← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر لَعَلَّه أَن يُعْطِينَا وَهِي لُغَة لبَعض الْعَرَب، والأسير كَلَامهَا، لَعَلَّه يُعْطِينَا بِغَيْر أَن، وَقد ذكرنَا هَذَا الْبَاب فِيمَا مضى من مجالسنا هَذِهِ وشرحنا وجْهَه وأحضرنا صورًا من شَوَاهِد الشّعْر فِيهِ، والْقِبَاء مَمْدُود، وَجمعه أقبية وَهُوَ من ملابس الْأَعَاجِم فِي الْأَغْلَب، واشتقاقه من الْجمع وَالضَّم فَقيل لَهُ قبَاء لمّا فِيهِ من الِاجْتِمَاع، وَإِمَّا بجمعه جسم لابسه وضمه إِيَّاه عِنْدَ لبسه وَمِنْه قَول سحيم عَبْد نَبِي الحسحاس: فَإِن تَهْزَئِي مِنِّي فَيا رُبَّ ليلةٍ ... تَرَكتُكِ فِيهَا كالْقِباء المفرّج وقراءُ أَهْلَ المَدِينَةِ ونُحاتُهم يُعبِّرون عَنِ المعرب والمبني الَّذِي يُسَمِّيه قراء الْعرَاق ون - اتهمَ مَرْفُوعا ومضمومًا بِأَنَّهُ مقبوء، فيشيرون بعبارتهم إِلَى الضَّم الَّذِي من بَاب الْجمع، وَقد شرحنا هَذِهِ الْجُمْلَة شرحًا وَاسِعًا فِي كتَابنَا الَّذِي شرحنا فِيهِ مُخْتَصر أبي عمر الجرِمْي فِي النَّحْو. وَقد تُسَمى الْعَرَب القباء اليملق وتجمعه يَلامق، كَمَا قَالَتْ هِنْد بن عتبَة: نَحْنُ بناتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقِ وَنَلْبَسُ اليَلامقْ وَقَالَ ذُو الرمة: تَجْلُو البَوَارِقَ عَنْ مجرمزٍ لهقٍ ... كَأَنَّهُ مُتَقَبِّي يَلْمَقٍ عَزَبِ وَذكر الْأَصْمَعِي أَنَّهُ فارسيٌّ مُعرِّب، وَأَنه فِي الأَصْل عَلَى كَلَام الْأَعَاجِم يَلْمَه، كَمَا قَالَت الْعَرَب شَبْرُق وفَالُوذَق، وَقَالَت الْعَجم: شبره وفالوذه، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مثل هَذَا ف قَول الْعَرَب اسْتَبْرق، فَإِنَّهُ فِي كَلَام الْعَجم استبره، وَقَالَ عدد من أَهْلَ الْعلم مِنْهُم أَبُو عُبَيْدة: إِن من زعم فِي الْقُرْآن شَيئًا بِغَيْر الْعَرَبيَّة فقد أَخطَأ وَأعظم عَلَى اللَّه الْفِرْية، لِأَن اللَّه تَعَالَى قَالَ: " بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُبين "، وَفِي الْقُرْآن عدد من الْكَلم نسبه بَعْض أَهْلَ التَّأْوِيل إِلَى لُغَة بَعْض أُمَم الْعَجم، وَأنكر هَذَا بَعضهم، وَذهب إِلَى اتِّفَاق لغتين فِيهِ أَوْ لُغَات كثيرٌ مِنْهُم، وَهَذَا ممّا بياننا مُستَقصى فِيهِ فِي كتَابنَا الْمُسَمّى كتاب الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز، وَفِي كتاب شَيخنَا أبي جَعْفَر ﵁، الَّذِي سَمَّاهُ جَامع الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل آي الْقُرْآن. وَفِي خبر الْمسور هَذَا، البيانُ البّيِّنُ عَنْ أنَّ النَّبيّ ﷺ كَانَ يتفقد أَصْحَابه بألطافه وَصلَاته، ويشاركهم فِيمَا يسديه اللَّه إِلَيْهِ من رزق ويفيئه عَلَيْهِ من فَضله، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يسألونه عَن حَاجتهم، ويرغبون إِلَيْهِ فِي بذل الرّفد لَهُم، وَإِضَافَة الْأَمْوَال عَلَيْهِمْ، لبسطه إيَّاهُم وخفض جنَاحه لَهُم، ولظهور جوده وسعة خلقه عِنْدهم ﷺ . الشُّعَرَاء عَلَى بَاب عُمَر بْن عبد الْعَزِيز حَدثنَا مُحَمَّد بن قَاسم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد

стр. 37

الرَّحْمَن الجوهريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الضَّحَّاك، قَالَ: أَخْبَرَنَا الهَيْثَم بْن عَدِيّ، عَنْ عوَانَة بن الحك، قَالَ: لمّا استُخلف عُمَر بْن عبد الْعَزِيز وَفد الشُّعَرَاء إِلَيْهِ فأقاموا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ، الرحيل، إِذْ مرّ بهم رَجَاء بْن حَيْوَة. وَكَانَ من خطباء أَهْلَ الشَّام فَلَمّا رَآهُ جرير دَاخِلا عَلَى عُمَر أنشأ يَقُولُ: يَا أيُّها الرجلُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ ... هَذَا زمانُك فَاسْتَأْذن لَنَا عُمَرا قَالَ: فَدخل وَلم يذكرْ من أَمرهم شَيئًا، ثُمَّ مر بهم عَدِيّ بْن أَرْطَأَة، فَقَالَ لَهُ جرير: يَا أيُّهَا الراكبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَه ... هَذَا زَمانُك إِنِّي قَدْ مضى زَمَني أَبْلغْ خَليفَتَنَا إِنْ كنتَ لاقيهِ ... أَنِّي لَدَى الْبَاب كالمَصْفُودِ فِي قَرَنِ لَا تَنْسَ حاجتنا لُقِّيت مَغْفرةً ... قَدْ طَال مُكثِيَ عَنْ أَهلِي وَعَن وَطَنِي قَال: فَدخل عَدِيّ عَلَى عُمَر، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! الشُّعَرَاء ببابك وسهامهم مَسْمُومَة وأقوالهم نَافِذَة، قَالَ: وَيحك يَا عدي! مَا لي وللشعر، قَالَ: أعزَّ اللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله ﷺ قَد امتُدِح فَأعْطى، وَلَك فِي رَسُول الله ﷺ أسوت حَسَنَة، فَقَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: امتدحه الْعَبَّاس بْن مرداس السُّلَميّ فَأعْطَاهُ حُلةً قطع بهَا لِسَانه، قَالَ: أَوْ تروي من قَوْله شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأنْشد: رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ البريَّةِ كُلِّها ... نشرتَ كتابا جَاءَ بالحقِّ مَعْلَما شَرعت لَنَا دينَ الْهُدي بَعْدَ جَوْرِنا ... عَنِ الحَقِّ لمّا أصبح الحقُّ مُظْلما ونورتَ بالْبُرهان أمرا مُدَنَّسا ... وَأَطْفَأت بالبرهان نَارا تَضَرّما فَمن مبلغ عني النبيَّ مُحَمَّدا ... وكلُّ أمرئ يُجزي بِمَا كَانَ قدما أَقمت سَبِيل الْحق بَعْدَ اعوجاجه ... وَكَانَ قَدِيما رُكْنه قَدْ تهدَّما تَعَالَى عُلوًّا فَوق عرش إلهنا ... وَكَانَ مَكَان اللَّه أَعلَى وأعظما قَالَ وَيحك يَا عَدِيّ! من بِالْبَابِ مِنْهُم؟ قَالَ: عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: ثُمَّ نبهتُها فهبّتْ كِعابًا ... طفلةً مَا تبينُ رَجْعَ الكلامِ سَاعَة ثُمَّ إنّها بَعْدُ قَالَتْ ... وَيْلَتا قَدْ عجلتَ يَا ابنَ الكرامِ أَعلَى غير موعدٍ جئتَ تَسْري ... تَتَخَطى إليّ رُوسَ النيامِ مَا تجشمتَ مَا يزين من الأمْ ... رِ وَلَا جِئْت طَارِقًا لخصامِ فَلَو كَانَ عَدُوَّ اللَّه إِذْ فجر كتم نَفسه، لَا يدخلُ عليّ وَالله أبدا، فَمن بِالْبَابِ سواهُ؟ قَالَ: هَمّام بْن غَالب، يَعْنِي الفرزدق، قَالَ: أوليس هُوَ الَّذِي يَقُول: هما دلتاني من ثَمَانِينَ قامةً ... كَمَا انقضَّ بازٍ أقْتَم الريشِ كاسرُهُ فَلَمّا اسْتَوَت رجلاي بِالْأَرْضِ قَالَتَا ... أَحَي يُرَجّى أم قتيلٌ نُحاذِرُه

стр. 38

لَا يطَأ وَالله بساطي، فمنْ سواهُ بِالْبَابِ مِنْهُم؟ قَالَ: الأخطل، قَالَ: أُدي! هُوَ الَّذِي يَقُولُ: ولستُ بصائمٍ رَمَضَان طَوْعًا ... ولسب بآكلٍ لَحْم الأضَاحِي ولستُ بزاجرٍ عَنْسًا بكُور ... إِلَى بطحاء مكَّة للنجاح ولستُ بقائم كالعيرِ يَدْعُو ... قُبَيْلَ الصُّبْح حَيَّ عَلَى الْفَلاح وَلَكِنِّي سأشربها شمولا ... وأسجدُ عِنْدَ منبلج الصَّباح وَالله لَا يدْخل عَليّ وه وَكَافِر أبدا، فَهَل بِالْبَابِ سوى من كرت؟ قَالَ: نَعَم الْأَحْوَص، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: اللَّه بيني وَبَين سَيِّدِهَا ... يَفِرُّ مِنِّي بهَا وأتّبِعُه غرِّبْ عَنْهُ، فَمَا هُوَ بِدُونِ من ذكرت، فَمن هَاهُنَا أَيْضا؟ قَالَ: جميل بْن مُعَمَّر قَالَ: يَا عَدِيّ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَلا لَيْتنَا نَحْيا جَمِيعًا وَإِن تَمُتْ ... يُوَافق فِي موتِي ضَرِيحي ضَرِيحُها فَمَا أَنَا فِي طولِ الْحَيَاة براغبٍ ... إِذَا قيل قَدْ سُوِّي عَلَيْهَا صَفِيحُها فَلَو كَانَ عَدو اللَّه تمنى لقائها فِي الدُّنْيَا ليعْمَل بَعْدَ ذَلِكَ صَالحا، وَالله لَا يدْخل عليّ أبدا، هَلْ سوى من ذكرت أحد؟ قَالَ: جرير بْن عَطِيَّة، قَالَ: أما إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ: طَرَقتْكَ صائدةُ القلوبِ وَلَيْسَ ذَا ... حينَ الزيارةِ فارْجِعي بسلامِ فَإِن كَانَ لَا بُد فَهُوَ، قَالَ فَأذن لجرير، فَدخل وَهُوَ يَقُولُ: إِن الَّذِي بعث النَّبِي مُحَمَّدا ... جعل الْخلَافَة فِي الإِمَام العادلِ وسع الْخَلَائق عدلُه ووفاؤه ... حَتَّى ارعوى وَأقَام ميل المائلِ إِنِّي لأرجو مِنْك خيرا عَاجلا ... وَالنَّفس مولعةٌ بحب العاجلِ فَلَمّا مثل بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: وَيحك يَا جرير، اتَّقِ اللَّه وَلَا تقولن إِلَّا حَقًا، فَأَنْشَأَ جرير يَقُولُ: أأذكُر الْجُهْدَ والبَلْوى الَّتِي نَزَلَتْ ... أم قَدْ كَفَانِي مَا بُلِّغْتَ من خَبَري كَمْ باليمامةِ من شَعْثَاءَ أرملةٍ ... وَمن يتيمٍ ضعيفِ الصَّوتِ والنظرِ مِمن يعدُّك تَكْفِي فقدَ والدهِ ... كالفرخ فِي الْعُشِّ لَمْ يَنْهَض وَلم يَطرِ يَدْعُوك دعة ملهوفٍ كَأَن بِهِ ... خَبَلا من الْجِنِّ أَوْ مَسًّا من النشرِ خليفةَ اللَّهِ مَاذَا تأمُرُون بِنَا ... لَسْنا إِلَيْكُم وَلَا فِي دَار منتظر مَا زلتُ بعدَك فِي هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي ... قَدْ طَال فِي الحَيِّ إصْعَادي وَمُنْحَدِرِي لَا ينفع الحاضِرُ المجهودُ بادِيَنَا ... وَلا يعودُ لَنَا بادٍ عَلَى حَضِرِ إِنَّا لنرجُو إِذَا مَا الغيثُ أَخْلَفَنَا ... من الْخَلِيفَة مَا نرجو من المَطَرِ

стр. 39

نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر هذي الأرامل قَدْ قَضَّيْت حاجَتَها ... فمَنْ لحاجةٍ هَذَا الأرمل الذَّكَرِ الخيْر مَا دمتَ حَيًّا لَا يفارقنَا ... بُوركْتَ يَا عُمَر الخَيْرَاتِ من عمرِ فَقَالَ: يَا جرير! مَا أرى لَك هَاهُنَا حَقًا، فَقَالَ: بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنَا ابْن سَبِيل ومنقطع بِي، فَأعْطَاهُ من صلب مَاله مائَة دِرْهَم، وَقد ذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وَيحك يَا جرير! لَقَدْ ولينا هَذَا الْأَمر وَمَا نملك إِلَّا ثلثمِائة دِرْهَم، فمائة أَخذهَا عَبْد اللَّه وَمِائَة أَخَذتهَا أم عَبْد اللَّه، يَا غُلَام أعْطه الْمِائَة الْبَاقِيَة، قَالَ: فَأَخذهَا وَقَالَ: وَالله لهي أحب مِمَّا اكتسبته إليَّ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لَهُ الشُّعَرَاء: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: مَا يسوءكم، خرجت من عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ يُعْطي الْفُقَرَاء، وَيمْنَع الشُّعَرَاء، وَإِنِّي لراض، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: رَأَيْت رُقَى الشَّيْطَان لَا تستفزّه ... وَقد كَانَ شيطاني من الْجِنِّ رَاقيا وَقد كتبنَا هَذَا الْخَبَر من طُرق أُخْرَى، والقصص فِيهَا مُخْتَلفَة فِي مَوَاضِع، عَلَى تَقَارُب جُمْلَتهَا ولعلنا نأتي بهَا فِيمَا يسْتَقْبل من مجَالِس كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ اللَّه. الْمُؤَنَّث الْمَعْنَوِيّ وَفِي هَذَا الْخَبَر مَوضِع ذَكَرَ فِيهِ الْمُؤَنَّث، وَهُوَ قَوْله: وأطفأتَ بالْبُرهان نَارا تضرما، وَيُرِيد تضرمت وَفِيه قبح فِي الْعَرَبيَّة، وَالْوَجْه الَّذِي يعتل بِهِ فِيهِ عَلَى ضعفه أَنَّهُ ممّا تأنيثه لَفْظِي غَيْر معنوي حَقِيقِيّ، وَقد أَتَى مثله فِي الشّعْر فَمِنْهُ قَول الشَّاعِر: فَلا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدَقَهَا ... وَلا أَرْضَ أَبْقَلَ أَبْقَالَها فَذَكَرَ فعل الأَرْض وَهِي أُنْثَى، وَلَو قَالَ: أبقلت ابقالها لأنث وَلم يذكّر، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ تَارِكًا للهمزة، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: عُدِّي لِغَيْبَتِي أشْهُرًا ... إِنِّي لَدَى خَيْرِ المَقَاوِل وَقَالَ الْأَعْشَى: وَإِن تعهديني وَلِيَ لمةٌ ... فإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِها قَالَ بَعضهم: أَرَادَ الْحِدْثان، وَقَالَ بَعضهم: ذكّر إِذْ لَمْ يكن التَّأْنِيث فِيهِ حَقِيقِيًّا، وَلَو قَالَ: أودت بهَا لصحّ الْإِعْرَاب واستقام الْوَزْن، إِلَّا أَنَّهُ يكون قَدْ أَتَى بِبَيْت غَيْر مردف فِي كلمة جَمِيع أبياتها مردفة، وَهَذَا عيب عِنْدَ أَهْلَ الْعلم بصناعة القوافي، وَقد تَأَول قَوْمٍ من أَهْلَ الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ قِرَاءَة من قَرَأَ " كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا " بِفَتْح الطَّاء عَلَى الْجمع، أَنَّهُ بِمَنْزِلَة قَول أبي ذُؤَيب: لَوْ أنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرِ أَحدَا ... أحْيَا أَبَاكَ لَنَا طُولُ التماديحِ وَمثله: إِذْ هِيَ أحْوَى من الرِّبِعيِّ، حاجبهُ ... والعينُ بالإِثْمِدِ الحَارِي مَكْحُول

стр. 40

وَالصَّوَاب عندنَا من القَوْل فِي وَجه قُراءة من قَرَأَ قطعا بِالتَّحْرِيكِ أنَّ نَصبه مظلمًا عَلَى الْحَال وَالْمعْنَى من اللَّيْل فِي حَال إظلامه أَي شدَّة ظلمته، والكوفيون من النَّحْوِيين يَقُولُونَ: هُوَ مَنْصُوب على قطع النكرَة من الْمعرفَة، وَالْمعْنَى من اللَّيْل المظلم، وَفِيه موضعان شَذَّ لَفْظهمَا عَنِ الْوَجْه الْأَصَح الأعرف فِي مقاييس الْعَرَبيَّة فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء، أَحدهمَا قَول جميل: وَأَن أمت يوافقُ فِي الْمَوْتَى بِرَفْع يُوَافق وَكَانَ سَبيله بجزمه عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْعَرَبيَّة فِي بَاب الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَقد أَتَى مثله ممّا رُدَّ إِلَى أَصله فِي الرّفْع وَلم ينْقل بالجزاء إِلَى الْجَزْم فِي أَبْيَات من الشّعْر مِنْهَا: يَا أقرعُ بْن حابسٍ يَا أقرعُ إِنَّك إِن يُصْرَعْ أَخُوك تُصرعُ وَقد حمل قَوْمٍ هَذَا عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك، وَمثل هَذَا فِي بَيت جميل أَن يجْرِي عَلَى أنَّ مَعْنَاهُ: ويوافق فِي الْمَوْتَى وضريحي ضريحها إِن أمت، وَذهب آخَرُونَ فِي هَذَا إِلَى إِرَادَة الْفَاء كَأَنَّهُ أَرَادَ فتصرع ويوافق. اقْطَعْ عنِّي لسانَه حَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى شَاعِرٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلالٍ: " يَا بِلالُ اقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ "، قَالَ: فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَحُلَّةً، فَذَهَبَ وَهُوَ يَقُولُ: قَطَعْتَ وَاللَّهِ لساني. أُعْطِيك بِمَا مدحتَ اللَّه حَدَّثَنَا يزْدَاد، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: وحَدثني الْحزَامِي، عَنْ عَبْد اللَّه بْن وهْب الْمَصْرِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَام بْن سَعْد، عَنْ زَيْدِ بْن أسلم، قَالَ: بلغنَا أنَّ أَبَا بَكْر الصَّدِّيق رضوَان اللَّه عَلَيْهِ أَتَى بشاعر إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم فِي المَسْجِد، فَقَالَ: يُنشد يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَ: لَا خَير فِي الشّعْر، فَقَالَ: بلَى يَا رَسُول اللَّه، فَقَالَ: فاخرجوا بِنَا إِلَى المقاعد، فأنشده مِدْحَة لله وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " أعْطِيه يَا بلالُ النَّاقةَ السَّوْدَاء "، ثُمَّ قَالَ: " أُعطِيكَها لما مدحتَ اللَّهَ فأمّا مِدْحَتِي فَلا أُعْطِيك شَيئًا ". إِلَى أَي شَيْء أفْضى بهم الزُّهْد حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، عَنْ أبي أَحْمَد بْن أبي الْجوَار، قَالَ: سَمِعت مضاء العابد يَقُولُ لسباع العابد: يَا أَبَا مُحَمَّد! إِلَى أَي شَيْء أفْضى بهم الزُّهْد؟ قَالَ: إِلَى الأنْس بِهِ. من الشّعْر الْحَكِيم أنشدنا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَنشدنا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أنشدنا أَبُو عُبَيْدة، قَالَ:

стр. 41

كَانَ الشَّعْبِيّ ينشد: أرى أُنَاسًا بأدْنَى الدِّينِ قَدْ قَنعُوا ... وَلَا أَرَاهُم رَضوا فِي الْعَيْش بالدونِ فاستغْنِ بالدِّينِ عَنْ دُنيا الْمُلُوك كَمَا ... اسْتغنى الْمُلوكُ بدنياهم عَنِ الدينِ الْمجْلس السَّابِع الرّوح والفرج فِي الرِّضَا وَالْيَقِين حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّدِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي: مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلائِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ الله، إِن رزق اللَّهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ، إِنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ وَجَلالَتِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَجَ فِي الرِّضَا وَالْيَقِينِ، وَجَعَلَ الْغَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ ". التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: فِي هَذَا الْخَبَر تنبيهٌ لِذَوي التَّمْيِيز وَحسن التفكر، والتحذير من إرضاء الْمَخْلُوق الموسوم بِالنَّقْصِ والفقر، عَلَى الْخَالِق الْمَالِك للنفع والضر، فقد قَالَ اللَّه : " مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم ". وَقَالَ تَعَالَى جَدّه: " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لنا، هون مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "، وَهَذَا ظاهرٌ فِي عقول ذَوي الفطن السليمة، كثير فِي الْكتاب وَالسّنة، يطول إحصاؤه ويتعب استقصاؤه، وَقد أَكثر الشُّعَرَاء والْبُلغاء فِي ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنى وأسهبوا، وَجمعه شاق جدا عَلَى متعاطيه، والقَدْر الَّذِي أَتَيْنَا بِهِ كافٍ فِيهِ. وَقد حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن سهل الْخُتّلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاسِم بْن الْحَسَن، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: أَخْبرنِي رَجُل، قَالَ: أَنْشدني صديق لي: لَعَمْرُك مَا كلُّ التّعَطُّلِ ضَائِرًا ... وَلَا كلُّ شُغُلٍ فِيهِ للمَرْء مَنْفَعَهُ إِذَا كَانَت الأرزاق فِي الْقرب والنّوى ... عَلَيْكَ سَوَاء فاغتنم لَذَّة الدَّعَه إِذَا ضقت فاصبر يُفْرِج اللَّه مَا ترى ... أَلا كلُّ ضيقٍ فِي عواقبه سَعَهْ وُلّي فِي هَذَا الْمَعْنى أَبْيَات قُلتها قَدِيما، هِيَ: مَالك الْعَالمين ضَامِنُ رِزْقِي ... فلماذا أُملِّكُ الخَلْق رِقِّي قَدْ قَضَى لي بِمَا عليّ وماليخالقي جلّ ذكره قَبْلَ خلقي صَاحب الْبَذْل والندى فِي يساري ... ورفيقي فِي عُسْرتَي حُسْنُ رِفْقي

стр. 42

وكما لَا يردُّ رِزْقِي عَجْزِي ... فَكَذَا لَا يَجُر رزقِيَ حِذْقِي مَا حجازية وتميمية قَوْله فِي الأبيات الَّتِي قدمنَا إنشادها: مَا كَانَ التعطل ضائرًا، أنشدناه نصبا عَلَى لُغَة أَهْلَ الْحجاز، وهم يشبهونها بليس مَا كَانَتْ عَلَى أصل ترتيبها، وَأكْثر مَا تَأتي بِإِدْخَال الْبَاء عَلَيْهَا، كَقَوْلِك: مَا زيدٌ بقائم، وبهذه اللُّغَة جَاءَ الْقُرْآن، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " مَا هَذَا بشرا " وجَلِيٌّ أنّ من لَمْ يَنْظُر فِي الْمُصحف من بني تَمِيم يقرأونها بشرٌ عَلَى لغتهم، ذَكَرَ هَذَا سِيبَوَيْهٍ وَغَيره، ورُوي عَنْ بَعْض الْقُرَّاء " مَا هَذَا بِشَري " أَي مَا هُوَ بمُشْتَرى، قَالَ اللَّه : " مَا هُنَّ أمهاتهم " فنصب جُمْهُور الْقُرَّاء عَلَى اللُّغَة الحجازية إِلَّا أَن التَّاء كسرت إِذْ لَيست أصليَّة، وروى الْمفضل عَنْ عَاصِم " مَا هن أمهاتهم " على اللُّغَة التميمية، وَمِنْهَا قَول الشَّاعِر: وَيْزُعُم حسلٌ أه فرع قومه ... وَمَا أنتفرع يَا حُسَيلُ وَلا أصْل وَأنْشد الْفراء: لَشَتّانَ مَا يَنْوِي وَيَنْوِي بَنو أبي ... جَمِيعًا فَمَا هَذَانِ مُسْتَوِيَانِ تَمَنّوْا لِيَ الموتَ الّذِي يَشْعَبُ الفَتَى ... وكلُّ امرئٍ والموتُ يَلْتقيان وَقَالَ ذُو الرمة: أما نَحن رؤو دَارِهَا بَعْدَ هَذِهِ ... بَدَا الدَّهْر إِلَّا أنْ نَمُرَّ بهَا سَفْرا ابْن أبي عُيَيْنَة يعْزل وَالِي الْبَصْرَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِكْرمة عَامر بن عِمْرَانَ بْن زِيَاد، قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان وَالِي الْبَصْرَة، فأساء مجاورة مُحَمَّد بْن أبي عُيَيْنَة فتباعد مَا بَينهمَا وقبح، وَكَانَ إِسْمَاعِيل ينتقصه، فَخرج مُحَمَّد بْن أبي عُيَيْنَة إِلَى طَاهِر ابْن الْحُسَيْن يشكو إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر وَيطْلب عَزله عَنِ الْبَصْرَة، فصحب طَاهِر بْن الْحُسَيْن فِي بَعْض أَسْفَاره فَأدْخل عَلَيْهِ وَرفع حَوَائِجه إِلَيْهِ وَقَالَ: من أوحشته البلادُ لَمْ يَقُم ... فِيهَا، وَمن آنسته لَمْ يَرِمِ وَمن يَبِتْ والهمومُ قادحةٌ ... فِي صَدره بالسُّهَاد لَمْ ينمِ وَمن يرى النّقْصَ فِي مواطِنه ... يَزل عَنِ النَّقْص مَوْطِئَ القَدَمِ والقربُ مِمَّن ينأى بحاجته ... صَدْعٌ عَلَى الشّعب غيرُ مُلتَئِمِ وربَ أمرٍ يعيا اللبيبُ بِهِ ... يَحَارُ مِنْهُ فِي حيرة الظُّلُم صبرٌ عَلَيْهِ كَظْمٌ عَلَى مضضٍ ... وتَرْكُه من مراتع الندمِ يَا ذَا اليمينين لَمْ أَزُرْكَ ولَمْ ... آتِك من خلةٍ وَلَا عدمِ إِنِّي من اللَّه فِي مَرَاح غِنى ... ومُغْتَدى واسعٌ وَفِي نعمِ زَارَتْكَ مِنِّي همَّةُ منازعةٌ ... إِلَى الْعُلا من مَرَاتِب الهممِ

стр. 43

وإنني للكبير محتملٌ ... فِي الْقدر من منصبي وَمن شيمي وَقد تعلّقت مِنْك بالذمم ال ... كبرى الَّتِي لَا تخيبُ فِي الذِّمم فإنْ أنل هِمّتي فَأَنت لَهَا ... فِي الحَقِّ حقِّ الإخاء والرَّحمِ وَإِن يَعُق عائقٌ فلستُ عَلَى ... جميلِ رأيٍ عِنْدِي بمتهمِ فِي قدر اللَّه مَا أُحَمِّله ... تعويق أَمْرِي واللوح والقلمِ لَمْ تَضَقِ السُّبْل والفجاج على ... حر كريم بالصب مُعْتَصِمِ ماضٍ كحَدِّ السنان فِي طرف ال ... عَامل أوحد مُصْلَتٍ خذمِ إِذَا ابتلاه الزَّمَان كَشَّفَهُ ... عَنْ ثَوْب حريَّة وَعَن كَرَمِ مَا سَاءَ ظَنِّي إِلَّا لوَاحِدَة ... فِي الصَّدر مَحْصورة عَنِ الكلمِ لِيَهْنَ قَوْمٌ جُزْت المَدَى بهم ... وَلم تُقَصِّر بهم وَلم تلمِ مَا تنبتُ الأَرْض كلَّ زهرتها ... وَلَا تَعُمُّ السَّمَاء بالدِّيَم وَلَيْسَت كلّ الدلاء رَاجِعَة ... بِالنِّصْفِ أَو ملئها إِلَى الوذم ترجع بالحمأة القليلة أَحْيَانًا ... ورَنْق الصُّبابة الأمَمِ مَا بِي نقصٌ عَنْ كلِّ منزلةٍ ... شريفةٍ والأمور بالقسمِ فَأَجَابَهُ طَاهِر بْن الْحُسَيْن: من تستضفه الهموم لم ينم ... غلا كنوم الْمَرِيض ذِي السقم وَلَا يزل قلبه يكابد مَا ... يُولد الْهم فِيهِ من ألم فدع أَبَا جَعْفَر بعتب مَا ... لَيْسَ التجني عَنْهُ بمنصرم وَقد سَمِعت الَّذِي هَتَفت بِهِ ... وَمَا بأذني عَنْكَ من صمم وَقد علمنَا إِن لَيْسَ تصحبنا ... لخلةٍ فِيك لَا وَلَا عدم إِلَّا لحق وَحُرْمَة وعَلى ... مثلك رعى الْحُقُوق والذمم أَنْت امْرُؤ مَا تُزال عَنْ كرم ... إِلَّا إِلَى مثله من الْكَرم وَأَنت من أسرة جحاجحة ... سادوا بِحسن الفَعال والشيم فَمَا تَرُمْ من جسيم منزلَة ... فَالْحكم فِيهَا إِلَيْكَ فاحتكم إِن كنت مستسقيًا سماحتنا ... منا تجدك السَّمَاء بالديم أَوْ ترمِ فِي بحرنا بلدوك لَا ... نعدمك ملأها إِلَى الوذم إِنَّا أنَاس لَنَا صنائعنا ... فِي الْعَرَب مَعْرُوفَة وَفِي الْعَجم

стр. 44

مغتنمو كسب كلّ محمدة ... وَالْكَسْب للحمد خَيْر مغتنم فاحتكم عَلَيْهِ عزل إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنِ الْبَصْرَة، فَعَزله عَنْهَا، وَأمر لِابْنِ أبي عُيَيْنَة بِمِائَة ألف دِرْهَم عونًا لَهُ عَلَى سَفَره، وَقَالَ ابْن أبي عُيَيْنَة فِي عزل إِسْمَاعِيل: لَا تعدم الْعَزْل يَا أَبَا حَسَن ... وَلَا هزالًا فِي دولة السّمن وَلَا انتقالا من دَار عَافِيَة ... إِلَّا إِلَى ديار الْبلَاء والفتن أَنَا الَّذِي إِذَا كفرت نعْمَته ... أذبتُ مَا فِي جنبيك من عُكن تَعْلِيق لغَوِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ: أَخْبرنِي الطُّوسيّ، عَنْ أبي عبيد، قَالَ: السيوز الَّتِي بَين آذان الدَّلْو والعراقي هِيَ الوذم، يُقَالُ فِيهَا: أوذمت الدَّلْو إِذَا شددتها، والخشبتان اللَّتَان تعترضان عَلَى الدَّلْو كالصليب هما العرقوتان يُقَال: عرقيت الدَّلْو عرقاة إِذَا شددتهما عَلَيْهِ. نجابة الْفَتْح بْن خاقَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم، قَالَ: دَخَلَ المعتصم يَوْمَا إِلَى خاقَان غرطوج يَعُوده، فَرَأى ابْنه الْفَتْح وَهُوَ صبي لم يثغر، فمازحه فَقَالَ: أَيهمَا أحسن دَاري أَوْ داركم؟ فَقَالَ لَهُ الْفَتْح: يَا سَيِّدي دَارنَا إِذَا كنت فِيهَا أحسن، فَقَالَ المعتصم: لَا أبرحُ وَالله أَوْ يُنْثَر عَلَيْهِ مائَة ألف دِرْهَم، فَفُعِل ذَلِكَ. رضَا المتجني سَمِعت عَبْد الرَّحْمَن بْن عُثْمَان الشهوري، يَقُولُ: سَمِعت ابْن اتيكين صَاحب الشرطة بِبَغْدَاد، يَقُولُ: سَمِعت ابْن الْمثنى يَقُولُ: سَمِعت بِشْر بْن الْحَارِث يَقُولُ: سَمِعت الْمُعافى بْن عِمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعت سُفْيَان الثّوريّ يَقُولُ: رضَا المتجنِّي غايةٌ لَا تُدْرك. حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن كَامِل قَالَ: سَمِعت ناشب المتوكليَّة تغني لإِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي: أ أَنْت امرؤٌ متجنٍّ ... وَلَيْسَ بالغَضْبَانِ هَبْنِي أسأتُ فَألا ... مَنَنْتَ بالغفرانِ وَنَحْو هَذَا تما أنشدناه عَن إِسْحَاق الْموصِلِي: فَهَبْنِي أغفلت الْجَمِيل من الْأُم ... ر وساعدتُ أهلَ الغَدْرِ فِيك عَلَى الغدرِ وَلم يَك لي عذرٌ فتعذرَنِي بِهِ ... أما لِي نصيبٌ فِي التّجَاوُزِ والْغُفْرِ؟ وَنَحْوه بَعْض الْمُحدثين يَقُولُ: هبيني يَا معذبتي أسأتُ ... وبالهجران قَبْلَكُمُ بدأتُ

стр. 45

فَأَيْنَ الفضلُ مِنْكِ فدتكِ نَفسِي ... عليَّ إِذَا أسأتُ كَمَا أسأتُ شعر الشَّاعِر بِمَنْزِلَة وَلَده حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُوسَى الْبَرْمَكِي جحظة، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد الْكَاتِب، قَالَ: قَالَ لي عليّ بن الجهم: هَبْ لي بيتَك: ليتَ مَا أصْبَحَ مِنْ ... رَقَّة خَدّيكَ بقَلْبِك قَالَ: فَقلت لَهُ: هَلْ رَأَيْت أحدا يهبُ وَلَدَهُ؟ عَدو همة ابْن أبي داؤد حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالك حريز بن أَحْمد بن أبي داؤد، قَالَ: قَالَ الواثق يَوْمَا لأبي تَضَجُّرًا بِكَثْرَة حَوَائِجه: يَا أَحْمَد! قَد اختلّتْ بيوتُ الْأَمْوَال بطلباتك للائذين بك والمتوسلين إِلَيْكَ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! نتائجُ شُكرها مُتَّصِلَة بك، وذخائر أجلهَا مكتوبةٌ لَك، وَمَالِي من ذَلِكَ إِلَّا عشقُ اتِّصَال الألسن بُحلْوِ المَدْح فِيك، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه! وَالله لَا منعناك مَا يزِيد فِي عشقك، ويُقَوّي من همتك فِينَا وَلنَا. الْخَلِيفَة الْمَنْصُور يخلعُ ثِيَابه عَلَى شَاعِر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن خضر، عَنْ أَبِيه، قَالَ: دَخَلَ رَجُل عَلَى الْمَنْصُور فَقَالَ: أقولُ لَهُ حِين واجهتهُ: ... عَلَيْكَ السّلام أَبَا جعفرِ قَالَ الْمَنْصُور: وَعَلَيْك السّلام. فَقَالَ: فأنتَ المهذَبُ من هاشمٍ ... وَفِي الْفَرْع مِنْهَا الَّذِي يذكرُ فَقَالَ الْمَنْصُور: ذَاك رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: فَهَذِهِ ثِيَابِي وَقد أُخلقت ... وَقد عَضّنِي زَمَنٌ منكرُ فَألْقى إِلَيْهِ الْمَنْصُور ثِيَابه، وَقَالَ: هَذِهِ بدلهَا. الْمجْلس الثَّامِن حَدِيث خرافة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُقَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ نِسَاءَهُ حَدِيثًا، فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا حَدِيثُ خُرَافَةَ، قَالَ: " أَتَدْرِينَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلا مِنْ عُذرة، أَسَرَتْهُ الْجِنُّ فَمَكَثَ فِيهِمْ دَهْرًا ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الإِنْسِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الأَعَاجِيبِ، فَقَالَ النَّاسُ: حَدِيثُ خُرَافَةَ ".

стр. 46

رِوَايَةٌ أُخْرَى لِلْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ سَلامَةَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَزْهَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الدَّرْبَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ صَاحِبِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: اجْتمع عَلَى النَّبيّ ﷺ نِسَاءَهُ يَوْمًا فَجَعَلَ يَقُولُ الْكَلِمَةَ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ عِنْدَ أَهْلِهِ، قَالَ: فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: كَأَنَّ هَذَا حَدِيثُ خُرَافَةَ، فَقَالَ: تَدْرِينَ مَا حَدِيثُ خراف؟ وَذكر الحَدِيث. التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر قَالَ القَاضِي: عوامُّ النّاس يَرَون أنَّ قَول الْقَائِل: هَذِهِ خرافة، إنّما مَعْنَاهُ أَنَّهَا حَدِيث لَا حَقِيقَة لَهُ، وَأَنه ممّا يجْرِي فِي السّمر للتأنُّس بِهِ، وينتظم من الْأَعَاجِيب وطرف الْأَخْبَار مَا يرتاح إِلَيْهِ ويتمتع أهل الأندية بِالْإِضَافَة فِيهِ، ويقطعون أَوْقَات ندامهم بتداوله، وَأَنه أَوْ معظمه لَا أصل لَهُ، ورسولُ اللَّه ﷺ أصدق فِي كلّ مَا يخبر عَنهُ وَأعلم بِحَقِيقَة الْأَمر فِيهِ، وَأولى من رَجَعَ إِلَى قَوْله وَأخذ بِهِ، والغَيُّ مَا خَالفه، فَأَما مَا وَصفنَا من مَذْهَب الْعَامَّة فِيهِ، فَإِن الحَدِيث مُضَاف إِلَى الْجِنْس الَّذِي هُوَ جُزْء مِنْهُ، وَبَعض من جملَته ومميز لَهُ من كلّ حَدِيث لَيْسَ بِحَدِيث خرافة، كَقَوْلِهِم هَذَا ثوب خَزٍّ وخاتَم فضَّة وَبَاب حَدِيد، واشتقاقه عَلَى هَذَا القَوْل من قَوْلهم: اخترف فلَان من بستانه هَذِهِ الثَّمَرَة، وَقَوْلهمْ: هَذِهِ خَرْفة فلَان، يشار بِهِ إِلَى شَيْءٍ من الْفَاكِهَة، وَمِنْه سُمي الرّبيع الأوّل من السَّنَة خَريفًا لِأَن جُلّ الْفَوَاكِه تُخْترف فِيهِ، وَجَاء فِي الْخَبَر: أنَّ عَائِدَ الْمَرِيض فِي مَخْرفة الْجنَّة إِشَارَة إِلَى مَا يُرجى لَهُ من النَّعيم وثواب الْملك الْكَرِيم. فَقَالَ أَصْحَاب هَذا الْمَذْهَب: إِن المجتمعين عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمُعْجبة الْمُلِذَّة الْمُطرفة بِمَنْزِلَة المجتمعين عَلَى مَا يُخْترف من الْفَاكِهَة الَّتِي ينالون من قِبَلها الْمُتْعَة السارة لَهُم الفائضة عَلَيْهِمْ، ويتوهم هَؤُلَاءِ أَن مُخْتَلف الْبَاطِل ومفتعل الْكَذِب بِمَنْزِلَة من أَتَى شَيئًا أَو اخترفه فِي أَنَّهُ قَدْ ظفر بِمَا يلهيه ويمتعه، وَإِن كَانَ عَلَى مَا وَصفا فِي أَصله، وَيَقُولُونَ لما لَا يحققون صِحَّته من الْأَخْبَار: هَذِهِ خرافة، وَهَذَا حَدِيث خرافة، وَقَالَ بَعْض مجان الشُّعَرَاء عجز بَيت لَهُ حكايته: حَدِيثُ خُرَافة يَا أمَّ عَمْرو وَقَالَ ﵁ مِنْهُم فِي آخر بَيت قَالَه: قَالَتْ ودَعْنِي من أَحَادِيث خرفةٍ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: إِذا أخلوا فأنتِ حَدِيثي ... وَذَلِكَ كالحديثِ من الْخُرَافَةْ وَأرى أنَّ قَوْلهم للْإنْسَان إِذَا أفند وَتغَير وأهتر وهجر: قَدْ خَرَّف، من هَذَا الْبَاب وَأَنه

