكرت لك قلت: خفي علي كذلك ولم يكن لي به علم حتى أفادوني فلان فيه كذا وكذا. فهذا شكر العلم!
قال السيوطي١: "ولذلك لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفا إلا معزوا إلى قائله من العلماء، مبينا كتابه الذي ذكره فيه".
стр. 83
المكملات الحديثة:
لم يكن هم الناشر القديم إلا أن يعمل على إكثار نسخ المخطوطة، بأن يسوقها إلى المطبعة لتنسخ المئين منها والآلاف، إلا فريقا من هؤلاء الناشرين أخذوا أنفسهم بالعناية بفنهم فراعوا الأمانة والدقة، واتجهو إلى حسن الإخراج وتوضيح النص بالقدر الذي كانو يحسنونه.
ولقد كان لجمهرة العلماء المستشرقين فضل عظيم في تأسيس "المدرسة الطباعية الأولى" للتحقيق والنشر. وقلت "الطباعية" لأني أعلم أن تحقيق النصوص ليس فنا غريبا مستحدثا، وإنما هو عربي أصيل قديم، وضعت أصوله أسلافنا العرب منذ زاولوا العلم وروايته، من الحديث والشعر والأدب وسائر فنون الثقافة؛ وكان نشاطهم في ذلك ظاهرًا ملء السمع والبصر.
وقد أدى إلينا المستشرقون هذه الأمانة الفنية نقلًا عن العرب، ظهر لهم روائع النشر أمثال النقائض، وديوان الأعشى، وكامل المبرد، وشرح المفضليات. ثم كان أكبر وسيط عربي في نقل هذا الفن عن المستشرقين، هو المرحوم العلامة "أحمد زكي باشا" الذي لم يقتصر جهده على أن ينقل هذا الفن فحسب، بل أشاع معه كذلك استعمال علامات الترقيم الحديثة التي كان لها أثر بعيد في توضيح النصوص وتيسير قراءتها وضبط مدلوها. وأشاع معها كذلك ضروبًا من المكملات الحديثة للنشر العلمي، من أظهرها:
١- العناية بتقديم النص ووصف مخطوطاته.
٢- العناية بالإخراج الطباعي.
٣- صنع الفهارس الحديثة.
٤- الاستدراكات والتذييلات.
стр. 84
١- تقديم النص:
١- ويقتضي ذلك التعريف بالمؤلف، وبيان عصره وما يتصل بذلك من تاريخ. وقد كان الناشرون القدماء يعنون بهذا بعض العناية، وربما اقتصر جهدهم على نقل نص من كتاب معين يتضمن هذه الترجمة. وكثيرًا ما وضعوا تلك الترجمة في صفحة العنوان أو في صفحة الخاتمة.
٢- ويقتضي كذلك عرض دراسة خاصة بالكتاب وموضوعه وعلاقته بغيره من الكتب التي تمت إليه بسبب من الأسباب.
٣- وتقديم دراسة فاحصة لمخطوطات الكتاب، مقرونة بالتحقيق العلمي الذي يؤدي إلى صحة نسبة الكتاب والاطمئنان إلى متنه. وجدير بالمحقق أن يشرك القارئ معه بأن يصف له النسخ التي عول عليها، وصفًا دقيقًا يتناول خطها، وورقها، وحجمها، ومدادها، وتاريخها، وما تحمله من إجازات وتمليكات، ويتناول كذلك كل ما يلقي الضوء على قيمتها التاريخية، وهو إن قرن ذلك بتقديم بعض نماذج مصورة لها كان ذلك أجدر به وأولى.
وقد جرت العادة أن يصور في ذلك وجه الكتاب وبعض صفحاته، ولا سيما صفحته الأولى والأخيرة؛ لأنها أدق الصفحات في التعبير عن تقدير المخطوطات.
