Полный текст (740 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
بَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود، وَهُوَ مُعْتَمّ قد رجَّل لحيته، فسلّم ثُمَّ قَالَ: أصلح الله الْأَمِير قدمتُ غازيًا وكرهتُ أَن أجوزكَ حتّى أَقْْضِي حقّك، قَالَ: حيّاك الله وَبَارك عَلَيْك، ثُمَّ سكتَ عَنْهُ. فلمّا أنس أقبل عَلَيْهِ الْوَلِيد فَقَالَ: يَا خَال هَلْ جَمَعْتَ الْقُرْآن؟ قَالَ: لَا كَانَت تَشْغَلُنَا عَنْهُ شواغلُ. قَالَ: حفظت من سنة رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومغازيه وَأَشْعَارهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فأحاديثُ أهل الْحجاز ومضاحكها؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فأحاديثُ الْعَجم وآدابُها؟ قَالَ: إِن ذَلِكَ شيءٌ مَا كنتُ أطلبه. فَرفع الْوَلِيد المنديل وَقَالَ:: شاهَكَ. قَالَ عبد الله بن مُعَاوِيَة: سُبْحَانَ الله، قَالَ: لَا وَالله مَا مَعنا فِي الْبَيْت أحد. فلمّا رأى ذَلِكَ الرجلُ خرج فَأَقْبَلُوا على لعبهم.
الْحسب بِلَا أدب
قَالَ القَاضِي: مَا أعجبَ كَلَام الْوَلِيد هَذَا وألطفه وَأحسنه وأظرفه. وشبيه هَذَا مَا رُوِيَ أنّ رجلا خاطبَ مُعَاوِيَة فأكثرَ اللَّغْو فِي كَلَامه فضجرَ مُعَاوِيَة وَأعْرض عَنْهُ، فَقَالَ: أأسكت يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: وَهل تكلّمت؟ ولعمري إِن ذَا الْجَهْل والغباوة إِلَى منزلَة من النَّقْص وَسُقُوط الْقدر وبِمعزل من الطَّبَقَة الَّتِي تستحقّ التهيُّب والإعظام والتبجيل والأكرام، وَإِن اتفقَ لَهم بالجَد وطائر السعد إعظام كَثِير من النّاس لَهم واغترار طَائِفَة من الْأَغْنِيَاء بِهم. وَقد ذكر أَن بزرجمهر سُئِلَ: مَا نعْمَة لَا يُحسد صَاحبهَا عَلَيْهَا؟ قَالَ: التَّوَاضُع، قيل: فَمَا بلية لَا يُرحَمُ صَاحبهَا؟ قَالَ: الْكِبْر، قيل: فَمَا الَّذِي إِذا انفردَ لَمْ يساوِ شَيْئا؟ قَالَ: الْحسب بِلَا أدب. وَفِي استقصاء القَوْل فِي هَذَا الْبَاب طول لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع.
حلم سلمى بن نَوْفَل
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصُّولي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن صَفْوَان عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ سلمى بن نَوْفَل الدَّيلي سيدًا فِي كنَانَة، فَوَثَبَ رجلٌ من أَهله على ابْنه فجيء بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أمَّنك منّي وأجرأكَ عليَّ؟ أما خشيتَ عقابي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: لأنّا سوّدناك لكظم الغيظ والحلم عَن الْجَاهِل، فخلَّى سَبيله.
ولِّ الْبكاء أَهله - مصرع أَبنَاء الْحَارِث الْبَاهِلِيّ
حَدَّثَنَا عبد الله بن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ، محدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر بْن حبيب قَالَ، حَدَّثَنِي سعيد بن سلم الْبَاهِلِيّ قَالَ: كَانَ الْحَارِث بن حبيب الْبَاهِلِيّ كَثِير الْبَنِينَ فنحى بنيه عَن قومه يخْشَى معرّتهم عَلَيْهِم، فغابَ الْحَارِث بن حبيب وشوى بنوه شَاة لَهم فأُخرجت وغطوها فَأَكَلُوا مِنْهَا فماتوا وهم ثَمانية، فجَاء فَرَآهُمْ موتى حول الشَّاة، فَأكل مِنْهَا وَأكْثر ليموتَ فَلم يَمت، فركبَ نَاقَة لَهُ يريدُ قومه ليعينوهُ على دفنهم، فمرَّ وَهُوَ راكبٌ برجلٍ جالسٍ يبكي، وَهُوَ رجل من بني قُشَيْر، فَقَالَ: مَا لَك؟ قَالَ: كَانَت لي شَاة فَأكلهَا الذئبُ فَنزل عَن رَاحِلَته فَقَالَ: هَذِه لَك بدل شَاتك وولِّ البكاءَ أهلَه، ثُمّ قَالَ:
стр. 667
يَا أيُّها الباكي على شاته ... يبكي جهارًا غير إسرار
إنّ الرزيّاتِ وأشباهَهَا ... مَا غادر الحارثُ فِي الدَّار
والْحَارث الَّذِي يَقُول:
المرءُ يأمُلُ أَن يعيشَ وطولُ عيشٍ قد يضرُّه
تَفْنَى بشاشتُهُ وَيبقى بعد حُلْوِ العيشِ مرُّه
وتسوءه الْأَيَّام حَتَّى لَا يرى شَيْئا يسرّه
كم شامتٍ لي إِن هلكتُ وقائلٍ للهِ دَرُّه
الحطيئة يعجب بِابْن عَبَّاس
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَظَرَ الْحُطَيْئَةُ إِلَى ابْنِ عبّاسٍ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ كَلَامه، فَقَالَ: من الَّذِي قَدْ نَزَلَ عَنِ الْقَوْمِ فِي سنِّه وَعَلاهُمْ فِي قَوْلِهِ؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، هَذَا ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِنِّي وَجَدْتُ بَيَانَ الْمَرْءِ نَافِلَةً ... تُهْدِي لَهُ وَوَجَدْتُ العيَّ كالصَّمم
الْمَرْءُ يَبْلَى وَيَبْقَى الْكَلْمُ سَائِرُهُ ... وَقَدْ يُلامُ الْفَتَى يَوْمًا وَلَمْ يُلَمِ
الكَلْم والكَلِم
قَالَ القَاضِي: قَوْله " وَتبقى الْكَلم ": الْكَلم هَا هُنَا جمع كلمة، وأصلُ الْكَلم بِكَسْر اللَّام فسكنه تَخفيفًا لإِقَامَة وزن الْبَيْت كَمَا قَالُوا فِي مَلِك ملك، وفخذ وكَبِد. قَالَ الله تَعَالَى: " يُحَرِّفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه " " الْمَائِدَة: ١٣ ". وَقد رُوِيَ عَن تَميم بن حدلم أنَّهُ قَرَأَ: " تُحَرِّفُونَ الكلامَ ". وَقد قَرَأَهُ عُلَمَاء الْأَمْصَار " يُرِيدُونَ أَنْ يبدّلوا كَلَام الله " " الْفَتْح: ١٥ " و " كلم اللَّه ". ومِمَّا قيل فِي هَذَا وَهُوَ مِمَّا يُستحسن لبَعض الْمُحدثين:
قَالَت عييتَ عَن الشكوى فقلتُ لَهَا ... جَهْد الشكايةِ أَن أعَيْا عَن الكَلِم
فأمَّا الْكَلم الّذين عيْنُ فعلِهِ سَاكِنة فِي أصل بنائِهِ فَإِنَّهُ مصدر كَلَمه يكلمهُ كَلْمًا، بِمعنى جرحه يَجرحه جرحا كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
لعمرك إنّ الدَّار غفرٌ لذِي الْهوى ... كَمَا يَغْفِرُ المحمومُ أَو صاحبُ الكَلْمِ
يَعْنِي إِن ذَا الْهوى يَهْتَز لذكرها كَمَا يَهْتَز المحموم والمكلوم أَي الْمَجْرُوح ويهتران. ويجمعُ الكَلْم كلَاما مثل جَرْح وجراح، وَجمع فَعْل على فِعَال كَثِير جدًّا فِي الْقلَّة مثل كلب وكلاب وَسَهْم وسِهام، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
أجدَّك مَا لعينك لَا تنامُ ... كأنّ جفونها فِيهَا كِلامُ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا من أحدٍ يُكْلَمُ كلما فِي سَبِيل الله إِلَّا جَاءَ
стр. 668
يَوْم الْقِيَامَة وأوداجه تشخُبُ دَمًا: اللونُ لونُ دمٍ والريحُ ريحُ مسكٍ. وَيجمع الْكَلم أَيْضا مثل فَلْس وَفُلوس، وصَقْر وصُقور، وَمثله كَثِير. وَمن الكلوم قَول بعض الشُّعَرَاء:
فَلَو أنّ قولا يكلِمُ الجلدَ قد بدا ... بِجلديَ من قولِ الوشاةِ كُلومُ
وَقَوله " سائرُهُ " يَعْنِي أَنَّهُ يبْقى سَائِر الْكَلَام يريدُ الْحِكَم السائرة من الْكَلم، يُقال: قولٌ سَائِر ومثلٌ سَائِر، وَقَوله " سائرهُ " بَدَل من الْكَلم تابعٌ لَهُ فِي إعرابه كَقَوْلِك يُعجبني القَوْل بليغُهُ.
لِمَاذا أكلت الفأر أذن الإسرائيلي
حَدَّثَنَا أبي ﵁ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتَلَّي، أَخْبَرَنَا عمي يَعْنِي النَّسَائِيّ قَالَ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن عبد الحميد المهراني قَالَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن صَالِح الوحاظي قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بن عيّاش قَالَ: حَدَّثَنِي بشر بن عبد الله بن سيّار أنَّ رجلا من بني إِسْرَائِيل حَضَره الْمَوْت، فَرَأى جزع امْرَأَته عَلَيْهِ فَقَالَ: أتحبين أَن لَا أُفَارِقك؟ قَالَت: نعم، قَالَ: فاصنعي لي تابوتًا ثُمَّ اجعليني فِي بَيْتك هَذَا فَإِنَّهُ لَا يتَغَيَّر جَسَدِي، فَفعلت، فاطلعت بعد زمانٍ فَإِذا هِيَ بِإِحْدَى أُذُنَيْهِ قد أُكِلَتْ، فَقَالَت: فلانٌ مَا كذبتني قبلهَا، قَالَ: فاستأذنَ ربه فردَّ الله عَلَيْهِ روحه، فَقَالَ لَهَا: إِن الَّذِي رَأَيْت من أُذُنِي أَنِّي سمعتُ ملهوفًا يَوْمًا من الْأَيَّام يستغيثُ فَلم أُغِثْهُ فأُكلت أُذُنِي الَّتِي كَانَت تليه.
عمر بن عبد الْعَزِيز يرد المظالِم
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ قَالَ، حدّثنا عبد الله ابْنِ أُخْتِ أَبِي الْوَزِيرِ عَنِ أبي مُحَمَّد الشَّامي قَالَ: كنتُ غُلَاما فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، فلمَّا أَخذ عمر فِي ردّ المظالِم غلظ ذَلِكَ على أهل بَيته وعَلى جَميع قُرَيْش، فَكتب إِلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام:
فأبلغَ هشاماً والّذين تجمّعوا ... بدابق لاسلمتم آخر الدَهْرِ
ويروى:
فَقل لهشامٍ وَالَّذين تَجمّعوا ... بدابق موتوا لَا سلمتمْ يَدَ الدَّهرِ
فأنْتُم أَخذتم حَتْفَكُمْ بأكفّكم ... كباحثةٍ عَن مديةٍ وَهِي لَا تَدْرِي
عشيَّةَ بايعتم إِمَامًا مُخَالفا ... لَهُ شجنٌ بَين الْمَدِينَة والْحِجر
فَأَجَابَهُ بعض ولد مَرْوَان عَن هِشَام بن عبد الْملك:
لَئِن كَانَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الردى ... فَمَا أَنْت فِيهِ ذُو غناء وَلَا وفر
وأنتَ من الريش الذنابي وَلم تكن ... من الجزلة الأولى وَلَا وسَطِ الظّهْر
ونحنُ كَفَيْنَاك الأمورَ كَمَا كفى ... أَبونَا أَبَاك الْأَمر فِي سالِفِ الدّهر
стр. 669
صرف دابق وَعدم صرفه
قَالَ القَاضِي: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن الحكم فِي شعره هَذَا " بدابق " فَلم يصرفهُ فِي موضِعين، وَفِي صرفه وَترك صرفه وَجْهَان معروفان فِي كَلَام الْعَرَب، وَالْعرب تذكّره وتُؤنّثه، فَمن ذكّره صرفه كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
بدابقٍ وأينَ منّي دابق
ومَن أنَّثه لَمْ يصرفهُ كَمَا قَالَ الآخر:
لقد خابَ قومٌ قلّدوك أُمُورهم ... بدابقَ إِذْ قيلَ العدوُّ قريبُ
الباحثة عَن حتفها
وَقَوله " كباحثة عَن حتفها هِيَ لَا تَدْرِي " هَذَا مثلٌ يُضرب للَّذي يثير بِجهله مَا يُؤدّيه إِلَى هَلَاكه أَو الْإِضْرَار بِهِ. وَأَصله أَن نَاسا ً أخذُوا شَاة لَيست لَهم فأرادوا أكلهَا، فَلم يَجدوا مَا يذبحونها بِهِ فَهموا بتخليتها، فاضطربت عَلَيْهِم، وَلم تزل تثيرُ الأَرْض وتبعثرها بقوائمها، فَظهر لَهُم فِيمَا احترفته مديةٌ فذبحوها بِهَا، وَصَارَت هَذِه الْقِصَّة مثلا سائرًا فِيمَا قدّمنا ذكره. وَقَول المرواني " وَأَنت من الريش الذناني ". يُقال ذَنْب الْفرس وَغَيره، وذنابي الطَّائِر وذنابي الْوَادي وذنابته ومذنب النَّهر قَالَ الشَّاعِر:
أيا جحمتا بكي على أمِّ صاحبِ ... قتيلة قلَّوبٍ بِإِحْدَى الذنائبِ
ويروى المذانب، والجحمتان: العينان، والواحدة جحمة، ويُقال إنَّها بلغَة أهل الْيمن، والقلَّوب: الذِّئْب.
شعر ابْن البخْترِي فِي خَالِد بن الْوَلِيد حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد قَالَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْزَةَ اللَّخْمِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحِرْمَازِيُّ قَالَ: دَخَلَ هِشَامُ الْبَخْتَرِيِّ فِي ناسٍ مِنْ مَخْزُومٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ لَهُ: يَا هِشَامُ أَنْشِدْنِي شِعْرَكَ فِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأَنْشَدَهُ فَقَالَ: قصَّرت فِي الْبُكَاءِ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ ﵀، إِنْ كَانَ لَيُحِبُّ أَنْ يذلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّامِتُ بِهِ لَمُتَعَرِّضًا لِمَقْتِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: قَاتَلَ اللَّهُ أَخَا بَنِي تَمِيمٍ مَا أَشْعَرَهُ.
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقَى خِلافَ الَّذِي مَضَى ... تَهَيَّأْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَن قَدِ
فَمَا عَيْشُ مَنْ قَدْ عَاشَ بَعْدِي بنافعٍ ... وَلا مَوْتُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَوْمًا بِمُخْلِدِي
وَيُرْوَى: " وَلا مَوْتُ مَنْ قَدْ مَاتَ قَبْلِي ". ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ خيرٌ لَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَلَقَدْ مَاتَ فَقِيدًا وَعَاشَ حَمِيدًا، وَلَكِنْ رَأَيْتُ الدَّهْرَ لَيْسَ يُقَاتَلُ.
قَالَ القَاضِي: لقد أحسن عمر بن الْخطاب رضوَان الله عَلَيْهِ الثَّنَاء على خَالِد بن الْوَلِيد ﵀ على تشعُّثٍ قد كَانَ بَينهمَا، فَلم يثنه عَن معرفَة حقّه وصحبته وصلَة رَحمَه،
стр. 670
وَكَانَ ابنَ خَالَته. وَقد كَانَ الصَّحَابَة، رضوَان الله عَلَيْهِم، ربَّما عرض فِيمَا بَينهم بعضُ العَتْبِ وبعضُ مَا يوحش الإخوان فَلَا يخرجهم ذك عَن الْولَايَة إِلَى العدواة.
المجلسُ التسْعُون
مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلصَّالِحِينَ
حدَّثنا طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْرَائِيلَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَبُو بْكَرٍ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيُّ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي رُفِعْتُ إِلَى الْجَنَّةِ فَاسْتَقْبَلَتْنِي جاريةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ؟ قَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَإِذَا بأنهارٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وأنهارٍ مِنْ لبنٍ لَمْ يتغيَّر طَعْمُهُ، وأنهارٍ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وأنهارٍ مِنْ عسلٍ مصفَّى، وَإِذَا رماَّنها كَأَنَّهُ الدِّلاءُ عِظَمًا، وَإِذَا بِطَائِرِهَا كَأَنَّهُ بُخْتُكُمْ هَذِهِ، فَقَالَ عِنْدَهَا ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ أعدَّ للصالحين مَالا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ".
مَكَانَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ
قَالَ الْقَاضِي: قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَفِي أَنَّهُ صَادَفَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَكَانَ مِنْ أبرِّ النَّاسِ بِأُمِّهِ، وَقَالَ النَّبيّ ﷺ حِينَ أُخْبِرَ بِإِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى زَيْدًا وَإِسْكَانِهِ جَنَّتَهُ: كَذَلِكُمُ البرُّ كَذَلِكُمُ البرُّ، وَلَنْ يَضِيعَ لأَوْلِيَاءِ اللَّهِ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِحْسَانُهُمْ بِطَاعَتِهِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِطَاعَتِهِ وَالْعِصْمَةَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، إِنَّهُ رؤوفٌ رَحِيمٌ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
النَّابِغَة الْجَعْدِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو حاتِم قَالَ، قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي أَبُو ليلى، واسْمه قيس بن عبد الله بن عُدس، وَقَالَ القحذمي: اسْمه حبَّان بن قيس بن عبد الله بن وَحْوَح بن عُدَس بن ربيعَة بن جعدة بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامِر بن صعصعة، وَكَانَ أسنَّ من النَّابِغَة الذبياني، وَالدَّلِيل على ذَلِكَ قَوْله:
تذكرت والذكرى تهيجُ على الْهوى ... وَمن حَاجَة المحزونِ أَن يتذكّرا
نداماي عِنْد الْمُنْذر بن محرِّقٍ ... أرى الْيَوْم مِنْهُم ظَاهر الأَرْض مقفرا
كهولٌ وفتيانٌ كأنّ وُجُوههم ... دنانيرُ مِمّا شِيفَ فِي أَرض قيصرا
قَالَ: فَهَذَا يدلُّكَ على أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُنْذر بن محرق، والنابغة كَانَ مَعَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن محرق، وَكَانَ النَّابِغَة غبر ثَلَاثِينَ سنة لَا يتَكَلَّم، ثُمَّ تكلّم بالشعر، وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة بأصبهان، وَكَانَ ديوانه بِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَقُول:
فَمن يَك سَائِلًا عنّي فإنّي ... من الشبّان أيّام الْخُنَانِ
وأيّام الخنان كَانَت أَيَّامًا فِي الْعَرَب قديمَة لداءٍ هاج فيهم:
مَضَت مائةٌ لعامَ ولدتُ فِيهِ ... وعشرٌ بعد ذاكَ وحجّتانِ
стр. 671
فأبقى الدَّهْرُ والأيامُ منّي ... كَمَا أبقى من السيفِ الْيَمَانِيّ
تحسّر وَهُوَ مأثور جرازٌ ... إِذا جمعت لقائمه اليدانِ
وَقَالَ أَيْضا فِي طول عمره:
لبستُ أُناسًا فأفنيتهم ... وأفنيتُ بعد أناسٍ أُنَاسًا
ثلاثةَ أهلينِ أهلكتهم ... وَكَانَ الإلهُ هُوَ المستآسا
قَالَ أَبُو حاتِم، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَكَانَ النَّابِغَة مِمّن فكَّر فِي الْجَاهِلِيَّة فأنكرَ الْخمر وَالسكر وَمَا يفعلُ بِالْعقلِ، وتجنَّب الأزلامَ والأوثان، وَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا:
الحمدُ لله لَا شريك لَهُ ... مَنْ لَمْ يقلها فنفسهُ ظَلَما
وَكَانَ يذكر دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل صلَّى الله عَلَيْهِمَا، ويصومُ ويستغفرُ ويتوقى أَشْيَاء لعواقبها، ووفد عَلَى النَّبيّ ﷺ وَقَالَ فِي ذَلِك:
لأتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى ... وَيَتْلُو كتابا كالمجرَّة نيّرا
وجاهدتُ حَتَّى مَا أحسَّ وَمن معي ... سُهَيْلا إِذا مَا لَاحَ ثُمَّ تغوّرا
يَقُول: كنتُ بِالشَّام وسهيلٌ لَا يكادُ يُرى هُنَاكَ.
