← Акыда

Акыда · id 730

إبطال التأويلات - ط غراس

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (691 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وتقديره: خلق أباك آدم من تراب، ثم أنشأك من نطقة. وكذلك قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] وتقديره: خلق أباكم آدم من تراب، ثم أنشأكم من نطفة، هكذا ذكره أبو بكر من أصحابنا في تفسيره (١). وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٢). وتقديره: أخذ ربك من ظهر آدم الذرية، وأضاف ذلك إلى بنيه، يدل عليه ما رواه أبو بكر في كتاب التفسير بإسناده: عن عمر بن الخطاب أنه سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ قال: "إن الله خَلَق آدم ثم مَسَح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء إلى الجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت

стр. 107

هؤلاء إلى النار، وبعملِ أهل النارِ يعملون" (١) وذكر الخبر.

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 109

فقد فسَّر النبي ﷺ أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنْ كانت الإضافة إلى بنيه. فإن قيل: فلم أضاف الفعل إلى بنيه والفعل كان واقعًا فيه. قيل: لأن الفعل كان واقعًا عليه وعلى بنيه، لأنه استخرج كل ذرية، تخلق إلى يوم القيامة من ظهره ومن ظهر ذريته فيجوز أن تكون الإضافة حصلت إليهم، لأنهم الأكثر.

стр. 110

ومثل هذا قوله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ يعني آدم وحواء ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يعني لما ولد لهما ولد سمَّوه عبد الحارث الذي هو إبليس (١) فقال سبحانه ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني إضافتهم الولد إلى عبد الحارث، وحصلت الكناية عنهم بلفظ الجمع، لأنها لو رجعت إليهما لكانت بلفظ التثنية، فيقول: فتعالى عما يشركان. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] والمراد بذلك آدم (٢). وقد ذكر ابن قتيبة هذا في مختلف الحديث أن معنى قول ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ المراد به خلقنا آدم. فإن قيل: إذا حملتم الكلام على آدم، كان ذلك تأويلًا للخبر، وقد منعتم من التأويل. قيل: ليس هذا بتأويل، وإنما هو بيان أن هناك محذوف مقدَّر يشهد لظاهر القرآن ونحن لا نمنع من ذلك، وهذه طريقة صحيحة، ويكون لآدم مزية بالذكر على ذريته.

стр. 111

[حديث آخر في الصورة] ٨٦ - رواه أبو بكر الخلال (١) بإسناده في سننه فقال: أنا العباس بن محمد الدوري قال نا أبو داود المباركي قال نا حماد بن دليل عن سفيان بن سعيد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن عبد الرحمن بن سابط. قال حماد بن دليل حدثني الحسن بن حي عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ قال: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: لا أدري، فوضع يده حتى وجدت فذكر كلمة ذهبت عني. ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ وذكر الخبر" (٢). اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصولٍ: أحدها: في إثبات ليلة الإسراء وصحتها.

стр. 112

الثاني: في إثبات رؤيته لله تعالى في تلك الليلة. الثالث: في وضع الكف بين كتفيه. الرابع: في إطلاق تسمية الصورة عليه. الخامس: قوله لا أدري لمَّا سأله فيم يختصم الملأ الأعلى. أما الأول، فهو أن الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى السموات صحيح، وأنه كان يقظة، وقد نص أحمد على هذا في رواية المروذي، وحكي له عن موسى بن عقبة أنه قال: إن أحاديث الإسراء منام، فقال: هذا كلام الجهمية، وجمع أحاديث الإسراء فأعطانيها وقال: منام الأنبياء وحىٌ. ٨٧ - وقال يعقوب بن بختان سألت أبا عبد الله عن المعراج فقال: رؤيا الأنبياء وحي. فقد أثبت ليلة الإسراء، وأنكر قول من قال إنها منام، وقوله: رؤيا الأنبياء وحي، معناه: أنها لو كانت منامًا لكانت وحيًا، لأنهم (١) أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام (٢). والدلالة على صحته وإثباتها وجوه أحدها: قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. وهذا يدل على ثبوت الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويدل على ثبوته إلى السماء قوله تعالى ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ [النجم: ٧]. فإن قيل: المراد به جبريل قيل: بل المراد به النبي ﷺ لأنه تقدم ذكر النبي ﷺ لأنه تقدم ذكر النبي ﷺ وذكر جبريل بقوله ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا

стр. 113

يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] هذا كله كناية عن النبي ﷺ وقوله بعده ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥، ٦] المراد به جبريل وقوله ﴿فَاسْتَوَى﴾ يعني النبي ﷺ استوى على الشريعة، ثم قال بعد ذلك ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم: ٧] فعادت الكناية إلى أقرب المذكور وهو النبي ﷺ (١). ومنها دليل آخر قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] يعني مرة أخرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٤، ١٥] والمراد به نبينا فأخبر أن رؤيته كانت عند سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة.