ومن المستحسن ألا يقدم كل أولئك إلى المطبعة إلا بعد الفراغ من طبع نص الكتاب، وذلك لتيسير الإشارة من المقدمة إلى ذلك النص، وليتمكن المحقق من تتميم دراسته على ضوء النسخة الأخيرة التي تخرجها المطبعة.
стр. 85
٢- العناية بالإخراج الطباعي:
ويتناول ذلك القول في إعداد الكتاب للطبع، ومعالجة تجارب الطبع معالجة دقيقة.
إعداد الكتاب للطبع:
وهي ناحية خطيرة من نواحي النشر، إذ إن لهذا الإعداد أثره البالغ في ضبط العمل وإتقانه، فالأصل المعد للنشر يجب أن يكون دقيقًا مراجعًا تمام المراجعة، مراعي في كتابه الوضوح والتنسيق الكامل. ويكون ذلك:
١- بكتابة النسخة بعد التحقيق والمراجعة، بالخط الواضح الذي لا لبس فيها ولا إبهام.
٢- وأن يكون مستوفيًا لعلامات الترقيم التي سيأتي الكلام عليها.
٣- وأن يزود بالأرقام التي يحتاج إليها الباحث.
٥- وأن يتجنب الناشر التعقيدات الطباعية.
علامات الترقيم:
وهي العلامات المطبعية الحديثة التي تفصل بين الجمل والعبارات، أو تدل على معنى الاستفهام أو التعجب وما يحمل عليهما. وهي مقتبسة من نظام الطباعة الأوربي، وإذا استرجعنا التاريخ وجدنا أن لها أصلا في الكتابة العربية، فالنقطة قديمة عند العرب وكانت ترسم مجوفة هكذا. وكان يضعها الناسخ قديما لتفصل بين الأحاديث النبوية. وكان قارئ النسخة على
стр. 86
الشيخ أو معارضها على النسخ يضع نقطة أخرى مصمتة داخل هذه الدائرة ليدل بذلك على أنه انتهى في مراجعته إلى هذا الموضع.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يحمل بين كل حديثين دائرة. وممن بلغنا عنه ذلك أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وابن جرير الطبري.
قال ابن كثير١: "قد رأيته في خط الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
قال الخطيب البغدادي: "وينبغي أن يترك الدائرة غفلا فإذا قابلها نقط فيها نقطة".
وللترقيم منزلة كبيرة في تيسير فهم النصوص وتعيين معانيها، فرب فصلة يؤدي فقدها إلى عكس المعنى المراد، أو زيادتها إلى عكسه أيضًا، ولكنها إذا وضعت موضعها صح المعنى واستنار، وزال
ما به من الإبهام.
مثال ذلك: "وكان صعصعة بن ناجية، جد الفرزدق، بن غالب عظيم القدر في الجاهلية". فوضع فصلة بعد الفرزدق يوهم أو لا أن "ناجية" هو جد الفرزدق، ويوهم ثانيا أن "غالبا" والد ناجية؛ وكلاهما خطأ تاريخي، فإن الفرزدق هو ابن غالب بن صعصعة.
ومنها علامات التنصيص: (" ") ، التي تفصل بين الكلام المقتبس وغيره فلا يختلط عبارة المقتبسات بغيرها، واستعمالها يحتاج إلى حذر، إذ لا بد أن يتيقن المحقق مقدار الكلام الذي يوضع بين العلامتين، لئلا يضيف إلى الكلام ما ليس منه ويحذف ما يجب أن يكون فيه.
ومن ذلك الأقواس: () ، التي تستمعل في إبراز بعض الكلمات وإظهارها. ومنها علامة التكملة الحديثة [] ، وكاد المحققون جميعًا أن يتفقوا على تصويرها بالصورة السابقة؛ وقلة نادرة منهم يضعون التكملة بين علامات
стр. 87
أخرى كالنجوم: **، أو الأقواس المعتادة: " ". والأولى بالناشر أن يلتزم العرف الغالب.