стр. 47

قيل لَهُ ذَلِكَ: إِمَّا لأنَّه يتَعَلَّق بِمَا تُخَيِّلُه لَهُ وساوسُه فَيظْهر من لَفظه مَا يُنبئ عَنِ اختلاله ويعجب سامعوه مِنْهُ بضحك من خُرُوجه عَنِ الِاعْتِدَال وَالصِّحَّة، وَيَأْتِي بِأَلْفَاظ خَارِجَة عَنْ سَنَن الْحِكْمَة، وَإِمَّا لِأَن سامعيه يَطْربون تَعَجُّبًا بِمَا يُبديه ويستخرجون مِنْهُ مَا ينشطون ويرتاحون عِنْدَهُ، فكأنهم يجتنون ثَمَرَة أَوْ يخترفون فَاكِهَة، وَمن هَا هُنَا قيل: فكهت من كَذَا أَي عجبت، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَلَقَد فَكِهْتُ من الَّذين تقاتلوا ... ويم الخميسِ بِلَا سلاحٍ ظاهرِ وَمن هَذَا الأَصْل قيل للمُزَاح: فكاهة، لما فِيهِ من مسَّرةِ أَهله والاستمتاع بِهِ، قَالَ الشَّاعِر: حُزُقٌّ إِذَا مَا القَوْمُ أبْدَوْا فُكَاهَةً ... تفكراً آإياه يَعْنُونَ أمْ قِرْدًا وَقَالَ بَعْض أَهْلَ الْعلم: الْغَيْبَة فَاكِهَة الْقُرَّاء. وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض أَنَّهُ قَالَ: لكل شَيْءٍ ديباج، وديباج الْقُرَّاء ترك الْغَيْبَة. وَمن كَلَام الْعَرَب السائر: لَا تمازح صَبيا وَلَا تفاكهن أمة، يُرِيد: وَلَا تمازحن، وَخَالف بَين اللَّفْظَيْنِ مَعَ اتِّفَاق الْمَعْنى لأنَّه أحسن كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وقَدَّمَت الْأَدِيم لراهشيه ... وألفى قَوْلهَا كَذَّاب ومِينًا والمين: الْكَذِب، وَقَالَ آخر: أَلا حَبّذَا هِنْد وأرْضٌ بهَا هندُ ... وهندُ الَّتِي من دُونها النّأيُ والبعدُ وَمن الخريف والاختراف عَلَى مَا قدمنَا ذكره: لفُلَان مَوضِع كَذَا خرفة، أَي مقَام فِي الخريف، وَيُقَال: زمَان صَائِف وشات ورابع وقائظ، من الصَّيف والشتاء وَالربيع والقيظ، وَلم يَقُولُوا مثل هَذَا فِي الخريف، وَيُقَال فِي النّسَب: خرْفيُّ وربْعِي، كَمَا قَالَ: إِن بَنِيَّ صبيةٌ صيْفِيُّون ... أَفْلح من كَانَ لَهُ رِبْعيُّون وَمِنْه الرّبع فِي الْمَاشِيَة، قَالَ الشَّاعِر: وَلَها بالمَاطِرُونَ إِذَا ... أكل النّمْلُ الَّذِي جَمَعَا خِرفة حَتَّى إِذَا ارْتَبَعَتْ ... سَكَنَتْ من جِلّقٍ بِيَعَا فِي قبابٍ وَسْطَ دسكرةٍ ... حَوْلَها الزَّيْتُون قَدْ يَنَعَا ويروى: خرفة عَلَى مَا فسرنا، ويروى: خلفة من الِاخْتِلَاف إِلَى الْمَكَان، وَقَول اللَّه جلّ ذكره: " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا "، وَقد اخْتلف أَهْلَ التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله، فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أنَّ مَا فَاتَ فِي أَحدهمَا قضى فِي الآخر، كَالصَّلَاةِ تفوت لَيْلًا فتُقْضى نَهَارا وتفوت نَهَارا فتقضى لَيْلًا، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَعْنى أَنَّهُ جَعلهمَا مُخْتَلفين فِي ألوانهما هَذَا أسود وَهَذَا أَبيض، وَقَالَ آخَرُونَ: إِن كلّ وَاحِد مِنْهُمَا

стр. 48

يخلف صَاحبه، إِذَا ذهب هَذَا جَاءَ هَذَا، وَقيل: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعل كَذَلِك لالتبس عَلَى النّاس أَمر دينهم فِي أَوْقَات صومهم وصتهم، وَقيل: إِن الخلفة مصدر وَلذَلِك وجدت، وَهِي خبر عَنِ اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقَول زُهَيْر: بهَا العينُ والآرامَ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وأطلاؤُها يَنْهَضْنَ من كُلِّ مجثمِ يَعْنِي تذْهب مِنْهَا طَائِفَة وتحدث مَكَانهَا أُخْرَى، وَجَائِز أَن يكون أَرَادَ الألوان والهيئات، وَجَائِز أَن يكون أَرَادَ أَنَّهَا تذْهب كَذَا وتجيء كَذَا. وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ من أَفْكه النّاس، بِمَعْنى أَنَّهُ كَانَ يمزح، وَقد روى عَنْهُ ﵇، أَنَّهُ قَالَ: " إِنِّي لأمْزَح وَلَا أَقُول إِلَّا حقًّا ". وروى عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِن اللَّه لَا يُؤاخذ المَزَّاح الصَّادِق فِي مُزاحه ". حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّازُ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ، عَنِ أبي لَهِيعَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ بَغْدَادَ الصَّيْدَنَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ ابْن الضَّحَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَزَّاحًا، وَكَانَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤاخذ المَزَّاح الصَّادِقَ فِي مُزَاحِهِ ". قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: إنّما ذكرنَا مَا ذَكرْنَاهُ من بَاب المزاح هَا هُنَا بِحَسب مَا اقْتَضَاهُ مَا تَقَدَّمَ من كلامنا لاتصاله ومناسبته إِيَّاه، وَلذكر مَا جَاءَ فِي المزاح من الِاسْتِحْسَان والرخصة وَالنَّهْي والكراهية مَوضِع غير هَذَا. حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن نصر بْن بجير القَاضِي، قَالَ: أَخْبرنِي أَبِي عَبْد اللَّه بْن نصر بْن بجير، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عبّاد بْن مُوسَى قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بَكْر الْهُذَلي، قَالَ: قَالَ لي الشَّعْبِيّ: أَلا أُحَدِّثُك حَدِيثا تحفظه فِي مجْلِس وَاحِد إِن كنت حَافِظًا كَمَا حفظته أَنَا، لمّا أُتي بِي الْحجَّاج وَأَنا مُقَيّد وَخرج إليَّ يزِيد بْن أبي مُسْلِم، فَقَالَ: إِنَّا لله وَمَا بَيْنَ دِفّتيك من الْعلم يَا شَعْبيُّ، وَلَيْسَ بِيَوْم شَفَاعَة، إِذَا دخلت عَلَى الْأَمِير فَبُؤْ لَهُ بالشِّرْك والنفاق عَلَى نَفسك فبالحَرَى أَن تنجو. فَلَمّا كنتُ قَرِيبا من الإيوان خَرَجَ مُحَمَّد بْن الحَجَّاج، فَقَالَ: إنّا لله وَمَا بَيْنَ دِفّتيك من الْعلم يَا شَعْبيُّ، وَلَيْسَ بِيَوْم شَفَاعَة، إِذَا دخلت عَلَى الْأَمِير فَبُؤْ لَهُ بالشِّرْك والنفاق فبالحرى أَن تنجو، فملا قُمْت بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: هِي يَا شُعبي، أكرمتُك وأدنيتُك وقَرّبتُ مجلسك ثُمَّ خرجتَ عَلَيْنَا؟ قلت: أصلح اللَّه الْأَمِير، أَحْزَن بِنَا الْمنزل وأجدب الجنابُ وضاق المسلك، واكتحلنا السهر، واستحلسنا الْخَوْف، ووقعنا فِي خِزْية لَمْ نَكُنْ بَرَرة أتقياء وَلَا فَجَرة أقوياء، قَالَ: صدق وَالله، مَا بَرُّوا حِين خَرَجوا وَلَا قَووا حِين فجروا، أطْلقُوا عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: تَعَهّدْني وكُنْ مني قَرِيبا، فَأرْسل إليَّ يَوْمَا نصف النَّهَار وَلَيْسَ عِنْدَهُ أحد، فَقَالَ: مَا تقولُ فِي أمٍّ وجَدٍّ وَأُخْت؟ قلت: اخْتلف فِيهَا خَمْسَة من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، قَالَ: مَنْ؟ قلت: عليٌّ

стр. 49

وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعُثْمَان وَزيد بن ثَابت، قَالَ: فَمَا بَال عَليّ؟ قلت: جعلهَا سِتَّة فَأعْطى الْأُخْت النّصْف ثَلَاثَة، وَأعْطى الْأُم الثُّلُث سَهْمَيْنِ، وَأعْطى الْجد السُّدس سَهْما، قَالَ: فَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود؟ قلت: جعلهَا أَيْضا ستَّة، وَكَانَ لَا يفضِّل أمًّا عَلَى جَد، فَأعْطى الْأُخْت النّصْف ثَلَاثَة، وَأعْطى الْأُم ثُلْثَ مَا بَقِي، وَأعْطى الْأُم الثُّلُث وَأعْطى الْأُخْت الثُّلُث وَأعْطى الْجد الثُّلُث وَأعْطى الْجد الثُّلثَيْنِ، قَالَ: فَمَا قَالَ: قَالَ عُثْمَان؟ قلت: جعلهَا أَثلَاثًا فَأعْطى الْأُم الثُّلُث وَأعْطى الْأُخْت الثُّلُث وَأعْطى الْجد الثُّلُث، قَالَ: فَمَا قَالَ زَيْدُ؟ قلت: جعلهَا من تِسْعَة فَأعْطى الْأُم الثَّلَاثَة وَأعْطى الْأُخْت سَهْمَيْنِ وَأعْطى الْجد أَرْبَعَة، جعلهَا مِنْهَا بِمَنْزِلَة الْأَخ، قَالَ: يَا غُلَام امضها عَلَى مَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان، قَالَ: إِذْ دَخَلَ الْحَاجِب فَقَالَ: إِن بِالْبَابِ رُسُلا، قَالَ: أدخلهم، فَدَخَلُوا وسُيُوفهم عَلَى عَواتقهم وعَمَائمهم فِي أوساطهم وكتبهم بأيمانهم، قَالَ: ائْذَنْ، فَدخل رَجُل من بني سُلَيم يُقَالُ لَهُ سَيّابة بْن عَاصِم، قَالَ: من أَيْنَ؟ قَالَ: من الشَّام، قَالَ: كَيْفَ أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ كَيْفَ هُوَ فِي بدنه. كَيْفَ هُوَ فِي حَاشِيَته، كَيْفَ كَيْفَ؟ قَالَ: خَير، قَالَ: كَانَ وَرَاءَك من غيث؟ قَالَ: نَعَمْ أصابتني فِيمَا بيني وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَلَاث سحائب، قَالَ: فانعت كَيفَ لي كَيْفَ كَانَ وَقع الْمَطَر وَكَيف كَانَ أَثَره وتباشيره؟ قَالَ: أصابتني سَحَابَة بحوران فَوَقع قطر صِغَار وقَطْرٌ كبار، فَكَانَ الصغار لُحْمة الْكِبَار، وَوَقع سِبْطًا مُتِداركًا وَهُوَ السَحُّ الَّذِي سمعتَ بِهِ، فواد سَائل وواد نازح، وَأَرْض مقبلة وَأَرْض مُدبرَة، وأصابتني سَحَابَة بسُوان فأندت الدياث وأسالت الغَرَّار وأدحضت التلاع وصدعت عَنِ الكمأة أماكنها، وأصابتني سَحَابَة بالقريتين، فأفاءت الأَرْض بعد الرّيّ،، وامتلأت الإخاذ وأفعمت الأودية، وجئتك فِي مثل مجرِّ الضَّبع، قَالَ: ائْذَنْ، فَدخل رَجُل من بني أَسد، قَالَ: هَل كَانَ وَرَاءَك غيث؟ قَالَ: لَا، كثرت الْأَعْصَار واغبرت الْبِلَاد وَأكل مَا أشرف من الجنبة، واستيقنا أَنَّهُ عَامَ سنة، قَالَ: بئس الْمخبر أَنْت، قَالَ: أَخْبَرتك بِمَا كَانَ، قَالَ: ائْذَنْ، قَالَ: فَدخل رجلٌ من بني حنيفَة من أَهْلَ الْيَمَامَة، قَالَ: هَلْ كَانَ وَرَاءَك من غيث؟ قَالَ: سَمِعت الرواد يدعونَ إِلَى ريادتها، وَسمعت قَائِلا يَقُولُ: هَلْ أظعنكم إِلَى محطة تطفأ فِيهَا النيرَان وتَشَكّى فِيهَا النِّسَاء، وتتنافس فِيهَا المعزى، قَالَ: فوَاللَّه مَا درى الحَجَّاج مَا أَرَادَ. قَالَ: وَيحك إِنَّمَا تحدث أَهْلَ الشَّام فأفهمهم، قَالَ: أما تطفأ النيرَان فأخصب النّاس فَلا تُوقد نَار يختبز بهَا، فَكَانَ السّمن والزبد وَاللَّبن، وأمّا تشكِّي النِّسَاء فَإِن الْمَرْأَة تظل تُريق بُهمها وتَمْحض لَبنهَا فتبيت وَلها أَنِين من عَضُدَيْها كَأَنَّهُمَا ليسَا مِنْهَا، وأمّا تنافس المعزى فَإِنَّهَا ترى من أَنْوَاع الشّجر وألوان الثِّمَار ونَوْر النَّبَات مَا يُشبع بُطُونها وَلَا يُشبع عيونها، فتبيتُ وَقد امْتَلَأت كروشها، لَهَا من الكَظَّة جَرَّة، وَتبقى الجَرة حَتَّى يسْتَنْزل بهَا الدَّرَّة، قَالَ: ائْذَنْ فَدخل رَجُل من الْحَمْرَاء من الموَالِي، وَكَانَ من أَشد أَهْلَ

стр. 50

زَمَانه، قَالَ: من أَيْنَ؟ قَالَ: من خُرَاسَان، قَالَ: هَلْ كَانَ وَرَاءَك من غيث؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِن لَا أحسن أَن أَقُول كَمَا قَالَ هَؤُلاءِ، قَالَ: فَمَا تحسن أَنْت؟ قَالَ: أصابتني سَحَابَة بحلوان فَلم أزل أَطَأ فِي أَثَرهَا حَتَّى دخلتُ عَلَى الْأَمِير، قَالَ: إِن كنت أقصرهم فِي الْمَطَر قصَّة، إِنَّك لأطولهم بِالسَّيْفِ خطْوَة عود إِلَى خبر الشَّعْبِيّ مَعَ الحَجَّاج وحَدثني أَبِي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الصُّوفيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عُمَر الأقطع الرقي، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْن يُونُس، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبّاد بْن مُوسَى رَجُل من أَهْلَ وَاسِط عَنْ أبي بَكْر الْهُذلِيّ، عَنِ الشَّعْبِيّ، قَالَ: أَتَى بِي الحَجَّاج موثقًا فَلَمّا انتهينا إِلَى بَاب الْقصر لَقِيَنِي يزِيد بْن أبي مُسْلِم، فَقَالَ: إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون يَا شعبي لمّا بَيْنَ دفتيك من الْعلم، وذَكَرَ الحَدِيث. وروى لَنَا خبر الحَجَّاج مَعَ الشَّعْبِيّ عَلَى نَحْو مَا أَتَيْنَا بِهِ فِي هَذَا الْجُزْء من غَيْر طَرِيق، وَبَعض رواياته يخْتَلف ألفاظها وَيزِيد بَعْضهَا عَلَى بَعْض، وَأَنا أذكر هَا هُنَا طَرِيقا حضرني وَقرب مني. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان النهرواني، وَحَمْزَة بْن الْحُسَيْن بْن عُمَر أَبُو عِيسَى السِّمْسار، قَالَا: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُف بْن بهْلُول التّميميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِر بْن نُوح الْحماني، قَالَ: حَدَّثَنِي مجَالد، عَنِ الشَّعْبِيّ، قَالَ: لمّا قَدِمَ الحَجَّاج الْكُوفَة قَالَ لِابْنِ أبي مُسْلِم: اعْرِض على الْعُرَفَاء، فعرضهم عَلَيْهِ فَرَأى فيهم وحشًا من وَحش النّاس، قَالَ: وَيحك: هَؤُلاءِ خلفاء الْغُزَاة فِي عِيَالهمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اطرحْهُم واغدُ عليّ بالقبائل، فغدا عَلَيْهِ بالقبائل عَلَى رَايَاتها، فَجعلُوا يُعْرضون عَلَيْهِ فَإِذا وَقعت عينه عَلَى رَجُل دَعَاهُ، فَدَعَا بالشّعْبيِّين فمرت بِهِ السن الأولى فَلم يدع مِنْهُم أحدا، وَمَرَّتْ بِهِ السن الثَّانِيَة فدعاني، فَقَالَ: من أَنْت؟ فَأَخْبَرته؟ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَست، فَقَالَ: قَرَأت؟ قلت: نَعَمْ، قَالَ: رويت الشّعْر؟ قلت: قَدْ نظرت فِي مَعَانِيه، قَالَ: نظرت فِي الْحساب؟ قلت: نَعَمْ، فَقَالَ: لِابْنِ أبي مُسْلِم: إِنَّا لنحتاج إِلَيْهِ فِي بَعْض الدَّوَاوِين، قَالَ: رويت مغازي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قلت: نَعَمْ قَالَ: حَدَّثَنِي بِحَدِيث بدر، قَالَ: فابتدأت لَهُ من رُؤيا عَاتِكَة حَتَّى أذِّن المؤذنّ لِلظهْرِ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَالَ: لَا تبرحْ، فَخرج فصلّى الظّهْر وأتممتُها لَهُ، فجعلني عَرِيفًا عَلَى الشّعْبييِّن ومِنْكبًا عَلَى جَمِيع هَمدان وفَرَضَ لي فِي الشّرَف، فَلم أزل عِنْدَهُ بِأَحْسَن منزلَة حَتَّى كَانَ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَشْعَث، فَأَتَانِي قراء أَهْلَ الْكُوفَة فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرو! إِنَّك زعيم الْقُرَّاء، فَلم يزَالُوا لي حَتَّى خرجتُ مَعَهم فَقُمْت بَيْنَ الصفين أَذْكُر الحَجَّاج وأعيبه بأَشْيَاء قَدْ علمتُها، قَالَ: فبلغني أَنَّهُ قَالَ: أَلا تعْجبُونَ من هَذَا الشَّعْبِيّ الَّذِي جَاءَنِي وَلَيْسَ فِي الشّرف من قومه، فألحقتُه بالشرف، وَجَعَلته عَرِيفًا عَلَى الشّعْبييِّن ومِنْكبًا عَلَى هَمْدان، ثُمَّ

стр. 51

خَرَجَ مَعَ عَبْد الرَّحْمَن يُحَرَض عليّ، أما إِنَّه لَئِن أمكن الله مِنْهُ لأجعلن الدُّنْيَا أضيف عَلَيْهِ من مِسْك جمل، قَالَ: فَمَا لبثنا أَن هُزِمْنا فَجئْت إِلَى بَيْتِي فدخلتُه وأغلقت عليّ بَابي، فَمَكثت تسْعَى أشهر الدُّنْيَا عليّ أضيقُ من مسك جَمل، فندب النّاس لخراسان، فَقَامَ قُتَيْبَة بن مُسلم، فَقَالَ: أَنا لَهَا، فعقد لَهُ خُرَاسَان وعَلى مَا غلب عَلَيْهِ مِنْهَا وَأمن لَهُ كل خَائِف، فَنَادَى مناديه: إِنَّه من لحق بعسكر قُتَيْبَةَ فَهُوَ آمن، فَجَاءَنِي شيءٌ لم يجيئني شيءُ هُوَ أسَرٌّ مِنْهُ، فَبعث بمولى لي إِلَى الْكُنَاسة، فَاشْترى لي حمارا وزودني، ثمَّ خرجت فَكنت فِي الْعَسْكَر، فَلم أزل مَعَه حَتَّى أَتَيْنَا فرغانة، فَجَلَسَ ذَاتَ يَوْمَ وَقد برّق، فنظرتُ إِلَيْهِ فعرفتُ مَا يُرِيد، فَقلت: أَيهَا الْأَمِير! عِنْدِي عَلَمُ مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: وَمن أَنْت؟ قَالَ: قلت: أعيذُك أَلا تَسَلْ عَنْ ذَاكَ، قَالَ: أَجْلِ، فَعرف أَنِّي مِمَّن يُخفي نَفسه، فَدَعَا بِكِتَاب فَقَالَ: أكتب نُسْخَة، قلت: لستُ مُحْتَاجا إِلَى ذَلِكَ، فَجعلت أمل عَلَيْهِ وَهُوَ ينظر إليَّ حَتَّى فرغتُ من كتاب الْفَتْح، قَالَ: فَحَمَلَنِي عَلَى بغلة وَأرْسل إليَّ بِسَرَقٍ من حَرِير، وكنتُ عِنْدَهُ فِي أحسن منزلَة، فَإِنِّي لَيْلَة أتعشى مَعَه إِذْ أَنَا برَسُول من الْحجَّاج بِكِتَاب فِيهِ: إِذْ نظرتَ فِي كتابي هَذَا فَإِن صَاحب كتابك عَامر الشَّعْبِيّ، فَإِن فاتك قطعت يَديك على رجلك وعَزَلْتُك، قَالَ: فَالْتَفت إليَّ فَقَالَ: مَا عرفتُك قبل السَّاعَة فَامْضِ حَيْث شِئْت من الأَرْض، فوَاللَّه لأحلفنَّ لَهُ بكلِّ يَمِين، قَالَ: قلت: أَيهَا الْأَمِير إِن مثلي لَا يَخْفى، قَالَ: فَقَالَ: أَنْت أعلم، قَالَ: فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ مَعَ قَوْمٍ وأوصاهم بِي، وَقَالَ: إِذا نظرتم إِلَى خضراء وَاسِط فاجعلوا فِي رجلَيْهِ قيدا ثُمَّ ادخُلُوا بِهِ عَلَى الحَجَّاج، قَالَ: فَلَمّا دنوتُ من وَاسِط استقبلني ابْن أبي مُسْلِم فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرو! إِنِّي لأضنُّ بك عَلَى الْقَتْل، إِذَا دخلت عَلَى الحَجَّاج فَلَمّا رَآنِي قَالَ: لَا مرْحَبًا بك وَلَا أَهلا يَا شعبي الْخَبيث، جئتني وَلست فِي الشّرَف من قَوْمك وَلَا عَرِيفًا وَلَا مِنْكبًا، فألحقتك بالشرف وجعلتك عريفًا عَلَى الشّعْبييِّن ومِنْكبًا عَلَى جَمِيع هَمدان، ثُمَّ خرجتَ مَعَ عَبْد الرَّحْمَن تُحَرِّض عليّ؟ قَالَ: وَأَنا سَاكِت لَا أُجِيبهُ، قَالَ: فَقَالَ لي: تكلم، قَالَ: قلت: أصلح اللَّه الْأَمِير، كلّ مَا ذكرت من فضلك فَهُوَ عَلَى مَا ذكرت، وكل مَا ذكرت من خروجي مَعَ عَبْد الرَّحْمَن فَهُوَ كَمَا ذَكَرت، وَلَكنَّا قَد اكتحلنا بَعْدَك بالسهر وتَحَلّسنا الْخَوْف، وَلم نَكُنْ مَعَ ذَلِكَ بررة أتقياء وَلَا فجرة أقوياء، وَإِن حقنت لي دمي واستقبلت بِي التَّوْبَة؟ قَالَ: قَدْ حقنتُ دمك واستقبلتُ بك التَّوْبَة، قَالَ: فَقَالَ ابْن أبي مُسْلِم: الشَّعْبِيّ كَانَ أعلم مني حَيْث لَمْ يقبل مني الَّذِي قلت لَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر، وَحَمْزَة بْن الْحُسَيْن، قَالَا: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور قَالَ: سَمِعت الْأَصْمَعِي، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُثْمَان الشحام، قَالَ: لمّا أَتَى الحَجَّاج بالشعبي عاتبه، فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيّ: أصلح اللَّه الْأَمِير، أجدب بِنَا الجَنَاب، وأحزن بِنَا الْمنزل، واستحلسنا الْخَوْف، واكتحلنا السهر، وأصابتنا خِزْية لَمْ نَكُنْ فِيهَا بررة أتقياء، وَلَا فجرة أقوياء، قَالَ: لله دَرُّك

