وبغير فهم (١).
فأخبر عن نفسه بالرؤية فدلَّ على جوازه.
١١٥ - والوجه في جوازه: ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رؤيا الرجل الصالح، جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" (٢).
فوجه الدلالة أنه أخبر أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة لا يكون إلا حقًّا، ولا يكون باطلًا، فوجب أن تكون رؤية الله حقا (٣).
стр. 142
ولأنه إجماع أهلُ الأعصار، وذلك أنّ عصرًا بعد عصر من لدن التابعين
стр. 143
ومن بعدهم يخبر أنه رأى ربه، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه فدلَّ سكوتهم على جواز ذلك.
١١٦ - من ذلك رقبة بن مسقلة (١) قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: لأكرمِنَّ مثوى سليمان يعني التيمي.
١١٧ - وعن عطاء السليمي (٢) أنه رأى ربه في المنام فقال: ما هذا الخوف الشديد الذي تخافني، ألم تعلم أني أرحم الراحمين؟
١١٨ - وعن حمزة بن حبيب الزيات (٣) أنه رأي في المنام كأنه عُرض على الله فقال له: إقرأ القرآن كما علَّمتك، وذكر القصة بطولها.
ولا يصح حمل ذلك على أنهم رأوا بشارة ربهم لأن في الأخبار ما يسقط ذلك وهو قوله لأكرمَنَّ مثوى سليمان، وقوله ما هذا الخوف، وقوله اقرأ.
الثالث: جواز الإتيان عليه، وهذا غير ممتنع إطلاقه إذا لم يوصف بالانتقال، ومثل هذا قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يجوز إطلاقه هذه الصفة عليه لا على وجه الانتقال والحدوث، وإن كان حرف
стр. 144
"ثم" يقتضي ذلك في اللغة، وكذلك قوله "ينزل الله إلى السماء الدنيا" يجوز إطلاق ذلك من غير انتقال وشغل مكان (١).
فإن قيل: قوله "في أحسن صورة" معناه بأحسن صورة، فتكون الفاء بمعنى الباء، ويكون معنى الإتيان فعله وإظهاره له، ومنه قوله تعالى ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] معناه إظهار فعله، وكذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] معناه بظلل.
стр. 145
قيل: هذا غلطٌ لوجوه، أحدها: أن إظهار فعله وتدبير ملكه عام في كل الأزمان والأحوال، فلا فائدة بتخصيصه في تلك الليلة التي أسرى به. اهـ
والثاني: إن جاز تأويله على إتيان الأفعال والملك، جاز حمل قوله: "إنكم ترون ربَّكم يوم القيامة" على رؤية أفعاله وملكه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على خلاف ذلك.
الثالث: أنه وصفه بالصورة ووضع الكف بين كتفيه، وهذه الصفة لا تتصف بها الأفعال والملك، فأما قوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] فالمراد به أفعاله، لأن في الآية ما دلَّ عليه، وهو خراب الديار بقوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [النحل: ٢٦] (١).
وأما قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] المراد به الذات على أصولنا، لأن حمله على الأمر يُسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أمره سابق لإتيانه، ولأن إنْ جاز حمله على هذا، جاز حمل قوله "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" على رؤية أمره وملكه.
١١٩ - فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: يأتيهم بوعده ووعيده.
قيل له: ولم يقل إنه لا يأتي ذاته، فيحتمل أن يكون تأتي ذاته بوعده
стр. 146
ووعيده وهكذا قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] معناه مجيء ذاته، لأن حمله على مجيء الأمر والملك يُسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أمره سابق، ولأن هذا يوجب تأويل "ترون ربكم"، ولأنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته لأنَّا لا نثبت مجيئ انتقال، بل نثبت مجيئًا غير معقول، كما أثبتنا ذاتًا ونفسًا ووجهًا ويدًا (١).
١٢٠ - وقد قال أحمد في رواية حنبل في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: قدرته قال أبو إسحاق بن شاقلا هذا غلط من حنبل لا شك فيه، وأراد أبو إسحاق بذلك أن مذهبه حمل الآية على ظاهرها في مجيئ الذات هذا ظاهر كلامه والله أعلم.
١٢١ - وقد قال أحمد في رواية أبي طالب ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فمن قال أن الله لا يرى فقد كفر وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيئ ذاته، لأنه احتج بذلك على جواز رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيئ مضافًا إلى الذات.