تنظيم الفقار والحواشي:
وكان القدماء لا يعنون بتنظيم الفقار إلا بقدر يسير، فكان بعضهم يضع خطًّا فوق أول كلمة من الفقرة، وبعضم يميز تلك الكلمة بأن يكتبها بمداد مخالف، أو يكتبها بخط كبير.
ولكن جرى العرف الآن على أن تبدأ الفقرة بسطر جديد يترك بعض الفراغ في أوله تنبيها إلى انتقال الكلام.
وأما الحواشي والتعليقات فلم يكن لها نظام عند الأقدمين، إذ كانت توضع أحيانًا بين الأسطر، أو في جوانب الصفحة.
وأما المحدثون فاتبعوا في ذلك طرقًا:
١- الأولى أن تعزل الحواشي في أسفل الصفحة بحرف مخالف.
٢- الثانية أن تلحق الحواشي جميعها بنهاية الكتاب، ويكتفي بإدراج الإشارات إلى اختلاف النسخ في حواشي صلب الكتاب.
٣- والثالثة أن يلحق الضربان جميعًا -أي التعليقات وذكر اختلاف النسخ بنهاية الكتاب.
وحجة أصحاب الطريقتين الأخيرتين ألا يشغل القارئ بغير نص الكتاب، لئلا يتأثر برأي المحقق أو وجهة نظره.
أما أنا أستحسن أن يكون كل أولئك في أسفل كل صفحة، تيسيرا للدارس الذي ينبغي أن يكون ناقدا لا متأثرا برأي غيره أو وجهة نظره، فإن
стр. 88
المفروض في أغلب قراء الكتب المحققة أنهم في درجة عالية من التبصر، وفي طبقة رفيعة من تحرر الفكر.
ويستحسن كذلك أن تبتدئ كل حاشية بسطر مستقل.
الأرقام:
وقد استحدث فيها أنواع ثلاثة:
١- أرقام صفحات الأصل المعتمد، وتوضع في أحد جانبي الصفحة على أن يعين بدؤها في صلت الكتاب بوضع علامة خاصة كخط مائل "/ " أو رأسي "ا " أو نجم "*". ويقصد بتلك الأرقام التيسير على القارئ أن يرجع بنفسه إلى المخطوطة عند الحاجة.
٢- أرقام الطبعات السابقة. وقد جرى الناشرون الذين يحققون كتبا سبق نشرها من قبل، أن يشيروا إلى أرقام الطبعات السابقة التي كثر تداولها، كما صنعت دار الكتب في نشرتها لكتاب الأغاني، إذ أشارت إلى أرقام طبعة بولاق ابتداء من الجزء الثاني، فاقتراح الأب أنطون صالجاني. وذلك لأن كثيرًا من الأبحاث الجليلة قد اعتمدت على تلك الطبعات القديمة، فوضع تلك الأرقام يسهل على القارئ أن يهتدي إلى تلك النصوص في ثوبها الجديد أو القديم.
٣- أرقام الأسطر، وتوضع على جانب آخر غير الجانب الذي وضعت عليه الأرقام السابقة. وفائدة هذه الأرقام غير خفية عند اقتباس النصوص أو الرجوع إليها. وقد جرى العرف على النظام الخماسي، بأن تكتب الأعداد ممثلة في "٥، ١٠، ١٥، ٢٠، ٢٥".
стр. 89
التعقيدات الطباعية:
والأمر في كل ما سبق راجع إلى ذوق الناشر وحذقة وترفقه بالقارئ الذي ينفر من التعقيدات الطباعية التي لا تفهم إلا بالعسر؛ فلا ريب أن للطباعة معاظلات كمعاظلات الكلام، تؤلم القارئ كما تؤلم تلك السامع.
ومن ذلك ما جرى عليه بعض فضلاء الناشرين من أن هذا التغيير الطباعي:
معناه أن الكلمة "نعم" وضعت في المتن عن نسخة: "م" وإن كانت ساقطة من نسخة: "ن".
