← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. مُقَدّمَة وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب الْحَمد لله الَّذِي دلّ على مَعْرفَته بإتقان صَنعته، وبديع لطائف حكمته، وَبِمَا أودعهُ نفوس المميزين من أَعْلَام ربوبيته، وَاسْتحق على كل مُكَلّف الخنوع لعظمته، والخشوع لعزته، وَالشُّكْر والإشادة بِمَا أَسْبغ من نعْمَته، وَنشر من رَحمته، وَجعل قُلُوب أوليائه تسرح فِي ميادين محَاسِن مَا ابتدعه، وعقولهم ترتاح لما من عَلَيْهِم من استنباط الْمعرفَة بِمَا اخترعه، فأغناهم بالتنعم بِمَا بسط لَهُم من الْمُبَاحَات، عَمَّا زجرهم عَنهُ من الْمَحْظُورَات، فَصَارَ مَا تُدْرِكهُ الْعُقُول من لطيف مَا أنشأه، وشريف الْغَرَض فِيمَا ابتدأه، وغريب أَفعاله فِي تَدْبِير عباده، وتصريفهم، وَتَقْدِير منافعهم ومصالحهم، أقواتاً لَهَا تربى على أقوات أجسادها الَّتِي هِيَ أوعية تشْتَمل عَلَيْهَا، وَأشْهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وليّ النعم كلهَا دون من سواهُ، وَأَنه لَا فلاح إِلَّا لمن هداه، وَلَا صَلَاح إِلَّا لمن عصمه من إتباع هَوَاهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده الَّذِي ارْتَضَاهُ، وَنبيه الَّذِي اخْتَارَهُ واجتباه، وَرَسُوله الَّذِي ائتمنه واصطفاه، وَرَفعه وَأَعلاهُ، وَخَصه بِخَتْم النُّبُوَّة وحباه، وأبانه بِأَعْلَى منَازِل الْفضل على كل آدَمِيّ عداهُ، ونسأله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ وعَلى آله وَيسلم أزكى تسلم وَصَلَاة، ويكرمه أتم تكريم وأنباه، ويجعلنا من الآوين إِلَى ظله وذراه، والداعين إِلَى نوره وهداه، ويعصمنا من الْخُرُوج عَن طَاعَته، والولوج فِي مَعْصِيَته، ويوفقنا لإيثار عِبَادَته، ومجانبة عصيانه ومخالفته، وَهُوَ لي الإنعام بذلك، والتيسير لَهُ، والمعونة عَلَيْهِ من رَحمته. أما بعد، فإنني مُنْذُ مُدَّة مَضَت، وسنةَ خلت، فَكرت فِي أَشْيَاء من عجائب خلق الله وَحكمه، وأياديه ونعمه، ومثلاته ونقمه، وَقد اكتنفتني هموم وأحزان، ولوعات وأشجان، وفنون شَتَّى من حوادث الزَّمَان، وَمَا قد فَشَا فِي النَّاس من التظالم التحاسد، والتقاطع والتباعد، وَأَن مَا هُوَ أولى بهم من الْأنس للمجانسة، قد فارقوه إِلَى الاستيحاش للمنافسة، وحصلت على الِاسْتِئْنَاس بالوحدة وَالْخلْوَة، ثمَّ تطلعت إِلَى جليس طَمَعا فِي أنس وسلوة، فأعوزني ذُو لب عَاقل، وَاتفقَ لي كل غبي جَاهِل، فلاح لي أَن أنشئ كتابا أضمنه أنواعاً من الْجد الَّذِي يُسْتَفَاد ويعتمد عَلَيْهِ، وَمن الْهزْل فِي أَثْنَائِهِ مَا يسر استماعه ويستراح إِلَيْهِ، فَإِن اخْتِلَاف الْأَنْوَاع يسهل النّظر فِيهَا، وينشط الْوُقُوف عَلَيْهَا، ويوفر الِاسْتِمْتَاع بهَا، وَأَن أضمنه علوماً غزيرة وآداباً كَثِيرَة، وأجعله مجَالِس موزعة على الْأَيَّام والليالي، وَلم اشْترط فِيهَا مبلغا من الْعدَد محصوراً وَلَا قدرا من الْمجَالِس مَحْظُورًا، ثمَّ إِن طوارق الزَّمَان وموانعه، وأحداثه وفجائعه، وعوائقه وقواطعه، وأهواله وفظائعه، حَالَتْ بَين وَبَين مَا آثَرته، وَنَفْسِي على هَذِه مُتَعَلقَة بِهِ، ومؤثرة لَهُ ومنازعة إِلَيْهِ، إِلَى حَيْثُ انتهينا، ثمَّ إِنَّنِي حملت نَفسِي فِي

стр. 2

هَذَا الْوَقْت على الشُّرُوع فِيهِ، الِاشْتِغَال بِهِ، وَسَهل الْأَمر عَليّ فِيهِ أَن بعض أَصْحَابنَا يَكْتُبهُ عني إملاء فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت. وَقد صنف فِي نَحْو هَذَا الْكتاب جمَاعَة من أهل الْعلم وَالْأَدب كتبا على أنحاء مُخْتَلفَة، فَمنهمْ من جعل جملَة كِتَابه جَامِعَة لكتب مكتتبة، وَمِنْهُم من جعله أبواباً مبوبة، وأفرد أبوابه بفصول مُمَيزَة، وَمَعَان خَاصَّة غير ممتزجة، وسمى بعض هَؤُلَاءِ مَا أَلفه الْجَوَاهِر وَبَعْضهمْ زَاد الْمُسَافِر وَبَعْضهمْ الزهرة وَبَعْضهمْ أنس الْوحدَة، فِي أشباه لهَذِهِ السمات عدَّة، وَعمل أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد النَّحْوِيّ كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْكَامِل، وَضَمنَهُ أَخْبَارًا وقصصاً لَا إِسْنَاد لكثير مِنْهَا، وأودعه من اشتقاق اللُّغَة وَشَرحهَا وَبَيَان أسرارها وفقهها مَا يَأْتِي مثله بِهِ لسعة علمه وَقُوَّة فهمه، ولطيف فكرته، وصفاء قريحته، وَمن جلي النَّحْو وَالْإِعْرَاب وغامضها مَا يقل وجود من يسد فِيهِ مسده، إِلَّا أَن كِتَابه هَذَا مقصر عَمَّا وسمه بِهِ، وَاخْتَارَهُ من تَرْجَمته، وَغير لَائِق بِهِ مَا آثره من تَسْمِيَته، فحطه بِهَذَا عَن منزلَة - لَوْلَا مَا صنعه - كَانَت حَاصِلَة لَهُ، فسبحان الله مَا أبين انْتِفَاء هَذَا الْكتاب عَن نسبه، وَأَشد منافاته للقبه! وَأَنْشَأَ الصولي كتابا سَمَّاهَا الْأَنْوَاع مبوباً أبواباً شَتَّى غير مستوفاة، وأتى فِيهِ بأَشْيَاء مستحسنة على مَا ضم إِلَيْهِ من أُمُور مستهجنة، وصنف أَيْضا كتابا كَأبي قماش سَمَّاهُ النَّوَادِر، وهجاه بعض الشُّعَرَاء بِمَا كرهت حكايته، وَإِن كَانَ حِين وقف عَلَيْهِ فِيمَا بَلغنِي اسْتغْرب ضحكاً، غير أَن الْجَمِيل أجمل، والتسلم من أَعْرَاض النَّاس أمثل، وصنف قوما كتبا فِي هَذَا الْبَاب تشْتَمل على فقر من الْآدَاب والفوائد منثورة غير مبوبة، ومخلوطة غير مُقَيّدَة، بفصول متميزة وَلَا أَبْوَاب متحيزة. وَقد سميت كتابي الجليس الصَّالح الْكَافِي، والأنيس الناصح الشافي وأودعته كثيرا من فنون الْعُلُوم والآداب، على غير حصر بفصول وأبواب، وضمنته كثيرا من محَاسِن الْكَلَام وجواهره، وملحه ونوادره، وَذكرت فِيهِ أصولاً من الْعلم أتبعتها شرح مَا يتشعب مِنْهَا، ويتصل بهَا بِحَسب مَا يحضر فِي الْحَال، مِمَّا يُؤمن مَعَه الملال، وَمن وقف على مَا أتيت بِهِ من هَذَا، علم أَن كتَابنَا أَحَق بِأَن يُوصف بالكمال والاستيفاء، والتمام وَالِاسْتِقْصَاء، وَصدق وسمه بالجليس والأنيس، فَإِن الْكتاب إِذا حوى مَا وصفناه من الْحِكْمَة وأنواع الْفَائِدَة، كَانَ لمقتنيه والناظر فِيهِ بِمَنْزِلَة جليس كَامِل وأنيس فَاضل، وَصَاحب أَمِين عَاقل، وَقد قيل فِي الْكتاب مَا مَعْنَاهُ أَنه حَاضر نَفعه، مَأْمُون ضره، ينشط بنشاطك فينبسط إِلَيْك، ويمل بملالك فينفض عَنْك، إِن أدنيته دنا، وَإِن أنأيته نأى، لَا يبغيك شرا، وَلَا يفشي عَلَيْك سرا، وَلَا ينم عَلَيْك، وَلَا يسْعَى بنميمة إِلَيْك، وَلذَلِك قَالَ بَعضهم: نعم الصاحب والجليس كتاب ... تهلو بِهِ إِن خانك الْأَصْحَاب لَا مفشياً عِنْد القطيعة سره ... وتنال مِنْهُ حِكْمَة وصواب

стр. 3

وَقَالَ آخر: لنا جلساء مَا نمل حَدِيثهمْ ... ألباء مأمونون غيباً ومشهدا يفيدوننا من علمهمْ طرف حِكْمَة ... وَلَا نتقي مِنْهُم لِسَانا وَلَا يدا فِي أَبْيَات. وَذكر عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه سُئِلَ: أما تستوحش من مقامك مُنْفَردا بهيت؟ فَقَالَ: كَيفَ يستوحش من يُجَالس النَّبيّ ﷺ وَأَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم، وَقد كَانَ بعض من كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا صيت ومكانة، عَاتَبَنِي على ملازمتي الْمنزل، وإغبابي زيارته، وإقلالي مَا عودته من الْإِلْمَام بِهِ وغشيان حَضرته، وَقَالَ لي: أما تستوحش الْوحدَة وَنَحْو هَذَا من الْمقَالة، فَقلت لَهُ: أَنا فِي منزلي إِذا خلوت من جليس يقْصد مجالستي، ويؤثر مساجلتي، فِي أحسن أنس وأجمله، وَأَعلاهُ وأنبله، لأنني أنظر فِي آثَار الْمَلَائِكَة والأنبياء، وَالْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء، وخواص الْأَعْلَام الْحُكَمَاء، وَإِلَى غَيرهم من الْخُلَفَاء والوزراء، والملوك والعظماء، والفلاسفة والأدباء، وَالْكتاب والبلغاء، والرجاز وَالشعرَاء، وكأنني مجَالِس لَهُم، ومستأنس بهم، وَغير ناء عَن محاضرتهم لوقوفي على أنبائهم، ونظري فِيمَا انْتهى إِلَيّ من حكمهم وآرائهم. وَقد تجشمت إملاء هَذَا الْكتاب على مَا خلفته ورائي من طول السنين، حصلت فِيهِ من عشر التسعين، مَعَ ترادف الهموم وتكاثف الغموم، ومشاهدة مَا أَزَال مرتمضاً بِهِ، وممتعضاً مِنْهُ لفساد الزَّمَان وانتكاسه، وَعَجِيب تقلبه وانعكاسه، واختلاطه وارتكاسه، وَوَضعه الْأَعْلَام الرفعاء، وَرَفعه الطغام الوضعاء، فقد أحل الأراذل مَحل الأفاضل، وَأعْطى السَّفِيه الأخرق حَظّ النبيه الْعَاقِل، وَصرف نصيب الْعَالم إِلَى الْجَاهِل، وصير النَّاقِص مَكَان الوافر الْكَامِل، وَالرَّاجِح الْفَاضِل، وَقدم على الْعلم المبرز الغفل الخامل، وَلَقَد قلت فِي بعض مَا دفعت إِلَيْهِ، وامتحنت بِهِ، حِين منعت النّصْف، وحملت على الْخَسْف، حَتَّى انقدت للعنف، وأصبحت عِنْد الْغَلَبَة والعسف: علام أعوم فِي الشّبَه ... وأمري غير مشتبه أرى الْأَيَّام مُعْتَبرا ... على مَا بِي من الوله بلحظ غير ذِي سنة ... وحظ غير منتبه أروح وأغتدي غبناً ... أَكثر من أقل بِهِ وَقلت فِي نَحْو هَذَا الْمَعْنى: أأقتبس الضياء من الضباب ... وألتمس الشَّرَاب من السراب أُرِيد من الزَّمَان النذل بذلاَ ... وأرياً من جنى سلع وصاب أرجي أَن أُلَاقِي لاشتياقي ... سراة النَّاس فِي زمن الْكلاب فِي كثير من نَحْو هَذَا من النثر والقريض، وذم الزَّمَان السوء بِالصَّرِيحِ والتعريض،

стр. 4

وَأَرْجُو أَن يُغير الله مَا أَصْبَحْنَا مِنْهُ ممتعضين، وأمسينا مَعَه مرتمضين، ويشفي صُدُور قوم مُؤمنين، وَيذْهب غيظ قُلُوب الأماثل من الْعلمَاء المبرزين، فقد بلغ مِنْهُم مَا يرَوْنَ من تَقْدِيم الأراذل الضلال، والأداني الْجُهَّال، حَتَّى صدرُوا فِي مجَالِس علم الدَّين، وَقدمُوا فِي محافل وُلَاة أُمُور الْمُسلمين، وصيروا قُضَاة وحكاماً ورؤساء وأعلاماً، دون ذَوي الأقدار، وأولي الشّرف والأخطار، وَكثير مِمَّن يشار إِلَيْهِم مِنْهُم لَا يفهم من كتاب الله آيَة، وَإِن تعَاطِي تلاوتها لحن فِيهَا، وأتى بِخِلَاف مَا أنزل الله مِنْهَا، وَلَا كتبُوا سنة من سنَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا دورها، وَإِن تكلفوا ذكرهَا أحالوها، وآتو بهَا على غير وَجههَا، وَلَا عرفُوا شَيْئا من أَبْوَاب الْعَرَبيَّة وتصريفها، وَلَا لَهُم حَظّ من الفلسفة وأجزائها، وَمَعَ هَذِه فقد اتّفق لبَعْضهِم من فريق قد شدا من الْعلم طرفا، ونال مِنْهُ حظاً، عدد يعظمونه ويغلون فِي تَعْظِيمه وتقديمه على أنفسهم، وَإِن كَانَ أَسْوَأ حَالا وأخفض عقلا مِنْهُم، كَمَا عبد الْأَصْنَام من هُوَ أَعلَى منزلَة مِنْهَا بِالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَة، وَالْعلم والمعرفة، والبطش وَالْقُوَّة، وَالتَّصَرُّف وَالْحِيلَة، وأقدم هَؤُلَاءِ الأغمار على الشَّهَادَة بالزور لمن وَصفنَا جَهله وسقوطه، بإضافتهم إِلَيْهِ من الْعلم بِمَا هُوَ أَجْهَل النَّاس بِهِ، وأبعدهم من مَعْرفَته لميلهم إِلَى بعض ضلالاته، وأنسهم بِكَثِير من خساراته، وَإِن كَانَت بِخِلَاف مَا يعذرُونَ فِيهَا من مُوَافَقَته، فقد صَارُوا سخرياً مسخوراً مِنْهُم، وسخريا مسخرين لتقليد من وَصفنَا صفته، وَاسْتمرّ هَذَا الْفَرِيق الْمَغْرُور على إتباع حزب الشَّيْطَان الَّذين اغتروا بهم، وبذلوا المناصرة لَهُم وممالأتهم ومضافرتهم وإعزازهم، ومظاهرتهم وتأييدهم ومؤازرتهم، واستفزهم مَا يزخرفونه لَهُم من كَلَامهم، وَإِن كَانَ مسترذلاً، ومخطأً ملحناً، عِنْد من أَعْلَاهُ الله من أفاضل الْعلمَاء عَلَيْهِم، وأبانهم بِالْعلمِ والتفقه فِي الدَّين مِنْهُم، إِذْ أَكثر مَا يأْتونَ بِهِ من الهجر الَّذِي يُسَمِّيه قوم الهاذور، وبمنزلة من قَالَ فِيهِ بعض الشُّعَرَاء: هذريان هذر هذاءة ... موشك السقطة ذُو لب نثر واستنزلهم من عبارتهم مَا هُوَ من نوع هجر باعة القميحة السفوفيين، وتنميق هَذِه أَصْحَاب الْفَاكِهَة والرياحين، وهذيان أهل الْحِكَايَة والمخيلين، فَلَمَّا وَصفنَا جنحنا إِلَى الصَّبْر، واستصحبنا، الخمول رَجَاء إنعام الله بالإعانة والنصر، وَذكرت - فِي وقتي هَذَا عِنْد إثباتي مَا أثْبته من حَال ذَوي النَّقْص الَّذِي يَتَقَلَّبُونَ فِي دولة، وَإِن كَانُوا من باطلهم فِي بولة، على أَنَّهَا سَحَابَة صيف عَن قَلِيل تقشع - خَبرا حَدثنَا بِهِ مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مهْدي الأبلي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن السايح، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن شُعَيْب بن سَابُور، قَالَ: سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ ينشد هَذِه الأبيات:

стр. 5

إِذا كَانَ الخطاء أقل ضراً ... وأنجحَ بالأمور من الصوابِ وَكَانَ النِّوك مَحْموداً مذالاً ... وَكَانَ الدَّهْر يرجع بانقلابِ وعطِّلت المكارمُ والمعالي ... وأُغلقَ دون ذَلِك كلُّ بابِ ويوعد كل ذِي حَسَب ودينٍ ... وقُرِّب كل مهتوك الحجابِ فَمَا أحدٌ أضنَّ بِمَا لَدَيْهِ ... من المتحرج المحْضِ اللُّباب وَأنْشد شَيخنَا أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ ﵀ هَذِه الأبيات، وَفِيمَا أنْشدهُ بَيت آخر وَهُوَ: وولّى بَعضهم خَرْجاً وحربا ... وولِّي بَعضهم فصلَ الخطابِ وَحذف من الْجُمْلَة بَيْتا. وَأَنا مِنْهُ هَذِه الرسَالَة إِلَى هَذَا الْموضع، ومبتدئ بِمَا قصدت إيداعه هَذِه الْكتاب وتضمينه إِيَّاه.