стр. 147
[حديثٌ آخر في هذا المعنى في ألفاظه زيادة]
١٢٢ - رواه أبو بكر الخلال عن الحسن بن ناضح الخلال قال نا الأسود بن عامر شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ "رأى ربه جل ثناؤه جعدًا قططًا أمرد في حلة حمراء" (١).
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 149
١٢٣ - ونا أبو القسم عبد العزيز بن أحمد قال نا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت قال نا أبو عمر حمزة بن القسم الهاشمي نا عمر بن مدرك أبو حفص القاضي نا محمد بن الوليد مولى بني هاشم قال نا شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ربي في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر".
١٢٤ - ونا أبو القاسم عبد العزيز قال أخبرني أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك في الإجازة وقرأته على أبي قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا عبد الرزاق نا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أتاني ربي الليلة في أحسنِ صورةِ -يعني في النوم- فقال لي: يا محمد، هل تدري فيم
стр. 150
يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: لا، قال: "فوضَعَ يده بين كتفي، حتى وجدتُ بَردهَا بين ثديي" (١).
١٢٥ - وأخرج إلي أبو القاسم عبيد الله بن أحمد في جملة أخبار الصفات: قال نا أحمد بن محمد الرازي قال نا حمزة بن القسم قال نا أبو حفص عمر بن مدرك قال نا محمد بن الوليد مولى بني هاشم بغدادي قال نا شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت ربي في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر".
١٢٦ - وقال أيضًا: نا محمد بن العباس قال نا أبو الطيب محمد بن القسم الكوفي قال نا أحمد بن زهير بن حرب قال نا إبراهيم بن محمد عن عروة قال نا شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال؟ قال رسول الله ﷺ : "رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء".
١٢٧ - ونا أبو محمد الحسن بن محمد في جملة أخبار الصفات: نا يوسف بن عمر قال نا إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن داود العطار قال نا أبو الفضل محمد بن أبي هرون الوراق قال نا أحمد بن محمد بن يحيى ابن سعيد القطان قال نا أسود بن عامر قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء".
١٢٨ - وأنا أبو محمد الحسن بن محمد قال أجاز لنا علي بن محمد بن لؤلؤ
стр. 151
قال نا الهيثم بن خلف الدوري قال: نا حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج قال: قال الضحاك: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه بعينيه مرتين في صورة شاب أمرد (١).
١٢٩ - وأنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران قال أنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني نا أبو العباس عبد الله بن جعفر بن خشيش نا محمد بن منصور الطوسي نا (٢) أسود بن عامر نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ "أنه رأى ربه شابًّا أمرد جعدًا قططًا في حلة خضراء".
١٣٠ - وذكر أبو بكر الخلال في سننه قال أنا محمد بن علي بن محمد الوراق قال نا إبراهيم بن هاني قال نا أحمد بن عيسى وقال له أحمد بن حنبل حدثهم به في منزل عمه قال نا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد (٣) بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة ابن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يذكر "أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر، رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب، على وجهه فَراش من ذهب" (٤).
стр. 152
١٣١ - ونا أبو القسم عبد العزيز قال أنا أبو بكر عبد العزيز في الإجازة قال نا محمد بن سليمان قال نا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب قال نا عمي عبد الرحمن بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه، في رجليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" (١).
١٣٢ - وأنا أبو بكر بن بشران أنا الدارقطني نا محمد بن إسماعيل الفارسي نا أبو زرعة الدمشقي نا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث أن سعيد (٢) بن أبي هلال أخبره أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبىَّ بن كعب أنها سمعت رسول الله ﷺ يذكر "أنه رأى ربه في النوم في صورة
стр. 153
شاب ذي وفرة قدماه في الخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب".
١٣٣ - وروى أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإبانة": قال أحمد بن محمد الباغندي قال نا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحرث عن عبد الله ابن أبي سلمة عن عبد الله بن عمر: أنه بعث إلى عبد الله بن عباس يسأله هل رأى محمد ربه ﵎؟ فبعث إليه: أن نعم قد رآه، فرد عليه رسوله فقال: كيف رآه؟ قال: فقال رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، مَلَك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء دونه فراش من ذهب" (١).