وأن هذا التغيير الطباعي معناه أن كلمة "تكاد" ناقصة من نسخة: "ن"، ومأخوذة من: "م، ب".
ولا ريب أن استعمال هذه التغييرات يخرج بالقارئ عن تفهم النص إلى محاولة حل هذه الرموز.
ومما عثرت عليه من تعقيد الأرقام ما صنعه أحد ناشري أخبار أبي تمام من الإشارة إلى الأرقام بحروف تحاكي الحروف الرومانية المستعملة في الترقيم، فالحرف "ا"= ١، و"هـ"= ٥، و"ي"= ١٠، و"ن"= ٥٠، و"ق"= ١٠٠، و"ث"= ٥٠٠، و"غ"= ١٠٠٠. ومعنى ذلك أن الرقم ٨٩٦ يترجم بهذه الحروف "اهـ ق ي ق ق ق ث". وليست هذه الطريقة بمحتاجة إلى تعليق، وليست إلا انسياق نائما وراء بعض الأروبيين الذين يرمزون للواحد بالحرف: " I" وللخمسة بالحرف: "V"، وللعشرة بالحرف: "X"، وللخمسين بالحرف: "L"، وللمائة بالحرف: "C". فالرقم ١٨٧ عندهم =
стр. 90
CLXXXVII، والرقم ١٩= XIX, والرقم ٢٠= XX.
واستعمال هذه التعقيدات العددية لا ينجم منه إلا كد الذهن وصرفه عن نشاطه؛ إلى ما فيه من الخروج على المألوف، وهو استعمال الأعداد الهندية في أعلى الصفحات أحيانًا، وفي أسفلها حينًا.
معالجة تجارب الطبع:
ومن مارس فن النشر وجد أنه يجب أن يباشر بنفسه معظم الخطوات الطباعية، ووجد أن معالجة التجارب فن يحتاج إلى مزاولة طويلة متنبهة إلى مزلات التصحيح. ومن أخطر تلك المزلات:
١- الإلف، المصحح الذي يقرأ التجربة بالإلف، كما يقرأ الصحف والكتب الخفيفة لا بد أن يخطئ كثيرًا؛ لأنه لا يقرأ بعينه كلها وإنما يقرأ بفكرة وعينه معًا، فيجوز الخطأ عليه جوازًا وهو ليس يدري به.
وعلاج ذلك أن يقرأ المصحح حروف الكلمة حرفًا حرفًا ولا يقرأها دفعة واحدة، فإذا انتهى من الكلمة الأولى بدأ في قراءة الثانية على النحو السالف.
٢- انتقال النظر عند جامع الحروف، وهذا يحدث بوضوح في الجمل المتشابهة النهايات، كما في هاتين العبارتين:
"وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار، ولو أردنا أن نحقق الخبر بأن برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار، لما قدرنا عليه إلا في حديث السمر".
ينتقل نظر الجامع من "بخمسمائة دينار" الأولى إلى ما بعد "بخمسمائة دينار" الثانية، فيجعل بعدها "لما قدرنا عليه". فإذا لم يتيقظ المصحح وقع في مثل ما وقع فيه الطابع. لذلك كان من المستحسن أن تكون المقابلة الأولى
стр. 91
مزدوجة، أي يقابلها المصحح مع غيره من القراء الأمناء.
٣- تكرار النظر، وهو أن يجمع العبارة مرتين. مثال ذلك "البغش: المطر الضعيف، ويقال له "الضعيف، ويقال له: "الرذاذ". أصل العبارة "الغبش: المطر الخفيف الضعيف، ويقال له الرذاذ".
والأمر في هذا مثله في سابقه.