стр. 6

الْمَجْلِسُ الأَوَّلُ حَدِيثُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثَلاثِ ليل خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عشرَة وثلاثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عمر حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده من الناي. التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَوْله ﵇: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَة " أَمر لأمته بتبليغ مَا أَتَاهُم بِهِ من وَحي رَبهم، وَيسر الْأَمر عَلَيْهِمْ فِيمَا يبلغونه، ويلقونه، إِلَى مَا بعدهمْ ويؤدونه، ليتصل نقل الْقُرْآن عَنْهُ إِلَى آخر أمته، وَيلْزم حجَّته جَمِيع من انْتهى إِلَيْهِ مِمَّن يَأْتِي بعده، فقد أَتَاهُ الْوَحْي بِمَا أَتَاهُ من قَوْله، " أُوحِي إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذرنكم بِهِ وَمن بلغ " ونظيرُ مَا أَمر بِهِ من التَّبْلِيغ قَوْله فِي خبر آخر: " نَضّر اللَّه امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها ثُمَّ أدّاها كَمَا سَمعهَا، فربَّ حامِل فقه غَيْر فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ " وَقَوله: وَلَو آيَة، فَإِنَّهُ أَتَى عَلَى وَجه التقليل ليسارع كلّ امْرِئ فِي تَبْلِيغ مَا وَقع من الْآي إِلَيْهِ، فيتصل بتبليغ الْجَمِيع أَوْ بعضه نَقله، ويتكامل باجتماعه واستكمال أَدَاؤُهُ. الْآيَة وَمَا فِيهَا من اللُّغَة والنحو فَأَما الْآيَة فَفِيهَا من طَرِيق علم اللُّغَة ثَلَاثَة أوجه، وَمن جِهَة صناعَة النَّحْو وَالْإِعْرَاب ثَلَاثَة أضْرب، فأحدُ الْوُجُوه فِيهَا من قِبَلِ اللُّغَة أَنَّهَا العَلامة الفاصلة، وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهَا لأعجوبة الْحَاصِلَة، وَالْوَجْه الثَّالِث أَنَّهَا الْمثلَة الفاصلة، وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة إِذَا رُدَّت إِلَى أُصُولهَا مُتَقَارِبَة رَاجِعَة فِي الْمَعْنى إِلَى طَريقَة وَاحِدَة، وَجُمْلَة آحادها متناسبة، فَإِذا قيل: اجْعَل لكذا وَكَذَا آيَة، فَالْمَعْنى عَلامَة فاصلة تدل عَلَى الشَّيء بحضورها، وتفقد دلالتها بغيبتها، أَلا ترى إِلَى قَول اللَّه جلّ ثَنَاؤُهُ: " قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، قَالَ آتِيك أَلا تكلم النَّاس " إِلَى آخر الْقِصَّة فَإِنَّمَا سَأَلَ السَّائِل ربه أَن يَجْعَل لَهُ عَلامَة لمّا وعده وبشره بِهِ، فِي مَا جانس هَذِه ممّا تضمنه كتاب اللَّه عزَّ ذكرهُ، قَالَ الشَّاعِر: أَلا بلغ لَدَيْكَ بَنِي تَميمٍ ... بآيةِ مَا يُحِبُّون الطعاما وَقَالَ آخر: ألِكنْي إِلَيْهَا عَمْرُك اللَّه يَا فَتى ... بآيةِ مَا جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا وَمثل هَذَا فِي الشّعْر وَسَائِر الْكَلَام كثير. ولمّا كَانَ ذكر الْآيَة يَعْنِي الأعجوبة فَمِنْهُ مَا ذكره اللَّه عزَّ ذكره فِي مَوَاضِع من كِتَابه

стр. 7

عِنْدَ ذكره مَا أحله من النقمَة بأعدائه: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ " بِمَعْنى الْعجب ممّا حلّ بهم عِنْدَمَا كَانَ من تكذيبهم رُسُلَ رَبهم. وأمّا الْعبارَة بِالْآيَةِ عَنِ الْعُقُوبَات المنكَّلة فكثيرةُ فِي كَلَام الْخَاصَّة من أَهْلَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ كَقَوْلِهِم: قَدْ جُعل فلَان آيَة، إِذا جلّ بِهِ فظيع من الْمَكْرُوه أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ لمن نزل بِهِ شَيْءٍ من هَذَا بِهِ، أَوْ حصل عَلَى صفة مذمومة يُعيَّر بهَا وَيُسَبُّ ويُوصم بهَا: فلانٌ آيةٌ منزلَة، فَأَما الْعِقْد الْجَامِع لهَذِهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة الَّذِي يردُّها إِلَى جملَة وَاحِدَة، فَهُوَ أنَّ العَلامَة إنّما قيل لَهَا لدلالتها وفضلها وإبانتها، وَوَقع الْفَصْل فِي الْقُرْآن بهَا حَتَّى تميزت بَعْض أَلْفَاظه من غَيرهَا، فَصَارَت كلّ قِطْعَة من ذَلِكَ جملَة عل حَالهَا. وأمّا معنى الأعجوبة فَإِنَّمَا يَقع فِي التعجُّبُ من المستغرب الَّذِي يقل وُقُوعه، فينفصل من الْكثير الْوُجُود الَّذِي يخْتَلط فِيهَا بعضه بِبَعْض، وَلَا يكون فِيهِ من الِاخْتِصَاص مَا فِي الْمَوْجُود الَّذِي قدمنَا ذكره. وأمّا النكال الحالّ بِمن حل بِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ آيَة، من حَيْث مَسَارُ أمره أعْجوبة يُعتبر ويتعظ بهَا، وَكَانَ معنى خَاصّا قُوبل بِهِ أمرٌ خاصٌّ بِمَا أَتَاهُ من وَقعت المجازاة بِهِ، فَكل وَاحِد من هَذِهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة مجانس لصَاحبه فِي أَنَّهُ أَمارَة وعلامة وأعجوبة لاختصاصها بِمَا فِيهِ حجَّة باهرة، وَدلَالَة قاهرة، ومثلة ونقمة لما فِيهِ من التميز وَالْعجب وفظيع التنكيل، بِأَهْل الزيغ والتبديل. وأمّا الأضرب الثَّلَاثَة من قبل النَّحْو وتصريف الْإِعْرَاب، فَإِن النَّحْوِيين من الْكُوفِيّين والبصريين اخْتلفُوا فِي الْآيَة مَا وَزنهَا من الْفِعْل، فَقَالَ الْكسَائي: هِيَ فِي الأَصْل فاعلة وَأَصلهَا آيية، وَكَانَ يَنْبَغِي أنَّ تُدْغَم الْيَاء الأولى فِي الثَّانِيَة لاجتماعهما متحركتين فَتَصِير آيَة مثل دابَّة الَّتِي أَصْلهَا دَابِيَة، فاستثقلوا التَّشْدِيد فَقَالُوا: آيَة. وَقَالَ نحويو الْبَصْرَة: وَزنهَا فِي الأَصْل فَعَلَة وَأَصلهَا أَيَيَة، فَصَارَت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ الْفراء: وَزنهَا من الْفِعْل فعلة وَأَصلهَا أيَّة، فاستثقلوا التَّشْدِيد فأتبعوه مَا قبله فَصَارَت الْيَاء الأولى ألفا كَمَا قَالُوا: ديوَان ودينار وَالْأَصْل فِيهَا دوان ودنار، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ فِي جمعهَا دواوين ودنانير، وَلَا يَقُولُونَ دياوين وديانير، وَيجمع الْآيَة آيَات عَلَى جمع السَّلامَة، وآيًا عَلَى أَنَّهَا من الْقَبِيل الَّذِي سبق جمعه واحدَة فَصَارَ بَيْنَ توحيده وَجمعه الْهَاء الَّتِي فِي واحده. وَقد زعم قومٌ أنَّ معنى الْآيَة: الْجَمَاعَة، وَهَذَا قَول رَابِع لِأَنَّهُ خطأ، وَالْبَيَان عَنهُ أصل اشتقاق الْآيَة بِمَا بَيْنَ الْخَلِيل وسيبويه والأخفش فِيهِ من الِاخْتِلَاف فِي تَقْدِير مَدَّته وتصريفه، واستيعاب بَابه يَأْتِي فِي كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز، عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز إِن شَاءَ الله . وَقَوله ﵇: " وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حرج " فإنّ الحَرَج أصلُه فِي كَلَام الْعَرَب:

стр. 8

الضّيق، وَمِنْه قيل للطائفة من الشّجر الملتفّ المتضايق: حَرْجة، وَكَانَ مقَاتل بْن سُلَيْمَان يتَأَوَّل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من ذَكَرَ الْحَرج أَنه الشَّك، وَهَذِه يرجع إِلَى مَا وصفناه من معنى الضّيق، لِأَن الشاكَّ يضيق صَدره، وَيُخَالف الْعَالم بالشَّيْء الْمُثْلج صدرُه بِمَا عَلمِه فِي رَاحَة الْيَقِين، واتساع الصَّدْر وانفساحه وتعرَّيه من ازدحام الظنون وَاعْتِرَاض الشكوك الَّتِي تضيِّقه، وَقد زعم بَعْض أَهْلَ الِاشْتِقَاق أنَّ الَّذِي يَتَّخِذهُ الرَّكْبُ من العيدان والخَشَب لرحالهم يُقَالُ لَهَا حُرْجُوج، لتضايقه واشتباكه وَيجمع حِراج، كَمَا قَالَ ذُو الرمة: فَسِيرَا فقد طَال الوقوفُ ومَلّه ... قلائصُ أمثالِ الحَرَاجِيج ضمر وَمِنْه قَلِيل للشَّيْء الْمَحْظُور المضّيق بِالتَّحْرِيمِ وَالْمَنْع: حَرَج وَقَرَأَ بَعْض الْمُتَقَدِّمين: " هَذِهِ أنعام وحرث حرج " مَكَان الْقِرَاءَة الْجُمْهُور حِجْر وحَجْر وَهِي كلهَا لُغَات مَعْرُوفَة فِي الْحجر بِمَعْنى الْحَرَام لُغَتَانِ الضَّم وَالْكَسْر، وَقد قرئَ بهما جَمِيعًا، وَقَوله: حرث حجر أَي حرَام، وَقَوله: " وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا " قَالَ أَهْلَ التَّأْوِيل: مَعْنَاهُ حَرَامًا محرما، قَالَ الشَّاعِر: حَنّتْ إِلَى النَّخْلَةِ القصوى فَقلت لَهَا ... حِجْرٌ حرَام أَلا تِلْكَ الدَّهَارِيس وَقَالَ آخر: قَالَت وفيهَا حِمْقةٌ وذُعْرُ ... عوذ بربي مِنْكُمْ وَحجر أَي استعاذة تُحَرِّم عَلَيْكُمْ مَا أخافه من مكروهكم، وَالْحجر أَيْضا: الْعقل، والحجى، وَمِنْه قَول اللَّه : " هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذِي حجر " أَي عقل يمنعهُ من السَّفه والخرق، وَمِنْه حَجَر الْحَاكِم عَلَى السَّفِيه، هُوَ من التَّضْيِيق وَالْمَنْع وَالتَّحْرِيم، والمصدر مِنْهُ مَفْتُوح، وروى أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ للأعرابي الَّذِي بَال فِي المَسْجِد ثُمَّ سَمعه يَقُولُ: " اللَّهُمّ ارْحَمْنِي ومحمدًا وَلَا ترحم مَعَنَا أحدا - " لَقَدْ تحجّرت وَاسِعًا " أَي ضَيّقْتَ مَا وسّعَهُ اللَّه عزَّ ذكره وحَظَرْتَ مَا فَسّح فِيهِ. والْحِجْر ديار ثَمُود، وحِجْر الْكَعْبَة مكسوران، وحُجْر اسْم الرَّجُل مضموم الْحَاء سَاكن الْجِيم، كَمَا قَالَ عُبَيْد بْن الأبرص: هلا عَلَى حُجْرِ بْن أمّ ... قَطَام تبْكي لَا علينا وهرٌّ تصيدُ قلوبَ الرِّجَال ... وأفلت مِنْهَا ابنُ عَمْرو حُجر كَمَا قَالَ طرفَة: أيُّها الْفِتْيَانُ فِي مَجْلِسنَا ... جرِّدوا مِنْهَا وَارِدًا وشقرْ وَالْكَلَام شُقْر بالإسكان مثل حُمْر وصُفْر، وَحجر الْيَمَامَة مَفْتُوح قَالَ الشَّاعِر: فلولا الرِّيحُ أسمع من بحجرٍ ... صليلُ البيضِ تقرعُ بالذِّكورِ وحِجْر الإِنْسَان فِيهِ لُغَتَانِ: الْفَتْح وَالْكَسْر. وَمثل حرجٌ وحجْر، صَاعِقة وصاقعة، وجذَبْته جذبًا وجبذتهُ جبْذًا، فِي نَظَائِر لما

стр. 9

وَصفنَا كَثِيرَة، وَأما حاجز فموضع مَعْرُوف، قَالَ الْأَعْشَى: شاقك من قَتْلَة أطْلالُها ... فالشطُّ فالقفُّ إِلَى حاجِرِ وَخص بني إِسْرَائِيل بِهَذَا لمّا مَضَت فيهم من الْأَعَاجِيب، كَمَا خص الْبَحْر بِمَا فِيهِ من الْعَجَائِب، وأرخص فِي التحدث عَنْهُم مَعَ اتقاء الْحَرج بِالْكَذِبِ فِيهِ، وَقَوله: وَلَا حَرَج، يتّجه فِيهِ تَأْوِيلَانِ، إِحْدَاهمَا: أَن يكون خَبَرًا مَحْضا فِي مَعْنَاهُ وَلَفظه، كَأَنَّهُ لمّا ذَكَرَ بني إِسْرَائِيل وَكَانَت فيهم أعاجيبُ وَكَانَ كثيرٌ من النّاس ينبُو سمعُه عَنْهَا، فَيكون هَذَا مقطعَة لمن عِنْدَهُ علم مِنْهَا أَن يحدث النّاس بهَا، فَرُبمَا أدّى هَذَا إِلَى دروس الْحِكْمَة، وَانْقِطَاع مواد الْفَائِدَة، وانسداد طَرِيق إِعْمَال الفكرة، وإغلاق أَبْوَاب الاتعاظ وَالْعبْرَة، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي تحدثكم بِمَا علمتموه من ذَلِكَ حرج. والتأويل الثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى فِي هَذَا: النَّهْي فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا تحرَّجوا بِأَن تتحدثوا بِمَا قَدْ تبين لَكُم الْكَذِب فِيهِ محققين لَهُ أَوْ غَارِّين أحدا بِهِ، فَهَذَا اللفظُ عَلَى هَذَا الْوَجْه لفظُه لفظُ الخبَر وفائدتُه النهيُ من جِهَة الْمَعْنى، وَلَفظ النَّهْي لَا يَأْتِي إِلَّا مُتَعَلقا بفعلٍ مُستقبل، فَإِذا قيل: وَلَا تَحَرَّجُوا فَهُوَ صَرِيح اللَّفْظ بِالنَّهْي، فَإِذا قيل: وَلَا حرج جَازَ أَن يكون خَبرا مَحْضا معنى ولفظًا، وَجَاز أَن يكون لَفظه لفظ الْخَبَر فِي بنيته، وَمَعْنَاهُ النهيُ لقصد الْمُخَاطب وإرادته، دون صُورَة اللَّفْظ وصيغته، وَنصب الحَرَج فِي هَذَا الْموضع هُوَ الْوَجْه عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنى الَّذِي يُسَمِّيه البصريون النَّفْي ويسميه الْكُوفِيُّونَ التبرئة، وَهُوَ عَلَى قَول الْخَلِيل مبنيٌّ يضارع المعرب، وعَلى قَول سِيبَوَيْهٍ معربٌ يضارع الْمَبْنِيّ، وَلَو رُفع ونُوِّن لَكَانَ وَجها قَدْ عرف واستُعمل كَمَا قَالَ الشَّاعِر: من صَدّ عَنْ نِيرانها ... فَأَنا ابْن قيسٍ لَا براحْ وَقَوْلهمْ: لَا حول وَلَا قُوة إِلَّا بِاللَّه، للْعَرَب فِيهِ خَمْسَة مَذَاهِب: لَا حول وَلَا قوةَ إِلَّا بِاللَّه، وَلَا حولَ وَلَا قُوةً، وَلَا حولَ وَلَا قوةٌ، وَلَا حولٌ وَلَا قوةٌ، وَلَا حولٌ وَلَا قُوَّةُ. وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: " فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَال فِي الْحَج " هَذِه قِرَاءَة شَبيه وَنَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ فِي آخَرين، وَقُرِئَ: فَلا رفثَ وَلا فسوقَ وَلَا جدالَ، وَهِي قِرَاءَة أَبِي جَعْفَر يزِيد بْن الْقَعْقَاع المَخْزُومِي، وَقُرِئَ: فَلا رفثٌ وَلا فسوقٌ وَلا جِدَالَ " وَهِي قِرَاءَة مُجَاهِد وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَعدد غَيرهم، وَقد قَرَأَ بَعضهم وَلَا جِدَال مثل دَرَاكِ ومَنَاعِ، رويتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن أبي إِسْحَاق، وَاخْتلف فِي علل إِعْرَاب هَذِه الْقرَاءَات، وَفِي عِلّة فرق فِي الْإِعْرَاب بَين بعضهما وَبَعض اخْتِلَاف يطول شَرحه، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره، وَنحن مستقصو القَوْل فِيهِ عِنْدَ انتهائنا إِلَيْهِ من كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز فِي عَلَمِ الْقُرْآن المعجز وَفِي كتَابنَا فِي الْقرَاءَات، وَكِتَابنَا فِي عللها وتفصيل وجوهها. وَقَوله: " من كذب عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " قَدْ أَتَت الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ وَمَا

стр. 10

يُقَارِبه من جِهَات كَثِيرَة، وَقيل: إِنَّهُ عَلَى عُمُومه، وَجَاء فِي بَعْض هَذِهِ الْأَخْبَار: من كذب عليّ مُتَعَمدا ليضلّ بِهِ النّاس، وروى أَنَّهُ ورد عِنْدَ قصَّة خَاصَّة فِي رَجُل ادّعى عِنْدَ قَوْمٍ أنَّ النَّبيّ ﷺ أرسلهم إِلَيْهِ ليزوجوه، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ: قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَمَاقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُنِيرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى قَوْمٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِيكُمْ بِرَأْيِي فِي كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ " ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلا فَقَالَ: " إِنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاقْتُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ "، فَانْطَلَقَ فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مِنْ كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَيَّانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " مِنْ كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ " كَانَ حَيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَانِي هَذِهِ الْحُلَّةَ وَأَمرَنِي أَن أحكم نِسَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ بِمَا أَرَى، وَكَانَ قد خطب امْرَأَة مِنْهُم فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا رَسُولا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنَّك أمرت هَذِه أَنْ يَحْكُمَ فِي نِسَائِنَا وَأَمْوَالِنَا بِمَا يَرَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ " ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: اذْهَبْ فَإِنْ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَإِن وجدته قد مَاتَ فَأحرق بِالنَّارِ، وَمَا أَرَاكَ تَجِدُهُ حَيًّا، قَالَ: فجَاء فَوَجَدته قَدْ لَدَغَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَفْعَى فَمَاتَ، فَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " مِنْ كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ أَبُو حَامِدٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ مَزْيَدٍ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ مَا تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيث: " من كذب عَلَيَّ مُتعمدًا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ "؟ قَالَ: رَجُلٌ عَشِقَ امْرَأَةً فَأَتَى أَهْلَهَا مَسَاءً، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ أَنْ أَتَضَيَّفَ فِي أَيِّ بُيُوتِكُمْ شِئْتُ، قَالَ: فَكَانَ يَنْتَظِرُ بَيْتُوتَةً إِلَى الْمَسَاءِ، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلانًا أَتَانَا يَزْعُمُ أَنَّكَ أَخْبَرْتَهُ أَنْ يَبِيتَ فِي أَيِّ بُيُوتِنَا شَاءَ، فَقَالَ: كَذَبَ، يَا فُلانُ انْطَلِقْ مَعَهُ فَإِنْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ، وَلا أُرَاكَ إِلا قَدْ نَعَيْتَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادْعُوهُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأَنْ تُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَلا تُحَرِّقْهُ بالنَّار، فَإِن لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ وَلا أُرَاكَ إِلا قَدْ كُفِيتَهُ، فَجَاءَتِ السَّمَاءُ

стр. 11

فَصَبَّتْ فَخَرَجَ لِيَتَوَضَّأَ فَلَسَعَتْهُ أَفْعَى، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ، وَقَوْلُهُ فَلْيَتَبَوَّأْ أَيْ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ وَيَعْلَمْ أَنَّهُ تَبَوَّأَ معقده من النَّار أَي تكون لنار مُبَوَّأً لَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ: " بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ " أَيْ جَعَلْنَاهَا مَنْزِلا لَهُمْ، قَالَ ابْنُ هِرْمَةَ: وَبُوِّئْتُ فِي صَمِيمِ معشرها ... فتمَّ فِي قَومهَا مُبوَّؤُهَا وَقَالَ بَعْضُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يُخَاطِبُ الْفَرَزْدَقَ: لَقَدْ بوَّأتك الدَّارَ بكرُ بْنُ وائلٍ ... وَقَرَّتْ لَكَ الأحشاءُ إِذْ أَنْتَ مُحْرِمُ وَقَول اللَّه تَعَالَى: " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لنبَوِّئّنَهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا " من هَذَا الْبَاب، وَكَذَلِكَ قَرَأَ جُمْهُور أَهْلَ الْحجاز وَالشَّام وَالْبَصْرَة والكوفة، وَقَرَأَ عدد من الْكُوفِيّين مِنْهُم حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: لنثوينهم من الثواء، كَمَا قَالَ الْحَارِث بْن حلزة: آذنَنْتَنا بِبَيْنِهَا أسْمَاءُ ... رُبَّ ثاوٍ يملُّ مِنْهُ الثُّواءُ وَفِي تصريف الْفِعْل من هَذَا لُغَتَانِ يُقَالُ: ثوى يثوي وأثوى يثوي، ويروى بَيت الْأَعْشَى عَلَى وَجْهَيْن: أثْوَى وقَصّر ليلةٌ ليُزَوَّدَا ... فَحَنى وأخلفَ من قُتَيْلةَ موعِدا ويروى أثوى عَلَى الْوَجْه الرباعي، ويروى أَثَوى بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام عَلَى أَنَّهُ ثلاثي، وَلَو قيل ثوى من غَيْر تَقْدِيم عَلَى أَن يكون الْجُزْء الأوّل من الْبَيْت مخروما لَكَانَ ذَلِكَ صَوَابا. ذكر بعض نَوَادِر الْأَخْبَار مَجْنُون بني سَعْد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ إملاءً من حَدِيثه سنة سِتّ وَعشْرين وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن صَالح الْيَشْكُرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن محبّ الْمَازِنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: لمّا قَدِمَ سُلَيْمَان بْن عليّ الْبَصْرَة واليًا عَلَيْهَا قيل لَهُ: إنَّ بالْمِرْبد رَجلا من بني سَعْد، مَجْنُونا سريع الْجَواب لَا يتَكَلَّم إِلَّا بالشعر، فَأرْسل إِلَيْهِ سُلَيْمَان بْن عليّ قَهْرمانه، فَقَالَ لَهُ: أجب الْأَمِير، فَامْتنعَ فجرّه وَزبَره، وخرَّق ثَوْبه، وَكَانَ الْمَجْنُون يَسْتَقِي عَلَى نَاقَة لَهُ فاستاق القهرمان النَّاقة وأتى بهَا سُلَيْمَان بْن عليّ، فَلَمّا وقف بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان، حيّاك اللَّه يَا أَخا بني سَعْد، فَقَالَ: حيّاك ربُّ النّاس من أَمِير ... يَا فاضلَ الأَصْل عَظِيم الخيرِ إِنِّي أَتَانِي الفاسِقُ الجلْوازُ ... والقلبُ قَدْ طَار بِهِ اهتزازُ فَقَالَ سُلَيْمَان: إنّما بعثنَا إِلَيْكَ لنشتري نَاقَتك، فَقَالَ: مَا قَالَ شَيْئا فِي شِرَاء الناقهْ ... وَقد أَتَى بِالْجَهْلِ والحماقةْ فَقَالَ: مَا أَتَى؟ فَقَالَ: خَرّق سِرْبالي وشَقّ بُرْدتي ... وَكَانَ وَجْهي فِي الملا وزيني