١٣٤ - قال: ونا أبو ذر قال نا العطاردي قال نا يونس بن بكير عن أبي إسحق قال حدثني يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنشد رسول الله ﷺ من قول أمية بن أبي الصلت:
رَجُلٌ وثورٌ تحت رجلِ يمينه … والنَّسر للأخُرى ولَيث مرصد
وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني هذه الألفاظ في كتب الرؤية من طرق.
اعْلَم أن الكلام في هذه الأخبار في فصلين: أحدهما: في طرقها، والثاني: في ألفاظها أما طرقها: فإن كلام أحمد في ذلك مختلف.
١٣٥ - فروى المروذي قال حدثني عبد الصمد بن يحيى الدهقان قال سمعت شاذان يقول: أرسلت إلى أبي عبد الله أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "رأيت ربي" فقال: حدِّث به فقد حدث به العلماء، فقلت: إنهم يقولون ما رواه غير شاذان قال: بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد بن سلمة (١).
وهذا من أحمد تصحيحٌ لحديث ابن عباس وتثبيت له.
١٣٦ - وذكر أبو بكر الأثرم في كتاب العلل: سألت أحمد عن حديث عبد الرحمن بن عايش الذي روى عن النبي ﷺ "رأيت ربي في أحسن صورة" فقال يضطرب في إسناده، لأن معمرًا روى عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
وروى معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
ورواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ .
ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج عن
стр. 156
عبد الرحمن بن عايش سمعت النبي ﷺ .
ورواه يزيد بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عايش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عباس عن مالك بن يخامر عن معاذ ابن جبل عن النبي ﷺ .
وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه.
وظاهر هذا الكلام من أحمد التوقف في طريقه لأجل الاختلاف فيه، ولكن ليس هذا الكلام مما يوجب تضعيف الحديث على طريقة الفقهاء.
١٣٧ - ورأيت في مسائل مهنا بن يحيى الشامي قال: سألته يعني أحمد عن حديث رواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت سمعت النبي ﷺ "يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" فحوَّل وجهه عني وقال: هذا حديث منكر، وقال: لا نعرف هذا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان.
فظاهر هذا التضعيف من أحمد لحديث أم الطفيل.
١٣٨ - ورأيته بخط أبي بكر الكشي قال عبد العزيز سمعت الخلال يقول: إنما نروي هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء، تصحيحًا لغيره ولأن الجهمية تنكره.
١٣٩ - ورأيت بخط ابن حبيب جوابات مسائل لأبي بكر عبد العزيز قال: حديث أم الطفيل فيه وهاء، ونحن قائلون به، وظاهر رواية إبراهيم
стр. 157
ابن هانئ تدل على صحته، لأن أحمد قال لأحمد بن عيسى في منزل عمه: حدثهم به، ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه، لا سيما فيما يتعلق بالصفات.
١٤٠ - وقد صححه أبو زرعة الدمشقي فيما سمعناه من أبي محمد الخلال وأبي طالب بن العشاري وأبي بكر بن بشران عن علي بن عمر الحافظ فيما خرَّجه في آخر "كتاب الرؤية" قال نا محمد بن إسماعيل الفارسي قال نا أبو زرعة الدمشقي قال: نا أحمد بن صالح قال نا ابن وهب أخبره أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر عن أم الفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله ﷺ "يذكر أنه رأى ربه في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في أخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب".
قال أبو زرعة: كل هؤلاء لهم أنساب قوية بالمدينة، فأما مروان بن عثمان فهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلي الأنصاري، وأما عمارة فهو ابن عامر ابن عمرو بن حزم صاحب رسول الله ﷺ ، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أبي هلال فلا يشك فيهما، وحسبك بعبد الله بن وهب محدثًا في دينه وفضله (١).
وظاهر الكلام من أبي زرعة إثباتًا (٢) لرجال حديث أم الطفيل، وتعريفًا لهم وبيانًا عن عدالتهم، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا، لأن أبا بكر الخلال ذكر
стр. 158
حديث أم الطفيل في "سننه" ولم يتعرض للطعن عليه.
١٤١ - وأخرج إلىَّ أبو إسحق البرمكي (١) جزءًا فيه حكايات عن أبي الحسن ابن بشار (٢) رواية أبيه أبي حفص (٣) عن أبيه أحمد بن إبراهيم (٤) قال: سألت الشيخ يعني أبا الحسن بن بشار (٥) عن حديث أم الطفيل وحديث
стр. 159
ابن عباس في الرؤيا، فقال: صحيح، فعارض رجل، فقال: هذه الأحاديث لا تذكر في مثل هذا الوقت، فقال له الشيخ: فَيَدْرس الإسلام، فسكت (١).