стр. 52

يَا شعَبي. قَالَ القَاضِي: وَالَّذِي ذَكَرَ فِي هَذَا الْخَبَر عَلَى مَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بدأنا بهَا ذَكَرَ الْفَرِيضَة الَّتِي سَأَلَ الْحجَّاج الشّعبِيّ عَنْهَا فأجابهن وَذكر أنَّ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اخْتلفُوا فِيهَا عَلَى خَمْسَة أَقْوَال فَهَذَا عَلَى مَا ذكره، وَهَذِه فَرِيضَة من فَرَائض الْجد مَعْرُوفَة يسميها الفرضيون الخَرْقاء، وأصول الصَّحَابَة فِيهَا مُخْتَلفَة، فَمنهمْ من يُنْزل الجَدَّ بِمَنْزِلَة الْأَب الْأَدْنَى فَلا يُورث الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات مَعَه، وَمِنْهُم من يُعْطي الْأَخَوَات من الْأَب وَالأُم أَو الْأَب فرائضهن وَيُورث الْجد بَعْدَ مَا يسْتَحقّهُ، وَهَذَا مَذْهَب عليّ وَعبد اللَّه، إِلَّا أنَّ عَبْد اللَّه لَا يفضِّل أُمًّا عَلَى جَدّ، وَقد روى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة من مُرَبّعاته، وَمِنْهُم من يُنزل الْجد مَعَ الْأَخَوَات من الْأَب وَالأُم أَوْ من الْأَب بِمَنْزِلَة الْأَخ فِي الْمُقَاسَمَة، وَبينهمْ فِي الْقدر الَّذِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمُقَاسَمَة ويفرض للْجدّ فَرِيضَة، خلاف لَيْسَ هَذِه مَوْضِعه، وروى منع الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات الْمِيرَاث مَعَ الْجد عَنْ أبي بَكْر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير فيعدد كثير من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من عُلَمَاء الْأَمْصَار وَالْمُسْلِمين، والى هَذَا نَذْهَب، وَبَيَانه مشروح فِيمَا ألفناه من كتبنَا فِي فَرَائض الْمَوَارِيث. لَوْ حدثت أحدا لحدثتك وحَدثني أَحْمَد بْن كَامِل، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن القَاسِم الْمَعْرُوف بِأبي العيناء، قَالَ: أتيت عَبْد اللَّه بْن دَاوُد الْخُرَيْبِي فَقَالَ لي: قَدْ حفظتُ الْقُرْآن، قَالَ: فاقرأ: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ "، قَالَ: فَقَرَأت الْعشْر حَتَّى أنفدتْه، قَالَ: اذْهَبْ فتعلم الْفَرَائِض، قَالَ: فَلت: قَدْ حفظت الصلب وَالْجد والْكُبْر، قَالَ: فأيما أقرب إِلَيْكَ، ابْن أَخِيك أَوْ عمك؟ قَالَ: قلت: ابْن أخي، قَالَ: وَلم؟ قَالَ: قلت: لِأَن ابْن أخي من أَبِي، وَعمي من جدي، قَالَ: اذْهَبْ الْآن فتعلم الْعَرَبيَّة، قَالَ: قلت: قَدْ علمتها قَبْلَ ذين، قَالَ: فَلم قَالَ عُمَر بْن الْخطاب حِين طعن: يَا لله للْمُسلمين، لم فتح تِلْكَ اللَّام وَكسر هَذِهِ؟ قَالَ: قلت: فتح تِلك للدُّعاء ومسر هَذِهِ للاستنصار قَالَ: لَوْ حَدّثْت أحدا لحدثتك. قَالَ القَاضِي: قلت لِابْنِ كَامِل أملّ هَذَا الحَدِيث: مَا أنصفه لِمَا أوقع بِهِ هَذِهِ المحنة، وأسرع بِمَا لَمْ يُنكره من الْإِجَابَة، بمنعهما التمس من الْفَائِدَة، فَضَحِك. قَالَ القَاضِي: هَذَا الْعشْر الَّذِي استقرأه الْخُريبي أَبَا العيناء يعرف بالصهيبي ويمتحن بِهِ من يتعاطى الْحِفْظ من الْقُرَّاء، وَله حَدِيث نذكرهُ فِيمَا يَأْتِي من مجالسنا هَذِهِ إِن شَاءَ اللَّه، وأمّا اللَّام فِي الْمَوْضِعَيْنِ من هذَيْن فَإِن أَئِمَّة النَّحْوِيين من الْكُوفِيّين والبصريين رَوَوْها مَفْتُوحَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِذا قيل: يَا لَلْقوم، فَهُوَ استغاثة تُفتح فِيهِ لَام المَدْعو، وَإِذا قيل: لِلْماء فالكسر لَازم لَام المَدْعُوِّ لَهُ أَوْ إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أدعوكم للْمَاء، وَقَالَ الشَّاعِر: يالَ بكرٍ انشروا لي كُلَيْبًا ... يالَ بكرٍ أَيْنَ أَيْنَ الفِرَارُ؟

стр. 53

وَقَالَ الْأَعْشَى: يالَ قَيْسِ لِمَا لَقِينَا العَامَا أَي أدعوكم لهَذَا، وَشرح واستقصاء فروعه وَعلله يطول، وَله مَوضِع غَيْر هَذَا. وَصِيَّة الحَجَّاج بِأَهْل الْبَصْرَة حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ: قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَائِشَة: قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ: أَرَادَ الحَجَّاج الْخُرُوج من الْبَصْرَة إِلَى مكَّة فَخَطب النّاس، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَة إِنِّي أُرِيد الْخُرُوج إِلَى مكَّة وَقد استخلفتُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدًا ابْني وأوصيته فِيكُم بِخِلَاف مَا أوصى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي الْأَنْصَار، فَإِنَّهُ أوصى فِي الأَنْصَار أَن يُقْبل من محسنهم وَلَا يتَجَاوَز عَنْ مسيئهم، أَلا وَإِنِّي قَدْ أوصيته فِيكُم أَلا يقبل من مُحْسنكم وَلَا يتَجَاوَز عَنْ مسيئكم، أَلا وَإِنَّكُمْ قَائِلُونَ بعدِي كلمة لَيْسَ يَمْنعكم من إظهارها إِلَّا الْخَوْف، أَلا وَإِنَّكُمْ قَائِلُونَ: لَا أحسن الله لَهُ الصَّحَابَة، إِنِّي معجلٌ لَكُم الْجَواب: لَا أحسن اللَّه عَلَيْكُم الْخلَافَة. الْمجْلس التَّاسِع مؤرق وفضيلة كتمان السِّرّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بِمَ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدثنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مِهْرَانَ الدَّارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُهْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرِبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِن كَانَ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُؤَرَّقٌ وَكَانَ مُتَعَبِّدًا، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي صَلاتِهِ إِذْ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَاشْتَهَاهُنَّ وَانْتَشَرَ حَتَّى قَطَعَ صَلاتَهُ، فَغَضِبَ فَأَخَذَ قَوْسَهُ فَقَطَعَ وَتَرَهَا فَعَقَدَهُ بِمَذَاكِيرِهِ وَشَدَّهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، ثُمَّ مَدَّ رِجْلَهُ فَانْتَزَعَهَا، ثُمَّ أَخَذَ طِمْرَيْهِ وَنَعْلَيْهِ حَتَّى أَتَى أَرْضًا لَا أَنِيسَ بِهَا وَلا وَحْشَ، فَاتخذ عَرِيشًا ثمَّ قَالَ يُصَلِّي، فَجَعَلَ كُلَّمَا أَصْبَحَ انْصَدَعَتْ لَهُ الأَرْض، فَخرج خَارِجَة مِنْهَا وَمَعَهُ إِنَاءٌ فِيهِ طَعَامٌ فَيَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ الأَرْضُ، فَإِذَا أَمْسَى فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ناسٌ مِنْهُ فَأَتَاهُ رَجُلانِ مِنَ الْقَوْمِ فَمَرَّا تَحْتَ اللَّيْلِ فَسَأَلاهُ عَنْ قَصْدِهِمَا فَسَمَتَ لَهُمَا بِيَدَيْهِ، فَقَالَ: هَذِه قصد كَمَا حَيْثُ تُرِيدَانِ، فَسَارَا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا يُسْكِنُ هَذَا الرجل هَا هُنَا؟ أَرْضٌ لَا أَنِيسَ بِهَا وَلا وَحْشَ، وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَعْلَمَ عِلْمَهُ، فَرَجَعَا فَقَالُوا لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا يُقِيمُكَ بِهَذَا الْمَكَانِ، بِأَرْضٍ لَا أَنِيسَ فِيهَا وَلا وَحْشَ؟ فَقَالَ: امْضِيَا لِشَأْنِكُمَا وَدَعَانِي، فَأَلَحَّا عَلَيْهِ قَالَ: فَإِنِّي مُخْبِرُكُمَا عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَمَ عَلَيَّ مِنْكُمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ أَظْهَرَ مِنْكُمَا أَهَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالا: نَعَمْ قَالَ: انْزِلا فَلَمَّا أَصْبَحَا خَرَجَ مِنَ الأَرْضِ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الطَّعَامِ وَمِثْلاهُ مَعَهُ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا

стр. 54

ثمَّ دخل فَخرج عَلَيْهِم شَرَابٌ فِيهِ إِنَاءٌ مِثْلُ الَّذِي كَانَ يخرج فِي كلي يَوْمٍ وَمِثْلاهُ مَعَهُ، فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا ثُمَّ دَخَلَ فَالْتَأَمَتِ الأَرْضُ، فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ: مَا يُعْجِلُنَا؟ هَذَا طَعَامٌ وشرابٌ وَقَدْ عَلِمْنَا سَمْتَنَا مِنَ الأَرْضِ، امْكُثْ إِلَى الْعَشَاءِ فَمَكَثَا فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا فِي الْعَشَاءِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِثْلُ الَّذِي خَرَجَ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: امْكُثْ حَتَّى نُصْبِحَ، فَمَكَثَا فَلَمَّا أَصْبَحَا خَرَجَ إِلَيْهِمَا مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَكِبَا فَانْطَلَقَا، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَلَزِمَ بَابَ الْمَلِكِ حَتَّى كَانَ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَقْبَلَ عَلَى تِجَارَتِهِ وَعَمَلِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَلِكُ لَا يَكْذِبُ أحدٌ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ كَذْبَةً تُعْرَفُ إِلا صَلَبَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً فِي السَّمَرِ فَحَدَّثُوا مَا رَأَوْا مِنَ الْعَجَائِبَ أَنْشَأَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يحدث، فَقَالَ: لأحدثنك أَيهَا لملك بِحَدِيثٍ مَا سَمِعْتَ بِأَعْجَبَ مِنْهُ قَطُّ، فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي رَأَى مِنْ أَمْرِهِ، قَالَ الْمَلِكُ: مَا سَمِعْتُ بِكَذِبٍ قَطُّ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، وَاللَّهِ لَتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ وَإِلا صَلَبْتُكَ، فَقَالَ: بَيِّنَتِي فُلانٌ، فَقَالَ: رِضًا ائْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا أَتَاهُ، قَالَ الْمَلِكُ: إِنَّ هَذَا حَدَّثَنِي أَنَّكُمَا مَرَرْتُمَا بِرَجُلٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ: أَوَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَكُونُ، وَلَوْ أَنِّي حَدَّثْتُكَ بِهَذَا لَكَانَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَصْلُبَنِي، قَالَ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، فَأَدْخَلَ الَّذِي كَتَمَ فِي خَاصَّتِهِ وَسَمَرِهِ وَأَمَرَ بِالآخَرِ فَصُلِبَ، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : " فَأَمَّا الَّذِي كَتَمَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ مكرمه فِي الآخِرَةِ " ثُمَّ نَظَرَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزْنِيُّ إِلَى ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُثَنَّى: أَسَمِعْتَ جَدَّكَ أَنَسًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. بدءُ أَمر الْخضر ﵇ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ فُرَاتٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ الْخَضِرُ، وَإِلْيَاسُ أَخُوهُ - أَوْ كَمَا قَالَ - فَقَالَ إِلْيَاسُ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ وَابْنُكَ الْخَضِرُ لَيْسَ يَدْخُلُ فِي مُلْكِكَ، فَلَوْ زَوَّجْتَهُ لِيَكُونَ وَلَدُهُ مَلِكًا بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ تَزَوَّجْ، فَقَالَ: لَا أُرِيد، قَالَ: لَا بُد لَكَ، قَالَ: فَزَوِّجْنِي، فَزَوَّجَهُ امْرَأَةً بِكْرًا، فَقَالَ لَهَا الْخَضِرُ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي فِي النِّسَاءِ فَإِنْ شِئْتِ عَبَدْتِ اللَّهَ مَعِي فَأَنْتِ فِي طَعَامِ الْمَلِكِ وَنَفَقَتِهِ، وَإِنْ شِئْتِ طَلَّقْتُكِ، قَالَتْ: بَلْ أَعْبُدُ اللَّهَ مَعَكَ، قَالَ: فَلا تُظْهِرِي سِرِّي فَإِنَّكِ إِنْ حَفِظْتِ سِرِّي حَفِظَكِ اللَّهُ، وَإِنْ أَظْهَرْتِ عَلَيْهِ أَهْلَكِ أَهْلَكَكِ اللَّهُ، فَكَانَتْ مَعَهُ سَنَةً لَمْ تَلِدْ، فَدَعَاهَا الْمَلِكُ فَقَالَ: أَنْتِ شَابَّةٌ وَابْنِي شَابٌّ فَأَيْنَ الْوَلَدُ وَأَنْتِ مِنْ نِسَاءٍ وُلَّدٍ؟ فَقَالَتْ: إِنَّمَا الْوَلَدُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَدَعَا الْخَضِرَ فَقَالَ: أَيْنَ الْوَلَدُ يَا بُنَيَّ، فَقَالَ: الْوَلَدُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: لَعَلَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ عَقِيمٌ لَا تَلِدُ، فَزَوِّجْهُ امْرَأَةً قَدْ وَلَدَتْ، فَقَالَ لِلْخَضِرِ: طَلِّقْ هَذِهِ، قَالَ: لَا تُفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهَا فَقَدِ اغْتَبَطْتُ بهَا، فَقَالَ: لَا بُد، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ زَوَّجَهُ ثَيِّبًا، قَدْ وَلَدَتْ، فَقَالَ لَهَا

стр. 55

الْخَضِرُ كَمَا قَالَ لِلأُولَى، فَقَالَتْ: بَلْ أَكُونُ مَعَكَ، فَلَمَّا كَانَ الْحَوْلُ دَعَاهَا فَقَالَ: إِنَّكَ ثَيِّبٌ قَدْ وَلَدْتِ قَبْلَ ابْنِي فَأَيْنَ وَلَدُكِ، فَقَالَتْ: هَلْ يَكُونُ الْوَلَدُ إِلَّا من بعل؟ وبعلي منشغل بِالْعِبَادَةِ وَلا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَقَالَ: اطْلُبُوهُ، فهرب فَطَلَبه ثَلَاثَة فأصابته اثْنَانِ مِنْهُمْ فَطَلَبَ إِلَيْهِمَا أَنْ يُطْلِقَاهُ فَأَبَيَا، وَجَاءَ الثَّالِثُ فَقَالَ: لَا تَذْهَبَا بِهِ فَلَعَلَّهُ يَضْرِبُهُ وَهُوَ وَلَدُهُ فَأَطْلَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَا إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ الاثْنَانِ أَنَّهُمَا أَخَذَاهُ وَأَنَّ الثَّالِثَ أَخَذَهُ مِنْهُمَا، فَحَبَسَ الثَّالِثَ، ثُمَّ فَكَّرَ الْمَلِكُ فَدَعَا الاثْنَيْنِ فَقَالَ: أَنْتُمَا خَوَّفْتُمَا ابْنِي حَتَّى هَرَبَ، فَذَهَبَ فَأَمَرَ بِهِمَا فَقُتِلا، وَدَعَا بِالْمَرْأَةِ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ هَرَّبْتِ ابْنِي وَأَفْشَيْتِ سِرَّهُ، وَلَوْ كَتَمْتِ عَلَيْهِ لأَقَامَ عِنْدِي، فَقَتَلَهَا وَأَطْلَقَ الْمَرْأَةَ الأُولَى وَالرَّجُلَ، فَذَهَبَتْ فَاتَّخَذَتْ عَرِيشًا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ تَحْتَطِبُ وَتَبِيعُهُ وَتَتَقَوَّتُ بِثَمَنِهِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَة فَقير الْحَال فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: وَأَنْتَ تَعْرِفُ اللَّهَ؟ قَالَ: أَنَا صَاحِبُ الْخَضِرِ، قَالَتْ: وَأَنَا امْرَأَةُ الْخَضِرِ، فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ لَهُ، وَكَانَتْ مَاشِطَةَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهَا بَيْنَمَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ سَقَطَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ رَبِّي، فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لَا رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ، قَالَتْ: أُخْبِرُ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَا بِهَا، وَقَالَ: ارْجِعِي، فَأَبَتْ فَدَعَا بِنُقْرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأَخَذَ بَعْضَ من وَلَدِهَا فَرَمَى بِهِ فِي النُّقْرَةِ وَهِيَ تَغْلِي، ثُمَّ قَالَ: تَرْجِعِينَ؟ قَالَتْ: لَا، فَأَخَذَ الْوَلَدَ الآخَرَ حَتَّى ألْقى الْأَوْلَاد أَجْمَعِينَ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَرْجِعِينَ؟ قَالَتْ: لَا، فَأَمَرَ بِهَا، قَالَتْ: إِنَّ لِي حَاجَةً، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: إِذَا أَلْقَيْتَنِي فِي النُّقْرَةِ تَأْمُرُ بِالنُّقْرَةِ أَنْ تُحْمَلَ ثمَّ تطفأ فِي بَيْتِي بِبَابِ الْمَدِينَةِ وَتُنَحِّيَ النُّقْرَةَ وَتَهْدِمَ الْبَيْتَ عَلَيْنَا حَتَّى تَكُونَ قُبُورَنَا، فَقَالَ: نَعَمْ إِنَّ لَكِ عَلَيْنَا حَقًّا، قَالَ: فَفَعَلَ بِهَا ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَشَمَمْتُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رِيحُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَوَلَدِهَا " التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر قَالَ القَاضِي: فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ عظة ومعتبر، وتنبيه لمن عقل ومُزْدَجر، وَفِيمَا اقْتضى فِيهَا مَا دَعَا ذَوي النَّهْي إِلَى الصدْق وَحفظ الْأَمَانَة، وحَذَّر من ركُوب الْغدر والخيانة، وَفِي خزن السِّر وحياطته، وصونه وحراسته مَا لَا يحِيل عَلَى الألباء وفور فضيلته، كَمَا لَا يذهب عَلَيْهِمْ مَا فِي إفشائه وإضاعته، من سُقُوط الْقدر، وقبيح الذّكر، وَمَا يُكسب صَاحبه من حَطَّه عَنْ منزلَة من يشرف ويعتمد عَلَيْهِ، ويؤتمن ويركن فِي جلائل الخطوب إِلَيْهِ، وَالنَّاس فِي هذَيْن الخلقين المتناقضين مُعافًى مُكْرم، ومبتلى مذمّم، وَقد قَالَ بَعْض من افتخر بالخلق الْكَرِيم مِنْهَا: وأطعن الطعنة النجلاء عَنْ عِرْضٍ ... وأكتمُ السِّرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ العنقِ وَقَالَ بعض من خَالف هَذِه صفته، وسلك خلاف محجته:

стр. 56

وَلا أكتمُ الأسرارَ لكنْ أُذِيعُها ... وَلَا أدعُ الأسرارَ تغلِي عَلَى قَلْبِي وَمَا أَتَى من هَاتين الخليقتين المتضادتين من مَنثور الْأَخْبَار ومنظوم الْأَشْعَار مَا يتعب إحصاؤه، ويمل استقصاؤه، ولعلنا نضمن فِي مجَالِس كتَابنَا هَذَا مِنْهُ مَا يستفيده النَّاظر فِيهِ، إِذَا أَتَى مَا يجرّه ويقتضيه، إِن شَاءَ اللَّه. وَذكرت من النَّوْع الَّذِي تضَاد فِيهِ فريقان فِيمَا وصف بِهِ كلّ وَاحِد مِنْهُمَا نَفسه، شَيئًا أَحْبَبْت أَن أثْبته فِيمَا هَا هُنَا، وَإِن كَانَ بَابه أوسع من أَن يُستوعى، وَأكْثر من أَن يسْتَغْرق ويستوفى، وَهُوَ مَا روى لَنَا أَن منفوسة بِنْت زَيْدُ الفوارس لمّا أهديت إِلَى قيس بْن عَاصِم قَرِّبت إِلَيْهِ إهداء، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أكيلي؟ فَلم تدرِ مَا يَقُولُ لَهَا، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أيا ابنةَ عَبْد الله وَابْنَة مالكٍ ... وَيَا بنة ذِي الْبُرْدَيْن والفَرَس الوردْ إِذَا مَا صنعتِ الزَّاد فالتمسي لَهُ ... أكيلا فَإِنِّي لستُ أكلهُ وحدِي أَخا طارِقًا أَوْ جَارَ بَيْتِ فإنني ... أخافُ مَلامات الأحاديثِ من بعدِي وَإِنِّي لعبد الضَّيْف مَا غَيْر ذلة ... وَمَا فِي إِلَّا ذَاك من شِيَمِ العبدِ فَسَمعهُ جَار لَهُ وَكَانَ مبخلا، فَقَالَ: لبيني وَبَين الْمَرْء قيس بْن عَاصِم ... بِمَا قَالَ بون فِي الفعال بعيد وَإِنَّا لنجفو الضَّيْف من غَيْر عسرة ... مَخَافَة أَن يغرى بِنَا فَيَعُود عُقبى الْحسنى حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْحُسَيْن بْن قتبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحكم الْأَعْمَى، عَنْ أبي خَالِد بْن مُحَمَّد، عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم، عَنْ أبي عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق ﵁، أنَّ رَجُلا من بني إِسْرَائِيل خَرَجَ فِي بَعْض حَوَائِجه، وَكَانَت لَهُ امْرَأَة فأوصى بهَا أَخَاهُ، وَسَأَلَهُ يتعهدها وَيقوم بحوائجها وَمَا تُرِيدُ، فَكَانَ يَأْتِيهَا فيسألها عَنْ بَعْض حوائجها وَمَا تُرِيدُ، إِلَى أَن رَآهَا فَوَقَعت فِي نَفسه، فَرَاوَدَهَا فَأَبت عَلَيْهِ، فَقَالَ لَها: وَالله لَئِن لَمْ تفعلي لأهلكنك، قَالَت: لَا وَالله مَا أَنَا بفاعلة وَلَا أَنَا متابعتك عَلَى مَا تُرِيدُ فعله فافعل مَا أَنْت فَاعل، فَسكت عَنْهَا إِلَى أَن قَدِمَ أَخُوهُ فَتَلقاهُ وَسَأَلَهُ وحادثه إِلَى أَن جرى ذكرهَا، فَقَالَ: يَا أخي علمت أَنَّهَا راودتني عَنْ نَفسِي وَفعلت وَفعلت؟ فَقَالَ: أَخُوهُ أَي شَيْءٍ تَقول؟ قَالَ: هُوَ وَالله مَا قتل لَك، فَلَمّا قَدِمَ الرَّجُل لَمْ تكن لَهُ همة إِلَّا أَن حملهَا وَلم يسْأَلهَا عَنْ شَيْءٍ تَصْدِيقًا لِأَخِيهِ، فأنزلها لَيْلًا وضربها بِسَيْفِهِ حَتَّى ظن أَنَّهُ قَتلهَا ثمَّ مضى، وَإِن المرأى بَقِي بهَا رَمق، فَقَامَتْ تَدُبُّ إِلَى أَن انْتَهَت إِلَى أصل دير رَاهِب فَسمع أنينها فَأَشْرَف عَلَيْهَا من

стр. 57

ديره، فَلَمّا رَآهَا نزل ودعا غُلَاما لَهُ أسود فاحتملاها فأدخلاها الدَّيْر، فَلم يزل الراهب يعالجها حَتَّى برأت، وَكَانَ لَهُ ابنٌ صغيرٌ قَدْ مَاتَت أمه، فَقَالَ الراهب: إِن شِئْت أَن تذهبي فاذهبي، وَإِن شِئْت أَن تقيمي فأقيمي، فَقَالَت: بل أقيم فأخدمك أبدا، فَدفع إِلَيْهَا ابْنه وَكَانَت تربيه إِلَى أَن وَقعت فِي نفس العَبْد الْأسود فَرَاوَدَهَا، وَقَالَ: وَالله لَئِن لَمْ تتابعيني لأهلكنك، قَالَت: مَا أَنَا بمتابعتك فافعل مَا أَنْت فَاعل، فَلَمّا كَانَ اللّيل جَاءَ إِلَى الصَّبِي وَهُوَ نَائِم بَيْنَ يَديهَا فذبحه، فَلَمّا فعل لَك مضى إِلَى الراهب فَقَالَ لَهُ: أما علمت مَا كَانَ من أَمر هَذِه الخبيثة وَمَا فعلت بابنك؟ وَترى هَذِهِ فعل بهَا مَا فعل إِلَّا من أَمر عَظِيم قَدْ أتتْه، قَالَ الراهب: وَيحك وَمَا فعلت بِابْني؟ قَالَ: ذَبَحَتْهُ. فجَاء الراهب فَوجدَ ابْنه متشحطًا فِي دَمه، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا عَلَمُ لي غَيْر أَن غلامك كَانَ من أمره وَكَانَ، فقصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ الراهب: قَدْ شَكّكْتني فِي أَمرك، وَلست أُحِبَّ مقامك معي، فَهَذِهِ خَمْسُونَ دِينَارا فخذيها وامضي حَيْث شِئْت تكون لَك قُوَّة، فأخذتها وَمَضَت حَيْث انْتَهَت إِلَى قَرْيَة، فَإِذا رجل قَدِمَ ليُصْلَب وَالنَّاس مجتمعون والوالي، فَقَالَت للوالي - وَقد يرفع الرَّجُل عَلَى الْخَشَبَة - هَلْ لَك أَن تَأْخُذ مني خمسين دِينَارا وتخلي سَبِيل هَذا الرَّجُل؟ قَالَ: هَات. فحلّت كمها فَدفعت إِلَيْهِ الْخمسين دِينَارا فخلى سَبِيل الرَّجُل، فَقَالَ لَهَا الرَّجُل: مَا صنع أحدٌ بِأحد مَا صنعت لي أَنْت، وَلست بمفارقك، أخدُمك حَتَّى يفرق الْمَوْت بَيْننَا. فَمضى مَعهَا حَتَّى انتهيا إِلَى سَاحل الْبَحْر وَالنَّاس يعبرون فِي السفن فَدخل وأدخلها وَكَانَ لَهَا هَيْئَة وجمال، فَلَمّا رَآهَا أَهْلَ السَّفِينَة قَالُوا: من هَذِهِ الْمَرْأَة مِنْك؟ قَالَ: مَمْلُوكَة لي، وَقد وَقعت فِي نفس رَجُل مِنْهُم لما رَآهَا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أتبيعها؟ قَالَ: إِنِّي لأكْره بيعهَا، وَلَو أردتُ ذَلِكَ ثُمَّ علمتْ للقيتُ مِنْهَا أَذَى لِأَنَّهَا تحبني، وَقد أخذت عَلَى أَلا أبيعها أبدا، قَالَ الرَّجُل: بعْها وخذْ مالَكَ واخْرُج وَلَا تُعْلِمها، فَبَاعَهُ إِيَّاهَا بِمَال كثير فَدفعهُ إِلَيْهِ وَأشْهد عَلَيْهِ أَهْلَ السَّفِينَة وَهِي مَعَ النسا، وَقرب إِلَيْهِ قاربا فَرجع فِيهِ وَهِي لَا تعلم ومضوا فِي الْبَحْر، فَلَمّا عَلَمُ الَّذِي اشْتَرَاهَا أَنَّهُ قَدْ تبَاعد وَلَا تقدر عَلَيْهِ قَامَ يكلمها وَيعلمهَا أَنَّهُ قد اشترها، قَالَتْ: اتِّق اللَّه فَإِنِّي امْرَأَة حرَّة، قَالَ: دعِي هَذَا عَنْكَ فقد مضى صَاحبك فَلا تقدرين عَلَيْهِ، فَلا تَزَوَّجي بِمَا لَا تنتفعين بِهِ، وَأَقْبل أَهْلُ السَّفِينَة عَلَيْهَا وَقَالُوا: يَا عدوة اللَّه! قَد اشْتِرَاك الرَّجُل وَنحن نشْهد، قَالَتْ: وَيحكم! خَافُوا اللَّه فَإِنِّي وَالله امرأةٌ حُرَّة وَمَا ملكني أحدٌ قد، قَالُوا: قُم إِلَيْهَا حَتَّى تفعل بهَا كَذَا وَكَذَا، فَإنَّك إِذَا فعلت ذَلِكَ سكنت، فَقَامَ إِلَيْهَا فَلَمّا خَافت عَلَى نَفسهَا دعت اللَّه عَلَيْهِمْ فَإِذا السَّفِينَة قَد انقلبت بهم، فَلم ينج مِنْهُم غَيرهَا عَلَى ظهر السَّفِينَة، وَكَانَ للْملك ذَلِكَ الْيَوْم عيد عَلَى سَاحل الْبَحْر من الْجَانِب الآخر، وَهُوَ وَاقِف وَأهل مَمْلَكَته فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ بعث من دخل عَلَيْهِم فِي السفن فَلم يقدر عَلَى غَيرهَا، فأخرجت إِلَيْهِ، فساءلها عَنْ أمرهَا ودعاها إِلَى التَّزْوِيج فَأَبت،

стр. 58

وَقَالَ: إِن لي قصَّة وَلَيْسَ يجوز لي التَّزْوِيج، فصيّرها فِي دَار فَكَانَ إِذَا ورد عَلَيْهِ الْأَمر الَّذِي يَهُولُه أَتَاهَا فشاورها، فتشير عَلَيْهِ فَيرى فِي مشورتها الْبركَة، إِلَى أَن حضر الْملك فَجمع أهل مَمْلَكَته، فَقَالَ: كَيفَ كنت لَكُمْ؟ قَالُوا: كَالْأَبِ الرَّحِيم فجزاك اللَّه خيرا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ أَول أَمْرِي من آخِره قَالُوا: كنت فِي آخر أَمرك أحزم، قَالَ: فَإِن جَمِيع مَا رَأَيْتُمْ من ذَلِكَ كَانَ بمشورة هَذِهِ الْمَرْأَة، وَقد رَأَيْت لَكُمْ رَأيا، قَالُوا: وَمَا هُوَ أَيهَا الْملك؟ قَالَ: أُمِلِّكُها عَلَيْكُمْ من بعدِي، قَالُوا: فرأيك، فملكها عَلَيْهِمْ وَمَات الْملك، وَإِنَّهَا أمرت بحشر النَّاس إِلَيْهَا ليبايعوها، فحشر النّاس وَجَلَست تنظر، فَمر بهَا زَوجهَا وَأَخُوهُ، فَقَالَت: اعزلوا هذَيْن ثُمَّ مر بهَا المصلوب الَّذِي بَاعهَا، فَقَالَت: اعزلوا هَذَا، ثمَّ مر بهَا الراهب وَغُلَامه، فَقَالَت: اعزلوا هذَيْن، ثُمَّ صرفت النّاس ودعت بهم فَقَالَت لزَوجهَا: تعرفنِي؟ قَالَ: لَا وَالله، إِلَّا أَنِّي أعلم أنَّكَ الملكة، قَالَتْ: أَنَا فُلَانَة امْرَأَتك، وَإِن أَخَاك فعل بِي وَفعل وخبرته الْخَبَر، وَإِن اللَّه تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يصل إليَّ رَجُل مُنْذُ فارقتك، ثُمَّ دعت بأَخيه فَقتل، ثُمَّ دعت بِالرَّاهِبِ فأجازته، وَقَالَت: ارْفَعْ غلي مَا كَانَتْ لَك من حَاجَة، وحدثته بِقصَّة الْغُلَام وَمَا صنع بِابْنِهِ، ثُمَّ أمرت بالغلام فقُتل، ثمَّ دعت بالمصلوب وَأمرت بِهِ أَن يقتل ويصلب، فَفعل ذَلِك بِهن وَمَكَثت فِي ملكهَا مَا أَرَادَ اللَّه أَن تمكث ثُمَّ مَاتَت.، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ أَول أَمْرِي من آخِره قَالُوا: كنت فِي آخر أَمرك أحزم، قَالَ: فَإِن جَمِيع مَا رَأَيْتُمْ من ذَلِكَ كَانَ بمشورة هَذِهِ الْمَرْأَة، وَقد رَأَيْت لَكُمْ رَأيا، قَالُوا: وَمَا هُوَ أَيهَا الْملك؟ قَالَ: أُمِلِّكُها عَلَيْكُمْ من بعدِي، قَالُوا: فرأيك، فملكها عَلَيْهِمْ وَمَات الْملك، وَإِنَّهَا أمرت بحشر النَّاس إِلَيْهَا ليبايعوها، فحشر النّاس وَجَلَست تنظر، فَمر بهَا زَوجهَا وَأَخُوهُ، فَقَالَت: اعزلوا هذَيْن ثُمَّ مر بهَا المصلوب الَّذِي بَاعهَا، فَقَالَت: اعزلوا هَذَا، ثمَّ مر بهَا الراهب وَغُلَامه، فَقَالَت: اعزلوا هذَيْن، ثُمَّ صرفت النّاس ودعت بهم فَقَالَت لزَوجهَا: تعرفنِي؟ قَالَ: لَا وَالله، إِلَّا أَنِّي أعلم أنَّكَ الملكة، قَالَتْ: أَنَا فُلَانَة امْرَأَتك، وَإِن أَخَاك فعل بِي وَفعل وخبرته الْخَبَر، وَإِن اللَّه تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يصل إليَّ رَجُل مُنْذُ فارقتك، ثُمَّ دعت بأَخيه فَقتل، ثُمَّ دعت بِالرَّاهِبِ فأجازته، وَقَالَت: ارْفَعْ غلي مَا كَانَتْ لَك من حَاجَة، وحدثته بِقصَّة الْغُلَام وَمَا صنع بِابْنِهِ، ثُمَّ أمرت بالغلام فقُتل، ثمَّ دعت بالمصلوب وَأمرت بِهِ أَن يقتل ويصلب، فَفعل ذَلِك بِهن وَمَكَثت فِي ملكهَا مَا أَرَادَ اللَّه أَن تمكث ثُمَّ مَاتَت. التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر قَالَ القَاضِي: وَإِن ممّا تقدّمت روايتنا إِيَّاه فِي هَذَا الْمجْلس من التَّنْبِيه مَا يبْعَث الألباء عَلَى تَأمل عَاقِبَة أَعْمَالهم، وَمَا تؤثره نياتهم ومقاصدهم فِي أفعالهم، وَحسن عُقْبى الْحسنى وَسُوء مغبة السوءى. نسْأَل اللَّه أَن يهب لَنَا بَصِيرَة مؤدية لَنَا إِلَى السَّلامَة وَالْغنيمَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَلم ينلْ أحد خيرا إِلَّا بتوفيقه وإحسانه، وَلم يحلل بِهِ سوء فِي دُنْيَاهُ إِلَّا بامتحانه، وَلَا فِي دينه إِلَّا بخُذْلانه. الوشاية منزلَة بَيْنَ الْخِيَانَة وَالْإِثْم حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْحَسَن الْمَدَائِنِي، قَالَ: وَشَى واشٍ بِعَبْد اللَّه بْن هَمّام السّلُولي إِلَى زِيَاد أَنَّهُ هجاك فَقَالَ زِيَاد: أجمع بَيْنك وَبَينه؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبعث زِيَاد إِلَى ابْن همام فجيء بِهِ فَأدْخل الرَّجُل بَيْتا، ثُمَّ قَالَ زِيَاد: يَا ابْن همام! بَلغنِي أنَّكَ هجوتني، قَالَ: كَلا أصلحك اللَّه مَا فعلت، وَلَا أَنْت لذَلِك بِأَهْل، قَالَ: فَإِن هَذَا أَخْبرنِي - وَأخرج الرَّجُل - فَأَطْرَقَ ابْن همام هنيهة، ثمَّ أقبل على الرجل فَقَالَ: وَأَنت امْرُؤ إِمَّا ائتمنتك خَالِيا ... فخنت، وإمّا قلت قولا بِلَا علم فَأَنت من الْأَمر الَّذِي كَانَ بَيْننَا ... بمنزلةٍ بَيْنَ الْخِيَانَة وَالْإِثْم فأعجب زيادا جَوَابه، وأقصى السَّاعِي وَلم يقبل مِنْهُ.

стр. 59

هَذَا سوار سَاقه اللَّه إِلَيْكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن أبي العنبس، عَنْ إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعَاذِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَوَّارٌ صَاحب رحبة سوار، قَالَ: انصرفتُ يَوْمَا من دَار الْمهْدي، فَلَمَّا دخلت منزلي عوت بالغَدَاء فجاشَتْ نَفسِي وَأمرت بِهِ فَرُدّ، ثُمَّ دعوتُ بالنرد ودعوت جَارِيَة لي ألاعبها فَلم تطب نَفسِي لذَلِك، فَدخلت للقائلة فَلم يأخذني النّوم، فَنَهَضت وَأمرت ببغلة لي شهباء فأُسرجت فركبتها، فَلَمّا خرجتُ استقبلني وَكيل لي وَمَعَهُ مَال فَقتل: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ألفا دِرْهَم جَبَيْتُها من مستغلِّك الْجَدِيد، قلت: أمْسكهَا مَعَك واتبعني، قَالَ: وخليتُ رَأس البغلة حَتَّى عَبَرَت الجسر ثُمَّ مضيتُ فِي شَارِع دَار الرَّقِيق حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الصَّحرَاء، ثُمَّ رجعتُ إِلَى بَاب الأنبار فطَوفت، فَلَمَّا صرت فِي شَارِع بَاب الأنبار انتهيتُ إِلَى بَاب دَار نظيف عَلَيْهِ شَجَرَة وعَلى الْبَاب خَادِم، فوقفت وَقد عطشنا، فَقَالَ للخادم، أعندك مَا تسقيني؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَامَ فَاخْرُج قُلَّة نظيفة حيرية طيبَة الرَّائِحَة عَلَيْهَا منديل، فناولني فَشَرِبت، وَحضر وقتُ الْعَصْر فَدخلت مَسْجِدا عَلَى الْبَاب فَصليت فِيهِ، فَلَمّا قضيت صَلَاتي إِذْ أَنَا بأعمى يتلمس، فَقلت: مَا تُرِيدُ يَا هَذَا؟ قَالَ: إياك أُرِيد، قلت: وَمَا حَاجَتك؟ فجَاء حَتَّى قعد إِلَى فَقَالَ: شممتُ مِنْك رائحةَ الطِّيب فظننتُ أنَّكَ من أَهْلَ النَّعيم، فأردتُ أَن ألقِي عَلَيْكَ شَيئًا، فَقلت: قل، قَالَ: أَتَرَى بَاب هَذَا الْقصر؟ قلت: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا قصر كَانَ لأبي فَبَاعَهُ وَخرج إِلَى خُرَاسَان وخرجتُ مَعَه، فَزَالَتْ عَنَّا النعم الَّتِي كُنَّا فِيهَا، فَقدمت فَأتيت صَاحب الدَّار لأسأله شَيئًا يَصِلُني بِهِ وأصير إِلَى سَوّار، فَإِنَّهُ كَانَ صديقا لأبي، قلت: وَمن أَبوك؟ قَالَ: فلَان بْن فلَان، قَالَ: فَإِذا أصدقُ النّاس كَانَ لي فَقلت لَهُ: يَا هَذَا فَإِن اللَّه قَدْ أَتَاك بسَوّار وَمنعه النومَ والطعامَ حَتَّى جَاءَ بِهِ فأقعده بَيْنَ يَديك، ثُمَّ دعوتُ الْوَكِيل وأخذتُ الدَّرَاهِم مِنْهُ ودفعتها إِلَيْهِ، وَقتل لَهُ: إِذَا كَانَ غدٌ فصر إِلَى الْمنزل، ثمَّ مضيت فَقتل: مَا أحدث أَمِير المهديِّ بِشَيْء هُوَ أطرف من هَذَا، فَأَتَيْته فاستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي، فَدخلت إِلَيْهِ فَحَدَّثته فأعجبه فَأمر لي بألفي دِينَار، فأحضرت، فَقَالَ: ادفعها إِلَيْهِ. قَالَ: فَنَهَضت، فَقَالَ لي: أعليك دين؟ قلت: نَعَمْ، قَالَ كم؟ قلت: خَمْسُونَ ألف دِينَار. فَأمْسك وَجعل يحدثني سَاعَة، ثمَّ قَالَ: امْضِ إِلَى مَنْزِلك، فصرت إِلَى منزل فَإِذا خَادِم مَعَه خَمْسُونَ ألف دِينَار فَقَالَ: يَقُولُ لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ اقْضِ بهما دينك. قَالَ: فقبضتها، فَلَمّا كَانَ من الْغَد أَبْطَأَ عليّ المكفوفُ وَجَاء رَسُول المهديِّ يدعوني فَجِئْته، فَقَالَ: فَكرت فِي أَمرك وَقتل: يقْضِي دينه ثُمَّ يحْتَاج إِلَى الْحِيلَة وَالْقَرْض، وَقد أمرتُ لَك بِخَمْسِينَ ألف دِينَار أُخْرَى، قَالَ: فقبضتها وانصرفت فَأَتَانِي المكفوفُ فَدفعت إِلَيْهِ الألفي دِينَار، وَقتل قَدْ رزق اللَّه تَعَالَى بكرمه بك خيرا كثيرا، وأعطيته من مَالِي ألفي دِينَار.

