Полный текст (740 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ بِالَّذِي صَنَعَ الْمَارِدُ، فَقَالَ: تَدْرُونَ مَا أَرَادَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّمَا تَصِيرُ إِلَى مِثْلِ هَذَا مِنَ الأَرْضِ.
عَهْدُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ
حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ، حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْن أبي سَعْد قَالَ، حدَّثنا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن أبي بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا بَكْرِ بْنَ سَالِمٍ قَالَ: لمَّا حَضَرَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ الْمَوْتُ أَوْصَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا عَهْدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَأَوَّلُ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ دَاخِلا فِيهَا، حَيْثُ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ وَيَتَّقِي الْفَاجِرُ وَيُصَدِّقُ الْكَاذِبُ، أَنِّي اسْتَخْلَفْتُ مِنْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَإِنْ قَصَدَ وَعَدَلَ فَذَلِكَ ظَنِّي بِهِ، وَإِنْ جَارَ وبدَّل فَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَدَعَاهُ فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَبْغَضَكَ مبغضٌ وأحبَّك محبّ، وقدماً يُبْغَضُ الْخَيْرُ ويحبُّ الشَّرُّ، قَالَ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهَا، قَالَ: وَلَكِنْ لَهَا بِكَ حَاجَةٌ، قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُهُ وَرَأَيْتُ أَثَرَتَهُ أَنْفُسَنَا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنُهْدِي لأَهْلِهِ فَضْلَ مَا يَأْتِينَا مِنْهُ، وَرَأَيْتَنِي وَصَحِبْتَنِي فَإِنَّمَا اتَّبَعْتُ أَثَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَاللَّهِ مَا نِمْتُ فَحَلَمْتُ، وَلا شَبَّهْتُ فتوهَّمت، وَإِنِّي لَعَلَى طَرِيقِي مَا زُغْتُ. تعلَّم يَا عُمَرُ أنّ الله تَعَالَى حَقًّا فِي اللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ فِي اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ، وَحَقَّ لِمِيزَانٍ أَنْ يَثْقُلَ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلا الْحَقُّ، وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خفَّت مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ، وَحَقَّ لِمِيزَانٍ أَنْ يَخِفَّ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلا الْبَاطِلُ. إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أُحَذِّرُكَ نَفْسُكَ وَأُحَذِّرُكَ النَّاسَ فَإِنَّهُمْ قَدْ طَمَحَتْ أَبْصَارُهُمْ وَانْتَفَجَتْ أَجْوَافُهُمْ، وَإِنَّ لَهُمْ لَحِيزَةً عَنْ زلَّة تَكُونُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَهُ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا خَائِفِينَ لَكَ فَرِقِينَ مِنْكَ مَا خِفْتَ مِنَ اللَّهِ وَفَرِقْتَهُ، وَهَذِهِ وَصِيَّتِي، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلام.
قَالَ الْقَاضِي: لَقَدْ أَحْسَنَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةَ وَمَحَضَ النَّصِيحَةَ، وَبَالَغَ فِي الاجْتِهَادِ لِلأُمَّةِ، وَأَنْذَرَ بِمَا هُوَ كائنٌ بَعْدَهُ، فَوُجِدَ عَلَى مَا قَالَ، وَحَذَّرَ مِمَّا يُوتِغُ الدِّينَ وَيَقْدَحُ فِي سِيَاسَةِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَوْجَزِ قَوْلٍ وَأَفْصَحِهِ، وَأَحْسَنِ بَيَانٍ وأوضحه، وَأوصى لعمر، وَكَانَ وَللَّه كَافِيًا أَمِينًا شَحِيحًا عَلَى دِينِهِ ضَنِينًا، فصدَّق ظنَّه بِهِ وحقَّق تَأْمِيلَهُ وَتَقْدِيرَهُ فِيهِ، فَانْقَادَتِ الأُمُورُ إِلَيْهِ، وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ الأُمَّةُ عَلَى يَدَيْهِ، وعدَّلت الشِدَّةُ وَاللِّينُ فِي رَعَايَاهُ، وَعَدَلَ فِي أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ، وَاللَّهُ يَشْكُرُ لَهُ حُسْنَ سِيرَتِهِ، ويَجْزِلُ ثَوَابَهُ عَلَى الْعَدْلِ فِي بَرِيَّتِهِ، إِنَّهُ وليُّ الْمُؤْمِنِينَ وَمُفِيضُ إِحْسَانِهِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
كَيفَ يصف أَبُو بكر نَفسه بالصدّيق
فَإِن قَالَ لنا قَائِل: مَا وَجْهُ وَصْف أبي بكر نَفسه فِي هَذَا الْخَبَر بِأَنَّهُ الصّديق، وَكَيف
стр. 632
استجازَ إِطْلَاق هَذَا النَّعْت على نَفسه، وَفِيهِ تزكيةٌ وتعظيم لَا يصف الألباء بِهَا أنفسهم، وَإِن كَانَت ثَابِتَة فيهم وَكَانَ النَّاس يضيفونها إِلَيْهِم ويثنون بِهَا عَلَيْهِم، قيل لَهُ: فِي هَذَا وَجْهَان، أَحدهمَا أَن يكون الكاتبُ أثْبته من قِبَلِ نَفسه وَلم يكن من أبي بكر رضوَان الله عَلَيْهِ ذكرٌ لَهُ، كَمَا يملُّ المملُّ شَيْئا على غَيره فيُجري فِيهِ ذكره فيصله الْكَاتِب بتقريظه وَالدُّعَاء لَهُ، وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون أَبُو بكر استجازَ هَذَا لِأَنَّهُ قد اشْتهر بِهِ واستفاض إلحاقُهُ بتسميته، أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر يعنيه:
سمِّيت صدّيقًا وكلّ مهَاجر ... سواك يسمَّى باسمه غير منكرِ
وَقَوله فِي الْخَبَر: " مَا نمت فحلمت " فَإِنَّهُ يُقال: حلم فِي نَومه، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
حلمتُ بكم فِي نومتي فغضبتُم ... وَلَا ذنبَ لي أَنْ كنتُ فِي النّوم أحلُم
وحلم عَن خَصمه كَمَا قَالَ الآخر:
حلمتُ عَن السَّفِيه فظنَّ أنّي ... عييتُ عَن الجوابِ وَمَا عييتُ
وحَلُمَ الأديمُ إِذا فسد، كَمَا قَالَ الآخر:
فإنَّك والكتابَ إِلَى عليٍّ ... كدابغةٍ وَقَدْ حَلُمَ الأَدِيمُ
دُخُول عبد الْملك بن صالِح على جَعْفَر بن يَحْيَى
فِي مجْلِس منادمة
حدَّثنا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: كَانَ جَعْفَر بن يَحْيَى يَقُول لإخوانه: لَا يَشْغَلني عَنْكُم إِلَّا مَا يشغلني عَن نَفسِي، فَإِذا تخلَّيت من الْخدمَة فإليكم رَاجع، فإنَّ السُّلْطَان لَا يبْقى لي، وَأَنْتُم تَبْقَون لي مَا بقيت لكم. تَعَالَوْا نتفرَّج يَوْمنَا هَذَا، فنتضمّخ بالخَلُوقِ، ونلبس ثِيَاب الْحَرِير، ونفعل ونفعل. فَأَجَابَهُ إخوانه وصنعوا مَا صنع، وتقدَّم إِلَى حَاجِبه فِي حفظ الْبَاب إِلَّا من عبد الْملك بن بجران كَاتبه، فَوَقع فِي أُذُنِ الْحَاجِب عبد الْملك.
وَبلغ عبد الْملك بن صالِح مُقامُ جَعْفَر فِي منزله، فركبَ فَوجدَ الْحَاجِب عبد الْملك قد حضر، فَقَالَ: يُؤذنُ لَهُ وَهُوَ يظنّه ابْن بجران، فَدخل عبد الْملك فِي سوَاده ورصافيته، فلمّا رآهُ جَعْفَر اسودَّ وَجهه، وَكَانَ عبد الْملك لَا يشربُ النَّبِيذ، وَهُوَ كَانَ سَبَب مَوْجدة الرشيد عَلَيْهِ. فَوقف عبد الْملك ودعا غلامَهُ فَنَاوَلَهُ قلنسوته وسواده وَقَالَ: افعلوا بِنَا مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، فَفعل ودعا برطلٍ فَشرب وَقَالَ: جعلني الله فدَاك، وَالله مَا شربته قبل الْيَوْم فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بِالتَّخْفِيفِ لي، فَدَعَا برطليَّة فوُضعت بَين يَدَيْهِ، وَجعل كل مَا فعل من ذَلِك شَيْئا سرِّي عَن جَعْفَر، فلمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف قَالَ لَهُ جَعْفَر: سَل حَاجَتك مِمَّا تحيط بِهِ مقدرتي مُكَافَأَة لما صنعت. قَالَ: إِن فِي قلب أَمِير الْمُؤمنِينَ هنَةً فتسأله الرضى عني رضى صرفا، قَالَ: قد رَضِي عَنْك، قَالَ: عليَّ أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم دينا فيقضيها عنّي، قَالَ: وَالله إنّها عِنْدِي لحاضرة وَلَكِن تقضى من مَال أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ أنبلُ لَك
стр. 633
وأحبُّ إِلَيْك، قَالَ: وَإِبْرَاهِيم ابْني أحبُّ أَن أشدَّ ظَهره بصهرٍ من أَوْلَاد الْخلَافَة، قَالَ: قد زوَّجه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْنَته الْعَالِيَة، قَالَ: وَأحب أَن يخْفق اللِّوَاء على رَأسه، قَالَ: قد ولاَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ بِلَاد مصر.
وانصرفَ عبد الْملك ونحنُ نتعجَّب من إقدام جَعْفَر على قَضَاء حَوَائِجه من غير اسْتِئْذَان، وَقُلْنَا: لَعَلَّه يُجابُ إِلَى مَا سَأَلَ فَكيف بِالتَّزْوِيجِ؟ فلمّا كَانَ من الْغَد وقفنا بِبَاب الرشيد، وَدخل جَعْفَر فَلم يلبث أَن دَعَا بِأبي يُوسُف القَاضِي وَمُحَمّد بن الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم بن عبد الْملك، فَخرج إِبْرَاهِيم وَقد خُلع عَلَيْهِ وعُقِدَ لَهُ وزوِّج وحُمِلَت الْبَدْر إِلَى منزل عبد الْملك، وَخرج جَعْفَر فأشارَ إِلَيْنَا باتباعه ثُمَّ قَالَ لنا: تعلَّقت قُلُوبكُمْ بِأول أَمر عبد الْملك فأحببتم علم آخِره، إنيّ لما دخلتُ على أَمِير الْمُؤمنِينَ سَأَلَني عَن خبري فَأَخْبَرته حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى خبر عبد الْملك فَجعل يَقُول: أحسن وَالله، أحسن وَالله، فَقَالَ: هَذَا مَا صنع فَمَاذَا صنعت أَنْت بِهِ؟ فَأَخْبَرته أَنِّي حكمته فاحتكم، فضمنت لَهُ قضاءَ حَوَائِجه، فَقَالَ: أَحْسَنت ودعا بِمَا رَأَيْتُمْ حتَّى استتمَّ لَهُ كلُّ مَا سَأَلَ.
الْمجْلس الخامِس وَالثَمانون
الرَّسُولُ يَتَّجِرُ لِخَدِيجَةَ
حدَّثنا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْجَرِيرِيُّ إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ قَالَ، حدَّثنا عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا قَالَ، حدَّثنا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن حَسَن بْن حَسَنٍ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمَّتِهَا زَيْنَبَ عَنْ عَبد اللَّه بْن جَعْفَر قَالَ: كَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ تَبَنَّى النبيَّ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ أَمْلَقَ وخفَّ مَا بِيَدِهِ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ خَدِيجَةَ توجِّه غُلامَهَا مَيْسَرَةَ فِي تجارةٍ إِلَى الشَّامِ، فأكلِّمها لَكَ فَتَخْرُجَ مَعَهُ، قَالَ: افْعَلْ يَا عَمُّ، فَجَاءَ مَعَهُ إِلَى خَدِيجَةَ فكلَّمها، فَكَانَتْ تُعْطِي كلَّ رَجُلٍ بَعِيرًا، فَخَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ، فَأَصَابَ مَيْسَرَةُ ضِعْفَيْ مَا كَانَ يُصِيبُ مِنَ الرِّبْحِ، ثُمَّ قَدِمَا، وَوَقَعَ حبُّه فِي قَلْبِ مَيْسَرَةَ، فلمَّا قَرُبُوا مِنْ مَكَّةَ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ خَدِيجَةَ تُعْطِي كلَّ أجيرٍ بَعِيرًا إِ ذَا ذَهَبَ إِلَيْهَا يُبَشِّرُهَا بِقُدُومِنَا، فَاذْهَبْ فَإِنَّهَا سَتُعْطِيكَ بَعِيرَيْنِ، فَفَعَلَ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ قَدْ قدَّرت قُدُومَهُمْ فَجَلَسَتْ فِي مشربةٍ لَهَا وَمَعَهَا نسوةٌ من قُرَيْش ينتظرون قُدُومَهُمْ، إِذْ نَظَرَتْ فَإِذَا رجلٌ عَلَى بعيرٍ مقبلٌ عَلَى رَأْسِهِ سحابةٌ تظلُّه مِنَ الشَّمْسِ تَسِيرُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ لِلنِّسْوَةِ: هَلْ تَنْظُرْنَ مَا أَنْظُرُ؟ قُلْنَ: نَرَى رَجُلا مُقْبِلا عَلَى بَعِيرٍ، قَالَتْ: فَمَا تَرَيْنَ عَلَى رَأْسِهِ؟ قُلْنَ: مَا نَرَى شَيْئًا، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا أَنَّهُ شَيْءٌ خصَّت بِهِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا تَبَيَّنَتْهُ ثُمَّ نَزَلَتْ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا بِكَثْرَةِ رِبْحِهِمْ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي كُنْتُ أُعْطِي كلَّ أجيرٍ بَعِيرًا وَقَدْ أَعْطَيْتُكَ بَعِيرَيْنِ بِحِمْلَيْهِمَا فَاذْهَبْ بِهِمَا إِلَى مَنْزِلِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَتَاهَا وَقَدْ دَخَلَ مَيْسَرَةُ فَسَأَلَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ أَحْسَنَ صُحْبَةً وَلا أَعْظَمَ بَرَكَةً، مَا مَدَدْنَا أَيْدِيَنَا إِلَى شَيْءٍ إِلا نِلْنَاهُ، فَوَقَعَ فِي
стр. 634
قَلْبِهَا. ثُمَّ خَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا محمّد: يَا مُحَمَّدُ أَمَا لَكَ أربٌ فِي النِّسَاءِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَالٌ، قَالَتْ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تزوَّج بِي؟ قَالَ: وَتَفْعَلِينَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَمِّي، قَالَتْ: فَاسْتَأْذِنْهُ، قَالَ: فَجَاءَ إِلَى عمِّه فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ خَدِيجَةَ أيِّم قُرَيْشٍ وَأَكْثَرُهُمْ مَالا، وَأَنْتَ يَتِيمُ قريشٍ وَلا مَالَ لَكَ، ولكنَّها قَالَتْ لَكَ هَذَا عَلَى الْعَبَثِ، فَقَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ إِلا مَا قَالَتْ لِي، قَالَ: إِنَّكَ لَصَادِقٌ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ بَعَثَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ إِلَى مَنْزِلِ خَدِيجَةَ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ مَا تَعْثُرُ بشيءٍ إِلا قَالَتْ: لَا شَقِيتَ يَا مُحَمَّدُ، وَمَا تَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ إِلا قَالَتْ: لَا شَقِيتَ يَا مُحَمَّدُ. فَمَضَى مَعَهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ عُمُومَتِهِ حَتَّى أَتَى أَبَاهَا فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ وتنحَّى لَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَنْتَ أَوْلَى بِمَجْلِسِكَ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَجْلِسَ إِلا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: فِيمَ قَصَدْتَ؟ قَالَ: فِي حاجةٍ لِمُحَمَّدٍ، قَالَ: لَوْ سَأَلَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أُزَوِّجَهُ خَدِيجَةَ لَفَعَلْتُ فَمَا أحدٌ أعزُّ عليَّ مِنْهَا، قَالَ: فَمَا جِئْنَاكَ إِلا لِنَخْطُبَكَ خَدِيجَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، قَالَ: فتكلَّم، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْفَحْلُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَخَطَبَ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ وَمَنْ شَاهَدَهُ مِنْ قُرَيْشٍ حُضُورٌ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ زَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وذريَّة إِسْمَاعِيلَ، وَجَعَلَ لَنَا بَيْتًا مَعْمُورًا وَحَرَمًا آمِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَنَا الحكَّام عَلَى النَّاسِ فِي مَوْلِدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلا رَجَحَ بِهِ، وَلا يُقَاسُ بأحدٍ مِنْهُمْ إِلا عَظُمَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قلةٌ فَإِنَّ الْمَالَ رزقٌ جاءٍ وظلٌّ زَائِلٌ، وَلَهُ فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ وَلَهَا فِيهِ رَغْبَةٌ، والصَّداق مَا سَأَلْتُمْ، عَاجِلُهُ وَآجِلُهُ مِنْ مَالِي، وَلَهُ خطرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ شَائِعٌ جَسِيمٌ. فزوَّجه وَدَخَلَ بِهَا مِنَ الْغَدِ، فَأَوَّلَ مَا حَمَلَتْ وَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
أَوْلادُ الرَّسُولِ مِنْ خَدِيجَةَ
حدَّثنا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن بكار قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَالْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلَدَتْ خَدِيجَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، ثمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ رَجُلا وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ قَالَ لَهُ رجلٌ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الأَبْتَرُ، يَعْنِي النبيَّ ﷺ ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا وُلِدَ لِلرَّجُلِ ثُمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ بَعْدِهِ قَالُوا: هَذَا الأَبْتَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ " " الْكَوْثَر:٣ ": أَيْ: مُبْغِضُكَ هُوَ الأَبْتَرُ الَّذِي بُتِرَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.
ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ رقيَّة، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الطَّاهِرَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ المطهَّر، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الطيِّب، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الْمُطَيَّبَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ أمَّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ أَصْغَرَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
стр. 635
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا دَفَعَتْهُ إِلَى مَنْ يُرْضِعُهُ، فلمَّا وَلَدَتْ فَاطِمَةَ لَمْ يُرْضِعْهَا أحدٌ غَيْرَهَا.
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا دلَّ عَلَى نُبُوَّة النَّبيّ ﷺ ، وبديع آيَاته، ورفيع مَنْزِلَته، وعظيم بركته، وَثُبُوت حجَّته، وَمن سَعَادَة خَدِيجَة مَا وفِّقت لَهُ من تكرمته وإيثاره وتقدمته، وَمَا اتفقَّ لَهَا من الشّرف بزوجيّته، والحظوة بالمخالطة لَهُ ثُمَّ تَصْدِيقه والمسارعة إِلَى الْإِيمَان بِهِ واتباعه على دينه بعد أَن تمكَّن عِنْدهَا من تظاهر الْأَخْبَار عَن نبوته، والتبشير بنجومه ودعائه إِلَى ربِّه وتبليغ شَرِيعَته، والوعد بثوابه والتوعد بعقابه، وَمَا تقدَّم من إِلْقَاء ورقة بن نَوْفَل إِلَيْهَا وَتَقْرِير من أمره عِنْدهَا صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه ورضوان الله وَسَلَامه عَلَيْهَا.
الأيّم والناكح
قَالَ القَاضِي: قَول أبي طَالب: " إِنَّ خَدِيجَة أيّم قُرَيْش " الأيم فِي كَلَام الْعَرَب: مَن لَا زوج لَهُ من رجلٍ أَو امْرَأَة كَمَا قَالَ جميل:
أحبُّ الْأَيَامَى إِذْ بثينةُ أيّمٌ ... وأحببتُ لمّا أَن غنيت الغوانيا
وَقَالَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب تخاطب ابْنهَا الزبير:
وجربت آبادَ الدّهورِ عليكمُ ... وأسماءُ لَمْ تشعر بذلك أيِّم
وَقَالَ آخر:
لله درُّ بني عل ... يٍّ أيّمٍ مِنْهُم وناكح
وَقَالَ آخر:
فَإِن تنكحي أنكح وَإِن تتأيّمي ... وَإِن كنتُ أفتى منكمُ أتأيَّم
ويروى: يَدَ الدَّهْر مَا لَمْ تنكحي أتأيّم. وَهُوَ مَعْرُوف كَثِير. والأَيْم بِالتَّخْفِيفِ الحيَّة. وَقَالَ الله فِي الْأَيَامَى: " وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ والصَّالحين مِنْ عِبَادِكُمْ " " النُّور: ٣٢ " يريدُ من لَا زوج لَهَا من نِسَائِكُم؛ وَمن الْأَيَامَى أَيْضا قَول الشَّاعِر:
إنَّ الْقُبُور تُنكح الْأَيَامَى ... والنسوة الأرامل الْيَتَامَى
والمرءُ لَا يَنْقَى لَهُ سُلامَى
وَمعنى هَذَا أَن الْمَوْت إِذا أَتَى على الرِّجال وأفنى أكارمهم أنكح بناتهم ووليّاتهم من يقصر عَن أحسابهنّ وَلَيْسَ بكفؤ لَهُنَّ.