فقد حكم بصحة الحديث، وقد يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد.
١٤٢ - وكتب إليَّ أبو القسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني بجزءٍ فيه حديث ابن عباس في الرؤية من طرق، وكلام أصحاب الحديث عليه.
١٤٣ - فقال أنا الحسن بن علي بن سلمة الهمذاني ومحمد بن علي بن مهدي وغيرهما قالوا ثنا أحمد بن جعفر بن مالك ونا أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسحق واللفظ له قال نا سليمن بن أحمد بن أيوب (٢) قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال نا الأسود بن عامر قال نا حماد ابن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء".
١٤٤ - قال: وأبلغت أن الطبراني قال: حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الرؤية صحيح، وقال: من زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعد ما حدثت به فقد كذب، وهذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ وجماعة من التابعين عن ابن عباس،
стр. 160
وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة، وجماعة من الثقات عن حماد ابن سلمة (١) عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ وذكر أسماءهم بطولها.
١٤٥ - وأنا محمد بن عبيد الله الأنصاري قال سمعت أبا الحسن عبيد الله بن محمد بن معدان يقول سمعت سليمان بن أحمد يقول سمعت ابن صدقة الحافظ (٢) يقول: من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق.
١٤٦ - وأنا محمد بن سليمان قال سمعت بندار بن أبي إسحق يقول سمعت علي بن محمد بن إبان يقول سمعت البرذعي يقول: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: من أنكر حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت ربي " فهو معتزلي (٣).
стр. 161
١٤٧ - وسمعت علي بن أحمد بن مهران المديني (١) قال حضرت أبا عبد الله ابن مهدي وحضر عند جماعة فتذاكروا حديث عكرمة، وأنكره بعضهم، وكنت قد حفظته فحدثت به بطوله، فقام إليَّ أبو عبد الله وقبَّل رأسي ودعا لي.
١٤٨ - ونا محمد بن محمد بن الحسن قال نا أحمد بن محمد الملحمي قال سمعت محمد بن علي بن جعفر البغدادي قال سمعت أحمد بن محمد بن هاني الأثرم يقول: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ "رأيت ربي" الحديث. فقال أحمد بن حنبل هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة عن النبي ﷺ فمن شكَّ في ذلك، أو في شيء منه فهو جهمي لا تقبل شهادته، ولا يُسلَّم عليه، ولا يُعاد في مرضه (٢).
١٤٩ - وأنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسحاق قال نا محمد بن يعقوب قال نا أحمد بن محمد قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ويذهب إليها، وجمعها وحدثناها.
١٥٠ - وروى بإسناده عن عبد الوهاب الوراق قال: سمعت أسود بن سالم يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية قال: نحلف عليها
стр. 162
بالطلاق والعتاق أنها حق (١). فهذا الكلام في طريقها.
وأما ألفاظ هذه الأحاديث فإنها تتضمن إثبات الصورة وإثبات الرؤية، وقد تقدَّم الكلام في ذلك فيما قبل، وتتضمن زيادة ألفاظ في الرؤية لا يجب أن يستوحش من إطلاقها، لوجهين:
أحدهما: أن أحمد قال في رواية حنبل: لا نزيل عنه صفة من صفات ذاته بشناعة شُنِّعت.
الثاني: أننا لا نطلقها على وجه الجوارح والأبعاض، وتغير الأحوال، وإنما نطلقها كما نطلق غيرها من الصفات من الذات والنفس والوجه واليدين والعين وغير ذلك، وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفر إثبات تشبيه، لأننا نُثبت ذلك تسميةً كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتًا ونفسًا، ولأنه ليس في إثبات الفراش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش، وكما روي في تفسير قوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال يقعده على العرش.
وكما رُوي "أن الله يدني عبده حتى يضع عليه كنفه" وكما روي في قوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] وكما روي "أنه وضع يده بين كتفيه" وكما روي "دونه حجاب" وغير ذلك (٢).
واعلم أنها رأيا منام، لأن أم الطفيل قد صرحت بذلك في خبرها، وحديث ابن عباس أكثر ألفاظه مطلقة، وقد نقل في بعضها صريح بذكر
стр. 163
المنام فيما حدثنا أبو القسم فقال: "أتاني ربي الليلة في أحسن صورة يعني في النوم".