стр. 12

فَقَالَ: أفتعزم على النَّاقة؟ فَقَالَ: أبيعُها بَعْدَ مَا أُوكَسُ ... والبيعُ فِي بَعْض الأوان أَكيس قَالَ: كم شراؤها عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: شراءها عشرٌ بِبَطن مكهْ ... من الدَّنَانِير الْقيام السُّكهْ وَلَا أبيعُ الدهرَ أَو أزادُ ... إنّي لريحٍ فِي الورى مُعْتَاد قَالَ: فبكم تبيعها؟ فَقَالَ: خُذْها بعشرٍ وبخمسٍ وازنهْ ... فَإِنَّهُ نَاقَة صدق مَازنه قَالَ: فحطّنا، فَقَالَ: تبَارك اللَّه العليُّ العالي ... تَسْألُني الحطّ وَأَنت الْوَالِي قَالَ: فنأخذها مِنْك وَلَا نعطيك شَيْئا، فَقَالَ: فَأَيْنَ ربِّي ذُو الْجلَال الْأَفْضَل ... إنَّ أنتَ لَمْ تَخْشَ الْإِلَه فافعلِ قَالَ: فكم أزنُ لَك فِيهَا؟ فَقَالَ: وَالله مَا يُنعِشُني مَا تُعطي ... وَلَا يُدَاني الْفقر مني حطّي خُذْهُ بِمَا أحببتَ يَا بْن عباسِ ... يَا بْن الْكِرَام من قريشِ الرّاسِ فَأمر لَهُ سُلَيْمَان بِأَلف دِرْهَم وَعشرَة أَثوَاب، فَقَالَ: إِن رَمَتْنِي نَحْوك الْفِجَاجُ ... أَبُو عيالٍ مُعْدَمٌ محتاجُ طَاوي الْمِعَى ضَيّق المعيشِ ... فأنبتَ اللَّه لديك ريشي شَرّفتني مِنْك بألفٍ فاخره ... شَرَّفَك اللَّهُ بهَا فِي الآخِرَة وكسوةٍ طاهرةٍ حسانِ ... كساك رَبِّي حلل الجنانِ التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر فَقَالَ سُلَيْمَان: من يَقُولُ إنَّ هَذَا مَجْنُون؟ مَا كلمتُ قَطّ أَعْرَابِيًا أَعقل مِنْهُ. قَول الأَعْرَابِي: ضيق المعيش، المعيش جمع معيشة، كَمَا قَالَ رؤبة: أَشْكُو إِلَيْكَ شدَّة المعيش ... ومرِّ أعوامٍ نَتَفْنَ رِيشِي وَيكون المعيش الْموضع والمعاش الْمصدر، مثل المَضربِ والْمِضرَب وَالْمقر وَالْمقر. قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَدْ أنهينا هَذَا الْمجْلس إِلَى هُنَا لِئَلَّا يستطال، إِذْ قَدْ تقدمته خطبةٌ ورسالة، وَالله الْمُسْتَعَان. الْمجْلس الثَّانِي حَدِيث جريج حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن سُلَيْمَان أَبِي دَاوُدَ بْنِ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ إِمْلاءً مِنْ حِفْظِهِ، فِي يَوْمِ الثُّلاثَاءِ لأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ سنة سِتّ عشرَة وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بن

стр. 13

يزِيد، قَالَ: أَخْبرنِي أَي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَطَرٌ، قَالَ: وَلا أَعْلَمُ سَنَدَهُ إِلا عَنِ الْحسن بن أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، وَكَانَ صَاحِبَ صَوْمَعَةٍ قَالَ: فَاشْتَاقَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَأَتَتْهُ حَتَّى قَامَتْ عِنْدَ صَوْمَعَتِهِ، فَنَادَتْهُ: أَيْ جُرَيْجُ! أَيْ جُرَيْجُ! وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، ف فَلَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ فَعَرَفَ الصَّوْتَ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! صَلاتِي أَوْ أُمِّي، ثُمَّ قَالَ: رَبِّي أَعْظَمُ عَلَيَّ حَقًّا مِنْ أُمِّي، قَالَ: فَمَضَى فِي صَلاتِهِ، ثُمَّ نَادَتْهُ الثَّانِيَةَ فَفَعَلَ أيضاَ مِثْلَهَا، وَقَالَتِ الثَّالِثَةَ، فَفَعَلَ أَيْضا مثلهَا وَلَمْ يُشْرِفْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ كَمَا لَمْ يُرِنِي وَجْهَهُ فَابْتَلِهِ بِنَظَرِ الْمُومِسَاتِ فِي وَجْهِهِ، فَحَمَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ مِنْ فَاحِشَةٍ فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا؟ قَالَتْ: صَاحِبُ الصَّوْمَعَةِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُ صَوْمَعَةٍ، وَهُوَ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا؟ فَأَمَرَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ فَأَخَذُوا الْفُئُوسَ وَالْمَسَاحِيَ، حَتَّى أَتَوْهُ فَنَادَوْهُ وَهُوَ فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، قَالَ: فَقَالُوا: ضَعُوا الْفُئُوسَ فِي الصَّوْمَعَةِ فَضَرَبُوا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَمِيلَ، قَالَ: فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ مَالِي وَلَكُمْ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ فِي الصَّوْمَعَةِ وَأَنْتَ تُحْبِلُ النِّسَاءَ؟ فَقَالَ: أَنَا؟ فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ جَاءَ إِلَى الصَّبِيِّ وَلَمَّا يَتَكَلَّمْ فَضَرَبَ قَفَاهُ وَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: صُهَيْبٌ صَاحِبُ الضَّأْنِ، وَكَانَ صُهَيْبٌ رَجُلا يَرْعَى الْغَنَمَ يَأْوِي إِلَى الصَّوْمَعَةِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ لأَفْتَنَهُ عَنْ دِينِهِ ". وَقَدْ رُوِيَ خَبَرُ جُرَيْجٍ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَذُكِرَ فِيهِ أَنَّ الصَّوْمَعَةَ هُدِّمَتْ وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: نَبْنِيهَا لَكَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: بَلْ رُدُّوهَا كَمَا كَانَتْ. التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر قَوْله فِي الْخَبَر: الْمُومِسات هُوَ جمع مُومسة وَهِي الْبَغي الْفَاجِرَة، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيْفَ دعت أمه عَلَيْهِ واستجيب لَهَا فِيهِ؟ وَهُوَ لَمْ يقْصد عقوقها، وَلم يتْرك إجابتها تهاونًا بهَا، وَلَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا، وَإِنَّمَا آثر مرضاة اللَّه عَلَى أمرهَا، وإتمام صلَاته الَّتِي ابتدأها، إِمَّا مُؤديا الْفَرْض فِيهَا، وَإِمَّا مُتَطَوعا بِفِعْلِهَا، قيل لَهُ: جَائِز أَن يكون الْكَلَام فِي شريعتهم كَانَ جَائِزا فِي صلَاته كَمَا كَانَ فِي أول الإِسْلام ثمَّ نسخ مَا أُبِيح مِنْهُ بحظره، وَالنَّهْي عَنْهُ، عَلَى مَا وَردت الْأَخْبَار بِهِ، وَجَاء أنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أخبر أَنَّهُ كَانَ يسلّم بَعضهم عَلَى بَعْض فِي الصَّلاة فَيرد عَلَيْهِ، وَأَنه ذَكَرَ أَنه حِين قَدِمَ من أَرض الْحَبَشَة سلم عَلَى النَّبيّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاة فَلم يرد عَلَيْهِ، وَأَنه قَالَ: فأخذني مَا قرب وَمَا بَعْدَ، وَقَالَ النَّبيّ ﷺ حِين فرغ من صلَاته: أعوذ بِاللَّه من غضب اللَّه وَغَضب رَسُوله، سلمت عَلَيْك فَلم ترد، فَقَالَ: إِن اللَّه يحدث من أمره مَا شَاءَ، وَأَنه مِم أحدث " أَلا تَكلّموا فِي الصَّلاة " وَأَن يكون جريج رَأَى وَإِن كَانَت إجَابَته فِي أمه جَائِزَة فِي صلَاته أَوْ غَيْر قَاطِعَة لَهَا - بِأَن الْمُضِيّ عَلَى الصَّلاة أولى من إجابتها، وجائزة أَن يكون الْقَوْم قَدْ فرض عَلَيْهِمْ إِجَابَة أمهاتهم فِي الصَّلاة إِذَا

стр. 14

دعونهم وَإِن كَانُوا فِي صلَاتهم، فَترك ذَلِكَ جريج لتفريط مِنْهُ وَفِي فعله أَو الْعلم بِهِ، وَقد روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَو نادني أحدُ أبويَّ وَأَنا فِي الصَّلاة فَقَالَ يَا مُحَمَّد لأجبته "، وَهَذَا مُحْتَمل أَن يكون عَلَى بَعْض الْوُجُوه الْمَخْصُوصَة أَو المنسوخة، وَجَائِز أَن يكون أَرَادَ لأجبته بالتسبيح ليعلم أَنِّي قَدْ سمعته أَوْ فِي هَذِهِ الْحَال بالتصفيق، وَقَالَ: التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء، وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لبَعض من ناداه وَهُوَ يُصَلِّي فَلم يجبهُ فَقَالَ: مَا مَنعك أَن تُجِيبنِي؟ فَقَالَ: إِنِّي كنت أُصَلِّي فَقَالَ: ألم تسمع قَول اللَّه : " اسْتجِيبُوا لله وَلِرَسُولِهِ إِذا دعَاكُمْ " وروى أنَّ إِبْرَاهِيم النّخَعي سُئِلَ عَمَّن شَمّت رَجُلا فِي الصَّلاة، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يقل إِلَّا مَعْرُوفا، وَالْقَوْل فِي هَذَا النَّحْو مستقصى فِيمَا ألفناه من كتبنَا فِي الْفِقْه. حُرُوف المقاربة وَقَوله فِي هَذَا الْخَبَر: حَتَّى كَادَت أَن تميل.. الظَّاهِر فِي كَلَام الْعَرَب أَن يَقُولُوا كَادَت تميل من غَيْر أَن يَأْتُوا بِأَن، وَكَاد هَذِهِ من حُرُوف المقاربة، فَقَالَ: كَاد فلَان يهْلك وَكَاد يفعل كَذَا، قَالَ اللَّه : " تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ " وَقَالَ: " فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ "، وَقَالَ: " كَانُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا " فِي نَظَائِر لهَذَا كَثِيرَة، وَقد تَقول الْعَرَب: كَاد أَن يفعل، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: كَادَت النّفْسُ أَن تفيضَ عَلَيْهِ ... إِذْ ثَوَى حَشْوَ رَيْطةٍ وبُرُودِ وَقَالَ الراجز: قَدْ كادَ من طُولِ الْبِلَى أَن يَمْصَحَا فَكَأَنَّهُ أدخلها فِي بَاب عَسى كَمَا أَدخل عَسى عَلَيْهَا الْقَائِل من الشّعراء: عَسَى الكربُ الَّذِي أمسيتُ فِيهِ ... يكونُ وَرَاءه فرجٌ قريبُ وَقَالَ آخر: عَسى اللَّهُ يُغْنِي عَنْ بلادِ ابْن قادرٍ ... بمنهمرٍ جَوْنِ الرَّبَابِ سكوبِ وَقَالَ آخر: عَسَى فرجٌ يأتِي بِهِ اللَّهُ إِنَّهُ ... لَهُ كلّ يومٍ فِي خليقته أمْرُ وَمثل هَذَا لَعَلَّ، الْبَاب فِيهَا لعلى الْقَوْم، قَالَ الله: " لَعَلَّكُمْ تفلحون "، وَقَالَ: " لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى "، وَقد تدخلُ عَلَى بَاب عَسى لاشتراكها فِي بَاب الترجِّي والمقاربة والتوقع، وَذَلِكَ قَول الشَّاعِر: تَتَبعْ خبايا الأَرْضِ وَادْعُ مَليكَها ... لَعَلَّكَ يَوْمَا أَنْ تُجَابَ وَتُرْزَقا وَقَالَ آخر: ترفق أَيهَا القمرُ الْمُنِير ... لعلّك أَن تَرَى حُجْرًا يسيرُ

стр. 15

وَقَالَ آخر: لعلِّيَ إنْ مالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَة ... عَلَى ابنِ أبي ذُبَّان أَن يَتَندّما وَقد تَأتي كَاد بِمَعْنى الْإِرَادَة لاشْتِرَاكهمَا فِي معنى المقاربة، كَقَوْلِك: كَاد الْحَائِط أَن يمِيل، وضربه حَتَّى كَاد أَنْ يَمُوت، أَي أَرَادَ أَن يمِيل وَأَن يَمُوت، وَقَالَ الشَّاعِر فِي هَذَا الْمَعْنى: كَادَت وَكِدْتُ وَتلك خيرُ إِرَادَة ... لَوْ عَاد من وَصْلِ الحبيبةِ مَا مضى وَقد قيل فِي قَول اللَّه: " إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أخفيها " أنَّ مَعْنَاهُ أكاد أقيمها، فَحذف. ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: أخفيها وَأَن الْكَلَام انْتهى إِلَى أكاد، وَأَنه وقف تَامّ، وأخفيها ابْتَدَأَ كَأَنَّهُ قَالَ: أخفيها لِتُجْزَى، لتجزي إِخْبَار بصلَة الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْإخْفَاء. وَقَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء: أكاد أخفيها بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى أُظْهرها، يُقَال: خفيت الشَّيْء إِذا أظهرته وأخفيته إِذا سترته، وروى النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ: " لعن المختفي والمختفية " يَعْنِي النباش والنباشة، سميا بذلك لإظهارهما مَا ستر بالمواراة والإخفاء والدفن، وَرويت هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيره، وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر: دَابَ شَهْرَيْن ثُمَّ شَهْرًا دَبِيكَا ... بَاركين يَخفيان غَمِيرًا وَقَالَ آخر: فَإِن تَكْتُمُوا الداءَ لَا نَخْفهِ ... وإنْ تبعثُوا الْحَرْبَ لَا نَقْعُدِ وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: خَفَاهُنَّ من أنفاقهن كأنّمَا ... خفَاهُنَّ ودقٌ من عشيٍّ مجلبُ وخفيت وأخفيت جَمِيعًا يرجعان إِلَى أصل وَاحِد، خفيت أَي أزلت الْإخْفَاء وأخفيت أَي فعلت الْإخْفَاء، وَنحن نبين مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَة من الْقُرْآن والمعاني ووجوه التَّفْسِير وَطَرِيق الْإِعْرَاب والتأويل فِي موَاضعه من كتبنَا فِي الْقُرْآن إِن شَاءَ اللَّه. وأمّا قَول جريج للصَّبِيّ: من أَبُوك؟ فقد يسْأَل السَّائِل فَيَقُول: كَيفَ من قَالَ من أَبوك والعاهر لَيْسَ بأب لمن أَتَت بِهِ البغيُّ من مَائه فِي حكم الشَّرِيعَة؟ قيل: فِي هَذَا وَجْهَان من التَّأْوِيل أَحدهمَا: أَنَّهُ جائزٌ أَن يكون فِي شَرِيعَة هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلْحَاق ولد العاهر بِهِ إِذَا حملت أمه بِهِ مِنْهُ. وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون جريج قَالَ هَذِه عَلَى وَجه التَّمْثِيل أَوْ كنى بِهِ تَنْزِيها لألفاظه عَلَى جِهَة التَّشْبِيه، فقد تُضَاف الْأُبُوَّة لفظا من طَرِيق التجاوز والاستعارة إِلَى من لَيست لَهُ ولادَة وَلَا نسب بَينه وَبَين من ينْسب إِلَيْهِ وَلَا قرَابَة، فَيُقَال: فلَان أَبُو الأرامل واليتامى إِذَا كفلهم وبرّهم ووصَلَهم، وَقَامَ بتدبير أُمُورهم وكَنَفَهُم كَفعل الْآبَاء الْوَالِدين لمن ولدُوا من الْبَنِينَ. وَقد روى فِي بَعْض قراءات من رويت عَنْهُ الْقِرَاءَة من الْمُتَقَدِّمين " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَهُوَ أَب لَهُم وأزواجه أمهاتهم " وَعبر عَنِ الْأزْوَاج بأنهن للْمُؤْمِنين أُمَّهَات

стр. 16

توكيداً لحرمتهن وَدلَالَة على تأبيد تَحْرِيم نِكَاحهنَّ عَلَى غَيْر النَّبيّ ﷺ ، وَفِي ذَلِك استقصاء هَذِه الْبَاب وَمَا يُنَاسِبه ويتصل بِهِ طول. وَقَوله: " وَلما يتَكَلَّم " هَذِهِ لَم الجازمة دخلت عَلَيْهَا مَا وَقيل: إِنَّهَا تَأتي لنفي حُضُور شَيْءٍ منتظر متوقع وَقيل: بل هِيَ عَلَى طَرِيق لَمْ وَإِن ضمت إِلَيْهَا مَا كَمَا هِيَ فِي: إنَّ تقم أقِم، وَإِمَّا تقم أقِم، وَلِهَذَا النَّحْو مَوضِع هُوَ أولى بِهِ. وأمّا قَول النَّبيّ ﷺ : " لَوْ دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ لأَفْتَنَهُ عَنْ دِينِهِ " فَالَّذِي أحفظ عَنِ ابْن أبي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث هَكَذَا أَن يَفتنه، وَقَالَ لأفتنه، وَفِي تصريف الْفِعْل من الْفِتْنَة عَلَى تشعب مَعَانِيهَا وَاخْتِلَاف وجوهها لُغَتَانِ: يُقَالُ: فتنه يفتنه عَلَى وزن فعل يفعل وَهَذِه أَعلَى اللغتين وأفصحهما، وَبهَا جَاءَ كتاب اللَّه تَعَالَى فِي جَمِيع الْقُرْآن، من ذَلِكَ: " لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَان "، وَقَوله " عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وملأهم أَن يفتنهم " وَقَوله: " وَظن دَاوُود أَنما فتناه " بِمَعْنى امتحناه، وأضاف هَذِه إِلَيْهِ جلّ ذكره، وَقد قرئَ أَنما فَتَنَاه بِالتَّخْفِيفِ عَلَى تَوْجِيه الْفِعْل إِلَى الْملكَيْنِ، وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَكِنَّكُمْ فتنتم أَنفسكُم " وَقَالَ: " إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ". واللغة الثَّانِيَة فِي هَذِهِ الْكَلِمَة هِيَ أقلُّهما فِي كَلَام الْعَرَب وَهِي: أفتنه يفتنه عَلَى أفعل يفعل. فَإِن كَانَ مَا روى لَنَا فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى اللَّفْظ الَّذِي وَصفنَا مَحْفُوظًا عِنْدَ رُوَاته وَمن أَدَّاهُ إِلَيْنَا فَإِنَّهُ ممّا جمع فِيهِ بَيْنَ اللغتين. الْجمع بَيْنَ اللغتين وَالْجمع بَيْنَ اللغتين كثير فِي كَلَام الْعَرَب، وَقد جَاءَ مِنْهُ فِي كتاب اللَّه عزَّ ذكره على تجَاوز واتصال، وتراح وانفصال، فَمن الْمُتَّصِل قَوْله: " فَمَهِّلِ الْكَافرين أمهلهم "، وَمن الْمُنْفَصِل قَوْله فِي السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الْأَنْفَال: " وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " على إِظْهَار التَّضْعِيف، وَفِي سُورَة الْحَشْر " وَمن يشاق إِلَى الله " بِالْإِدْغَامِ، وَمثله " فليملل وليه " عَلَى لُغَة من يَقُولُ: أمللت الْكتاب فَأَنا أملهُ، وَقَوله: " فَهِيَ تملي عَلَيْهِ "، من أمليته أمليه، وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْجمع بَيْنَ اللغتين: لَئِنْ فتنتني لهي بالْأَمْس أفتنت ... سعيدًا فَأَضْحَى قَدْ قَلَى كلّ مُسْلِم وَمن الْجمع بَيْنَ اللغتين قَول لبيد: سَقَى قَوْمِي بني مَجْدٍ وَأسْقَى ... عُمَيْرًا وَالْقَبَائِلَ مِنْ هِلالِ وَقَالَ آخر: يَا بن رُفَيع هَلْ لَهَا من مَغْبَقِ ... هَل أَن سَاقيهَا سقاك المسُقّي وَقرن بَعضهم بَيْنَ الْمَعْنيين فِي اللغتين فَقَالَ: سقيته أَي ناولته مَاء لشفته، وأسقيته إِذَا