٤- الثقة بحروف الطباعة، فقد ترد التاء ثاء خفيفة النقطة الثالثة لا يفطن لها إلا الخبير، أو ترد الحاء منقوطة بنقطة خفيفة من أعلاها فيظنها المصحح بعض هنات الطبع فيهملها، وكثيرا ما يلتبس السكون بالضمة، والضمة بالسكون، والشدة ذات الفتحة بالشدة ذات الكسرة، بعامل الانطماس.
وعلاج ذلك أن يستعمل المصحح الشك في كل موجب للربية، ويتداركه قبل استفحاله، وألا يقر من الحروف إلا ما هو واضح تمام الوضوح، ظاهر كل الظهور، فإن الحرف المريض في التجربة يكون في أغلب الأمر مريضا بعد الطبع.
ويستحسن أن يستعان في مراجعة التجربة الأخيرة بعين أخرى غير عين المحقق، لأن القارئ الغريب أيقظ نظرا، وأدق انتباها.
стр. 92
٣- صنع الفهارس الحديثة:
وللفهارس المقام الأول بين هذه المكملات، إذ بدونها تكون دراسة الكتب -ولا سيما القديمة منها- عسيرة كل العسر. فالفهارس تفتش ما في باطنها من خفيات يصعب التهدى إليها، كما أنها معيار توزن به صحة نصوصها، بمقابلة ما فيها من نظائر قد تكشف عن خطأ المحقق أو سهوه.
وقد أصبح عصرنا الحديث المعقد في حاجة ملحة إلى اختزال الوقت وإنفاق كل دقيقة منه في الأمر النافع.
وللفهارس سابقة قديمة عند العرب في كتب الرجال والتراجم والبلدان ومعاجم اللغة، ولكن لإخواننا المستشرقين فصل التوسع في هذا التنويع الحديث، فقد عرفنا عنهم فهارس الأعلام والقبائل والبلدان والشعر والأيام والأمثال والكتب.
وقد اقتبسنا نحن هذه الأنواع، وزدنا فيها ضروبا أخرى كثيرة.
فمما ابتدعه محقق الحيوان "فهرس أنواع الحيوان" وقد بلغ عدد صفحاته نحو مائة صفحة، وظهر هذا الفهرس مرتبا ترتيبا علميا دقيقا على هذا الوضع:
١- تسمية الحيوان وبيان جنسه وأنواعه وأشباهه.
٢- الكلام في أعضائه وتطوراته وألوانه.
٣- بيان طعامه وشرابه، وسلاحه، وصوته، وصنعته، ونفعه وضرره.
٤- الكلام في تناسله، وطباعه، وتعليمه، وأمراضه، وعمره.
٥- بيان موطنه، وأثر الطبيعة فيه، وعلاقته بغيره من الحيوان.
فيستطيع الباحث أن يستخرج معارف كل حيوان منظمة على هذا النسق المرتب
стр. 93
ومنها في كتاب الحيوان أيضًا "فهرس المعارف العامة" التي لا تدخل تحت العنوانات المألوفة في الفهارس، وقد بلغ نحو ثلاثين صفحة.
ومنها فيه أيضا "فهرس المباحث الكلامية" التي تتعلق بعلم الكلام.
وفي كتاب البيان والتبيين: "فهرس البيان والبلاغة" وكذلك "فهرس الحضارة"، ويشمل نظم العرب الاجتماعية والسياسية والمالية والخلقية والتعليمية.
وفي كتاب مقاييس اللغة "فهرس ما فات المعاجم المتداولة"، أو انفرد به ابن فارس".
وفي شرح المفضليات "فهرس الأوصاف" و"فهرس التشبيهات".
وابتدع الأستاذ محب الدين الخطيب في نشر كتاب "الميسر والقداح" "فهرس ما في متن الكتاب من لغات الميسر والقداح وصفاتهما وأدواتهما".