فإن قيل: فهذه الأخبار ضعاف، لأن مدارها على عكرمة، وقد قال ابن عمر لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (١).
قيل: هذا غلط، لأن عكرمة ثقة ثقة، وهو مولى لابن عباس، وقد أخرج عنه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم من أئمة أصحاب الحديث.
فإن قيل: فهذه الأخبار منام، والشيء قد يُرى في المنام على خلاف ما هو به، قيل هذا غلط لوجوه: أحدها أن النبي ﷺ قصد بذلك بيان كرامته من ربه وقرب منزلته منه، فإذا حمل على خلاف ما أخبر زال المقصود، ولأن ما يخبر به شرع فهو معصوم فيه وصفات الله شرع اعتقادها، وإذا كان معصومًا استوى فيه المنام واليقظة، لأن رؤية الأنبياء تجري مجرى الوحي، من ذلك رؤيا إبراهيم ﵇ ذبح ولده، ومن ذلك رؤيا يوسف ﵇ في المنام الكواكب أنها ساجدة له، ولأن أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله "رأيت ربي جعدًا قططًا شابًّا موفرًا" معناه: وأنا جعد قطط أمرد، فتكون الصفة راجعة إلى النبي ﷺ كما يقال: رأيت الأمير راكبًا يحتمل أن يكون الأمير هو الراكب، ويحتمل أن يكون الرائي راكبًا.
стр. 164
قيل: هذا غلط لوجوه: أحدها: أنه لم يكن هذه صفات النبي ﷺ ولو تغيرت صفته في تلك الحال لأخبر بذلك، كما أخبر بوضع اليد بين كتفيه، وكما أخبر بقوله "فيم يختصم الملأ الأعلى" ولأن ألفاظ الخبر تدفع هذا، لأن في حديث ابن عباس عليه "تاج يلمع منه البصر" لو كانت الصفة راجعة إلى النبي ﷺ لقال عليَّ تاج، وفي حديث أم الطفيل "رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" ولو كانت الصفة عائدة على النبي ﷺ لقال: على وجهي وعليَّ فراش وعلىَّ نعلان. وعلى أن قائلًا لو قال: رأيت الأمير جعدًا قططًا، لم تنصرف هذه الصفة إلا إلى الأمير دون الرائي، كذلك ها هنا.
فإن قيل: يحتمل أن تكون هذه المناظرة التي وصفها في الخبر ترجع إلى ما رأى في الجنة من هذه الخلق وما زُينت به، وأنه كان رائيًا لربه في جميع ذلك لم يقطعه نظره إليها عنه ولم يشغله عنه.
قيل: هذا غلط لأنه لو قال: رأيت الخليفة في صورة شاب على وجهه فراش وفي رجليه، لم يعقل من ذلك داره، وإنما يرجع ذلك إلى ذاته.
فإن قيل: هذه الصفات لا تليق بصفات الله سبحانه لأنها من صفات المخلوقين المحدثين. قيل: هذا غلط، لأن مثل هذا موجود في إثبات الوجه واليدين والعين فإنها من صفات المخلوقين المحدثين، وقد جاز وصفه بها.
فإن قيل: إنما أثبتنا ذلك لأنها وردت من طريق مقطوع عليه وهو القرآن، وهذه أخبار آحاد، وخبر الواحد إنما يقبل فيما طريقة العمل، فأما فيما طريقة الاعتقاد والقطع فلا، لأنه لا يمكن القطع بمثلها.
قيل: هذا غلط، لأنها وإن كانت أخبار آحاد فقد تلقتها الأمة بالقبول،
стр. 165
منهم من حملها على ظاهرها وهم أصحاب الحديث (١)، ومنهم من تأولها وتأويله لها قبول لها، وإذا تُلقيت بالقبول اقتضت العلم من طريق الإستدلال، لأن تلقيهم لها يدل على صحتها.
وجواب آخر: وهو أنه لو لم يجب قبولها لم يجب التشاغل بتأويلها كسائر الأخبار الباطلة، ولما تشاغلوا بالتأويل على مقتضى اللغة، علمنا صحتها.
فإن قيل: إنما تأولناها لئلا يخلو نقلها من فائدة، وأن لا يكون ورودها كلا ورود.
قيل: لو لم يجب قبولها لم يلزم طلب الفائدة لها، ولم يضر إطراحها كسائر الأخبار الباطلة.