يقومُ على التَّقْوَى ويوصي بِفِعْلِهَا ... وَكَانَ من النّارِ المخوفةِ أوجرا
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ الأَشْدَقِ الْعَقِيلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّابِغَةَ يَقُولُ: أَنْشَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ :
بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَا ... وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
فَقَالَ: أَيْنَ الْمَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَى؟ قُلْتُ: الْجَنَّةُ، قَالَ: أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ قَوْلِي:
وَلا خَيْرَ فِي حلمٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يكدَّرا
وَلا خَيْرَ فِي جهلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... حليمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرَا
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا يُفْضَضُ فُوكَ ". فَمَاتَ وَلَهُ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ لَمْ يغيَّر لَهُ سِنٌّ.
استطراد فِي شرح شيف وَغَيرهَا
قَالَ القَاضِي: قَول النَّابِغَة فِي أَرض قيصرا ": معنى شِيفَ جُلي ومُسح حَتَّى أنارَ وصَفَا، كَمَا قَالَ عنترة:
وَلَقَد شربتُ من المدامة بَعْدَمَا ... ركد الهواجرُ بالمشوفِ الْمُعْلَمِ
يُقال للدينار وَالدِّرْهَم المجلوين: دِينَار مشوفٌ ودرهمٌ مشوف، ويُقال شافه يشوفه شوفًا كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
بأسحم ملتفَ الغدائرِ واردٍ ... وَذي أشرٍ تِشُوفُهُ وَتَشُوصُ
قَالَ القَاضِي: قَوْله " تشوفه " أَي تجلوه، والأُشُر: تَحْدِيد أَطْرَاف الْأَسْنَان ورقّتها. وَذكر أَن أَعْرَابِيًا أتَى بطفل لَمْ تنْبت أَسْنَانه فَجعل يقبّله وَيَقُول: وابأبي دُرْدُرك، فرأته امْرَأَته وَلم
стр. 672
تكن حظيَّةً عِنْده، فظنّت أَن الْفَم الأدرد يُعجبُهُ، فعمدتْ إِلَى فهرٍ فصكَّت بِهِ أسنانها حَتَّى ألقتها ثمَّ جائته فلمّا رَآهَا قَالَ: أعييتني بأشرٍ فكيفَ بدردرٍ؟! والأدرد: الَّذِي لَيْسَ فِي فِيهِ شَيْء من الْأَسْنَان، يُقَال: دَرِدَ الرجل يَدْرَدُ إِذا لَمْ يبقَ لَهُ سنٌ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَوْصَانِي جِبْرِيل ﵇ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خفتُ أَن أدرد ". ويُقالُ: رجل أدرد وَامْرَأَة درداء، ودريدٌ تَصْغِير أدرد، ويسمِّي هَذَا البصريون من النَّحْوِيين تَصْغِير التَّرْخِيم لحذف مَا حذف مِنْهُ، وَلَو صغِّر على أَصله وَتَمَامه لقيل أُدَيْرِد. وَمثل هَذَا أَحْمد وأحميد وحُميد وأزرق وأزيرق وزُريق. وَمن الأدرد قَول الشَّاعِر:
فَمَا تدَّري من حيّةٍ جبليَّةٍ ... سكاتٍ إِذا مَا عضَّ لَيْسَ بأدْردا
وَقَول امْرِئ الْقَيْس " وتشوص " أَي تغسلُهُ غسلا تبالِغُ فِيهِ بالمضمضة ورُوي عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذا قَامَ من اللَّيْل يشوصُ فَاه بِالسِّوَاكِ.
طوق بن مَالك وأعرابية
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَليّ بن هِشَام الرقي قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يحيى بن مُسلم الْحَرَّانِي قَالَ: كَانَ طوقُ بن مَالك يتولَّى الدبار وَكَانَ من عَادَته إِذا صلَّى الْجُمُعَة أَن يُنادي مناديه: من لَهُ مظْلمَة، مَنْ لَهُ قصَّة، من لَهُ حَاجَة فليشهد الْبَاب ولينصرف. فَفعل هَذَا فِي جُمُعَة من الْجمع، فلمّا صَار بَين بَاب دَاره وَالْمَسْجِد اعترضته امرأةٌ أعرابيةٌ من بني كلاب كاللبُؤة الْمُجْرِية، فَأخذت بعنان دابتّه ثُمَّ أنشات تَقُولُ:
يَا طوقُ يَا ذَا الجودِ فاسمع إِلَى ... مقصِد هذي الْمَرْأَة المسلمهْ
ناديتَ من كَانَت لَهُ قصَّة ... أَو حاجةٌ أَو من لَهُ مظلمهْ
فليشهدِ البابَ، فقد جئتُهُ ... أَشْكُو إِلَيْك السنَّة المظلمهْ
أمّ بَنِينَ كلّ يَوْم لَهَا ... قتلٌ وَفِي أموالِنَا ملحمه
أَعْد بني الدُّنْيَا على دهرهم ... وابنِ لعدنانَ بِهَا مكرمه
فقَالَ: أَي وَالله أيُّتها الْمَرْأَة، نُعديك على دهرك. ثُمَّ أَمر الخدم بضَمهَا، فرأيتها بعد ذَلِكَ بِحال حسنةٍ وبزةٍ جميلَة.
الشُّعَرَاء يستأذنونَ على عقيلة بنت عقيل بن أبي طَالب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن صَالِح قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه ابْن النطاح قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدة عَن أبي عبد الرَّحْمَن عَن صالِح بن كيسَان، قَالَ: كَانَت عقيلة بنت عقيل بن أبي طَالب تجلسُ للرِّجَال، فاستأذنَ عَلَيْهَا جميلٌ فَأَذنت لَهُ، فَلَمَّا دخلَ قيل لَهَا: هَذَا كثيرٌ بِالْبَابِ، فَقَالَت: أدخلوه، فَمَا لبث أَن قيل لَهَا: هَذَا الأحوصُ بِالْبَابِ، فَقَالَت: أدخلوه. فَأَقْبَلت على جَميل وَقَالَت: ألسْتَ الْقَائِل:
стр. 673
فَلَو تركتْ عَقْلِي معي مَا طلبتُها ... وَلَكِن طِلابيها لما فَاتَ من عَقْلِي
أما تطلبها إِلَّا لذهابِ عقلك؟! أما وَالله لَوْلَا أبياتٌ قلتَها مَا أَذِنْتُ لَك، وَهِي:
علقتُ الْهوى مِنْهَا وليدًا فَلم يزلْ ... إِلَى الْيَوْم ينمي حبُّها ويزيدُ
فَلَا أَنا مرجوعٌ بِما جئتُ طَالبا ... وَلَا حبُّها فِيمَا يبيدُ يبيدُ
يَموتُ الْهوى منّي إِذا مَا لقيتها ... ويحيا إِذا فارقتها فيعودُ
ثُمَّ أَقبلت على كثّير فَقَالَت: وأمّا أَنْت يَا كَثِير فأقلُّ النَّاس وَفَاء فِي قَوْلك:
أريدُ لأنسى ذِكْرَها فكأنَّما ... تمَّثل لي ليلى بكلِّ سبيلِ
أما تريدُ أَن تذكرها حَتَّى تمثَّل لَك؟! أما وَالله لَوْلَا أبياتٌ قلتَها مَا أَذِنْتُ لَك، وَهِي:
عجبت لسعي الدّهرِ بيني وَبَينهَا ... فلمّا انْقَضى مَا بَيْننَا سَكَنَ الدّهْرُ
فيا حبَّ ليلى قد بلغتَ بيَ المدى ... وزدت عل مَا لَيْسَ يبلُغُه الهجرُ
قَالَ القَاضِي: الْمَشْهُور من هذَيْن الْبَيْتَيْنِ أنّهما من كلمة لأبي صَخْر الْهُذلِيّ منسوبة إِلَيْهِ أوّلها:
لليلى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرفتُها ... وَأُخْرَى بذاتِ الْبَين آياتها سَطْرُ
وَقد أملَّها علينا عَن أَحْمَد بن يَحْيَى عَن عبد الله بن شبيب معزوَّةً إِلَى أبي صَخْر، مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي وَمُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي.
ثُمَّ أَقبلت على الْأَحْوَص وَقَالَت: وأمّا أَنْت يَا أحوص فألأم الْعَرَب فِي قَوْلك:
من عاشقين تراسلا وتواعدا ... لَيْلًا إِذا نجم الثّريّا حلَّقا
باتا بأنعم عيشةٍ وألذها ... حَتَّى إِذا وضح النهارُ تفرّقا
لِمَ قلت: تفرّقا؟! أما وَالله لَوْلَا شيءٌ قلتهُ مَا أَذِنْتُ لَك، وَهُوَ:
كم من دنيّ لَهَا قد صِرْتُ أتبعُهُ ... وَلَو صَحا القلبُ عَنْهَا كَانَ لي تبعا
قَالَ: ثُمَّ قَالَت لكثير: يَا فَاسق أَخْبِرْنِي عَن قَوْلك:
أإن زمَّ أجمالٌ وَفَارق جيرةٌ ... وصاحَ غرابُ البينِ أنتَ حزينُ
أينَ الْحزن إلاّ عِنْدهَا؟ فَقَالَ كَثِير؟ أعزّك الله، قد قلت شَيْئا أذهَبَ هَذَا العيبَ عنّي، وَهُوَ:
وأزمعْنَ بَينا عَاجلا وتركنني ... بصحرا خريمٍ قَاعِدا أتبلَّد
وَبَين التراقي واللهاةِ حرارةٌ ... مَكَان الشجا لَا تطمئنُّ فتبرد
وَقد كَانَت قَالَت لجواريها: مزِّقن ثِيَابه عَلَيْهِ، فلمَّا أنشدَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَت: خلِّين عَنْهُ يَا خبائث، وأمرتْ لَهُ بحلَّةٍ يمانيةٍ وبِمائة دِينَار فَأَخذهُمَا وَانْصَرف.
دَعْوَى عريضة تنْسب للجرمي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد قَالَ، قَالَ أَبُو عمر الْجرْمِي
стр. 674
يَوْمًا: أَنا أعلم النَّاس بِكَلَام الْعَرَب، فَسَمعهُ الْأَصْمَعِي فَقَالَ: كَيفَ تنشد هَذَا الْبَيْت:
قد كنَّ يخبأنَ الوجوهَ تستّرًا ... فَالْآن حِين بدأنَ للنظّارِ
أَو حِين بدين؟ قَالَ أَبُو عمر: حِين بدأن، فَقَالَ: أَخْطَأت، فَقَالَ: بدين، فَقَالَ: أَخْطَأت يَا أعلم الناسِ بِكَلَام الْعَرَب، حِين بَدَوْنَ.
القَاضِي يَنْفِي الدَّعْوَى عَن الْجرْمِي، ويُخطئه
قَالَ القَاضِي: أَبُو عمر الْجرْمِي أرفعُ طبقَة عندنَا فِي علم الْعَرَبيَّة من أَن يذهب مثلُ هَذَا عَلَيْهِ، ولكنَّه أجابَ على البديهة، وَترك التبين والرويَّة، فَوَقع فِي خطأ العجلة، وَهُوَ أعلم بالتصريف والأبنية وأمضى فِي معرفَة المهموز والفصل فِي غير المهموز من بَنَات الْوَاو وَبَنَات الْيَاء من الْأَصْمَعِي. وأمّا تخطئة الأ صمعي لَهُ فِي قَوْله بدأن فِي الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ فَهُوَ كَمَا ذكر، وَقد أصابَ فِي تخطئته. وأمّا تَخطئته إيّاه فِي قَوْله بدين فَكَمَا قَالَ أَيْضا، وإنَّما يُقال بدأن بِكَذَا إِذا ابتدأن بِهِ بتحقيق الْهَمْزَة، وبدان بتليين الْهَمْزَة، وبدين على قَلبهَا يَاء حِين أَلْقَاهَا، كَمَا يُقال قَرَأت وقريت، وصحيفة مقروءة على تَحقيق الْهَمْزَة، ومقروَّة على تليينها، ومقراةٌ على الطرح وَالْقلب، وَقد قَرَأَ جُمْهُور القرأة: " أَرَأَيْت " " أرَيْتَ " بالطرح، وَاخْتَارَ الْكِسَائي هَذَا الْوَجْه فَقَرَأَ بِهِ، وَهُوَ معروفٌ فِي الْعَرَبيَّة، وَفِيهِ تَفْرِيق بَين الْخَبَر والاستخبار. وَمن هَذِه اللُّغَة قَول أبي الْأسود الدؤَلِي:
أرَيْتَ امْرَءًا كنتُ لَمْ أبْلُهُ ... أَتَانِي فَقَالَ اتَّخذني خَلِيلًا
وَقَالَ آخر:
أريتِ الآمريكِ بِصَرْم حبلي ... مُرِيهمْ فِي أحبتهم بذاكِ
وَقَالَ آخر:
أريتكَ أَنْ مَنَعْتَ كلامَ ليلى ... أتمنعني على ليلى البكاءَ
وَقَالَ آخر:
أريتَ أَن جَاءَت بِهِ أملودا
معَّما ويلبسُ البرودا
أقائلونَ أحضروا الشهودا
وَهَذَا بَاب مستقصى فِي كتبنَا المرسومة فِي عُلُوم الْقُرْآن.
أَبُو خَليفَة وطفلة تصبو إِلَى زين الورى
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بن زِيَاد الْمقري قَالَ: ألقيت رقعةٌ إِلَى أبي خَليفَة الْفضل بن الْحباب القَاضِي فِيهَا:
قل للحكيم أبي خليفهْ ... يَا زين شيعةِ أبي حنيفهْ
إِنِّي قصدتُكَ للَّذي ... كاتمتُ من حذرٍ وخيفه
стр. 675
مَاذَا تَقُولُ لطفلةٍ ... فِي الجسر منزلُها شريفه
تصبو إِلَى زين الورى ... من غير مأثمةٍ عفيفهْ
فَقلب الرقعة وَكتب على ظهرهَا:
يَا مَنْ تكاملَ ظَرْفُها ... حالُ الْهوى حالٌ شريفهْ
إِن كنتِ صادقةَ الَّذِي ... كاتَمتِ من حذرٍ وخيفه
فلك السَّعَادَة والشها ... دة والجلالَةُ يَا شريفهْ
هَذَا الفصاحُ بِعَيْنِه ... وَبِه يَقُول أَبُو حنيفهْ
رقْعَة تلقى إِلَى القَاضِي الْأَنْطَاكِي وَجَوَابه عَنْهَا
قَالَ أَبُو بكر النقاش: وأُلْقِيَتْ رقعةٌ إِلَى أبي بكر القَاضِي أَحْمَد بن مُوسَى الْأَنْطَاكِي مكتوبٌ فِيهَا:
أيُّها الفاضلُ الكثيرُ الْعِدَاتِ ... صانَكَ الله عَن مقَام الدُّناة
أَيكُون القصاصُ من فتكِ لحظٍ ... من غزالٍ مورَّد الوَجَنَاتِ
أم يخافُ العذابَ من هُوَ صبٌّ ... مبتلى بالزفيرِ والْحَسَراتِ
لَيْسَ إِلَّا العفاف وَالصَّوْم والنس ... ك زاجرًا عَن الشُّبُهَات
فأخذَ الرقعة وَكتب على ظهرهَا:
ياظريف الصَّنِيع والآلات ... وعظيمَ الأشجان واللوعات
إنْ تَكنْ عَاشِقًا فَلم تأت ذَنبا ... بَلْ ترقيتَ أَرْفَع الدَّرَجَات
فلك الحقُّ وَاجِبا إِن عرفنَا ... من تعلَّقته من الحجراتِ
أَن أكون الرَّسُول جَهرا إِلَيْهِ ... إِذْ تنكَّبت مُوبِقَ الشُّبُهَات
وَمَتى أَقضِ بِالْقصاصِ على اللح ... ظ حَبِيبِي أُخْطئْ طريقَ الْقُضَاةِ
الفتك: بَطش الإِنْسَان بِغَيْرِهِ على وَجه الْمَكْر والغدر، يدلّ على ذَلِكَ مَا روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْإِيمَان قيَّد الفتكَ، لَا يفتك مُؤمن "، وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات فَتْك وفُتْك وَفِتْك.
خبرٌ آخر لذِي القرنين
حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا قَالَ، حَدَّثَنِي يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل قَالَ، أَخْبَرَنَا حَيَّان بن مُوسَى قَالَ، أَخْبَرَنَا عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ، أَخْبَرَنَا رشيد بن سعد قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بن الْحَارِث عَن سعد بن أبي هِلَال أَنَّهُ بلغه أَن ذَا القرنين فِي بعض مسيره دخل مَدِينَة فاستكفَّ عَلَيْهِ أَهلهَا ينظرونَ إِلَى موكبه: الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان، وَعند بَابهَا شيخٌ على جمل، فمرَّ بِهِ ذُو القرنين فَلم يلْتَفت الشَّيْخ إِلَيْهِ، فَعجب ذُو القرنين لَهُ. فأرسلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنك؟ استكفَّ الناسُ ونظروا إِلَى موكبي، فَمَا بالك أَنْت؟ قَالَ: لم يُعجبنِي مَا أَنْت فِيهِ، إِنِّي رأيتُ ملكا مَاتَ فِي يَوْم كَذَا هُوَ
стр. 676
ومسكين، ولموتانا موضعٌ يُجْعَلونَ فِيهِ، فأدخلا جَميعًا فأطلعتهما بعد أَيَّام وَقد تَغَيَّرت أكفانَهما، ثُمَّ أطلعتهما وَقد تزايلت لحومهما، ثُمَّ رأيتهما وَقد تفصلت الْعِظَام واختلطت فَمَا أعرفُ الْمِسْكِين من الْملك، فَمَا يُعجبنِي ملكك. فَلَمَّا خرج اسْتَخْلَفَهُ على الْمَدِينَة.