النقي والرّيرُ
وَقَوله: " لَا تَنْقَى لَهُ سُلامى " أَي: من هُوَ قَلِيل الْخَيْر أَو لَا خير فِيهِ، وشبَّه ذَلِكَ بالمخ فَكَأَنَّهُ يَقُول: من لَيْسَ فِي سلامياته من قوائمه مخ وَهُوَ النِّفي، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أرارَ الله نَفْسَك فِي السُّلامى ... على من بالحنين تُعولينا
وَيُقَال: إِن آخر مَا يبْقى من النقي فِي السُّلامى وَالْعين كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
стр. 636
لَا يشتكين ألمًا مَا أَنقينْ ... مَا دَامَ فيهنَّ سلامى أَو عين
ويروى مَا دَامَ نقي فِي سُلامى أَو عين. معنى: أرار: أذاب، ويُقال: للمخ الرَّقِيق ريرٌ، ورارٌ، لإنّه يرق عِنْد الْهُزال، قَالَ ابْن السكّيت: وَزعم القنانيُّ أنّه الرَّرير بِفَتْح الرَّاء، وأنشدَ:
والسَّاق منّي باديات الرَّير
قَالَ ويُقالُ: بارداتُ الرَّير، وَقَالَ الفرّاء: رَير ورِير وَرَارَ، وَقَالَ بعضُ اللغويين: باردات لَا غير مَكَان باديات، يُقَال فلَان بَارِد الْعِظَام إِذا كَانَ مهزولا كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
الأبيضان أبردا عِظَامِي ... القتُّ والْمَاءُ بِلَا أدامِ
وحدَّثنا أَبُو عَمْرو عَن ثَعْلَب قَالَ: فَسَأَلت ابْن الْأَعرَابِي: مَا تقولُ؟ قَالَ: العربُ تَقُولُ فلَان بَارِد الْعِظَام إِذا كَانَ مهزولا، وفلانٌ حارُّ الْعِظَام إِذا كَانَ سمينًا ممخًّا. والقتُّ حبٌّ أَبيض يشبه الجاورس يختبر ويُؤكل. وَزعم مُحَمَّد بن الْحَسَن أنَّ مَنْ وصَّى لأيامى بني فلَان فوصيته لثيبهم دون أبكارهم، وَهَذَا خطأ ظَاهر لما ذكرناهُ ووصفناه. وَاحْتج لَهُ بعض أَصْحَابه بِأَنَّهُ حمل هَذَا على عُرف النَّاس، وَلَيْسَ الْأَمر على مَا وَصفه لِأَن عرف الْخَاصَّة هُوَ مَا قدّمنا ذكره، وأمّا الْعَامَّة فَلَا تعرف هَذَا أصلا وَلَا علم لَهَا بِهِ. وَمن النقي قَول الْكُمَيْت: جزُّ ذِي الصوفِ وانتقاءٌ لذِي المخَّة وانعقْ ودعْدِعَنْ بالْبِهَامِ وَرُوِيَ أَن ممَّا أَمر النبيُّ ﷺ أَن تقصى فِي الْأَضَاحِي الْعَجْفَاء الَّتِي لَا تنقي، أَي لامخّ لَهَا. والسلامي عِظَام القوائم.
هُوَ الْفَحْل لَا يقرع أَنْفُه
وَقَول خويلد بن عبد العزَّى أبي خَدِيجَة: " إِن مُحَمَّدًا الفحلُ لَا يُقْرَعُ أَنفه " أَن الْعَرَب إِذا نزا الْفَحْل من الْإِبِل ولَيْسَ من كرائمها على نَاقَة كَرِيمَة قرعوا أَنفه طردًا لَهُ عَنْهَا ورغبة عَنْهُ بِهَا، وَإِذا كَانَ فيهم فَحل كريم لَمْ يدفعوهُ عَن الضراب فِي إبلهم وَلم يقرعُوا أَنفه. فَقَالُوا فِي الْكَرِيم النجيب من النَّاس: لَا يُقرع أَنفه، أَي يرغب فِيهِ وَلَا يرد عَن حاجةٍ لدناءته ولؤمه، فوصف أَبُو خَدِيجَة رَسُول الله ﷺ بِهذه الصّفة الَّتِي هُوَ أَحَق النَّاس بِهَا. وَقَول أَبي طَالب: " وَإِن كَانَ فِي المَال قلَّة " الْمَشْهُور من الرِّوَايَة: وَإِن كَانَ فِي المَال قلُّ، وَهُوَ الْقلَّة والضيق، والعربُ تَقُولُ: الحمدُ لله على الْقُلّ والكثر، أَي على قَلِيل الرزق وَكَثِيره، وَقَالَ الشَّاعِر:
قد يَقْصُرُ القلُّ الْفَتى دونَ همِّه ... وَقد كَانَ لَوْلَا القلُّ طلاَّع أَنْجُدِ
وَقَالَ لبيد:
كُلّ بني حرَّةٍ قُصَارهم ... قلٌّ وَإِن أكثرتْ من العددِ
إِن يُغْبَطُوا يُهْبَطوا وَإِن أَمِرُوا ... يَوْمًا يصيروا للقلِّ والنَّكد
ويُقال: هُوَ قلّ بن قُل، وضُل بن ضلٍ، إِذا كَانَ " لَا يعرف أَبَاهُ و " لَا يُعْرَفُ أَبوهُ.
стр. 637
هُوَ أَبتر
وأمّا قَول الْعَاصِ بن وَائِل - فضَّ الله فَاه، وقبَّحه وأخزاه، وأبعده وأقصه - فِي النَّبِيّ ﷺ الَّذِي اخْتَارَهُ الله واصطفاهُ وأكرمه واجتباه، وَرفع قدره وَأَعلاهُ، إنّه " أَبتر " على مَا كَانَت العربُ تَقوله فِي من لَا ولد لَهُ يُذكر بِهِ بعده هُوَ أَبتر، أَي مُنْقَطع الذّكر، فَحسب نبيّنا ﷺ قَول الله جلّ ذكره فِي كِتَابه: " وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ " " الشَّرْح:٤ ". وَقَالَ فِي عدوّه وعدوّ رَسُوله: " إنَّ شائنك هُوَ الأَبْتَرُ " " الْكَوْثَر:٣ "، فَوَسمه الله بِهذه السِّمة الَّتِي لَا تُرحضُ وَلَا تُغْسَل، وَلَا تُمْحَى وَلَا تُبدل، كَمَا وسم أَبَا جهل بِهذه الكنية على لِسَان رَسُوله ﷺ فَصَارَت عَيْبا لَازِما، وعارًا وَاقعا بِهِ دَائِما، حتَّى كَانَ مِمَّا قيل فِيهِ من الشّعْر المتضمّن لِهذا الَّذِي وسم بِهِ:
النَّاس كنّوه أَبَا حكمٍ ... وَالله كنَّاه أَبَا جهل
وَمِمَّا يحقُّ لِذَوي الْأَلْبَاب أَن ينعموا التفكر فِيهِ قَول الله لنَبيه ﷺ : " وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ " " الشَّرْح:٤ ". جَاءَ فِي التَّفْسِير: لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ معي. أَلا ترى أَن الشَّهَادَة لَهُ بالرسالة مقرونة بِالشَّهَادَةِ لله بالربوبية، فَلَنْ يدخلَ أحدٌ الْإِسْلَام إِلَّا بِهما، وَأَنه يُذْكَرُ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار، والغدوّ وَالْآصَال، ويكرَّر ذكره فِي الْأَذَان وإقام الصَّلَاة والإمامة لَهَا على ترادف السَّاعَات وتتابع الْأَوْقَات، وَأَن آدم ﵇ الَّذِي كلُّ آدميٍّ ولدُهُ إِنَّما يُذْكَرُ فِي الأحيان والإبّان بعد الإبَّان وَفِي الفينة بعد الفينة عِنْدَمَا يعرض من ذكره أَو تُلِيَ من الْقُرْآن مَا تقتصُّ فِيهِ قصَّته، وَهَذَا مِمَّا فَكرت فِيهِ واستخرجته وَمَا علمت أحدا سبقني إِلَيْهِ وَلَا تقدَّمني فِي استنباطه.
نصيب لَا ينشد الشّعْر يَوْم الْجُمُعَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، أَخْبَرَنَا العكلي عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن عوَانَة، عَن رجلٍ من قُرَيْش من سَاكِني الْكُوفَة قَالَ: قدم نُصَيب الْكُوفَة فوجَّهني أبي إِلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ صديقا، فَقَالَ: أبلغه عني السَّلام وَقل لَهُ: يقولُ لكَ أبي إِن رَأَيْت أَن تُهْدي إليَّ شَيْئا من قَوْلك فعلت. فَأَتَيْته فِي يَوْم جُمُعَة وَهُوَ يُصلي، فأمهلتُ حَتَّى قضى صلَاته ثُمَّ أَقرَأته السَّلام وأديتُ إِلَيْهِ الرسَالَة، فردَّ وَأحسن ثُمَّ قَالَ: قد علم أبوكَ أَنِّي لَا أُنْشِدُ الشّعْر فِي يَوْم الْجُمُعَة، وَلَكِن تعودُ وَيكون مَا تُحبّ، فَلَمَّا ذهبت لأنصرفَ دَعَاني فَقَالَ لي: أتروي الشّعْر؟ قلت:
نعم، قَالَ: فأنشدني لجميل فَأَنْشَدته:
إِنِّي لأحفظُ سرَّكم ويسرُّني ... لَو تعلمين بصالحٍ أَن تُذْكَري
وَيكون يَوْمًا لَا أرى لَك مُرْسلا ... أَو نَلْتَقِي فِيهِ عليَّ كأشهر
يَا لَيْتَني ألْقى المنيةَ بَغْتَة ... إِن كَانَ يومُ لقائكمْ لَمْ يُقْدَرِ
стр. 638
يقْضِي الدُّيُون وَلَيْسَ يُنْجِزُ عَاجلا ... هَذَا الغريمُ لنا وَلَيْسَ بمعسر
فَقَالَ: لله دره، وَالله مَا قَالَ أحدٌ إِلَّا دون قَوْله، وَلَقَد ترك لنا مِثَالا يُحْذَى عَلَيْهِ، أما أصدقنا فِي شعره فجميل، وأمّا أوصفنا لربّاتِ الحجال فكثيّر، وَأما كذبنَا إِذا قَالَ الشّعْر فعمر، وأمّا أَنا فَأَقُول مَا أعرف.
سُمْرَة الْخَارِجِي وَالْحجاج
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَبُو بَكْرٍ النَّاقِدُ بسرَّ مَنْ رَأَى سَنَةَ ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة قَالَ، حَدَّثَنَا العنبريّ قَالَ، حَدَّثَنَا قَاسم بن مُحَمَّد بن عباد قَالَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ، حَدَّثَنِي الشَّرْقِي بن الْقطَامِي قَالَ: كَانَ سَمُرَةُ بن الجَعْدِ من قَعَد الْأزَارِقَة، غير أَنَّهُ لَمْ يكن يُعْرَفُ بذلك، وَكَانَ قد وَقعت لَهُ من الْحجَّاج منزلةٌ حَتَّى كَانَ يُدْخِلُهُ فِي سَمَرهِ، فَلَمَّا سَار قطريّ بن الْفُجَاءَة إِلَى جِيرفتَ كتب إِلَى سَمُرَة بن الْجَعْد يعيّره مقَامه عَنْهُم وركونه إِلَى الدُّنْيَا، وَكَانَ فِي كِتَابه إِلَيْهِ:
لشتَّان مَا بَين ابْن جعدٍ وبيننا ... إِذا نحنُ رُحْنا فِي الْحَدِيد المظاهرِ
نجالِدُ فرسانَ المهلَّب كلُّنا ... صبورٌ على وقعِ السيوف البواترِ
وراحَ يجرُّ الخزَّ نحوَ أميره ... أميرٍ بتقوى ربِّه غير آمُر
أَبَا الْجَعْد أَيْن الْحلم والعلمُ والتقى ... وميراثُ آباءٍ كرامِ العناصر
ألم ترَ أَن الْمَوْت لابدَّ نازلٌ ... وَلَا بدَّ من بَعْثِ الأُلى فِي المقابرِ
حُفَاة عُرَاة والثوابُ لديهمُ ... فَمن بَين ذِي ربحٍ وَآخر خاسر
فَسِر نحونا إنَّ الْجِهَاد غنيمةٌ ... تُفِدْكَ ابتياعًا رابحًا غير بائر
فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه لحق بِهم وَكتب إِلَى الْحجَّاج:
فَمن مُبلغُ الْحجَّاج أنَّ سميرةً ... قلى كلَّ دينٍ غيرِ دين الْخَوَارِج
قَالَ القَاضِي: يَجوز " كلَّ دين غير " خفضًا ونصبًا، الْخَفْض على الصّفة لدينٍ والنصبُ على الصّفة لكل وعَلى الِاسْتِثْنَاء.
رأى النَّاس إِلَّا من رأى مثلَ رَأْيهمْ ... ملاعينَ ترَّاكين قصد المخارج
فإنّي امرؤأي يَا ابنَ يوسفٍ ... ظفرتَ بِهِ لَو نلتَ علم الولائج
إِذا لرأيتَ الحقَّ مِنْهُ مُخالفًا ... لرأيك إِذْ كنتَ امْرَءًا غير فالج
فَأَقْبَلت نحوَ الله بِاللَّه واثقًا ... وَمَا كُرْبَتي غير الْإِلَه بفارج
إِلَى قطريٍّ فِي الشراةِ معارجًا ... ولستُ إِلَى غير الشّراةِ بعارجِ
стр. 639
إِلَى عصبَة أما النهارَ فإنَّهم ... هم الأسدُ أسدُ البأسِ عندَ التهايجِ
وأمّا إِذا مَا الليلُ جنَّ فإنَّهم ... قيامٌ كأنواحِ النِّسَاء النواشجِ
ينادونَ بالتحكيم لله إنَّهم ... رَأَوْا حُكْمَ عمروٍ كالرياح الهوائج
وَحكم ابْن قيسٍ قبل ذاكَ فأُعْصِمُوا ... بحبلٍ شديدِ الفتلِ لَيْسَ بناهج
تَفْسِير الولائج وفالج وناهج
قَالَ القَاضِي: قَوْله " علم الولائج " أَي الدخائل من ولج أَي دخل، قَالَ الله : " وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّه وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً " " التَّوْبَة: ١٦ " أَي دخلةً يستبطنونَها تخَالف مَا يُظْهِرونَه من إيمانِهم، وَقَوله: " غير فالج " أَي غير مُصِيب ظافر فائز قد فَلَجَتْ حجَّته. وأمّا قَوْله: " كأنواح النساءِ " فقد فسَّرناه فِي مجلسٍ قبل هَذَا. وأمّا: " لَيْسَ بناهجِ " أَي لَيْسَ ببالٍ مُخْلق، يُقال: قد أنْهَج الْبُرْدُ وغيرهُ من الثِّيَاب إِذا صارَ كَذَلِك، كَمَا قَالَ سُحَيْم عبدُ بني الحسحاس.
وَمَا زالَ بُرْدي طيبا من ثِيَابهَا ... إِلَى الحولِ حَتَّى أنْهَجَ البردُ بَالِيًا
خطْبَة لعمر بن عبد الْعَزِيز
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَةَ الأَزْدِيُّ عَنِ ابْنِ أُخْتِ أَبِي الْوَزِيرِ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّاسَ بِخُنَاصِرَةَ فَقَالَ، بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: أيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الأَمَانُ عِنْدَ اللَّهِ غَدًا لِمَنْ بَاعَ قَلِيلا بِكَثِيرٍ، فَنَظَرَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ وَحَاسَبَهَا فِي يَوْمِهِ قَبْلَ غَدِهِ، فَإِنَّ السَّعِيدَ مِنْكُمْ مِنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَالسَّلامُ.
بَين الْمُؤلف وجَمَّال
قَالَ القَاضِي: رأيتُ شَيخا جَمَّالا بالنهروان سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة بِيَدِهِ خُطَامُ بعيرٍ يقودُهُ وَهُوَ يترنَّم بِأَبْيَات، فاستحسنت إنشادها وهششتُ لَهُ، فقربت مِنْهُ فَقلت لَهُ: مَا اسْمك؟ قَالَ: خصيب، قلت: ابْن من أَنْت؟ فانتسب إِلَى أبٍ نسيتُ اسْمه، فَقلت لَهُ: هَلْ كتبتَ شَيْئا من الْعلم وَالْأَدب أم عنْدك شيءٌ من الحَدِيث؟ فَقَالَ: قد سمعتُ كثيرا، فقلتُ: أتحفظُ مِنْهُ شَيْئا تملّهُ عليّ، وَكَانَ معظمُ حِرْصِي على ذَلِكَ من أجل اسْمه، فَقَالَ لي: كتبتُ مِمَّا ذكرت شَيْئا كثيرا وَلم يبْق عِنْدِي مِنْهُ شَيْء، وَمَا أحفظُ مِمَّا سمعته شَيْئا إِلَّا هَذِه الأبيات الَّتِي تسمعني أترنَّم بِهَا، فَإِن شَيخا بخراسان أملاها عليَّ وَزعم أنَّها لأبي الْعَتَاهِيَة.
فَسَأَلته إملاءها عليَّ، فأنشدني، ثُمَّ وَجدتهَا فِيمَا يعزى إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة م الشّعْر وَهِي:
يَا ربّ سلمٍ أضرَّ من حَرْبِ ... وَرب عذرٍ أشدَّ من عَتْبِ
وَرب بعدٍ بِهِ عَن الذَّنب يَك ... فِي المرءَ من لومه عَن الذَّنب
وَرُبمَا كَانَ فِي التبسم والإقبا ... ل مَا لَا يكونُ فِي الضَّرب
стр. 640
وربَّ عزٍّ فِي حَال مَخْمَصَة ... وَرب ذلٍّ فِي الْأكل وَالشرب
وَرُبمَا كَانَت الملالَةُ إف ... راطًا شَدِيدا من وامق صبّ
وَرب ذِي بغية يُعاجله ... من قبلهَا صرعةٌ على الْجنب
وَرُبمَا دارت الْمنية فِي القو ... م كَدَوْرِ العقارِ فِي الشَّرب
يَا صورًا نقّلت إِلَى الترب بِالْمَوْتِ كَمَا صوِّرت من الترب
تجْرِي إِلَيْنَا بِالرَّفْع والخفض ... والجزم على ذَا الإِنْسَان وَالنّصب
منتظرًا نَحْبَهُ إِلَى أجل ... لابدَّ مِنْهُ لذَلِك النحب
يشفي امْرِئ غيظه بسبّ امْرِئ والحلم أشفى لَهُ من السبّ
وَقد تلين العيدان حَتَّى يكون اللَّين مِنْهَا أَقْوَى من الصلب
قَوْله " اللَّين أَرَادَ اللين فَخفف، كَمَا قَالَ: مَيْت وميّت، وهَيْن وهيَّن، ولَيْن وليِّن.
الْمُؤلف ينْتَقد تصرف رَئِيس جَاهِل
ولي فِي معنى أول هَذِه الأبيات شَيْء، وَذَلِكَ لِأَن بعض من قُدّم من رَئِيس فِي زَمَاننَا أرسل إِلَيّ صاحبًا لَهُ وَأَنا عليلٌ وَقد اجتمعَ حَولي جماعةٌ يعودوني، فَقَالَ لي وهم يسمعونه: إنَّ فلَانا - يَعْنِي صَاحبه - يعْتَذر من تَأَخره عَن عيادتك بشيءٍ ذكره لَيْسَ فِيهِ عذرٌ لَهُ، فاستجهلت الرَّسُول والمرسِلَ واستسخفتهما وَقلت:
ربَّ حقيرٍ من الذنوبِ ... عظَّمه العذرُ فِي الْقُلُوب
أبداهُ ذُو غفلةٍ وخرقٍ ... فجَاء يُوفي على الخطوب
وَلَو لَمْ يؤدِّ إليَّ هَذِه الرسَالَة ظَاهرا لما علم الْحَاضِرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْني، مَعَ علمهمْ بِما كَانَ بَيْننَا من ظَاهر الْمَوَدَّة. وَقد ابتذلت الْعَامَّة هذَيْن المثلين: عذره أشدُّ من ذَنبه، وَاضْرِبْهُ على ذَنبه مائَة وعَلى عذره مِائَتَيْنِ.
أَن امْرَءًا قد سَار خمسين حجَّة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس يَعْنِي أَحْمَد بن يَحْيَى قَالَ، حَدَّثَنَا عُمَر بْن شبة قَالَ، حَدَّثَنَا خَلاد الأرقط قَالَ: كُنَّا على بَاب أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فتذاكرنا أَن الْحجَّاج كتب إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم إِنِّي وَإِيَّاك لدةٌ، وإنَّ امْرَءًا قد سَار خمسين حجَّةً إِلَى منهل لقمنٌ أَن يردهُ.