١٥١ - وقد روي عن ابن عباس كلام يؤكد صحة حديثه ذكره أبو بكر بن أبي داود في كتاب "السنة" من جملة كتاب السنن بإسناده: عن عكرمة قال: سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم، قال كيف رآه؟ قال: في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ، كأن قدميه في خضرة، فقلت أنا لابن عباس: أليس هو من يقول ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ قال: لا أم لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء (٢).
стр. 166
وهذا يدل من كلامه على إثبات الحديث، وحمله على ظاهره، وتأويل الآية.
١٥٢ - فأما الفراش: فقال أبو بكر عبد العزيز نا أحمد قال سألت ثعلب عن قوله "فراش من ذهب" قال: الفراش ما تطاير من كل شيء رقيق فهو فراش. فهذا حدُّ الفراش في الشاهد (١)، فأما الفراش المذكور في الخبر، فلا نعقل معناه كغيره من الصفات (٢).
* * *
стр. 167
[حديث آخر في الصورة]
١٥٣ - رواه أحمد في المسند: عن عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة قال: قال الناس يا رسول الله ﷺ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ "هل تُضَارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فقال: "هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " فقال لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا فيتبعه، فيتبع من كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقول: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاءنا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه". اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان، وقد تقدم ذلك في الأخبار التي قبله، وبينا أنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور، كإطلاق نفس وذات لا كالنفوس والذوات، وإتيان لا عن انتقال وشغل مكان، كما جاز إطلاق الاستواء على العرش، لا عن انتقال من حال إلى حال، وكما جاز رؤيته لا في مكان! وإن لم يكن ذلك معلومًا في الشاهد.
فإن قيل: معنى الإتيان ها هنا ظهور فعله كقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وقوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله
стр. 168
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١].
قيل: هذا غلط، لما بينَّا فساده (١)(٢) في الخبر الذي قبله، وبينا أن ظهور فعله عام في كل الأزمان والأحوال، فلا فائدة لتخصيصه في ذلك اليوم.
والثاني: إن جاز تأويل الإتيان على الأفعال، جاز تأويله قوله "ترون ربكم" على رؤية أفعاله وملكه، وذلك لا يصح، وبينا أن قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ على ظاهره، وأن المراد به الذات، وأجبنا عن قوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] على أن المراد به أفعاله، لأن في الآية ما دل عليه من خراب الديار.
فإن قيل: فقوله "في صورته" معناه بصورته، فتكون الفاء ها هنا بمعنى الباء، وقد رُوي عن ابن عباس في قوله ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ بظلل، ولقوله الحركة بالمتحرك، والحركة في المتحرك، فتحصل تقديره يأتيهم بالصورة التي يعرفونها في الدنيا، من التدبير والملك، لأن معرفتهم له في الدنيا كانت بالدلالات المنصوبة وآياته.
قيل: هذا غلطٌ لوجوه، أحدها: أن قولهم أنت ربنا فيتبعونه، وهذا لا يتصور في أفعاله وملكه، لأنه لا يوصف بالربوبية ولا يصح اتباعه.
الثاني: أنه إن جاز تأويله على ما يظهر من أفعاله وملكه، جاز تأويل قوله "إنكم ترون ربكم" على رؤية تعطفه بكم، ورحمته لكم، وقد أجمعنا ومثبتوا
стр. 169
الصفات على خلاف ذلك.
الثالث: أنهم سألوه هل نرى ربنا؟ قال "ثم يجمع الله الناس ثم يأتيهم فيقولون أنت ربنا" فاقتضى ذلك إتيانًا يرونه فيه، لأن النبي ﷺ أثبت لهم رؤية ووصف (١) لهم كيفية الرؤية.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله "يأتيهم الله" معناه يأتيهم خلق من خلقه من الملائكة يتصوَّر لهم، ويخاطبهم بأمر الله، وأضاف ذلك إليه، كما يقال ضرب الأمير اللص، معناه أمر بضربه، يدل على ذلك قوله "نعوذ بالله منك" ولو كان هو الإله لقالوا: نعوذ بك.
قيل: هذا غلط لقوله "فيأتيهم الله ولأن القوم سألوه هل نرى ربنا قال "نعم يجمع الله الناس ثم يأتيهم فيقولون أنت ربنا" فاقتضى ذلك إتيانًا يرونه منه.