كما صنع الأب انستاس ماري الكرملي في نشر "الإكليل" فهرس المعمرين، والفهرس العمراني. وله فهارس أخرى طريفة في نشر "نخب الذخائر". وكذلك ابتدع الأستاذ محمد عبد الغني حسن في نشر "حلية الفرسان" ١١ فهرسا تتعلق بالخيل.
وصنع الأستاذ كوركيس عواد في نشر "الديارات للشابستي" فهرسا عمرانيا طريفا.
ولغير هؤلاء من إخواننا المحققين العرب جهود أخرى موفقة في الفهارس قد يضيق بسردها هذه المقام.
وإنما ذكرت هذا كله لأسجل هذه الاتجاهات العلمية الحديثة التي تحاول أن تبحث الكنوز وتقلبها المرة تلو المرة، لتعثر على ما يفيد العلم والتاريخ الحضاري.
وأكثرت من عرض ذلك أيضا لأقول: إن لكل كتاب منهجا خاصا
стр. 94
في فهرسته دون التقيد بالطرق العامة للفهارس، وهي الطرق التقليدية القديمة، أي التي كانت حديثة بالأمس، إذ إن الفهارس ما وضعت إلا لتمكين القارئ من أن ينتفع بالكتاب غاية الانتفاع.
طرق صنع الفهارس:
أمثل الطرق لصنع الفهارس طريقتان:
١- طريقة الجذاذات، يكتب فيها ما يراد فهرسته, ثم يرتب ترتيبًا هجائيًّا على أوائل الكلمات ثم ثوانيها ثم ثوالثها وهكذا.
ويهيأ لفرز هذه الجذاذات صندوق خاص، مقسم إلى بيوت صغيرة يحمل كل بيت منها اسم حرف من حروف الهجاء.
ولهذه الطريقة عيبان:
أولهما: احتمال فقد بعض الجذاذات.
والثاني: أنها عمل أشبه ما يكن بالعمل الآلي.
٢- طريقة الدفتر المفهرس، الذي يخصص لكل حرف من الحروف أوراقًا خاصة، ويخصص سطر منها أو أكثر لكل مادة من مواد ذلك الحرف بحسب ما يتوقعه المفهرس.
وهذه الطريقة أضبط من سالفتها، إذ تكون مواد الفهرس تحت المراقبة الدقيقة والمقارنة المستمرة. ولكنها لا تستغنى عن الطريقة الأولى ولا سيما في الفهارس الكبيرة، إذ يضطر المفهرس إلى كتابة جذاذات للترتيب فحسب، بعد أن يضع على كل جذاذة رقما مطابقا للرقم الذي وضعه في الدفتر إزاء كلمتها؛ ليجعله دليلا له في كتابة الفهرس بعد ترتيبه.
стр. 95
استخراج الفهارس:
تحتاج الفهارس إلى تمهيدات في النسخة التي ترصد للفهارس، بأن يضع المفهرس علامة على ما يريد فهرسته من الكلمات. وبعض المفهرسين يميز كل نوع من أنواع ما يراد فهرسته بلون خاص، أو يضع بإزائه رمزًا يدل على نوعه مثل: "ق" للقبائل، و"ع" للعلم و"ح" للحديث و"م" للمثل، و"ك" للكتاب، وهكذا. فإذا انتهى من تسجيل الكلمة في الجذاذة أو في الدفتر صنع علامة أخرى تفيد أنه قد فرغ من كتابتها؛ ذلك لأن المفهرس جدير أن يسلك السبيل التي تجلب إليه الطمأنينة أن عمله قد سار على دقة بالغة في الاستيعاب، إذ إن فقد كلمة أو رقم صفحة يسلب الفهرس قيمته.
ترتيب الفهارس:
ويشمل:
أ- ترتيب كل فهرس في نطاقه نفسه.
ب- ترتيبه مع غيره من الفهارس.
أ- أما الأول فمن اليسير أن نجري هذا الترتيب بوساطة صنع مجموعات مرتبة على الثواني ثم الثوالث وهكذا. وينضبط هذا العمل باستعمال "صندوق الجذاذات".