стр. 114

فإن قيل: المراد به رؤية جبريل لربه، قيل: لا يصح لوجهين: أحدهما أنه قد تقدم ذكرهما وأقرب المذكور النبي ﷺ ، لأنه قال تعالى ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١٠، ١١] والمراد به النبي ﷺ لأن الوحي كان إليه، ثم قال بعده ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]. والثاني قوله ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ [النجم: ١٢] والمماراة إنما كانت بين قريش وبين النبي ﷺ ولم تكن بينها وبين جبريل. فإن قيل: يحتمل أن يكون جبريل عند السدرة والنبي ﷺ في الأرض خرقت له الحجب. قيل: لو كان كذلك لنقل ذلك لأنه من أعظم المعجزات. ٨٨ - الدليل الثاني: أن في حديث أبي هريرة فيما خرجه أبو عبد الله بن بطة قال: لما رجع النبي ليلة أسري به بلغ ذا طوى، فشدَّد بنو عبد المطلب يلتمسونه، قال: فصرخ به العباس فأجابه قال: لبيك، قال: أين كنت ابن أخي الليلة؟ قال: أتيت بيت المقدس، فقال رسول الله ﷺ : يا جبريل إنَّ قومي لا يصدقوني، قال: يصدقك أبو بكر الصديق (١) وهذا صريح في نقل جسمه من موضعه (٢).

стр. 115

٨٩ - الثالث: ما روى أبو بكر الخلال وغيره: عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رؤيا عين أُريها ليلة أُسري به (١). فقد أثبت ابن عباس الإسراء والرؤية. الرابع: أنه جعل ذلك حسرةً على الكافرين فقال ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] يعني أهل مكة، وذلك أنه كان قد جعل المطعم بن عدي حوضًا يسقي عليه فأمر بهدمه، وقال: والله لا أسقي عليه، حسدًا لرسول الله ﷺ إذ حدَّث بما رآه من كرامة الله، وهذا لا يكون بالمنام، لأنهم يقولون يجوز أن يكون هذا من أحلام المنامات. الخامس: أن أول فروض الخمس فرضت في تلك الليلة، وذلك أنه كان يصلي بمكة صلاتين أول النهار ركعتين، وآخره ركعتين إلى ليلة الإسراء، ففرض عليه خمسون صلاة، وفرض عليه غسل الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فما زال به موسى وربه حتى انتهت إلى خمس، وغسل الجنابة والبول مرة واحدة (٢)،

стр. 116

فنسخ الثاني الأول، ولا يجوز أن ينسخ منام ليقظة. السادس: لو كان منامًا لم ينكره المشركون، ولا كان معجزًا، ولا طلبوا منه دليلًا على قوله، بما قد عرفوه من الطريق والمسجد وصفته، لأن الذي يرى في المنام، لا يطالب بجميع ما يكون في ذلك البلد الذي رأى نفسه فيه، ولا يُنكر عليه رؤيته لأن كل أحدٍ يرى أعظم من هذا، فلما أنكروا عليه، عُلم أنه إنما قال لهم ذلك في اليقظة، وهذا جوابٌ جيد. ٩٠ - وقد روى أبو حفص بن شاهين في كتاب السنة بإسناده: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كان ليلة أُسري بي أصبحتُ بمكة فضقتُ بأمري، وعرفت أن الناس تنكرُني، قال: فقعد رسول الله ﷺ معتزلًا حزينًا، فمر به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم إني أسري بي الليلة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا، قال: نعم قال فلم يره أن يحدثه (١) مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه، فقال: أتحدث قومك ما حدثتني إن دعوتهم إليك؟ قال: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا قال فجاؤا حتى جلسوا إليهما فقال حدِّث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله ﷺ إنه أسري بي الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فمن بين