وأما قولهم "نعوذ بالله منك" (٢) فلا يمتنع مثل هذا، كما روي أنه كان في دعاء النبي ﷺ "أعوذ بك منك" ولا يمتنع أن يذكر الاسم الظاهر في موضع الكناية كما قال تعالى ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٨٥] وتقديره نحشر المتقين إلينا.
فإن قيل: فقد حُكي عن أبي عاصم النبيل أنه كان يقول: ذلك تغير يقع في عيون الرائين، كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهم الشيء على الحقيقة.
стр. 170
قيل: هذا غلط، لأن في الخبر أنه قال: "فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفونها فيقولون: نعوذ بالله منك، ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقولون أنت ربنا ويتبعونه" وهذا الفرق بين الصورتين لا يكون عن تغير يقع في العين وإنما يكون عن تميز صحيح.
فإن قيل: لابد من حمل الخبر على نوع مما ذكرنا، لاستحالة أن يكون الله سبحانه على صور كثيرة يجهلونه مرة ويعرفونه أخرى، أو يكون ممن يحل الصور فتنتقل الصور به، لاستحالة أن يكون حالًا أو محلًّا للصور أو مصور، فلم يبق إلا أن يكون تغير الصور راجعًا إلى الملك والفعل، أو تكون الصورة بمعنى الصفة، كما يقول القائل: عرفني صورة هذا الأمر أي صفته فيحصل تقدير ما يظهر لهم من بطشه وشدة بأسه يوم القيامة، وقد عرفوه حليمًا غفارًا كريمًا، فيظهر لهم منها قولا (١) "أنا ربكم" فيقولون عند ذلك "نعوذ بالله منك، مستعيذين بالله، هذا مكاننا حتى يأتينا" بمعنى حتى يظهر رحمته وكرمه، فيأتيهم بعد ذلك في الصورة التي يعرفونها من العفو والمغفرة.
قيل: هذا غلط، لأنه لا يجب حمله على شيء مما ذكروه، لأنَّا نطلق صفة الإتيان لا عن انتقال، ونطلق الصورة لا على وجهه التشبيه، كما أطلقنا تسمية نفس وذات ووجه ويد.
أما تغير الصورة فليس بتغير، لأنه لا يمتنع أن يكون جميع ذلك صفات له يحجبهم عن النظر إلى شيء منها في حال، ويريهم إياها في حال أخرى، كما جاز أن يريهم ذاته في حال ويمنعهم ذلك في حالة أخرى، وإذا كان كذلك لم يجز منه ما قالوه من تغير الصور عليه.
стр. 171
وأما حمله على الملك والفعل، فقد أفسدناه من الوجوه التي تقدمت، وكذلك حمل الصورة على الصفة لا يصح لما ذكرنا، وهو أن في الخبر "فيأتيهم فيتبعونه" وهذا لا يصح في الملك.
والثاني: أنه لو جاز تأويله على هذا، جاز تأويل قوله "ترون ربكم".
والثالث: أن النبي ﷺ تكلم بهذا في جواب سؤالهم عن رؤية الله في الآخرة. اهـ
* * *
стр. 172
[إثباتُ صفة السَّاق لربنا سبحانه]
[حديث آخر في هذا المعنى]
ذكره أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: أنا أبو بكر المروذي قال نا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني قال نا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم (١) خالد بن أبي يزيد قال حدثني زيد بن أبي أنيسة عن المنهال ابن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع قال نا عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يومٍ معلومٍ" وذكر الخبر إلى أن قال "وينزل الله ﵎ في ظللٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي" إلى أن قال "فيتمثل لهم الربُّ ﵎ فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون: لنا إله ما رأيناه بعد، فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم بيننا وبينه علامة، إذا رأيناها عرفناه، قال فيقول: ما هي؟ قال فيقولون: يكشف عن ساقه، قال فعند ذلك يكشف عن ساقه، قال فيخر من كان بظهره طَبَق، ويبقى قومٌ ظهورهم كأنها صَيَاصي البقر، يُريدون السجود فلا يستطيعون" وذكر الخبر بطوله (٢).
стр. 173
١٥٦ - [*] وقد ذكره البخاري في صحيحه بإسناده: عن أبي سعيد سمعت النبي ﷺ يقول: "يكشفُ ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة" (١) وذكر الخبر بطوله.
١٥٧ - وقد رواه أبو الحسن الدارقطني في كتاب "الرؤيا" عن ابن مسعود وابن عمر، فرواه بإسناده: عن عبد الله عن النبي ﷺ يوم يكشف عن ساق قال: يكشف ربنا عن ساقه ونخر له سجدًا" (٢).