هَذَا الَّذِي تعرفُ الْبَطْحَاء وطأته
حَدَّثَنِي أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيّا قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَائِشَة قَالَ: حَدَّثَنِي أبي أَن هِشَام بن عبد الْملك حجَّ فِي خلَافَة عبد الْملك أَو الْوَلِيد، فطافَ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَ أَن يسْتَلم الْحجر فَلم يقدر عَلَيْهِ من الزحام، فنصب لَهُ مِنْبَر فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وأطاف بِهِ أهل الشَّام، فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبلَ عليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵈ عَلَيْهِ إزارٌ ورداء، أحسن النَّاس وَجها، وأطيبهم رَائِحَة، بَين عَيْنَيْهِ سجَّادة: أَنَّهَا ركبة عير، فَجعل يطوفُ بِالْبَيْتِ، فَإِذا بلغ الحَجَر تنحَّى الناسُ حَتَّى يستلمه هَيْبَة لَهُ وإجلالا. فغاظَ ذَلِكَ هشامًا، فَقَالَ رجل من أهل الشَّام لِهشام: من هَذَا الَّذِي قد هابه النَّاس هَذِه الهيبة وأفرجوا لَهُ عَن الحَجَر؟ قَالَ هِشَام: لَا أعرفهُ، لِئَلَّا يرغب فِيهِ أهل الشَّام، فَقَالَ الفرزدق وَكَانَ حَاضرا: لكني أعرفهُ، فَقَالَ الشَّامي: من هُوَ يَا أَبَا فراس؟ فَقَالَ الفرزدق:
هَذَا الَّذِي تعرفُ الْبَطْحَاء وطأته ... وَالْبَيْت يعرفُهُ والحلُّ والحَرَمُ
هَذَا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلِّهمُ ... هَذَا النقيّ التيُّ الطاهرُ الْعلم
إِذا رَأَتْهُ قريشٌ قَالَ قَائِلهَا ... إِلَى مَكَارِم هَذَا يَنْتَهِي الْكَرم
ينمي إِلَى ذرْوَة العزِّ الَّتِي قصرت ... عَن نيلها عَرَبُ الإسلامِ والعجم
يكَاد يُمْسكه عرفانَ رَاحَته ... ركنُ الحطيمِ إِذا مَا جَاءَ يسْتَلم
يغضي حَيَاء ويُغْضِي من مهابته ... وَلَا يكلَّم إِلَّا حينَ يبتسم
بكفّه خيزرانٌ ريحُهُ عبقٌ ... من كفِّ أروعَ فِي عرنينه شمم
مشتقةٌ من رَسُول الله نَبْعَتُهُ ... طابتْ عناصرُهُ والْخِيمُ والشِّيم
ينجابُ نورُ الْهدى عَن نورِ غرته ... كَالشَّمْسِ ينجابُ عَن إشراقها الظُّلم
حمَّال أثقالِ أقوامٍ إِذا قُدِحُوا ... حُلْو الشَّمَائِل تَحلو عِنْده نعم
هَذَا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنت جاهلَه ... بجدِّه أنبياءُ اللَّه قد ختموا
اللَّه فضَّله قِدْمًا وشرَّفه ... جرى بذاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَم
مَنْ جدُّه دَان فضلُ الأنبياءِ لَهُ ... وفضلُ أمته دانتْ لَهُ الْأُمَم
عمَّ البريةَ بالإحسانِ فانقشعت ... عَنْهَا الغياية والإملاقُ وَالظُّلم
كلتا يَدَيْهِ غياثٌ عمَّ نفعهما ... يستوكفانِ وَلَا يعروهما الْعَدَم
سهلُ الخليقةِ لَا تُخشى بوادره ... يزينُهُ اثْنَتَانِ الْحلم وَالْكَرم
стр. 677
لَا يُخْلِفُ الوعدَ ميمونٌ نقيبته ... رحبُ الْفِناءِ أريبٌ حينَ يعتزم
من معشرٍ حبُّهم دينٌ وبغضهمُ ... كفرٌ وقربهمُ مَنْجًى وَمُعْتَصَم
يُسْتَدْفَعُ السوءُ والبلوى بِحبِّهمُ ... ويسترقُّ بِهِ الْإِحْسَان وَالنعَم
مقدَّمٌ بعد ذكرِ الله ذكرهمُ ... فِي كلِّ يومٍ ومختومٌ بِهِ الْكَلم
إِن عدَّ أهلُ التقى كَانُوا أئمتهم ... أَو قيلَ مَنْ خَيْرُ أهلِ الأَرْض قيلَ هُمُ
لَا يَسْتَطِيع جوادٌ بُعْدَ غايتهم ... وَلَا يدانيهم قومٌ وإنْ كَرموا
هم الغيوث إِذا مَا أمةٌ أَزَمَتْ ... والأُسْدُ أُسْدُ الشَّرى والبأسُ مُحْتَدِمُ
يَأْبَى لَهم أَن يحلَّ الذمُّ ساحتَهم ... خيمٌ كريمٌ وأيدٍ بالنَّدى هضم
لاينقص الْعُسْرُ بسطًا من أكفهمُ ... سيان ذَلِكَ إِن أَثروا وَإِن عدموا
أيّ الْخَلَائق لَيست فِي رقابِهم لأولية هَذَا أَو لَهُ نعم
من يعرف الله يعرفْ أوَّلَّية ذَا ... فالدّين من بَيت هَذَا ناله الْأُمَم
قَالَ: فَغَضب هِشَام وَأمر بِحَبْس الفرزدق، فحبس بعسفان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. فبلغَ ذَلِكَ عليَّ بن الْحُسَيْن ﵈، فَبعث إِلَى الفرزدق اثْنَي عشر ألف دِرْهَم وَقَالَ: اعذر أَبَا فراس، وَلَو كَانَ عندنَا أَكثر مِنْهَا لوصلناك بِهَا.
فردَّها وَقَالَ: يَا ابْن رَسُول الله. مَا قلتُ الَّذِي قلت إِلَّا غَضبا لله وَلِرَسُولِهِ، مَا كنت لأرزأ عَلَيْهِ شَيْئا. فردَّها إِلَيْهِ وَقَالَ: بحقي عليكَ لَمَا قبلتها، فقد رأى الله مَكَانك وَعلم نيتك، فقبلها، فَجعل يهجو هشامًا، فَكَانَ مِمَّا هجاهُ بِهِ:
أيحسبني بَين الْمَدِينَة وَالَّتِي ... إِلَيْهَا قلوبُ النَّاس يهوي منيبها
يقلِّب رَأْسا لَمْ يكن سيد ... وعينين حولاوين بادٍ عيوبها
فَبعث وَأخرجه.
الْمجْلس الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ
وَفد ثَقِيف إِلَى الرَّسُول
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ يس أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْرَائِيلَ قَالَ، حَدَّثَنَا مَسْعَدَةُ الْبَصْرِيُّ عَنْ خَصِيبِ بْنِ جَحْدَرٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُفَيٍّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفَ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَيْئَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ طَوِيلَةً أَشْعَارُهُمْ وَشَوَارِبُهُمْ وَأَظْفَارُهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " امْكُثُوا وتعلَّموا الْقُرْآنَ، وخذوا من أَشْعَاركُم وشواربكم وأظافركم "، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا، فَاسْتَعْرَضَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَطْهَرَهُمْ ثِيَابًا وَأَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا قَدْ فَضَلَهُمْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فأمَّره عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِذَا صلَّيت بِقَوْمِكَ فصلِّ بِأَضْعَفِهِمْ فإنَّ خَلْفَكَ الْكَبِيرَ وَالسَّقِيمَ وَذَا
стр. 678
الْحَاجَةِ وَلا يَتَّخِذُونَ مُؤَذِّنًا يَطْلُبُ عَلَى أَذَانِهِ الأُجْرَةَ.
تَعْلِيق على الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر أوضح دليلٍ على أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْثِرُ التنظفَ وإماطةَ الْأَذَى عَن الْجَسَد، ويكرهُ القذارة الَّتِي هِيَ من هيئات أهل الْجفَاء ومفارقة مَا يؤثره ذَوُو الأدبِ والمروءة. وَقد أَتَى عَنْهُ ﵇ فِي هَذَا الْمَعْنى وَمَا أشبهه أخبارٌ كَثِيرَة، وَذَلِكَ أَكثر وأوضح وَأظْهر من أَن يحْتَاج إِلَى استقصاء مَا ورد فِيهِ لاشتراك الْخَاصَّة والعامة فِي مَعْرفَته، واستحسان تَفْصِيله وَجُمْلَته. وَفِيهِ أَيْضا الدّلَالَة البيّنة على فضل أهل الْقُرْآن وحَفَظَته وحَمَلَته، وأنّ مَنْ جَمَعَهُ أوفرهم حظًّا وأشرفُهُم منزلَة وأعلاهُمْ رُتْبَة وأولاهم بالتقدمة وأحقُّهم بالتأمر عَلَيْهِم. وَمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنى أَكثر من أَن يُحيطَ الآدميونَ بِهِ، وَلَو لَمْ يأتِ فِيهِ إِلَّا مَا تَوَاتَرَتْ الأخبارُ بِهِ من قَول النَّبِيّ ﷺ : " أهل الْقُرْآن أهل الله وخاصته "، وَقَوله: " خَيركُمْ من تعلّم الْقُرْآن وَعلمه ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: أفضلكم. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يقدِّم الأقرأ فالأقرأ لكتاب الله من أَصْحَابه.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي من استشهدَ مِنْهُم يَوْم أحد: " زمّلوهم بدمائِهم وَلَا تغسلوهم، ودفنوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فِي قبرٍ واحدٍ، وقدِّموا إِلَى الْقبْلَة أَكْثَرهم قُرْآنًا ".
مقَالَة أعشى هَمدَان فِي أهل الْبَصْرَة والكوفة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، حَدَّثَنَا العكلي قَالَ، حَدَّثَنَا سعيد بن يحيى الْأمَوِي قَالَ، حَدَّثَنِي عمي عُبَيْد بن سعيد عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ قَالَ: قدمتُ الْبَصْرَة فجلستُ فِي حلقةٍ فِيهَا الْأَحْنَف بن قيس، فَقَالَ لي رجلٌ من أهل الْحلقَة: مِمَّن أَنْت؟ قلت: من أهل الْكُوفَة، فالتفتَ إِلَى جليسه فَقَالَ: هَذَا مَوْلَانَا، فقلتُ لَهُ: أتدرونَ مَا قَالَ أعشى هَمدَان فِينَا وَفِيكُمْ؟ قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قلت:
وَإِذا فاخرتمونا فاذكروا ... مَا فعلناهُ بكم يومَ الْجمل
بَين شيخٍ خاضبٍ عثنونَهُ ... وفتى أبيضَ وضاحٍ رِفَلْ
جَاءَنَا يهدرُ فِي سابغةٍ ... قد ذبحناهُ ضحى ذَبْحَ الحَمَلْ
وعفونا فنسيتم عَفَوْنَا ... وكفرتم نعمةَ الله الْأَجَل
وقتلتم خشبيِّين بهم ... بدلٌ من قومكم شرَّ بَدل
قَالَ: فَغَضب الْأَحْنَف وَقَالَ لجاريته: هَاتِي تِلْكَ الصَّحِيفَة، فَإِذا فِيهَا من الْمُخْتَار بن أبي عُبَيْد إِلَى الْأَحْنَف بن قيس وَمَنْ قِبَلُه من مُضر: أما بعد فويل لمضر، من شرِّ أمرٍ قد ١حضر، وَإِن الْأَحْنَف موردٌ قومَه حرَّ سقر، حَيْثُ لَا يقدر لَهُم على صَدَر، وَلَقَد بَلغنِي أنَّكم تكذبون رُسُلِي، وَلَئِن فَعلْتُمْ لقد كُذِّبت الرسلُ من قبلي، وكتبت بِخَبَر من كُذِّبَ مِنْهُم،
стр. 679
وَالسَّلَام. قَالَ الْأَحْنَف: هَذَا منا أَو مِنْكُم؟ فقمتُ وَمَا أحير جَوَابا.
دفن الرشيد مُحَمَّد بن الْحَسَن وَالْكِسَائي بالريّ
حَدَّثَنِي أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ، أَخْبرنِي أَبُو الْحسن ابْن رَاهَوَيْه الْكَاتِب قَالَ: حُدِّثْتُ أَن مُحَمَّد بن الْحَسَن وَعلي بن حَمْزَة الْكسَائي كَانَا بِالريِّ مَعَ الرشيد، وأنَّهما مَاتَا فِي يومٍ واحدٍ بقرية من قرى الريّ يُقالُ لَهَا الرّنبويه، فجزع الرشيد عَلَيْهِمَا وَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إلبه رَاجِعُون، دفنتُ الفقهَ واللغةَ فِي يَوْم وَاحِد، وَكَانَ اليزيدي حاضراَ فَأَنْشَأَ يَقُول:
تصرَّمت الدُّنْيَا فَلَيْسَ خلودُ ... وَمَا قد يُرَى من بهجةٍ سيبيدُ
أَسِيتُ على قَاضِي الْقُضَاة محمدٍ ... فأذريتُ دمعاَ والفؤادُ عميد
وقلتُ إِذا مَا الخطبُ أشكلَ من لنا ... بإيضاحه يوماَ وَأَنت فقيد
فأوجعني موت الْكِسَائي بعده ... وكادت بِي الأرضُ الفضاءُ تَميد
هما عالِمان أوديا وتخرَّما ... وَمَا لَهما فِي العالِمين نديد
قَالَ الرشيد: أحسنتَ يَا بصريّ، قد كنت تظلمه فِي حَيَاته وأنصفته بعد مَوته.
شُرُوح لغوية
قَالَ القَاضِي: قَوْله: " أوديا معناهُ هلكا، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
وَلم يُودِ مَنْ كنتَ تسْعَى لَهُ ... كَمَا قيلَ فِي الحربِ أَوْدَى درم
وَمعنى " ونخرما " مثله، فَهُوَ الْهَلَاك وانقطاعُ الْأَجَل وتصرم الْعُمر، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ:
سبقوا هويَّ وَأعنقوا لسبيلهم ... فتخرِّموا ولكلِّ جنب مصرعُ
ويروي: فقدتهم. وَقَالَ: " هزيّ " وَهِي فِيمَا قيل لُغَة هديل يَجْعلونَها بِمنزلة عليَّ وإليَّ، وَذكر أَنَّهَا لُغَة بعض بني سُلَيْم، وَقد قَرَأت القرأة بِهاتين اللغتين فِي الْقُرْآن. فأمَّا جُمْهُور القرأة فيقرأون بلغَة أهل الْحجاز وَعَامة الْعَرَب، وَقد رويت الْقِرَاءَة الْأُخْرَى عَن أبي طفيل عَامِر بن وَاثِلَة وَعبد الله بن إِسْحَاق الحضرميّ وَعَاصِم الجحدري وَعِيسَى بن عمر الثَّقَفِيّ، وَرفع عضهم مَا رُوِيَ عَن أبي الطُّفَيْل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَمن هَذِه اللُّغَة قَول الشَّاعِر:
فأَبْلُوني بليَّتكم لعليّ ... أصالحكم واستدرج نَوَيّا
يريدُ: نواي.
وَقَالَ آخر:
يطوِّف بِي عكبٌّ فِي معدٍّ ... ويطعنُ بالصُّملَّة فِي قفيَّا
فإنْ لَمْ تثأرا لي من معدٍّ ... فَلَا أرويتما أبدا صديَّا
أَرَادَ: قفاي وصداي. وَذكر أَن طَلْحَة قَالَ وَقد ذكر لَهُ بيعَته أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي
стр. 680
طَالب ﵇: بايعتُ واللجُّ على قفيَّ. اللج: السَّيْف، وَقيل إِن طَلْحَة تزوج امْرَأَة هندية فتكلَّم بلغتهَا. وَقد اخْتلف البصريون والكوفيون من النُّحَاة فِي عِلّة الْفرق بَين عليَّ وإليَّ ولديَّ وَبَين هواي وقفاي وعصاي، وَبَيَان هَذَا واستقصاء مَا فِيهِ مرسوم فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فِي الْقُرْآن. وَقَول اليزيدي " وَمَا لَهما فِي العالِمين نديد ": النديد " الندّ وَمِنْه قَول لبيد.
أحمدُ الله فَلَا ندَّ لَهُ ... بيدَيْهِ الخيرُ مَا شَاءَ فَعَلْ
والندّ والنديد فِيهِ لُغَات: ندّ ونديد ونديدة. فَمن الند والنديد قَول جرير يهجو عمر بن بن لَجأ:
أتيتم تجعلونَ إليَّ ندًّا ... وَمَا تيمٌ بِذِي حسبٍ نديدِ
وأمّا النديدة فَإِن الْهَاء ألحقت فِيهِ للْمُبَالَغَة، كقوللهم فِي الْمَدْح راوية وعلامة ونسابة، وَفِي الذَّم هلباجة وفَرُوقة وَمَلولة. وَزعم الْفراء أَن الهاءَ أُدْخِلَت فِي هَذَا يُرَاد بِهَا أَن الممدوح بِمنزلة الداهية والمذموم بِمنزلة الْبَهِيمَة. وَمن النديدة قَول الشَّاعِر:
لِئَلَّا يكون السندريُّ نديدتي ... وأتركَ أعماماً عُمُوما عماما
ويَجمع الند أندادًا، قَالَ الله " فَلا تَجْعَلُوا للَّه أنداد " " الْبَقَرَة: ٣١ " وَمِنْه قَول الْأَعْشَى ":
فَقَالَ تزيدونني تِسْعَة ... وَلَيْسَ بكفؤٍ لأندادِها
وَزعم بعضُ أهل اللُّغَة أَنَّهُ يُقال للضد ندّ أَيْضا وَأَنه من حُرُوف الأضداد.
منازعات اللغويين فِي مجْلِس الْمهْدي
وَقد كَانَت تجْرِي بَين الْكسَائي واليزيدي منازغةٌ وهفوات، ومماراة وخصومات، عِنْد الملاحاة فِي اللُّغَة، والمجادلة فِي مقاييس النَّحْو وأبواب الْعَرَبيَّة، وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا مُتَقَدم وعلمٌ مبرز فِي مَعْرفَته، ذُو حظٍّ عَظِيم من علم الْقُرْآن وَإِعْرَابه، وَجُمْلَة النَّحْو وأبوابه، رَحْمَة الله علينا وَعَلَيْهِمَا وَبَرَكَاته. فممَّا دَار بَينهمَا من الْخُصُومَة واللحاء، والمنازعة والمراء، مَا حدَّثنيه عُبَيْد الله بن أَحْمَد الْكَاتِب أحد إِخْوَاننَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس اليزيدي قَالَ، حَدَّثَنِي عمي عُبَيْد الله بن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّد أبي قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمهْدي بِبَلَد فِي شهر رَمَضَان قبل أَن يُستخلف بأَرْبعَة أشهر، وَكَانَ الْكِسَائي مَعنا، فَذكر الْمهْدي الْعَرَبيَّة وَعِنْده شيبَة بن الْوَلِيد الْعَبْسِي عمُّ دفافة، فَقَالَ الْمهْدي: يُبعث إِلَى اليزيدي وَإِلَى الْكسَائي، وَأَنا يَوْمئِذٍ مَعَ يزِيد بن مَنْصُور خَال الْمهْدي، وَالْكِسَائي مَعَ الْحَسَن الْحَاجِب، قَالَ: فجاءنا الرَّسُول فَجئْت، وَإِذا الكسائيُّ على الْبَاب، فَقَالَ لي: يَا أَبَا مُحَمَّد أعوذُ بِاللَّه من شرّك، قَالَ فقلتُ لَهُ: وَالله لَا تُؤْتَى من قبلي حَتَّى أُوتى من قبلك، قَالَ: فلمَّا دَخَلنَا عَلَيْهِ أقبل عليَّ فَقَالَ: كَيفَ نسبوا إِلَى الْبَحْرين بحراني ونسبوا إِلَى الحصنين فَقَالُوا: حصني وَلم يَقُولُوا حصناني كَمَا قَالُوا بَحراني؟ قَالَ، قلت: أصلح الله
стр. 681
الْأَمِير، إنَّهم لَو نسبوا إِلَى الْبَحْرين فَقَالُوا بحريّ لَمْ يُعرف إِلَى الْبَحْرين نسبوه أم إِلَى الْبَحْر، وَلما جَاءُوا إِلَى الحصنين لَمْ يكن مَوضِع آخر يُقال لَهُ الْحصن ينْسب إِلَيْهِ غير الحصنين فَقَالُوا: حصني. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فَسمِعت الْكِسَائي يَقُول لعمر بن بزيع، وَكَانَ حَاضرا: لَو سَأَلَني الْأَمِير لأخبرته بعلَّةٍ هِيَ أحسنُ من هَذِه. قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَقلت: أصلح الله الْأَمِير إِن هَذَا يزْعم أنَّكَ لَو سَأَلته لأجابَ بِأَحْسَن مِمَّا أجبتُ بِهِ. قَالَ: فقد سَأَلته، فَقَالَ الْكِسَائي: إنَّهم لَمّا نسبوا إِلَى الحصنين كَانَت فِيهِ نونان، فَقَالُوا حصنيّ فاجتزءوا بِإِحْدَى النونين عَن الْأُخْرَى، وَلم يكن فِي الْبَحْرين إِلَّا نون وَاحِدَة فَقيل بحراني، فقلتُ: أصلح الله الْأَمِير كَيفَ ينْسب رجلا من بني جنان؟ يلْزمه أَن يَقُول جنّي لِأَن فِي جنّان نونين، فَإِن قَالَ ذَلِكَ فقد سوَّى بَينه وَبَين الْمَنْسُوب إِلَى الجنّ. قَالَ الْمهْدي: فتناظرا فِي غير هَذَا، قَالَ: فتناظرنا فِي مساءل حُفِظَ قولي وَقَوله فِيهَا قَالَ: إِلَى أَن قلت: كَيفَ تَقُولُ إِن من خير الْقَوْم أَو خَيرهمْ بتة فقلتُ: أعزّ الله الْأَمِير لِأَن يُجيبَ فيُخطئ فيتعلّم أحسن من هَذِه الإطالة، قَالَ فَقَالَ: إِن من خير الْقَوْم أَو خيرُهم نِيَّة زيدا، قَالَ: فقلتُ: أصلح الله الْأَمِير مَا رَضِي أَن يلحن حَتَّى لحن وأحال، قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ قلت: لرفعه قبل أَن يَأْتِي بِالِاسْمِ ونصبه بعد رَفعه، قَالَ: فَقَالَ شيبَة بن الْوَلِيد: أَرَادَ بأوبل، قَالَ: فقلتُ: هَذَا تَعْنِي، فَقَالَ الْكِسَائي: مَا أردتُ غيرَ ذَلِكَ، قَالَ فَقلت: قد أَخطَأ جَميعًا أيّها الْأَمِير، لَو أَرَادَ بأوّبل لرفع زيدا لِأَنَّهُ لَا يكون بَلْ خيرُهم زيدا. قَالَ فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: يَا كسائي لقد دخلت إليَّ مَعَ سَلمَة النَّحْوِيّ وَغَيره فَمَا رَأَيْت كَمَا أَصَابَك الْيَوْم. ثُمَّ قَالَ الْمهْدي: هَذَانِ عالِمان وَلَا يقْضي بَينهمَا إِلَّا أعرابيٌّ فصيح تُلْقَى عَلَيْهِ الْمسَائِل الَّتِي اخْتلفَا فِيهَا فيُجيب.