стр. 117

مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا، فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ قال: وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد، قال رسول الله ﷺ : فذهبت أنعتُ لهم فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فنعتُّهُ وأنا أنظر إليه، فقال القوم: أما النعت فوالله قد أصاب" (١). ٩١ - السابع: ما رواه ابن شاهين بإسناده: عن أنسٍ: "أن النبي ﷺ أُتي بالبُراق ليلة أُسري به، مُسرجًا ملجمًا ليركبه، فاستصعب عليه، فقال جبريل: ما يحملك على هذا؟ فوالله ما ركبك أحدٌ قط أكرم على الله من محمد؟! قال: "فأرفض عرقًا" (٢). ولو كان هذا منامًا لقال أنس: رأي النبي في المنام كأنه أُتي بالبُراق، ولم

стр. 118

يذكر ذلك مطلقًا. الثامن: أنه لو كان منامًا فهو في حكم اليقظة، لأن رؤيا الأنبياء وحي، على ما قال أحمد، والوجه فيه رؤيا إبراهيم ﵇ أنه يذبح ابنه، فكان ذلك أمرًا من الله بقوله (افعل ما تؤمر). ٩٢ - وروى ابن منده بإسناده: عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت رؤيا الأنبياء وحي (١). ٩٣ - وبإسناده: عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق (٢). * * *

стр. 119

الفصل الثاني (في رؤية الله تعالى)

стр. 120

الفصل الثاني في إثبات رؤيته لله سبحانه في تلك الليلة ٩١ - وقد اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك: فروى أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: إن قومًا يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية (١). فبأي شيء تدفع قول عائشة؟ قال: بقول النبي ﷺ "رأيت ربي" وقول النبي ﷺ أكبر من قولها.

стр. 121

٩٢ - وقيل له: إن رجلًا يقول: أنا أقول أن الله يُرى في الآخرة، ولا أقول إن محمدًا رأى ربه في الدنيا، فقال: هذا أهل أن يُجفى، ما اعتراضه في هذا الموضوع؟ يُسَلِّم الخبر كما جاء. وظاهر هذا من كلامه إثبات الرؤية في ليلة المعراج، وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد، وأنا أحكي كلامه في آخر الفصل. ٩٣ - ونقل حنبل قال: قلت لأبي عبد الله النبي ﷺ رأى ربه؟ قال: رؤيا حلم رآه بقلبه. وهذا يقتضي نفي الرؤية في تلك الليلة؟ ٩٤ - ونقل الأثرم: عن أحمد أنه حكى له قول رجل يقول: رآه ولا أقول بعينه ولا بقلبه، فقال أبو عبد الله: هذا حسن (١). وظاهر هذا إطلاق الرؤية من غير تفسير بعين أو قلب، والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينيه. وهذه المسألة وقعت في عصر الصحابة، وكان ابن عباس وأنس وغيرهما يثبتون رؤيته في ليلة المعراج، وكانت عائشة تُنكر رؤيته بعينه في تلك الليلة، والدلالة على إثبات رؤيته قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ [الشورى: ٥١] فوجه الدلالة أنه تعالى قسم تكليمه لخلقه على ثلاثة أوجه: أحدها: بإنفاذ الرسل، وهو كلامه لسائر الأنبياء والمكلفين. والثاني: من وراء حجاب هو تكليمه موسى ﵇ وهذا الكلام بلا واسطة، لأنه لو كان بواسطة دخل تحت القسم الذي ذكرنا، وهو إنفاذ الرسل.

стр. 122

الثالث: من غير رسولٍ ولا حجابٍ، وهو كلامه لنبينا في ليلة الإسراء إذ لو كان من وراء حجاب أو كان رسولًا، دخل تحت القسمين، ولم يكن للتقسيم فائدة، فتثبت أنه كان كلامه له عن رؤية. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠] أي كلمه بما كلمه بلا واسطة ولا ترجمان (١) ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١] فالظاهر يقتضي أن النبي ﷺ لما رأى الله بعيني رأسه ليلة المعراج عند سدرة المنتهى لم يكذب فؤاده ما رآه بعيني رأسه. ٩٥ - ويدل عليه: ما حدثناه أبو القسم عبد العزيز قال نا علي بن عمر بن علي أبو الحسن التمار قال نا أبو بكر عمر بن أحمد بن أبي معمر الصفار قال حدثنا يوسف بن أحمد بن حرب بن الحكم الأشعري البصري قال نا روح بن عبادة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قال رأيت ربي جلّ اسمه مشافهةً لا شك فيه، وفي قوله ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾

стр. 123

[النجم: ١٤] قال: "رأيته عند سدرة المنتهى حتى تبين لي نور وجهه" (١). ٩٦ - وروى أبو بكر الخلال عن عكرمة عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به (٢). ٩٧ - وروى أبو القسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان (٣) فيما خرجه من أخبار الصفات بإسناده: عن ابن عباس قال: كانت الخلة لإبراهيم ﵇ والكلام لموسى ﵇ والرؤية لمحمد ﷺ (٤). ٩٨ - وروى أبو حفص بن شاهين في سننه بإسناده: عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس: رأى محمد ﷺ ربه بعينيه مرتين (٥).