стр. 174
١٥٨ - وبإسناده: عن ابن عمر عن النبي ﷺ يوم يكشف عن ساق قال: "يكشف عن ساقه ونخر له سجدًا".
اعلم أن هذا حديث صحيح.
١٥٩ - قال المروذي: ذكرت لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحراني عن عبد الرحمن قال حدثني زيد بن أبي أنيسة عن المنهال عن أبي عبيدة عن مسروق قال حدثنا عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه.
والكلام فيه في فصول: أحدها قولهُ "ينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" وهذا غير ممتنع في صفاته ونظيره قوله ﷺ : "ينزل الله إلى السماء الدنيا في كل ليلة" وذلك جائز لا على وجه الانتقال من مكان وشغل مكان آخر، كما جاز وصفه بالاستواء على العرش لا على وجه الانتقال، وإن كان حرف "ثم" يقتضي حدوث استواء، ويأتي الكلام في ذلك في خبر النزول إلى سماء الدنيا.
* * *
стр. 175
الفصل الثاني جواز رؤيته سبحانه للمؤمنين وهذا فصل يأتي ذكره في حديث آخر
стр. 176
الفصل الثالث
стр. 177
الفصل الثالث قوله "يكشف عن ساقه "
قوله "يكشف عن ساقه" وهذا أيضًا غير ممتنع إضافة الساق إليه وإثبات ذلك صفة لذاته، كما لم يمتنع إضافة اليد والوجه على وجه الصفة، لا على وجه الأبعاض والأجزاء، كذلك في الساق، ونظير هذا الخبر ما روي "يضع قدمه" وروي "رجله في النار" ويأتي الكلام في ذلك.
فإن قيل: المراد بذكر الساق ها هنا شدة الأمر، قال الشاعر:
وقامت الحرب على ساق.
وقال ابن عباس في قوله "يَومَ يُكشف عن ساق" أي عن شدة الأمر (١).
١٦٠ - وقال الحسن في قوله ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩] أي التفت ساق الدنيا بساق الآخرة (٢).
قيل: هذا غلط لوجوه، أحدها: أنه قال: "فيتمثل لهم الرب وقد كشف عن ساقه" والشدائد لا تسمي ربًّا.
والثاني: أنهم التمسوه ليتَّبعوه، فينجوا من الأهوال والشدائد التي وقع فيها من كان يعبد غيره، وإذا كان كذلك لم يجز أن يلتمسوه على صفةٍ تلحقهم فيها الشدة والأهوال.
الثالث: أنه قال "فَيَخَرون سُجَّدا" والسجود لا يكون للشدائد، وهذا جواب أبي بكر، رأيته في تعاليق أبي إسحاق عنه.
стр. 178
الرابع: إن جاز تأويل هذا على الشدة، جاز تأويل قوله "ترون ربكم" على رؤية أفعاله وكراماته، وقد امتنع مُثبتو الصفات من ذلك، والذي رُوي عن ابن عباس والحسن، فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون هذا التفسير منهما على مقتضى اللغة، وأنَّ الساق في اللغة هو الشدة، ولم يقصد بذلك تفسيره في صفات الله تعالى في موجب الشرع.
والثاني: أنه يُعارض ما قاله قول عبد الله بن مسعود، أخرجه إليّ أبو القسم عبد العزيز قال: نا أبو القاسم إبراهيم بن جعفر الساجي قال أنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار البصري قال نا أبو داود سليمان بن الأشعث قال نا سلمة بن شبيب نا عبد الرزاق أنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ابن مسعود في قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عن ساقيه جلَّ ذكره (١).
١٦١ - وقال أبو داود نا بندار محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان ابن مسعود يقول ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾
стр. 179
[القلم: ٤٢] قال: يكشف الرحمن عن ساقه (١).
١٦٢ - وأخرج إلى أبو القسم قال نا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران نا عثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك قال نا عبد الله بن ثابت قال حدثني أبي قال حدثني الهذيل بن حبيب الدنداني قال قال مقاتل بن سليمان قال عبد الله بن مسعود في قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] يعني عن ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، يعني نور ساقه اليمين (٢).
١٦٣ - فهذا قول ابن مسعود وناهيك بعبد الله أول المقدَّمين من الصحابة بعد العشرة وقال النبي ﷺ "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" (٣).