стр. 17

جعلت لَهُ شربًا دَائِما، وَيُقَال أسقيته إِذَا دَعَوْت لَهُ بالسُّقيا. كَمَا قَالَ ذُو الرومة: وَقَفَتْ عَلَى ريعٍ لميَّةَ نَاقَتِي ... فَمَا زلتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأخاطبه وأسقيه حَتَّى كَاد ممّا أبثُّه ... تكلمني أحجاره وملاعبه وَيُقَال: سقيته فَشرب، وأسقيته جعلت لَهُ مَاء وسقيا. قَالَ الْخَلِيل: سقيته مثل كسوته وأسقيته مثل ألبسته، ولاستقصاء الْكَلَام فِي هَذَا وَفِي هَاتين اللغتين وَهل هما بِمَعْنى وَاحِد أَوْ بمعنيين، وَفِي مَا اخْتلف نسخ كتاب سِيبَوَيْهٍ فِيهِ من التَّفْسِير والتمييز لَهُ، وَفِي اخْتِلَاف الْقِرَاءَة بِمَا أَتَى مِنْهُ فِي مواضيع من الْقُرْآن مُتَّفق اللَّفْظ أَوْ مختلفُه فِي مَوَاضِع مُخْتَلفَة كَقَوْلِه: " نسقيكم مِمَّا فِي بطونها " بِالْفَتْح فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ من سَقَى يُسْقِي بِالضَّمِّ من لُغَة من قَالَ: أسْقَى يُسْقِي، وَفِي تَفْرِيق من فَرّق بَيْنَ الْقِرَاءَة فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَبَينهَا فِي قَوْله: " وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاماً " وَجمع من جمع فِي الْفَتْح وَالضَّم طولٌ يتَجَاوَز حدّ مَا قصدناه بكتابنا هَذَا وَبَيَانه فِي مَوَاضِع من كتبنَا فِي عُلُوم الْقُرْآن. معنى الْفِتْنَة وللفتنة وُجُوه مِنْهَا الصّرْف عَنِ الشَّيء وَمِنْه هَذَه الْكَلِمَة، وأفتنته مثل حزنته، وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أنَّ من قَالَ: فتنته أَرَادَ جعلت فِيهِ فتْنَة، وَمن قَالَ: أفتنته أَي جعلته فاتنًا، يُقَالُ وَفتن الرَّجُل فَهُوَ فاتن، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم الْخَلِيل أنَّكَ حَيْث قلت فتنته وحزَنته لَمْ تُرِدْ أنَّ تَقول جعلتُه دَاخِلا، وَلَكِنَّك أردْت أنَّ تَقول جعلتُ فِيهِ حُزْنًا وفتنة، فَقلت فتْنَة كَمَا قلت كحلته جعلت فِيهِ كُحلا، ودهنته جعلت فِيهِ دُهْنًا، وَقَالَ الْجرمي: سَمِعت أَبَا زَيْدُ يَقُولُ: حَزَنَني الْأَمر حُزْنًا وحَزْنا وَأَنا حَزِين ومَحْزون، وَهَذَا مثل: جريح ومجروح وقتيل ومقتول، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: كلهم يَقُولُ: أحزنني الْأَمر فَإِذا صَار إليَّ يفعل فَفِيهَا لُغَتَانِ، يَقُولُ قَوْمٍ: يحزنني عَلَى غَيْر قِيَاس، وَيَقُول قَوْمٍ: يحزنني عَلَى قِيَاس، وأمّا الْقُرَّاء فَلم يزدْ فِي هَذَا عَلَى أَن ذَكَرَ فِي حزن يحزن وأحزن يحزن لغتين. وَقد اخْتلفت الْقِرَاءَة فِي اللَّفْظ بِهَذِهِ الْكَلِمَة فِي الْقُرْآن، فَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي يقْرَأ لَا يحزنك الدَّين، وَإنَّهُ ليحزنك، وأيها الرَّسُول لَا يحزنك الدَّين، وَإِنِّي ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ، ويستمرّ عَلَى هَذَا فِي الْقُرْآن كُله إِلَّا فِي قَوْله: وَلَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر، فَإِنَّهُ يضم الْيَاء فِيهِ، وأمّا نَافِع فعلى عكس هَذَا الْمَذْهَب لأنَّه ضم مَا فَتحه أَبُو جَعْفَر فِي هَذَا الْبَاب وَفتح مَا ضمه، وَكَانَ ابْن مُحَيْصِن يضم ذَلِكَ كُله، وَكَانَ الْجُمْهُور من الْقُرَّاء بعده يفتحون الْجَمِيع وَفِي استقصاء هَذِه الْمَعْنى وَذكر مَا يتَّصل لَهُ لتفريق من فرق بَيْنَ بعضه وَبَين بَعْض، والاحتجاج فِيمَا اخْتلف المقرئون فِيهِ مَوَاضِع جمة من كتبنَا فِي عُلُوم الْقُرْآن، نأتي عَلَى الْبَيَان عَنْهُ إِن شَاءَ اللَّه .

стр. 18

من نزلت فِيهِ هَذِهِ الْآيَة حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عينة، عَن أبي سعد، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا " قَالَ: هُوَ رَجُلٌ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُ فِيهِنَّ مَا يَدْعُو بِهِ، وَكَانَ لَهُ امْرَأَةٌ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَكَانَ سَمِجَةً دَمِيمَةً، قَالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَعَا اللَّهَ لَهَا، فَلَمَّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِي بني إِسْرَائِيل أجمل مِنْهَا رَغِبَتْ عَنْ زَوْجِهَا وَأَرَادَتْ غَيْرَهُ، فَلَمَّا رَغِبَتْ عَنْهُ دَعَا اللَّهَ أَن يَجْعَلهَا كلبة نباحة، وَذَهَبت عَنهُ دَعْوَتَانِ، فَجَاءَ بَنُوهَا وَقَالُوا: لَيْسَ بِنَا عَلَى هَذَا صَبْرٌ أَنْ صَارَتْ أُمُّنَا كَلْبَةً نَبَّاحَةً يُعَيِّرُنَا النَّاسُ بِهَا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يردهَا إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلا، فَدَعَا اللَّهَ فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ فَذَهَبَ فِيهَا الدَّعَوَاتُ الثَّلاثُ فَسُمِّيَتِ الْبَسُوسَ وَقِيلَ: أَشْأَمُ مِنَ الْبَسُوسِ. قَالَ أَبُو الفَرَج: الْمَشْهُور عِنْدَ أَهْلَ السّير وَالْأَخْبَار أنَّ البسوس الَّتِي يُقَالُ من أجلهَا أشأم من البسوس، النَّاقة الَّتِي جرى فِيمَا جرى من أمرهَا حَرْب داحس والغبراء، وَالْمَعْرُوف من قَول جُمْهُور أَهْلَ التَّأْوِيل أنَّ قَوْله: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا " عَنَى بِهِ بلْعَم بْن بَاعُورَاء الَّذِي دَعَا للجبارين عَلَى مُوسَى وَبني إِسْرَائِيل، وَقَالَ بَعضهم: نزلت فِي أُميَّة بْن أبي الصَّلْت، وَلكُل وَاحِد من هذَيْن الَّذِي سميناهما حَدِيث طَوِيل وَقد جَاءَ الْخَبَر الَّذِي وَصفنَا مَا حكينا وَالله أعلم. وَفِي هَذَا الْخَبَر، قَالَ: وَكَانَت سمجة بِكَسْر الْمِيم مثل بطرة، وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَنِ الْعَرَب: رَجُل سَمْج بتسكين الْمِيم مثل سَمْح، وَقَالَ: فَقَالُوا: سميح كقبيح، قَالَ: وَلم يَقُولُوا سمح وَإِن كَانَت الْعَامَّة قَدْ أولعت بِهِ. وَقَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: يعيّرنا النّاس بهَا، الفصيح من كَلَام الْعَرَب: عيرت فلَانا كَذَا، وأمّا عيرته بِكَذَا فلغة مقصِّرة عَنِ الأولى فِي الاشتهار والفصاحة، وَإِن كَانَتْ هِيَ الْجَارِيَة عَلَى أَلْسِنَة الْعَامَّة، وَمن اللُّغَة الأولى قَول النَّابِغَة: وعَيّرتْنِي بَنو ذُبْيان رهبتهُ ... وهَلْ عليَّ بِأَن أخشاك من عَارِ وَقَالَ المتلمس: يُعيِّرني أميِّ رجالٌ وَلَا أرى ... أخَا كرمٍ إِلا بِأَن يَتَكرَّمَا وَقَالَ المقنّع الْكِنْديّ فِي اللُّغَة الْأُخْرَى: يعرني بِالدّينِ قومِي وَإِنَّمَا ... تدانيت فِي أشياءَ تكسبهمْ مَجدا أَقْوَال حكيمة عَنْ بَعْض الْعلمَاء والأعراب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَمه، قَالَ: سَمِعت

стр. 19

أَعْرَابِيًا يَقُولُ: فَوْتُ الْحَاجة خيرٌ من طلبَهَا من غَيْر أَهلهَا، قَالَ الْأَصْمَعِي: وَسمعت آخر يَقُولُ: حمْلُ الْمِنَن أثقلُ من الصَّبْر عَلَى العَدَم. قَالَ: وَسمعت آخر يَقُولُ: النزاهة أشرف من سرُور الْفَائِدَة، قَالَ: وَبَلغنِي أنَّ ابْن عَبَّاس يَقُولُ: كَمَا يتُوخى بالوديعة أَهْلَ الثِّقَة وَالْأَمَانَة فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يتوخى بِالْمَعْرُوفِ أَهْلَ الْوَفَاء وَالشُّكْر. قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: فِي هَذَا الْمَعْنى وَمَا يضاهيه وَمَا يُخَالِفهُ أَخْبَار وَكَلَام لَعَلَّنَا نأتي بِهِ فِيمَا يسْتَقْبل من كتَابنَا هَذِه إِن شَاءَ اللَّه. وأنشدنا ابْن دُرَيْد، قَالَ أنشدنا أَبُو حَاتِم رَأَيْتُ الدهرَ بالأحرارِ يَكْبُو ... وَيرفعُ رَايَةَ القَوْمِ اللِّئامِ كأنَّ الدهرَ موتورٌ حقودٌ ... فيطلبُ وِتْرَه عِنْدَ الْكِرَامِ قَالَ: وأنشدنا أَبُو حَاتِم أَيْضا: أَظنُّ الدَّهْر أَقْسَمَ ثُمَّ برَّا ... بِأَن لَا يكْسِبَ الأمْوَالَ حرَّا لَقَدْ قَعَد الزَّمانُ بكلِّ حرٍّ ... وَنَقّض من قواه مَا استمرا الْمجْلس الثَّالِث هَذَا فِي سَبِيل اللَّه حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ إِمْلاءً فِي يَوْمِ الأَحَدِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ الرَّبِيعِ الزِّيَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، فَقَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا يَمِينًا وَشِمَالا ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ " ثُمَّ قَرَأَ " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عَن سَبيله ". قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: وَهذا القَوْل من النَّبيّ ﷺ والتمثيل من أبين الْأَقْوَال البليغة وأفصحها، وأرصن الْأَمْثَال البليغة المضروبة الصَّحِيحَة وأوضحها، وَذَلِكَ أَنه خطّ خَطًّا جعله مثل الصِّرَاط فِي استقامته إِذْ لَا زيغ فِيه وَلَا ميل، ثُمَّ خطّ خُطُوطًا يمنة وشأمة آخذة فِي غَيْر سَمْته وجهته، تفرَّق بِمن سلكها واتبعها عَنِ السَّبِيل الَّتِي هِيَ سَبِيل الْهدى، والنجاة من مُرْديات الْهوى، وَبِهَذَا جَاءَ وحيُ الله وتنزيله فِي كِتَابه الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه، قَالَ: جَلَّ ذكره: " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ " فدلّ هَذَا عَلَى مثل مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الَّتِي تَلَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَبَر الَّذِي روينَاهُ فَقَالَ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء " وَقَالَ: " فتقطعوا

стр. 20

أَمرهم بَينهم زمراً كُلُّ حِزْبٍ، بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " فِي كثير ممّا يضاهي هَذَا الْمَعْنى، والسبيل الطَّرِيق. وَقَول النَّبيّ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر حِين خطّ الْخط " هَذَا سَبِيل اللَّه " يحْتَمل أَن يكون إِشَارَة إِلَى الْخط فَذَكَرَ، إِذْ الخطُّ مُذَكّر، وَجَائِز أَن تكون الإِشارة فِيهِ إِلَى السَّبِيل فَذكره إِذْ الْعَرَب تذكِّر السَّبِيل وتؤنثه، وَقد جَاءَ التَّنْزِيل باللغتين، على أَن مِنْهُ من يذكر الطَّرِيق وَمِنْهُم من يؤنثه وَكَذَلِكَ الصِّرَاط، قَالَ فِي التَّذْكِير: " وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يتخذوه سَبِيلا " وَذكر أَنَّهَا فِي قِرَاءَة أُبَيِّ بْن كَعْب لَا يتخذها ويتخذها بالتأنيث وَقَالَ فِي التَّأْنِيث: " وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ "، وَقَالَ: " قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة " والتذكير والتأنيث كثيرٌ مَوْجُود فِي الْكتاب وَالسّنة كَقَوْل النَّبيّ ﷺ " لَوْلَا أَنَّهُ سَبيلٌ آتٍ وَحَتْمٌ مَقْضِيّ " وَفِي أشعار الْعَرَب وَسَائِر كَلَامهَا، والتأنيث أَكثر، وَأنْشد أَبُو عُبَيْدة: فَلا تَجْزَعْ فكلُّ فَتَى أناسٍ ... سَيُصْبِحُ سَالِكًا تِلْكَ السّبِيلا وأمّا قَول الله " ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين " فقد أَتَت القراءةُ فِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ مَعًا، أَعنِي التَّذْكِير والتأنيث، فَكَانَ من قَرَأَ بالتأنيث الحسنُ وَمُجاهد وَعبد اللَّه بْن كثير وَعبد اللَّه بْن عَامر وَأَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء وَأَبُو الْمُنْذر سَلام بْن الْمُنْذر، وَيَعْقُوب الحَضْرمي وَقَرَأَ ذَلِكَ بالتذكير الأَعْمَشُ وَعَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ وَعبد الرَّحْمَن بْن هُرْمز الْأَعْرَج وَشَيْبَة وَنَافِع " وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرمين " أَي لتتبينها يَا أَيهَا النَّبِي وتستوضحها، وَالتَّاء فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة للمخاطبة وَلَا دلَالَة فِيهَا عَلَى تذكير وَلَا تَأْنِيث، والسبيل مَنْصُوبَة بِالْفِعْلِ، وَقد اخْتلفت الْقِرَاءَة أَيْضا فِي كسر " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا " وَفتحهَا وتخفيفها وتشديدها وَفتح الْيَاء من صِرَاطِي وإسكانها، فَقَرَأَ بِكُل وَجه من هَذِهِ الْوُجُوه أئمةٌ من قراء الْأَئِمَّة، فَمن قَرَأَ وَأَن هَذَا بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد فِي أنَّ وصراطي بِإِسْكَان الْيَاء أَبُو جَعْفَر وَابْن هُرْمُز الْأَعْرَج وَشَيْبَة وَنَافِع وَعَاصِم وَأَبُو عَمْرو، وَمِمَّنْ قَرَأَ بِكَسْر إِن وتشديدها وتسكين يَاء صِرَاطِي عَبْد اللَّه الأَعْمَشُ، وَطَلْحَة بْن مصرف وَالْكسَائِيّ عَلَى الِابْتِدَاء، وَمِمَّنْ قَرَأَ بِفَتْح الْهمزَة وتخفيفها وَفتح يَاء صِرَاطِي عَبْد اللَّه بْن أبي إِسْحَاق الحضرميّ وَعبد اللَّه بْن عَامر وَقَرَأَ أَبُو الْمُنْذر سَلام: وأنّ بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد وصراطيَ بِفَتْح الْيَاء، وَقَرَأَ وَأَن بِالْفَتْح والإسكان لياء الصراطي يَعْقُوب الحضْرميّ. قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج وبهذه الْقِرَاءَة أَقرَأ، وهين وَسَائِر مَا قدمنَا ذكره من الْقرَاءَات فِي هَذِهِ الْآيَة صَوَاب عندنَا صَحِيح مَعْنَاهُ لدينا، وَقد تقْرَأ بِهِ وتراه مُسْتَقِيمًا حَسَنًا فِي مَعْنَاهُ وَلَفظه، وَترى مختاري الْقِرَاءَة بِهِ مصيبين، ولسبيل الْحق متبعين، وَبِاللَّهِ ذِي الطول وَالْقُوَّة والحول نستعين. عزل الحَجَّاج بْن يُوسُف عَنِ الْحَرَمَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: وحَدثني مُحَمَّد بْن يحيى،