قَالَ: فبعثَ إِلَى فصيح من فصحاءِ الْأَعْرَاب. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فَإلَى أَن يَأْتِي الْأَعرَابِي أطرقت، وَكَانَ الْمهْدي محبًّا لأخواله، وَمَنْصُور بن يزِيد بن مَنْصُور خَاله حَاضرا. قَالَ فقلتُ: أصلح الله الْأَمِير كَيفَ يُنشدُ هَذَا الْبَيْت من هَذِه القصيدة:
يَا أيُّها السائلي لأخبر ... عَمَّن بصنعاءَ من ذَوي الحَسَبِ
حمير سادتها تقرُّ لَهَا ... بالفضلِ طرًّا جحاجحُ العربِ
وإنّ من خَيرهمْ وَأكْرمهمْ ... أَو خَيرهمْ بتةً أَبُو كَرِبِ
فَقَالَ الْمهْدي: كَيفَ تُنشد أَنْت؟ قَالَ فقلتُ: أَو خيرَهم بتةً أَبُو كرب على معنى إِعَادَة " إنَّ ". قَالَ فَقَالَ الْكِسَائي: هُوَ قَالَهَا السّاعة أصلح اله الْأَمِير.
قَالَ: فتبسَّم الْمهْدي وَقَالَ إنَّك لتُجيدُ لَهُ وَمَا تَدْرِي. قَالَ: ثُمَّ طلع الْأَعرَابِي الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِ فألقيتُ الْمسَائِل عَلَيْهِ، وَكَانَت ستَّ مسَائِل، فأجابَ عَنْهَا كلهَا بِقَوْلِي. قَالَ: فاستفزّني السرُور حَتَّى ضربتُ بقلنسوتي الأَرْض وَقلت: أَنا أَبُو مُحَمَّد. قَالَ فَقَالَ شيبَة بن الْوَلِيد:
стр. 682
تكنى بِاسْمِك أيُّها الْأَمِير!! فَقَالَ الْمهْدي: وَالله مَا أَرَادَ مَكْرُوها وَلكنه فعل مَا فعل للظفر، ولعمري لقد ظفر. قَالَ فَقلت: إِن الله أنطقك أيُّها الْأَمِير بِما أَنْت أَهله، وأنطقَ غَيْرك بِما هُوَ أَهله.
قَالَ: فلمّا خرجنَا قَالَ لي شيبَة: تخطِّئني بَين يَدي الْأَمِير؟! أما لتعلمنّ. قَالَ فَقلت: قد سمعتُ مَا قلت وَأَرْجُو أَن تجدَ غبّها. قَالَ: ثُمَّ لَمْ أصبح حَتَّى كتبتُ رِقَاعًا عدَّة، فَلم أدع ديوانًا حَتَّى دسستُ إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا أَبْيَات قلتهَا، فَأصْبح الناسُ ينشدونَها وَهِي:
عش بجدٍّ وَلَا يَضرك نوكٌ ... إنَّما مَنْ تَرَى بالجدود
عش بجد وَكن هبنّقةَ القيسيَّ نوكًا أَو شيبةَ بن الْوَلِيد
شيبَ يَا شيبَ يَا جديَّ بني الْقَعْقَاع مَا أَنْت بالحليم الرشيد
لَا وَلَا فيكَ خلَّةٌ من خلال ال ... خير أحرزتها بحزمٍ وجود
غير مَا أَنَّك الْمجِيد لتقطيع غناءٍ أَو ضَرْبِ دفٍّ وعود
فعلى ذَا وَذَاكَ يُحْتَمَلُ الدهرُ مجيدًا لَهُ وغيرَ مَجيد
قَالَ أَبُو عبد الله، وَحَدَّثَنِي عمي عُبَيْد الله قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر أخي قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّد قَالَ: كَانَت تحتبس أرزاق الْكِسَائي فَيصير إليّ فَيَقُول لي: اكْتُبْ لي رقْعَة إِلَى جَعْفَر بن يَحْيَى فأكتب لَهُ.
قَالَ القَاضِي: وَقد أحسنَ اليزيدي فِيمَا أجابَ بِهِ، وأَلْطَفَ فِي نظره وَقِيَاسه، وأتى فِيمَا بَينه وَبَين الْكِسَائي من الْجفَاء بِما كَانَ الأوْلَى بِهِ خِلَافه، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ لَو حابَى الكسائيَّ وأغضى لَهُ، فقد كَانَ يعرفُ فَضله وتمكُّنه من الْعلم ونبله. وَالْمَسْأَلَة التّتي سَأَلَهُ عَنْهَا بِحَضْرَة الْمهْدي لطيفةٌ، وتعرضُ كثيرا فِي أمثالِها الشُّبْهَة، وَقد سَأَلَهُ عَنْهَا واستبطأهُ فِي جوابِها وأنَّبه على تَأْخِيره الْجَواب عَنْهَا، وَمَا أرى الزيدي حصَّل جوابَها عِنْد ابْتِدَاء وُقُوعهَا إِلَيْهِ على البدار والبديهة حَتَّى أنعمَ فِيهَا نظره وأعملَ فِيهَا فكره. وَقد كنت أمللتُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كلَاما، وشرحت مَا استدلَّ بِهِ اليزيدي فِيهَا وَالْوَجْه الَّذِي تعلّق بِهِ الْكِسَائي فِي إجَابَته عَنْهَا، كرهتُ إِعَادَته والإطالة هَاهُنَا بِذكرِهِ.
الْأَصْمَعِي وَالْجَارِيَة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم بْن خَلاد قَالَ، قَالَ الْأَصْمَعِي: دخلت عَلَى جَعْفَر بْن يَحْيَى بْن خَالِد يَوْمًا من الأيَّام فَقَالَ لي: يَا أصمعي هَلْ لَك من زوجةٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فجارية؟ قُلْتُ: جاريةٌ للمِهْنة، قَالَ: فَهَل لَك أَن أهبَ لَك جَارِيَة نظيفة؟ قُلْتُ: إِنِّي لمحتاجٌ إِلَى ذَلِكَ، فَأمر بِإِخْرَاج جاريةٍ إِلَى مَجْلِسه، فخرجتُ جاريةٌ فِي غَايَة الْحَسَن وَالْجمال والهيئة والظَّرف، فَقَالَ لَهَا: قَدْ وهبتُكِ لهَذَا. وَقَالَ لي: يَا أصمعي
стр. 683
خُذْهَا، فشكرته؛ وبكت الْجَارِيَة وَقَالَ: يَا سيِّدي تدفَعُني إِلَى هَذَا الشَّيْخ مَعَ مَا أرى من سَمَاجته وقُبْح منظره؟! وجَزِعَت جزعًا شَدِيدا، فَقَالَ: يَا أَصْمَعيُّ: هَلْ لَك أَن أعوضِّك مِنْهَا ألف دِينَار؟ قُلْتُ: مَا أكرهُ ذَلِكَ. فَأمر لي بِأَلف دِينَار وَدخلت الْجَارِيَة، فَقَالَ لي: يَا أصمعي إِنِّي أنكرتُ على هَذِه الْجَارِيَة أمرا فأردتُ عقوبتها بك، ثُمّ رحمتها مِنْك. فقلتُ: أيُّها الْأَمِير فألا أعلمتَني قبل ذَلِكَ؟ فإنِّي لَمْ آتِك حَتَّى سرَّحت لِحْيتي وأصلحتُ عِمَّتِي، وَلَو عرفتُ الْخَبَر لحضرتُ على هَيْئَة خلقتي، فوَاللَّه لَو رأتْني كَذَلِك لما عاودتْ شَيْئا تكرههُ مِنْهَا أبدا مَا بَقِيَتْ.
النِّسَاء تَمْقُت بَحشلا لدمامته وجهامة صورته
حَدَّثَنِي الْحَسَن بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق أحد إِخْوَاننَا عَن بحشل الْقَارئ، وَكَانَ مَشْهُورا بِحسن الصَّوْت ينتابه النَّاس لاستماع قِرَاءَته وعذوبة تِلَاوَته، قَالَ: كَانَ بحشَل مشنوءَ الْخلقَة شتيم الْوَجْه جهم الصُّورَة، وَكَانَ يُرِيد النكاحَ، فَإِذا خطبَ النِّسَاء ردَّ وَلم يُرَدْ لبشاعة منظره، وَإِذا شرع فِي ابتياع الْإِمَاء أَبَيْنَهُ ونبون عَنْهُ، والتوين عَلَيْهِ، ورغبن عَن مخالطته. فَشَكا إِلَى صديق لَهُ يأنس بِهِ مَا يلقى م مضض التعزُّب وَتعذر المباعلة، ويقاسي من شدَّة الشَّبق وفَقْدِ المباضعة ونفور النِّسَاء عَنْهُ لسماجة الْخلقَة، فَقَالَ لَهُ: أَنا أسعى لَك فِي هَذَا بِما يُؤَدِّي إِلَى محبتك. وَمضى إِلَى سوق الرَّقِيق فَابْتَاعَ جَارِيَة حلوة مَقْبُولَة وَصَارَ بِهَا فِي آخر النَّهَار إِلَى منزل بحشل، فلمَّا استقرا فِي منزله أحضر الطَّعَام واجتمعا على الْعشَاء ثُمَّ وثب الرَّجل فودَّع بحشلا وخلَّف الْجَارِيَة عِنْده فتعلقت بِثَوْبِهِ وَقَالَت: إِلَى أَيْن تمْضِي وتخلّفني؟ فَقَالَ: أمضي إِلَى منزلي وَأَنت عِنْد مولاكِ. قَالَت: وَمن مولَايَ؟ فقَالَ: هَذَا، فصرخت وَقَالَت: ظننتُ أَنَّك مولَايَ، وَأما هَذَا فَلَو أُرغبت أَو أرهبت بكلِّ شَيْء مَا خاليته فِي منزلٍ. فَلم يزل الرجل يديرها ويلويها، ويستعطفها وَيُدَارِيهَا، ويبذل لَهَا فاخر الكساء ونفيسَ الْحُلي والإخدام، والتكرمة والإعظام، وَهِي مصرَّةٌ على نفورها، مقيمةٌ على إبائها. فلمَّا يئس من قبُولهَا قَالَ لَهَا: فَإِنِّي مباكرٌ إِلَى هناهنا وحاملك إِلَى السُّوق للْبيع. قَالَت: فَأَيْنَ أبيتُ؟ قَالَ: هَاهُنَا، قَالَت: لَا أفعل، قَالَ: فإنّا ندخلك بَيْتا تبيتين فِيهِ ونقفله عَلَيْك، قَالَت: على أَن يكون مفتاحه معي. فَفعل ذَلِكَ وانصرفَ الرجل، وَقَامَ بحشل وَقت وِرْدِهِ من اللَّيْل لصلاته، وَرفع بِالْقِرَاءَةِ صَوته، فطربت إِلَيْهِ وشُغفت بِهِ، وَوَقع فِي قَلبهَا حبه، فَجعلت تناديه: يَا مولَايَ، يَا مولَايَ، خُذ الْمِفْتَاح وَافْتَحْ الْبَاب وأخرجني إِلَيْك أَو ادخل إليّ فَأَنا طوعُ يَديك. فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا حَتَّى قضى صلَاته، ثُمَّ فتح الْبَاب فَجعلت تعتذرُ إِلَيْهِ وقبَّلت يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ واستولدها.
قَالَ القَاضِي: وَقد روينَا خَبرا يُضارعُ هَذَا من وجهٍ بعض المضارعة وأخّرنا إثْبَاته لِئَلَّا يطول الْمجْلس بِهِ ويتجاوز حَده، ونحنُ راسموهُ فِي الْمجْلس الَّذِي يَلِيهِ إِن شَاءَ الله.
стр. 684
الْمجْلس الثَّاني وَالتِّسْعُونَ
حَدِيثٌ لَا تَحَاسَدُوا وَلا تَبَاغَضُوا
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَكْرٍ السُّكَّرِيُّ سنة تسع عشرَة وثلاثمائة قَالَ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ الْجَهْمِ الْحَدَثِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَحَاسَدُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لمسلمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَلْقَاهُ هَذَا فَيُعْرِضُ، وَيَلْقَاهُ هَذَا فَيُعْرِضُ عَنْهُ، فَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِالتَّسْلِيمِ سَبَقَ إِلَى الْجَنَّةِ ".
قَالَ الْقَاضِي: قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا وَبِمَا فِي مَعْنَاهُ أخبارٌ كَثِيرَةٌ مِنْ طرقٍ شتَّى، وَإِسْنَادُ هَذَا الْخَبَرِ غَرِيبٌ لَمْ نَسْمَعْهُ إِلا مِنْ هَذَا الشَّيْخِ، وَحُفَّاظِ الْحَدِيثِ لَا يَعْرِفُونَهُ إِلا مِنْ رِوَايَتِهِ، وَفِيهِ حَثٌّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى التَّوَاصُلِ والتبارِّ وَالتَّبَاذُلِ وَحَسْمِ أَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ وَتَشْتِيتِ الأُلْفَةِ وَتَشْعِيثِ الْمَوَدَّةِ بِالْحَسَدِ وَالتَّقَاطُعِ والتدابر والتمانع والمصارمة وَالتَّنَازُعِ.
نصيحة لُقْمَان لِابْنِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَان الأشنانداني قَالَ، حَدَّثَنَا التوّزي قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَة قَالَ: حدِّثت أَن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُني عَلَيْك بخلالٍ إِن تمسكت بِهنَّ لَمْ تزل سيدًا: ابْسُطْ حلمَكَ للغريب والقريب، وأَمْسِك جهلك عَن الْكَرِيم واللئيم، واحفظ إخوانكَ، وصلْ أقاربك، وَليكن خلانك من إِذا فَارَقْتهمْ وفارقوك لَمْ تَبِعَهُمْ وَلم يبيعوك؛ وخصلتان يزينانك: اعْلَم أَنَّهُ لَا يطَأ بساطك إِلَّا رَاغِب فِيك أَو رَاهِب مِنْك. فأمَّا الراهب مِنْك فأدن مَجْلِسه، وتهلل فِي وَجهه، وَإِيَّاك والغمز من وَرَائه. وأمّا الراغبُ فِيك فابذل لَهُ البشاشة وابدأهُ بالنوال قبل السُّؤَال، فَإنَّك مَتى تلجئه إِلَى مسألتك تَأْخُذ من حرِّ وجهِهِ ضعْفي مَا تعطيه.
الفرزدق يَمدح عَمْرو بن عتبَة
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ، أَخْبَرَنَا الْمَازِني عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: دخل الفرزدق على عَمْرو بن عتبَة فِي دَاره بالزاوية وَهُوَ يسلتُ العرقَ عَن وَجهه، فأنشده:
لَوْلَا ابنُ عتبةَ عَمْرو والرجاءُ لَهُ ... مَا كَانَت البصرةُ الحمقاءُ لي وطنا
أَعْطَانِي المَال حَتَّى قلتُ يودعني ... أَو قلتُ أودَعُ مَالا قد رآهُ لنا
فجودُهُ متعبٌ شكري ومنَّته ... فكلّما زدتُ شكرا زادني مننا
يري بِهمته أقْصَى مسافتها ... وَلَا يريدُ على معروفه ثَمنا
قَالَ: فَقَالَ عَمْرو بن عتبَة: يَا أَبَا فراس نَحن نبتاعُ مِنْك حماقةَ بصرتنا بِأَلف دِينَار،
стр. 685
وَأمر لَهُ بِهَا.
من كَانَ على شَرط جالوت
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ، حَدَّثَنَا الصَّلْت بن مَسْرُوق الْكُوفِيّ قَالَ، حَدَّثَنِي أبي قَالَ، قَالَ رجل لأبي حنيفَة: مَا بَقِي عليَّ من الْعلم شَيْء، فَقَالَ لَهُ: من كَانَ على شَرط جالوت يَوْم لَقِي طالوت؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَهَذَا شَيْء من الْعلم قد بَقِي عَلَيْك.
تأبين ابْن الحنيفة لِأَخِيهِ الْحَسَن
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ قَالَ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْن أبي طَالِب ﵇ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵇ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵉ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَبَا مُحَمَّدٍ، فَلَئِنْ عزَّت حَيَاتُكَ لَقَدْ هدَّت وَفَاتُكَ، وَلَنِعْمَ الرُّوحُ رُوحٌ تضمَّنه بَدَنُكَ، وَلَنِعْمَ الْبَدَنُ بَدَنٌ تَضَمَّنَهُ كَفَنُكَ، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ هَكَذَا وَأَنْتَ سَلِيلُ الْهُدَى، وَحَلِيفُ أَهْلِ التُّقَى، وَخَامِسُ أَصْحَابِ الْكِسَا، غَذَّتْكَ كفُّ الْحَقِّ، وَرُبِيتَ فِي حِجْرِ الإِسْلامِ، وَرَضَعْتَ ثَدْيَ الإِيمَانِ، فَطِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِنْ كَانَتْ أَنْفُسُنَا غَيْرَ طيبةٍ بِفِرَاقِكَ وَلا نَشُكُّ فِي الْخَيْرَةِ لَكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ قَبْرِهِ.
بَازِلُ عَاميْنِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي قَالَ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب قَالَ: قَالَ لي الرياشي يَوْمًا: كَيفَ تُنْشِدُ هَذَا:
مَا تنقمُ الحربُ العَوانُ منِّي ... بَازِلُ عامينِ حديثٌ سنّي
فقلتُ لَهُ: بازلُ عَاميْنِ على الِابْتِدَاء، وبازلَ عَاميْنِ على الْحَال، وبازلِ عَاميْنِ على الْبَذْل من الْيَاء، وَالله يَا أَبَا الْفضل مَا آتيكَ إِلَّا لِهذه المقطَّعات، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَكَانَت قطعه وَالله عسلا.
قَالَ القَاضِي ﵀: وَقد حَدَّثَنَا عبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر بِهذه الْقِصَّة على خلاف هَذَا الْوَجْه، فَحكى أَن أَحْمَد بن يحيى قَالَ: كنت عَن ابْن الْأَعرَابِي فَسَأَلَنِي: كَيفَ تُنشدُ " بازل عَاميْنِ " فَذكر أَنَّهُ أخبر بِهذه الْأَوْجه الثَّلَاثَة، قَالَ: فَكَأَنَّهُ لَمْ يرضَ مَا قلت فقلتُ لَهُ: إيّاك أَن تكلّمني فِي النَّحْو فإنَّما آتيكَ لهَذِهِ الخرافات.