وترتييب "آي الذكر الحكيم" جرى كثير من المحققين فيه على اتباع السورة ورقم الآية، فبعضهم مع ذلك يرتب السور على حسب ورودها في الكتاب العزيز، وبعضهم يرتب السور على حسب حروف الهجاء. وقد جريت على ذلك في كثير من منشوراتي، ولكن وجدت في تجربتي الطويلة أن في ذلك شيئًا من الصعوبة، وأنه لا يجدي الباحث كثيرًا، ولا سيما إذا كان بحثه عن
стр. 96
آية يجهل سورتها مع علمه بلا ريب ببعض ألفاظها، فاهتديت بعون الله إلى طريقة ميسرة للتهدي إلى آيات الكتاب بترتيبها في نطاق المواد اللغوية، اعتمادا على بروز بعض كلمات الآية:
مثال ذلك:
أرب: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ص٥.
بتل: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ص١٠.
ترب: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ص١٥.
ثوب: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ص٢٠.
وهكذا١.
ومثل هذا يقال في ترتيب "الأحاديث النبوية" التي ينبغي أن ترتب حسب المواد اللغوية أيضا.
وترتيب "الأعلام والبلدان والقبائل" ونحوها ليس فيه شيء من العسر إلا في مراعاة "الإحالات". وذلك فيما إذا ورد العلم مرة باسمه، وأخرى بكنيته أو لقبه، فتحول أرقام كل من الأخيرين إلى "الاسم" لأنه هو المعتمد في الترتيب. وينبه المفهرس القارئ إلى ذلك.
وأما الكنى والألقاب التي لم يرد لها اسم ترد إليه فإنها توضع كما هي في ترتيبها.
وبعض المفهرسين يعبر كلمة "ابن" و "أبو" و "ذو" فيضعها في الألف والذال، وبعضهم يهمل ذلك فيرتب ما أضيفت إليه فقط، فابن الحسن في الحاء
стр. 97
وأبو اليسر في الياء، وذو الإصبع في الألف. وبعضهم يهمل "ابن" و"أبو" فقط ويحمل "ذو" في الذال. وهذا النظام الأخير هو الذي ارتضيته في فهارس وهو النظام الغالب بين المفهرسين. والأمر كله لا يعدو الجري على نظام خاص.
وأما ترتيب "الشعر" فإنه متنوع الضروب:
وأقل صورة لترتيبة أن يرتب على القوافي من الهمزة إلى الياء ثم الألف اللينة في آخرها، ثم ترتب كل قافية على أربعة أقسام: الساكنة، ثم المفتوحة، ثم المضمومة، ثم المكسورة، ويضاف إلى آخر كل قسم من هذه الأقسام ما يمكن أن يختم المادة بالهاء الساكنة ثم المضمومة ثم المفتوحة ثم المكسورة.
وقد يضم إلى هذا الترتيب ترتيب آخر، وهو ترتيب البحور الستة عشر، وقد يضم إليها ترتيب ثالث هو صاحب الشعر، وفي كل ترتب الصفحات في كل قافية على حدة.
أما أنا فقد سرت في معظم كتبي الأخيرة على نهج خاص في الترتيب قصدت به التيسير والضبط، إذ سرت على طريقة ميسرة، ملغيا ترتيب البحور، لجهل كثير من الناس بها أو بتطبيقها، وهي طريقة شبيهة بالعروضية، فأجعل ترتيب كل مجموعة من القوافي على النسق التالي:
فَعلُ - مفَعَّلُ - فَعَلُ - فاعل - فعال وأفعال - فعول وفعيل
مثل أهل - المعول - سبل - عواذل - الخيال وأمثال - تقول وسليل.