فأدرنا ذَلِكَ بَيْننَا وجعلناه شعرًا فَقُلْنَا:
وإنَّ امْرَءًا قد سَار خمسين حجَّة ... إِلَى منهلٍ من وردهِ لَقَريبُ
قَالَ خَلاد: وقلتُ أَنا وانفردت بِهذا الْبَيْت:
стр. 641
وَمن كَانَ فِي الدُّنْيَا على حالِ قلعةٍ ... وَإِن طالَ فِيهَا عمرُهُ لغريبُ
قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي، وأنشدنا أَبُو عَليّ الْعَنزي قَالَ، أنشدنا أَحْمَد بن بكير الْأَسدي:
إِذا مَا خلوتَ الدهرَ يَوْمًا فَلَا تقل ... خلوت وَلَكِن قُل عليَّ رقيبُ
وَإِن امْرَءًا قد سَار خمسين حجَّةً ... إِلَى منهلٍ من وردهِ لقريبُ
إِذا مَا نقضى الْقرن الّذي أَنْت فيهم ... وخلفِقت فِي قرنٍ فَأَنت غريبُ
نسيبك من أَمْسَى يُناجيكَ طَرْفهُ ... وَلَيْسَ لِمن تَحت التُّرَاب نسيبُ
فأحسنْ قروضًا مَا استطعتَ فإنَّما ... بقرضك تُجْزَى والقروضُ ضروبُ
وَلَا تحسبنَّ الله يغْفل سَاعَة ... وَلَا أَن مَا يَخفى عَلَيْهِ يَغيبُ
قَالَ القَاضِي: قد بيَّنَّا فِي بعض مَا مضى من هَذِه الْمجَالِس معنى " قمن " وَمَا فِيهِ وَفِي أخواته من اللُّغات، فاستغنينا عَن تَفْسِيره من كَلَام الحجّاج فِي هَذَا الْخَبَر. وأمَّا الشّعْر الَّذِي أنشدناهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي هَذَا الْخَبَر عَن الْعَنزي عَن أَحْمَد بن بكير فقد قدَّمنا فِي بعض مَا قدمنَا من مجالسنا هَذِه خَبرا فِيهِ هَذَا الشّعْر، وَذكرنَا الخلافَ فِي من يُنْسَبُ إِلَيْهِ.
المجلِسُ السَّادس وَالثَمانون
حَدِيثُ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حدَّثنا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق القَاضِي قَالَ، حدَّثنا الْعَلَاء بن الْفضل ابْن أَبِي سَوِيَّةَ قَالَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ، حَدَّثَنِي أَبِي عِكْرَاشُ بْنُ ذُؤَيْبٍ قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مرَّة بْنِ عبيدٍ بِصَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَتَيْتُهُ بِإِبِلٍ كَأَنَّهَا عُرُوقُ الأَرْطَى فَقَالَ لِي: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: عِكْرَاشُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، فَقَالَ لِي: ارْفَعِ النَّسَبَ، فَقُلْتُ: ابْنُ حُرْقُوصِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النَّزَّالِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهَذِهِ صَدَقَاتُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ، فَتَبَسَّمَ الرَّسُولُ ﷺ وَقَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي، فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُوسَمَ بِمَيْسَمِ الصَّدَقَةِ وَأَنْ تضمَّ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي وَمَضَى بِي إِلَى مَنْزِلِ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ فَأُتِينَا بجفنةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذْرِ، فَجَعَلْتُ أَخْبِطُ فِي نَوَاحِيهَا، وَجعل الرَّسُولِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى يَدِي الْيُمْنَى وَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ واحدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ أُتِينَا بطبقٍ فِيهِ أَلْوَانُ رطبٍ أَوْ تَمْرٍ فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ مَوْضِعٍ واحدٍ، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ لِي: يَا عِكْرَاشُ إِنَّهُ غَيْرُ لونٍ واحدٍ فَكُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ. ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَمَسَحَ، بِبَلَلِ يَدَيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ وَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ هَكَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غيَّرت النَّارُ.
تَفْسِير الحَدِيث
قَالَ أَبُو بكر: قَوْله " كأنَّها عروق الأَرطى ": الأرطى شجرٌ، وَاحِدهَا أَرْطَاة، وعروق
стр. 642
الارطى عروقحمر، وَكَذَلِكَ عروق السدر، فشبَّه الإبلَ بعروق الأرضي لحمرتِها، وَذَلِكَ أَن أشرفَ الإبلِ عِنْد الْعَرَب حمرها. وَفِيهِ قَول آخر وَهُوَ أَنَّهُ شبَّه الْإِبِل بعروق الأرطى لضمرها، وَذَلِكَ أَن ضمرها يدل عل نجابتها وكرمها، والعربُ تشبِّه الثورَ وَالْحمار بعروق الأرطى فِي الضمر، قَالَ الشَّاعِر فِي صفة حمَار:
خاظٍ كعرق السدر يس ... بق غَارة الخوص النجائب
يَعْنِي بالخاظي الْحمار الممتلئ السَّرِيع. وَقَالَ ذُو الرمة يذكر ثورًا يحْفر عَن أصل شَجَرَة:
توخَّاه بالأَظلافِ حَتَّى كأنَّما ... يثير الكثابَ الْجُعْدَ عَن متنِ مِحْمَلِ
الكثاب مَا يكثب من الرمل، والمحمل وَاحِد حمائل السَّيْف، يشبه حمرةَ عروقِ الشَّجَرَة بحمرة حمائل السَّيْف. والوذر جمع الوذرة وَهِي قِطْعَة لحم مجتمعة، والهبرةُ تشبهها إِلَّا أنَّها أكبرُ مِنْهَا، وَجمع الهبرة هبر. قَالَ القَاضِي: وفضلُ حُمْرِ الإبلِ على غَيرهَا مَشْهُور، وَمن مَعْرُوف كَلَامهم قَول قَائِلهمْ: كَذَا وَكَذَا أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم، فخصُّوا حمرها لشرفها. والأرطى شجرٌ مَعْرُوف عِنْد الْعَرَب، وَهِي شَجَرَة مستطيلة الْوَرق الْوَاحِدَة مِنْهَا أَرْطَاة، وَقَالَ العجاج:
باتَ إِلَى أرطاةِ حقفٍ أَحْقَفَا
وَقَالَ الشماخ فِي الْجمع.
إِذا الأرطى توسَّد أبرديه ... خدودُ جوازئٍ بالرمل عين
وَقَالَ آخر:
وَلَوْلَا جنونُ الليلِ أدركَ ركضنا ... بِذِي الرِّمث والأَرْطَى عياضَ بنَ ناشب
وَالشَّاهِد فِي هَذَا كَثِير جدًّا.
قَالَ القَاضِي: وَألف أرطى أثبتَ للإلحاق بالأربعة كجعفر وَسَلْهَب، وَهُوَ ثلاثيٌّ أَصله " أرط " يدلُّ على هَذَا قَوْلهم أديمٌ مأروط، أَي مدبوغٌ بالأرطى، وَإِذا سميت بِهِ رجلا لَمْ تصرفه فِي الْمعرفَة لشبهه ألف التَّأْنِيث وَأَنه معرفَة، وَانْصَرف فِي النكرَة ليفرق بَين ألف التَّأْنِيث وَبَين الْألف الزَّائِدَة لغير التَّأْنِيث.
وَفِي هَذَا الْخَبَر من حسن مخالقة النبيِّ ﷺ وجميلِ عشرته وكريم شيمته، وتأنيسه عكراش بن ذُؤَيْب وتواضعه لله بمؤاكلته، وتعليمه كَيفَ يَأْكُل أَنْوَاع الطَّعَام مؤتَلِفِه ومختلفه، مِمَّا يباهي شرِيف مَنْزِلَته، ويوازي جلالة مرتبته.
وحقَّ على كلِّ ذِي لبّ وَدين وفطرةٍ سليمَة من أهل الدَّين تقيُّل فعله واتِّبَاع سَبيله والانتهاء إِلَى مَا نَدَبَ إِلَيْهِ والتأدّب بِما اخْتَارَهُ. وَفِيمَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر أنَّ النَّبِيّ ﷺ بعد أَن أكلَ وَغسل يَدَيْهِ وَمسح بِهما وَجهه وذراعيه قَالَ: هَكَذَا الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار،
стр. 643
وَهَذَا يدلُ على أَن النَّبِيّ ﷺ أَرَادَ بِما أَمر بِهِ من الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار وَمَا مسَّت النَّار الْأَدَب والتنظفَ دون الْوضُوء الْمَفْرُوض على من قَامَ إِلَى الصَّلَاة. وآراء الْمُحدثين، وترتيبُ الْأَخْبَار فِيهِ تتضمنه كتبنَا فِي الْفِقْه.
قُوَّة منطق الْحجَّاج
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عِيسَى عَن الْعَبَّاس بْن هِشَام عَنْ أَبِيه عَن عوَانَة قَالَ: خطب الحجاجُ الناسَ بِالْكُوفَةِ فحمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أهل الْعرَاق، تزعمونَ أنَّا من بَقِيَّة ثَمود، وتزعمون أَنِّي سَاحر، وتزعمون أنَّ الله علَّمني اسْما من أَسْمَائِهِ أقهركم بِهِ، وَأَنْتُم أولياؤُهُ بزعمكم وَأَنا عدوه، فبيني وَبَيْنكُم كتاب الله تَعَالَى. قَالَ " : " فلمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجَّينا صَالِحًا والَّذين آمَنُوا مَعَهُ " هود " ٦٦ " فنحنُ بقيةُ الصالِحين إنْ كنَّا من ثَمود. وَقَالَ جلّ وَعز: " إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ ساحرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى " " طه:٦٩ " وَالله أعدلُ فِي حكمه من أَن يعلّمَ عدوا من أعدائِهِ اسْما من أَسْمَائِهِ يهزمُ بِهِ أولياءه. ثُمَّ حَمِيَ من كَثْرَة كَلَامه فتحامل على رمَّانة الْمِنْبَر فحطمها، فَجعل النَّاس يتلاحظونَ بَينهم وَهُوَ ينظرُ إِلَيْهِم، فَقَالَ: يَا أَعدَاء اللَّه مَا هَذَا الترامز؟ أَنا حُدَيا الظبي السانحِ والغرابِ الأبقع والكوكب ذِي الذَّنب، ثُمَّ أَمر بذلك العودِ فأُصْلِح قبل أَن ينزل من الْمِنْبَر.
الحديا
قَالَ أَبُو بكر: الحديّا أَن يتحدَّى الرجلَ فَيَقُول: افعلْ كَذَا حَتَّى أَفعلهُ، ثُمَّ يفعل كَفعل أَخِيه.
قَالَ القَاضِي: قد أَتَى أَبُو بكر بِالْأَصْلِ فِي معنى حُدَيّا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُحَقّق تَفْسِيره، وَمَا ذكره من تحدي الرجل ليَأْتِي بِفعل ثُمَّ يَأْتِي هُوَ بِمثلِهِ فَيكون هَذَا، وَيكون أَن يبرز الرجل على غَيره فِي شَيْء ويبرَّ فِيهِ على من سواهُ، ويبذّ فِي تمكنه مِنْهُ وَسَبقه إِلَيْهِ من عداهُ، فَإِن عَارضه فِيهِ غَيره وحكاهُ فقد قاومه وساواه، وَإِن عجز من مقاومته وكلَّ من مناهضته فالمتحدَّي غالبٌ ظَاهر والمتحدَّي مغلوبٌ غير ظافر، وعاجزٌ غير قَادر، لَا سِيمَا إِن كَانَ فِي قصرته عَن المقاومة نبأ عَظِيم وخطب جسيم كَالَّذي كَانَ فِي تحدي النَّبِيّ ﷺ قومه أَن يعارضوا الْقُرْآن الَّذِي أبانه الله من سَائِر النَّاس، وَجعله من أكبر أَعْلَامه ودلائه، وَأَن يَأْتُوا بسورةٍ مثله، فَظهر عجزهم، وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم، وَقتلُوا دون ذَلِكَ وأسروا وأخربت دِيَارهمْ وتعقبت آثَارهم، فانقلبوا صاغرين أذلّاء داخرين. وَهَذَا بَاب قد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي مَوَاضِع مِمَّا ألفناه وأمللناه، من ذَلِكَ صدر كتَابنَا المسمَّى: " الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز ".
والحديَّا فِي هَذِه الْكَلِمَة أَتَى مصغّر اً وَلم يسْتَعْمل المكبَّر فِي بَابه، وَمثله كَثِير كقولِهم السُّكيت من الْخَيل، وحُمَيْل للطائر وكُمَيت. وَنَظِير الحديا الثريا، تَقْدِير الأَصْل فِيهَا غير مصغر
стр. 644
يرْوى مثل شروى، فَهَكَذَا حديا كَأَن أَصله حدوى، من حدوته على كَذَا، وَمثله حميا الكأس أَصله من حموها وحَمْيِها أَي احتدامها وحرارتِها وحدتها وسورتها، يُقال: حمي الشَّيْء يحمى حموًا وحميًا، وَقَول من قَالَ: حمى يحمَى حَمى خطأ، وإنَّما مرَّ على قِيَاس الْبَاب فِي الأَصْل مثل شَجِيَ يشجى شَجى وعميَ يَعْمَى عَمى. وَقد جرى فِي هَذَا الْمَعْنى بيني وَبَين رجلٍ من أهل زَمَاننَا لَهُ حظّ من حفظ اللُّغَة كلامٌ فِي هَذَا الْمَعْنى، وأنكرتُ عَلَيْهِ قَوْله أَصَابَهُ ظَلَع، فقلتُ لَهُ: إنَّما هُوَ ظلعٌ بِإِسْكَان اللَّام، فأقامَ على خطائه مُتَعَلقا بِالْقِيَاسِ الَّذِي قدمتُ ذكره، فقلتُ لَهُ: كَيفَ تلفظ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي مِنْهُ حميَ يحمى فَقَالَ: حمًا، مارًّا على وتيرته فعرَّفته فسادَ مَا أَتَى بِهِ، وذكرتُ لَهُ شَيْئا حدِّثت بِهِ عَن أَحْمَد بن يَحْيَى النَّحْوِيّ وَهُوَ أَنَّهُ ذكر الحَمْوَ والحمي وأنكرَ قَول من يَقُول حَمَى، قيل لَهُ إِن حاكيًا حكى عَنْهُ حَمَى فَقَالَ من حكى عني هَذَا فاصفعوه. فَكَأَنَّهُ انْكَسَرَ باله وَلم يظْهر رُجُوعا عَن قَوْله. وَمثل الحديا من الصَّحِيح السَّكري وسُكَيْرَى وَقَوْلهمْ غَضبى وغضيبي. وَمن الحديا قَوْل عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي:
حُدَيّا الناسِ كلِّهم جَمِيعًا ... مقارعةً بنيهم عَن بنينَا
فسّره بعضُ أهل الْعلم فَقَالَ: المقارعة المخاطرة هَاهُنَا. حديّا النَّاس: يُقالُ أَنا حدياك عَن هَذَا الْأَمر أَي أَنا أخاطرك عَلَيْهِ، أَرَادَ إِذْ نَحن نُقَاتِل النَّاس أَجْمَعِينَ نقارعهم بَينهم عَن بَينا، فَإِن غلبناهم سبينَا نساءَهم، وَإِن غلبونا فعلوا بِنَا مثل ذَلِكَ. وَقَول الْحجَّاج: " أَنا حديّا الظبي السانحِ والغرابِ الأبقع والكوكب ذِي الذَّنب " فَإِنَّهُ أَرَادَ إنَّا لثقتنا بالغلبة والاستعلاء، والإفحاطة والاستيلاء، نتحدى ارْتِفَاع الظبي سانحًا، وَهُوَ أَحْمَد مَا يكون فِي سرعته ومضائه، والغراب الأبقع فِي تحذره وذكائه، ومكره وخبثه ودهائه، وَذَا الذَّنب من الْكَوَاكِب فِيمَا ينذر بِهِ من عواقب مَكْرُوهَة وبلائه، فَقَالَ الْحجَّاج هَذَا مختالا فِي غلوائه، ومرهبًا لِمن بَين ظهرانيه من أعدائه، وَالله ذُو الْبَأْس الشَّديد بالمرصاد لَهُ ولحزبه وأوليائه.
السخاء فِي مَفْهُوم ابْن المقفع
حدَّثنا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا الْغلابِي قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْعُود بن بشر الْمَازِني قَالَ، حدَّثنا أَبُو عَمْرو خَلاد بن يزِيد الأرقط قَالَ، قَالَ ابْن المقفع: السخاء سخاءان: سخاء الْمَرْء بِما فِي يَدَيْهِ وَهُوَ أذكرهما فِي النّاس وأشهرهما، وسخاء الْمَرْء عَن مَا فِي أَيدي النَّاس وَهُوَ أَمْحَضُهُمَا فِي الْكَرم. وأنشدَ مَسْعُود:
إنَّ الْغِنَى عَن لئامِ النّاسِ مكرمةٌ ... وَعَن كرامهمُ أدْنى إِلَى الكَرَمِ
تَفْسِير أَلْقَت عصاها حِين تَمَثَّلَت بِهَا عَائِشَة
حدَّثنا محمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ الْغَنَوِيُّ قَالَ: لَمَّا نعي عليُّ ابْن أَبِي طَالِبٍ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا واستقرَّ بهَا النَّوَى ... كَمَا قرَّعيناً بِالإِيابِ الْمُسَافِرُ
стр. 645
قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ لَنَا أَبُو حسن ابْن الْبَرَاءِ، قَالَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَزْدِيُّ: مَعْنَى تَمَثُّلِ عَائِشَةَ بِهَذَا الْبَيْت: لتصنع الْعَرَب بعد عليٍّما شَاءَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهَا مَنْ يَقْمَعُهَا وَيَصْرِفُهَا عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الحقِّ. قَالَ: ثمِّ قَالَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ تَمَثُّلِهَا بِهَذَا الْبَيْتِ: إِنْ كَانَ لَمِنْ أَكْرَمِ رِجَالِنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ .
بِم تَمثل مُعَاوِيَة حِين جَاءَهُ نَعْي عَليّ
قَالَ: ولَمَّا نُعِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَة ﵁، تمثَّل بِأَبْيَات لبيد:
قُضِيَ القضاءُ وأُنْجِزَ الموعودُ ... وَالله ربِّي ماجدٌ محمودُ
وَله النَّوَافِل والفضائل كلُّها ... وَله أثيثُ الْخَيْر والمعدودُ
وَلَقَد بَلَتْ إرمٌ وعادٌ كيدهُ ... وَلَقَد بَلَتْهُ قبلَ ذَاك ثَمودُ
خلَّوا ثيابَهُم على عوراتِهم ... فهم بأفنية الْبيُوت همود
ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَة ﵁:
قد كنتُ حذَّرت الغداةَ محرّقًا ... فَأَتَت منيّته الحذارَ النّاجزا
تَمثل ابْن الزبير وَابْن عَبَّاس حِين بلغهما نعي مُعَاوِيَة ولَمَّا نُعي مُعَاوِيَة قَالَ عبد الله بن الزبير: ذهب وَالله عزُّ بني أميَّة، كَانَ وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
رَكُوبُ المنابرِ ذُو همّةٍ ... معنٌّ بخطبته مجْهَرُ
تثوبُ إِلَيْهِ هوادي الْكَلَام ... إِذا ضلَّ خطْبته الْمِهْمَر
ولِمّا بلغ نعيهُ عبدَ الله بن الْعَبَّاس قَالَ:
جبلٌ تصدَّع ثُمَّ مَال بركنِهِ ... فِي الْبَحْر لَا رُتِقَتْ عَلَيْهِ الأبحرُ
تَمثل مُعَاوِيَة لَمَّا نُعي إِلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ
قَالَ: ولَمَّا نُعي عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَة قَالَ:
مَاذَا رزئنا بِهِ من حيّةٍ ذَكَرٍ ... نضناضةٍ للمنايا صلِّ أصلالِ
ولاّجةٍ من ذرى الْأَهْوَال إِن نزلت ... خرَّاجةٍ من ذراها غير زيَّال
موقف جرير حِين نعي إِلَيْهِ الفرزدق
قَالَ: ولمَّا نُعي الفرزدق إِلَى جرير وَهُوَ بالبادية اعْترض الطَّرِيق فَإِذا أَعْرَابِي على قعودٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ جرير: من أَيْن وممَّن؟ قَالَ: من الْبَصْرَة وَمن بني حَنْظَلَة، قَالَ: هَلْ من جائية خبر؟ قَالَ: نعم، بَينا أَنا بالمربد فَإِذا أَنا بِجنَازَة عَظِيمَة قد جفل لَهَا النَّاس فِيهَا الْحَسَن بن أبي الْحَسَن الْبَصْرِيّ فقلتُ: من؟ قَالُوا: الفرزدق، فَبكى جرير بكاء شَدِيدا فَقَالَ لَهُ قومه: أَتَبْكِي على رجلٍ يهجوكَ وتهجوه مذ أَرْبَعُونَ سنة؟ قَالَ: إِلَيْكُم عَنِّي فوَاللَّه مَا تبارى رجلانِ وَلَا تناطحَ كبشان فَمَاتَ أَحدهمَا إِلَّا تبعه الآخر عَن قريب. وأنشدنا أبي الأبيات
стр. 646
عَن أبي الْهَيْثَم وَغَيره:
لعمري لَئِن كَانَ المخبِّر صَادِقا ... لقد عَظُمَتْ بلوى تميمٍ وجلَّت
فَلَا حَمَلَتْ بَعد الفرزدق حرَّةٌ ... وَلَا ذاتُ حملٍ من نِفَاسٍ تعلَّت
هُوَ الْوَافِد المحبُّو والراقعُ الثّأي ... إِذا النَّعل يَوْمًا بالعشيرة زلَتِ
قَالَ: ثُمَّ عَاشَ بعده أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَات.