стр. 21

قَالَ: حَدثنِي عمرَان بن عد الْعَزِيز بْن عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيّ قَالَ: لمّا وَلِي الحَجَّاج بن يُوسُف الْحَرَمَيْنِ، بعد قتل عبد الله بن الزبير استحضر إِبْرَاهِيم بن طَلْحَة بن عبيد الله وقربه فِي الْمنزلَة فَلم يزل على حَاله عِنْده، حَتَّى خرج إِلَى عبد الْملك زَائِرًا لَهُ فَخرج مَعَه فعادله لَا يتركُ فِي بره وإجلاله وتعظيمه شَيْئا، فَلَمّا حضر بَاب عَبْد الْملك حضر بِهِ مَعَه، فَدخل عَلَى عَبْد الْملك فَلم يبْدَأ بِشَيْء بَعْدَ السّلام إِلَّا أنَّ قَالَ: قدمت عَلَيْكَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِرَجُل الْحجاز، لَمْ أدع لَهُ وَالله فِيهَا نظيرًا فِي كَمَال الْمُرُوءَة وَالْأَدب والديانة، وَمن السّتْر وَحسن الْمَذْهَب وَالطَّاعَة والنصيحة، مَعَ الْقَرَابَة وَوُجُوب الْحق: إِبْرَاهِيم بْن طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه وَقد أحضرتُه بابك لتسهّل عَلَيْهِ إذنك وتلقاه ببشرك وَتفعل مَا تفعل بِمِثْلِهِ مِمَّن كَانَتْ مذاهبه مثل مذاهبه، فَقَالَ عَبْد الْملك: ذَكّرَتْنا حَقًّا وَاجِبا ورحما قَرِيبا، يَا غُلَام ائْذَنْ لإِبْرَاهِيم بْن طَلْحَة، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قرّبه حَتَّى أجلسه عَلَى فرشه، ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا ابْن طَلْحَة! إنَّ أَبَا مُحَمَّد أذْكرنا مَا لَمْ نَزَلْ نعرفك بِهِ من الْفضل وَالْأَدب وَحسن الْمَذْهَب، مَعَ قرَابَة الرَّحِم وَوُجُوب الْحق، فَلا تَدَعَنَّ حَاجَة فِي خاصِّ أَمرك وَلَا عامّته إِلَّا ذكرتها، قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إنَّ أولى الْأُمُور أنَّ تفتتح بهَا حوائج وترجى بهَا الزُّلف مَا كَانَ لله رضَا، ولحقّ نبيه ﷺ أَدَاء، وَلَك فِيهِ ولجماعة الْمُسلمين نصيحة، وَإِن عِنْدِي نصيحة لَا أجد بدًّا من ذكرهَا وَلَا يكون البوح بهَا إِلَّا وَأَنا خَال، فأخْلنِي تَردُ عَلَيْكَ نصيحتي، قَالَ: دون أبي مُحَمَّد؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُم يَا حجّاج، فَلَمّا جَاوز السّتْر قَالَ: قل يَا بن طَلْحَة نصيحتك، قَالَ: الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: اللَّه، قَالَ: إِنَّك عَمَدت إِلَى الحَجَّاج مَعَ تغطرسه وتعترسه، وتعجرفه وَبعده عَنِ الْحق وركونه إِلَى الْبَاطِل، فوليته الْحَرَمَيْنِ، وَفِيهِمَا من فيهمَا، وَبِهِمَا من بهما من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، والموالي المنتسبة الأخيار، أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأَبْنَاء الصَّحَابَة، يسومهم الْخَسْف، ويقودهم بالعسف، وَيحكم فيهم بِغَيْر السّنة، ويطؤهم بطغام أَهْلَ الشَّام، ورعاع لَا روية لَهُمْ فِي إِقَامَة حق، وَلَا إزاحة بَاطِل، ثُمَّ ظننتَ أنَّ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنك وَبَين اللَّه يُنجيك، وَفِيمَا بَيْنك وَبَين رَسُول اللَّهِ ﷺ يخلصك إِذَا جاثاك للخصومة فِي أمته، أما وَالله لَا تنجو إِلَّا بِحجَّة تقيمن لَك النجَاة، فابق عَلَى نَفسك أَوْ دع، فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ : " كُلّكُمْ راعٍ وَكُلكم مَسْئولٌ عَنْ رَعيته " فَاسْتَوَى عَبْد الْملك جَالِسا وَكَانَ مُتكئا، فَقَالَ: كذبت - لعَمْرو اللَّه - ومنْتَ وَلُؤُمت فِيمَا جئتَ بِهِ، قَدْ ظنَّ بك الحَجَّاج مَا لَمْ يجد فِيك، وَرُبمَا ظُنَّ الْخَيْر بِغَيْر أَهله، قُم فَأَنت الْكَاذِب المائن الْحَاسِد، قَالَ: فَقُمْت وَالله مَا أبْصر طَرِيقا، فَلَمّا خلّفت السّتْر لَحِقَنِي لاحقٌ من قبله، فَقَالَ للحاجب: احْبِسْ هَذَا، أَدخل أَبَا مُحَمَّد للحجاج، فَلَبثت مَلِيًّا لَا أَشك أَنَّهُمَا فِي أَمْرِي، ثُمَّ خرج الْآذِن فَقَالَ: قُم يَا ابْن طَلْحَة فَادْخُلْ، فَلَمّا كُشِفَ لِيَ السِّتر لَقِيَنِي الحَجَّاج وَأَنا دَاخل وَهُوَ خَارج فاعتنقني وَقبل مَا بَيْنَ عَيْني، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جزى

стр. 22

الله المتحابين بِفضل تواصلهم فجازاك الله أفضل مَا جزى بِهِ أَخا، فوَاللَّه لَئِن سلمتُ لَك لأرفعنَّ ناظرك، ولأعْلِيَنّ كعبك، ولأتبعَنّ الرِّجَال غُبار قدمك، قَالَ: فَقلت: يَهْزأ بِي، فَلَمّا وصلتُ إِلَى عَبْد الْملك أدناني حَتَّى أجلسني مجلسي الأوّل، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْن طَلْحَة لَعَلَّ أحد من النّاس شاركك فِي نصيحتك؛ قَالَ: قلت: لَا وَالله، وَلَا أعلم أحدا كَانَ أظهر عِنْدِي مَعْرُوفا وَلَا أوضح يدا من الحَجَّاج، وَلَو كنت محابيًا أحدا بديني لَكَانَ هُوَ، وَلَكِن آثرت اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالْمُسْلِمين، فَقَالَ: قَدْ علمت أنَّكَ آثرت اللَّه ، وَلَو أردْت الدُّنْيَا لَكَانَ لَك بالحجاج أمل، وَقد أزلتُ الحَجَّاج عَنِ الْحَرَمَيْنِ لمّا كرهتُ من ولَايَته عَلَيْهِمَا، وأعلمته أنَّكَ استنزلتني لَهُ عَنْهُمَا استصغارًا لَهما، ووليته العراقين لما هُنَا من الْأُمُور الَّتِي لَا يَرْحَضُها إِلَّا مثله، وأعلمته أنَّكَ استدعيتني إِلَى التَّوْلِيَة لَهُ عَلَيْهِمَا استزادة لَهُ ليلزمه من ذِمَامك مَا يُؤدي بِهِ عني إِلَيْكَ أجر نصيحتك، فَاخْرُج مَعَه فَإنَّك غَيْر ذامٍّ صحبته مَعَ تقريظه إياك ويدك عِنْدَهُ، قَالَ: فخرجتُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَة. قَالَ أَبُو بَكْر بْن أبي الْأَزْهَر: يَرْحَضُها يَعْنِي يغسلهَا، قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: الرحض: الْغسْل، وَمِنْه سميت الأخلية المراحيض، وَجَاء فِي خبر عَنْ عَائِشَةَ ﵂، ذكرت فِيهِ الْخُرُوج إِلَى الْأَقْضِيَة للْحَاجة وَذَلِكَ قَبْلَ أَن يتَّخذ النّاس المراحيض، وَمن ذَلِكَ مَا روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ وَقد سُئِلَ عَنِ الطَّبْخ فِي قدور الْمُشْركين " أرْحِضُوها بِالْمَاءِ: وَمن ذَلِكَ الرُّحَضَاء فِي الْحمى وَذَلِكَ حِين يعرق صَاحبهَا، كَمَا قيل فِيهَا الثُّؤَبَاء من التثاؤب، والْمُطَواء من التمطي، والْعُرُواء إِذَا أعرت، من قَوْلهم عر يعرو، وَقيل لَهَا رُحَضَاء إِمَّا لِأَن العَرَق مؤذِنٌ بانصرافها فَكَأَنَّهُ أماطها وغسلها، وَإِمَّا لِأَن المحموم إِذا عرق شبه بالمغتسل بِالْمَاءِ، وَقَول عَبْد الْملك لإِبْرَاهِيم بْن طَلْحَة فِي هَذَا الْخَبَر: أعلمتَ الحَجَّاج فِي موضِعين، كَلَام غير خَارج على طَرِيق الصِّحَّة وَالتَّحْقِيق، وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْلَام هُوَ إِلْقَاء الشَّيء الصَّحِيح الَّذِي يَقع بِمِثْلِهِ الْعِلْم للملقَى إِلَيْهِ، فَأَما مَا لَا حَقِيقَة لَهُ فَلا يُقَالُ أعلمت أحدا بِهِ، وَلَو كَانَ أخبرتُه مَكَان أعلمته لَكَانَ الْكَلَام مُسْتَقِيمًا، لِأَن الْمعلم لَا يكون إِلَّا محقًا، والْمُخْبر قَدْ يكون محقًّا ومبطلا، أَلا ترى أنَّ رَجُلا لَوْ قَالَ لعبيده: من أعلمني مِنْكُمْ بقدوم زَيْدُ فَهُوَ حُرّ، فَقَالَ لَهُ قَائِل مِنْهُم: قَدْ قَدِمَ زَيْدُ وَهُوَ كَاذِب، لَمْ يعْتق، وَلَو كَانَ قَالَ: من أَخْبرنِي مَكَان من أعلمني لعتق هَذَا الْمخبر، وَكَذَلِكَ لَوْ أخبرهُ مخبر بِهَذَا مِنْهُم بَعْدَ أَن يقوم الْعلم لَهُ لَمْ يعْتق، لِاسْتِحَالَة إِعْلَام من قَدْ عَلَمُ، وَلَو أخبرهُ لعتق لصِحَّة إِخْبَار الْمخبر بِمَا كَانَ قد أخبر بِهِ. عُمَر ﵁ يتَمَثَّل بِشعر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة، عَنْ يُونُس، قَالَ: جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف إِلَى بَاب عُمَر بْن الخَطَّاب فَسَمعهُ وَهُوَ يتَمَثَّل فِي بَيته: وَكَيف مُقَامِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا ... قضى وطراً مِنْهَا جَمِيلُ بْن مَعْمَرِ

стр. 23

قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: ويروي كَيْفَ ثُوائي بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا يرفأ! من بِالْبَابِ؟ قَالَ: عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف، قَالَ: ادْخِله، فَلَمّا دَخَلَ قَالَ: أسمعت؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنّا إِذَا خلونا فِي مَنَازلنَا قُلْنَا مَا يَقُولُ النّاس. قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: هَذَا جميل بن مُعَمَّر الْجُمَحي من مَسْلَمَة الْفَتْح، قُتل عَلَى عهد عُمَر، وَلَيْسَ بجميلِ بْن عَبْد اللَّه بْن مُعَمَّر الْعُذري الشَّاعِر. كَلِمَات مأثورة حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، حَدَّثَنَا حريز بن أَحْمد بن داؤد، قَالَ سَمِعت الْعَبَّاس بْن الْمَأْمُون قَالَ: سَمِعت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون يَقُولُ: قَالَ لي عليّ بْن مُوسَى الرِّضَا: ثلاثةٌ توكّل بهَا ثَلَاثَة، تحاملُ الْأَيَّام عَلَى ذَوي الأدوات الْكَامِلَة، واستيلاء الحرمان على الْمُقدم فِي صَنعته، ومعادة الْعَوَامِّ لأهل الْمعرفَة. من زَهْد رجال الحَدِيث حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن قَاسم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مَسْروق الْكِنْدي الْكُوفِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن الْمُنْذر الْكِنْديّ - قَالَ: وَكَانَ جارًا لعبد اللَّه بْن إِدْرِيس قَالَ: حج الرشيد وَمَعَهُ الْأمين والمأمون فَدخل الْكُوفَة فَقَالَ لأبي يُوسُف: قل للمحدثين يَأْتُونَا يحدثونا، فَلم يتَخَلَّف عَنْهُ من شُيُوخ الْكُوفَة إِلَّا اثْنَان عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس وَعِيسَى بْن يُونُس، فَركب الْأمين والمأمون على عبد الله بن إِدْرِيس فحدثهما بِمِائَة حَدِيث، فَقَالَ الْمَأْمُون لعبد اللَّه: يَا عَمِّ! أتأذنُ لي أَن أعيدها عَلَيْك وَمن حِفْظِي؟ قَالَ: افْعَل، فَأَعَادَهَا كَمَا سَمعهَا فَكَانَ ابنُ إِدْرِيس من أهل الْحِفْظ يَقُول: لَولَا أنّني أخْشَى أَن ينفلتَ مني الْقُرْآن مَا رويتُ الْعلم، يعجب عَبْد اللَّه من حفظ الْمَأْمُون، وَقَالَ الْمَأْمُون: يَا عَمِّ! إِلَى جنب مسجدك دارٌ إِن أَذِنت لَنَا اشتريناها ووسعنا بهَا المَسْجِد، فَقَالَ: مَا بِي إِلَى هَذَا حَاجَة قَدْ أَجْزَأَ من كَانَ قبلي وَهُوَ يُجْزِئُنِي، فَنظر إِلَى قرح فِي ذِرَاع الشَّيْخ فَقَالَ: إِن مَعَنَا متطبين وأدوية، أتأذن لي أَن يجيئك من يعالجك؟ قَالَ: لَا، قَدْ ظهر بِي مثل هَذَا وبَرَأ، فَأمر لَهُ بِمَال وجائزة فَأبى أَن يقبلهَا وَصَارَ إِلَى عِيسَى بْن يُونُس فحدثهما، فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَأبى أَن يقبلهَا فَظن أَنه استقلها، فَأمر لَهُ بِعشْرين ألفا، فَقَالَ عِيسَى: لَا وَلَا إهليلجة وَلَا شربة مَاء عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَلَو مَلَأت لي هَذَا المَسْجِد ذَهَبًا إِلَى السّقف، فانصرفا من عِنْدِهِ. من الشّعْر الْحَكِيم حَدَّثَنَا القَاسِم بْن دَاوُد بْن سُلَيْمَان أَبُو ذرّ القراطيسي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن: إِذَا لَمْ تتسامحْ بالأمور تعقدتْ ... عَلَيْكَ فسامحْ وامزج الْعُسْر بالْيُسْرِ فَلم أرَ أوقى للبلاءِ من التُّقَى ... وَلم أر للمكروه أشفى من الصَّبْرِ

стр. 24

الْمجْلس الرَّابِع إِن من الشّعْر حكما حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَق بْنِ بُهْلُولٍ إِمْلاءً فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وَإِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ " مَذْهَب للمؤلف فِي الصَّغِير قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: هَذَا الْبَيْت الَّذِي حَكَاهُ النَّبيّ ﷺ عَنْ قَائِله من الشُّعَرَاء هُوَ للبيد بْن ربيعَة، افْتتح بِهِ كلمة فَقَالَ فِي أَولهَا: أَلا كُلُّ شيءٍ مَا خَلا اللَّهُ بَاطلُ ... وكلُّ نُعَيْم لَا محالةَ زائلُ وَبعده: وكلُّ أناسٍ سَوف تدخلُ بَينهم ... دويْهيةٌ تصفرُّ مِنْهَا الأنامل وَقد روى أنَّ عُثْمَان رضوَان اللَّه عَلَيْهِ، لمّا سمع قَوْله: وكل نُعَيْم لَا محَالة زائل، قَالَ كذب، نُعَيْم أَهْلَ الْجنَّة لَا يَزُول، وَهَذَا القَوْل من عُثْمَان يدل عَلَى أنَّ مَذْهَب الْقَوْم فِي الْعُمُوم هُوَ جارٍ فِي لغتهم عَلَى الشُّمُول عِنْدَ تجرده واستغراق الْجِنْس بِإِطْلَاق لَفظه. وأمّا قَول لبيد فِي الْبَيْت الآخر: دُويهية عَلَى التصغير، فَمن النّاس من يَقُولُ هُوَ تصغيرٌ مَعْنَاهُ التَّكْبِير، وجعلهُ مثبتو الأضداد فِي اللُّغَة من الأضداد، وَقَالَ بَعضهم: بل هُوَ عَلَى تصغيره، وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصَّغِير مِنْهُ يبلغ هَذِه الْمبلغ، ويؤثر هَذِه الْأَثر فكبيره أعظم وأبلغ، وَلِي فِي هَذَا مَذْهَب استخرجته بنظري، وَمَا علمت أحدا سبقني إِلَيْهِ وَلَا تقدَّمني فِيهِ، وَلَكِن اللَّه الَّذِي يُؤْتي الْحِكْمَة من يَشَاء نبهني عَلَيْهِ، وَهُوَ أنَّ الِاسْم المصغر فِي ذَاته وَقلة أَجْزَائِهِ فالْحُجَيرة الصَّغِيرَة الَّتِي لَيْسَ حجرَة كَبِيرَة، وأمّا الْمُتَعَلّق بِشَيْء يسير فكقولك: أَتَيْتُك قُبيل الْعَصْر أَوْ بُعيد الْفجْر، فَتبين أنَّ الْمُتَقَدّم من الزَّمَان فِي قَوْلك قبيل يسير قَلِيل، والمتأخر مِنْهُ فِي قَوْلك بعيد قصير لَيْسَ بطويل، وَنَحْو هَذَا قديديمة وريئة فِي قُدَّام ووراء يجْرِي الْأَمر فِيهِ من جِهَة الْأَمْكِنَة مجْرَاه فِيمَا قدمْنَاهُ من بَاب الْأَزْمِنَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر: قديديمةُ التّجريبِ والحْلمِ أنّني ... أرى غفلاتِ العيشِ قَبلَ التّجارِبِ فَظن من قَالَ إنَّ التصغير فِي هَذَا الْبَاب تَكْبِير لمّا رَأَى أنَّ الْقَصْد من قَائِله الْإِشْعَار بِأَمْر عَظِيم وخَطْب كَبِير جسيم، وَلَو تَأمل هَذَا الظانُّ الأمرَ فِي هَذَا لبان لَهُ أنَّ الصّغير عَلَى صغره، فَإِنَّهُ نتج كَبِيرا وَأدّى إِلَيْهِ عَظِيما فِي نَفعه أَوْ ضَرَره، وكل وَاحِد من الْأَمريْنِ عَلَى حَقِيقَته فِي نَفسه، وخصوصيته فِي جنسه، فالدُّوَيْهِية هُنَا صَغِيرَة جَرَّت أمرا كَبِيرا، كَمَا قَالَ: ربَّ كبيرٍ هَاجهُ صغيرٌ ... وَفِي البُحُور تغرقُ النُّحورُ

стр. 25

وَقَول الْقَائِل من الْمُحدثين: لَا تحقرنَّ سُبَيْبًا ... كم جَرَّ أمرا سُبَيْبُ وَكَانَ بَعْض من يتعاطى الْأَدَب، ويدأب فِي طلب الْمعَانِي واستنباط لطيفها سمع مني معنى مَا ذكرته فِي هَذَا الْفَصْل، بَعْدَ أنَّ طعن على من قدمت لَهُ الْحِكَايَة عَنْهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَقَالَ: كَيْفَ يكون الصّغير كَبِيرا؟ وَإِذا جَازَ هَذِه جَازَ مِنْهُ أَن يَصح قَول من قَالَ: الدَّاء هُوَ الدَّوَاء السقم هُوَ الشِّفَاء، وَهَذَا ممّا عبرت عَنْ مَعْنَاهُ بلفظي دون لفظ الْمُتَكَلّم بِهِ، لأنني لَمْ أصمد لحفظه، وَلِأَنَّهُ كَانَ غَيْر بليغ فِي نَفسه وَلَا مُسْتَقِيم فِي ترتيبه، فجليت مَعْنَاهُ بِلَفْظ لَمْ آل فِي إيضاحه وتهذيبه. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: إِن الَّذِي اجتبيتُه فِي هَذَا غَيْر مُخَالف لِلْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي قَدَّمْتَ حكايته عَنْ قَائِله، فَكَانَ من جوابي لهَذَا الْقَائِل أَن قلت لَهُ: إِن الْفرق بَيْنَ قولي وَقَول من رغبت عَنْ قَوْله وتسبقني إِلَى مُوَافَقَته، أنَّ هَذَا الَّذِي حكيت قَوْله، يزْعم أنَّ الصّغير الْمَذْكُور إِذَا جر إِلَى ضَرَر فكبيره أبلغ فِي الضَّرَر مِنْهُ، وَأَنا ذهبت إِلَى أنَّ هَذَا التصغير يُؤثر تَأْثِيرا كَبِيرا من حَيْث كَانَ جنسه يُؤثر نفعا أَوْ ضُرًّا بكيفيته دون كميته، وَضربت لهَذَا الْمُخَاطب مثلا قربت هَذا الْفَصْل عينه حِين بَعْدَ عَنهُ إِدْرَاكه، إِذَ كَانَ الْفرق بَيْنَ هذَيْن الْقَوْلَيْنِ لطيفًا جدا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا من بَعْض الْوُجُوه تناسب وَشبه تقَارب. فَقلت لَهُ: لمّا كَانَ من الْأَشْيَاء مَا يكون عِنْدَ قَلِيل أَجْزَائِهِ مَنْفَعَة جسيمة أَوْ مضرَّة عَظِيمَة، كالدرياق والسم بولغ فِي الْعبارَة عَنِ الْمَنَافِع بهَا لاشتهار هَذَا الْمَعْنى، كَقَوْل الْحُبَابِ بْن الْمُنْذر: " أَنَا جُذَيْلُها الْمُحَكّك وعُذَيْقها الْمُرَجّب "، وَفِي الْإِخْبَار عَنِ الْجِنْس الضار قَول لبيد: دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل، وَجُمْلَة الْفَصْل بَيْنَ قولي وَقَول من خالفته وتوهمت أَنِّي وافقته أَنَّهُ عني بالكمية وعنيت بالكيفية، وَقد يكون من الْأَشْيَاء مَا يُؤثر قَلِيله، وينتفي تَأْثِيره عَنْ كبيره، كالجروراء من الْحَيَّات والصرد والقرقس والبعوض من الْجِنْس الْوَاحِد، وكنوع من الْحَيَّات ذَوَات الْأَجْسَام اللطيفة وعظيم ضررها، وقُصور الْحَيَّة الْكَبِيرَة الْمُسَمَّاة الحَفّاث فِي ذَلِكَ عَنْهَا وَإِن كَانَتْ أعظم خلقا وأشنع منْظرًا، وَقد قَالَ أَهْلَ الْعلم بصناعة الطِّبّ: إِن السقمونيا ينْتَفع بتناول مِقْدَار فِيهِ يسيرٌ ذَكرُوهُ، ويقاربه فِي النَّفْع والضر مَا قاربه من الْأَجْزَاء فِي الْمبلغ وَالْقدر، وَأَنه إِذَا بلغ من الْكَثْرَة مِقْدَارًا متفاوتًا لَمْ يَضْرُر كَبِير ضَرَر، وَلم يظْهر فِي أَخذه مَا يظْهر بتناول قَلِيله من الْأَثر فِي نفع وَلَا ضَرَر، وَلَقَد حَدَّثَنِي بَعْض متفقهي الْقُضَاة أنَّ قوما دسوا كثيرا من السقمونيا فِي بَعْض المطاعم الحلوة لرجل كَانُوا يعاشرونه، وَكَانَ مَعْرُوفا بِكَثْرَة الْأكل، وَأَنه أكل جَمِيعه وَانْصَرف عَنْهُمْ، فَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُم، وَأَشْفَقُوا على هَذِه الرجل، وَعَلمُوا عَلَى الفحص عَنْ أمره واستعلام خَبره، فَجَاءَهُمْ يتأوه وَيَقُول لَهُمْ: أَي شَيْءٍ أطعمتموني فقد عرض لي قَوْلُنَج بَرّح بِي. وأمّا قَول هَذَا الْمُخَاطب لي:

стр. 26

كَيْفَ يكون الدَّاء دَوَاء والسقم شِفَاء؟ فَإِن هَذَا قَدْ يُوجد معنى وَيسْتَعْمل لفظا، وَقد ظهر لعامة النّاس وخاصتهم أنَّ الدَّاء الْمُسَمّى خمار الْعَارِض عَن الشَّرَاب الْمُسكر يشفى مِنْهُ شرب شَيْءٍ ممّا تولد الْخمار عَنْهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وصَرْعَةِ مخمورٍ رفعت بقرقفٍ ... وَقد صرعتَني قَبْلَ ذَلِكَ قرقفُ فَقَامَ يداوي صرعتي متعطفًا ... وَكنت عَلَيْهِ قبلهَا أتعطف يموتُ ويحيا تَارَة بَعْدَ تَارَة ... وتُتلفنا هَذِي المدام وتخلف إِذَا مَا تسلقنا من الكأس سلوة ... تقاضى الْكرَى مِنْهَا الَّذِي نتسلف وَقَالَ آخر: تداويتُ من لَيْلَى بليلي من الْهوى ... كَمَا يَتَدَاوى شاربُ الخمرِ بالخَمْرِ وَقَالَ أَبُو نواس: دع عَنْكَ لومي فَإِن اللومِ إغراءُ ... ودَاوِني بِالَّتِي كانتْ هِيَ الدَّاء أَخذه من قَول الْأَعْشَى: وكأسٍ شربتُ عَلَى لَذّةٍ ... وَأُخْرَى تداويتُ مِنْهَا بهَا لكَي يعلمَ الناسُ أَنِّي امرؤٌ ... أتيتُ الْمَعيشَة من بَابهَا وَقَالَ جرير: يَرْمِين من خلَلِ السُّتور بأعينٍ ... فِيهَا السِّقام وبُرْءُ كلِّ سقيمِ وَكنت فِي الحداثة أنشأت كلمة مسمطة عَلَى نَحْو قصيدة مدرك الشَّيْبَانيّ فِي عَمْرو النَّصْرَانِي فَكَانَ ممّا ذكرتُه فِي كلمتي هَذِهِ عِنْدَ صفة عين إِنْسَان نَعته ونسبتُ الْكَلِمَة بِهِ: سُقم أَوَى أحسن عين تطرفُ ... تَقْوى بِهِ والقلوبُ تُضْعِفُ كالسم فِي الأفعى تَقِي وتحتفُ ... تَحْيا بِهِ وبالنفوس تتْلف ثُمَّ قلت: دواءُ من أقصده بسُقمه ... تكراره نَحْو مَرَامي سهمهِ كالأفعوان يُشْتفى من سُمِّهِ ... بشُرب درياقِ كربهِ لَحْمِهِ وَقلت أَيْضا من كَلمته: وشفائي بسقم مُقْلة ظبيٍ ... قَدَّ قلبِي مِنْهُ بِأَحْسَن قَدِّ سُقمها لي شفاءُ دائِي إِذا ... جَادَتْ وداءٌ إِذَا تصدَّتْ لصدِّ وَأَنا أسْتَغْفر اللَّه من مساكنة مَا يشغل عَنْ عِبَادَته، وَمِمَّا يضارع مَا وَصفنَا فِي هَذَا الْفَصْل من وَجه، قَول ابْن الرُّومِي: عَيْني لعينك تُبْصِرُ مقتلُ ... لكنّ عينكَ سَهْمُ حتفٍ مُرْسَلُ وَمن العجائِبِ أنَّ مَعْنىً وَاحِدًا ... هُوَ مِنْك سهمٌ وَهُوَ مِنِّي مقتل

стр. 27

وَلَيْسَ بمنكر أَن يكون الشَّيء يُدْوِي شَيْئا وَيُدَاوِي غَيره، وَينْتَفع بِهِ فِي بَعْض ويستضر فِي بَعْض. وَهَذَا أفشى وَأكْثر وَأبين وَأظْهر من أَنْ نحتاج إِلَى الإطناب فِي شَرحه وَضرب الْأَمْثَال لَهُ، وَقد حُكيَ ممّا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب أنَّ بَعْض المترفين أسَفّ إِلَى طَريقَة المتصوفة، واستشرف لصحبتهم والاختلاط بهم وملابستهم، فَشَاور فِي هَذَا بَعْض مشيختهم فردّه عَمَّا تشوف إِلَيْهِ من هَذَا وحذّره من التَّعَرُّض لَهُ. فَأَبت نَفسه إِلَّا إِجَابَة مَا جذبته الدَّوَاعِي إِلَيْهِ وعطفته الخواطر عَلَيْهِ، فَمَال إِلَى فريق من هَذِهِ الطَّائِفَة فعلق بهم واتصل بجلتهم، ثُمَّ صحب جمَاعَة مِنْهُم مُتَوَجها إِلَى الْحَج فعِجز فِي بَعْض الطَّرِيق عَنْ مسايرتهم وَقصر عَنِ اللحاق بهم فَمَضَوْا وتخلّف عَنْهُمْ، واستند إِلَى بَعْض الأميال إِرَادَة الاسْتِرَاحَة من الإعياء من الكلال، فَمر بِهِ الشَّيْخ الَّذِي شاوره فِيما حصل فِيهِ قَبْلَ أَن يتسنّمه فَنَهَاهُ عَنْهُ، وحذره مِنْهُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْخ مُخَاطبا لَهُ يَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ بخيرٍ كنتَ تذكرُهُمْ ... قَضَوا عَلَيْكَ وعنهم كنتُ أنهاكا فَقَالَ لَهُ: فَمَا أصنع الْآن؟ فَقَالَ لَهُ: لَا تَطْلُبَنَّ حَيَاة عِنْدَ غيرهمُ ... فَلَيْسَ يُحييك إِلَّا مَنْ توفاكا واستقصاء هَذَا الْبَاب وَمَا يضاهيه ويتشعب مِنْهُ يطول، وَلَا يَلِيق بِهَذَا الْمجْلس الزِّيَادَة عَلَيْهِ، وَقد يتَّجه فِي التصغير أَن يكون أَتَى بِهِ تَنْبِيها عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَأْتِي صَغِيرا ثُمَّ ينمى فَيصير كبيراًن أَوْ أَن يضامّه غَيره فَيصير قَلِيله كثيرا، كَمَا قيل: ربّ كَبِير هاجه صغيرُ وكما قيل: وَلَا تَحْقِرَنَّ سُبَيْبًا ... كم جَرَّ أمرا سُبيب وَقيل: رُبَّ محنةٍ حدثت عَنْ لَحْظَة، وَرب حَرْب جنُيت من لَفْظَة. وَقد قَالُوا: الْقَلِيل إِلَى الْقَلِيل كثير، والذود غل الذود إبل وَقد يمْلَأ القطرُ الإنَاء فيُفْعَمُ وَالشَّر تَحْقِره وَقد يَنْمى، وَقد يُفْني الجزءُ بَعْدَ الْجُزْء الْجُملةَ، وَالشَّيْء يتبع بعضه بَعْضًا، وَقد يُؤَدِّي انْقِطَاع الحبَّة من السلك إِلَى انْقِطَاع سَائِر مَا فِيهِ، وَنزع الْحجر من سور أَوْ جِدَار يُؤَدِّي إِلَى تهافت بَاقِيه، وَقد قَالُوا: الْعَصَا من الْعُصَيَّة، وَفَسرهُ بَعضهم أنَّ الْفَرد ينْبت وينشأ لينًا صَغِيرا، ثُمَّ ينمى فيستطيل ويغلظ ويشتد ويصلب. وَقيل: بل الْمَعْنى إِن الْعَصَا نتجت من أمهَا العصية، والعصا هِيَ الدَّابَّة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا قَصيرٌ عَلَى جَذِيمة بركوبها عِنْدَ ظُهُور عَلامَة ذكرهَا، إِذ كَانَتْ عَلَى حد من الْإِحْضَار والسرعة والإهذاب، والجودة تفضل بِهِ مَا هُوَ من جِنْسهَا، وَقد يكون الْكثير من الْقَلِيل، والْجُمَّارُ من الفَسيل والفَنِيق من الفصيل.

стр. 28

الْمُحَارب الشجاع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذِ خَلَف بْن أَحْمَد الْمُؤَدب، عَن أبي إِسْحَق الزيَادي، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُل من الْعَرَب قَالَ: كَانَ بَيْننَا وَبَين قَوْمٍ حَرْب فلقونا فهزمناهم فَإِذا فَتى مِنْهُم قد صَبر فَجعل لَا يحمل عَلَى نَاحيَة من معسكرنا إِلَّا كشفها وهزمها، ثُمَّ احتويناه بأرماحنا فأشفقنا عَلَيْهِ فعرضنا عَلَيْهِ الْأمان. فَقَالَ: أذلَّ الحياةِ وذلَّ الْمَمَات ... وكُلا أرَاهُ طَعَاما وبيلاً فَإِن كَانَ لَا بُد من وَاحِد ... فسِيري إِلَى الْمَوْت سيرا جميلا ثُمَّ حملنَا عَلَيْهِ فقتلناه فَإِذا هِيَ امْرَأَة. حُسْن الظنّ بِاللَّه حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِم بْن دَاوُد أَبُو ذَر القراطيسي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن: أنَّ وَزِير الْملك نَفَاهُ الْملك لموجده وجدهَا عَلَيْهِ فَاغْتَمَّ لذَلِك غمًا شَدِيدا فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَة فِي بَيت لَهُ إِذْ أنْشدهُ رَجُل كَانَ مَعَه: أَحْسِنِ الظَّنَّ بربٍّ عَوَّدّكْ ... حَسَنًا بالْأَمْس وسَوّى أَوَدَكْ إِنَّ ربّا كَانَ يَكْفِيك الَّذِي ... كَانَ بالْأَمْس سيكفيك غَدَك تَعْلِيق على خبر هَكَذَا فِي الْخَبَر إِذ أنْشدهُ فَبينا هُوَ، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يُنكر الْإِتْيَان باذ فِي هَذَا الْبَاب ويستخطئ الْقَائِل: بَينا أَنَا جَالس إِذْ أقبل فلَان وَيرى أَن الْكَلَام صَحِيح: بَينا أَنَا جَالس أقبل فلَان، وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره من أَهْلَ الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ يرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزا، وَقد جَاءَ فِي الْكَلَام وَالْأَخْبَار كثيرا، وَإِذ من حُرُوف المفاجأة الدَّالَّة عَلَيْهَا. الجليس الصَّالح حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المَنْصُورِيّ، عَنِ القثمي، عَنْ مبارك الطَّبَريّ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّه، يَقُولُ سَمِعت الْمَنْصُور يَقُولُ للمهدي: يَا أَبَا عَبْد اللَّه لَا تجْلِس مَجْلِسا إِلَّا ومعك فِيهِ رَجُل من أَهْلَ الْعلم يحدثك، فَإِن مُحَمَّد بن مُسلم بْن شهَاب قَالَ: إِن الحَدِيث ذَكَرَ يُحِبهُ الذُّكُور من الرِّجَال ويكرهه مؤنثوهم، قَالَ الْمَنْصُور: صدق أَخُو بني زهرَة. وَقَالَ آخر: إِن المشيبَ وَمَا بدا فِي عَارِضِي ... صَرَفَ الغواني فانصرفتُ كَرِيمًا وسخوتُ إِلَّا عَنْ جليسٍ صالحِ ... حسنِ الحديثِ يزيدُني تَعْلِيما قَالَ القَاضِي: وَلَقَد سئمتُ مآربِي ... فَكَأَن طيِّبُها خبيثُ إِلَّا الحديثُ فإنّه ... مثل اسْمه أبدا حَدِيث

стр. 29

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد الْخُزَاعِيّ الْأَزْهَرِي: قَالَ: دخلت إِلَى سُرّ من رَأَى فَقيل إنَّ بهَا رَجُلا يكنى أَبَا الفَضْل وَيعرف بِالْعَبَّاسِ بْن أبي العبيس بْن حمدون النديم، لَهُ أدب وَمَعَهُ ظرْف وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى مثلك يعاشره، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ أبياتًا فَكتبت إِلَيْهِ: أَبَا الفَضْل يَا من لَيْسَ تُحْصَى فضائلهُ ... وَمن مَاله فِي الْخلق خَلْقٌ يعادله أتقبل خِلا جَاءَ يتبعُ شَوْقَه ... إِلَيْكَ عَلَى عَلَمُ بأنك قَابله يرحّل عَنْكَ الْهم عِنْدَ حُلُوله ... ويُلهيك بالآداب حِين تساجله يكسِّر طمح الْعين من لحظاته ... ويغمض مِنْهُ الجفن حِين تخاتله ويشربُ مَا تَسْقيه غَيْر مماكس ... إِلَى أَن يُرى وَالرَّأْس تهتز مائله فَحِينَئِذٍ تُثْنَى إِلَى الْبَاب رجلُه ... وَإِن لَمْ يكن بِالْبَابِ مَا هُوَ حامله فَكتب إليَّ فِي جوابها من سَاعَته: أَتَانَا مقَال أوجب الشُّكْر حامله ... وَدلّ عَلَى فضلِ الَّذِي هُوَ قَائِله ومكّن ودَّاً قَبْلَ تمكينِ رؤيةٍ ... وَمن قبلُ مَا لاحت بِذَاكَ مخايِله سنقبلُ مَا أهداه من صفو بره ... ونبذل مِنْهُ فَوق مَا هُوَ باذله ونقصد أسبابَ التهاجر بَيْننَا ... فنقطعها مذمومة ونواصله فَإِن دَامَ دُمنا لَمْ نرد بَدَلا بِهِ ... وَإِن زَالَ عَنْ عهد فلسنا نزايله وَتَحْت هَذِهِ الأبيات: تفضل - جُعِلْتُ فدَاك - بالمصير إِلَيْنَا من ساعتك، فصرت إِلَيْهِ فَوَجَدته فَوق الْوَصْف، فَلم نزل نتعاشر طول مُقامي هُنَاكَ إِلَى أَن انحدرت. من أَيْنَ لَك هَذِهِ الْجُبَّة ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن شبة، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْن الخليع، قَالَ: كُنَّا فِي حَلقَة فجاءنا أَبُو نواس وَعَلِيهِ جُبَّة خَز، فَقُلْنَا لَهُ: من أَيْنَ لَك هَذِهِ الْجُبَّة؟ فكتمنا، فترجمنا خَبَرهَا حَتَّى وَقع لَنَا أَنَّهَا من جِهَة مؤنس بْن عِمْرَانَ بْن جَمِيع، فانسللتُ من الْحلقَة وصرت إِلَى مؤنس فَوجدت عَلَيْهِ جُبَّة خَز جَدِيد، فَقلت لَهُ: كَيْفَ أَصبَحت يَا أَبَا عِمْرَانَ؟ فَقَالَ: بِخَير، صبحك اللَّه بِخَير، فَقلت: إِن لي حَاجَة فرأيك فِيهَا ... أَنَا فِيهَا وَأَنت لي سيان فَقَالَ: اذْكُرْهَا عَلَى بركَة اللَّه، فَقلت: جُبَّة من جبابك الْخَزّ كَيْمَا ... لَا يراني الشتَاء حَيْث يراني فَقَالَ: بِسم اللَّه خُذْهَا، وخلعها فلبستها وَرجعت إِلَى الْحلقَة، فَقَالَ لي أَبُو نواس من أَيْنَ لَك هَذِهِ الْجُبَّة؟ قلت: من حَيْث جبتك. يستعيذ بِاللَّه من السّبْع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل الخصيب، قَالَ: كَانَ

стр. 30

جميل بْن مُحَمَّد بْن جميل إِذَا أَرَادَ الرّكُوب فِي كلّ غَدَاة يَقُولُ: اللَّهُمّ إِنِّي أعوذ بك من السّبْع، فَقيل لَهُ: أَنْت تركب إِلَى الكَرْخ، فَأَي سبْعٍ فِي الكرخ، فَقَالَ: لَوْ أردتُ ذَلِكَ لَقلت: السّبُع، وَلَكِنِّي أستعيذ من سبْعٍ خِصَال، فَأَقُول: اللَّهُمّ إِنِّي أعوذ بك من السّبْع وأضمرها، وَهِي اللَّهُمّ إِنِّي أعوذ بك من السَّعْي الخائب، والبربخ العائب، والحائط المائل، والميزاب السَّائِل، ومشحمات الروايا، والمطايا الَّتِي تحمل البلايا، والتهور فِي البلاليع والركايا. قَالَ القَاضِي: قَدْ تخفف الْعَرَب السّبُع فَتَقول السّبْع كَمَا يَقُولُ عجز وَعجز وَقد قرئَ وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ، بتسكين الْبَاء وَجَاءَت هَذِهِ الْقِرَاءَة فِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ عَاصِم بْن أبي النجُود، وَقَوله فِي هَذَا الْخَبَر الْمِيزَاب هُوَ الَّذِي تخطئ فِي اللَّفْظ العامةُ فَتَقول مُزْراب، والميزاب مَأْخُوذ من قَوْلهم وزب المَاء يَزِبُ إِذَا سَالَ أَوْ جرى، وأمّا المزراب فَهُوَ السَّفِينَة. الْمجْلس الْخَامِس صنائع الْمَعْرُوف تقيُّ مصَارِع السوء حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ الطَّرَائِفِيُّ سَنَةَ أَربع عشرَة وثلثمائة قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ التِّنِّيسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الأَصْبَغِ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا: " صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِ " التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر من التَّنْبِيه عَلَى فضل اصطناع الْمَعْرُوف، وَصدقَة السِّرِّ الَّتِي يُراد اللَّه بهَا، ويطمئن الْمُتصدِّق بهَا إِلَى الإِيمَان باطّلاع عَلَيْهَا وإخلاصها من الرِّيَاء الْمُبْطل لثوابها مَا يبْعَث كلّ ذِي لب نَصَحَ لنَفسِهِ وَأَرَادَ السّعادة لَهَا، والنجاة من هول عَظِيم الْمَكْرُوه بهَا، عَلَى الرَّغْبَة فِيهِ والمسابقة إِلَيْهِ، فأعظم بِالنعْمَةِ عَلَى من دَفَعه اللَّه لطاعته، ووقاه شُحَّ نَفسه " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون " وَقد ورد فِي هَذَا الْمَعْنى من التَّرْغِيب فِي الْبر والحض عَلَى مَا فعل مَا عَاد بجزيل الْأجر وَجَمِيل الذّكر، مَا يطول شَرحه ويُتِعب جَمْعُه، مُسْنَدًا وَمَقْطُوعًا، وَمُرْسَلا وَمَوْصُولا، وَنحن نأتي بِطرف مِنْهُ كَاف لمن تشوف إِلَيْهِ، وشاف لمن أَرَادَ لنَفسِهِ الصّلاح بِهِ فمما جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنى مَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِمَامُ وَكَانَ يَجْلِسُ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَده فِي كل يَوْم خَمِيسٍ فَيَعِظُهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ، فَقَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورُ بُكْرَةً وَاسْتَعْجَلَنِي الرَّسُولُ، فَظَنَنْتُ ذَلِكَ لأَمْرٍ حَدَثَ فَرَكِبْتُ إِذْ سَمِعْتُ وَقْعَ الْحَافِرِ، فَقُلْتُ لِلْغُلامِ: انْظُرْ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا أَخُوكَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، فَرَفَقْتُ فِي السَّيْرِ فَلَحِقَنِي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ فَقَالَ: أَتَاكَ رَسُولُ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَهَلْ أَتَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: فَفِيمَ ذَاكَ تُرَى؟ قَالَ: تَجِدُهُ اشْتَهَى خَلا