стр. 60

أَبْيَات فِي التوديع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ عَشِيَّة - يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يحيى - وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ فِي شوّال، فَجَاءَهُ أَبُو الْحَسَن الأسَدِيُ يودعه فِي خُرُوجه إِلَى مكَّة، فَقَالَ لَهُ: لَوْ كُنَّا نحسن صَنَعْنا عِنْدَ وداعك مَا صنع غَيرنَا، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قَالَ أَبُو سعيد عبد الله ابْن شَبِيب: أتيت هِشَام بْن إِبْرَاهِيم الأَنْصَارِيّ لأودعه فِي خرجَة خرجها إِلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: لَا أودعك حَتَّى أغنيك، فغنى: وَأَنا بَكَيْت على الفرا ... ق فَهَل بكيتَ كَمَا بكيتُ ولطمتُ خدِّي خَالِيا ... ومَرَستْهُ حَتَّى اشتفيتُ وعواذلي ينهينني ... عَمَّن هويتُ فَمَا انتهيتُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بعقب هَذَا شَيئًا لَمْ أفهمهُ إِلَّا أَنَّهُ تكلم فِي أَنَا بَكَيْت أَرَادَ أَنَا بَكَيْت بِغَيْر وقُوف عَلَى الْألف. قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيد: فجئتُ إِلَى الزُّبَيْر لأودعه فَحَدَّثته بِحَدِيث هِشَام، فَقَالَ: وَأَنا لَا أودعك حَتَّى أُغني: أزِف البَيْنُ الْمُبين ... وَجَلا الشكُّ اليَقِينْ لَمْ أكنْ لَا كنتُ أَدْرِي ... أنَّ ذَا البينِ يكونْ علموني كَيفَ أشتا ... ق إِذَا خَفَ القطينْ حَنّتِ الْعِيسُ فأبكي ... من العيسٍ الحَنِينْ حذف ألف أَنَا فِي الْوَصْل قَالَ القَاضِي: الْكَلَام الْمَشْهُور: أَنَا فعلت بِغَيْر ألف فِي الْوَصْل، فَإِذا وقف الْمُتَكَلّم قَالَ: أَنَا، فَأثْبت الْألف، وإثباتها فِي الْوَصْل لُغَة قَدْ قرئَ بهَا فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن، وَمِمَّنْ قَرَأَ كَذَلِك نافعٌ فِيمَن وَافقه من أَهْلَ المَدِينَةِ، وَمن هَذِهِ اللُّغَة، قَول الشَّاعِر: أنَا شَيْخ العَشِيرةِ فاعْرِفُونِي ... حَمِيدا قَدْ تَذرَّيْتُ السّنَاما نَصَّب حميدا عَلَى الْمَدْح والافتخار، وَقد قَرَأَ بعض الْمُتَقَدِّمين " وَنحن عصبَة " نصبا عَلَى هَذَا النَّحْو من الِاخْتِصَاص والافتخار. أَبْيَات لسوار يُغني بهَا حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى بْن أَحْمَد الْمَعْرُوف بِابْن الشرابي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن قصر، قَالَ: حَدَّثَنَا الْجرْمِي، قَالَ: دخلتُ حَماما فِي درب الثَّلج، فَإِذا فِيهِ سَوَّارُ بْن عَبْد اللَّه القَاضِي فِي الْبَيْت الدَّاخِل قَد اسْتلْقى وَعَلِيهِ المئزر، فَجَلَست بِقُرْبِهِ فساكتني سَاعَة ثُمَّ قَالَ: قَدْ أحْشَمْتَني يَا رَجُل، فإمَّا أَن تَخْرُجَ أَوْ أخرج فَقلت: جِئْت أَسأَلك عَنْ مَسْأَلَة، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مَوضِع الْمسَائِل، فَقلت: إِنَّهَا من مسَائِل الْحمام، فَضَحِك وَقَالَ: هَاتِهَا، فَقلت: مَنِ الْفَتى الَّذِي يَقُولُ: سلبتِ عِظَامِي لَحْمَها فَتَرَكْتِهَا ... عَواريَ ممّا نَالَها تتكسرُ وأخليتِها من مُخِّها فتركتِها ... قواريرَ فِي أجوافها الرّيح تصفرُ إِذَا سمعتْ ذكرَ الْفِرَاق تراعدت ... مفاصلُها خَوفا لمَا تتنظرُ خذي يَدي ثُمَّ اكشفي الثَّوْب فانظُري ... بِلَى جَسَدي لكنني أتستّرُ فَقَالَ سوار: أَنَا وَالله قُلْتُها. قلت: فَإِنَّهُ يُغَنّي بهَا ويجود، فَقَالَ: لَوْ شهد عِنْدِي الَّذِي

стр. 61

يُغني بهَا لجزت شَهَادَته. قَوْله: أحشمتني لُغَة، وحَشَمْتني أَكثر فِي الْعَرَبيَّة، قَالَ الشَّاعِر: لَعَمْرُك إنّ قُرْص أبي خُبيبٍ ... بَطِيءُ النُّضْجِ مَحْشُوم الأكيلِ وَمن مأثور الحكم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي، قَالَ: قَالَ ملك من مُلُوك الْأَعَاجِم لحكيم من حكمائهم: أَي الْمُلُوك أَحزم؟ قَالَ: من ملك جَدُّه هَزْلَه، وقهر رأيهُ هَوَاه، وعَبّر فعلُه عَنْ ضَمِيره، وَلم يَخْدَعْهُ رضاهُ عَنْ خَطَئِهِ، وَلَا غَضَبُهُ عَنْ كَيْدِه. قَالَ القَاضِي: هَذَا من أفْصح لفظ وَأحسنه، وأوضح معنى وأبينه، وأنشدنا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: أَنْشدني أَبِي لبَعض الْأَعْرَاب: أَلا يَا حَمَام الشِّعْبِ شِعْبَ مؤنسٍ ... سُقِيتَ الغَوادِي من حَمَام وَمن شِعبِ سُقيت الغَوادِي رُبَّ خودٍ خَرِيدَةٍ ... أصاختْ لخفضٍ من غِنَائك أَوْ نصبِ فَإِن يرتحلْ صَحْبِي بجُثْمانِ أعظُمي ... يُقِمْ قَلْبِيَ المحزونُ فِي منزل الركبِ الْمجْلس الْعَاشِر رجل أحب قومه حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو بكر بن أبي شيبَة الْبَزَّاز، فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وثلثمائة قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَسَّانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَجُلٌ أحب قوما وَلما يعْمل مثل عَمَلَهُمْ، قَالَ: " هُوَ مِنْهُمْ " قَالَ: فَمَا فَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ. التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي أَبُو الْفَج: أبان رَسُول الله ﷺ بِمَا جَاءَ عَنْهُ فِي هَذَا الحَدِيث أنَّ من تَولّى قوما وأحبهم، وَكَانَ رَاضِيا بِمَا أَتَوْه من أفعالهم فَهُوَ مِنْهُم، فِي اسْتِحْقَاقه الثَّنَاء والمدح، والتولي لمشاركته إيَّاهُم فِي اعْتِقَاد مَا يعتقدونه وَفِي اسْتِحْسَان مَا يستحسنونه، وَكَذَلِكَ الْأَمر فِي من تولى قوما على اعْتِقَاد فَاسد وَفعل قَبِيح فِي أَنَّهُ مُلْحق فِي الذَّم بهم، وجار فِي سُقُوط الْمنزلَة مجراهم. وَجَاء فِي الْخَبَر أَن من حضر الْفِتْنَة فأنكرها فَهُوَ بِمَنْزِلَة ن غَابَ عَنْهَا، وَمن غَابَ عَنْهَا وَرَضي بهَا كَانَ بِمَنْزِلَة من شَهِدَهَا، وَقد قَالَ اللَّه ﷻ " يَا أَيهَا الَّذين آمنا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعضٍ، وَمَنْ يتولّهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين "، وَقَالَ جلّ اسْمه: " الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعضهم من

стр. 62

بعض "، وَقَالَ: " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ " وَمَا أَتَى بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنى من الْكتاب وَالسّنة كثير جدا، وَقد نعى اللَّه عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُم عَلَى عهد نَبينَا ﷺ من كَفَرة أهلِ الْكتاب مَا كَانَ من قَبْلَ أسلافهم ومَنْ تقادم عَهده من آبَائِهِم أنبياءهم، لرضاهم بذلك ودينونتهم بِهِ، وتوليهم من تولى دونهم فعله، وَإِن لَمْ يدركوه وَلم يباشروا مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ، وَلم تَزل الْعَرَب تفتخر بِمَا أَتَاهُ الماضون من آبَائِهِم، وتتمادح وتتعاير بِهِ، وينسبونه فِي ألفاظهم إِلَى أنفسهم فِي أشعارهم وخطبهم لهَذَا الْمَعْنى، وَهَذَا مَذْكُور عَلَى استقصاء بشواهده فِي كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز، وَإِذا كَانَ الْأَمر فِي هَذَا الْفَصْل عَلَى مَا وَصفنَا، فَتبين أنَّ الراضي بِالْفِعْلِ والمؤتى لَهُ والدالّ عَلَيْهِ مشارك لفَاعِله فِيمَا بِكَسْبِهِ من حمد أَوْ ذمّ، أَوْ أجرٍ أَوْ إِثْم، وَلذَلِك أشرك رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ من تولّى الْحَج من غَيره وَبَين من أوصى بِهِ، وَبَين من نفذه فِي الْأجر، وَبَين آكل الرِّبَا ومؤكله وكاتبه وَشَاهده فِي الْوزر، وَبَين العاصر والمعتصر، وَالْبَائِع وَالْمُشْتَرِي، وَالْحَامِل والمحمول إِلَيْهِ والساقي والشارب فِي اللَّعْنَة الَّتِي أوقعهَا فِي الْخمر، وَقَالَ ﷺ : " مِنْ كَتَمَ عَلَى غَالٍّ فَهُوَ مثله " وَجَاء فِي الكاتم عَلَى السَّارِق سَرقته أَنَّهُ يشركهُ فِي عارها وإثمها، وَهَذَا الْبَاب أَكثر من أَن يُحصى، وَلم يزل ذَوُو النَّهْي وأولو البصائر والحجى يبعثون عَلَى إتْيَان المحاسن وَفعل المكارم ويحضون عَلَيْهَا، فَيحسن الذّكر لَهُمْ وَالثنَاء عَلَيْهِمْ، ويتوفر من جميل الأحدوثة عَنْهُمْ مَا يرى كثيرا عَلَى من بَاشر الْفِعْل بِنَفسِهِ، وبذل فِي الْعرف خَاصَّة مَاله، وَللَّه در الْقَائِل: وَإِذا امرؤٌ أَهدى إِلَيْكَ صَنِيعة ... من جاهه فكأنّها من مَالِه وَقد حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق بْن سَعِيد بْن الْحَارِث الْعقيلِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن رَاهَوَيْه الْكَاتِب، قَالَ: كتب إليَّ سهل بْن صَالح الْحلْوانِي أنَّ الْحَسَن بِن سهل كتب لرجل شَفَاعَة، فَقَالَ الرَّجُل يَدْعُو لَهُ ويشكره فَقَالَ لَهُ الْحَسَن، عَلَى مَا تشكرنا وَنحن نرى كتب الشفاعات زكاةُ مروءاتنا، وَأنْشد: فَرَضَتْ عليَّ زكاةُ مَا مَلَكَتْ يَدِي ... وزكاةُ جاهي أَن أُعينَ وأشْفَعَا فَإِذا ملكَت فَجُدْ وَإِن لَمْ تستطعْ ... فاجهدْ بوُسْعِك كلِّهِ أَن تنفعا هَكَذَا أمل عَلَيْنَا أَبو النَّضْر هَذَا الْخَبَر من حفظه، فَقَالَ فِيهِ: فَقَامَ إِلَيْهِ يَدْعُو لَهُ ويشكره، وَقَالَ: عَلَى مَا تشكرنا؟ والفصيح من كَلَام الْعَرَب فَشكر لَهُ، تَقول الْعَرَب: شكرت النِّعْمَة وشكرت للمنعم، قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَاشْكُرُوا نعْمَة اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "، وَقَالَ: " قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ " وَقَالَ تَعَالَى ذكره: " وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تكفرون "، وَقَالَ: " أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ " وَقد جَاءَ:

стр. 63

شكرتُ فلَانا فِي لغةٍ قَليلَة، من ذَلِكَ قَول الشَّاعِر: هُمُ جَمَعُوا نُعْمَى وبُؤْسي عليكمُ ... فَهَلا شكرتَ القَوْمَ إذْ لَمْ تُقَاتِلِ وَقَالَ أَبُو نُخَيْلة السّعدي: شكرتُك إنَّ الشُّكْر حبلٌ من التُّقَى ... وَمَا كلُّ من أوليته نعْمَة يَقْضِي قَالَ القَاضِي: وَلنَا فِي هَذَا الْمَعْنى، وَالْكَلَام عَلَى فقهه، وَبَيَان أصل مَا يتَفَرَّع مِنْهُ رِسَالَة مُفْردَة مستقصاة، يَعِزُّ المتصورون لَهَا، ويَقلُّ القائمون بهَا، وَنَحْمَد اللَّه عَلَى ظَاهر نعمه وباطنها. وأمّا قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر: عَلَى مَا تشكرنا، فقد بيّنا فِي مجلسٍ من مجالسنا هَذِهِ أنَّ الفصيح من كَلَام الْعَرَب حذف الْألف فِيمَا يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب عَلَى لفظ الِاسْتِفْهَام، كَقَوْلِك: فيمَ أَنْت، وَلم فعلت؟ وعلام تذْهب؟ وَعم تسْأَل؟ وَذكرنَا مَا تستشهد بِهِ عَلَى هَذَا، وَبَعض مَا أَتَى عَلَى اللُّغَة الْأُخْرَى الْآتِيَة بِإِثْبَات الْألف بشواهده بِمَا كرهنا إِعَادَته، وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا: حتام كَذَا، كَمَا قَالَ الْكُمَيْت: فَتلك ولاةُ السُّوءِ قَد طَال عَهْدُهُم ... فَحَتّامَ حَتّامَ العَنَاءُ المطولُ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحرز الْكَاتِب، قَالَ: قَالَ الْحَسَن بْن سهل: كُتب الشفاعاتِ زَكَاةُ الجاه. امْرَأَتك أكْرمكُم حَدثنَا بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِكْرمة الضَّبِّيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن أبي شيخ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْوَاقِدِيّ القَاضِي، قَالَ: جَاءَتْنِي جارتي يَوْمَ عَرَفَة، فَقَالَت لي: مَا عندنَا من آلَة الْعِيد شيءٌ، فمضيت إِلَى صديق لي من التُّجَّار فعرفته حَاجَتي إِلَى الْقَرْض، فَأخْرج إليَّ كيسا مَخْتُومًا فِيهِ ألف وَمِائَتَا دِرْهَم، فَانْصَرَفت بِهِ إِلَى الْمنزل، فَمَا استقررت جَالِسا حَتَّى اسْتَأْذن عَليّ رج من بني هَاشم، فَذَكَرَ تَخَلُّفَ غلّته واختلال حَاله وَحَاجته إِلَى الْقَرْض، فَدخلت إِلَى امْرَأَتي فعجّبْتُها من ذَلِكَ، فَقَالَت: فَمَا عَزْمُك؟ قلت: أشاطره الْكيس، فَقَالَت: وَالله مَا أنصفت، لقِيت رجلا سُوقة فأعطاك شَيئًا، وجاءك رَجُل لَهُ من رَسُول الله ﷺ رَحِمٌ فتعطيه نصف مَا أَعْطَاك السُّوقة، فأخرجت الْكيس بخاتَمه فَدَفَعته إِلَيْهِ، وَمضى صديقي التَّاجِر يلْتَمس مِنْه الْقَرْض فَأخْرج إِلَيْهِ الْكيس بِخَاتمِهِ، فَلَمّا رَآهُ عرفه فَجَاءَنِي بِهِ، ثُمَّ وافاني رَسُول يحيى بْن خَالِد يَقُولُ: إِن الْوَزير شُغل عَنْكَ بحاجاتِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ يطلبك، فركبتُ إِلَيْهِ وحدثته حَدِيث الْكيس وانتقاله، فَقَالَ: يَا غُلَام! هَات الدَّنَانِير، فجَاء بِعشْرَة آلَاف دِينَار، فَقَالَ: خُذ أَنْت أَلفَيْنِ، وَأعْطِ الهاشميّ أَلفَيْنِ، وصديقك التَّاجِر أَلفَيْنِ، وامرأتك أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، فَإِنَّهَا أكْرمكُم.

стр. 64

قَالَ القَاضِي: أمْلَى عَلَيْنَا أَبُو بَكْر بْن الأنبَاريّ هَذَا الْخَبَر فِي إِثْر خبر الْوَاقِدِيّ مَعَ يحيى بْن خَالِد ، وَهُوَ يضارع هَذَا الْخَبَر فِي الْجُمْلَة ويناسبه، وَأَنا ذاكره، إِن شَاءَ اللَّه. خبر الْوَاقِدِيّ مَعَ يحيى بْن خَالِد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا عَامر ابْن عِمْرَانَ بْن زِيَاد، أَبُو عِكْرمة الضَّبِّيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الْعَنْبَري، عَنْ أبي عَبْد اللَّه الْوَاقِدِيّ، قَالَ: كنتُ حَنّاطًا بِالْمَدِينَةِ أضارب بِمِائَة ألف دِرْهَم من مَال النّاس قِبَلي، فلزمني وضائع فشخصتُ إِلَى بَغْدَاد وقصدتُ يحيى بْن خَالِد الْبَرْمَكِي، فَجَلَست فِي دهليزٍ وآنست الخَدَم والحاشية، وعَرَّفْتُهم حَاجَتي إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ، فَقَالَ لي بَعضهم: إِذَا وُضع الطَّعَام لَمْ يُحْجَبْ عَنْهُ أحد، فَحِينَئِذٍ أَدخل فأجلسك مَعَه عَلَى الْمَائِدَة، فَفعل بِي ذَلِكَ، وسألني يحيى عَنْ خبري فشرحته لَهُ، فَلَمّا غسلنا أَيْدِينَا دَنَوْت مِنْهُ أقبل رَأسه فاشمأزّ منّي، فَلَمّا صرت إِلَى الْموضع الَّذِي يركب مِنْهُ إِذْ قَدْ لَحِقَنِي خَادِم بكيس فِيهِ ألف دِينَار، فَقَالَ: الْوَزير يَقْرَأ عَلَيْكَ السّلام وَيَقُول لَك: اسْتَعِنْ بِهَذَا على أَمرك، فَأخذت وعدت فِي الْيَوْم التَّالِي فأجْلِسْتُ مَعَه عَلَى الْمَائِدَة، فَسَأَلَنِي عَمَّا سَأَلَني فِي الْيَوْم الْمَاضِي، كَأَنَّهُ لَمْ يرني، فَلَمّا غسلنا أَيْدِينَا دَنَوْت لأقبل رَأسه فاشمأزَّ من ذَلِكَ، فَلَمّا صرتُ إِلَى مَوضِع الرّكُوب لَحِقَنِي الخادمُ بِمثل ذَلِكَ الْكيس وَمثل تِلْكَ الرسَالَة، فَأَخَذته وانصرفت، وَفعل بِي فِي الْيَوْم الثَّالِث مثل ذَلِكَ، فَلَمّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع وغسلنا أَيْدِينَا دنوتُ لأقبل رَأسه فَلم يشمأز من ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّمَا امْتنعت من هَذَا فِيمَا مضى لأنَّه لَمْ يكن وصل إِلَيْكَ من معروفنا مَا يَحْتمل هَذَا، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَام! سلم إِلَيْهِ الدَّار الْفُلَانِيَّة، يَا غُلَام! أفرشه الْفرش الْفُلَانِيّ، ثُمَّ قَالَ: ادفعوا إِلَيْهِ مائَة ألف دِرْهَم توجّه فِي قَضَاء دينك واحمل عِيَالك إِلَى حضرتنا، فَقتل: إِن رَأْي الْوَزير أَن يَأْذَن لي فِي الشخوص لأسلِّم إِلَى غُرمائي حُقُوقَهم فَأَنا بهم أعرف، وأدم بعيالي فَأَنا بهم أَرْفَق. فَقَالَ: فَلا تتأخر عَنا، وَأمر لي بجائزة أُخْرَى للشخوص، فَقدمت المَدِينَةِ فقضيتُ دَيْني وقدمت بعيالي، وَلم أزل فِي ناحيته ومنقطعًا إِلَيْهِ. قَالَ القَاضِي: وَقد رُوينا فِي هَذَا الْمَعْنى من أَبْوَاب المكارم مَا يعودُ من مَحْمُود مغبتها وَحسن عَاقبَتهَا، وَجَمِيل الأحْدُوثة عَنْ أَهلهَا وَيَأْتِي بالثناء عَلَيْهِمْ، وَإِن تصرمت أزمانهم ففقدت أعيانهم، وَقد جَاءَ فِي تَأْوِيل قَوْله : " وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صدقٍ فِي الآخرين " أَنَّهُ الثَّنَاء الْحَسَن، وَقد قَالَ حَاتِم: أماويَّ إِن المَال غادٍ ورائحٌ ... ويَبقي من المَال، الأحاديثُ والذكرُ وَقَالَ آخر: ثَمَنُ الْإِحْسَان شكرُ ... ويدُ المعروفُ ذخرُ