قَالَ القَاضِي: قد أَتَى فِي وَفَاة الفرزدق ونعيه إِلَى جرير وَمَا رثاهُ بِهِ عدَّة أَخْبَار، وَهِي تَأتي فِي أخبارنا على تفرّقها واختلافها، إِن شَاءَ الله.
إِذا بلغت الْمدَّة
حدثَّنا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ وَسِيمٍ البوشنجي ببوشنج قَالَ: حَدثنَا عيد الرَّحْمَن بْن أَخِي الْأَصْمَعِي عَنْ عمّه قَالَ: قلتُ لأبي عليٍّ يَحْيَى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وَهُوَ فِي مَجْلِسه: لَو فعلت كَذَا لَكَانَ كَذَا، فَقَالَ لي: يَا أَبَا سعيد إِذا بلغت المدَّة، ونفدت العدَّة، حَجَزَ بَين الإِنْسَان وَبَين حِيَلِهِ سدَّة.
تَعْزِيَة للْعَبَّاس بن الْحَسَن
حدَّثنا عمر بن الْحَسَن بن مَالك الشَّيْبَانِيّ قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّد بن زيد قَالَ: عزَّى الْعَبَّاس بن الْحَسَن رجلا فَقَالَ: لَمْ آتكَ شاكًّا فِي حزمك وَلَا زَائِدا فِي علمك، ولكنّه حق الصّديق على الصّديق، فاسبق السلوَّ بالصير.
الْحَدِيثُ فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصَّولي قَالَ: حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبد اللَّهِ بْنُ الصبَّاح قَالَ: قَالَ الْمَنْصُورُ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: مَا بلغلك فِي الْكَلْبِ؟ قَالَ: قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لِغَيْرِ زرعٍ وَلا حراسةٍ وَلا صيدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يومٍ قِيرَاطٌ، قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ جَاءَ الْحَدِيثُ، قَالَ الْمَنْصُورُ: خُذْهَا بِحَقِّهَا، ذَاكَ لأَنَّهُ يَنْبَحُ الضَّيْفَ ويروِّع السَّائِلَ.
أموي يتشفع بِيَحْيَى الْبَرْمَكِي لَدَى الرشيد
حَدَّثَنِي أَبُو النَّصْر الْعقيلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَن بن رَاهَوَيْه الْكَاتِب قَالَ: قَالَ يَحْيَى بن خَالِد الْبَرْمَكِي فِي أَيَّام الرشيد: جَاءَنِي رجلٌ وَأَنا فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فذكرَ أَنَّهُ من بني أميَّة، وَقَالَ: إِنِّي قصدتُ أَمِير الْمُؤمنِينَ لاستوصله وأمتَّ إِلَيْهِ برحمي، فَإِن رأيتَ أصلحكَ الله أَن توصلني إِلَيْهِ لأخاطبه بِما يَبْعَثهُ على بري وصلتي فعلتَ، وَأَنت الشريكُ فِي الشُّكْر وَالْأَجْر، فتذمَّمت أَن أردَّه بِغَيْر قَضَاء حَاجته، فدخلتُ على الرشيد فاستأذنته لَهُ، فَأذن فَدخل فسلَّم وَأحسن ودعا فَأكْثر، ثُمَّ أنشأ يَقُول:
يَا أمينَ الله إِنِّي قائلٌ ... قولَ ذِي دينٍ وصدقٍ وحَسَبْ
لكمُ الفضُل علينا وَلنَا ... بِكُم الفخرُ على كلِّ الْعَرَب
стр. 647
عبدُ شمسٍ كَانَ يَتْلُو هاشمًا ... وهما بعدُ لأمٍّ ولأب
فَصِلِ الْأَرْحَام منَّا إنَّما ... عبدُ شمسٍ عمُّ عبدِ المطلّب
قَالَ: فَأمر لَهُ الرشيد بجائزة عَظِيمَة فأحضرت فقبضها ثُمَّ خرج، وَخرجت لألحقه وأُضيفَ إِلَى جَائِزَة أَمِير الْمُؤمنِينَ صلَة من مَالِي فَلم أَرَهُ، فأمرتُ بِطَلَبِهِ فَلم أَجِدهُ. قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر: " وأمتُّ إِلَيْهِ برحمي " أَي أُدْلِي، وَمثله أمطُّ وأمدّ.
ذُو القرنين وَأمة متزهدة
حَدَّثَنَا عبيد الله بْن محمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا قَالَ، حَدَّثَنِي الْقَاسِم بن هَاشم أَبُو محْمَد قَالَ، حَدَّثَنَا الحكم بن نَافِع قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو عَن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيّ أَن ذَا القرنين أَتَى على أمة من الْأُمَم لَيْسَ فِي أَيْديهم شيءٌ مِمَّا يسْتَمْتع بِهِ النَّاس من دنياهم، قد احتفروا قبورًا، فَإِذا أَصْبحُوا تعهّدوا تِلْكَ الْقُبُور فكنسوها وصلَّوا عِنْدهَا، ورعوا البقل كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِم، وَقد قُيّض لَهم فِي ذَلِكَ معاش من نَبَات الأَرْض، فأرسلَ ذُو القرنين إِلَى ملكهم فَقَالَ لَهُ: أجب الْملك ذَا القرنين، فَقَالَ: مَالِي إِلَيْهِ حَاجَة، فَأقبل إِلَيْهِ ذُو القرنين فَقَالَ: إِنِّي أرْسَلْتُ إليكَ لتَأْتِيني فأبيت، أَنا ذَا قد جئْتُك، فَقَالَ لَهُ: لَو كَانَت لي إليكَ حاجةٌ لأتيتُكَ، فَقَالَ لَهُ ذُو القرنين: مَا لي أَرَاكُم على الْحَال الَّتِي رَأَيْت لَمْ أرَ أحدا من الْأُمَم عَلَيْهَا؟ قَالُوا: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: لَيْسَ لكم دنيا وَلَا شَيْء، أَفلا اتّخذتُم الذّهبَ والفضَّة فاستمتعتم بِهَا؟ فَقَالُوا: إنَّما كرهناها لِأَن أحدا لَمْ يُعطَ مِنْهَا شَيْئا إِلَّا تاقت نَفسه وَدَعَتْهُ إِلَى أفضل مِنْهُ، فَقَالَ: مَا بالكم قد احتفرتم قبورًا فَإِذا أَصْبَحْتُم تعهدتموها فكنستموها وصليتم عِنْدهَا؟ قَالُوا: أردنَا إِذا نَظرنَا إِلَيْهَا فأمَّلنا الدُّنْيَا منعتنا قبورنا من الأمل، قَالَ: وأراكم لَا طَعَام لكم إِلَّا البقل من الأَرْض، أَفلا اتّخذتم الْبَهَائِم من الْأَنْعَام فاحتلبتموها وركبتموها وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا؟ قَالُوا: كرهنا أَن نجعلَ بطوننا قبورًا لَهَا، ورأينا أَن فِي نَبَات الأَرْض بلاغًا، وإنَّما يَكْفِي ابْن آدم أدْنَى الْعَيْش من الطَّعَام وإنّ مَا جاوزَ الحنك لَمْ نجد لَهُ طعمًا كَائِنا مَا كَانَ من الطَّعَام. ثُمَّ بسط ملك تِلْكَ الأَرْض يَده خلف ذِي القرنين فَتَنَاول جمجمة فَقَالَ: يَا ذَا القرنين أَتَدْرِي من هَذَا؟ قَالَ: لَا، وَمن هُوَ؟ قَالَ: ملكٌ من مُلُوك الأَرْض أعطاهُ الله سُلْطَانا على أهل الأَرْض فغشم وظلم وعتا، فلمَّا رأى الله ذَلِكَ مِنْهُ حسمه بِالْمَوْتِ، فَصَارَ كالحجر الْملقى قد أحصى الله عَلَيْهِ عمله حَتَّى يجْزِيه فِي الْآخِرَة. ثُمَّ تنَاول جمجمة أُخْرَى فَقَالَ: يَا ذَا القرنين هَلْ تَدْرِي من هَذَا؟ قَالَ: لَا، وَمن هُوَ؟ قَالَ: هَذَا ملك ملّكه الله بعدهمْ، قد كَانَ يرى مَا يصنع الَّذِي قبله بِالنَّاسِ من الغشم وَالظُّلم والتجبّر، فتواضع وخشع لله وَعمل بِالْعَدْلِ فِي أهل مَمْلَكَته فَصَارَ كَمَا ترى، قد أحصى الله عَلَيْهِ عمله حَتَّى يجْزِيه فِي آخرته. ثُمَّ أَهْوى إِلَى جُمجمة ذِي القرنين فَقَالَ: وَهَذِه الجمجمة كَأَن قد كَانَت كهاتين، فَانْظُر يَا
стр. 648
ذَا القرنين مَا أَنْت صانعٌ. فَقَالَ لَهُ ذُو القرنين: هَلْ لَك فِي صحبتي فأتّخذ ك أَخا ووزيرًا وشريكًا فِيمَا آتَانِي الله من هَذَا المَال؟ قَالَ: مَا أصلحُ أَنا وَأَنت فِي مَكَان وَلَا أَن نَكُون جَميعًا. قَالَ ذُو القرنين: ولِمَ؟ قَالَ: من أجل أنّ النّاس كلهم لَك عَدو ولي صديق، قَالَ: وَلم ذَاك؟ قَالَ: يعادونك لِما فِي يدك من الْملك وَالْمَال وَالدُّنْيَا، وَلَا أجدُ أحدا يُعاديني لرفضي لذَلِك وَلما عِنْدِي من الْحَاجة وقلَّة الشَّيْء، فَانْصَرف عَنْهُ ذُو القرنين.
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا إِذا اعْتَبرهُ ذُو اللُّبِّ وفكر فِيهِ وتأملّه أدَّاه بِتَوْفِيق الله جلّ وعزّ إِلَى الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَة فِي الْآخِرَة. وَلِذِي القرنين عندنَا فِي هَذَا الْمَعْنى أخبارٌ تَأتي متفرّقة فِيمَا يَأْتِي من مجَالِس هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله.
جود أبي دلف وجود أبي البخْترِي
حدَّثنا عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد النحويّ قَالَ: أَنْشدني ابْن أبي دلف قَول ابْن أبي فنن فِي أَبِيه أبي دلفٍ:
مَا لي وَمَا لَك قد كلفتني شططًا ... حمْلَ السلاحِ وقولَ الدّارعين قفِ
أمِن رجال المنايا خِلْتَني رجلا ... أُمسي وَأصْبح مشتاقًا إِلَى التَّلف
تسْعَى المنايا إِلَى غَيْرِي فأكرهها ... فَكيف أسْعَى إِلَيْهَا عاريَ الكتفِ
يَا هَلْ حسبت سوادَ اللَّيْل غيّرني ... وأنَّ روحيَ فِي جَنْبَيْ أبي دلفِ
قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ أَبُو دلف بِخَمْسِمِائَة دِينَار، فقلتُ لَهُ: هلا فعل أبوكَ كَمَا فعل أَبُو البخْترِي القَاضِي؟ قَالَ: وَمَا فعل؟ قلتُ: رُوِيَ لنا أَن رجلا باذّ الْهَيْئَة دخل على قومٍ وهم على شراب لَهُم فحطّوا مرتبته فِي الشَّرَاب فَقَالَ:
نبيذانِ فِي مجلسٍ واحدٍ ... لإيثار مثرٍ على مقترِ
وَلَو كنتُ تفعلُ ذَا فِي الطَّعَام ... لزمتَ قياسَك فِي الْمُسكر
وَلَو كنت تسلك سبل الْكِرَام ... سلكتَ سَبِيل أبي البخْترِي
تتبّع إخوانَه فِي الْبِلَاد ... فأغنى المقلَّ عَن المكثر
قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ أَبُو البخْترِي بِأَلف دِينَار.
قَالَ القَاضِي: وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة قبل الْبَيْت الأول من هَذِه الأبيات:
تأمَّلْ قَبِيح الَّذِي جِئْته ... تَجده خُلُوفَ فمِ الأبخرِ
وَهَذَا من قَبِيح الهجاء وَفِيهِ مُبَالغَة فِي الذَّم عَجِيبَة. وأنشدنا فِي هَذَا الْمَعْنى.
رأيتُ نبيذين فِي مجلسٍ ... فَقلت لساقٍ لنا مَا السَّبب
فقالَ الَّذِي نحنُ فِي بيتِه ... يفضِّل قوما بسوءِ الأدبْ
стр. 649
تَعْرِيف بِأبي البخْترِي
فأمَّا أَبُو البخْترِي هَذَا فَهُوَ وهب الْقرشِي الْأَسدي الفِهري؛ قَالَ القَاضِي: وَله أخبارٌ كَثِيرَة، ومدحه الشُّعَرَاء مدحًا كثيرا لسماحته وسعة عطائه واستفاضة مكارمه وسجاحة أخلاقه، وَقد ذمَّه آخَرُونَ وَطعن فِيهِ الْأَئِمَّة من الأكابر والرؤساء وأعلام الْمُحدثين وَالْعُلَمَاء ونسبوهُ إِلَى الْكَذِب فِيمَا يرويهِ وَوضع كثيرٍ من الحَدِيث الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ، وهجاهُ بِهذا الْمَعْنى بعض الشُّعَرَاء، وَلَعَلَّ بعض مَا لَمْ نذكرهُ من أخباره يَأْتِي فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْمجْلس السَّابع وَالثَّمَانُونَ
حَدِيثٌ فِي أَدَاءِ حُقُوقِ الْمَالِ
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيلَ الأَدَمِيُّ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ وثلثمائة قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ يَعْنِي الأَزْرَقَ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلْمَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ صَاحب إبلٍ وَلَا بقيرٍ وَلا غنمٍ لَا يُؤَدِّي حقَّها إِلا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بقاعٍ قرقرٍ تطأه ذَاتُ الخفِّ بِخُفِّهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يومئذٍ لَا جمَّاء وَلا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: إِطْرَاقُ فَحْلِهَا.
شرح بعض أَلْفَاظ الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: قَوْله: " بقاعٍ قَرْقَر " أَي أملسَ مستوٍ، ويُقالُ قاع قرق وقرقر وقرقوس، وَمن القرق قَول الراجز.
كَأَنّ أيْديهنَّ بالقَاعِ القَرِقْ ... أَيدي جوارٍ يتعاطينَ الوَرِقْ
وَقَوله: " إطراق فَحلهَا ": يُقال أطرق الرجل فَحل إبِله: من طلبه ليطرقَ إناثَ إبِله للنتاج، وَفِي هَذَا مَا يدلُّ على وجوب الإطراق على صَاحب الْفَحْل، وَلذَلِك نَهَى رَسُول الله ﷺ عَن عسيب الْفَحْل وَهُوَ إِجَارَته للضراب.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الأُبَلِّيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ عُمَرُ بن عَبدُوس الهمذاني بالإسكندرية قَالَ: حَدثنَا هاني بْنُ مُتَوَكِّلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَعُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ فِحْلَةَ فَرَسِهِ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سهل القشي قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَعُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقَاضِي قَالَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ فِحْلَةَ فَرَسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُقَيْلَ بْنَ خَالِدٍ. قَالَ القَاضِي: فإجارة
стр. 650
الْفَحْل للضراب غير جَائِزَة لِما وردَ فِيهَا من نهي رَسُول اللَّهِ ﷺ . ولأنَّ ذَلِكَ من الْغرَر الَّذِي نَهَى عَنْهُ النبيُّ ﷺ إِذْ قد يُراد الْفَحْل على الضراب فيمنتع، وَقد يُكْرَهُ مِنْهُ الضراب فيتوثَّب عَلَيْهِ، فَهُوَ مَحْظُور بِما ورد من الْأَخْبَار وبدليل النّظر من جِهَة الْقيَاس وَالِاعْتِبَار وَكَانَ مَالك فِي من سلك سَبيله من أهل الْمَدِينَة يجيزونَ هَذَا ويرخصونَ فِيهِ وَلَا يرونَ بِهِ بَأْسا، وَالسّنة وَالْقِيَاس أولى بالاتباع. وَمن العسب قَول زُهَيْر:
وَلَوْلَا عَسْبُهُ لتركتموهُ ... وشرُّ منيحةٍ أيرٌ مُعَارُ
وَقد جَاءَ فِي الْأَمر بإطراق الْفَحْل أخبارٌ كَثِيرَة، وَرُوِيَ من التوعد مثل مَا ذكرنَا فِي هَذَا الْخَبَر فِي مَانع الزَّكَاة، وَجَائِز أَن يقعَ التعذيبُ بِما وَصفنَا، وكلِّ من منع حقًّا وَجب فِي هَذَا المَال عَلَيْهِ بزكاةٍ أَو غَيرهَا.
أَعْرَابِي يخضب لحيته
حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيد قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَمه الْأَصْمَعِي قَالَ: قدم علينا أَعْرَابِي من الْبَادِيَة شيخٌ كبيرٌ، فقصدته فَوَجَدته يخضب لحيته، فَقَالَ مَا حَاجَتك؟ فَقلت: بَلغنِي مَا خصَّك الله بِهِ فجئتك لأقتبس مِنْك، يَا ابنَ أخي إنَّكَ جئتني وَأَنا أخضب، وَإِن الخضاب من عَلَامَات الْكبر، وَوَاللَّه لطالما غدوتُ على صيدِ الوحوش، وسرتُ أَمَام الجيوش، واختلت فِي الرِّدَاء، ولهوتُ بِالنسَاء، وقريتُ الضيفَ، وأرويتُ السَّيْف، وشربتُ الراح، ونادمتُ الجحجاح، والآن فقد حناني الْكبر، وَضعف مني الْبَصَر، وحلَّ بعد الصفو الكدر، وَأَنْشَأَ يَقُول:
شيبٌ تعلِّله كَيْمَا تغرَّ بِهِ ... كَهَيئَةِ الثوبِ مطويًا على مِزَقِ
قد كنتُ كالغصنِ ترتاحُ الرياحُ لَهُ ... فصرتُ عودًا بِلَا ماءٍ وَلَا وَرَقِ
قَالَ القَاضِي: ويروى " كَيْمَا تدلسه "، وَقَالَ أَيْضا: يرْوى " كالعود ".
صبرا على الدَّهْر إنَّ الدهرَ ذُو غيرٍ ... وأهلُهُ مِنْهُ بَين الصفوِ والرَّنق
خطْبَة لعمر بن عبد الْعَزِيز وَشرح بعض ألفاظها
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأَزْدِيّ عَن ابْن أُخْت أَبِي الْوَزِيرِ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الناسَ بِعَرَفَة فَقَالَ، بعد أَن حمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ: أيُّها النَّاس إنَّكم قد جئْتُمْ من الْقَرِيب والبعيد، وأنضيتم الظّهْر، وأخلقتم الثِّيَاب، وَلَيْسَ السَّابِق اليومَ مَنْ سبقتْ رَاحِلَته أَو دَابَّته، ولكنَّ السابقَ اليومَ من غفر لَهُ.
قَالَ القَاضِي: قَوْله: " أنضيتم الظّهْر " أَي اشْتَدَّ سيركم عَلَيْهِ، فكلَّ وضمر لأنكم جهدتموه وهزلتموه فَصَارَ نضوًا، يُقَال: هُوَ نضو، فِي الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْجمع، وَقد يُقال: للْأُنْثَى نضوة وجَمعها نضوات وأنشدوا:
وروضةٍ سقيتُ مِنْهُ نِضْوَتي
стр. 651
وَالرَّوْضَة مَا يبْقى من المَاء فِي الْحَوْض. ويُقال: حَمَلٌ نضوٌ، وجَمْعَه أنضاء. وَقد زعم بعضُ اللغويين أَنَّهُ يُقال: نَضَوْتُ الظهرَ كَمَا يُقال: نضا ثَوْبه إِذا نَزعه ينضوه نضوًا، وَمن ذَلِكَ قَول امْرِئ الْقَيْس:
فَجئْت وَقد نضَتْ لنومٍ ثِيَابهَا ... لَدَى السّتْر إِلَّا لبسة المتفضّلِ
وَقَالَ من ذهب إِلَى هَذَا: إِنَّه يُقال نضا الرجلُ ثَوْبه إِذا نَزعه، ونضوتُهُ عَنْهُ إِذا أَلقيته عَنْهُ، فكأنَّ الَّذِي جهدَ رَاحِلَته وكدَّها حَتَّى هزلها أَو أرذاها نزع عَنْهَا مَا كَانَ لَهَا من من سمن وَقُوَّة، ويُقال: رَاحِلَة مهزولةٌ وهزيلٌ مثل مقتولة وقتيل، وَإِذا سَقَطت من إتعابك لَهَا وعُنْفِكَ بِهَا وَشدَّة سيركَ عَلَيْهَا فقد أرذيتها، وَهِي رذيَّة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
يَا ربَّ ملكٍ قد تركتُ رذيَّة ... تقلّبُ عينيها إِذا طارَ طائرُ
وَتجمع رذايا كَمَا قَالَ الإياديّ:
رذايا كالبلايا أَو ... كعيدانٍ من القَضْبِ
وَمن كَلَامهم: أَتَت الرذايا تحمل البلايا، والقَضْبُ الرّطبَة، قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حبّاً وَقَضْبًا " " عبس: ٢٧ ".