стр. 124

٩٩ - وروى أبو حفص بإسناده: عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: رأى رسول الله ﷺ ربه بفؤاده مرتين (١). ١٠٠ - وروى أيضًا بإسناده: عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ﷺ ربه بقلبه (٢). وهذا الاختلاف عنه ليس براجع إلى ليلة المعراج، إنما هو راجع إلى رؤيته في المنام في غير تلك الليلة، رآه بقلبه على ما نبينه فيما بعد، وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة، لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي ﷺ لأن النبي ﷺ أثبت رؤيته في تلك الليلة، ولأنه مثبت والمثبت أولى من النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف، إذْ لا مجال للقياس في ذلك (٣). فإن قيل: قوله "رأيت رِبي" إنما هو بكسر الراء، وهو اسم كان لعثمان ﵁ رآه ﷺ في النوم في تلك الصفات، أو يكون المراد التابع

стр. 125

من الجن رآه على تلك الصفات. قيل: لفظ الخبر يُسقط هذا السؤال لأنه قال له "فيم يختصم الملأ الأعلى" وهذا لا يقوله أحد من البشر، ولأنه قال: "فوضع يده بين كتفي فوجدت بُردها بين ثديي" وليس أحد له هذا من المخلوقين. ١٠١ - وقد حكى القاضي أبو علي عن أبي بكر بن سليمان النجاد ﵀ أنه قال: رأى محمدًا ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسُّنة تسع مرات في ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين الله يسئل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة، في تسع مقامات، ومرتين بالكتاب (١). * * *

стр. 126

الفصل الثالث

стр. 127

الفصل الثالث وضع الكف بين كتفيه وقد رُوي بألفاظ ففي: ١٠٢ - حديث أبي عبيدة بن الجراح "فوضع يده حتى وجدت" وذكر كلمة نسيها الراوي. ١٠٣ - وفي حديث أبي هريرة رواه أبو بكر الخلال: عن النبي ﷺ قال: "أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى قلت: لا؟ فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت بردها بين ثديي" (١). ١٠٤ - وناه أبو القسم عبد العزيز بإسناده: عن أبي هريرة قال: "فوجدت برد أنامله بين ثديي". ١٠٥ - وفي رواية ابن عباس في موضع آخر "فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي". واعلم أنه ليس في حمل هذا الخبر على ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يُخرجها عما تستحقه، لأننا نثبت كفًّا كما أثبتنا يدين وسمعًا وبصرًا ووجهًا، لا على وجه الجوارح والأبعاض، وليس إثبات تلك الصفات

стр. 128

بأولى من إثبات الكف، لأننا نطلق اسم الوضع بين كتفيه، كما أطلقنا خلقه لآدم بيديه، فما (١) يتطرق على هذا يتطرق مثله هناك، ورأيت بعضهم يقول غير ممتنع أن تُلاقي كف الصفة لكتفي النبي ﷺ لا على منع ملاقاة الجسم للجسم، لكن على معنى ملاقاة الجسم لنور الشمس والقمر، قال: وهذا ظاهر ما جاء في الحديث "فوجدت بردها بين كتفي" ولأنه ليس في الملاقاة أكثر من مقاربة المحدث من القديم. ١٠٦ - وقد جاء الشرع بذلك: فروى "إن الله يدني عبده حتى يضع عليه كنفه" (٢) ولأنه قد قال تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: يقعده معه على العرش (٣)، ولأن هذا غير ممتنع