قَالَ القَاضِي: ومِمّا حكاهُ الصولي أَن أَحْمَد بن يَحْيَى قَالَ: " على الْبَدَل " وَلَيْسَ هَذَا من أَلْفَاظ الْكُوفِيّين، وإنَّما يَقُولُونَ فِي هَذَا النَّحْو وَمَا جرى مجْرَاه أَنَّهُ تَرْجَمَة وإتباع وردّ
стр. 686
وتكرير، وَإِن كَانَ أَحْمَد بن يَحْيَى لَفَظَ بِالْبَدَلِ فَلَعَلَّهُ قصد خطابَ الرياشي بِما يعرفهُ من قَول أَصْحَابه الْبَصرِيين.
الْإِسْكَنْدَر يَمر على مَدِينَة ملكهَا سَبْعَة وبادوا
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا قَالَ، حَدَّثَنِي الْحَارِث بن مُحَمَّد التَّمِيمِي عَن شيخٍ من قُرَيْش قَالَ: مرَّ الْإِسْكَنْدَر بمدينةٍ قد ملكهَا أملاكٌ سَبْعَة وبادوا، فَقَالَ: هَلْ بَقِي من نَسْلِ الأملاكِ الَّذِينَ ملكوا هَذِه الْمَدِينَة أحد؟ قَالُوا: نعم، رجل يكونُ فِي الْمَقَابِر.
فَدَعَا بِهِ فَقَالَ: مَا دعاكَ إِلَى لُزُوم الْمَقَابِر؟ قَالَ: أردتُ أَن أعزل عظامَ الْمُلُوك عَن عِظَام عبيدهم فوجدتُ عظامهم وعظامَ عبيدهم سَوَاء. قَالَ لَهُ: فَهَل لَك أَن تتبعني فاحيي بك شرف آبَائِك إِن كَانَت لَك همة؟ قَالَ: إِن همَّتي عظيمةٌ إِن كَانَت بُغيتي عنْدك، قَالَ: حياةٌ لَا موتَ فِيهَا، وشبابٌ لَيْسَ مَعَه هرم، وغنى لَا فقر بعده، وسرور بِغَيْر مَكْرُوه، قَالَ: لَا، قَالَ: فامضِ لشأنكَ وَدعنِي أطلبُ ذَلِكَ مِمَّن هُوَ عِنْده ويَملكه. قَالَ الْإِسْكَنْدَر: هَذَا أحكمُ من رَأَيْت.
قَالَ القَاضِي: وَكُنَّا رسمنا فِي الْمجْلس الَّذِي قبل هَذَا خبرين أحببتُ أَن أَصلهمَا بِخَبَر ثَالِث يضاهيهما من بعض وُجُوههمَا وكرهتُ إطالة الْمجْلس بِذكرِهِ، ووعدتُ بِأَن أثْبته فِي الْمجْلس الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ مَجْلِسنَا هَذَا، وَهَا أَنا راسمهُ هَاهُنَا إِن شَاءَ الله.
فَم الْحُوت وَعلي بن يَقْطِين
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر الحريري عبد الله بن الْحَسَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِصَاحِب الْمَرْوِيّ قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن خلف وَكِيع القَاضِي قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن مُوسَى قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو العمراوي قَالَ، حَدَّثَنَا الْعُتْبِي قَالَ: قدم فَم الْحُوت من الْمَدِينَة بَغْدَاد فَنزل على عَليّ بن يَقْطِين، وَكَانَ لاعبًا بالشطرنج، فَقَالَ لَهُ عَليّ: لاعبني، قَالَ: إنَّ عليَّ يَمينًا أَلا ألعبَ أبدا إِلَّا فِي إمرة مطاعةٍ، قَالَ: فها هُنَالك، فلاعبه فقمره فَم الْحُوت، وَكَانَ مشوَّه الْوَجْه أهدلَ الشّفة السُّفْلى مقلَّص الْعليا مائل الشدق قَبِيح الْأَسْنَان، فَقَالَ لَهُ: احتكم، قَالَ: تقبّلني قبْلَة، قَالَ: أَو الْفِدْيَة قَالَ ذَاك لَك قَالَ ألف دِرْهَم قَالَ: لَا وَالله قَالَ أَلفَيْنِ: قَالَ لَا وَالله، قَالَ: ثَلَاثَة آلَاف، قَالَ: لَا وَالله، قَالَ: أربعةُ آلَاف، قَالَ: هَاتِهَا. فَدَفعهَا إِلَيْهِ وركبَ عليُّ بن يَقْطِين إِلَى الْمهْدي فَأخْبرهُ فاستضحك وَقَالَ: وَيحك أرنيه من حيثُ لَا يراني، فأدخلته عَلَيْهِ من مَوضِع يراهُ الْمهْدي: وَهُوَ لَا يراهُ فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ وَإِلَى تَشْوِيه خَلْقه وقبح فَمه قَالَ لَهُ الْمهْدي: وَيحك يَا عَليّ قد وَالله ربحتَ سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألفا. قَالَ: وكيفَ؟ قَالَ: من لَا يفتدي قبْلَة من هَذَا بِأَرْبَعِينَ ألفا؟! قد ربحت سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألفا.
стр. 687
إمرة وأمرة وجِلْسَة وَجَلَسة
قَالَ القَاضِي: قَوْله " إمرةٌ مطاعة " الصَّوَاب فِيهَا أمرة بِفَتْح الْهَمْزَة وَهَذَا مِمَّا ذكره أهل الْعلم فِيمَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة فَتَقول: إمرَة بِالْكَسْرِ، والأمرة بِالْفَتْح مَعْنَاهَا المرةُ الْوَاحِدَة من الْأَمر، وأمّا الإمرة فالولاية. وَهَذَا بَاب مطّردٌ منسحبٌ على قياسة جارٍ مستمرٌّ فِي نَوعه، يُقال هِيَ الجلسة والرِّكبة والْقِعدة والنِّيمة بِمعنى الْهَيْئَة، فَإِذا أَرَادَ الْعبارَة عَن الْمرة والمرتين قيل جلْسَة وجلستان وركبة وركبتان وقعدة وقعدتان ونومة ونومتان، وَفِي هَيْئَة نوم النَّائِم نيمة وَأَصلهَا الْوَاو لِأَنَّهَا من النّوم كَمَا قيل خيفة من الْخَوْف، فقلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا. فَأَما حجَّة فَإِنَّهَا مَكْسُورَة الْحَاء، وَزعم قومٌ أَنَّهُ إِذا أريدَ بِهَا الْمرة وَطَرِيق الْعدَد فُتِحَت حاؤها فَقيل حجَّ حجَّةً وَاحِدَة، ومِمّن قَالَ هَذَا الْفراء والأصمعي، وَقَالَ جُمْهُور الْمُحَقِّقين: الْكَلَام فِيهَا بِالْكَسْرِ فِي كلِّ مَوضِع. فأمّا الحجَّة بِمعنى السّنة فَهِيَ بِالْكَسْرِ لَا غير، وَمن ذَلِكَ قَول زُهَيْر:
وقفت بهَا من بعد عشْرين حجَّةً ... فلأيا عرفت الدَّار بعد توهُّم
وَقَول النَّابِغَة الْجَعْدِي:
مَضَت مائةٌ لعامَ ولدتُ فِيهِ ... وعشرٌ بعد ذاكَ وحجَّتان
قَضَاء ابْن شبْرمَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن زِيَاد الْمُقْرِئ قَالَ، أَخْبَرَنَا ابْن عبد الْعَزِيز، قَالَ القَاضِي: وَقد كتب بِهذا إِلَيْنَا الْحُسَيْن بن أَحْمَد بن عبد الْعَزِيز الْجَوْهَرِي من الْبَصْرَة قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَيْدٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ شبَّة قَالَ، أَخْبَرَنَا زُهَيْر بن حَرْب عَن جرير قَالَ: قضى ابْن شبْرمَة بقضيةٍ، فَبَلغهُ أنَّ بعض من كَانَ بَينه وَبَينه وَحْشَة تكلَّم فِيها، فَقَالَ ابْن شبْرمَة:
مَا فِي القضاءِ شفاعةٌ لمخاصمِ ... عِنْد اللبيبِ وَلَا الفقيهِ الحاكمِ
أَهْوِنْ عليَّ إِذا قضيتُ بسنَّةٍ ... أَو بالكتابِ برغم أنفِ الراغمِ
وقضيتُ فِي مَا لَمْ أجدْ أثرا بِهِ ... بنظائرٍ معروفةٍ ومعالِمِ
أَوْلِيَاء الله وَالدَّفْع عَنْهُم
حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْلِيَاءَ مَعَ وُلاةِ الظَّلَمَةِ يَدْفَعُ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ.
بَين عُمَر وجَميل
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى عَن أبي عبد الله القر شي قَالَ: خرج عمر بن أبي ربيعَة إِلَى الشَّام، حَتَّى إِذا كَانَ بالجناب لقِيه جَميل بن معمر، فاستنشدهُ عمر بن أبي ربيعَة فأنشده كَلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
стр. 688
خليليَّ فِيمَا عشتما هَلْ رَأَيْتُمَا ... قَتِيلا بَكَى من حبِّ قَاتله قبلي
ثُمَّ استنشده جميل، فأنشده قافيته الَّتِي أَولهَا:
عرفتُ مصيفَ الحيِّ والمتربَّعا
حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله فِيهَا:
وقرَّبن أسبابَ الْهوى لمتيّمٍ ... يقيسُ ذِرَاعا كلما قِسْنَ إصبعا
فصاحَ جميل واستحيا وَقَالَ: لَا وَالله مَا أحسن أَن أَقُول مثل هَذَا فَقَالَ لَهُ عمر: اذْهَبْ بِنَا إِلَى بثينة لنتحدث عِنْدهَا، فَقَالَ لَهُ: إِن السُّلْطَان قد أهدرَ لَهُم دمي مَتى جِئْتهَا، قَالَ: فدلَّني على أبياتِها، فدلَّه. وَمضى حَتَّى وقف على الأبيات وتأنّس وتعرف، ثُمَّ قَالَ: يَا جَارِيَة أَنا عُمَر بن أبي ربيعَة فأعلمي بثينة مَكَاني. قَالَ، فأَعْلَمَتها فَخرجت إِلَيْهِ فَقَالَت لَهُ: لَا وَالله يَا عمر مَا أَنا من نِسَائِك اللَّاتِي تزْعم أَن قد قتلهنَّ الوجدُ بك، قَالَ: وَإِذا امْرَأَة طوالة أدماء حسناء، فَقَالَ لَهَا عمر: فَأَيْنَ قولُ جميل:
وهما قَالَتَا لَو أنَّ جَميلا ... عرض الْيَوْم نظرةَ فرآنا
نظرتْ نَحْو تربها ثمَّ قالتقد أَتَانَا وَمَا علمنَا منانا
بَيْنَمَا ذَاك مِنْهُمَا رأتاني ... أوضع النَّقْض سيرَهُ الرَّتكانا
ويروى أعمل النَّقْض سيره زفيانا فَقَالَت لَهُ: لَو استمدَّ مِنْك جميل مَا أفلحَ، وَقد قيل: اشْدُد العَيْرَ مَعَ الْفرس فَإِن لَمْ يتَعَلَّم من جريه تعلَّم من خلقه.
بعض أَنْوَاع السّير
قَالَ القَاضِي: " أوضعُ النقضَ سيرَهُ الرتكانا " أَنَّهُ يحمل على سرعَة السّير، قَالَ الله تَعَالَى: " وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ " " التَّوْبَة:٤٧ " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الإيضاعُ سرعَة السّير، يُقالُ: أوضعتُ بَعِيري وأوضعتُ نَاقَتي إِذا أسرعت، فَإِذا كَانَت هِيَ الفاعلة قلت: وضعت النَّاقة تضعُ وضعا، ويُقال وضع الرجلُ يضعُ إِذا سَار أسْرع سير، قَالَ دُرَيْد بْن الصمَّة:
يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع
من الخبب والوضع. وَقد اخْتلف فِي بَيت عمر بن عبد الله بن أبي ربيعَة:
تبالهنَ بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرءٌ باغٍ أكلَّ وأوضعا
فراوه قوم هَكَذَا وَجعلُوا أكلَّ من الكلال، وَهُوَ من الذروح والإعياء، وَقَالُوا: إنَّه كدّ فِي بغاء نَاقَته، وأوضع فِي طلبَهَا، وأسرعَ مَعَ الكلال ليدركها، فاجتمعَ عَلَيْهِ الكلالُ والإيضاعُ. ورواهُ آخَرُونَ: " وقلنَ امْرُؤ باغٍ أضلَّ وأوضعا " بِمعنى أَنَّهُ أضلَّ بعيره فجدَّ فِي بغائه وأوضع فِي طلبه. وَقَوله: " النَّقْض " يريدُ الَّذِي قد هزله السّير فصارَ نِقْضًا بَالِيًا ويَجمع أنقاضًا. والزفيان كنحوه. وَقَوله: " امْرَأَة طوالة " يَعْنِي طَوِيلَة، وَهَذَا مِمَّا جَاءَ على فعيلٍ وفُعَال، يُقال رجل طويلٌ وطُوَال وطوَّال، قَالَ الراجز:
стр. 689
جَاءُوا بصيدٍ عجبٍ من العجبْ ... أزيرقِ الْعَينَيْنِ طوَّال الذنبْ
ويُقال: أَمر عجبٌ وعُجَاب، قَالَ الله : " إنَّ هَذَا لشيءٌ عُجَابٌ " " ص:٥ " وَمثله كَبِير وكبَّار، قَالَ الله تَعَالَى: " وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا " " نوح:٢٢ " وَمن الْكُبَار قَول الْأَعْشَى:
كحلفةٍ من أبي رياحٍ ... يسْمعهَا لاههُ الْكُبَارُ
وَهَذَا بَاب وَاسع واستقصاؤه يطول وَله مَوضِع هُوَ أولى بِهِ.
عمر وحيلته على أبي الْأَعْوَر السّلمِيّ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الْغلابِي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِدٍ الْغَلابِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا الْقَحْذَمِيُّ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ أَبِي مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: إنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ احْتَجَزَ دُونَنَا خَرَاجَ مِصْرَ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ أَبَا الأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ. فَبَلَغَ عَمْرًا الْخَبَرُ فَدَعَا وَرْدَانَ مَوْلاهُ وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا عُثْمَانَ عَزَلَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَمَنِ اسْتَعْمَلَ؟ قَالَ: أَبَا الأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ حِيلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، اصْنَعْ لَهُ طَعَامًا وَلا تَنْظُرْ لَهُ فِي كِتَابٍ حَتَّى يَأْكُلَ، وَدَعْنَا نَعْمَلُ مَا نُرِيدُ. قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو الأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ وَأَخْرَجَ كِتَابَ مُعَاوِيَةَ بِتَسْلِيمِ الْعَمَلِ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَمَا نصْنَع بكتابك؟ وَلَو جِئْتَنَا بِرِسَالَةٍ لَقَبِلْنَا ذَلِكَ مِنْكَ، دَعِ الْكِتَابَ وَكُلْ، قَالَ: انْظُرْ فِي الْكِتَابِ، قَالَ: مَا أَنَا بناظرٍ فِيهِ حَتَّى تَأْكُلَ. فَوَضَعَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ، فَاسْتَدَارَ لَهُ وَرْدَانُ فَأَخَذَ الْكِتَابَ وَالْعَهْدَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو الأَعْوَرِ مِنْ غَدَائِهِ طَلَبَ الْكِتَابَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَقَالَ: أَيْنَ كِتَابِي؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَلَيْسَ إِنَّمَا جِئْتَنَا زَائِرًا لِنُحْسِنَ إِلَيْكَ وَنُكْرِمَكَ ونبرَّك؟ فَقَالَ: اسْتَعْمَلَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَزَلَكَ، فَقَالَ: مَهْلا لَا يَظْهَرَنْ هَذَا مِنْكَ، إِنَّهُ قَبِيحٌ، نَحْنُ نَصِلُكَ وَنُحْسِنُ جَائِزَتَكَ فَارْضَ بِالْجَائِزَةِ. فَبَلَّغَ مُعَاوِيَةَ الْخَبَرَ فَاسْتَضْحَكَ وَأَقَرَّ عَمْرًا عَلَى مِصْرَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيُشْبِهُ هَذَا خَبَرَ الْمَأْمُونِ وَدِينَارٍ لَمَّا أَنْفَذَهُ إِلَى الْمَدَائِنِ لِمُحَاسَبَةِ يَاسِرٍ وَاسْتِيفَاءِ الأَمْوَالِ مِنْهُ، وَلَعَلَّنَا إِنْ عَثَرْنَا عَلَيْهِ نُورِدُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
مواعيد عرقوب
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام بن سُلَيْمَان المَخْزُومِي قَالَ: كَانَ عرقوب رجلا من الْأَوْس فَجَاءَهُ أخٌ لَهُ فَقَالَ: إِذا أطلعت هَذِه النَّخْلَة فَهِيَ لَك، فلمّا أطلعت قَالَ: دعها حَتَّى تصير بَلَحًا، فَلَمَّا صَارَت بلحًا قَالَ: دعها حَتَّى تشقح، فلمّا شقحت قَالَ: دعها حَتَّى تصير رُطَبًا، فَلَمَّا صَارَت رطبا قَالَ: دعها حَتَّى تصير تَمرًا، فَلَمَّا صَارَت تَمرًا جَاءَ لَيْلًا فجدَّها، فَلذَلِك قَالَ الْأَشْجَعِيّ:
وعدتَ وَكَانَ الخلفُ مِنْك سجيَّةً ... مواعيد عرقوبٍ أَخَاهُ بِيَثْرِب
стр. 690
فضربته الْعَرَب مثلا.
تَحقيقات
قَالَ القَاضِي: ذكر بعضُ الْمُحَقِّقين أَن الْكَلَام الفصيح بلحٌ بِضَم الْبَاء، كم قَالَ الْأَعْشَى:
مثل مَا مُدّت نصاحاتُ الْبُلَح
ويروى: مثل مَا مدَّت نِصَاحاتُ الرُّبح وَقَوله: " حَتَّى تشقّح " أَي حَتَّى تزهو وَتظهر فِيهَا حمرةٌ أَو صفرَة. جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَشْقَحَ. وَأرى أَنَّهُ قيلَ فِيهَا ذَلِكَ لأنَّها حِينَئِذٍ يفارقها خلوص الخضرة ولَمَّا تتكامل فِيهَا الْحمرَة أَو الصُّفْرَة فَلَيْسَتْ لَهَا حلاوة. وَهَذَا من مَشْهُور أَمْثَال الْعَرَب وَقد ذكره كَعْب بن زُهَيْر فِي كَلمته الَّتِي قَالَهَا فِي النَّبِيّ ﷺ ومدحه فِيهَا، وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأظْهر تَوْبَته من سالِفِ كفره، وَرغب إِلَيْهِ فِي عَفوه عَنهُ، وإعفائه ممّا توعّده بِهِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
نُبّئتُ أنَّ رسولَ الله أوعدني ... وَالْعَفو عندَ رسولِ اللهِ مَأْمُولُ
وبيته الَّذِي ذكر فِيهِ عرقوبًا فِي هَذِه الْكَلِمَة قَوْله:
كَانَت مواعيدُ عرقوبٍ لَهَا مثلا ... وَمَا مواعيدها إلاَّ الأباطيلُ
اسْتِقْلَال اصطناع الْمَعْرُوف
حَدَّثَنِي عُبَيْد الله بن مُسلم الْحَارِثِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفضل الْهَاشِمِي الربعِي قَالَ، وحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي شيخ قَالَ، قَالَ يَحْيَى بن خَالِد: مَنِ استقلَّ اصطناعَ الْمَعْرُوف حُرِمَ، ثُمَّ أنشأ يَقُول:
إِذا تكرَّمت عَن بَذْلِ القليلِ ولَمْ ... تَقْدِر على سعةٍ لَمْ يَظْهَرِ الجودُ
بثَّ النوالَ وَلَا تَمْنَعْكَ قلَّته ... فكلُّ مَا سدَّ فقرا فَهُوَ محمودُ
قَالَ القَاضِي: اسْتِقْلَال الْمُعْطِي عطاءه حتّى يَمنعه، يحرمه أجره وشكره، واستقلال الْمُعْطَى يحرمه من مستقلِّ الْعَطاء كَثِيرَة ووفيره، وَقد جَاءَ فِي الْأَثر: من يسْتَقلّ قليلَ الرزق يُحرم كَثِيره.