تصرف مُؤذن فِي زمن الْورْد
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد قَالَ، حَدَّثَنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: كَانَ فِي زمَان الْمَأْمُون شيخٌ مؤذِّنٌ مسجدٍ وإمامه، فَكَانَ إِذْ جَاءَ زمَان الْورْد أغلق بَاب الْمَسْجِد وَدفع مفتاحه إِلَى بعض جِيرَانه وَأَنْشَأَ يَقُول:
يَا صاحبيَّ اسقياني ... من قهوةٍ خندريسِ
على جنيَّات وردٍ ... يُذْهِبْنَ همَّ النفوسِ
خذا من الْورْد حظًّا ... بالقصفِ غير خسيس
مَا تنظرانِ وَهَذَا ... أَوَان حثِّ الكؤوس
فبادرا قبلَ فَوت ... لَا عِطْرَ بعد عروس
قَالَ: فَلَا يزالُ على هَذَا حَتَّى إِذا انْقَضتْ أَيَّام الْورْد رَجَعَ إِلَى مَسْجده وَأَنْشَأَ يَقُول:
تبدلت من ورد جنيّ ومسمع ... شهيٍّ وَمن لَهو وَشرب مدامِ
وأنسٍ بِمن أَهْوى وصَحْبٍ ألفتهم ... بكأس ندامى كالشموسِ كرام
أذانًا وإخباتًا وقومًا أؤمّهم ... لصرف زمانٍ مولعٍ بغرامِ
فَذَلِك دأبي أَو أرى الْورْد طالِعًا ... فأتركُ أَصْحَابِي بِغَيْر إمامِ
وأرجعُ فِي لهوي وأتركُ مَسْجِدي ... يؤذِّن فِيهِ من يشا بِسَلام
قَالَ القَاضِي: الخندريس من أَسمَاء الْخمر وَقد أَكثر الشُّعَرَاء من تَسْمِيَتهَا بِهذا، وَزعم
стр. 652
بَعضهم أَن أَصله بِالْفَارِسِيَّةِ وَأَنه كندريش أَي أَن شاربها يخفُّ ويطرب فينتف لحيته.
دسائس الْأَحْوَص
حدَّثنا محمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَليّ الْعَنزي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الذارع قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيد بن هِشَام القحذمي قَالَ: وَفَد وفْد من الْمَدِينَة إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك بِالشَّام، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس وَالنَّاس عِنْده إِذْ دخل عَلَيْهِ عبد للأحوص بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ فَقَالَ: أعوذُ بِاللَّه وَبِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مِمَّا يكلفني الْأَحْوَص قَالَ: وَمَا يكلّفك؟ قَالَ: فَأخْبرهُ أَنَّهُ يُريدهُ على أَمر مَذْمُوم، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: كذبت أَي عدوَّ الله على مَوْلَاك، اخْرُج، قَالَ: فَخرج فلمّا شاع الْخَبَر اندسَّ الْأَحْوَص إِلَى غُلَام رجلٍ من آل أبي لَهب فَقَالَ لَهُ: إنْ دخلتَ على أَمِير الْمُؤمنِينَ فشكوت من مَوْلَاك مَا شكا عَبدِي منّي أعطيتُكَ مِائَتي دِينَار، فَدخل العَبْد على الْوَلِيد فَشَكا من مَوْلَاهُ مَا شكا عبد الْأَحْوَص مِنْهُ، ومولاه جالسٌ عِنْد الْوَلِيد فِي السماطين، فَنظر إِلَيْهِ الْوَلِيد فَقَالَ: مَا هَذَا يَا فلَان؟ فَقَالَ: مظلومٌ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين واللَّه مَا كَانَ هَذَا، وَهَذَا وفدُ أهل الْمَدِينَة فسلهم عني، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: مَا أبعده ممَّا رماهُ بِهِ غُلَامه، فَقَالَ: خذوهُ فأُخذَ الْغُلَام فضُربَ بَين يَدي الْوَلِيد، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تعجل عليَّ حتَّى أخْبرك بِالْأَمر، أَتَانِي الْأَحْوَص فَجعل لي مِائَتي دِينَار على أَن أدخلَ عَلَيْك فأشكو من مولَايَ مَا شكا عبد مِنْهُ. فأرسلَ إِلَى الْأَحْوَص فأُتِيَ بِهِ فَأمر بِه الْوَلِيد فجُرد وَضرب بَين يَدَيْهِ ضربا مبرحًا وَقَالَ: أَي عدوَّ الله سترتُ عَلَيْك مَا شكا عَبدك فعمدت إِلَى رجلٍ من قُرَيْش تُرِيدُ أَن تفضحه؟! فسُيّر إِلَى دَهلك، جَزِيرَة فِي الْبَحْر، فَلم يزل مسيَّراً أَيَّام الْوَلِيد وَسليمَان، فلمّا كَانَت خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَجَعَ الْأَحْوَص إِلَى الْمَدِينَة وَقَالَ: هَذَا رجلٌ أَنا خَاله - يَعْنِي عمر - فَمَا يصنعُ بِي. وَكَانَت أم عمر بن عبد الْعَزِيز بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب وَأم عَاصِم أنصارية بنت عَاصِم بن أبي الأقلح الأَنْصَارِيّ.
قَالَ القَاضِي: هُوَ عَاصِم بن ثَابت بن قيس وَهُوَ أَبُو الأقلح.
الْأَحْوَص ومعبد وزين الغدير
فبلغَ ذَلِكَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَأمر بِهِ فردَّ إِلَى دهلك، فلمَّا قَامَ يزِيد بن عبد الْملك رجعَ الْأَحْوَص إِلَى الْمَدِينَة ثُمَّ إِنَّه خرج وافدًا إِلَى يزِيد بن عبد الْملك فمرَّ بِمعبد المغنّي فَقَالَ لَهُ معبد: الصُّحْبَة يَا أَبَا عُثْمَان، قَالَ: مَا أحبُّ أَن تصحبني، تَقُولُ وُفُود الْعَرَب هَذَا ابْن الَّذِي حَمَتْ لَحْمَهُ الدَّبر والغسيل معبدٌ مَعَه مغنّ فَقَالَ: لابدّ وَالله من الصُّحْبَة، فلمّا أَبى إِلَّا أَن يَصْحَبهُ ذهب فلمّا نزل البلقاء، وَهِي من الشَّام، أَصَابَهُم مطرٌ من اللَّيْل، فَأَصْبَحت الْغُدُر مَمْلُوءَة، فَقَالَ للأحوص: لَو أَقَمْنَا الْيَوْم هَاهُنَا فتغدينا على هَذَا الغدير، ففعلا، ورُفِعَ لَهما قصرٌ لَمْ يريَا بِنَاء غَيره، فلمّا أَصْبحُوا خرجت جاريةٌ مَعهَا جرّةٌ إِلَى غَدِير من تِلْكَ
стр. 653
الْغُدر فملأت جرَّتها، فلمّا رفعتها وَمَضَت بِهَا رَمَت بالجرَّة فكسرتها، فَقَالَ معبد للأحوص: أرأيتَ مَا رأيتُ وَمَا صنعت هَذِه؟ قَالَ: نعم، فأرسلَ إِلَيْهَا الْأَحْوَص بعض غلمانه فَقَالَ: مَا حملكَ على مَا صنعت فقد رَأينَا الَّذِي صنعت؟ قَالَ: إِنِّي طربت، قَالَ: وَمَا أطربك؟ قَالَ: ذكرتُ صَوتا كُنَّا نغني بِهِ أَنا وَصَوَاحِب لي بِالْمَدِينَةِ فأطربني فَكسرت الجرَّة، قَالَ: وَمَا الصَّوْت؟ قَالَ:
يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزَّل ... حذر العدى وَبِه الْفُؤَاد موكَّل
قَالَ: ولِمَن هَذَا الشّعْر؟ قَالَ: للأحوص الأَنْصَارِيّ، قَالَ: فالغناء؟ قَالَت: لمعبد، فَقَالَا لَهَا: أفتعرفيننا؟ قَالَت: لَا، قَالَ: فَأَنا الْأَحْوَص وَهَذَا معبد، لمن كنت بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَت: لآل فلَان، اشتراني أهلُ هَذَا الْقصر فصرت هَاهُنَا مَا أرى أحدا غَيرهم، وَقَالَت: فإنَّ لي حَاجَة، قَالَا: مَا حَاجَتك؟ قَالَت لمعبد تغنيني، قَالَ الْأَحْوَص لمعبد: غنّها، قَالَ: فَجعلت تقترحُ ويغنيّها حَتَّى قَضَتْ حَاجَتهَا ثُمَّ قَالَا لَهَا: أتحبينَ أَن نعملَ لَك فِي الْخُرُوج من هَاهُنَا؟ قَالَت: نعم، فلمّا قدما على يزِيد بن عبد الْملك ودخلا عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْأَحْوَص: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي رأيتُ فِي مسيرنا عجبا، نزلنَا إِلَى البلقاء فَرَأَيْنَا جَارِيَة، وقصّ عَلَيْهِ قصَّتهَا قَالَ: أفتعرفها؟ قَالَ: نعم، فسمَّاها وَأَهْلهَا موضعهَا وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا الَّذِي أقولُ فِيهَا: "
إنَّ زينَ الغدير من كسر الجرَّ وغنى غنّاء فحلٍ مجيدِ
قلتُ من أَنْت يَا ظعينَ فَقَالَت ... كنتُ فِيمَا مضى لآل الوليدِ
ثُمَّ بدِّلت بعد حيِّ قريشٍ ... من بني عامرٍ لآلِ الوحيد
فغنائي لمعبدٍ ونشيدي ... لِفتى النَّاس الأحوصِ الصنديد
يعجز المالُ عَن شراكِ ولكنْ ... سَوف نُسْميك للهمام يزِيد
قَالَ: فَمضى لذَلِك مَا مضى، ثُمَّ دخلَ الْأَحْوَص ومعبد جَميعًا على يزِيد فَأخْرج إِلَيْهِمَا الْجَارِيَة ثُمَّ قَالَ لَهَا الْأَحْوَص: أوفينا لَك؟ قَالَت: نعم جزاكما الله خيرا.
من هِيَ عَاتِكَة الَّتِي يذكرهَا الْأَحْوَص
قَالَ أَبُو عَليّ وحدَّثني مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الذارع قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيد بن هِشَام قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ أَن عَاتِكَة الَّتِي ذكر الْأَحْوَص بَيتهَا هِيَ عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة، وإنَّما كنى عَن امرأةٍ سمّاها غَيرهَا، وَكَانَ يشبّب بِهَا فَذكر عَاتِكَة وبيتها، لِأَن بيتَ عَاتِكَة كَانَ إِلَى جنب بَيت تِلْكَ الْمَرْأَة، وَقد أدخلا جَميعًا فِي مَسْجِد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
تَعْلِيق وَشرح
قَالَ القَاضِي: الَّذِي حُكِيَ عَن الْأَحْوَص فِي هَذَا الْخَبَر من سَعْيه فِي أَمر اللهبي وَالْكذب عَلَيْهِ وَإِضَافَة مَا لَيْسَ فِيهِ إِلَيْهِ من ألأم الْأَخْلَاق وأفحشها، وأقبح الْمذَاهب وأوحشها،
стр. 654
وفاعله متعرض لِما وعد الله من فعله من عَذَابه وأليم عِقَابه، وَقد مضى فِيمَا تقدّم من مجالسنا هَذِه ذكر قصَّة بني أُبَيْرِق ورميهم بفعلهم من هُوَ بَرِيء مِنْهُ، وَإِن الله تَعَالَى أنزلَ فِي ذَلِكَ: " وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا " " النِّسَاء:١١٢ " وَقَوله فِي عَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح: " الَّذِي حمت لَحْمَه الدَّبر " لما قُتل أَرَادَ الْمُشْركُونَ أَخذه وَكَانَ قد دَعَا الله تَعَالَى أَن لَا يمسَّه مُشْرك، فأرسلَ الله تَعَالَى الدَّبر فأحاطت بِهم وحَمَتْهُ فَلم يصلوا إِلَيْهِ، فلمّا جَاءَ الليلُ أرسلَ الله سيلا فاحتمله من الْوَادي وفاتهم، ولقتله قصَّة أَنا ذاكرها:
عَاصِم حميّ الدَّبر
كَانَ أَبُو سُلَيْمَان عَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح شهد بَدْرًا وأحدًا، وَثَبت حِين ولَّى النَّاس يَوْم أحد عَن رسل اللَّهِ ﷺ مَعَه، وَبَايَعَهُ على الْمَوْت، وَكَانَ من الرُّمَاة الْمَذْكُورين من أَصْحَاب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَذكر أَنَّهُ قتل يَوْم أحد من أَصْحَاب اللِّوَاء من الْمُشْركين الْحَارِث وشافعًا ابْني طَلْحَة بن أبي طَلْحَة، وأمُّهما سلافة بنت سعيد بن الشَّهِيد من بني عَمْرو بن عَوْف، فنذرت أَن تشرب فِي رَأس عاصمٍ الْخمر، وَجعلت لِمن جَاءَ بِرَأْسِهِ مائَة ناقةٍ، فَقدم ناسٌ من بني لحيان من هُذَيْل على رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فسألوهُ أَن يوجِّه إِلَيْهِم من يفقّههم فِي الدَّين، فبعثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَهم ستَّة نفر أحدهم عَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح.
فَلَمَّا صَارُوا على الرَّجيع استصرخوا عَلَيْهِم هذيلا، فَلم يشعروا وهم فِي رحالِهم إِلَّا وبارقة السيوف قد غشيتهم. فَقَاتلهُمْ مرْثَد بن أبي وخَالِد بن البكير وَعَاصِم بن ثَابت حَتَّى قتلوا، وأمّا الْآخرُونَ فاستأسروا وَحَال بَين الَّذِينَ قتلوا وَبَين رَأس عَاصِم أَن يأخذوهُ الدّبرُ، فتركوهُ وَقَالُوا: حَتَّى نمسي فنأخذه، فَبعث الله السَّيل إِلَى الْوَادي فاحتملَ عَاصِمًا فَذهب بِهِ.
قَالَ القَاضِي: والدَّبر النّحل كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤيب الْهُذلِيّ.
إِذا لَسَعَتْهُ الدَّبر لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخالفها فِي بيتِ نوبٍ عواملِ
ويُرْوَى: عواسل. النوب: السود من النّوبَة واللوبة والأوبة، ويروى إِذا لسعته النَّحْل. وَقيل: إِن النوب الَّذِينَ ينوبونَ وَلَيْسَ من اللّون. وَقَوله: " لَمْ يرجُ لسعها " معناهُ لَمْ يَخَفْ. وَقيل: فِي قَول الله تَعَالَى: " مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للَّه وَقَارًا " " نوح:١٣ " إنّ معناهُ لَا تَخافونَ لله عَظمَة. وَمن ذَلِكَ قَول الراجز:
مَا ترتجي حِين تُلاقي الزائدا ... أَسَبْعَةً لاقت مَعًا أَو وَاحِدًا
وَقَول الشَّاعِر:
لعمرك مَا أَرْجُو إِذا كنت مُسلما ... على أيِّ جنبٍ كَانَ فِي الله مصرعي
يَعْنِي: مَا أَخَاف، وَقيل فِي قَول الله : " وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَالا يَرْجُونَ "
стр. 655
" النِّسَاء: ١٠٤ " إِن معناهُ وتَخافونَ من الله مَالا يخَافُونَ، وممَّن قَالَ هَذَا قطرب.
قَالَ القَاضِي: كأنَّما اختزل الرَّجَاء بَين الأمل وَالْخَوْف لأنَّهما مِمَّا ينْتَظر ويُرْتَجى ويُتوقّع، وَلَيْسَ المخلوقون مِنْهُ على أمرٍ يثقون بِهِ ويرقبونه ويقطعون عَلَيْهِ بِعَيْنِه. وأنكرَ الفرّاء مَا ذكره قطرب فِي هَذَا الْموضع وَقَالَ: الْعَرَب تذهبُ بالرجاء مَذْهَب الْخَوْف فِي الْإِثْبَات، وإنَّما تفعل هَذَا فِي الْجحْد وَالنَّفْي. والأحوص بن مُحَمَّد الشَّاعِر من ولد عَاصِم بن ثَابت هَذَا.
حَنْظَلَة الغسيل
وأمّا ذكره فِي الْخَبَر الغسيل فَإِن الغسيل حَنْظَلَة بن أبي عَامِر، وَاسم أبي عامرٍ عبد عَمْرو، وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتشْهد مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْم أُحد، فَأخْبر أَصْحَابه أَنَّهُ رأى الْمَلَائِكَة تُغسله، فَأرْسل إِلَى امْرَأَته فَسَأَلَهَا عَن أمره فَأَخْبَرته أَنَّهُ كَانَ مضاجعها فَلَمَّا اسْتنْفرَ للْجِهَاد مَعَ رَسُول الله ﷺ قَامَ عَن بَطنهَا مبادرًا وَلم يغْتَسل، فَقَالَ: إِنِّي رأيتُ الْمَلَائِكَة تغسله. وَكَانَ أَبُو حنيفَة يرى أَن شهيدَ المعركة إِذا قتل جُنبًا فواجبٌ على الْمُسلمين غسله، ويحتج بِقصَّة حَنْظَلَة هَذِه، وَكَانَ أَصْحَابه وَغَيرهم مِمَّن يذهب إِلَى أَن لَا يغسل الشَّهِيد يرونَ أَن الْجنب وَغَيره سَوَاء فِي ترك الْغسْل، وَإِلَى هَذَا نَذْهَب والاحتجاج فِيهِ مرسومٌ فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فِي الْفِقْه. وَأَبُو عَامِر أَبُو حَنْظَلَة كَانَ يُقال لَهُ الراهب، فسمّاهُ النَّبيّ ﷺ الْفَاسِق، وَكَانَ مِمَّن سعى فِي بِنَاء مَسْجِد الضرار الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه، وَالله تَعَالَى يَقُول: " والّذين اتّخذو مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُسلمين وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وليحلفنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى واللَّه يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " " التَّوْبَة: ١٠٧ ".