стр. 31

وَزَيْتًا سَوْدًا الْغَدَاةَ فَأَحَبَّ أَنْ نَأْكُلَ مَعَهُ، فَقُلْتُ: مَا أَرَى ذَاكَ، وَمَا أَظُنُّ هَذَا إِلا لأَمْرٍ قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فَدَخَلْنَا فَإِذَا الرَّبِيعُ وَاقِفٌ عِنْدَ السِّتْرِ، وَإِذَا الْمَهْدِيُّ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي الدِّهْلِيزِ جَالِسٌ، وَإِذَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَقَالَ الرَّبِيعُ: اجْلِسُوا مَعَ بَنِي عَمِّكُمْ، قَالَ: فَجَلَسْنَا ثُمَّ دَخَلَ الرَّبِيعُ وَخَرَجَ، فَقَالَ الْمهْدي: ادْخُلْ أَصْلَحَكَ اللَّهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ادْخُلُوا جَمِيعًا، فَدَخَلْنَا فَسَلَّمْنَا وَأَخَذْنَا مَجَالِسَنَا، فَقَالَ لِلرَّبِيعِ: هَاتِ دوياً يَكْتُبُونَ فِيهِ، فَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ كل منا داوة وورقاً، ثمَّ الْتفت إِلَى عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: يَا عَمِّ حَدِّثْ وَلَدَكَ وَإِخْوَتَكَ وَبَنِي أَخِيكَ بِحَدِيثِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ لَيُطَوِّلانِ الأَعْمَارَ وَيُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيُثْرِيَانِ الأَمْوَالَ وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فُجَّارًا " ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ الْحَدِيثَ الآخَرَ، فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ لَيُخَفِّفَانِ سُوءَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سوء الْحساب " فَقَالَ الْمَنْصُورُ: يَا عَمِّ الْحَدِيثَ الآخَرَ، فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلِكَانِ أَخَوَانِ عَلَى مَدِينَتَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا بَارًّا بِرَحِمِهِ عَادِلا مَعَ رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ الآخَرُ عَاقًّا بِرَحِمِهِ جَائِرًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ فِي عَصْرَيْهِمَا بنيٌ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِك النَّبِي أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِ هَذَا الْبَارِّ ثَلاثُ سِنِينَ، وَبَقِيَ مِنْ عُمُرِ الْعَاقِّ ثَلاثُونَ سَنَةً، فَأَخْبَرَ ذَلِكَ النَّبِيُّ رَعِيَّةَ هَذَا وَرَعِيَّةَ ذَلِكَ فَأَحْزَنَ ذَلِكَ رَعِيَّةَ الْعَادِلِ، وَأَحْزَنَ ذَلِكَ رَعِيَّةَ الْجَائِرِ، فَقَالَ: فَفَرَّقُوا بَيْنَ الأَطْفَالِ مِنَ الأُمَّهَاتِ وَتَرَكُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَخَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُمَتِّعَهُمْ بِالْعَادِلِ وَيُزِيلَ عَنْهُم الْجَائِرِ فَأَقَامُوا ثَلاثًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ ﷺ : " أَخْبِرْ عِبَادِي أَنِّي قَدْ رَحِمْتُهُمْ وَأَجَبْتُ دُعَاءَهُمْ، فَجَعَلْتُ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِ هَذَا الْبَارِّ لِذَلِكَ الْجَائِرِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِ الْجَائِرِ لِهَذَا الْبَارِّ، قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ وَمَاتَ الْعَاقُّ لِتَمَامِ ثَلاثِ سِنِينَ وَبَقِيَ الْعَادِلُ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ "، ثُمَّ الْتَفَتَ الْمَنْصُورُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، حَدِّثْ إِخْوَتَكَ وَبَنِي عَمِّكَ بِحَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبيّ ﷺ فِي الْبِرِّ، فَقَالَ جَعْفَرُ بن مُحَمَّد: حَدثنِي أبين عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَليّ ابْن أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مَلِكٍ يَصِلُ ذَا قَرَابَتِهِ وَيَعْدِلُ عَلَى رَعِيَّتِهِ إِلا شَدَّ اللَّهُ مُلْكَهُ، وَأَجْزَلَ لَهُ ثَوَابَهُ وَأَكْرَمَ مَآبَهُ وَخَفَّفَ حِسَابَهُ ".

стр. 32

حَدِيث الْحَيَّة حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم بْن جَعْفَر الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن حَرْب الطَّائِي، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَر الطَّائِي قرَابَة القحاطبة من أَهْلَ جَزِيرَة مهروبان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبان بْن عَبْد الجَبَّار، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَهُوَ يحدثنا إِذْ الْتفت إِلَى شيخ جنبه فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه! حَدَّثَنَا حَدِيث الْحَيَّة. فَقَالَ الشَّيْخ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عتبَة، قَالَ: خَرَجَ حِمْيَريُّ بْن عَبْد اللَّه إِلَى مقصد لَهُ، فَلَمّا أقفرت بِهِ الأَرْض انسابت حَيَّةٌ بَين قَوَائِم دَابَّته فَقَامَتْ عَلَى ذَنَبها، وَقَالَت: آوني آواك الله فِي ظلّ عَرْشه، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِله، فَقَالَ لَهَا: ومم آويك؟ قَالَتْ: من عدوٍّ لي قَدْ غشيني يريدُ أَن يُقَطِّعَني إربًا إربًا، قَالَ لَهَا: وَأَيْنَ آويك؟ قَالَتْ: فِي جوفك إنَّ أردتَ الْمَعْرُوف، قَالَ لَهَا: من أَنْت؟ قَالَتْ: من أَهْلَ قَول لَا اله إِلَّا اللَّه، قَالَ لَهَا: فهاك جوفي، فصيرها فِي جَوْفه، قَالَ: فَإِذا هُوَ بفتى قَدْ أقبل وَمَعَهُ صمصامة لَهُ وَقد وَضعهَا على عَاتِقه، فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الشَّيْخ أَيْنَ الْحَيَّة الَّتِي استظلت بكنفك وأناخت بفنائك؟ قَالَ: مَا رَأَيْت شَيْئا، قَالَ: عظُمت كلمة خرجت من فِيك، قَالَ: مَا جَاءَ مِنْك أعظم، تراني أَقُول مَا رَأَيْت شَيئًا، وَتقول لي مثل هَذَا؟ فولى الْفَتى مُدبرا فَلَمّا توارى قَالَت الْحَيَّة: يَا عَبْد اللَّه انْظُر هَلْ يرَاهُ بَصرك أَوْ يَأْخُذهُ طرفك؟ قَالَ: مَا أرى شَيئًا، قَالَتْ: اختر مني إِحْدَى منزلتين إِمَّا أنكث قَلْبك نكثة فأجعله رميمًا أَوْ أرث كبدك رثًا فَأخْرجهُ من أسفلك قطعا، قَالَ لَهَا: وَالله مَا كافأتني يَرْحَمُك اللَّه، قَالَتْ لَهُ: فَمَا اصطناعك بِالْمَعْرُوفِ إِلَى من لَا يعرف مَا هُوَ، لَولَا جهلك، وَقد عرفتَ الْعَدَاوَة الَّتِي كَانَتْ بيني وَبَين أَبِيك قَبْل، وَقد علمت أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَال أعطيكه وَلَا دَابَّة أحملك عَلَيْهَا، قَالَ: أردْت الْمَعْرُوف، قَالَ: فَالْتَفت فَإِذا بفيء جبل قَالَ: فَإِن كَانَ لَا بُد فَفِي هَذَا الْجَبَل، ثُمَّ نزل يمشي فَإِذا هُوَ فِي الْجَبَل بفتى قَاعد كَأَن وَجهه الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، فَقَالَ لَهُ الْفَتى: يَا شيخ مَالِي أَرَاك مستبسلا للْمَوْت آيسًا من الْحَيَاة؟ فَقَالَ: من عدوٍّ فِي جوفي آويته من عدوه فَلَمّا صَار فِي جوفي وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ لَهُ الْفَتى أَتَاك الْغَوْث، ثمَّ ضرب بِيَدِهِ إِلَى رُدْنه فَأخْرج مِنْهُ شَيئًا أطْعمهُ إِيَّاه فاختلجت وجنتاه، ثُمَّ أطْعمهُ ثَانِيَة فَوَجَدته تمخضًا فِي بَطْنه، ثُمَّ أطْعمهُ الثَّالِثَة فَرمى بالحية من أَسْفَله قَطعًا، فَقَالَ لَهُ حميري: من أَنْت رَحِمك اللَّه، فَمَا أحد عَلَى أعظم مِنَّة مِنْك؟ قَالَ لَهُ: أَو مَا تعرفنِي أَنَا الْمَعْرُوف وَأَنه اضْطَرَبَتْ مَلَائِكَة سماءٍ سماءٍ من خذلان الْحَيَّة إياك فَأوحى اللَّه إليَّ أَن يَا مَعْرُوف أغِثْ عَبدِي، وَقل لَهُ: أردتَ شَيئًا لوجهي فآتيتك ثوابَ الصَّالِحين، وأعقبتك عُقبى الْمُحْسِنِينَ ونجيتك من عَدوك. الْجَار إِذَا أَرَادَ شين جَاره حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أَمِير أَخْبَرَنَا عمَارَة بْن

стр. 33

عقيل، قَالَ: " كَانَ الرَّجُل فِيمَا مضى إِذَا أَرَادَ شَيْن جَاره أَوْ صَاحبه طلب حَاجته إِلَى غَيره " نادرة بَيْنَ الحَجَّاج وخارجي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عِيسَى الأَنْصَارِيّ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد التَّيْميّ، قَالَ: أُتِي الحَجَّاجُ بِرَجُل مُتَّهم بِرَأْي الْخَوَارِج، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاج: أخارجي أَنْت؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي أَنْت بَيْنَ يَدَيْهِ غَدا أذلّ مني بَيْنَ يَديك الْيَوْم مَا أَنَا بخارجي، فَقَالَ الحَجَّاج: إِنِّي يَوْمئِذٍ لذليل. وَأطْلقهُ. مَال من يَأْخُذ ؟ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس العسكري: قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن صبيح، قَالَ: ولى الحَجَّاج رَجُلا من الْأَعْرَاب بَعْض الْمِيَاه، فكُسر عَلَيْهِ بَعْض خراجه فَأحْضرهُ ثُمّ قَالَ لَهُ: يَا عَدو اللَّه! أخذتَ مالَ اللَّه، قَالَ: فمالُ من آخذ؟ أَنَا وَالله مَعَ الشَّيْطَان مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة أَن يعطيني حَبَّةً مَا أَعْطَانِي. لَوْ كَانَت الْجنَّة بِيَدِهِ حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ: قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُنْذر بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَليّ، قَالَ: حَدثنَا سليم ابْن جَعْفَر الهاشميّ، عَنِ الرِّضَا ﵁، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن: إِن لأستحيي من اللَّه أنَّ أرى الْأَخ من إخْوَانِي فأسأل اللَّه لَهُ بِالْجنَّةِ وأبخل عَلَيْهِ بالدنيا، فَإِذا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَة قيل لي: لَو كَانَت الْجنَّة بِيَدِك لَكُنْت بهَا أبخل وأبخل وأبخل. جَزَاء الْإِحْسَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا بْن دِينَار الْغلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الضَّحَّاك، قَالَ: حَدَّثَنِي الهَيْثَم بْن عَدِيّ، عَنْ عوَانَة، قَالَ: أَتَى الحَجَّاج بِأسَارَى من أَصْحَاب قطريّ من الْخَوَارِج فَقَتلهُمْ إِلَّا وَاحِدًا، كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ يَد وَكَانَ قَرِيبا لقطري، فَأحْسن إِلَيْهِ وخلَّى سَبيله، فَصَارَ إِلَى قطريّ فَقَالَ لَهُ قطريّ: عاود قتال عَدو اللَّه الحَجَّاج، فَقَالَ هَيْهَات، غَلَّ يدا مُطْلِقُها واسترقَ رَقَبَة معتقُها، ثُمّ قَالَ: أأقاتلُ الحَجَّاجَ عَنْ سُلْطانه ... بيدِ تُقرُّ بِأَنَّهَا مولاتُه إِنِّي إِذًا لأخو الدناءة وَالَّذِي ... طمَّتْ عَلَى إحسانه جهلاته مَاذَا أقولُ إِذَا وقفتُ إزاءَه ... فِي الصَّفّ واحتجّت لَهُ فَعَلاته أأقول جَار عليّ لَا، إِنِّي إِذًا ... لأحقّ من جارت عَلَيْهِ وُلاتَه وتحدث الأقوام أنَّ صنائعًا ... غرست لديّ فحنظلتْ نخلاته هَذَا وَمَا ظَنِّي بحينٍ أنني ... فكيم لمطرقُ مشهدٍ وعلاته

стр. 34

كرم أَبِي أيّوب المورياني حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن شبة، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن إِسْمَاعِيل بْن هَيْثَم، قَالَ: قَالَ ابْن شُبرمة: زوجت ابْني عَلَى ألفي دِرْهَم فَلم أقدر عَلَيْهَا ففكرت فِيمَن أقصده فَوَقع فِي قلبِي أَبُو أَيُّوب المورياني فَدخلت عَلَيْهِ فشرحتُ لَهُ خَبَري فَقَالَ: فلك أَلفَانِ، فَلَمَّا نهضت لأَقوم، قَالَ: فالمهر أَلفَانِ فَأَيْنَ الجهاز؟ فلك أَلفَانِ للجهاز، فَذَهَبت لأَقوم فَقَالَ: الْمهْر والجهاز فَأَيْنَ الْخَادِم؟ فلك أَلفَانِ للخادم، فَذَهَبت لأَقوم، قَالَ: فالشيخ لَا يُصِيب شَيئًا قَالَ: فلك أَلفَانِ فَلم أزل أقوم ويقعدني حَتَّى انصرفت من عِنْدَهُ بِخَمْسِينَ ألفا. مثل يضْربهُ الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الصَّمد الهاشميّ، ويزداد بْن عَبْد اللَّه بْن يزْدَاد المَرْوَزِيّ وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس، قَالَ: سُئِلَ الأَعْمَشُ عَنْ حَدِيث فَامْتنعَ مِنْهُ، فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى استخرجوه مِنْهُ، فَلَمّا حدُّث لَهُ ضرب مثلا، فَقَالَ: جَاءَ قفّاف، إِلَى صيرفي بدارهم يزينه إِيَّاهَا، فَلَمّا ذهب يزنها وجدهَا تنقص سبعين، فَقَالَ: عجبتُ عَجِيبَة من ذِئْب سُوء ... أصابَ فريسةً من لَيْث غابِ فقفَّ بكفّه سبعين مِنْهَا ... تنَقّاها من السُّود الصلاب فَإِن أخدع فقد نخدع وتُؤخذْ ... عتيقُ الطير من جوِّ السحابِ تَعْلِيق نحوي قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: أسكن فِي هَذَا الْبَيْت فقد تخدع وَالْعرب إنّما تسكن هَذَا وَنَحْوه فِي كَلَامهَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ جازم، وَمَتى لَمْ يدْخل عَلَيْهِ جازم يجزمه وَلَا ناصب ينصبه فتسكينه إِذَا وُصل بِكَلَام بعده خَارج عَنِ الفصيح الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب، وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا مَرْفُوعا عَلَى أَصله، ولمّا لَمْ يُمكن هَذَا الشَّاعِر تحريكه لِئَلَّا ينكسر وزن الْبَيْت الَّذِي قَالَه أسْكنهُ، وَأقرب مَا يعْتَذر لَهُ بِهِ أَنه عمل عَلَى السُّكُوت عَلَيْهِ وَنِيَّته الرّفْع فِيهِ، وَقد روى مثل هَذَا الْوَجْه المستقبح فِي أَبْيَات روتها الْعلمَاء، من ذَلِكَ قَول الشَّاعِر: أَقُول شُيَيْهَاتٌ بِمَا قَالَ عالمٌ ... بهنّ وَمن أَشْبَهْ أَبَاهُ فَمَا ظَلَم فَهَذَا ممّا يسْتَحق تحريكه بِالْفَتْح بِنَاء لَا إِعْرَاب، فَيُقَال: وَمن أشبهَ أَبَاهُ، وَمَا بِهَذَا الشَّاعِر ضَرُورَة إِلَى مَا أَتَاهُ لنه لَو قَالَ: وَمن يشبه أَبَاهُ فَجزم بِحرف الشَّرْط إِذ هُوَ من بَاب الْجَزَاء لَكَانَ مصيبًا مُحسنًا، وَقَالَ آخر: شَكَوْنَا إِلَيْهِ خَرَابَ السّوَادِ ... فَحَرَّمْ عَلَيْنَا لُحُومَ البَقَر فَهَذَا حمل نَفسه عَلَى هَذَا الْوَجْه للضَّرُورَة، وَلَو كَانَ قَالَ: فَحرم فِينَا لَكَانَ مصيبًا. وَقد ذَكَرَ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه من هَذَا الْبَاب طرفا، وروُي بَيت امْرِئ الْقَيْس:

стр. 35

فاليَوْمَ أشربْ غَيْر مُسْتَحْقبٍ ... إِثْمًا من اللَّه وَلَا وَاغل فَأنْكر هَذَا بَعْض أَصْحَابه وَقيل: إنَّ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِيهِ فاليوم فَاشْرَبْ، أَوْ فاليوم أسْقى، وروى قَول الفرزدق: وَقد بَدَا هَنْكِ من المئرز قَالَ من أنكر هَذَا: إنّما هُوَ: وَقد بدا ذَاك، وَقد روى عَنْ أبي عَمْرو أَنَّهُ قَرَأَ بِهَذِهِ اللُّغَة فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن مِنْهَا " فَتُوبُوا إِلَى بارئكم " ويأمُرْكم، وأنلزمُكُموها، فَمن الروَاة عَنْهُ من رَوَاهُ بِالسُّكُونِ خَالِصا وَأَجَازَ فِيهِ وَفِي نَظَائِره مثل هَذَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: سَوف أُزَحْلِقَكِ غَدا أَوْ بَعْدَ غَدِ وروى أنَّ هَذَا أَتَى مخففًا لِكَثْرَة الحركات فِيهِ، فاحتج بَعْض أَصْحَابه بِأَن الْحُرُوف الَّتِي أسكنها مَخْصُوصَة بِجَوَاز حذف الْحَرَكَة بِمَعْنى يخصُّها دون غَيرهَا، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الِاشْتِغَال بِهِ، وَأنكر بَعْض رُوَاة أبي عَمْرو هَذَا، وَذكر أَنَّهُ كَانَ مختلس الْحَرَكَة فيظن من لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أسكن، وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْقِرَاءَة وأمّا قَول الشَّاعِر فِي الْخَبَر الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنِ الأَعْمَشُ: فقد تخدع وتُؤخذ، فَإِن قَائِله لَوْ ضم تخدع وَجزم وَتُؤْخَذ لَكَانَ قَدْ أَتَى بِوَجْه مَعْرُوف من كَلَام الْعَرَب، وَقد قَرَأَ جُمْهُور الْقُرَّاء فِي الْقُرْآن مَا مَنْزِلَته فِي الْإِعْرَاب مَنْزِلَته، وَذَلِكَ أَن يرد الْفِعْل الثَّانِي عَلَى مَوضِع الْفَاء الدَّاخِلَة عَلَى الْفِعْل الأوّل، وَذَلِكَ قَول اللَّه : " فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين " فكره من قَرَأَ ذَلِكَ مُخَالفَة رسم الْمُصحف إِذْ لَا وَاو فِيهِ، وَله فِي الْعَرَبيَّة وَجه مَفْهُوم، وَمن ذَلِكَ قَول أَبُو داؤد الأيادي: فأبْلُونِي بَلِيّتكُم لَعَلِّي ... أُصَالِحَكُم فأسْتدرجْ نَوَيّا وَكَانَ أَبُو عَمْرو يخْتَار أَن يَقْرَأ وأكون بِإِثْبَات الْوَاو، وَكَانَ الْأَوْجه عِنْدَهُ فِي الْعَرَبيَّة، وَزعم أنَّ الْوَاو حذفت مِنْهُ فِي الْخط كَمَا حذفت من كلمن، وَلَيْسَ الْأَمر عندنَا عَلَى مَا ذكر فِي هَذَا فَفِي الْكَلِمَتَيْنِ فرق ظَاهر، يَقْتَضِي الْإِثْبَات حَيْث أَثْبَتَت، والحذف حَيْث حذفت، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه من كتُبنا الْمُؤَلّفَة فِي عُلُوم تَنْزِيل الْقُرْآن وتأويله إنْ شَاءَ اللَّه. الْمجْلس السَّادِس خبأت هَذَا لَك حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُفَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: اذْهَبْ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهُ أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَسَمِعَ كَلامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَفِي يَدِهِ قِبَاءٌ وَهُوَ يُرِي أَبِي مَحَاسِنَهُ وَيَقُولُ: خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ.