وَرُوِيَ فِي نَحو هَذَا بِإِسْنَاد لَمْ يحضرني فِي هَذَا الْوَقْت ذكره، وَقد عُزي إِلَى الْمَأْمُون أَنَّهُ قَالَ وَذكر هَذَا الْمَعْنى:
قدِّم طعامَكَ وابذله لآكِلِهِ ... واحلفْ على مَن أَبى واشكرْ لِمَن أكلا
وَلَا تكنْ سابريَّ العَرْضِ محتشمًا ... من الْقَلِيل فلسْت الدَّهر محتفلا
стр. 691
الْمجْلس الثّالِث والتسعُون
سُرَاقَةُ يَتَتَبَّعُ آثَارَ الرَّسُولِ عِنْدَ هِجْرَتِهِ
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ أَبُو عُمَرَ القَاضِي سنة تسع عشرَة وثلثمائة، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ، حَدَّثَنِي عمي عَنْ أَبِيه عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مالكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَتْ قريشٌ لِمَنْ ردَّه مِائَةَ نَاقَةٍ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا جالسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إِذْ أقبل رجل ٌ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَكْبًا ثَلَاثَة مرُّوا عليَّ آنِفا، إنّني لأَرَاهُ مُحَمَّدًا، قَالَ: فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، إِنَّمَا هُمْ بَنُو فُلانٍ يَبْغُونَ ضالَّتهم، قَالَ: فَمَكَثْتُ قَلِيلا ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ بِفَرَسِي فَقِيدَ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَخْرَجْتُ سِلاحِي مِنْ وَرَاءِ حُجْرَتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قِدَاحِي الَّتِي أَسْتَقْسِمُ بِهَا، وَلَبِسْتُ لأْمَتِي، ثُمَّ أَخْرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ " لَا يَضُرُّهُ "، قَالَ " وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أردَّه وَآخُذَ الْمِائَةَ نَاقَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: هَكَذَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَالْوَجْهُ مِائَةُ النَّاقَةِ، فَتَكُونُ الأَلِفُ وَاللامُ فِي الْمُضَافِ إِلَيْهِ دُونَ الْمُضَافِ كَمَا يُقَالُ غُلامُ الْقَوْمِ، وَلا يُقَالُ الْغُلامِ قَوْمٍ.
فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يشتدُّ بِي عَثِرَ فَسَقَطْتُ عَنْهُ، فَأَخْرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهم الَّذِي أَكْرَهُ " لايضرّه "، قَالَ: فَأَبَيْتُ إِلا أَنْ أَتْبَعَهُ، فَرَكِبْتُ فَلَمَّا بَدَا لِيَ الْقَوْمُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ عَثِرَ بِي فَرَسِي وَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الأَرْضِ وَسَقَطْتُ عَنْهُ، فَاسْتَخْرَجَ يَدَيْهِ وَانْبَعَثَ دُخَانٌ مِثْلُ الإِعْصَارِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ، فَنَادَيْتُهُمْ فَقُلْتُ: انْظُرُونِي فَوَاللَّهِ لَا أُرِيبُكُمْ وَلا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَاذَا تَبْتَغِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ اكْتُبْ لِي كِتَابًا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ آيَةً، قَالَ: اكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ، فَكَتَبَ لِي ثُمَّ أَلْقَاهُ إليَّ.
قَالَ: فَرَجَعْتُ فَسُئِلْتُ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ، حَتَّى إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ وَفَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ خَرَجْتُ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لأَلْقَاهُ وَمَعِي الْكِتَابُ الَّذِي كتب لي فَبين أَنَا عَامِدٌ لَهُ دَخَلْتُ بَيْنَ كَتِيبَةٍ مِنْ كَتَائِبِ الأَنْصَارِ فَطَفِقُوا يُفَزِّعُونَنِي بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ. قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، قَالَ: فَأَسْلَمْتُ وَسُقْتُ إِلَيْهِ صَدَقَةَ مَالِي.
دلَالَة قصَّة سراقَة وَدَلَائِل النَّبِيّ جملَة
قَالَ القَاضِي: خبر سراقَة بن مَالك هَذَا وَمَا كَانَ من أمره آيَة من إِعْلَام النَّبِيّ ﷺ ودلائله الشاهدة بنبوته والدّالة على صدقه، وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بأنّ قَوَائِم رَاحِلَته ساخت
стр. 692
فِي الأَرْض، فَنَادَى رَسُول الله ﷺ مستغيثًا بِهِ ولاجئًا إِلَيْهِ فِي استنقاذه مِمَّا وَقع فِيهِ، وتائبًا مِمَّا قصد لَهُ ومنيبًا مِمَّا سلف من كفره، فَدَعَا الله تَعَالَى لَهُ حَتَّى نجاه مِمَّا نزل بِهِ، وَصَحب رَسُول الله ﷺ ، وروى عَنْهُ رواياتٍ من أخباره وسننه وآثاره. وَقد ألَّف العلماءُ فِي أَعْلَام النَّبيّ ﷺ وآياته الْكثير الَّذِي يحجّ من بلغه ويقطَعُ عُذْرَ من انْتهى إِلَيْهِ، ولعلي بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي كتابٌ ضمَّنه من دَلَائِل النَّبِيّ ﷺ وآياته خَمْسمِائَة آيَة أَو نَحوها، وَلَو لَمْ يكن لَهُ من الشواهد على رسَالَته والدلائل على نبوّته إِلَّا الْكتاب الَّذِي أَتَى بِهِ من وَحي الله تَعَالَى إِلَيْهِ وتنزيله جلَّ اسْمه عَلَيْهِ، الَّذِي ذلَّت لَهُ الرّقاب، وبَهر بنوره ألبابَ ذَوي الْأَلْبَاب، لَكَانَ ذَلِكَ بليغًا كَافِيا، وحاسمًا للشكِّ وَمن أدوائه شافيًا، وَهُوَ فِي أَيْدِينَا إِلَى حَيْثُ انتهينا نتلوه ونقرأه فِي محاريبنا وصلواتنا، ونرسمه فِي صحفنا وَمَصَاحِفنَا، وتعلّمه أبناءَنا وعبيدَنَا وإماءَنا، وَلَا يزْدَاد إِلَّا بهاءً وإشراقًا وضياء وائتلاقًا، وَلَا يزْدَاد الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا عياء بِمعارضته وعجزًا عَن مقاومته. وَقد رتبنا القَوْل فِي وَجه إعجازه ومفارقته أَنْوَاع كَلَام البلغاء والفصحاء بِما خصَّه الله بِهِ من بديع نظمه وَعَجِيب رسمه مَا كَانَ كَافِيا من غَيره.
وَقَول سراقَة: " لأمتي " اللأمة: الدرْع، يجمع لُؤَمًا على غير قِيَاس، قَالَ الْأَعْشَى:
وقوفًا بِما كَانَ من لأمةٍ ... وهنَّ صيامٌ يَلُكن اللُّجُمْ
مَوْعِظَةُ عَلِيٍّ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ نُصَيْرٍ الْحَرْبِيُّ الْجَمَّالُ سنة ستّ عشرَة وثلاثمائة إِمْلاءً مِنْ حِفْظِهِ قَالَ، حَدَّثَنِي نَجِيحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزِّمَّانِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فَأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرَ جَلَسَ ثُمَّ تَنَفَّسَ ثُمَّ قَالَ: يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلاثَةٌ فعالمٌ ربَّاني، ومتعلّمٌ عَلَى سَبِيلِ نجاةٍ، وهمجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كلِّ ريحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعلم وَلم يلجأوا إِلَى ركنٍ وَثِيقٍ. يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، الْعِلْمُ خيرٌ لَكَ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَاتُ، وَمَحَبَّةُ الْعِلْمِ دينٌ يُدَانُ بِهِ يَكْسِبُهُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ محكومٌ عَلَيْهِ، وَصَنِيعَةُ الْمَالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ، مَاتَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْمًا جَمًّا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلْ أَصَبْتُ لَهُ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، يسْتَعْمل لَهُ آلَة الدَّين بالدنيا، يَسْتَظْهِرُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادَتِهِ وَبِحُجَّتِهِ عَلَى كِتَابِهِ، أَوْ مُنْقَادًا لأَهْلِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إِحْيَائِهِ، يَقْدَحُ الشكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عارضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، فَلا ذَا وَلا ذَا، أَوْ مَنْهُومًا بِاللَّذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهَوَاتِ، أَوْ مُغْرَمًا
стр. 693
بِجَمْعِ الأَمْوَالِ وَالادِّخَارِ، لَيْسَا مِنْ دَعَائِمِ الدِّينِ، أَقَرَبُ شَبَهًا بِهِمَا الأَنْعَامُ السَّائِمَةُ.
كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ. اللَّهُمَّ بَلَى، لَنْ تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمِ اللَّهِ بحجةٍ لِكَيْلا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ. أُولَئِكَ الأَقَلُّونَ عَدَدًا، الأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا، بِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ حُجَجِهِ حَتَّى يُؤَدُّوهَا إِلَى نُظَرَائِهِمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الأَمْرِ فَاسْتَلانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأْنَسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الجاهلون، صحبوا الدُّنْيَا بأبدانٍ أراوحها معلقةٌ بِالْمَلَكُوتِ الأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّه فِي بِلادِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهٍ آهٍ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
قَالَ القَاضِي: لقد ألْقى أميرُ الْمُؤمنِينَ العالِمُ الربانيُّ إمامُ الْمُسلمين صلوَات الله عَلَيْهِ وَآله إِلَى كُميل بن زيادٍ فِي مَجْلِسه هَذَا علما عَظِيما وَحكما جسيمًا، وخلَّف بِما أَتَى بِهِ مِنْهُ للْمُسلمين حِكْمَة شافيةً وَوَصِيَّة كَافِيَة، وَمن جعل من الْعلمَاء مستودع هَذَا الْخَبَر إِمَامه، وَأخذ بِهِ فِي دينه، اقتبسَ علما غزيرًا، واستفادَ خيرا كثيرا. ونسألُ الله التَّوْفِيق لإصابة القَوْل وَالْعَمَل، والعصمة من الْخَطَأ والزلل.
بنت مُعَاوِيَة تَمْتَنِعُ على زَوجهَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عمر بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبي سُفْيَان قَالَ: زوج مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ابْنَته من عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز، فَلَمَّا ابتنى بِهَا امْتنعت عَلَيْهِ امتناعًا شَدِيدا لَمْ يصل مَعَه مِنْهَا إِلَى شَيْء، فضربها فَبَكَتْ وَسمع الْجَوَارِي بكاءها فَصِحْنَ، وَوَقع ذَلِكَ فِي أذن مُعَاوِيَة، فجَاء مبادرًا وَسمع مقَالَة الْجَوَارِي، فَدخل على عبد الله الْبَيْت فَقَالَ لَهُ: مثل هَذِه تُضرب؟ قبَّح الله رَأْيك وقبح مَا أتيت بِهِ، اخْرُج عَن هَذَا الْبَيْت إِلَى غَيره، فَلَمَّا خرج أقبل على ابْنَته فَقَالَ: يَا بنية لَا تفعلي فإنَّما هُوَ زَوجك الَّذِي أحلَّه الله لَك، أَو مَا سمعتِ يَا بنية قَول الشَّاعِر:
م الخفرات الْبيض أما حرامها ... فصعبٌ وأمّا حلُّها فذلولُ
ثُمَّ نَهض فَخرج وَعَاد زَوجهَا إِلَى الْبَيْت فَلَانَتْ وأذعنت.
معنى بنى وابتنى
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: " فَلَمَّا ابتنى بِهَا " وَقد اسْتعْمل هَذِه اللفظةَ جماعةٌ من المتفقهين وَمن لَهُ معرفَة بِالْعَرَبِيَّةِ، وأنكرها من اللغويين منكرون وَقَالُوا: الكلامُ الصَّحِيح فِي هَذَا بَنَى عَلَيْهَا، وَذَاكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ إِذا تزوج بنى على امْرَأَته بنيًّا من خباء وَغَيره للخلوة بِهَا والإفضاء إِلَيْهَا، وَكثر ذَلِكَ وَعرف حَتَّى قيلَ لكلِّ من دخل بِزَوْجَتِهِ: قد بنى عَلَيْهَا. ومِمَّا حدث فِي زَمَاننَا من كَلَام سفلَة العامةِ أَن يَقُولُوا لِمن غشي امْرَأَة: قد ابتنى بِهَا، وَإِن كَانَ إِتْيَانه إِيَّاهَا زنا وسفاحًا.
стр. 694
دِمَاء الَّذِينَ قتلوا فِي فخ
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أبي الْعَلَاء الإيصاحي الْمَعْرُوف بحرمي قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو سعيد يَعْنِي عبد الله بن شبيب قَالَ، حَدَّثَنِي عَليّ بن طَاهِر قَالَ: التقى الْعَبَّاس بن مُحَمَّد ومُوسَى بن عبد الله فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد: يَا أَبَا حسن مَا رثيت بِهِ أَصْحَابك الَّذِينَ قتلوا بفخ؟ قَالَ: قلت:
بني عمنَا ردُّوا فضول دمائنا ... ينم ليلكم أَولا تَلُمْنَا اللوائمُ
قَالَ: فَقَالَ الْعَبَّاس: دماءٌ واللَّه لَا تردُّ عليكَ أبدا. فَقَالَ مُوسَى بن عبد الله: ذَلِكَ إِذا كَانَ الأمرُ إِلَيْك فصدقت.
قَالَ القَاضِي: ينم ليلكم آمنينَ غير خائفينَ وتستقرُّ بكم مضاجعكم، والعربُ تَقُولُ: ليل نَائِم وسرّ كاتِم، تريدُ ليل منوم فِيهِ وسر مَكْتُوم، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
لقد لمتنا يَا أمَّ غَيْلان فِي السُّرى ... ونِمْتِ وَمَا ليلُ المطيِّ بنائِمِ
وَقَالَ آخر:
إنَّ الَّذِينَ قتلتم أمسِ سيِّدهم ... لَا تَحسبوا ليلَهم عَن ليلكم نَامَا
وَقَالَ آخر:
حارثُ قد فرَّجت عَنِّي غمي ... فنامَ ليلِي وتجلَّى همي
يريدُ أنَّهم لَمْ يَنَامُوا عَن وترهم، وأنَّهم طالبون لَهُ منقطعونَ للسعي فِي إِدْرَاكه. وَهَذَا النَّحْو من مجَاز الْعَرَبيَّة كثير فِي اللُّغَة فصحٌ عِنْد الْعلمَاء بِهَا، مطَّردٌ مستمرٌ فِيهَا.
فرّغ رَأْيك للمهم
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا ابْن أبي سعيد الْبَلْخِي الْوراق قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بن مُحَمَّد السكرِي عَن الْفضل بن مُحَمَّد الْعلوِي العباسي عَن عُبَيْد الله بن الْحَسَن الطَّالِبِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: إِن رَأْيك ر يَتَّسِع لكل شَيْء ففرغه للمهم، وَإِن مَالك لَا يُرْضِي النَّاس كلَّهم فتوخّ بِهِ أهلَ الحقّ، وَإِن كرامتك لَا تطِيق الْعَامَّة فاخصصْ بِهَا أهل الْفضل، وَإِن ليلك ونَهارك لَا يستوعبان حَاجَتك، فَإِن دأبت بِهما فَأحْسن قسمتهما بَين عَمَلك ودعتك. قَالَ الْكَوْكَبِيّ: وَزَادَنِي أَحْمَد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَرَوِيّ: فَإِن شغلت من رَأْيك فِي غير المهم أزرى بك فِي المهم، وَمَا صرفت من مَالك إِلَى أهل الْبَاطِل فقدته عِنْد طلب الْحق، وَمَا عدلت بِهِ من كرامتك إِلَى أهل النَّقْص أضرَّ بك فِي الْعَجز عَن أهل الْفضل، وَمَا شغلت من ليلك ونَهاركَ فِي غير الْحَاجة أزرى بك فِي الْحَاجة.
توالي ذهَاب السُّلْطَان وَأَصْحَابه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن أستاذ الْهَروي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الشَّامي، قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذر مُحَمَّد بن الْمُنْذر قَالَ، أَخْبَرَنِي آدم بن عتيبة قَالَ، أخبرنيه رجلٌ من بني
стр. 695
تَميم عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ: لقد رأيتُ فِي هَذَا الْقصر عجبا: دخلتُ على عُبَيْد الله بن زِيَاد فِي بهوٍ وَهُوَ على سَرِير، والناسُ عِنْده سماطان، على يَمينه ترس عَلَيْهِ رَأس الْحُسَيْن بن عَليّ ﵉، ثُمَّ دخلتُ على الْمُخْتَار فِي ذَلِكَ البهو على ذَلِكَ السرير وَالنَّاس عِنْده سماطان، على يَمينه ترسٌ عَلَيْهِ رَأس عُبَيْد الله، ثُمَّ دخلتُ على مُصعب فِي ذَلِكَ البهو على ذَاك السرير وَالنَّاس عِنْده سماطان، على يَمينه ترس عَلَيْهِ رَأس الْمُخْتَار، ثُمَّ دخلتُ على عبد الْملك فِي ذَلِكَ البهو وعَلى ذَلِكَ السرير وَالنَّاس عِنْده سماطان، على يمنه ترسٌ عَلَيْهِ رَأس مُصعب، ثُمَّ قَامَ عبد الْملك وقمنا فَانْتهى إِلَى منزل فَقَالَ: لِمن هَذَا؟ فقيلَ لَهُ: كَانَ لفُلَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثُمَّ انْتهى إِلَى فَقَالَ: لمن هَذِه؟ قيل لَهُ: كَانَت لفُلَان، حَتَّى فعل ذَلِكَ بدار ثَالِثَة ورابعة، كل ذَلِكَ يُقال: كَانَت لفُلَان، فَضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ:
وكلُّ جديديٍ يَا أميمَ إِلَى بلَى ... وكل امرئٍ يَوْمًا يصيرُ إِلَى كَانَا
فاعمل على مَهَلٍ فإنّك ميتٌ ... وامهد لنَفسك أيُّها الإِنْسَان
فكأنَّ مَا قد كَانَ لَمْ يكُ إِذْ مَضَى ... وكأنَّ مَا هُوَ كائنٌ قد كَانَا
ثُمَّ مضى على وَجهه.
مصير ظالِم
قَالَ القَاضِي: وَحكى لي بعضُ إِخْوَاننَا أَن بعض الظلمَة المترفين جلس يَوْمًا من الأيّام فِي موضعٍ من دَاره وَقد نجِّد لَهُ، وَعِنْده جماعةٌ وظهرَ مِنْهُ ظلمٌ أسرف فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ تَطُلْ أيّامه حَتَّى هلك، فَجَلَسَ مَكَانَهُ رجلٌ من ضَرْبِهِ، وشرعَ فِي مثلِ ظلمه فَقَالَ لَهُ بعضُ من يُرامُ ظلمه مِمّن حضر مجْلِس الَّذِي كَانَ قبله:
فِي مثل ذَا الْيَوْم فِي هَذَا الْمَكَان على ... هَذَا السرير تدلَّى السرُّ فاصطلما
قَالَ: فانكسرَ وأقصر.
اللَّهُمَّ فاجعلنا مِمّن يتأملُ العبر، ويخشى الْغَيْر، ويستعدُّ لليوم الَّذِي وَصفه فِي كِتَابه وَأمر نبيه ﷺ أَن يُنْذِرهم إيّاهُ إِذْ يَقُول: " وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ربَّنا أخَّرنا إِلَى أجلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ، أَو لم تَكُونُوا أقسمتم من قبل مالكم مِنْ زَوَالٍ. وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذين ظلمُوا أنفسهم وبيَّنا لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ " " إِبْرَاهِيم: ٤٤ - ٤٥ ".