стр. 65

وثناء الْحَيّ بعد المو ... ت للميِّتِ عمرُ ولَعَمْري إِن الزَّمَان الَّذِي يُثْنَي فِيهِ عَلَى الْمَيِّت بَعْدَ مَوته أحسن عمريه وأطولهما وأشرفهما وأفضلهما، وَمِمَّا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى: رَدَّتْ صنائعُهُ إِلَيْهِ حَيَاتَهُ ... فكأنّه من نشْرِها منشورُ تَعْلِيق لغَوِيّ قَوْله: فَكَأَنَّهُ من نشرها منشور، فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا فَكَأَنَّهُ من حَيَاة ذكره وَالثنَاء عَلَيْهِ حَيّ غي ميت، يُقَالُ: لفُلَان ذكرٌ حيُّ إِذَا كَانَ باديًا غَيْر خامل، وَقد مَاتَ ذَكَرَ فلَان إِذَا انْقَطع، قَالَ أَبُو نُخَيْلة: فأحييتَ لِي ذكري وَمَا كنتُ خَامِلا ... ولكنَّ بَعْض الذِّكْرِ أَنْبَهَ مِنْ بَعْضِ وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون عني بنشرها رائحتها الطّيبَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: سُقيِتُ دَمًا إنْ لَمْ أَرُعْكِ بضرةٍ ... بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِ النّشْرِ وَقَالَ المرقِّش الْأَكْبَر: النّشْرِ مسكٌ والْوُجُوهُ دنانيرٌ ... وأطْرَافُ الأكُفِّ عَنَمْ وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: كأنَّ الْمُدَامَ وصَوْبَ الغمامِ ... ونَشْرَ الْخُزامَى ورِيحَ القطرْ ويروى القَطَر، الْقطر: الْعُود الَّذِي يتبخر بِهِ، وَقيل للمجموعة الَّتِي تُوضَع فِيهَا لتتبخر بِهِ: مقطرة، اشتقاقًا مِنْهُ، قَالَ المرقِّشُ الْأَصْغَر: فِي كلِّ مَمْشى لَهَا مِقْطَرَةٌ ... فِيهَا كبَاءٌ مُعَدٌّ وحَمِيم الْكِبَاء مَمْدُود: الْعود وَقيل: مَا يُتبخر بِهِ، والكبا مَقْصُور المزبلة، وَقَوله: منشور فِيهِ وَجْهَان، أَحدهمَا: أَن يكون مَعْنَاهُ النشر الْمُقَابل للطيِّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: طوى الموتُ مَا بيني وَبَين محمدٍ ... وَلَيْسَ لما تَطْوي المنيةُ ناشرُ فَجعل مَوته بِمَنْزِلَة ثوب أَوْ غَيره طُوِي مَا كَانَ مِنْهُ ظَاهرا وخفي، وَقد قَالَ الشَّاعِر: فَإِن أظهرُوا خيرا فجَاء بِمِثْلِهِ ... وَإِن هُمُ طَوَوْا عَنْكَ الحديثَ فَلا تَسَلْ وَقَالَ بَعْض الْمُحدثين: فَإِن يَكُ هَذَا مِنْك جِدّا فإنني ... مُدَاوِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ بالهجرِ ومنصرفٌ عَنْكَ انْصِرَافَ ابنِ حرةٍ ... طَوَى وُدَّهُ والطَيُّ أَبْقَى عَلَى النشرِ قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة - وَقد روى لَنَا عَمَّن تَقَدَّمَ بِزَمَان طَوِيل: طَوَتْكَ خُطُوبُ دهرك بَعْدَ نشرٍ ... كَذَاك خُطُوبُهُ نَشْرًا وَطَيًّا وَيُقَال للْحَدِيث إِذَا اشْتهر واستفاض وتفرق: انْتَشَر.

стр. 66

وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون معنى منشور: مُحْيًا، وَفِي هَذَا الْوَجْه لُغَتَانِ يُقَالُ: أنشر اللَّه الْمَيِّت إنشارًا فنشر هُوَ نُشُورًا، وَهَذِه أعْلى اللغتين، وأكثرهما وأفصحهما وأظهرهما وَبهَا جَاءَ التَّنْزِيل، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أنشر "، يُقَالُ من هَذِهِ اللُّغَة: أنشره اللَّه وَهُوَ منشره، وَنشر الْمَيِّت فَهُوَ ناشر، قَالَ الْأَعْشَى: لَوْ أَسْنَدَت مَيْتًا إِلَى نَحْرِهَا ... عَاشَ وَلم يُنْقَلْ إِلَى قابرِ حَتَّى يَقُولَ النّاس ممّا رَأَوْا ... يَا عَجَبًا للمَيِّتِ الناشرِ وَقَالَ اللَّه أصدق الْقَائِلين: " أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً من الأَرْض هم ينشرون " واللغة الثَّانِيَة: نَشَر الْمَيِّت فَهُوَ منشور، وَهُوَ أقل اللغتين، وَكثير من أَهْلَ الْعلم لَا يعرفهَا وَقد حُكيَت لَنَا، وَمِمَّنْ حَكَاهَا أَبُو بَكْر بْن دُريد، وَقَالَ اللَّه : " وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشرها "، فَأَتَت فِيهَا ثَلَاث قراءات، نُنْشِرُها بِضَم النُّون وَالرَّاء بِمَعْنى نحييها، كَمَا قَالَ عزَّ ذكره: " قَالَ من يحي الْعِظَام وَهِي رَمِيم " ونَنْشُرُها بالراء أَيْضا بِفَتْح النُّون، وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَة وَجْهَان من التَّأْوِيل، أَحدهمَا النشر الَّذِي هُوَ خلاف الطي، وَالْآخر حمله عَلَى لُغَة من يَقُول: نر الله الْمَيِّت فنشر، مثل جبر اللَّه فجبر، كَمَا قَالَ العجاج: قَدْ جَبَر الدِّينَ الإِلَهُ فَجَبَرَ وَمثله: فغرتُ فَاه ففغر إِذَا فَتحته فانفتح، وَمثله: شحا فَاه وشَحَا فُوه. وَالْقِرَاءَة الثَّالِثَة: نُنْشِزها بالزاي بِضَم النُّون أَي نرفع بَعْضهَا إِلَى بَعْض واستقصاء الْكَلَام فِي مَعَاني هَذِهِ الْقرَاءَات وَتَسْمِيَة الْقُرَّاء بهَا وَبَيَان مَا يخْتَار مِنْهَا يطول، وَهُوَ مرسوم فِيمَا ألفناه من كتبنَا فِي الْقرَاءَات وعلوم الْقُرْآن عَلَى الشَّرْح وَالْبَيَان. وَمِمَّا جَاءَ فِي حَسَن الثَّنَاء مَا أنشدناه عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: أنشدنا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني أَبُو جَعْفَر الْقُرَشِيّ: كُلُّ الْأُمُور تَزُولُ عَنْكَ وتَنْقَضِي ... إِلَّا الثّنَاءَ فَإِنَّهُ لَك باقِ وَلَو أنني خُيرت كلُّ فَضِيلَة ... مَا اخترتُ غير محَاسِن الأخلاقِ وَقد روينَا فِي بذل الْعَطاء وَمَا ينْتج من حَسَن الثَّنَاء مَا لَمْ نر إطالة هَذِهِ الْمجْلس بِهِ، لأَنا بنينَا كتَابنَا هَذَا عَلَى تَضْمِينه أنواعًا منثورة، وَغير جَارِيَة عَلَى أَبْوَاب مَجْمُوعَة محصورة، لِئَلَّا تَتَفَاوَت مجَالِس الْكتاب فِي الطول وَالْقصر، وَنحن نأتي من هَذَا الْبَاب فِيمَا نستقبله من هَذِهِ الْمجَالِس مَا يتَّفق ويحضر أَولا أَولا، إِن شَاءَ اللَّه. حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد، قَالَ: أَخْبَرَنَا التوزي، عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ: لمّا بلغ حَاتِم طييء قَول المتلمس: قَليِلُ المالِ تُصْلِحُهُ فيبْقَى ... وَلَا يبقَى الكثيرُ عَلَى الفسادِ وحفظُ المَال خيرٌ من فناهُ ... وعسفٌ فِي الْبِلَاد بغَيْرِ زَاد

стр. 67

قَالَ: مَا لَهُ قطع اللَّه لِسَانه حمل النّاس عَلَى الْبُخْل، فَهَلا قَالَ: فَلا الْجُودُ يُفْنى المالَ قَبْلَ فنائه ... وَلَا الْبُخْل فِي مَال الشّحيح يزيدُ فَلا تلتمسْ مَالا بعيشِ مُقَتِّر ... لَك غدٍ رزقٌ يعودُ جديدُ ألم تَرَ أَن المَال غادٍ ورائحُ ... وَأَن الَّذِي يعطيكَ غَيْر بعيدُ وَلَقَد أحسن حَاتِم فِي قَوْله: وَأَن الَّذِي يعطيكَ غَيْر بعيدِ وَلَو كَانَ مُسلما لرجي لَهُ بِمَا أَتَى من هَذَا مَا يغتبطه فِي معاده، وَقد أَتَى كتاب اللَّه فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَا يعجز المخلوقون عَنْ مساواته، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ "، وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دعان ". الْعَبَّاس بْن الْأَحْنَف يُؤْتى بِهِ لَيْلًا لإجازة بَيت حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن أبي سَعْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الرّبيع، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابنَا، قَالَ: صنع الرشيد ذَاتَ لَيْلَة بَيْتا واضطرب عَلَيْهِ الثَّانِي، فَقَالَ: عليّ بِالْعَبَّاسِ بْن الْأَحْنَف، فأُتي بِهِ فِي جَوف عَلَى حَال من الذُّعْر عَظِيمَة، فَقَالَ لَهُ الرشيد: لَا تُرَعْ، قَالَ: وَكَيف لَا يكون ذَلِكَ؟ وَقد طرقتُ فِي منزلي فِي مثل هَذَا الْوَقْت فَلم أخرج من منزلي إِلَّا والراعبة فِيهِ، وَأَهلي لَا يشكُّون فِي قَتْلِي، فَقَالَ: إنّما أحضرتُك لبيت قلته صَعُب عليّ أَن أُشْفِعَهُ بِمِثْلِهِ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: جنانٌ قَدْ رأيناها ... فَلَمْ نَرَ مَثْلَهَا بَشَرًا فَقَالَ الْعَبَّاس: يَزِيدُك وَجْهُها حُسْنا ... إِذَا مَا زِدْته نَظَرَا إِذَا مَا اللَّيْلُ جَنَّ عَلَيْ ... كَ بالإِظْلام واعْتَكَرَا ودَجَّ فَلم تَرَ قَمَرا ... فَأبْرِزْها ترى قمرا فَقَالَ الرشيد: أقل مَا يجب عَلَيْنَا أَن ندفع إِلَيْكَ دينك إِذْ نزل بك هَذَا الروع بعيالك منا. فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَصَرفه. فِي صلَة هَذَا الْخَبَر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْغلابِي، قَالَ: سُئِلَ ابْن عَائِشَة عَنْ أشعر الْمُحدثين، قَالَ: الَّذِي يَقُولُ: كَأَن ثِيَابه أطلع ... ن من أَزْرَارِه قَمَرا قَالَ أَبُو بَكْر الصُّولي: فَأخذ هَذَا الْمَعْنى أَحْمَد بْن يحيى بْن الْعرَاق الْكُوفِي فَقَالَ: بَدَا وكَأنّمَا قمرٌ ... عَلَى أزْرَارهِ طَلَعَا

стр. 68

بِحَتِّ الْمِسْك مِنْ ... عِرْقِ الجَبِينِ بنَانُه وَلَعَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يزِيد الْمبرد، قَالَ: صرت إِلَى مجْلِس ابْن عَائِشَة وَفِيه الجاحظ والجماز، فَسَأَلَهُ عِيسَى بْن إِسْمَاعِيل تينة: من أشعر المولدين؟ فَقَالَ: الَّذِي يَقُولُ: كأنَّ ثَيَابَهُ أطلع ... ن من أزراره قمراً يزيدك وَجهه حُسْنا ... إِذَا مَا زِدْته نَظَرَا بِعَين خالط التفتي ... ر مِن أجْفَانِها الحَوَرَا وَوَجْهٍ سَامِريٍّ إِذْ تَصَوَّب مَاؤُهُ قَطَرَا يعْنى الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف. فِي وَجهه شَافِع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن يحيى، قَالَ: كنتُ وَاقِفًا بَيْنَ يَدي المعتضد وَهُوَ مقطب، فَأقبل بدرٌ فَلَمّا رَآهُ من بعيد تَبَسم وَأنْشد: فِي وَجْهِهِ شافعٌ يمحُو إساءتَه ... من الْقُلُوبِ وَجِيهٌ حَيْث مَا شَفَعا ثمَّ قَالَ لي: لِمَنْ هَذَا؟ قلت: يَقُوله الحكم بْن قَنْبَر الْمَازِنِيِّ الْبَصْرِيّ، قَالَ: أَنْشدني بَاقِي شِعره، فَأَنْشَدته: لَهَفي عَلَى مَن أطار النَوْمَ فامْتنعَا ... وزَادَ قَلْبِي عَلَى أوجَاعِهِ وَجَعَا كَأَنَّمَا الشمسُ من أعْطَافه لمعتْ ... حُسْنًا إِلَى البَدْرِ من أزراره طلعا مستقبلُ بِالَّذِي يَهوَى وَإِن عَظُمَتْ ... مِنْهُ الْإِسَاءَة مَعْذُورٌ بِمَا صَنَعَا فِي وَجهه شافعٌ يمحُو إساءتَه ... من الْقُلُوبِ وجيهٌ حَيْث مَا شَفَعا قَالَ الصُّولي: وَأخذ هَذَا الْمَعْنى أَحْمَد بْن يحيى الْعرَاق الْكُوفِي فَقَالَ: بَدَا فكأنّما قمرٌ وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ الصولي: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه حرمي الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن يحيى الْعرَاق، قَالَ: خرجتُ من بَغْدَاد أُرِيد الْكُوفَة واكتريت حِمَارا فتألمتُ من ركُوبه، وَكَانَ مَعَ المكاري عدةٌ من الْحمير للكراء غَيْرَه، ففكرتُ فِي أَن أسأله إِبْدَاله لي بِغَيْرِهِ فابتدأ يُغَني: بدا وكأنما قمر ... عَلَى أزراره طَلَعا فقلتُ: أُعْلِمْه أنَّ الشّعْر لي حَتَّى يهل عَلَيْهِ إِبْدَاله حماري، فَقلت: لمن هُوَ؟ فَقَالَ: لمن أمه ألف مؤاجرة، جروالك جر، فَخفت وَالله أَن أزداد فيزيدني، وَمر بِي من الْحمار شدَّة.

стр. 69

القَوْل فِي معنى فِي وَجهه شَافِع قَالَ القَاضِي: يتَّجه فِي قَوْله: فِي وَجهه شَافِع يمحو إساءته من الْقُلُوب، أَن يكون الْمَعْنى: يمحو من الْقُلُوب الْإِسَاءَة فيزيلها مِنْهَا، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: فِي وَجهه شَافِع من الْقُلُوب وجيه، وَيكون فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَيكون من الْقُلُوب من صلَة شَافِع، وَيشْهد لهَذَا أَنَّهُ قَدْ روى هَذَا الْبَيْت من طَرِيق آخر: فِي وَجهه شافعٌ يمحُو إساءتَهُ ... مُشَفّعٌ ووجيهٌ حَيْث مَا شفعا فعلى هَذَا: من الْقُلُوب صفة لشافع كمشفع، والتقديم وَالتَّأْخِير إِذَا دلّت جملَة الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ وعَلى مَوضِع كلّ شَيْءٍ مِنْهُ، كثير فِي اللُّغَة مَشْهُور فِي الْعَرَبيَّة. قَالَ اللَّه : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا ". وَقَالَ الشَّاعِر: إِذَا شَاب الْغُرَابُ لقيتُ أَهلِي ... وَصَارَ القَارُ كاللَّبنِ الحَلِيبِ الْأَصْمَعِي يعادي ابْن الْأَحْنَف حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: قَالَ لي أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد الْمبرد الثُّمالي: كَانَ الْأَصْمَعِي يعادي عَبَّاس بن الْأَحْنَف، فَقَالَ عَبَّاس يَوْمَا وَهُوَ بَيْنَ يَدي الرشيد والأصمعي بالحضرة: إِذَا أَحْبَبْت أَن تع ... مل شَيئًا يعجبُ النّاسَا فَصَوِّرْ هَا هُنا فَوْزا ... وصَوِّرْ ثَمَّ عَبّاسَا وَدَعْ بَيْنَهُمَا فِتْرًا ... فَإِن زِدْتَ فَلا بَاسَا فَإِن لَمْ يَدْنُوَا حَتَّى ... ترى رأسَيْهما رَاسَا فكذِّبْها بِمَا قاسَتْ ... وَكذبه بِمَا قاسا فَقَالَ الرشيد: مَا رَأَيْتُ معنى أحسن من هَذَا. فَقَالَ الْأَصْمَعِي: قَدْ سبقه إِلَى هَذَا الْمَعْنى رجلٌ من الْعَرَب وَرجل من النّبط، فَقَالَ: مَا قَالَ الْعَرَبِيّ؟ قَالَ: كَانَ رَجُل يُقَالُ لَهُ عُمر يحبُّ جَارِيَة يُقَالُ لَهَا قمر، فَقَالَ: إِذَا أحببتَ أَن تُبْ ... صر شَيئًا يُعْجِب البَشَرَا فَصَوِّرْ هَا هُنَا قَمَرا ... وصَورْ هَا هُنَا عُمرا فَإِن لَمْ يَدْنُوا حَتَّى ... تَرَى بَشَرَيْهِما بَشَرا فكذِّبها بِمَا ذَكَرَتْ ... وَكذبه بِمَا ذَكَرَا قَالَ الرشيد: فَمَا قَالَ النَبَطيُّ؟ قَالَ: كَانَ رَجُل يُقَالُ لَهُ زَوْرا يحب جَارِيَة يُقَالُ لَهَا

стр. 70

فَلْقا، فَقَالَ: إِذَا أَحْبَبْت أَن تع ... مل شَيئًا يعجب الخَلْقَا وَتسمع صَوت معشو ... قين لاقي فِي الْهوى رَبَقَا فصوّر هَا هُنا زَوْرَا ... وصَوِّر هَا هُنَا فَلْقَا فَإِن لَمْ يَدْنُوَا حَتَّى ... ترى خَلْقَيهما خَلْقَا فكذِّبها بِمَا لاقتْ ... وَكذبه بِمَا يَلْقى تَعْلِيق نحوي قَالَ القَاضِي: هَكَذَا رَوَاهُ لَنَا الكوكبي. فصور هَا هُنَا فوزًا بِالصرْفِ، وَترك الصّرْف أَعلَى، وَكَانَ الزَّجّاج لَا يُجِيز صرف شَيْءٍ من الْأَسْمَاء المؤنثة إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر، وَكَانَ جَمِيع من تَقَدَّمَ من النُّحَاة يُجِيز فِي مثل هِنْد ودعد، وَمَا كَانَ وَسطه من أَسمَاء الْمُؤَنَّث سَاكِنا ويختارون ترك الصّرْف فِي غَيْر الشّعْر. وَقَوله: حَتَّى ترى رأسيهما رَأْسا، ثنى الرَّأْس فِي اللَّفْظ، والفصيح فِيهِ وَفِيمَا كَانَ فِي الْجَسَد مِنْهُ وَاحِد أَن يُؤْتِي بِهِ عَلَى لفظ الْجَمِيع فِي تثنيته وَجمع، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُمَا " واللغة الْأُخْرَى مَعْرُوفَة وَيبين ذَلِكَ قَول أَبِي ذُؤَيْب: فَتَخَالَسَا نَفْسَيْهِمَا بنوافذٍ ... كَنَوافِذِ الْعُبطِ الَّتِي لَا ترقعِ ويروى الْعُبُط وَهُوَ جمع عبيط، يُقَالُ: اعتبط الرَّجُل إِذَا هلك شَابًّا، واعتبط الْبَعِير إِذَا نُحر فَتيا، قَالَ أُميَّة بْن أبي الصَّلْت: من لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يمت هَرَمَا ... للموتُ كأسٌ والمرءُ ذَائِقُها وَالدَّم العبيط: الطريّ، ويروى كنوافذ العطب وَهُوَ جمع عطبة، وَهِي الْقطعَة من الْقطن، مثل غرفَة وغُرف وحُجرة وحُجَر. أنشدنا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَنْشدني أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة: لي صاحبٌ لَيْسَ يَخْلُو ... لِسَانه عَنْ جِرَاحِي يُجِيدُ تمزيق عِرضي ... عَلَى طَرِيق المزاحِ الْمجْلس الْحَادِي عَشْر نَعَم الْإِبِل الثَّلَاثُونَ حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْحَضْرَمِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ شَرِيكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " نِعْمَ الإِبِلُ الثَّلاثُونَ، يُنْحَرُ سَمِينُهَا وَيُحْمَلُ عَلَى نَجِيبِهَا ".