стр. 36

التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر لَعَلَّه أَن يُعْطِينَا وَهِي لُغَة لبَعض الْعَرَب، والأسير كَلَامهَا، لَعَلَّه يُعْطِينَا بِغَيْر أَن، وَقد ذكرنَا هَذَا الْبَاب فِيمَا مضى من مجالسنا هَذِهِ وشرحنا وجْهَه وأحضرنا صورًا من شَوَاهِد الشّعْر فِيهِ، والْقِبَاء مَمْدُود، وَجمعه أقبية وَهُوَ من ملابس الْأَعَاجِم فِي الْأَغْلَب، واشتقاقه من الْجمع وَالضَّم فَقيل لَهُ قبَاء لمّا فِيهِ من الِاجْتِمَاع، وَإِمَّا بجمعه جسم لابسه وضمه إِيَّاه عِنْدَ لبسه وَمِنْه قَول سحيم عَبْد نَبِي الحسحاس: فَإِن تَهْزَئِي مِنِّي فَيا رُبَّ ليلةٍ ... تَرَكتُكِ فِيهَا كالْقِباء المفرّج وقراءُ أَهْلَ المَدِينَةِ ونُحاتُهم يُعبِّرون عَنِ المعرب والمبني الَّذِي يُسَمِّيه قراء الْعرَاق ون - اتهمَ مَرْفُوعا ومضمومًا بِأَنَّهُ مقبوء، فيشيرون بعبارتهم إِلَى الضَّم الَّذِي من بَاب الْجمع، وَقد شرحنا هَذِهِ الْجُمْلَة شرحًا وَاسِعًا فِي كتَابنَا الَّذِي شرحنا فِيهِ مُخْتَصر أبي عمر الجرِمْي فِي النَّحْو. وَقد تُسَمى الْعَرَب القباء اليملق وتجمعه يَلامق، كَمَا قَالَتْ هِنْد بن عتبَة: نَحْنُ بناتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقِ وَنَلْبَسُ اليَلامقْ وَقَالَ ذُو الرمة: تَجْلُو البَوَارِقَ عَنْ مجرمزٍ لهقٍ ... كَأَنَّهُ مُتَقَبِّي يَلْمَقٍ عَزَبِ وَذكر الْأَصْمَعِي أَنَّهُ فارسيٌّ مُعرِّب، وَأَنه فِي الأَصْل عَلَى كَلَام الْأَعَاجِم يَلْمَه، كَمَا قَالَت الْعَرَب شَبْرُق وفَالُوذَق، وَقَالَت الْعَجم: شبره وفالوذه، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مثل هَذَا ف قَول الْعَرَب اسْتَبْرق، فَإِنَّهُ فِي كَلَام الْعَجم استبره، وَقَالَ عدد من أَهْلَ الْعلم مِنْهُم أَبُو عُبَيْدة: إِن من زعم فِي الْقُرْآن شَيئًا بِغَيْر الْعَرَبيَّة فقد أَخطَأ وَأعظم عَلَى اللَّه الْفِرْية، لِأَن اللَّه تَعَالَى قَالَ: " بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُبين "، وَفِي الْقُرْآن عدد من الْكَلم نسبه بَعْض أَهْلَ التَّأْوِيل إِلَى لُغَة بَعْض أُمَم الْعَجم، وَأنكر هَذَا بَعضهم، وَذهب إِلَى اتِّفَاق لغتين فِيهِ أَوْ لُغَات كثيرٌ مِنْهُم، وَهَذَا ممّا بياننا مُستَقصى فِيهِ فِي كتَابنَا الْمُسَمّى كتاب الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز، وَفِي كتاب شَيخنَا أبي جَعْفَر ﵁، الَّذِي سَمَّاهُ جَامع الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل آي الْقُرْآن. وَفِي خبر الْمسور هَذَا، البيانُ البّيِّنُ عَنْ أنَّ النَّبيّ ﷺ كَانَ يتفقد أَصْحَابه بألطافه وَصلَاته، ويشاركهم فِيمَا يسديه اللَّه إِلَيْهِ من رزق ويفيئه عَلَيْهِ من فَضله، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يسألونه عَن حَاجتهم، ويرغبون إِلَيْهِ فِي بذل الرّفد لَهُم، وَإِضَافَة الْأَمْوَال عَلَيْهِمْ، لبسطه إيَّاهُم وخفض جنَاحه لَهُم، ولظهور جوده وسعة خلقه عِنْدهم ﷺ . الشُّعَرَاء عَلَى بَاب عُمَر بْن عبد الْعَزِيز حَدثنَا مُحَمَّد بن قَاسم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد

стр. 37

الرَّحْمَن الجوهريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الضَّحَّاك، قَالَ: أَخْبَرَنَا الهَيْثَم بْن عَدِيّ، عَنْ عوَانَة بن الحك، قَالَ: لمّا استُخلف عُمَر بْن عبد الْعَزِيز وَفد الشُّعَرَاء إِلَيْهِ فأقاموا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ، الرحيل، إِذْ مرّ بهم رَجَاء بْن حَيْوَة. وَكَانَ من خطباء أَهْلَ الشَّام فَلَمّا رَآهُ جرير دَاخِلا عَلَى عُمَر أنشأ يَقُولُ: يَا أيُّها الرجلُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ ... هَذَا زمانُك فَاسْتَأْذن لَنَا عُمَرا قَالَ: فَدخل وَلم يذكرْ من أَمرهم شَيئًا، ثُمَّ مر بهم عَدِيّ بْن أَرْطَأَة، فَقَالَ لَهُ جرير: يَا أيُّهَا الراكبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَه ... هَذَا زَمانُك إِنِّي قَدْ مضى زَمَني أَبْلغْ خَليفَتَنَا إِنْ كنتَ لاقيهِ ... أَنِّي لَدَى الْبَاب كالمَصْفُودِ فِي قَرَنِ لَا تَنْسَ حاجتنا لُقِّيت مَغْفرةً ... قَدْ طَال مُكثِيَ عَنْ أَهلِي وَعَن وَطَنِي قَال: فَدخل عَدِيّ عَلَى عُمَر، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! الشُّعَرَاء ببابك وسهامهم مَسْمُومَة وأقوالهم نَافِذَة، قَالَ: وَيحك يَا عدي! مَا لي وللشعر، قَالَ: أعزَّ اللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله ﷺ قَد امتُدِح فَأعْطى، وَلَك فِي رَسُول الله ﷺ أسوت حَسَنَة، فَقَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: امتدحه الْعَبَّاس بْن مرداس السُّلَميّ فَأعْطَاهُ حُلةً قطع بهَا لِسَانه، قَالَ: أَوْ تروي من قَوْله شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأنْشد: رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ البريَّةِ كُلِّها ... نشرتَ كتابا جَاءَ بالحقِّ مَعْلَما شَرعت لَنَا دينَ الْهُدي بَعْدَ جَوْرِنا ... عَنِ الحَقِّ لمّا أصبح الحقُّ مُظْلما ونورتَ بالْبُرهان أمرا مُدَنَّسا ... وَأَطْفَأت بالبرهان نَارا تَضَرّما فَمن مبلغ عني النبيَّ مُحَمَّدا ... وكلُّ أمرئ يُجزي بِمَا كَانَ قدما أَقمت سَبِيل الْحق بَعْدَ اعوجاجه ... وَكَانَ قَدِيما رُكْنه قَدْ تهدَّما تَعَالَى عُلوًّا فَوق عرش إلهنا ... وَكَانَ مَكَان اللَّه أَعلَى وأعظما قَالَ وَيحك يَا عَدِيّ! من بِالْبَابِ مِنْهُم؟ قَالَ: عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: ثُمَّ نبهتُها فهبّتْ كِعابًا ... طفلةً مَا تبينُ رَجْعَ الكلامِ سَاعَة ثُمَّ إنّها بَعْدُ قَالَتْ ... وَيْلَتا قَدْ عجلتَ يَا ابنَ الكرامِ أَعلَى غير موعدٍ جئتَ تَسْري ... تَتَخَطى إليّ رُوسَ النيامِ مَا تجشمتَ مَا يزين من الأمْ ... رِ وَلَا جِئْت طَارِقًا لخصامِ فَلَو كَانَ عَدُوَّ اللَّه إِذْ فجر كتم نَفسه، لَا يدخلُ عليّ وَالله أبدا، فَمن بِالْبَابِ سواهُ؟ قَالَ: هَمّام بْن غَالب، يَعْنِي الفرزدق، قَالَ: أوليس هُوَ الَّذِي يَقُول: هما دلتاني من ثَمَانِينَ قامةً ... كَمَا انقضَّ بازٍ أقْتَم الريشِ كاسرُهُ فَلَمّا اسْتَوَت رجلاي بِالْأَرْضِ قَالَتَا ... أَحَي يُرَجّى أم قتيلٌ نُحاذِرُه

стр. 38

لَا يطَأ وَالله بساطي، فمنْ سواهُ بِالْبَابِ مِنْهُم؟ قَالَ: الأخطل، قَالَ: أُدي! هُوَ الَّذِي يَقُولُ: ولستُ بصائمٍ رَمَضَان طَوْعًا ... ولسب بآكلٍ لَحْم الأضَاحِي ولستُ بزاجرٍ عَنْسًا بكُور ... إِلَى بطحاء مكَّة للنجاح ولستُ بقائم كالعيرِ يَدْعُو ... قُبَيْلَ الصُّبْح حَيَّ عَلَى الْفَلاح وَلَكِنِّي سأشربها شمولا ... وأسجدُ عِنْدَ منبلج الصَّباح وَالله لَا يدْخل عَليّ وه وَكَافِر أبدا، فَهَل بِالْبَابِ سوى من كرت؟ قَالَ: نَعَم الْأَحْوَص، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: اللَّه بيني وَبَين سَيِّدِهَا ... يَفِرُّ مِنِّي بهَا وأتّبِعُه غرِّبْ عَنْهُ، فَمَا هُوَ بِدُونِ من ذكرت، فَمن هَاهُنَا أَيْضا؟ قَالَ: جميل بْن مُعَمَّر قَالَ: يَا عَدِيّ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَلا لَيْتنَا نَحْيا جَمِيعًا وَإِن تَمُتْ ... يُوَافق فِي موتِي ضَرِيحي ضَرِيحُها فَمَا أَنَا فِي طولِ الْحَيَاة براغبٍ ... إِذَا قيل قَدْ سُوِّي عَلَيْهَا صَفِيحُها فَلَو كَانَ عَدو اللَّه تمنى لقائها فِي الدُّنْيَا ليعْمَل بَعْدَ ذَلِكَ صَالحا، وَالله لَا يدْخل عليّ أبدا، هَلْ سوى من ذكرت أحد؟ قَالَ: جرير بْن عَطِيَّة، قَالَ: أما إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ: طَرَقتْكَ صائدةُ القلوبِ وَلَيْسَ ذَا ... حينَ الزيارةِ فارْجِعي بسلامِ فَإِن كَانَ لَا بُد فَهُوَ، قَالَ فَأذن لجرير، فَدخل وَهُوَ يَقُولُ: إِن الَّذِي بعث النَّبِي مُحَمَّدا ... جعل الْخلَافَة فِي الإِمَام العادلِ وسع الْخَلَائق عدلُه ووفاؤه ... حَتَّى ارعوى وَأقَام ميل المائلِ إِنِّي لأرجو مِنْك خيرا عَاجلا ... وَالنَّفس مولعةٌ بحب العاجلِ فَلَمّا مثل بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: وَيحك يَا جرير، اتَّقِ اللَّه وَلَا تقولن إِلَّا حَقًا، فَأَنْشَأَ جرير يَقُولُ: أأذكُر الْجُهْدَ والبَلْوى الَّتِي نَزَلَتْ ... أم قَدْ كَفَانِي مَا بُلِّغْتَ من خَبَري كَمْ باليمامةِ من شَعْثَاءَ أرملةٍ ... وَمن يتيمٍ ضعيفِ الصَّوتِ والنظرِ مِمن يعدُّك تَكْفِي فقدَ والدهِ ... كالفرخ فِي الْعُشِّ لَمْ يَنْهَض وَلم يَطرِ يَدْعُوك دعة ملهوفٍ كَأَن بِهِ ... خَبَلا من الْجِنِّ أَوْ مَسًّا من النشرِ خليفةَ اللَّهِ مَاذَا تأمُرُون بِنَا ... لَسْنا إِلَيْكُم وَلَا فِي دَار منتظر مَا زلتُ بعدَك فِي هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي ... قَدْ طَال فِي الحَيِّ إصْعَادي وَمُنْحَدِرِي لَا ينفع الحاضِرُ المجهودُ بادِيَنَا ... وَلا يعودُ لَنَا بادٍ عَلَى حَضِرِ إِنَّا لنرجُو إِذَا مَا الغيثُ أَخْلَفَنَا ... من الْخَلِيفَة مَا نرجو من المَطَرِ

стр. 39

نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر هذي الأرامل قَدْ قَضَّيْت حاجَتَها ... فمَنْ لحاجةٍ هَذَا الأرمل الذَّكَرِ الخيْر مَا دمتَ حَيًّا لَا يفارقنَا ... بُوركْتَ يَا عُمَر الخَيْرَاتِ من عمرِ فَقَالَ: يَا جرير! مَا أرى لَك هَاهُنَا حَقًا، فَقَالَ: بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنَا ابْن سَبِيل ومنقطع بِي، فَأعْطَاهُ من صلب مَاله مائَة دِرْهَم، وَقد ذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وَيحك يَا جرير! لَقَدْ ولينا هَذَا الْأَمر وَمَا نملك إِلَّا ثلثمِائة دِرْهَم، فمائة أَخذهَا عَبْد اللَّه وَمِائَة أَخَذتهَا أم عَبْد اللَّه، يَا غُلَام أعْطه الْمِائَة الْبَاقِيَة، قَالَ: فَأَخذهَا وَقَالَ: وَالله لهي أحب مِمَّا اكتسبته إليَّ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لَهُ الشُّعَرَاء: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: مَا يسوءكم، خرجت من عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ يُعْطي الْفُقَرَاء، وَيمْنَع الشُّعَرَاء، وَإِنِّي لراض، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: رَأَيْت رُقَى الشَّيْطَان لَا تستفزّه ... وَقد كَانَ شيطاني من الْجِنِّ رَاقيا وَقد كتبنَا هَذَا الْخَبَر من طُرق أُخْرَى، والقصص فِيهَا مُخْتَلفَة فِي مَوَاضِع، عَلَى تَقَارُب جُمْلَتهَا ولعلنا نأتي بهَا فِيمَا يسْتَقْبل من مجَالِس كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ اللَّه. الْمُؤَنَّث الْمَعْنَوِيّ وَفِي هَذَا الْخَبَر مَوضِع ذَكَرَ فِيهِ الْمُؤَنَّث، وَهُوَ قَوْله: وأطفأتَ بالْبُرهان نَارا تضرما، وَيُرِيد تضرمت وَفِيه قبح فِي الْعَرَبيَّة، وَالْوَجْه الَّذِي يعتل بِهِ فِيهِ عَلَى ضعفه أَنَّهُ ممّا تأنيثه لَفْظِي غَيْر معنوي حَقِيقِيّ، وَقد أَتَى مثله فِي الشّعْر فَمِنْهُ قَول الشَّاعِر: فَلا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدَقَهَا ... وَلا أَرْضَ أَبْقَلَ أَبْقَالَها فَذَكَرَ فعل الأَرْض وَهِي أُنْثَى، وَلَو قَالَ: أبقلت ابقالها لأنث وَلم يذكّر، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ تَارِكًا للهمزة، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: عُدِّي لِغَيْبَتِي أشْهُرًا ... إِنِّي لَدَى خَيْرِ المَقَاوِل وَقَالَ الْأَعْشَى: وَإِن تعهديني وَلِيَ لمةٌ ... فإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِها قَالَ بَعضهم: أَرَادَ الْحِدْثان، وَقَالَ بَعضهم: ذكّر إِذْ لَمْ يكن التَّأْنِيث فِيهِ حَقِيقِيًّا، وَلَو قَالَ: أودت بهَا لصحّ الْإِعْرَاب واستقام الْوَزْن، إِلَّا أَنَّهُ يكون قَدْ أَتَى بِبَيْت غَيْر مردف فِي كلمة جَمِيع أبياتها مردفة، وَهَذَا عيب عِنْدَ أَهْلَ الْعلم بصناعة القوافي، وَقد تَأَول قَوْمٍ من أَهْلَ الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ قِرَاءَة من قَرَأَ " كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا " بِفَتْح الطَّاء عَلَى الْجمع، أَنَّهُ بِمَنْزِلَة قَول أبي ذُؤَيب: لَوْ أنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرِ أَحدَا ... أحْيَا أَبَاكَ لَنَا طُولُ التماديحِ وَمثله: إِذْ هِيَ أحْوَى من الرِّبِعيِّ، حاجبهُ ... والعينُ بالإِثْمِدِ الحَارِي مَكْحُول

стр. 40

وَالصَّوَاب عندنَا من القَوْل فِي وَجه قُراءة من قَرَأَ قطعا بِالتَّحْرِيكِ أنَّ نَصبه مظلمًا عَلَى الْحَال وَالْمعْنَى من اللَّيْل فِي حَال إظلامه أَي شدَّة ظلمته، والكوفيون من النَّحْوِيين يَقُولُونَ: هُوَ مَنْصُوب على قطع النكرَة من الْمعرفَة، وَالْمعْنَى من اللَّيْل المظلم، وَفِيه موضعان شَذَّ لَفْظهمَا عَنِ الْوَجْه الْأَصَح الأعرف فِي مقاييس الْعَرَبيَّة فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء، أَحدهمَا قَول جميل: وَأَن أمت يوافقُ فِي الْمَوْتَى بِرَفْع يُوَافق وَكَانَ سَبيله بجزمه عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْعَرَبيَّة فِي بَاب الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَقد أَتَى مثله ممّا رُدَّ إِلَى أَصله فِي الرّفْع وَلم ينْقل بالجزاء إِلَى الْجَزْم فِي أَبْيَات من الشّعْر مِنْهَا: يَا أقرعُ بْن حابسٍ يَا أقرعُ إِنَّك إِن يُصْرَعْ أَخُوك تُصرعُ وَقد حمل قَوْمٍ هَذَا عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك، وَمثل هَذَا فِي بَيت جميل أَن يجْرِي عَلَى أنَّ مَعْنَاهُ: ويوافق فِي الْمَوْتَى وضريحي ضريحها إِن أمت، وَذهب آخَرُونَ فِي هَذَا إِلَى إِرَادَة الْفَاء كَأَنَّهُ أَرَادَ فتصرع ويوافق. اقْطَعْ عنِّي لسانَه حَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى شَاعِرٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلالٍ: " يَا بِلالُ اقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ "، قَالَ: فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَحُلَّةً، فَذَهَبَ وَهُوَ يَقُولُ: قَطَعْتَ وَاللَّهِ لساني. أُعْطِيك بِمَا مدحتَ اللَّه حَدَّثَنَا يزْدَاد، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: وحَدثني الْحزَامِي، عَنْ عَبْد اللَّه بْن وهْب الْمَصْرِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَام بْن سَعْد، عَنْ زَيْدِ بْن أسلم، قَالَ: بلغنَا أنَّ أَبَا بَكْر الصَّدِّيق رضوَان اللَّه عَلَيْهِ أَتَى بشاعر إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم فِي المَسْجِد، فَقَالَ: يُنشد يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَ: لَا خَير فِي الشّعْر، فَقَالَ: بلَى يَا رَسُول اللَّه، فَقَالَ: فاخرجوا بِنَا إِلَى المقاعد، فأنشده مِدْحَة لله وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " أعْطِيه يَا بلالُ النَّاقةَ السَّوْدَاء "، ثُمَّ قَالَ: " أُعطِيكَها لما مدحتَ اللَّهَ فأمّا مِدْحَتِي فَلا أُعْطِيك شَيئًا ". إِلَى أَي شَيْء أفْضى بهم الزُّهْد حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، عَنْ أبي أَحْمَد بْن أبي الْجوَار، قَالَ: سَمِعت مضاء العابد يَقُولُ لسباع العابد: يَا أَبَا مُحَمَّد! إِلَى أَي شَيْء أفْضى بهم الزُّهْد؟ قَالَ: إِلَى الأنْس بِهِ. من الشّعْر الْحَكِيم أنشدنا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَنشدنا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أنشدنا أَبُو عُبَيْدة، قَالَ:
следующие страницы →