стр. 129

على أصل من أثبت أنه على العرش، لأنه إذا كان بجهة تصح الإشارة وإليه فيها، ويصح النظر منها، وإنما يمتنع على أصل من نفي كونه بجهة يشار إليه فيها. فإن قيل: الكف ها هنا بمعنى القدرة؟ كما قال القائل: هَوِّن عليك فإنَّ الأمورَ … بكفِّ الإلهِ مَقَاديرها يعني في قدرته تقديرها وتدبيرها، فعلى هذا يكون اعتراف النبي ﷺ بالعجز وإقراره بعد وضع الكف، إنما هو إقرار بقدرة الله تعالى على ما فعل به من التعطف واللطف، حتى عرف ما لم يعرفه، أو يكون المراد بالكف النعمة والمنة والرحمة، ومنه قوله: لي عند فلان يد بيضاء، أي نعمة منه كاملة فيكون إخبارًا عن نعمة الله وفضله وإقباله عليه، بأن شرح صدره، ونوَّر قلبه فعرف ما لم يعرفه.

стр. 130

قيل: هذا غلط لأنه إن جاز تأويل الكف على ما قالوه، جاز تأويل قول ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على ذلك، ولأن قدرته ونعمته لا تختص الكفين، بل هي عامة في جميع مقدوراته، وما قاله الشاعر من أن الأمور بكف الإله مقاديرها، لا يشبه هذا، لأنه قد فسَّر ما بكفه وهو تقدير الأمور، وذلك لا يختص الكف لأنه صفته، وتدبير الأشياء لا يحصل بالصفات، وإنما يحصل بالذات فأمَّا ها هنا فإنما أضاف إلى الكف فعلًا، كما أضاف إلى اليد فعلًا وهو خلق آدم. فإن قيل: قوله "بين كتفي" معناه أَوْصَلَ إلى قلبه من لُطفه ونوره وفوائده، لأن القلب بين الكتفين، وهو محل الأنوار والعلوم. قيل: هذا غلط، لأن القلب لا يوصف بوضع الكف فيه، وإنما يوصف ذلك بالكتفين. فإن قيل: قوله "فوجدت بردها" يحتمل برد النعمة، بمعنى روحها وأثرها من قولهم: عيش بارد إذا كان رغدًا في رفاهية وسعة. قيل: هذا غلط، لما بينا أن الكف ليس معناه النعمة، وإذا لم يكن معناه النعمة لم يصح التأويل عليه (١). فإن قيل: قوله "فوجدت برد أنامله" يحتمل آثار إحسانه ونعمه ورحمته في صدري، فتجلى لي ما بين السماء والأرض: قيل: هذا غلط، لما بينَّا من أن إحسانه ونعمه لا يختص القلب والكف والأنامل، ولأنه إن جاز تأويل الأنامل على ذلك، جاز تأويل اليدين على النعمتين، والوجه على الذات. * * *

стр. 131

الفصل الرابع

стр. 132

الفصل الرابع جواز إطلاق تسمية الصورة عليه وقد بينا جواز ذلك في الخبر الذي قبله، وقد بينا أنه لا يمتنع إطلاق ذلك لا على وجه الأبعاض والجوارح، كما جاز إطلاق نفس وذات. فإن قيل: ذكر الصورة يرجع إلى النبي ﷺ ويكون المعنى: رأيت ربي وأنا في أحسن صورة، كما يقول القائل: رأيت الأمير في أحسن صورة وزي (١). قيل: هذا غلط، لأنه لم يُنقل أن صفة النبي ﷺ تغيرت في تلك الليلة، ولو كان لنقل كما نقل غيره، من المخاطبة ووضع الكف وغير ذلك. وعلى أنه قد روي في الخبر ما يمنع من هذا بقوله "رأيت ربي في صورة شاب على وجهه فراش وفي رجليه نعلان" ولو كانت الصفة راجعة إلى النبي ﷺ لقال على وجهي وفي رجلي. فإن قيل: فيحتمل أن تكون الصورة راجعة إلى الله تعالى، بمعنى أنه يُحسن خلق من يشاء كما يُقبح خلق من يشاء، لأن أفعل قد تجيء على معنى يفعل كما وصف نفسه بأنه "حكيم" والمراد به مُحكم لما يفعل. قيل: هذا غلط، لأنه يُسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة، لأن النبي ﷺ لم يزل مشاهدًا لأفعاله في خلقه من تحسين وتقبيح، فحمله على هذا يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة. فإن قيل: فيحتمل أن تكون الصورة راجعة إلى الله تعالى، بمعنى الصفة