стр. 71

التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي: قَدْ نَبّه النَّبيّ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر عَلَى أنَّ هَذَا الْعدَد من الْإِبِل قصدٌ من المَال، وَأَشَارَ بمدحه فِيهِ إِلَى من نحر السمين مِنْهَا وَحمل عَلَى النجيب، فدلّ عَلَى فضل من نحر المَال لسبل الْمَعْرُوف ووجوه الْبر، وَأَوْمَأَ إِلَى التَّرْغِيب فِي قرى الضَّيْف وإنفاق أَعلَى الظّهْر وَبث المكارم العائدة بِالْأَجْرِ وَجَمِيل الذّكر، وَلم يزل الألباءُ يؤثرون بذل النوال وإفاضة الإفضال، تَزَوُّدًا ليَوْم الْعرض، وصيانة للعرض، ورغبة فِي إِحْرَاز الذّكر، وحُسن القالة وَجَمِيل الذّكر، عَلَى تشعب الْأُمُور الباعثة لَهُمْ عَلَى كريم السخاء وشريف العطايا. فَمن جُود مَعْن بْن زَائِدَة حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عَليّ بن مَالك اليباني، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَعْنَب، قَالَ: قَالَ سَعِيد بْن سلم: لمّا وَلّي الْمَنْصُور معن بْن زَائِدَة أَذَرْبَيْجان قَصده قَوْمٍ من أَهْلَ الْكُوفَة، فَلَمَّا صَارُوا بِبَابِهِ اسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ فَدخل الْآذِن فَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير بِالْبَابِ وَفد من أَهْلَ الْعرَاق، قَالَ: من أيِّ الْعرَاق؟ قَالَ: من الْكُوفَة، قَالَ: ائْذَنْ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَنظر إِلَيْهِم معنٌ فِي هَيْئَة زَرِيَّة، فَوَثَبَ عَلَى أريكته وَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِذَا نَوْبَةٌ نابتْ صديقك فاغْتَنِمْ ... مَرَمّتَها فالدهرُ بِالنَّاسِ قُلّبُ فأحسنُ ثوبيكَ الَّذِي هُوَ لابسٌ ... وأفْره مُهريك الَّذِي هُوَ يركب وبادر بمعروفٍ إِذَا كنت قَادِرًا ... زَوَال اقتدارٍ أَوْ غنى عَنْكَ يُعقِبُ قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُل من الْقَوْم، وَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، أَلا أنْشدك أحسن من هَذَا؟ قَالَ: لمن؟ قَالَ: لِابْنِ عمك ابْن هرمة، قَالَ: هَات، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: وللنفس تاراتٌ تَحَلُّ بهَا العرى ... وَتَسْخُو عَنِ المَال النُّفُوس الشحائح إِذا المرءُ لمن ينفعْك حَيًّا فنفعُه ... أقلُّ إِذَا ضُمّت عَلَيْهِ الصفائحُ لأية حالٍ يمنعُ الْمَرْء مالَهُ ... غَدا فغدا والموتُ غاد ورائحُ قَالَ معن: أحسن وَالله وَإِن كَانَ الشّعْر لغيرك، يَا غُلَام! أعطهم أَرْبَعَة آلَاف يستعينوا بهَا عَلَى أُمُورهم إِلَى أَن يتهيأ لَنَا فيهم مَا نُرِيد، فَقَالَ الْغُلَام: يَا سَيِّدي! أجعلها دَنَانِير أم دَرَاهِم، فَقَالَ معن: وَالله لَا تكون همتك أرفع من همتي، صفّرها لَهُمْ. وَمن سخاء يزِيد بْن الْمُهلب حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن يُونُس بْن أبي اليسع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِي، قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى يزِيد بْن الْمُهلب فامتدحه، فَأَحْمَد عقله وفصاحته فَجعله أحد ندمائه، وَكَانَ ينْصَرف فِي كلّ يَوْمَ من عطيته بِمِائَة دِينَار، فَلَمّا أَرَادَ الرحيل والانصراف إِلَى أَهله أَمر لَهُ بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار، ثمَّ قَالَ: إِن - وَالله - مَا أستقلُّها تَكَبُرا وَلَا أستكثرها

стр. 72

امتنانًا، وَلَا أستزيدك بهَا ثَنَاء وَلَا أقطع لَك بهَا رجاءَ. ليلى الأخْيلِيَّةُ ووفودها عَلَى الحَجَّاج حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنْ أبي الْحَسَن الْمَدَائِنِي، عَمَّن حَدثهُ، عَنْ مولى لعنبسة ابْن سَعِيد بْن الْعَاصِ، قَالَ: كنت أَدخل مَعَ عَنْبَسَة إِذَا دَخَلَ عَلَى الحَجَّاج، فَدخل يَوْمَا وَدخلت إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَ الحَجَّاج أحد غَيْر عَنْبَسَة، فَقَعَدت فجيء الحَجَّاج بطبق فِيهِ رُطَب، فَأخذ الْخَادِم مِنْهُ شَيئًا فَجَاءَنِي، ثُمَّ جَاءَ بطبق آخر فَأَتَانِي الْخَادِم مِنْهُ بِشَيْء، ثُمَّ جِيءَ بطبق آخر حَتَّى كثرت الأطباق، وَجعل لَا يُؤْتونَ بِشَيْء إِلَّا جَاءَنِي مِنْهُ بِشَيْء حَتَّى ظَنَنْت أنَّ مَا بَيْنَ يَدي أَكثر ممّا عِنْدهم، ثُمَّ جَاءَ الْحَاجِب فَقَالَ: امْرَأَة بِالْبَابِ، فَقَالَ الْحجَّاج: أدخلها. فَدخلت، فَلَمّا رَآهَا الحَجَّاج طأطأ رَأسه حَتَّى ظَنَنْت أنَّ ذقنه قَدْ أصَاب الأَرْض، فَجَاءَت حَتَّى قعدت بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَظَرت إِلَيْهَا فَإِذا امْرَأَة قَدْ أَسِنَت، حَسَنَة الخَلْق، وَمَعَهَا جاريتان لَهَا، وَإِذا هِيَ ليلى الأخيلية، فَسَأَلَهَا الحَجَّاج عَنْ نَسَبهَا فانتسبت لَهُ، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى! مَا أَتَانِي بك؟ قَالَتْ: إخلاف النُّجُوم وَقلة الغيوم وكلب الْبرد وَشدَّة الْجهد، وَكنت لنا بعد الله الرفد، فَقَالَ لَهَا: صفي لنا الفجاج، فقاتل: مغبرة وَالْأَرْض مقشعرة، والمبرك معتل، وَذُو الْعِيَال مختل، وَالْمَال القُلّ، وَالنَّاس مُسنتون، رَحْمَة الله يرجون، وأصابتنا سنُون مجحفة مبلطة، لم تدع لَنَا هُبَعًا وَلَا ربَعًا، وَلَا عافطة وَلَا نافطة، أذهبت الْأَمْوَال ومزقت الرِّجَال وأهلكت الْعِيَال، ثمَّ قَالَتْ: قَدْ قلت فِي الْأَمِير قولا، قَالَ: هَاتِي، فأنشأت تَقول: أحجّاجُ لَا يُفْلَلُ سلاحُك إِنَّمَا ال ... منايا بِكفِّ اللَّه حَيْثُ يَرَاها أحجاجُ لَا تُعْطِي العداة مناهمُ ... وَلَا اللَّهُ يُعْطي للعُداة مناها ذَا هَبَط الحَجَّاجُ أَرضًا مَرِيضَة ... تتبع أقْصَى دائها فشفاها شفاها من الدَّاء الْعُضال الَّذِي بهَا ... غُلَام إِذَا هَزَّ القناةَ سَقَاها سَقَاهَا فرواها بشِرْبٍ سِجَالُهُ ... دِماءَ رِجال حَيْثُ قَالَ حشاها إِذَا سمع الحَجَّاج رِزَّ كَتِيبَة ... أعدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُول قِراها أعدَّ لَهَا مَسْمومة فارسيَّة ... بأيدي رجال يَحْلِبُون صَرَاها فَمَا ولدَ الأبكارُ والْعُونُ مثلَه ... ببحرٍ وَلَا أرضٍ يَجِفُّ ثَرَاها قَالَ: فَلَمّا قَالَتْ هَذَا الْبَيْت، قَالَ الحَجَّاج: قاتلها اللَّه! مَا أصَاب صِفَتي شَاعِر مُنْذُ دخلت الْعرَاق غَيرهَا، ثُمَّ الْتفت إِلَى عَنْبَسَة بْن سَعِيد، فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأعد لِلْأَمْرِ عَسى أَلا يكون أبدا، ثُمَّ الْتفت غليها، فَقَالَ: حَسبك، فَقَالَت: قَدْ قلت أَكثر من هَذَا، قَالَ: حَسبك

стр. 73

وَيحك حَسبك، ثمَّ اقل: يَا غُلَام! اذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان فَقل لَهُ: اقْطَعْ لسانها، فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ لَك الْأَمِير: اقْطَعْ لسانها، قَالَ: فَأمر بإحضار الْحجام، والتفتت إِلَيْهِ وَقَالَت: ثكلتك أمك، أما سمعة مَا قَالَ، إِنَّمَا أَمرك أنَّ تقطع لساني بِالْبرِّ والصلة فَبعث إِلَيْهِ يستثبته، فاستشاطَ الحجّاج غَضبا وهم بِقطع لِسَانه، وَقَالَ: اردُدها، فَلَمّا دخلت عَلَيْهِ، قَالَت: كَاد - وَأَمَانَة اللَّه - أَيهَا الْأَمِير يقطع مقولي، ثمَّ أنشأت تَقول: حجاج أَنْت الَّذِي مَا فَوْقه أحد ... إِلَّا الْخَلِيفَة والمستغفر الصمدُ حجاج أَنْت شهَاب الْحَرْب إِن لقحت ... وَأَنت للنَّاس نور فِي الدجى يقدُ ثمَّ أقبل الْحجَّاج على جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ من هَذِه؟ قَالُوا: لَا وَالله أَيهَا الْأَمِير، إِلَّا أننا لَمْ نر امْرَأَة قَط أفْصح لِسَانا وَلَا أحسن محاضرة، وَلَا أصبح وَجها وَلَا أرصن شعرًا مِنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ ليلى الأخْيِلِية الَّتِي مَاتَ تَوْبَة الخفاجي من حبها، ثُمَّ الْتفت إِلَيْهَا، فَقَالَ: أنشدينا يَا ليلى بَعْض مَا قَال فِيك تَوْبَة، فَقَالَت: نَعَمْ أَيهَا الْأَمِير، هُوَ الَّذِي يَقُولُ: وَهل تبكين ليلى إِذَا متُّ قبلهَا ... وقامتْ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النوائحُ كَمَا لَوْ أصَاب الموتُ ليلى بكيتُها ... وجَادَ لَهَا دمعُ من الْعين سافحُ وأُغْبَطُ من ليلى، بمالاً أنالهُ ... بَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ العَيْن صَالِحُ وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي تُرْبة وصفائحُ لسلّمتُ تَسْلِيم البَشَاشَةِ أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صائحُ فَقَالَ لَهَا: زيدينا يَا ليلى من شعره، فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ: حمامةَ بطن الواديَيْنِ تَرَنّمِي ... سقاك من الْغُرِّ الغَوَادِي مطيرُها أبيني لَنَا لَا زَالَ ريشُك نَاعِمًا ... وَلَا زلتِ فِي خَضْراء دَانٍ نَضِيرُها وأشرفُ بالقَوْزِ اليَفَاع لعلّني ... أرى نَار ليلى أَوْ يراني بَصِيرُها وَكنت إِذَا مَا جئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُها يَقُولُ رَجالٌ لَا يُضيرُك نأيُها ... بلَى كلُّ مَا شفَّ النفوسَ يضِيرُها بلَى قَدْ يضير الْعين أَن تكْثر البك ... ى يمْنَع مِنْهَا نومُها وسرورُها وَقد زعمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ ... لنَفْسي تقاها أَوْ عَلَيْهَا فجورُها فَقَالَ الحَجَّاج: يَا ليلى! مَا الَّذِي رابه من سفورك؟ قَالَتْ: أَيهَا الْأَمِير! كَانَ يُلِمّ بِي كثيرا فَأرْسل إليَّ يَوْمَا: أَنِّي آتِيك، فَفطن الحيُّ فأرصدُوا لَهُ، فَلَمّا أَتَانِي سَفِرتُ فَعلم أنَّ ذَلِكَ لشرّ، فَلم يزدْ عَلَى التَّسْلِيم وَالرُّجُوع، فَقَالَ: لله درُّك! فَهَل رَأَيْت مِنْهُ شَيْئا تكرهينه؟

стр. 74

قَالَ: لَا، وَالله الَّذِي أسأله أَن يُصلحك، غَيْر أَنَّهُ قَالَ لي مرّة قولا ظننتُ أَنَّهُ قَدْ خضع لبَعض الْأَمر فأنشأت أَقُول: وَذي حَاجَة قُلْنَا لَا تَبُحْ بهَا ... فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حييتَ سبيلُ لَنَا صاحبٌ لَا نبتغي أَن نخونه ... وأنتَ لأخرى صاحبٌ وخليلُ فَلا وَالله الَّذِي أسأله أَن يصلحك مَا رأيتُ مِنْهُ شَيْئا قد فرّق الموتُ بيني وَبَينه، قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَتْ: ثُمَّ إِنَّه لَمْ يلبث أَن خَرَجَ فِي غزاةٍ لَهُ فأوصى ابْن عَمه: إِذَا أتيت الْحَاضِر من بني عبَادَة فَنَادِ بِأَعْلَى صَوْتك: عَفا اللَّه عَنْهَا هَلْ أبيتَن لَيْلَة ... من الدَّهْر لَا يسري إليَّ خَيَالُها فَخرج وَأَنا أَقُول: وَعنهُ عَفا رَبِّي وَأحسن حالهُ ... فغز عَلَيْنَا حَاجَة لَا ينالُها قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَتْ: ثُمَّ لَمْ يلبث أَن مَاتَ فَأتى نعيه، قَالَ: فأنشدينا بَعْض مراثيك فِيهِ، فَأَنْشَدته: كَأَن فَتى الفتيان توبةَ لَمْ يُنِخ ... قَلَائِص يفحصن الْحَصَى بالكَرَاكرِ لِيَبْك العذارى من خفاجة نسوةٌ ... بماءِ شئونِ العَبْرة الْمُتَحادِرِ فَلَمّا فرغتْ من القصيدة، قَالَ مُحصن الفقعسي، وَكَانَ من جُلساء الحَجَّاج: من الَّذِي يَقُولُ هَذِهِ هَذَا فِيهِ، فواللَّه إِنِّي لأظنها كَاذِبَة، فَنَظَرت إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: وَالله أَيهَا الْأَمِير إِن هَذَا الْقَائِل لي لَوْ رَأَى تَوْبَة لسَرَّه أَلا يكونَ فِي دَاره عذراء وَهِي حَامِل مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاج: هَذَا وَأَبِيك الْجَواب، وَقد كنت عَنْهُ غَنِيا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: سَلِي يَا ليلى تُعْطَيْ، قَالَتْ: أعْط فمثلك أعْطى فَأحْسن، قَالَ: لَك عشرُون قَالَتْ زِدْ فمثلك زَاده فأجمل، قَالَ: لَك أَرْبَعُونَ، قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فأفضل، قَالَ: لَك سِتُّونَ قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فأكمل، قَالَ: لَك ثَمَانُون، قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فتممّ، قَالَ: لَك مائَة، واعلمي يَا ليلى أَنَّهَا غنم، قَالَتْ: مُعَاذِ اللَّه أَيهَا الْأَمِير، أَنْت أجودُ جُودًا وأمجد مجدًا وأورى زِنْدًا من أَن تجعلها غنما، قَالَ: فَمَا هِيَ وَيحك يَا ليلى؟ قَالَتْ: مائَة نَاقَة برعاتها، فَأمر لَهَا بهَا، ثُمَّ قَالَ: لَك حَاجَة بعْدهَا، قَالَتْ: تدفع إليَّ النابغةَ الجَعْدي فِي قَيْد، قَالَ: قَدْ فعلتُ، وَقد كَانَتْ تهجوه ويهجوها، فَبلغ النَّابِغَة ذَلِكَ فَخرج هَارِبا عائذًا بِعَبْد الْملك بْن مَرْوَان فاتبعته فهرب إِلَى قُتَيْبَةَ بْن مُسْلِم بخراسان فاتّبَعَتْه عَلَى الْبَرِيد بِكِتَاب الحَجَّاج إِلَى قُتَيْبَةَ، فَمَاتَتْ بقُومِس وَيُقَال بحلوان. ذَكَرَ السَّبَب فِي وفاتها وَقد ذَكَرَ فِي وفاتها أمرٌ عَجِيب يُخَالف مَا فِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَة، وَأَنا بعون اللَّه ذَاكر مَا حضرني مِنْهُ ومتبعه الْبَيَان عَمَّا يشكل من غَرِيب هَذَا الْخَبَر إِن شَاءَ اللَّه.

стр. 75

فمما روينَاهُ من وَفَاة ليلى الأخيلية مَا حدّثنَاهُ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أبي الثَّلج، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن فهم، قَالَ: حَدثنِي حُسَيْن بْن فهم، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يحيى الأَزْدِيّ، عَنِ الْقُتَبي قَالَ: قَالَ تَوْبَة بْن الْحمير: وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي جَنْدَلٌ وصفائحُ لسلمتُ تَسْلِيم البشاشة أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صَائِحُ وأُغْبَطُ من ليلَى بِمَا لَا أَنَالَهُ ... بَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ العَيْن صَالِحُ قَالَ: فَلَمّا قُتل تَوْبَة وأتى بَعْدَ مَقْتَله دهر، اجتاز زَوْجَ ليلى الأخيلية وَهِي مَعَه عَلَى قبر تَوْبَة، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى! هَذَا قبرُ تَوْبَة الَّذِي يَقُولُ: لسلمتُ تَسْلِيم البشاشة أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صائحُ نَادِيه حَتَّى يجيبك كَمَا زعم، قَالَتْ: اذهبْ عَنْكَ، فَأبى وألحّ وَحلف عَلَيْهَا أَن تنادِيَه، قَالَ: فاستعبرتْ ثُمَّ نادت: يَا تَوْبَة، قَالَ: ويزقُو ثَعْلَب كَانَ إِلَى جَانب الْقَبْر فَخرج يَصِيح ويفوت نَاقَة ليلى، فَسَقَطت عَنْهَا فارتاعت لذَلِك واحتملها زَوجهَا فَذهب بهَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب مَوتهَا، عاشت أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَت. خبر ثَان فِي ذَلِكَ وَمن ذَلِكَ مَا حدّثنَاهُ مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس الأَزْدِيّ قَالَ: خَرَجَ زَوْجَ ليلى الأخيلية بليلى، فمرَّا عَلَى قُبر تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى هَذَا الَّذِي يَقُولُ فِيك: وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي تُرْبة وصفائحُ لسلّمتُ تَسْلِيم البَشَاشَةِ أَو زَقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صَائِحُ فَقَالَ: أَنْت طالقٌ إنّ لَمْ تُسلَّمي عَلَيْهِ حَتَّى أنظر مَا يرد عَلَيْكَ، فَقَالَت: وَمَا دعَاك إِلَى عِظَام قَدْ رُمّت، قَالَ: هُوَ مَا سَمِعت، فدنت مِنْهُ، فَقَالَت: السّلامُ عَلَيْكَ يَا تَوْبَة فَتى الفتيان وَسيد الشّبان، قَالَ: وَكَانَت قَطَاة قَدْ عَشّشَتْ فِي جَانب الْقَبْر، فَلَمّا سَمِعت الصَّوْت نَفَرتْ وَخرجت تَقول: قطا قطا، فَلَمَّا سَمِعت ناقةُ ليلى الصوتَ نَفَرَتْ بليلى فَسَقَطت فاندقت عُنقها، فدفنت إِلَى جَانِبه. خبر آخر عَجِيب فِي ذَلِكَ وَمن أعجب مَا روى لَنَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة، مَا حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الحكم النَّسَائيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن زَيْدُ النَّيْسَابُوريّ: أنَّ ليلى الأخيلية بَعْدَ موت تَوْبَة تزوجت، ثُمَّ إِن زَوجهَا بَعْدَ ذَلِكَ مرّ بِقَبْر تَوْبَة وليلى مَعَه، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى تعرفين هَذَا الْقَبْر؟ فَقَالَت لَا، قَالَ: هَذَا قبر تَوْبَة فسلِّمي
следующие страницы →