جَزَعُ الْحَسَنِ مِنَ الْمَوْتِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد عَلِيٍّ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ الرَّبَعِيُّ قَالَ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ، حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ بْنِ
стр. 696
الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَلابِيُّ قَالَ، حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم الْمَطْبَخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عِيسَى بْنِ مُسْلِمٍ الْحَنَفِيَّ أَخَا سُلَيْمِ بْنِ عِيسَى قَارِئِ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵉ الْوَفَاةُ كَأَنَّهُ جَزِعَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يُعَزِّيهِ: يَا أَخِي مَا هَذَا الْجَزَعُ؟ إِنَّكَ تَرِدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى عليٍّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَهُمَا أَبَوَاكَ، وَعَلَى خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَهُمَا أُمَّاكَ، وَعَلَى الْقَاسِمِ وَالطَّاهِرِ وَهُمَا خَالاكَ، وَعَلَى حَمْزَةَ وجعفرٍ وَهُمَا عَمَّاكَ، فَقَالَ الْحَسَنُ ﵇: أَيْ أَخِي إِنِّي أَدْخُلُ فِي أمرٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَمْ أَدْخُلْ فِي مِثْلِهِ، وَأَرَى خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَبَكَى الْحُسَيْنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ القَاضِي: أشدُّ الناسِ خشيَة لله جلَّ وَعلا أعظمهم طَاعَة لَهُ وأجدُّهم فِي عِبَادَته، وهم مَلَائكَته وأصفياؤه وأنبياؤه، وَقد قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ فِي صفة من ذكر من مَلَائكَته المقربين إنَّهم: " عبادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ " " الْأَنْبِيَاء:٢٦ - ٢٨ " وَقَالَ: " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وجلةٌ أَنَّهُمْ إِلَى ربِّهم رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ " " الْمُؤْمِنُونَ:٦٠ - ٦١ ". اللهمَّ اجْعَلْنَا مِمّن يُخْلِصُ عبادتك، وَيُؤْثِرُ طَاعَتك، ويستشعرُ خوفك ورهبتك، وارزقنا من خشيتك مَا يحجزُ بَيْننَا وَبَين معصيتك، ويُفضي بِنَا إِلَى الْأَمْن من عذابك وأليمِ عقابك، وهبْ لنا من رجاءِ عفوك مَا يُوافقُ مرضاتَكَ، ويُؤدِّي إِلَى تَحقيق مَا نرجوهُ من مغفرتك وسعة رحمتك، وعدِّل رجاءنا وخوفنا، واعصمنا فيهمَا من الْعُلوّ والغلوّ وَالتَّقْصِير والسموّ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسنَا، وأعنَّا على عدوّك وعدوّنا، إنّا إِلَيْك راغبونَ وَبِك معتصمون، يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ.
من نَوَادِر مزبّد
حَدَّثَنَا عبد الله بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ مُزَبّد يُكنى أَبَا إِسْحَاق، وَكَانَت لَهُ نَوَادِر، فَبينا هُوَ ذَات يَوْم جالسٌ إِذْ جَاءَ أَصْحَابه فَقَالُوا: يَا أَبَا إِسْحَاق هَلْ لَك فِي الْخُرُوج بِنَا إِلَى العقيق وَإِلَى قبَاء وَإِلَى أحُد ناحيةَ قبورِ الشُّهَدَاء، فإنّ هَذَا يومٌ كَمَا ترى طيّبٌ. فَقَالَ: اليومَ يومُ الْأَرْبَعَاء ولستُ أَبْرَح من منزلي. فَقَالُوا: مَا تكرهُ من يَوْم الْأَرْبَعَاء وَفِيهِ ولد يُونُس بن مَتى؟ قَالَ: بِأبي وَأمي صلى الله عَلَيْهِ فقد التقمه الْحُوت. فَقَالُوا: يومٌ نُصِرَ فِيهِ النَّبيّ ﷺ ، يَوْم الْأَحْزَاب، قَالَ: أجل، وَلَكِن بعد إِذْ زاغت الْأَبْصَار وبلغتِ الْقُلُوب الْحَنَاجِر.
стр. 697
الْمجْلس الرَّابِع وَالتسعُون
حَدِيثٌ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يُنْقِذُ صَاحِبَهُ
حَدَّثَنَا الْمُعَافَى قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيُّ سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة قَالَ، حَدثنَا إِبْرَاهِيم بت إِسْحَاقَ الْجَرْمِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْجُنَيْدِ قَالا، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجَبًا، إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَجَاءَهُ برُّه بِوَالِدَيْهِ فردَّ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي يسلَّط عَلَيْهِ عَذَابُ الْقَبْرِ فَجَاءَهُ وُضُوءُهُ فَاسْتَنْقَذَهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فخلَّصه مِنْ بَيْنِهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ فَجَاءَتْهُ صَلاتُهُ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلا يَلْهَثُ عَطَشًا كلَّما وَرَدَ حَوْضًا مُنِعَ مِنْهُ فَجَاءَهُ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَسْقَاهُ وأرواه، وَرَأَيْت رجلا والنبيّون حلقٌ كُلَّمَا جَاءَ إِلَى حَلْقَةٍ طُرِدَ فَجَاءَهُ اغْتِسَالُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأخذ بِيَدِهِ فأعده إِلَى جَانِبِي، وَرَأَيْتُ رَجُلا بَيْنَ يَدَيْهِ ظُلْمَةٌ وَخَلْفَهُ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ ظُلَمٌ فَهُوَ مُتَحَيِّرٌ، فَجَاءَهُ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنَ الظُّلْمَةِ فَأَدْخَلاهُ فِي النُّورِ، وَرَأَيْتُ رَجُلا يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ فَلا يُكَلِّمُونَهُ فَجَاءَهُ صِلَةُ الرَّحِمِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ كلِّموه فَإِنَّهُ كَانَ واصلاً لرحمه، فكلَّمه الْمُؤمنِينَ وَقَرَّبُوهُ. وَرَأَيْتُ رَجُلا يَتَّقِي وَهَجَ النَّارِ وشرَّها بِيَدِهِ عَنْ وَجْهِهِ، فَجَاءَتْهُ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ سِتْرًا عَلَى وَجْهِهِ وَظِلا عَلَى رَأْسِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلا أَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَةُ مِنْ كلِّ مَكَانٍ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَاسْتَنْقَذَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَأَدْخَلاهُ مَعَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَصَارَ مَعَهُمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلا جَاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ فَجَاءَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى اللَّهِ . وَرَأَيْتُ رَجُلا هَوَتْ صَحِيفَتُهُ قِبَلَ شِمَالِهِ فَجَاءَهُ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخَذَ صَحِيفَتَهُ فَجَعَلَهَا فِي يَمِينِهِ. وَرَأَيْتُ رَجُلا قَدْ خَفَّ مِيزَانُهُ فَجَاءَتْهُ أَفْرَاطُهُ فثقَّلوا مِيزَانَهُ. وَرَأَيْتُ رَجُلا قَائِمًا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَجَاءَهُ وَجَلُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَنْقَذَهُ مِنَ ذَلِكَ وَمَضَى. وَرَأَيْتُ رَجُلا هَوَى فِي النَّارِ فَجَاءَتْ دُمُوعُهُ الَّتِي بَكَاهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَأَخْرَجَتْهُ مِنَ النَّارِ.
قَالَ القَاضِي: قد روينَا مَا تضمّنه هَذَا الْخَبَر من طرق شَتَّى، مُجملا ومفصلا، وَمَا ورد فِي معناهُ ونَحوه، وَفِيهِ من التَّرْغِيب فِي الْخَيْر وحُسن عاقبته، والتحذير من فعل الشرّ وَسُوء مغبّته، مَا يَدْعُو ذَوي الْأَلْبَاب إِلَى الاستكثار من الطَّاعَة ومجانبة الْمعْصِيَة. فالفاضل الرشيد والفائز السعيد من استكملَ خلال الْخَيْر وَفَارق خصالَ الشَّرّ. ومَن تعلّق بِبَعْض الْأَخْلَاق الحميدة فَلَنْ يعْدم الانتفاعَ بِهِ وإحمادَ عاقبته. والبليَّةُ الْكُبْرَى والمصيبةُ الْعُظْمَى فِي من عَرِيَ
стр. 698
من شُعَبِ الْخَيْر كلِّها وَلم يستصحب شَيْئا مِنْهَا. وليحذر الْمُؤمن أَن يُعْرِضَ عَن حَظه وَيذْهب، وَأَن يكون مِمَّن يجدُّ بِهِ ويلعب. وَللَّه تَعَالَى ذكره يومٌ يَخْسَرُ فِيهِ المبطلون، ويغتبطُ بِهِ الفائزون، وَيَنْعَمُ فِيهِ المتقون. فَجعلنَا الله وإيّاكم من أوليائه الْمُتَّقِينَ وعباده المخلصين من الَّذِينَ لَا خوفٌ عَلَيْهِم " فِي معادهم " وَلَا هُم يَحْزَنُون.
هُوَ ابْن عمي لَا ابْن عمك
حَدَّثَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الْعَلَاء قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو سعيد يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن شَبِيب قَالَ، حَدَّثَنِي ابْن أبي مرّة المكيّ قَالَ، حَدَّثَنِي خَالِد بن سُفْيَان مولى الصيفي قَالَ: شهِدت الرّشيد وَقد رمى جمرةَ الْعقبَة يَوْم النحرِ فِي بعضِ حجَّاته ثُمَّ مالَ إِلَى المنحرِ فَأتى ببدنة فنحرها ثُمَّ أَتَى بِأُخْرَى فنحرها ثُمَّ أنشدَ رَافعا صوتَهُ:
إنّ ابنَ عمّي لابنُ زيدٍ وَإنَّهُ ... لبلاَّل أَيدي حلَّة الشوْكِ بالدَّم
فصاحَ بِهِ أعرابيّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَاك ابْن عمي لَا ابْن عمك، قَالَ: عليَّ بالأعرابي، فَأتي بِهِ وَإِنَّا لنخافه عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَمن أَنْت؟ قَالَ: رجلٌ من بني سلول، قَالَ: فَمن يَقُول هَذَا الشّعْر؟ قَالَ: العجير السَّلولي قَالَ: أحسنتَ، أَعْطوهُ كَذَا كَذَا.
مُعَاوِيَةُ وَاللُّقْمَةُ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ لَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأَنْبَارِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ، حَدَّثَنَا عبد الْعَزِيز بْن مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَى غَدَائِهِ فَأَخَذَ لُقْمَةً فَهَيَّأَهَا، وَأَخَذَ يَتَحَدَّثُ فَوَضَعَهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا يَضَعُهَا وَآخُذُهَا وَأَلْقُمُهَا، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ يَخْطُبُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْفَعُ اللُّقْمَةَ إِلَى فِيهِ يَرَاهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ لَهُ قَدْ كَتَبَهَا لِغَيْرِهِ فَيَأْكُلُهَا الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ.
مصقلة يرجف بِمرض مُعَاوِيَة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ، حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن عبد الْمطلب بن ربيعَة قَالَ: لَمَّا مرض مُعَاوِيَة أرجف بِهِ مَصْقَلَةُ البكريّ ثُمَّ قدمَ عَلَيْهِ وَقد تَماثلَ، فأخذَ مُعَاوِيَة بيدَيْهِ فَقَالَ:
أبقى الحوادثُ من خَلِيلك مثلَ جَنْدَلةِ الْمُرَاجِمْ
قد رامني الأقوامُ قبلك فامتنعتَ من المظالِم
فَقَالَ مصقلة: قد أبقى الله مِنْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هُوَ أعظمُ من ذَلِكَ: حلمًا وكلأ ومرعى لوليك، وسمًّا ناقعًا لعدوّك، كَانَت الْجَاهِلِيَّة وَأَبُوك سيد الْمُشْركين، وَأصْبح الناسُ مُسلمين وَأَنت أميرُ الْمُؤمنِينَ.
يَوْم بؤس وَيَوْم نعيم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، أَخْبَرَنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ، قَالَ عمّي: سمعتُ
стр. 699
يُونُس يَقُول: كَانَ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء جد النُّعْمَان بن الْمُنْذر ينادمه رجلَانِ من الْعَرَب خالِدُ بن الْمفضل وَعَمْرو بن مَسْعُود الأسديان، وهما اللَّذَان عَنى الشَّاعِر بقوله:
أَلا بكر الناعي بِخَيْرَيْ بني أَسد ... بِعَمْرو بن مسعودٍ وبالسيد الصمدْ
فَشرب لَيْلَة مَعَهُمَا فراجعاه الْكَلَام فأغضباهُ فَأمر بِهما فجُعلا فِي تابوتين ودفنا بِظَاهِر الْكُوفَة، فلمّا أصبح سألَ عَنْهُمَا فَأخْبر بذلك، فندم وركبَ حَتَّى وقف عَلَيْهِمَا وَأمر بِبِنَاء الغريين، وَجعل لنَفسِهِ يَوْمَيْنِ، يَوْم بؤس وَيَوْم نعيم فِي كلِّ عَام، فَكَانَ يضعُ سَرِيره بَينهمَا فَإِذا كَانَ فِي يَوْم نعيمه فأوّل من يطلُعُ عَلَيْهِ وَهُوَ على سَرِيره يُعطيه مائَة من الْإِبِل، إبل الْمُلُوك، وَأول من يطلع عَلَيْهِ يَوْم بؤسه يُعْطِيهِ رأسَ ظَرِبَان.
قَالَ القَاضِي: الظربان دابٌ مُنْتِنَة الرّيح.
وَيَأْمُر بِهِ فَيُذْبَحُ ويغرَّى بدمه الغريان. فَلم يزل بذلك مَا شَاءَ الله. فَبينا هُوَ ذَات يومٍ من أَيَّام بُؤسه إِذْ طلعَ عُبَيْد بن الأبرص، فَقَالَ الْملك: أَو أجلٌ بَلَغَ إناه. قَالَ: أَنْشدني يَا عُبَيْد، فقد كَانَ يُعجبني شعرك، فَقَالَ: حالَ الجريض دون القريض، وَبلغ الحزامُ الطبيين، فَقَالَ أَنْشدني:
أقفر من أهلِهِ مَلْحُوبُ ... فالْقُطَّبياتُ فالذَّنوب
فَقَالَ:
أقفر لَهُ أهلهِ عبيدُ ... فاليومَ يُبْدِي وَلَا يُعيد
عنّت لَهُ شقوةٌ نكود ... وحان مِنْهُ لَهَا ورودُ
فَقَالَ: أَنْشدني هَبَلتكَ أمكَ، قَالَ: المنايا على الحوايا، فاقل بعض الْقَوْم: أنْشد الْملك هبلتك أمك، قَالَ: لَا يرحل رحلك مَن لَيْسَ مَعَك، قَالَ لَهُ آخر: مَا أَشد جزعك من الْمَوْت، فَقَالَ:
لَا غرو من عيشةٍ نافده ... وَهل غير مَا ميتةٍ واحدَه
فأبلغ بنيَّ وأعمامهم ... بأنّ المنايا هِيَ الراصدَه
لَهَا مدّةٌ فنفوسُ العبادِ ... إِلَيْها وَإِن كرهت قاصدَه
فَلَا تَجزعوا لِحمام دنا ... فللموت مَا تَلِدُ
стр. 700
الوالده
فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر: لابدّ من الْمَوْت، وَلَو عرض لي أبي فِي يومي هَذَا لَمْ أجد بدًّا من ذبحه، فأمّا إِذْ كنت لَهَا وَكَانَت لَك فاختر من ثَلَاث خصالٍ: إِن شِئْت من الأكحل، وَإِن شِئْت من الأبجل، وَإِن شِئْت من الوريد. فَقَالَ: ثَلَاث خِصَال مقادها شَرّ مقاد، وحاديها شرُّ مَا حاد، وَلَا خير فِيهَا لمرتادِ، فَإِن كنت لَا بدَّ قاتلي فاسقني الْخمر حَتَّى إِذا ذهلتْ لَهَا ذواهلي، وَمَاتَتْ لَهَا مفاصلي، فشأنكَ وَمَا تُرِيدُ. فَأمر لَهُ الْمُنْذر بحاجته من الْخمر، فلمّا
стр. 701
أخذت مِنْهُ وَقرب ليذبح أنشأ يَقُول:
وخيَّرني ذُو البؤسِ فِي يومِ بُؤْسِهِ ... خِصَالا أرى فِي كلّها الموتَ قد بَرقْ
كَمَا خيِّرت عادٌ من الدّهرِ مرَّةً ... سحائبَ مَا فِيهَا لذِي خيرةٍ أَنَقْ
سحائبُ ريحٍ لَمْ توكَّل ببلدةٍ ... فتتركها إِلَّا كَمَا لَيْلَة الطلقْ
فَأمر بِهِ ففُصد فلمّا مَاتَ طلي بدمه الغريّان.
تعليقات وشروح لغوية ونَحوية
قَالَ القَاضِي: قَول الشَّاعِر بخيري بني أَسد، وَالطَّرِيق اللاحب فِي هَذَا الْبَاب أَن يُقَال زيد خير من بني فلَان، والزيدان والزيدون خير بني فلَان، ولكنّه ثنَّى فِي هَذَا الشّعْر مُبَالغَة فِي وصف كلِّ مِنْهُمَا واحدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ منسوبٌ إِلَيْهِ الْفضل، أَو لِأَن كلَّ واحدٍ مِنْهُمَا يفضل فِي معنى يختصّ بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
هما سيّدانا يزعمان وإنَّما ... يسوداننا أَنْ سيِّرت غَنَمَاهُمَا
فَثنى لاختلافِ النَّوْعَيْنِ وافتراق الإضافتين. وَفِي التَّنْزِيل: " أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا " " الْمُؤْمِنُونَ:٤٧ ". وَقَول الْمُنْذر لِعبيد أَلا كَانَ الذَّبِيح غيرَكَ أَرَادَ الشَّيْء الْمَذْبُوح قَالَ الله تَعَالَى " وَفَدَيْنَاهُ بذبحٍ عَظِيمٍ " " الصافات: ١٠٧ " والذَّبح بِفَتْح الذَّال الْمصدر. يُقال: ذبحت الكبشَ ذَبْحًا، وَمثله الطِّحن.