стр. 133

من توفر الرب عليه في الإنعام والإقبال عليه، فيكون حسن الصورة يرجع إلى حسن الأفعال به والإكرام. قيل: هذا يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة، لعلمنا بأن نعمه عليه كانت ظاهرة بقيام المعجزات في المواضع التي تظهر النعم فيها، ولأنه إن صح هذا التأويل ها هنا وجب أن يصح مثله في قوله "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" على معنى صفته توفر أنعامه وأفضاله على أهل الجنة. فإن قيل: فقد ذكر النقاش (١) في "شفاء الصدور" في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] فقال قال عمرو بن عثمان: رأيت عبد الله بن أحمد بن حنبل في المسجد الحرام في الحجر تحت الميزاب، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، أيش كان مذهب الشيخ في قول "رأيت ربي في أحسن صورة"؟ قال: رأيته في أحسن مكان. قالوا وهذا ينفي الصورة. قيل: الرواية الصحيحة عنه ما ذكرنا من إثبات الصورة اهـ. * * *

стр. 134

الفصل الخامس

стр. 135

الفصل الخامس قول النبي ﷺ "لا أدري" لما قيل: له "فيم يختصم الملأ الأعلى " قيل: فيه وجهان: أحدهما: أنه يحتمل أنه كان يعلم، لكن استعمل حسن الأدب بحضرة من هو أعلم به، حتى لا يدعي ذلك بحضرة من هو أعلم، كما قال تعالى ﴿* يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩]. وقيل: إنه يحتمل أنه لم يعلم، ثم علم بعد ذلك ما بين المشرق والمغرب بأن زويت له الأرض، كما رُوي في الحديث: "زُويت لي الأرض، فأُريت مشارقها ومغاربها" (١). * * *

стр. 136

فصل هل أحيا الله لنبيه الأنبياء في ليلة الإسراء أم نشر أرواحهم في مثل صورهم ١٠٧ - فذكر أبو إسحق في تعاليقه على "كتاب التفسير" في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤٥] قال سعيد بن جبير: أحيا الله له الأنبياء حتى سألهم، وعلى هذا كلام موسى وغيره (١). ١٠٨ - وذكر أبو بكر عبد العزيز في "كتاب التفسير" في هذه الآية قولين: أحدهما: سل أهل الكتاب: أَمَا كانت الرسل تأتيهم بالتوحيد، أما كانت تأتي بالإخلاص، حكاه عن قتاده (٢). والثاني: قول سعيد بن جبير قال: لقي الرسل ليلة أسري به، ثم قال: كما قال سعيد بن جبير، وهو أحسن التأويلين إذ كان قد لقيهم، وظاهر كلام أبي بكر وأبي إسحق الأخذ بقول سعيد.

стр. 137

وقد قيل: إن أرواحهم نُشِرَت في مثل صورهم. ١٠٩ - وقد جاء هذا في حديث المعراج: في رواية أبي حفص بن شاهين وأبي طالب بن العُشاري (١). قال فيه "ثم أتينا بيت المقدس فنشر لي أرواح الأنبياء فصليت معهم" فبين أن النّشر كان على الأرواح، وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب "السنة" هذه اللفظة. فصل ثان ١١٠ - يتعلق بليلة الإسراء في قوله تعالى ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨] هل الكناية في التدلي عن الله سبحانه أم عن جبريل؟ فذكر أبو بكر في "كتاب التفسير" في هذه الآية قولين: أحدهما أنه جبريل عن مجاهد والحسن في رواية (٢). ١١١ - والثاني: أنه الله سبحانه، حكاه عن ابن عباس وعطاء وعكرمة والحسن (٣)، واختار هذا القول، والوجه فيه: أن رؤيته لجبريل قد

стр. 138

سبقت مرارًا لا تحصى، فلا فائدة في إثباتها في تلك الليلة، إذ كان المقصود بذلك حصول الفضيلة له وعلو المنزلة، ولأنه قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠] والوحي إنما يكون من الله تعالى، فقوله (فأوحى) كناية عمن تقدم ذكره وهو المتدلي، فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى، وقد شهد الكتاب والسنة لما قاله أبو بكر قال تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وبقول النبي ﷺ "ينزل الله ﵎ إلى سماء الدنيا" (١). حديث آخر في هذا المعنى: ١١٢ - ناه أبو محمد الحسن بن محمد (٢) فيما خرَّجه من أخبار الصفات بإسناده: عن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ يومًا بصلاة الغداة حتى كادت الشمس أن تطلع، فلما خرج صلى بنا الغداة فقال: "إني صليتُ الليلة ما قضي لي، ثم وضعتُ جنبي في

стр. 139

المسجد، فأتاني ربي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فضرب يديه بين ثديي، حتى بدا لي ما في السماوات والأرض" (١).