رِوَايَة أُخْرَى فِي خبر الْأَحْوَص وزين الغدير قَالَ القَاضِي: وَقد كَانَ ابْن الْأَنْبَارِي أمْلى علينا خبر الْأَحْوَص وزين الغدير بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد وعَلى مخالفةٍ فِي مَوَاضِع من الْمَتْن، فَإِن كنت قد رسمته فِيمَا مضى من هَذِه الْمجَالِس فَفِي هَذِه الرِّوَايَة زيادةٌ لَيست فِيهِ، وَإِن كَانَ فِيمَا مضى فَاتَنِي فإنني آتِي بِما أحفظه من جملَته ليحصل بِما أثْبته مِنْهُ مَا فِيهِ من زِيَادَة من غير إطالة بِذكر إِسْنَاده وأعيان أَلْفَاظه، وَهُوَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي وصفت أمرهَا أَن يزِيد بن الْوَلِيد كتب إِلَى الضحّاك بن مُحَمَّد عَامله على الْمَدِينَة أَن وجِّه إليَّ الْأَحْوَص بن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ الشَّاعِر ومعبدًا الْمُغنِي، فجهزهما وَأَمرهمَا بِالْمَسِيرِ، فَكَانَا ينزلان فِي طريقهما للْأَكْل وَالشرب إِلَى أَن أَتَيَا البلقاء، وَهُوَ منزل بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، فَجَلَسَا هُنَالك فأكلا، وجلسا على نَهرها. فَإِذا هما بِجَارِيَة قد خرجت من قصرٍ هُنَالك وَمَعَهَا جرٌّ، فاستقت فِيهِ من الغدير، ثُمَّ إنَّها أَلْقَت الجرّ فانكسر فَجَلَست تبْكي، فَسَأَلَاهَا عَن شأنِها وَلمن كَانَت، فَقَالَت: لرجلٍ بِمكة من قُرَيْش، فاشتراني صَاحب هَذَا
стр. 656
الْقصر، وَهُوَ رجلٌ من بني عَامِر من آل الوحيد، بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، فَنزلت من قلبه ألطفَ منزلَة، ثمَّ إِنَّه تزوج ابْنة عمٍ لَهُم فَهُديت إِلَيْهِ، فَكَانَت تسيءُ إليّ وتكلفني أَن أستقي فِي كلِّ يومٍ من هَذَا الغدير بجرّ، فشكوتُ ذَلِكَ إِلَى الرجل فَقَالَ: إنَّما أنتِ أمةٌ وَهَذِه ابْنة عمي، فربّما ذكرت مَا كنتُ فِيهِ فَيسْقط الْجَرّ من يَدي فينكسرُ فتضربني على هَذَا، ولَمّا رأيتكما وَمَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ ذكرتُ مَا مضى من أيّامي فَسقط الْجَرّ من يَدي، ثُمَّ أخذت الْعود وغنّت:
يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزَّلحذر العدى وَبِه الْفُؤَاد موكّلإنّي لأمنحك الصّدود وإنّنيقسماً إليكَ مَعَ الصّدود لأميلُ
وَلَقَد نزلتَ من الفؤادِ بمنزلٍ ... مَا كَانَ غَيْرك والأمانةِ ينزلُ
وَلَقَد شكوتُ إليكَ بعض صبابتي ... ولَمَّا شكوتُ من الصبابة أطول
هَلْ عيشنا بكَ فِي زَمَانك راجعٌ ... فَلَقَد تفحَّش بعْدك المتعلّلُ
أعرضتُ عنكَ وَلَيْسَ ذاكَ لبغضةٍ ... أخْشَى مقالةَ كاشحٍ لَا يعقل
فَقُلْنَا لَهَا: لِمن هَذَا الشّعْر؟ قَالَت: للأحوص بن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ، قُلْنَا: فَلَمَّا الْغناء؟ قَالَت: لِمعبد المغنّي. فَقَالَ الْأَحْوَص: فَأَنا وَالله الْأَحْوَص، وَقَالَ معبد: وَأَنا وَالله معبد، فأنشأت تَقُولُ:
إِن تَرَوْني الغداةَ أسعى بجرٍّ ... أستقي الماءَ نَحْو هَذَا الغدير
فَلَقَد كنتُ فِي رخاءٍ من العَيْشِ وَفِي ظلِّ نعمةٍ وسرورِ
ثُمَّ قد تبصران مَا فِيهِ أَصبَحت وماذا إِلَيْهِ صَار مصيري
أبلغا عَنِّي الإِمَام وَمَا بلغ ... صِدْقَ الحديثِ مثلُ الْخَبِير
أنّني أضْرب الْخَلَائق بالعو ... د وأحكاهمُ لبمٍّ وَزِير
فلعلَّ الْإِلَه ينقذُ ممَّا ... أَنا فِيهِ فإننّي كالأسير
لَيْتَني متُّ يَوْم فارقتُ أَهلِي ... وبلادي وزرتُ أهل الْقُبُور
فَقَالَ الْأَحْوَص وَالله لَا أبرحُ حَتَّى أَقُول فِيهَا شعرًا، فَقَالَ:
إنَّ زينَ الغدير من كسر الْجَرّ ... رَّ وغنى غنّاء فحلٍ مجيدِ
قلتُ من أَنْت يَا ظعينَ فَقَالَت ... كنتُ فِيمَا مضى لآل الوليدِ
ثمَّ بدِّلت بعد حيِّ قريشٍ ... فِي بني عَامِر لآلِ الوحيد
فغنائي لمعبدٍ ونشيدي ... لِفتى النَّاس الأحوصِ الصنديد
فتبسّمتُ ثُمَّ قلتُ أَنا الأح ... وص والشيخُ معبدٌ فأعيدي
стр. 657
فأعادتْ فأحسنتْ ثُمَّ ولَّت ... تتهادى فقلتُ أمّ سعيد
يعجز المَال عَن شراكِ ولكنْ ... أَنْت فِي ذمَّة الهمامِ يزِيد
إنْ نذكِّر بك الإِمَام بصوتٍ ... معبدٍّ يزيلُ حَبْلَ الوريد
يفعل الله مَا يَشَاء فظنِّي ... كلَّ خيرٍ منّا هناكَ وزيدي
ثُمَّ ودّعاها وانصرفا، فلمَّا دخلا على يزِيد قَالَ للأحوص: أَنْشدني أقربَ شعر قلته فأنشده:
إنَّ زينَ الغدير من كسر الجرَّ وغنَّى غنّاء فحلٍ مجيدِ
وَقَالَ لِمعبد: غنّني أقرب غناءٍ غنيته، فغناه إِن زينَ الغدير منْ كسر الجرّ، فَقَالَ: لقد اجتمعتما على أمرٍ، فقصَّا عَلَيْهِ القصَّة، فَكتب إِلَى عَامله على البلقاء: ابتعْ هَذِه الْجَارِيَة بِما بلغت، فابتاعها بِمائة ألف دِرْهَم وأهداها إِلَى يزِيد فحظيت عِنْده، وحلَّت ألطفَ محلٍّ من قلبه. قَالَ: فوَاللَّه مَا انصرفنا حَتَّى صَار إِلَيْنَا من الْجَارِيَة مالٌ وخلعٌ وألطافٌ كَثِيرَة.
الْمجْلس الثّامِن والثَمانون
لَمَّا وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَطْبَقِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمَّا وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي نهتهم علماؤهم فَلم ينتهو، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ، قَالَ يَزِيدُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَفِي أَسْوَاقِهِمْ.
وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ فَضَرَبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى يَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا.
وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن لمنكر
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا دلّ على وجوب الأر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وهجر أهل الْمعاصِي ومجانبة المجالسة لَهم والأنس بهم، وإيناسهم يالمقاربة ومخالطتهم بالمؤاكلة والمشاربة، والتنزه عَن مداهنتهم، وَلُزُوم الْمُسلمين عطفهم على وَاجِبَات الدّين وردِّهم إِلَى اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله حَتَّى يأطروهم على الْحق أطرًا. معناهُ يعطفونَهم عَلَيْهِ عطفا. يُقال: أطرتُ الرجل على الشَّيْء آطرُه أطرًا، فَأَنا آطر بِهِ، وَهُوَ مأطور، وَمن ذَلِك قَول طرفَة بن العَبْد:
كَأَن كِنَاسَيْ ضالةٍ يَكْنُفَانِهَا ... وأَطْرَ قِسَيٍّ تَحت صلب مُؤيد
الضَّالة: السِّدْرَة فِي البريَّة الْبَعِيدَة من المَاء تُجمع ضَالًّا كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
يَا مَا أميلح غزلانًا شدنَّ لنا ... من هؤليائكن الضال والسَّمُرِ
والعبرية السِّدْرَة الَّتِي على المَاء تُجمع عُبريًّا كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
стр. 658
لاثٍ بِهِ الْأَشْيَاء والْعُبْرِيُّ
وأمّا السِّدْرَة الَّتِي تكون متوسطة بَين المَاء وَبَين الْبر فَإِنَّهَا تسمى الأشكلة. قَالَ آخر:
وَأَنْتُم أنَاس تَقْمُصُونَ من القنا ... إِذا مار فِي أكتافكم وتأطَّرا
امتحان شمر يرعش لِبَنِيهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد عَنْ مُحَمَّد بْن عَبّاد عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن الشَّرْقِي بن الْقطَامِي قَالَ: كَانَ شمر يرعش الْملك الْحِمْيَرِي مَيْمُون النقيبة مغضور الناصية مظفرًا بعيدَ الصيت وطّاءً للسَّعد، وَملك ثمانيًا وَأَرْبَعين سنة، هَكَذَا يَقُول لأهل الْيمن فِي سيرة مُلُوكهمْ فلمّا تقاربت أيّامه وأشفى على انْقِضَاء مدَّته، وَهُوَ شمر يرعش بن تبع بن يَاسر يَنعم تبع بن عَمْرو ذِي الأذعار تبع بن أَبْرَهَة ذِي الْمنَار تبع بن الرائش تبع بن قيس بن صَيْفِي، جمع بَينه وهم ثَلَاثَة: دُرَيْد ومكنف وشرحبيل، فَقَالَ: تناهت المدَة، وتقضّت الْعِدَّة، وَجَاء مَالا يدْفع، وحلَّ مَالا يُمْنَع، وَقد بلغتُ من السن مدى فِي دونه تنجِّذ التجارب ذَا الحجى، وَإِنِّي ملقٍ إِلَيْكُم كلَاما استدلُّ بجوابه على ألبابِكم، وأسبرُ بِهِ حصافة رويَتكم، لتطمئنَّ نَفسِي عِنْد فراقكم: أَنا لي خلفا أُذكرُ بِهِ وَإِن كَانَ غناءُ ذَلِكَ عنّي قَلِيلا فَقَالُوا: قل: فَقَالَ: مَا الْمجد؟ فَقَالُوا: ابتناء المكارم، وحملُ المغارم، والاضطلاع بالعظائم، وظَلَفُ النَّفس عَن ركُوب المظالِم. قَالَ: فَمَا الشّرف؟ قَالُوا: كَرَمُ الْجوَار، وصيانةُ الأقدار، وبذلُ الْمَطْلُوب فِي الْيُسر والإعسار. قَالَ: فَمَا الدناءة؟ قَالُوا: تتبّع التّافه الْيَسِير، وَمنع النزر الحقير. قَالَ: فَمَا المروّة؟ قالو: سمّو الهمَّة، وصيانة النَّفس عَن المذمَّة قَالَ: فَمَا الكلفة قَالُوا: التمَاس مَا لَا يَعْنِيك ومطالبة مَالا يؤاتيك. قَالَ: فَمَا الْحلم؟ قَالُوا: كظم الغيظ، وَضبط النَّفس عِنْد الْغَضَب، وبذل الْعَفو عِنْد الْقُدْرَة. قَالَ: فَمَا الْجَهْل؟ قَالُوا: معاجلة الْوُثُوب، والغباوة بعواقب الخطوب. قَالَ: فَمَا الجرأة؟ قَالُوا: حفظ مَا استرعيت، ومجانبة مَا استكفيت. قَالَ: فَمَا الأربة؟ قَالُوا: انتظارُ الفرصة، والتوقّف عِنْد الشُّبْهَة. قَالَ: فَمَا الشجَاعَة؟ قَالُوا: صدق الْبَأْس، وَالصَّبْر عِنْد المراس. قَالَ: فَمَا الْعَجز؟ قَالُوا: العجلة قبل الاستمكان، والتأنّي بعد الفرصة. قَالَ: فَمَا الْجُبْن؟ قَالُوا: النزق عِنْد الْفَزع، والهلع عِنْد الْجزع. قَالَ: فَمَا السماحة؟ قَالُوا حسن الْبشر عِنْد السُّؤَال واستقلال كَثِير النوال قَالَ فَمَا الشُّح. قَالُوا: أَن ترى الْقَلِيل إسرافًا، والبذل إتلافًا. قَالَ: فَمَا الظّرْف؟ قَالُوا: حسن الْمُجَاورَة، ولين المعاشرة. قَالَ: فَمَا الصَّلف؟ قَالُوا: التّعظم مَعَ صغر الْقدر، واستشعار الْكبر مَعَ قلَّة الوفر. قَالَ: فَمَا الْفَهم؟ قَالُوا: لِسَان مراعٍ، وقلب واعٍ. قَالَ: فَمَا الْغنى؟ قَالُوا: قلَّة التَّمَنِّي والرضى بِما يَكْفِي قَالَ فَمَا السُّؤدد قَالُوا: اصطناعُ الْعَشِيرَة، وحملُ الجريرة. قَالَ: فَمَا السَّنا؟ قَالُوا: حُسن الْأَدَب، ورعاية الْحسب. قَالَ: فَمَا اللُّؤم؟ قَالُوا؛ إِحْرَاز النَّفس وَإِسْلَام الْعرس. قَالَ: فَمَا الدناءة؟ قَالُوا: الْجُلُوس على الْخَسْف،
стр. 659
والرّضا بالهوان. قَالَ: فَمَا الْفقر؟ قَالُوا: شَرَهُ النَّفس، وَشدَّة الْقنُوط. قَالَ: فَمَا الشّرف؟ قَالُوا: الْفِعْل الْكَرِيم، والحَسَبُ الصميم، وَالْفرع العميم. قَالَ: انصرفوا يَا بنيَّ، الْآن أسمحت للْمَوْت قَرونتي، وَأَنْشَأَ يَقُول:
هوَّن فَقْدَ الْحَيَاة أنِّي ... خلَّفت ذكْرًا على الزمانِ
أخلافَ أسلافِ بيتِ مُلْك ... مُؤَيّد الأسِّ والبواني
فَالْآن فلترشف المنايا ... مَا أسْأر الدَّهْر من جناني
تعليقات
قَالَ القَاضِي: قَول الشَّرْقِي فِي شَمر يرعش " مَيْمُون النّقيبة مغضور النّاصية " وَصفه بالْيُمن وَالْبركَة مَعَ خلوص الْحُرِّيَّة وكَرَم النَّجر والشِّيمة، يُقَال للْأَرْض الْحرَّة الطين الطّيبَة الترب غضراء، وَمِنْه غضارة الْعَيْش وغضارة النِّعْمَة، وَمِنْه اشتق اسْم غاضرة من بني أَسد، ويروى بَيت تَوْبَة بن الْحمير:
أبيني لَنَا لَا زَالَ ريشُك ناعِمًا ... وَلَا زلت فِي غَضْراء غضٍّ نضيرُها
على وَجْهَيْن: غضراء وخضراء. وَقَوله " لَا يمْنَع " بِمعنى لَا يُرَد وَلَا يدْفع، وَقَوله " مدى فِي دونه تُنجذ التجارب ذَا الحجى " معنى تنجّذه: تحكّمه وتقرّ عقله وحلمه، والنواجذُ الأضراسُ وَاحِدهَا ناجذ، وفيهَا ناجذ ينْبت عِنْد تناهي الشَّباب ومقاربة التكهُّل يُقال لَهُ ضرس الْحلم، وتسمّيه الْعَامَّة ضرس الْعقل، قَالَ سحيم بن وثيل:
وماذا يدَّري الشعراءُ منّي ... وَقد جاوزْتُ حدَّ الْأَرْبَعين
أَخُو خمسينَ مجتمعٌ أشدِّي ... ونجَّذني مجاورة الشؤون
كسر نون الْجمع فِي " الْأَرْبَعين " لتتفق حركاتُ الْإِطْلَاق فِي قوافيه، وَهِي لُغَة ضعيفةٌ جَارِيَة فِي شذوذها مجْرى فتح نون الِاثْنَيْنِ كَقَوْل الشَّاعِر:
على أحوذيَّين آستقلَّت ركابَها ... فَمَا هِيَ إِلَّا لمحةٌ فَتَغيبُ
وَقد يُقال فِي الناب ناجذة. وَقَول بني شمر " الْجُلُوس على الخَسْف " معناهُ الهوان والمذلة، وَفِيهِ لُغَتَانِ: الخَسْف والْخُسْف، قَالَ الراجز يصف النَّبِيّ ﷺ : " إنْ سيم خسفًا وجهُهُ تربَّدا " فِي إِعْرَاب هَذَا الْبَيْت وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يكون سيم فعلا فَارغًا لقَوْله وَجهه، وَوَجهه مَرْفُوع لِأَنَّهُ لَمْ يسمَّ فَاعله، وَالتَّقْدِير فِيهِ إِن سيم وَجهه خسفًا، وَهَذَا من الْبَاب الَّذِي يُقال فِيهِ فعلت هَذَا لوجهك أَي لَك، وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون فِي سيم ضمير هُوَ اسمٌ للنَّبِي ﷺ أَي سيم بِمعنى إِن سيم رَسُول الله ﷺ خسفًا، وَقَوله تربَّدا ابْتِدَاء، وَخبر جملَته جَوَاب الشَّرْط " وَهُوَ إِن سيم ". كَأَنَّهُ قَالَ إِن سيم رَسُول اللَّهِ ﷺ خَسْفًا تربَّد وجهُه أَي تنكر، وَأبي أنفًا وحميَّة وغضبًا. وَقَول شمر: " الْآن أسْمَحت للْمَوْت قَرُونتي " أَي طابت
стр. 660
بِهِ نَفسِي واستسهلته، يُقَال: سمحت بالشَّيْء وأسمحت قَالَ ابْن مقبل:
هَل الْقلب عَن دهماء سَالَ فَمُسْمِحُ ... وتَاركُهُ مِنْهَا الخيالُ المبرِّح
وَقَوله " قَرونتي ": القَرونَةُ: النَّفس، وَقَوله " فلترشف المنايا " أَي تَمتصّ. وَقَوله " مَا أسأر الدَّهْر من جناني " مَا أبقى من قلبِي، والسؤر الْبَقِيَّة من كلّ شَيْء، من ذَلِكَ قَول الْأَعْشَى:
بَانَتْ وَقد أسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتهَا ... بعد ائتلافٍ، وخَيْرُ الودِّ مَا نَفَعَا
لِمَاذا سوِّد الْأَحْنَف
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، الْغَلابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن بكار قَالَ: حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ كَانَ بِالرُّصَافَةِ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَقَدِمَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَغَشِيَهُ النَّاسُ، فَكَانَ خَالِدٌ فِي مَنْ أَتَاهُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَصُومُ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ؛ قَالَ خَالِدٌ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي يَوْم خميسٍ فَقَالَ: يَا ابْن الأَهْتَمِ، خَبِّرْنِي عَنْ تَسْوِيدِكُمُ الأَحْنَفِ وَانْقِيَادِكُمْ لَهُ، وَكُنْتُمْ حَيًّا لَمْ تُمْلَكُوا فِي جاهليّةٍ قَطُّ. فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ عَنْهُ بِخَصْلَةٍ لَهَا سوِّد، وَإِنْ شِئْتَ بِثِنْتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ بِثَلاثٍ، وَإِنْ شِئْتَ حدّثتك بَقِيَّة عشيَّتك حتّى تنقضني وَلَمْ تَشْعُرْ بِصَوْمِكَ. قَالَ: هَاتِ الأُولَى فَإِنِ اكْتَفَيْنَا وَإِلا سَأَلْنَاكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: كَانَ أَعْظَمَ مَنْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا - ثُمَّ أَدْرَكَنِي ذِهْنِي فَقُلْتُ: غَيْرَ الْخُلَفَاءِ - سُلْطَانًا عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا أَرَادَ حَمْلَهَا عَلَيْهِ وكفهَّا عَنْهُ. قَالَ: لَقَدْ ذَكَرْتَهَا نَجْلاءَ كَافِيَةً، فَمَا الثَّانِيَةُ؟ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عَظِيمَ السُّلْطَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَلا يَكُونُ بَصِيرًا بالمحاسن والمساوىء وَلَمْ يُرَ وَلَمْ يُسْمَعْ بأحدٍ كَانَ أبْصر بالمحاسن والمساوىء مِنْهُ، فَلا يَحْمِلُ السَّلْطَنَةَ إِلا عَلَى حَسَنٍ، وَلا يَكُفُّهَا إِلا عَنْ قَبِيحٍ. قَالَ: قَدْ جِئْتُ بصلةٍ للأُولَى لَا تَصْلُحُ إِلا بِهَا، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عَظِيمَ السُّلْطَانِ عَلَى نَفسه بَصيرًا بالمحاسن والمساوىء وَلا يَكُونُ حَظِيظًا، فَلا يَفْشُو ذَلِكَ لَهُ فِي النَّاسِ وَلَا يُذْكَرُ بِهِ فَيَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ مَشْهُورًا. قَالَ: وَأَبِيكَ لَقَدْ جِئْتَ بصلَة الأوليتن فَمَا بَقِيَّةُ مَا يَقْطَعُ عَنِّي الْعَشِيَّ قُلْتُ: أَيَّامُهُ السَّالِفَةُ قَالَ: وَمَا أَيَّامُهُ السَّالِفَةُ؟ قُلْتُ: يَوْمُ فَتْحِ خُرَاسَانَ، اجْتَمَعَتْ لَهُ جُمُوعُ الأَعَاجِمِ بِمَرْوِ الرُّوذِ فَجَاءَهُ مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ، وَهُوَ فِي مَنْزِلِ مضيعةٍ، وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ بِهِ فصلَّى عِشَاءَ الآخِرَةِ وَدَعَا ربَّه وتضرَّع إِلَيْهِ أَنْ يُوَفِّقَهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي فِي الْعَسْكَرِ مَشْيَ الْمَكْرُوبِ يتسمَّع مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَمَرَّ بعبدٍ يَعْجِنُ وَهُوَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: الْعَجَبُ لأَمِيرِنَا يُقِيمُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي مَنْزِلِ مَضِيعَةٍ وَقَدْ جَاءَهُ العدوُّ مِنْ وُجُوهٍ، وَقَدْ أَطَافُوا بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ نَوَاحِيهِمْ ثمّ اتّخذوهم أعراضاً وَلَهُ متحوَّل. فَجَعَلَ الأَحْنَفُ يَقُولُ: اللهمَّ وفِّق، اللهمَّ وَفِّقْ، اللَّهُمَّ سدِّد. فَقَالَ صَاحِبُ الْعَبْدِ لِلْعَبْدِ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ: أَنْ يُنَادِيَ السَّاعَةَ بِالرَّحِيلِ، فَإِنَّمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَيْضَةِ فَرْسَخٌ، فَيَجْعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ فَيَمْنَعَهُ اللَّهُ بِهَا، فَإِذَا امْتَنَعَ ظَهْرُهُ بَعَثَ بمجنَّبته الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فَيَمْنَعَ اللَّهُ بِهِمَا نَاحِيَتَهُ وَيَلْقَى عدوَّه مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ. فخرَّ الأَحْنَفُ سَاجِدًا، ثُمَّ نَادَى بِالرَّحِيلِ مَكَانَهُ،