والطَّحن. فالطَّحن الشَّيْء المطحون والطَّحن مصدر وَكَذَلِكَ الْقِسم والقَسْم فالْقِسْم بِالْكَسْرِ النَّصِيب وَالشَّيْء الْمَقْسُوم، والقَسْمُ بِالْفَتْح مصدر قَسَمْتُ. وَهَذَا بَاب تَتّسع فروعه ويَطرد قِيَاسه. وَقَول عُبَيْد: " أتتك بحائن رِجْلَاهُ " يُقال فلَان حائن إِذا حَان هَلَاكه، هَذَا مثلٌ سَائِر. وَقَول الْمُنْذر: " أَو أجلٌ بلغَ إناه " معناهُ غَايَته ونِهَايته، من قولِهم قد آن كَذَا وَكَذَا، أَي بلغَ غَايَته، قَالَ الله تَعَالَى: " يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حميمٍ آنٍ " " الرَّحْمَن:٤٤ " أَي قد انْتهى حرّه، وَمن ذَلِكَ قَول الشَّاعِر:
وتَخضب لحية غَدَرَتْ وخانَت ... بأحمرَ من نجيع الجوفِ آنِ
وَقَالَ الله تَعَالَى: " إِلَى طعامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ " " الْأَحْزَاب:٥٣ " وَفِيهِ لُغَتَانِ الْكسر وَالْقصر، وَالْفَتْح وَالْمدّ، وَقد قَرَأَ بعضُ الْقُرَّاء غيرَ ناظرين إناءَه " وَمن هَذِهِ اللُّغَة قَول الشَّاعِر:
وآنيت الْعشَاء إِلَى سهيلٍأو الشعرى فطالَ بيَ الإِنَاءُ ويروى " وأكريت.. فطال " من الْكرَى وَالْمعْنَى وَاحِد. وَقد قَرَأَ بعضُ الْقُرَّاء: " سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قطرٍ آن " يَعْنِي النّحاس الَّذِي قد انْتهى حرّه، وروى هَذَا بعضُ الروَاة عَن عَاصِم بن أبي النَّجود. فأمّا الْقِرَاءَة المستفيضة فِي الْأمة والسائرة بَين الْأَئِمَّة فَهِيَ: " من قطران ". وَمَا الجريض فَإِنَّهُ مُعالجة النَّفس لِلْخُرُوجِ، وأمّا قَول عُبَيْد: " فللموت مَا تلدُ الوالدة " فقد رُويت الأبياتُ الَّتِي هَذَا مِنْهَا على غير هَذِه الْأَلْفَاظ وَفِي غير هَذِه الْقِصَّة، وأنشدناها لغير عُبَيْد وَهِي:
لَا يُبْعِدِ الله ربُّ الْعباد ... وَالْملح مَا وَلَدَتْ خالَدَهْ
هم المطعمونَ سديفَ السَّنام ... والشحمَ فِي الليلةِ الباردهْ
فَأن يكن الموتُ أفناهُمُ ... فللموتِ مَا تلدُ الوالده
معنى قَوْله: " فللموت مَا تَلد الوالده " إِن مآل الْمَوْلُود إِلَى الْمَوْت، وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر:
وللمنايا تربى كلُّ مرضعةٍ ... وللخرابِ يجدُّ الناسُ عمرانا
وَقَالَ آخر:
لدوا للموتِ وَابْنُوا للخرابِ ... فكلكمُ يصيرُ إِلَى ذهابِ
وَمن هَذَا النَّحْو قَول الله تَعَالَى: " فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عدوَّاً وَحَزَنًا " الْقَصَص:٨ " فهم وَإِن لَمْ يكن مآل أَمرهم مَعَه فِيمَا قصدوه وَلَا أرادوه بِمنزلة من ابْتِدَاء شَيْئا التماسًا لعاقبته فجَاء على تَقْدِيره وإرادته. ولِهذا الْمَعْنى نَظَائِر فِي الْعَرَبيَّة يُتْعِبُ إحصاؤها. والبصريون من النَّحْوِيين يسمون هَذِه اللَّام، وَإِن كَانَت على صُورَة لَام كي، لامَ الْعَاقِبَة ولامَ الصيرورة، لأنَّ عَاقِبَة الشَّيْء الْمَذْكُورَة انْتَهَت إِلَى مَا أخبر بِهِ وَصَارَت إِلَيْهِ، وَإِن لَمْ يكن مِمّا آثره الْفَاعِل وَلَا أَرَادَهُ، ويسمونها أَيْضا لَام الصيور. وأمّا الفراءُ فِي أَصْحَابه الْكُوفِيّين فيذهبونَ إِلَى أنَّها لامُ كي لمّا كَانَ المآلُ لَا محَالة انْتهى إِلَى مَا انْتهى إِلَيْهِ صَار بِمنزلة مَا ابتدى يُراد بِهِ مَا صَار إِلَيْهِ؛ ونظيرها أَن يسْقِي الرجل الرجل دَوَاء ليشفيه من دائه فيتلف، فَيُقَال سقَاهُ دَوَاء فَقتله، وسقاه ليَقْتُلهُ، أَي كَانَ بِمنزلة من قصد إِتْلَافه وَإِن كَارِهًا لِهذا غيرَ مختارٍ لَهُ. وَنَظِير هَذَا قَوْلهم أردْت نَفعه فضررته، لَا يريدونَ بِهذا أَنَّهُ قصد الْإِضْرَار بِهِ، وإنَّما أَرَادَ أَنَّهُ استضرَّ بِما أريدَ نَفعه بِهِ. وَمعنى قَول الْبَصرِيين والكوفيين فِي هَذَا مُتَقَارب إِذا تحقِّق معناهُ مصيبٌ فِي قَوْله. وَهَذَا بَاب مستقصى ملخَّصٌ مُسْتَوفى فِيمَا ألَّفناه من عُلُوم الْقُرْآن. وَلَيْلَة الطَلَقِ وَلَيْلَة القَرَبِ من اللَّيَالِي الَّتِي يُسْرَى فِيهَا إِلَى المَاء، وَلَيْسَ هَذَا موضعَ ترتيبها.
وهب يقْرَأ نقش حجر
حدَّثنا عبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن إِدْرِيس قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا التَّيْمِيّ قَالَ: بَيْنَمَا سُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي الْمَسْجِد الْحَرَام إِ أُتِيَ بحجرٍ منقورٍ فَطلب من يقرأه، فأُتي بوهب بن مُنَبّه فقرأه فَإِذا فِيهِ: ابْن آدم، إنَّك لَو أَبْصرت قَلِيل مَا بَقِي من أَجلك لزهدت فِي طول أملك، ولرغبتَ فِي
стр. 702
الزِّيَادَة من عَمَلك، ولقصّرت عَن حرصك وحيلك، وإنّما يلقاك غَدا ندمك، لَو قد زلَّت بك قدمك، وأسلمكَ أهلك وحشمك، فبانَ مِنْك الولدُ الْقَرِيب، ورفضك الوالِدُ والنسيب، ف أَنْت إِلَى دُنياكَ عَائِد، وَلَا فِي حَسَنَاتك زَائِد، فاعمل ليَوْم الْقِيَامَة، قبل الْحَسْرَة والندامة. قَالَ: فَبكى سُلَيْمَان.
وَالِد ذاهل يرثي ابْنه الوحيد
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس العسكري قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي سعد قَالَ، حَدَّثَنِي حمْنَة بن الْقَاسِم بن حَمْزَة الْعلوِي قَالَ، حَدَّثَنِي إِسْحَاق بن يَعْقُوب الْبَصْرِيّ قَالَ: كَانَ لبني الْعَبَّاس مولى يُقالُ لَهُ الْوَزير بن عبد ربّه، وَكَانَ قد عُمّر حَتَّى فقد مَاله وَولده فَلم يبْق لَهُ إِلَّا ابنٌ وَاحِد يُقالُ لَهُ إِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم الَّذِي يغذوه ويرفق بِهِ، والشيخُ شبيهٌ بالواله، فَرمي فِي جَنَازَة ابْنه إِبْرَاهِيم، فَأخذ الْجِيرَان فِي مصْلحَته، وَإنَّهُ لجالسٌ فِي نَاحيَة بِمنزله لَا يحيرُ شَيْئا، أكبر ظنهم أَنَّهُ لَا يفهمُ مَا نزل بِهِ من فقد ابْنه إِبْرَاهِيم، حَتَّى إِذا أصلحوا شَأْنه، وحملوا سَرِيره، خرج يدرجُ قدَّام الْجِنَازَة، فلمّا انْتَهوا بِهِ إِلَى شَفير قَبره ضرب يَده إِلَى أَكْفَانه ثُمَّ أنشأ يَقُول:
إِنِّي لأصبرُ مَن يمشي على قدمٍ ... غداةَ أَبْقى وإبراهيمُ فِي الرَّجُمِ
يَا مَنْ لعينٍ أبانَ الله قُرَّتها ... وَمن لسمعٍ رماهُ الله بالصممِ
قَالُوا أطلتَ الأسى فاربعْ عَلَيْك وَهل ... بكيتُ حِبِّيَ مَا لَمْ أبكِهِ بدمِ
بُدِّلْتُ من فرحي الْمَاضِي بِهِ تَرَحًا ... وَعَاد عهدُ أبي إِسْحَاق كَالْحلمِ
فَالله موضعُ مَا أَشْكُو وغايتُهُ ... وبالإلهِ من الشَّيْطَان مُعْتَصَمي
قد ذاقه من بِهِ سمَّيت فانهملت ... عينُ النَّبِيّ عَلَيْهِ سحَّة السجمِ
فَقَالَ مَا أَنا فِيك اليومَ قائلُهُ ... وبالإله سدادُ الفعلِ والكلم
مَا برَّ من قَالَ يبري الوجدُ صَاحبه ... وَقد بقيتُ ووجدي لَيْسَ بالأمم
تعصب الْمَأْمُون للأوائل من الشُّعَرَاء
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي قَالَ، حَدَّثَنِي عبد الله بن الْحُسَيْن قَالَ، حَدَّثَنِي النجدي عَن إِبْرَاهِيم بن الْحَسَن بن سهل، قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون يتعصّب للأوائل من الشُّعَرَاء وَيَقُول: انْقَضى الشّعْر مَعَ انْقِضَاء ملك بني أميَّة. وَكَانَ عمي الْفضل يَقُول لَهُ: الْأَوَائِل حجةٌ وأصول، وَهَؤُلَاء أحسن تَفْرِيعا، إِلَى أَن أنْشدهُ يَوْمًا عبد الله بن أَيُّوب التَّيْمِيّ شعرًا مَدَحَهُ فِيهِ فلمّا بلغ قَوْله:
ترى ظاهرَ الْمَأْمُون أحسنَ ظاهرٍ ... وأحسنُ مِنْهُ مَا أسرَّ وأضمرا
стр. 703
يُناجي لَهُ نفسا ترِيعُ بهمةٍ ... إِلَى كل معروفٍ وَقَلْبًا مطهّرا
ويخشعُ إكبارًا لَهُ كلُّ ناظرٍ ... ويأبى لِخوفِ الله أَن يتكبّرا
طَوِيل نجاد السَّيْف مضطمر الحبشا ... طواهُ طرادُ الْخَيل حَتَّى تحسَّرا
رفلٌ إِذا مَا السّلم رفَّل ذيله ... وإنْ شمَّرت يَوْمًا لَهُ الحربُ شَمّرا
فَقَالَ للفضل: مَا بعد هَذَا مدح، وَمَا أَشْبَهَ فروعَ الإحسانِ بأصوله.
الْمجْلس الخامِس والتسعُون
مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْن مُحَمَّد بْن اللَّيْثُ أَبُو نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ صَعْصَعَةُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّقِّيُّ الأَنْصَارِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَنْبَسَةَ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارِ عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ بَكَتِ الأَرْضُ مِنْ بَعْدِي فَنَبَتَ اللَّصف مِنْ مَائِهَا، فَلَمَّا أَنْ رَجَعْتُ قُطِرَ مِنْ عَرَقِي عَلَى الأَرْضِ فَنَبَتَ وردٌ أَحْمَرُ، أَلا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشُمَّ رَائِحَتِي فليشمَّ الْوَرْدَ الأَحْمَرَ ".
قَالَ الْقَاضِي: اللَّصَفُ: الْكَبَرُ وَمَا أَتَى بِهِ فِي هَذَا الْخَبَرِ هُوَ الْيَسِيرُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ، ودلَّ عَلَى فَضْلِهِ وَرَفِيعِ مَنْزِلَتِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ ﵊ أهلٌ لكلِّ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَسْدَى لَهُ مِنْ شَرِيفِ الْكَرَامَةِ إِلَيْهِ، وَمَا لَهُ عِنْدَهُ فِي مَعَادِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يعبِّر عَنْهُ الْخَلْقُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَأَجْسَمُ مَنْ أَنْ يَخْطُرَ بِقُلُوبِهِمْ، فَهَنِيئًا لَهُ مَا أَوْلاهُ اللَّهُ مِنْ إِنْعَامَهِ وَشَرِيفِ إِكْرَامِهِ، وَجَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ يَلْقَاهُ فِي مَعَادِهِ، مُؤَدِّيًا مَا أَلْزَمَهُ مِنْ حقِّ شَرِيعَته، وأنالنا النُّورُ وَالْكَرَامَةُ وَالسَّعَادَةُ بِشَفَاعَتِهِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ الأَكْرَمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وَقَدْ رُوِّينَا مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي رسمناه هَاهُنَا مِنْ طُرُقٍ حَضَرَنَا مِنْهَا هَذَا فَأَتَيْنَا بِهِ.
الغلامُ الرَّاعِي والجنيون الثَّلَاثَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بن دُرَيْد قَالَ، حَدَّثَنَا عمي قَالَ، حَدَّثَنِي أبي عَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: خرج غلامٌ من مَذْحجِ، أحسبُه قَالَ: من صُدَا يرْعَى غنيماتٍ لَهُ، فَأَدْرَكته السَّمَاء فأوى إِلَى كهفٍ فأكنَّ غنمه واقتدح نَارا واحتلبَ لَبَنًا فوغره، فَإِذا ثلاثةُ نفر قد ولجوا عَلَيْهِ الغارَ فحيَّوه فردَّ تحيّتهم وَقَالَ: هلمّوا، وقرَّب إِلَيْهِم غُمَرَه بِما فِيهِ، فَأَخذه أحدهم فشمَّه ثمَّ ردّه ثُمَّ أنشا يَقُول:
يَا راعي الضأنِ اغتنثْ من مضحكا ... روى لَك الله قفيلَ نحضكا
يُقَال: اغتنث من الْإِنَاء شربةً أَو شربتين إِذا جرعت. يُقال: جرعَ ولعق يلعق،
стр. 704
والقفيل: الْيَابِس، والنحضُ: اللَّحْم.
وَلَا عدمت غبيةً بأرضكما ... تعيدُ غَمْرًا مَا انزوى من برضكا
الغبيةُ: الدفعةُ من الْمَطَر، الْغمر: المَاء الْكثير، الانزواء: التقبض، والبَرْضُ: المَاء الْقَلِيل؛ قَالَ: وَمن الانزواء قَول الْأَعْشَى:
يزيدُ يغضُّ الطرفَ دوني كأنَّما ... زَوَى بَين عَيْنَيْهِ عليَّ المحاجِمُ
فَلَا ينبسطْ من بينِ عينيكَ مَا انزوى ... وَلَا تَلْقَني إِلا وأنفُكَ راغم
وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " زُويتْ لي الأَرْض فرأيتُ مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغُ ملك أمّتي مَا زوي لي مِنْهَا ".
وَقَالَ الثَّانِي:
يَا راعي البُهْمِ سُقيتَ ريًّا ... وَلَا تزالُ تطَأ السُّميّا
والسمي: جمع السَّمَاء، وَالْمعْنَى الْمَطَر؛ حُكي عَن الْعَرَب: مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم.
وسميَّها والتابعَ الوليّا ... لَا تعدمُ الدّهر حيًّا مرعيًّا
قَالَ القَاضِي: الوسميُّ: أول مطر الرّبيع، وَقيل: إنّما سمّي وسمياً لِأَنَّهُ يسم الأَرْض، والوليُّ المطرةُ الَّتِي تلِي الوسمي، والحيا: الْغَيْث، مَقْصُور، قَالَ ذُو الرمة:
خليليّ لَا تستيئسا واسألا الَّذِي ... لَهُ كلّ أمرٍ أَن يصوبَ ربيعُ
حيًّا لبلادٍ شيَّب المحلُ أَهلهَا ... وجبرًا لعظم فِي شظاه صدوعُ
يرْوى الْبَيْت الأول على وَجْهَيْن لَا تستيئسا من الْيَأْس وَلَا تستبئسا من التباؤس والتمسكن.
وَقَالَ الثَّالِث:
يَا ساقيَ البهم سقاكَ السَّاقي ... بكلِّ أحوَى مثجمٍ غيداقِ
حتَّى ترى ظواهر الْبراق ... ضاحكةَ الروضِ إِلَى الْإِشْرَاق
قَالَ القَاضِي: الأحوى: الْأَحْمَر الَّذِي يضْرب حمرته إِلَى السوَاد، والمثجم: الْمُقِيم، يُقَال: أثجم فَهُوَ مثجم إِذا أَقَامَ، وغيداق: كَثِير وَاسع من قَوْل الله تَعَالَى: " لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا " " الْجِنّ:١٦ " وغيداق فيعال مِنْهُ وَالْيَاء زَائِدَة، والبراق: جمع برقةٍ. فَقَالَ الْغُلَام:
حيّيتُم من فتيةٍ أزوالِ ... شمِّ الأنوفِ سادةٍ أقوالِ
أقوالٌ يصفهم بالسؤدد والرئاسة، ويُقالُ وأقيال وأقوال لموك الْيمن، وَقيل إِن القيلَ هُوَ من دون الْملك الْأَعْظَم، وقيلَ إِن أَصله من القَوْل فَمن هَاهُنَا قيل أَقْوَال، كَأَن أَصله قيِّل أَي فَيْعل، والأصلُ قَيْوِل، فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمَ الحرفُ الأول فِي الثَّانِي فَصَارَ يَاء مُشَدّدَة. وخففوا فَقَالُوا: قَيل، وَمثله ميت وميّت وَأَصله مَيْوِت. وَكَانَ الفرّاء يَأْبَى أَن
стр. 705
يكون فِي المعتل فيعل كَمَا لَمْ يَأْتِ فِي الصَّحِيح، وَيَزْعُم أَن أصل هَذَا فعّيل، وَلما يحتجُّ بِهِ ويحتج بِهِ مخالفوه مَكَان هُوَ أولى بِهِ، وَأَكْثَرهم يَقُول: قيلٌ وأقيال كَمَا قَالَ عبد الْمَسِيح بن حنان بن بُقَيْلَة:
رسولُ قَيْلِ الْعُجْمِ يسري بالوثن
وَيجمع القيل أَيْضا قيولا، وَيَقُولُونَ للْمَرْأَة قَيلة، وَبِه سُمّيت قيلة.
إِن الْقِرَى يعتدُّ للنُّزّال ... فدونكم مدمومة الأوصال
فأَحْنِذُوا من هَذِه الأجذال
قَالَ القَاضِي: أحنذوا معناهُ اشتووا، من قَوْل الله تَعَالَى: " بِعِجْلٍ حَنِيذٍ " " هود:٦٩ " أَي محنوذ، ومعناهُ مشويٌ، وَقيل: هُوَ الَّذِي يُشوى على الأَرْض أَو فِيهَا وَلَا يُبَالغ فِي إنضاجه وإنّه من شيءّ الْأَعْرَاب، وَقيل: هُوَ الَّذِي يُشوى على الأَرْض أَو فِيهَا وَلَا يُبَالغ فِي إنضاجه وإنّه من شيءّ الْأَعْرَاب، وَقيل: إِنَّه الرطبُ الَّذِي فِيهِ نداوةٌ، وَمِنْه حنذب الفرسَ إِذا أجريَتهُ ليعرقَ؛ والأجذالُ: جمع جِذْل، ويُقال جذال، وَهُوَ الْعود من الْخشب كَمَا قَالَ ذُو الرمة الشَّاعِر:
مَا كنتُ فِي الحربِ العوانِ مغمَّراً ... إِذْ شبَّ حرَّ وقودها أجذالُهَا
وَقَالَ ذُو الرمَّة:
يظلّ بِهَا الحرباء للشمس ماثلا ... على الْجِذْلِ إِلا أَنَّهُ لَا يكبِّر
وَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر يَوْم السَّقِيفَة: أَنا جُذَيْلُها المحكّكَ، هَذَا معناهُ،
تَتِمَّة الْخَبَر
ثمَّ قَالَ شاةٍ ليذبحها فَقَالُوا لَهُ: لَا تفعل فإنَّا لَا نأكلُ مِنْهَا، وَقَالَ لَهُ أحدهم:
بوركت من حزوَّرٍ بذَّال ... رَحْبِ الفناء عُرضة النزَّال
إنّ لنا فِي الأبَّد الأهمال
قَالَ القَاضِي: الأُبُد جمع آبدٍ وآبدة، يجمع أَيْضا أوابد، وَهُوَ الوحشي، يُقال: تأبّد العير إِذا توحّش، وَهُوَ نقيضُ تأنّس. وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي بعير ندَّ من الْغَنِيمَة يَوْم خَيْبَر فرماهُ رجلٌ من أَصْحَابه بسهمٍ فأثبتَهُ: " إِن لِهذه الْإِبِل أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا "، وَقَالَ الْأَعْشَى:
شبّهته هِقْلا يباري هقلةً ... رَبْداءَ فِي خيطٍ تطاردُ أبَّدا
وَقد يُقال للربع والمنزل إِذا خلا من أَهله وأوحشَ وأقفرَ قد تأبد، قَالَ الْأَعْشَى:
تأبّد الربْعُ من سلمى بأحصارِ ... وأقفرتْ من سليمى دمنةُ الدَّار
وَيُقَال: قد أَتَى فلَان بآبدة إِذا جَاءَ بِكَلِمَة فظيعة أَو فعلة موحشة بديعة، وَإنَّهُ ليَأْتِي بالأوابد. والأهمال مَا أُهْمِلَ وَلم يكن لَهُ راعٍ.
следующие страницы →