стр. 140

١١٣ - وروى أبو القسم عبيد الله بن أحمد الصيرفي (١) فيما خرَّجه من أخبار الصفات بإسناده: عن معاذ عن النبي ﷺ قال: "رأيت ربي في منامي" وذكر الخبر. اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها: جواز إطلاق الصورة عليه، وقد تقدم الكلام في ذلك. الثاني: جواز رؤيته في منامه، وهذا غير ممتنع في حق النبي ﷺ وفي حق غيره من المؤمنين. ١١٤ - وقد نص أحمد على هذا فيما رواه عبد الله: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة في النوم فقلت: يا رب ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ قال فقال: كلامي يا أحمد، قلت يا رب، بفهمٍ أو بغير فهم؟ قال: بفهمٍ

стр. 141

وبغير فهم (١). فأخبر عن نفسه بالرؤية فدلَّ على جوازه. ١١٥ - والوجه في جوازه: ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رؤيا الرجل الصالح، جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" (٢). فوجه الدلالة أنه أخبر أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة لا يكون إلا حقًّا، ولا يكون باطلًا، فوجب أن تكون رؤية الله حقا (٣).

стр. 142

ولأنه إجماع أهلُ الأعصار، وذلك أنّ عصرًا بعد عصر من لدن التابعين

стр. 143

ومن بعدهم يخبر أنه رأى ربه، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه فدلَّ سكوتهم على جواز ذلك. ١١٦ - من ذلك رقبة بن مسقلة (١) قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: لأكرمِنَّ مثوى سليمان يعني التيمي. ١١٧ - وعن عطاء السليمي (٢) أنه رأى ربه في المنام فقال: ما هذا الخوف الشديد الذي تخافني، ألم تعلم أني أرحم الراحمين؟ ١١٨ - وعن حمزة بن حبيب الزيات (٣) أنه رأي في المنام كأنه عُرض على الله فقال له: إقرأ القرآن كما علَّمتك، وذكر القصة بطولها. ولا يصح حمل ذلك على أنهم رأوا بشارة ربهم لأن في الأخبار ما يسقط ذلك وهو قوله لأكرمَنَّ مثوى سليمان، وقوله ما هذا الخوف، وقوله اقرأ. الثالث: جواز الإتيان عليه، وهذا غير ممتنع إطلاقه إذا لم يوصف بالانتقال، ومثل هذا قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يجوز إطلاقه هذه الصفة عليه لا على وجه الانتقال والحدوث، وإن كان حرف

стр. 144

"ثم" يقتضي ذلك في اللغة، وكذلك قوله "ينزل الله إلى السماء الدنيا" يجوز إطلاق ذلك من غير انتقال وشغل مكان (١). فإن قيل: قوله "في أحسن صورة" معناه بأحسن صورة، فتكون الفاء بمعنى الباء، ويكون معنى الإتيان فعله وإظهاره له، ومنه قوله تعالى ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] معناه إظهار فعله، وكذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] معناه بظلل.

стр. 145

قيل: هذا غلطٌ لوجوه، أحدها: أن إظهار فعله وتدبير ملكه عام في كل الأزمان والأحوال، فلا فائدة بتخصيصه في تلك الليلة التي أسرى به. اهـ والثاني: إن جاز تأويله على إتيان الأفعال والملك، جاز حمل قوله: "إنكم ترون ربَّكم يوم القيامة" على رؤية أفعاله وملكه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على خلاف ذلك. الثالث: أنه وصفه بالصورة ووضع الكف بين كتفيه، وهذه الصفة لا تتصف بها الأفعال والملك، فأما قوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] فالمراد به أفعاله، لأن في الآية ما دلَّ عليه، وهو خراب الديار بقوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [النحل: ٢٦] (١). وأما قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] المراد به الذات على أصولنا، لأن حمله على الأمر يُسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أمره سابق لإتيانه، ولأن إنْ جاز حمله على هذا، جاز حمل قوله "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" على رؤية أمره وملكه. ١١٩ - فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: يأتيهم بوعده ووعيده. قيل له: ولم يقل إنه لا يأتي ذاته، فيحتمل أن يكون تأتي ذاته بوعده
следующие страницы →