стр. 661
فَارْتَحَلَ الْمُسْلِمُونَ مُكِبِّينَ عَلَى رَايَتِهِمْ حَتَّى الْغَيْضَةِ، فَنَزَلَ فِي قُبُلِهَا وَأَصْبَحَ فَأَتَاهُ الْعَدُوُّ، فَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلا إِلا مِنْ وجهٍ وَاحِد، وضربوا بطبولٍ أربعةٍ، فَرَكِبَ الأَحْنَفُ وَأَخَذَ الرَّايَةَ وَحَمَلَ بِنَفْسِهِ عَلَى طبلٍ فَفَتَقَهُ وَقَتَلَ صَاحِبَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
إِنَّ عَلَى كلِّ رئيسٍ حَقًّا ... أَنْ يَخْضِبَ الصَّعدة أَوْ تَنْدَقَّا
فَفَتَقَ الطُّبُولَ الأَرْبَعَةَ وَقَتَلَ حَمَلَتَهَا. فَلَمَّا فَقَدِ الأَعَاجِمُ أَصْوَاتَ طُبُولِهِمُ انْهَزَمُوا، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلا لَمْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُ قَطُّ، وَكَانَ الْفَتْحُ. وَالْيَوْمُ الثَّانِي أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حِينَ ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ أَتَاهُ الأَشْتَرُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بَعْدَمَا اطْمَأَنَّ بِهِ الْمَنْزِلُ وَأَثْخَنَ فِي الْقَتْلِ، فَقَالُوا: أَعْطِنَا، إِنَّ كُنَّا قَاتَلْنَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ حِينَ قَاتَلْنَاهُمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ فَقَدْ رَكِبْنَا حُوبًا كَبِيرًا، وَإِنْ كُنَّا قَاتَلْنَاهُمْ كُفَّارًا وَظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً فَقَدْ حلَّت لَنَا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ، وَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُ نَبِيِّهِ ﷺ فِي الْكُفَّارِ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِكُمْ أَنْ تُهَيِّجُوا حَرْبَ إِخْوَانِكُمْ، وَسَأُرْسِلُ إِلَى رجلٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَطْلِعَ رَأْيَهُمْ وَحُجَّتَهُمْ فِيمَا قُلْتُمْ. فَأَرْسَلَ إِلَى الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فِي رَهْطٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَنْطِقْ أحدٌ غَيْرُ الأَحْنَفِ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَاذَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ الْجَوَابَ عنَّا لَعِنْدَكَ، وَلا نَتَّبِعُ الحقُّ إِلا بِكَ، وَلا عَلِمْنَا الْعِلْمَ إِلا مِنْكَ. قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَنْكُمْ مِنْكُمْ لِيَكُونَ أَثْبَتَ لِلْحُجَّةِ وَأَقْطَعَ لِلتُّهْمَةِ، فَقل. فَقَالَ: إِنَّهُم قد أخطأوا وَخَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وسنَّة نَبِيِّهِمْ ﷺ ، إِنَّمَا كَانَ السَّبْيُ وَالْغَنِيمَةُ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ دَارُهُمْ دَارُ كفرٍ، وَالْكُفْرُ لَهُمْ جامعٌ وَلِذَرَارِيهِمْ، وَلَسْنَا كَذَلِكَ، وَإِنَّهَا دَارُ إيمانٍ يُنَادَى فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ الحقِّ وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِنَّمَا بَغَتْ طائفةٌ أَسْمَاؤُهُمْ مَعْلُومَةٌ، أَسْمَاءُ أَهْلِ الْبَغْيِ؛ وَالثَّانِي: حُجَّتُنَا أَنَّا لَمْ نَسْتَجْمِعْ عَلَى ذَلِكَ الْبَغْيَ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَنْصَارِكَ، مِنْ أَثْبَتِهِمْ بَصِيرَةً فِي حَقِّكَ وَأَعْظَمِهِمْ غِنَاءً عَنْكَ، طائفةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فأيُّ أُولَئِكَ يُجْهَلُ حقُّه وَتُنْسَى قَرَابَتُهُ؟ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَتَاكَ بِهِ الأَشْتَرُ وَأَصْحَابُهُ قَوْلَ متعلِّمة أَهْلِ الْكُوفَة، وَايْم وَالله لَئِنْ تَعَرَّضُوا لَهَا ليكرهنَّ عَاقِبَتَهَا وَلا تَكُونَ الآخِرَةُ كَالأُولَى. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا قُلْتَ إِلا مَا نَعْرِفُ، فَهَلْ مِنْ شيءٍ تخصُّون بِهِ إِخْوَانَكُمْ لِمَا قَاسَوْا مِنَ الْحَرْبِ؟ قَالُوا: نعم، أعطياتنا مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ نَكُنْ لِنَصْرِفَهَا فِي عَدْلِكَ عَنَّا، فَقَدْ طِبْنَا عَنْهَا نَفْسًا فِي هَذَا الْعَامِ فَاقْسِمْهَا فِيهِمْ. فَدَعَاهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِحُجَجِ الْقَوْمِ وَبِمَا قَالُوا وَبِمَوَافَقَتِهِمْ إِيَّاهُ، ثُمَّ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ خَمْسمِائَة لِكُلِّ رَجُلٍ. فَهَذَا الْيَوْمُ الثَّانِي. وَأَمَّا الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَإِنَّ زِيَادًا أَرْسَلَ إِلَيْهِ بليلٍ وَهُوَ جالسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ فِي صَحْنِ دَارِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَحْرٍ مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ فِي أَمْرٍ تُنَازِعُنِي فِيهِ مَخْلُوجَةٌ، وَلَكِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا عَلَى صَرِيمَةٍ، وَكَرِهْتُ أَنْ يُرَوِّعَكَ أمرٌ يَحْدُثُ لَا تَعْلَمُهُ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: هَذِهِ الْحَمْرَاءُ قَدْ كَثُرَتْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ وَخِفْتُ عَدْوَتَهُمْ،
стр. 662
وَالْمُسْلِمُونَ فِي ثَغْرِهِمْ وَجِهَادِهِمْ عدوَّهم، وَقَدْ خَلَفُوهُمْ فِي نِسَائِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى كلِّ مَنْ كَانَ فِي عرافةٍ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ فَيَأْتُوا بِسِلاحِهِمْ وَيَأْتِينِي كلُّ عَرِيفٍ بِمَنْ فِي عِرَافَتِهِ مِنْ عبدٍ أَوْ مَوْلًى فَأَضْرِبُ رِقَابَهُمْ فَتُؤْمَنَ نَاحِيَتَهُمْ. قَالَ الأَحْنَفُ: فَفِيمَ الْقَوْلُ وَأَنْتَ عَلَى صَرِيمَةٍ؟ قَالَ: لتقولنَّ. قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَكَ، يَمْنَعُكَ مِنْهُ خصالٌ ثلاثٌ: أَمَّا الأُولَى فَحُكْمُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ، وَمَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ النَّاسِ من قَالَ: لَا: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بَلْ حَقَنَ دَمه، وَالثَّانيَِة: أنّهم غلَّة النَّاسِ لَمْ يَغْزُ غازٍ فخلَّف لأَهْلِهِ مَا يُصْلِحُهُمْ إِلا مِنْ غِلاتِهِمْ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَحْرِمَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَهُمْ يُقِيمُونَ أَسْوَاقَ الْمُسْلِمِينَ، أَفَتَجْعَلُ الْعَرَبَ يُقِيمُونَ أَسْوَاقَهُمْ قَصَّارِينَ وَقَصَّابِينَ وَحَجَّامِينَ؟؟! قَالَ: فَوَثَبَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ قَبِلَ مِنْهُ، وَانْصَرَفَ الأَحْنَفُ. قَالَ: فَمَا بتُّ بليلةٍ أَطْوَلَ مِنْهَا أتسمَّع الأَصْوَاتَ، قَالَ: فَلَمَّا نَادَى أَوَّلَ الْمُؤَذِّنِينَ قَالَ لِمَوْلًى لَهُ: إِيتِ الْمَسْجِدَ فَانْظُرْ هَلْ حَدَثَ أمرٌ، فَرَجَعَ فَقَالَ: صَلَّى الأَمِيرُ وَدَخَلَ وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَحْدُثْ إِلا خَيْرٌ.
إضاءة على الْخَبَر السَّابِق
قَالَ القَاضِي: قَول زِيَاد للأحنف " تنازعني فِيهِ مخلوجة ": أَي تعترضني فِيهِ عارضةٌ متعرجةٌ لَيست على سمتٍ وَلَا استقامة، فتقطعني عَن الِاسْتِمْرَار فتجذبني إِلَى الانحراف عَن المحجَّة إِلَى الشُّبْهَة الْمُؤِّدية إِلَى الْحيرَة، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
نطعنهُمْ سُلكى ومخلوجةً ... كرَّك لامينِ على نابلِ
ويُرْوى كرَّ كلامين، وَفِي رِوَايَة هَذَا الْبَيْت وَتَفْسِيره اخْتِلَاف، وَشَرحه مستقصى فِي غير هَذَا الْموضع. وأصلُ الاختلاج الاقتطاع والاجتذاب، وَمِنْه سُمِّي الخليجُ خليجًا لِأَنَّهُ مخلوجٌ من الْبَحْر ومعظمُ المَاء، بِمنزلة مَجْرُوح وجريح ومقتول وقتيل. وَقَوله: " وَأَنا على صريمة " أَي على أمرٍ أَنا قاطعٌ عَلَيْهِ وواثقٌ بِهِ، من صَرَم الحبلُ إِذا قطعه، فصريمةُ ذاكَ مقطوعٌ عَلَيْهَا غيرُ مرتابٍ بِهَا. وَمن ذَلِكَ قَول الْأَعْشَى:
وَكَانَ دَعَا قومَهُ دَعْوَة ... هلمَّ إِلَى أَمركُم قد صُرِمْ
أَي قُطِعَ وَأحكم. وَفِي هلمَّ لُغَتَانِ أفصحهما اللُّغة الحجازيَّة، وَهِي هلمَّ للْوَاحِد والاثنين وَالْجمع والمذكر والمؤنث على اخْتِلَاف أهلِ اللُّغَة فِي جَمع الْمُؤَنَّث، فَمنهمْ من يَقُول هلمنَّ وَمِنْهُم من يَقُول: هلممن، وأمّا أهلُ الحجازِ فلغتهم هلمَّ فِي الْمَوَاضِع كلهَا على مَا قدمنَا ذكره. وبَنو تَميم وَأهل نَجد يقولونَ هلمَّا وهلمّوا وهلمّي وهلمنَّ وهلممن. وَقد رُوِيَ بَيت الْأَعْشَى على اللُّغتين الحجازية والتميمية هلمّ إِلَى أَمركُم وهلمّوا إِلَى، وَجَاء الْقُرْآن فِي هَذَا بلغَة أهل الْحجاز، قَالَ الله تَعَالَى: " قُلْ هلمَّ شُهَدَاءَكُمُ " " الْأَنْعَام: ١٥٠ " وَقَالَ ﵎: " وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هلمَّ إِلَيْنَا " " الْأَحْزَاب: ٤٨ ".
стр. 663
الْمجْلس التاسِع وَالثَّمَانُونَ
الْمَلائِكَةُ وَعِيدُ الْفِطْرِ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ، حَدَّثَنَا نصر بن أَحْمد بن أَزْهَر الْخطاب قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْفَضْلِ الْيَزِيدِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحِمْصِيِّ عَنْ أَبِي تَوْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ ﵈ فِي أَفْوَاهِ الطُّرُقِ فَنَادَوْا: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اغْدُوا إِلَى ربٍّ رحيمٍ يَأْمر بِالْخَيرِ وَيثبت عَلَيْهِ الْجَزِيلَ، أَمَرَكُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فصمتم وأطعمتم رَبَّكُمْ ، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ، فَإِذَا صلَّوا الْعِيدَ نَادَى منادٍ مِنَ السَّماء: ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ رَاشِدِينَ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ ذُنُوبُكُمْ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمُ الْجَائِزَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا يُرَغِّبُ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَتَأْدِيَةِ فَرْضِهِ عَلَيْهِمْ وَمَا يَرْجُونَ نَيْلَهُ مِنْ ثَوَابِهِ بِحَسَبِ مَا وَعَدَهُمْ فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ .
وريثُ ابْن راعي الْإِبِل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن جريد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنْ الْأَصْمَعِي قَالَ: قدم الرَّاعِي على خَالِد بن عبد الله بن بن خَالِد بن أسيد وَمَعَهُ ابنٌ لَهُ، فَمَاتَ ابْنه بِالْمَدِينَةِ، فلمّا دخل على خالدٍ سَأَلَهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَاتَ بَعْدَمَا زَوجته وأصدقت عَنْهُ، فَأمر لَهُ بديةِ ابْنه وصداقه، فَقَالَ الرَّاعِي:
وديتَ ابنَ راعي الإِبْلِ إِذْ حانَ يومُهُ ... وشقَّ لَهُ قبرًا بأرضكَ لاحدُ
وَقد كَانَ مَاتَ الجودُ حَتَّى نشرته ... وأذكيتَ نَار الجودِ والجودُ خامدُ
فَلَا حملتْ أُنْثَى وَلَا آب آيبٌ ... وَلَا بلَّ ذُو سقمٍ إِذا مَاتَ خالِدُ
قَالَ القَاضِي: قَول الرَّاعِي " وديتَ ابْن راعي الإبلِ ": أَرَادَ أدّيت دِيَته، يُقالُ: وديت الْقَتِيل إِذا أدّيت دِيَته إِلَى أَهله، ووديت عَنْهُ من مَالك دِيَة جِنَايَته، وَقيل إنَّ هَذَا ممَّا عابى بِهِ الكسائيُّ مُحَمَّد بن الْحَسَن فَلم يعرف الفرقَ بَينهمَا.
وأمّا قَوْله " وشقَّ لَهُ قبرًا بأرضكَ لَاحَدَّ " فإنّ وَجه الْكَلَام فِي هَذَا أَن يُقال: شقّ شاقّ ولحد لاحدٌ، ويُقال: ألحدَ ملحد، وَذَلِكَ أنّ الشق مَا كَانَ من الْحفر فِي وسط الْقَبْر، واللحد مَا كَانَ فِي جَانِبه. بيَّن هَذَا قَول النَّبِيّ ﷺ : " اللحدُ لنا والشقّ لغيرنا ". ولكنّه لَمّا كَانَ اللَّحْد شقًّا قد ميلَ بِهِ عَن الْوسط إِلَى الْجَانِب قَالَ: وشقَّ لَهُ. وأصل اللَّحْد مأخوذٌ من الْمَيْلِ، يُقالُ فِيهِ: لحد وأَلْحَدَ فِي الدَّين وَغَيره، من الْميل. وَقد قُرئ باللغتين فِي الْقُرْآن فَقَرَأَ الْجُمْهُور: " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ " " الْأَعْرَاف: ١٨٠ ": " لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ " " النَّحْل: ١٠٣ " " وإنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ
стр. 664
عَلَيْنَا " " فصلت: ٤٠ ". وَقَرَأَ الْآخرُونَ الأحرف الثَّلَاثَة بِالْفَتْح؛ ومِمّن قَرَأَ كَذَلِك حَمْزَة. وَكَانَ الْكِسَائي يقْرَأ الَّتِي فِي الْأَعْرَاف وحم السَّجْدَة بِالضَّمِّ، وَيفتح الَّذِي فِي النحلِ لوضوح دلَالَته على الْميل بقوله " إِلَيْهِ " فَكَانَ أخصَّ بالدِّلالة إِلَى معنى الْميل من " فِي ". وَقد يكون مَا اخْتَارَهُ الكسائيُّ بَعيدا فِي تفريقه بَين اللَّفْظَيْنِ إِلَى الْجمع بَين اللغتين كَمَا قَالَ الله : " فمهِّل الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا " " الطارق:١٧ "، وَقد كَانَ الْكِسَائي يفعل هَذَا كثيرا، من ذَلِك مَا رُويَ عَنْهُ من اخْتِيَاره فِي قِرَاءَة: " لَمْ يطمثهنَّ " " الرَّحْمَن:٥٦ " ضم عين الْفِعْل فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ وَكسرهَا فِي الآخر. وَالَّذِي اخْتَارَهُ من الْقِرَاءَة على لُغَة من يَقُول " لحد " فِي مَوضِع وعَلى لُغَة من يَقُول " ألحد " فِي غَيره حسنٌ جميلٌ عِنْدِي.
وَقَول الرَّاعِي " وَقد كَانَ مَاتَ الجودُ حَتَّى نشرته " اللُّغَة الصَّحِيحَة " أنشر الله الميّت، فَنُشِرَ هُوَ، ونشره فَهُوَ منشور لُغَة قد قُرئ بِهَا، وَقد مضى من شرح هَذَا فِيمَا تقدّم من مجالسنا هَذِه مَا نكتفي بِهِ فنستغني عَن إِعَادَته. وَقَوله " وَلَا بلَّ من سقم ": يُقالُ بلَّ الرجلُ من مَرضه وأبلَّ واستبلَّ إِذا برأَ وصحَّ، قَالَ الشَّاعِر:
إِذا بلَّ من داءٍ بِهِ ظنَّ أنَّه ... نجا وَبِه الداءُ الَّذِي هُوَ قَاتله
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وكأنَّها مَحْمُوم خَيْبَر بلَّ من أوصابِها
هَارُون الرشيد يكتشف أَن الْمَأْمُون ينظمُ الشّعْر
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَليفَة الْفَضْل بن الْحباب الجُمَحِي قَالَ، حَدَّثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد التيميّ قَالَ: أَرَادَ الرشيد سفرا فَأمر النّاس أَن يتأهّبوا وأعلمهم أَنَّهُ خارجٌ بعد الْأُسْبُوع، فَمضى الْأُسْبُوع وَلم يَخرج، فَاجْتمعُوا إِلَى الْمَأْمُون فَسَأَلُوهُ أَن يستعلم ذَلِكَ، وَلم يكن الرشيدُ يعلمُ أَن الْمَأْمُون يَقُول الشّعْر، فَكتب إِلَيْهِ الْمَأْمُون:
يَا خيرَ من دبَّت المطيُّ بِهِ ... وَمن تقدى بسرجِهِ فَرَسُ
هَلْ غايةٌ فِي المسيرِ نعرفها ... أم أَمْرُنَا فِي المسيرِ مُلْتَبِسُ
مَا عِلْمُ هَذَا إلاَّ إِلَى ملكٍ ... من نوره فِي الظلام نَقْتَبِسُ
إِن سرْتَ سَار الرشاد متّبعًا ... وَإِن تقفْ فالرشادُ محتبسُ
فقرأها الرشيد فسرّ بِهَا وَوَقع فِيهَا: يَا بنيَّ مَا أَنْت وَالشعر؟ أما علمت أنَّ الشّعْر أرفع حالات الدنيّ وأقلُّ حالات السّري، والمسير إِلَى ثلاثٍ إِن شَاءَ الله.
قَالَ القَاضِي: قَول الْمَأْمُون فِي شعره وَمن تقدى بسرجه فَرَسُ: تقدَّى استمرّ كَمَا قَالَ ابْن قيس الرقيّات:
تقدَّت بِي الشهباءُ نَحْو ابنِ جعفرٍ ... سواءٌ عَلَيْهَا لَيْلهَا ونَهارها
стр. 665
أَي استمرت وَجَرَتْ قاصدةً إِلَيْهِ.
تَعْزِيَة يَحْيَى بن زِيَاد لبَعض أَهله
حَدَّثَنَا عمر بن الْحَسَن بن علّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زيد قَالَ: كتب يَحْيَى بن زِيَاد إِلَى بعض أَهله يُعزّيه: أمّا بعدُ فإنّ الْمُصِيبَة وَاحِدَة إِن صبرت ومصائب إِن لَمْ تصبر، وَقد مضى لَك سلفٌ يحسن عَلَيْهِم الْبكاء، وَبَقِي خلفٌ فِي مثلهم العزاء، فَلَا البكاءُ يردُّ الْمَاضِي وبالعزاء يطيبُ عيشُ الْبَاقِي، ونحنُ عمّا قَلِيل بِهم لاحقون، فآثرِ الصَّبْرَ فإنَّهُ أردُّ الأَمرين عَلَيْك وأرجعهما بالنفعِ إِلَيْك.
قَالَ القَاضِي: ولِمن تقدّمنا من التعازي مَا يستحسنه الألباء لبلاغته وفصاحته وجودة معناهُ وقوته وجزالته، وتعزية يَحْيَى بن زِيَاد هَذِه من أحسن مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب وأبلغه.
رُؤْيَة فِي صغره
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حَدَّثَنِي أبي قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن عبد الله بن آدم الْعَبْدي قَالَ العجاج: سقط خبالي عليَّ فاستغثتُ بولدي فَلم يجبني أحد مِنْهُم، ثمَّ جَاءَنِي رُؤْيَة وَهُوَ صبي صَغِير فقلتُ لَهُ:
إنَّ بنيَّ للئامٌ زهدهْ ... ماليَ فِي صُدُورهمْ من مَوْددَهْ
إِلا كودِّ مسدٍ لقرمدَه
قَالَ فَقَالَ رُؤْيَة:
إنَّ بنيكَ لكرامٌ مَجَدَه ... وَلَو دعوتَ لأتوكَ حَفَدَه
عجّاجُ مَا أَنْت بأرضِ مأسدَه
قَالَ: فضممته إِليَّ وَقلت: ابْني سَيكون. قَالَ أَبُو بكر: المسَدُ حبالٌ تعْمل من ضروب من أوبار الْإِبِل، والقرمد: الآجرّ.