وتفسيرها من علم القافية -وهو ما لم نقصده- أن ترتب على أنواع القوافي التالية:
المتواتر. المتدارك. المتكاوس أو المتراكب. المؤسسة، المردوفة بألف. المردوفة بواو أو ياء وجعلت كل المشطورات من السريع والمنسرح والرجز فهرسا واحدا سميته
стр. 98
"فهرس الأرجاز"؛ وذلك لصعوبة التمييز بين هذه البحور والثلاثة؛ ولأن أرجاز العرب جاءت على هذه البحور جميعًا.
وقد يعتري المفهرس بعض الصعوبات التي تحتاج إلى إعمال الفكر. وأذكر أنني حين قمت بفهرس الأعلام لكتاب "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم راعني كثرة الأعلام التي لو ذكرت جمعيها لظهر الكتاب في ثلاثة أضعافه على الأقل، فهو كثيرا ما يذكر أبناء رجل بتجاوز عددهم العشرة والعشرين والثلاثين يسردهم سردا، ولا سيما أبناء الخلفاء والأمراء والولاة. فنظرت في ذلك طويلا وبحثت عن طريقة معقولة تجمع بين الإيجاز والاستيعاب. فأغفلت ذكر أبناء الخلفاء والأمراء ونحوهم حيث يذكر آباؤهم، مكتفيا بذكر أرقام هؤلاء الآباء في تلك الحالة بين قوسين: () إشارة مني إلى أنه الموضع الذي ذكر فيه أبناؤهم. أما إذا ذكر الأبناء وحدهم في موضع آخر فإن أرقامهم تثبت في ووضع موضع الإنسان بين قوسين أيضا: () بيانا؛ لأنه الموضع المهم١.
وهكذا لن يعدم شيء من تلك الصعوبات حلا يتيحه إعمال الفكر، والتحرر من إسار التقليد، مادام العمل في حدود الدقة والضبط، والحرص الصادق على إفادة الباحث من أيسر طريق.
ب- وأما ترتيب الفهرس من غيره من الفهارس فإن المنهج المنطقي يقتضي تقديم أهم الفهارس وأشدها مساسا بموضوع الكتاب. فإن كل الكتاب كتاب تراجم وتاريخ قدم فيه فهارس الأعلام، أو كتاب أمثال قدم فهرس الأمثال، أو قبائل قد فهرس القبائل وهكذا. ثم تساق بعده سائر الفهارس مرتبة حسب ترتيبها المألوف.
стр. 99
٤- الاستدارك والتذييل:
ولا يعدو الأمر مهمًا أجهد المحقق نفسه وفكره في إخراج الكتاب، أن تفوته بعض التحقيقات أو التوضيحات، أو يزل فكره أو قلمه زلة تقتضي المعالجة. ففي باب الاستدراك والتذليل الذي يلحق غالبا بنهاية الكتاب، مجال واسع لتدارك ما فات محقق الكتاب أو شارحه، أو مازل فيه فكرة أو قلمه، وبعض الناشرين لا يحل هذا الأمر محله من العناية، ليسدل ثوب الجلال على كتابه، فيزعم لنفسه بتركه هذا الاستدراك أن كتابه قد سلم من الخطأ فكان بذلك كالنعامة، إذ تخفي رأسها زاعمة أن أحدا لن يراها لأنها لا تراه!
إن الخطأ في معالجة النصوص أمر مشترك بين العلماء جميعا، لا إثم ولا حوب ولكن كتما الخطأ فيه الإثم، والتقصير في أداء الأمانة. ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل!
وأما بعد، فهذا ما أدته إلى الدراسة الباحثة، وهدتني إليه تجارب الأعوام الطوال, ولعل في هذا ما يمنحني العذر في أن أسوق الحديث أحيانا عن عملي وعن تجربتي، في زمان أربي على الثلاثين عاما١. والحديث عن النفس مملول مطرح، ولكنه إذا أريد به في الأول والآخر خدمة العلم ورعاية الفن، فارقته مسحة الإملال، وأوشك أن يكون سائغا مقبولا.