قَالَ القَاضِي: قد مضى خبر العجّاج هَذَا فِي بعض مَا تقدّم من هَذِه الْمجَالِس، وفسَّرنا مَا فِيهِ من إِعْرَاب وغريب، وأوردْنَاهُ عَن شيخ حَدَّثَنَا بِهِ عَن أبي بكر ابْن الْأَنْبَارِي.
شاهَكْ فَمَا مَعنا فِي الْبَيْت أحد
حَدَّثَنَا الْحَسَن بن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد الْكَلْبِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا الْغلابِي قَالَ، حَدَّثَنَا عَبد الله بن الضحّاك ومهدي بن سَابق قَالَا: حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بن عدي عَن صالِح بن حسان قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب صديقا للوليد يَأْتِيهِ ويؤانسه، فَجَلَسَا يَوْمًا يلعبان بالشطرنج إِذْ أَتَى الْآذِن فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، رجلٌ من أخوالك من أَشْرَاف ثَقِيف قدم غازيًا وأحبَّ السَّلام عَلَيْك، فَقَالَ: دَعه، فَقَالَ عبد الله: وَمَا عَلَيْك إئذن لَهُ، فَقَالَ: نَحن على لعبتنا وَقد أجحت عَلَيْك. قَالَ: فادعُ بمنديلٍ فضعْ عَلَيْهَا ويسلمُ الرجل ونعود، فَفعل، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَدخل مشمرٌ لَهُ هَيْبَة،
стр. 666
بَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود، وَهُوَ مُعْتَمّ قد رجَّل لحيته، فسلّم ثُمَّ قَالَ: أصلح الله الْأَمِير قدمتُ غازيًا وكرهتُ أَن أجوزكَ حتّى أَقْْضِي حقّك، قَالَ: حيّاك الله وَبَارك عَلَيْك، ثُمَّ سكتَ عَنْهُ. فلمّا أنس أقبل عَلَيْهِ الْوَلِيد فَقَالَ: يَا خَال هَلْ جَمَعْتَ الْقُرْآن؟ قَالَ: لَا كَانَت تَشْغَلُنَا عَنْهُ شواغلُ. قَالَ: حفظت من سنة رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومغازيه وَأَشْعَارهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فأحاديثُ أهل الْحجاز ومضاحكها؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فأحاديثُ الْعَجم وآدابُها؟ قَالَ: إِن ذَلِكَ شيءٌ مَا كنتُ أطلبه. فَرفع الْوَلِيد المنديل وَقَالَ:: شاهَكَ. قَالَ عبد الله بن مُعَاوِيَة: سُبْحَانَ الله، قَالَ: لَا وَالله مَا مَعنا فِي الْبَيْت أحد. فلمّا رأى ذَلِكَ الرجلُ خرج فَأَقْبَلُوا على لعبهم.
الْحسب بِلَا أدب
قَالَ القَاضِي: مَا أعجبَ كَلَام الْوَلِيد هَذَا وألطفه وَأحسنه وأظرفه. وشبيه هَذَا مَا رُوِيَ أنّ رجلا خاطبَ مُعَاوِيَة فأكثرَ اللَّغْو فِي كَلَامه فضجرَ مُعَاوِيَة وَأعْرض عَنْهُ، فَقَالَ: أأسكت يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: وَهل تكلّمت؟ ولعمري إِن ذَا الْجَهْل والغباوة إِلَى منزلَة من النَّقْص وَسُقُوط الْقدر وبِمعزل من الطَّبَقَة الَّتِي تستحقّ التهيُّب والإعظام والتبجيل والأكرام، وَإِن اتفقَ لَهم بالجَد وطائر السعد إعظام كَثِير من النّاس لَهم واغترار طَائِفَة من الْأَغْنِيَاء بِهم. وَقد ذكر أَن بزرجمهر سُئِلَ: مَا نعْمَة لَا يُحسد صَاحبهَا عَلَيْهَا؟ قَالَ: التَّوَاضُع، قيل: فَمَا بلية لَا يُرحَمُ صَاحبهَا؟ قَالَ: الْكِبْر، قيل: فَمَا الَّذِي إِذا انفردَ لَمْ يساوِ شَيْئا؟ قَالَ: الْحسب بِلَا أدب. وَفِي استقصاء القَوْل فِي هَذَا الْبَاب طول لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع.
حلم سلمى بن نَوْفَل
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصُّولي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن صَفْوَان عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ سلمى بن نَوْفَل الدَّيلي سيدًا فِي كنَانَة، فَوَثَبَ رجلٌ من أَهله على ابْنه فجيء بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أمَّنك منّي وأجرأكَ عليَّ؟ أما خشيتَ عقابي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: لأنّا سوّدناك لكظم الغيظ والحلم عَن الْجَاهِل، فخلَّى سَبيله.
ولِّ الْبكاء أَهله - مصرع أَبنَاء الْحَارِث الْبَاهِلِيّ
حَدَّثَنَا عبد الله بن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ، محدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر بْن حبيب قَالَ، حَدَّثَنِي سعيد بن سلم الْبَاهِلِيّ قَالَ: كَانَ الْحَارِث بن حبيب الْبَاهِلِيّ كَثِير الْبَنِينَ فنحى بنيه عَن قومه يخْشَى معرّتهم عَلَيْهِم، فغابَ الْحَارِث بن حبيب وشوى بنوه شَاة لَهم فأُخرجت وغطوها فَأَكَلُوا مِنْهَا فماتوا وهم ثَمانية، فجَاء فَرَآهُمْ موتى حول الشَّاة، فَأكل مِنْهَا وَأكْثر ليموتَ فَلم يَمت، فركبَ نَاقَة لَهُ يريدُ قومه ليعينوهُ على دفنهم، فمرَّ وَهُوَ راكبٌ برجلٍ جالسٍ يبكي، وَهُوَ رجل من بني قُشَيْر، فَقَالَ: مَا لَك؟ قَالَ: كَانَت لي شَاة فَأكلهَا الذئبُ فَنزل عَن رَاحِلَته فَقَالَ: هَذِه لَك بدل شَاتك وولِّ البكاءَ أهلَه، ثُمّ قَالَ:
стр. 667
يَا أيُّها الباكي على شاته ... يبكي جهارًا غير إسرار
إنّ الرزيّاتِ وأشباهَهَا ... مَا غادر الحارثُ فِي الدَّار
والْحَارث الَّذِي يَقُول:
المرءُ يأمُلُ أَن يعيشَ وطولُ عيشٍ قد يضرُّه
تَفْنَى بشاشتُهُ وَيبقى بعد حُلْوِ العيشِ مرُّه
وتسوءه الْأَيَّام حَتَّى لَا يرى شَيْئا يسرّه
كم شامتٍ لي إِن هلكتُ وقائلٍ للهِ دَرُّه
الحطيئة يعجب بِابْن عَبَّاس
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَظَرَ الْحُطَيْئَةُ إِلَى ابْنِ عبّاسٍ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ كَلَامه، فَقَالَ: من الَّذِي قَدْ نَزَلَ عَنِ الْقَوْمِ فِي سنِّه وَعَلاهُمْ فِي قَوْلِهِ؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، هَذَا ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِنِّي وَجَدْتُ بَيَانَ الْمَرْءِ نَافِلَةً ... تُهْدِي لَهُ وَوَجَدْتُ العيَّ كالصَّمم
الْمَرْءُ يَبْلَى وَيَبْقَى الْكَلْمُ سَائِرُهُ ... وَقَدْ يُلامُ الْفَتَى يَوْمًا وَلَمْ يُلَمِ
الكَلْم والكَلِم
قَالَ القَاضِي: قَوْله " وَتبقى الْكَلم ": الْكَلم هَا هُنَا جمع كلمة، وأصلُ الْكَلم بِكَسْر اللَّام فسكنه تَخفيفًا لإِقَامَة وزن الْبَيْت كَمَا قَالُوا فِي مَلِك ملك، وفخذ وكَبِد. قَالَ الله تَعَالَى: " يُحَرِّفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه " " الْمَائِدَة: ١٣ ". وَقد رُوِيَ عَن تَميم بن حدلم أنَّهُ قَرَأَ: " تُحَرِّفُونَ الكلامَ ". وَقد قَرَأَهُ عُلَمَاء الْأَمْصَار " يُرِيدُونَ أَنْ يبدّلوا كَلَام الله " " الْفَتْح: ١٥ " و " كلم اللَّه ". ومِمَّا قيل فِي هَذَا وَهُوَ مِمَّا يُستحسن لبَعض الْمُحدثين:
قَالَت عييتَ عَن الشكوى فقلتُ لَهَا ... جَهْد الشكايةِ أَن أعَيْا عَن الكَلِم
فأمَّا الْكَلم الّذين عيْنُ فعلِهِ سَاكِنة فِي أصل بنائِهِ فَإِنَّهُ مصدر كَلَمه يكلمهُ كَلْمًا، بِمعنى جرحه يَجرحه جرحا كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
لعمرك إنّ الدَّار غفرٌ لذِي الْهوى ... كَمَا يَغْفِرُ المحمومُ أَو صاحبُ الكَلْمِ
يَعْنِي إِن ذَا الْهوى يَهْتَز لذكرها كَمَا يَهْتَز المحموم والمكلوم أَي الْمَجْرُوح ويهتران. ويجمعُ الكَلْم كلَاما مثل جَرْح وجراح، وَجمع فَعْل على فِعَال كَثِير جدًّا فِي الْقلَّة مثل كلب وكلاب وَسَهْم وسِهام، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
أجدَّك مَا لعينك لَا تنامُ ... كأنّ جفونها فِيهَا كِلامُ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا من أحدٍ يُكْلَمُ كلما فِي سَبِيل الله إِلَّا جَاءَ
стр. 668
يَوْم الْقِيَامَة وأوداجه تشخُبُ دَمًا: اللونُ لونُ دمٍ والريحُ ريحُ مسكٍ. وَيجمع الْكَلم أَيْضا مثل فَلْس وَفُلوس، وصَقْر وصُقور، وَمثله كَثِير. وَمن الكلوم قَول بعض الشُّعَرَاء:
فَلَو أنّ قولا يكلِمُ الجلدَ قد بدا ... بِجلديَ من قولِ الوشاةِ كُلومُ
وَقَوله " سائرُهُ " يَعْنِي أَنَّهُ يبْقى سَائِر الْكَلَام يريدُ الْحِكَم السائرة من الْكَلم، يُقال: قولٌ سَائِر ومثلٌ سَائِر، وَقَوله " سائرهُ " بَدَل من الْكَلم تابعٌ لَهُ فِي إعرابه كَقَوْلِك يُعجبني القَوْل بليغُهُ.
لِمَاذا أكلت الفأر أذن الإسرائيلي
حَدَّثَنَا أبي ﵁ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتَلَّي، أَخْبَرَنَا عمي يَعْنِي النَّسَائِيّ قَالَ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن عبد الحميد المهراني قَالَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن صَالِح الوحاظي قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بن عيّاش قَالَ: حَدَّثَنِي بشر بن عبد الله بن سيّار أنَّ رجلا من بني إِسْرَائِيل حَضَره الْمَوْت، فَرَأى جزع امْرَأَته عَلَيْهِ فَقَالَ: أتحبين أَن لَا أُفَارِقك؟ قَالَت: نعم، قَالَ: فاصنعي لي تابوتًا ثُمَّ اجعليني فِي بَيْتك هَذَا فَإِنَّهُ لَا يتَغَيَّر جَسَدِي، فَفعلت، فاطلعت بعد زمانٍ فَإِذا هِيَ بِإِحْدَى أُذُنَيْهِ قد أُكِلَتْ، فَقَالَت: فلانٌ مَا كذبتني قبلهَا، قَالَ: فاستأذنَ ربه فردَّ الله عَلَيْهِ روحه، فَقَالَ لَهَا: إِن الَّذِي رَأَيْت من أُذُنِي أَنِّي سمعتُ ملهوفًا يَوْمًا من الْأَيَّام يستغيثُ فَلم أُغِثْهُ فأُكلت أُذُنِي الَّتِي كَانَت تليه.
عمر بن عبد الْعَزِيز يرد المظالِم
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ قَالَ، حدّثنا عبد الله ابْنِ أُخْتِ أَبِي الْوَزِيرِ عَنِ أبي مُحَمَّد الشَّامي قَالَ: كنتُ غُلَاما فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، فلمَّا أَخذ عمر فِي ردّ المظالِم غلظ ذَلِكَ على أهل بَيته وعَلى جَميع قُرَيْش، فَكتب إِلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام:
فأبلغَ هشاماً والّذين تجمّعوا ... بدابق لاسلمتم آخر الدَهْرِ
ويروى:
فَقل لهشامٍ وَالَّذين تَجمّعوا ... بدابق موتوا لَا سلمتمْ يَدَ الدَّهرِ
فأنْتُم أَخذتم حَتْفَكُمْ بأكفّكم ... كباحثةٍ عَن مديةٍ وَهِي لَا تَدْرِي
عشيَّةَ بايعتم إِمَامًا مُخَالفا ... لَهُ شجنٌ بَين الْمَدِينَة والْحِجر
فَأَجَابَهُ بعض ولد مَرْوَان عَن هِشَام بن عبد الْملك:
لَئِن كَانَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الردى ... فَمَا أَنْت فِيهِ ذُو غناء وَلَا وفر
وأنتَ من الريش الذنابي وَلم تكن ... من الجزلة الأولى وَلَا وسَطِ الظّهْر
ونحنُ كَفَيْنَاك الأمورَ كَمَا كفى ... أَبونَا أَبَاك الْأَمر فِي سالِفِ الدّهر
стр. 669
صرف دابق وَعدم صرفه
قَالَ القَاضِي: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن الحكم فِي شعره هَذَا " بدابق " فَلم يصرفهُ فِي موضِعين، وَفِي صرفه وَترك صرفه وَجْهَان معروفان فِي كَلَام الْعَرَب، وَالْعرب تذكّره وتُؤنّثه، فَمن ذكّره صرفه كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
بدابقٍ وأينَ منّي دابق
ومَن أنَّثه لَمْ يصرفهُ كَمَا قَالَ الآخر:
لقد خابَ قومٌ قلّدوك أُمُورهم ... بدابقَ إِذْ قيلَ العدوُّ قريبُ
الباحثة عَن حتفها
وَقَوله " كباحثة عَن حتفها هِيَ لَا تَدْرِي " هَذَا مثلٌ يُضرب للَّذي يثير بِجهله مَا يُؤدّيه إِلَى هَلَاكه أَو الْإِضْرَار بِهِ. وَأَصله أَن نَاسا ً أخذُوا شَاة لَيست لَهم فأرادوا أكلهَا، فَلم يَجدوا مَا يذبحونها بِهِ فَهموا بتخليتها، فاضطربت عَلَيْهِم، وَلم تزل تثيرُ الأَرْض وتبعثرها بقوائمها، فَظهر لَهُم فِيمَا احترفته مديةٌ فذبحوها بِهَا، وَصَارَت هَذِه الْقِصَّة مثلا سائرًا فِيمَا قدّمنا ذكره. وَقَول المرواني " وَأَنت من الريش الذناني ". يُقال ذَنْب الْفرس وَغَيره، وذنابي الطَّائِر وذنابي الْوَادي وذنابته ومذنب النَّهر قَالَ الشَّاعِر:
أيا جحمتا بكي على أمِّ صاحبِ ... قتيلة قلَّوبٍ بِإِحْدَى الذنائبِ
ويروى المذانب، والجحمتان: العينان، والواحدة جحمة، ويُقال إنَّها بلغَة أهل الْيمن، والقلَّوب: الذِّئْب.
شعر ابْن البخْترِي فِي خَالِد بن الْوَلِيد حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد قَالَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْزَةَ اللَّخْمِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحِرْمَازِيُّ قَالَ: دَخَلَ هِشَامُ الْبَخْتَرِيِّ فِي ناسٍ مِنْ مَخْزُومٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ لَهُ: يَا هِشَامُ أَنْشِدْنِي شِعْرَكَ فِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأَنْشَدَهُ فَقَالَ: قصَّرت فِي الْبُكَاءِ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ ﵀، إِنْ كَانَ لَيُحِبُّ أَنْ يذلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّامِتُ بِهِ لَمُتَعَرِّضًا لِمَقْتِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: قَاتَلَ اللَّهُ أَخَا بَنِي تَمِيمٍ مَا أَشْعَرَهُ.
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقَى خِلافَ الَّذِي مَضَى ... تَهَيَّأْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَن قَدِ
فَمَا عَيْشُ مَنْ قَدْ عَاشَ بَعْدِي بنافعٍ ... وَلا مَوْتُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَوْمًا بِمُخْلِدِي
وَيُرْوَى: " وَلا مَوْتُ مَنْ قَدْ مَاتَ قَبْلِي ". ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ خيرٌ لَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَلَقَدْ مَاتَ فَقِيدًا وَعَاشَ حَمِيدًا، وَلَكِنْ رَأَيْتُ الدَّهْرَ لَيْسَ يُقَاتَلُ.
قَالَ القَاضِي: لقد أحسن عمر بن الْخطاب رضوَان الله عَلَيْهِ الثَّنَاء على خَالِد بن الْوَلِيد ﵀ على تشعُّثٍ قد كَانَ بَينهمَا، فَلم يثنه عَن معرفَة حقّه وصحبته وصلَة رَحمَه،
стр. 670
وَكَانَ ابنَ خَالَته. وَقد كَانَ الصَّحَابَة، رضوَان الله عَلَيْهِم، ربَّما عرض فِيمَا بَينهم بعضُ العَتْبِ وبعضُ مَا يوحش الإخوان فَلَا يخرجهم ذك عَن الْولَايَة إِلَى العدواة.
المجلسُ التسْعُون
مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلصَّالِحِينَ
حدَّثنا طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْرَائِيلَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَبُو بْكَرٍ قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيُّ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي رُفِعْتُ إِلَى الْجَنَّةِ فَاسْتَقْبَلَتْنِي جاريةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ؟ قَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَإِذَا بأنهارٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وأنهارٍ مِنْ لبنٍ لَمْ يتغيَّر طَعْمُهُ، وأنهارٍ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وأنهارٍ مِنْ عسلٍ مصفَّى، وَإِذَا رماَّنها كَأَنَّهُ الدِّلاءُ عِظَمًا، وَإِذَا بِطَائِرِهَا كَأَنَّهُ بُخْتُكُمْ هَذِهِ، فَقَالَ عِنْدَهَا ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ أعدَّ للصالحين مَالا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ".
مَكَانَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ
قَالَ الْقَاضِي: قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَفِي أَنَّهُ صَادَفَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَكَانَ مِنْ أبرِّ النَّاسِ بِأُمِّهِ، وَقَالَ النَّبيّ ﷺ حِينَ أُخْبِرَ بِإِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى زَيْدًا وَإِسْكَانِهِ جَنَّتَهُ: كَذَلِكُمُ البرُّ كَذَلِكُمُ البرُّ، وَلَنْ يَضِيعَ لأَوْلِيَاءِ اللَّهِ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِحْسَانُهُمْ بِطَاعَتِهِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ. نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِطَاعَتِهِ وَالْعِصْمَةَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، إِنَّهُ رؤوفٌ رَحِيمٌ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
النَّابِغَة الْجَعْدِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو حاتِم قَالَ، قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي أَبُو ليلى، واسْمه قيس بن عبد الله بن عُدس، وَقَالَ القحذمي: اسْمه حبَّان بن قيس بن عبد الله بن وَحْوَح بن عُدَس بن ربيعَة بن جعدة بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامِر بن صعصعة، وَكَانَ أسنَّ من النَّابِغَة الذبياني، وَالدَّلِيل على ذَلِكَ قَوْله:
تذكرت والذكرى تهيجُ على الْهوى ... وَمن حَاجَة المحزونِ أَن يتذكّرا
نداماي عِنْد الْمُنْذر بن محرِّقٍ ... أرى الْيَوْم مِنْهُم ظَاهر الأَرْض مقفرا
كهولٌ وفتيانٌ كأنّ وُجُوههم ... دنانيرُ مِمّا شِيفَ فِي أَرض قيصرا
قَالَ: فَهَذَا يدلُّكَ على أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُنْذر بن محرق، والنابغة كَانَ مَعَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن محرق، وَكَانَ النَّابِغَة غبر ثَلَاثِينَ سنة لَا يتَكَلَّم، ثُمَّ تكلّم بالشعر، وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة بأصبهان، وَكَانَ ديوانه بِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَقُول:
فَمن يَك سَائِلًا عنّي فإنّي ... من الشبّان أيّام الْخُنَانِ
وأيّام الخنان كَانَت أَيَّامًا فِي الْعَرَب قديمَة لداءٍ هاج فيهم:
مَضَت مائةٌ لعامَ ولدتُ فِيهِ ... وعشرٌ بعد ذاكَ وحجّتانِ
следующие страницы →