١٨٠ - وفي لفظ آخر: عن عمرو بن عتبة بن فرقد وكعب بن عجرة أنهما كانا جالسين عند الأشعث بن قيس قال: فوضع إحدى رجليه على الأخرى فقال: ضعهما إنها لا تصلح لبشر.
١٨١ - وفي لفظ آخر: عن محمد بن قيس قال: جاء رجل إلى كعب فقال: يا كعب أين ربنا؟ فقال له الناس: دقّ الله فاك أتسئل عن هذا؟ قال لكعب: دعوه فإن يك عالمًا ازداد، وإن يك جاهلًا تعلم، سألت أين ربنا وهو على العرش العظيم، متكئ واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى (١).
١٨٢ - ونا أبو محمد الحسن بن محمد (٢) قال نا علي بن عمر التمار من أصل كتابه قال نا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي قال نا أحمد ابن علي الأبار أبو العباس قال نا محمد بن إسحاق الصاغاني قال نا إبراهيم بن المنذر الحزامي (٣) قال نا محمد بن فليح عن أبيه عن سعيد بن الحرث عن عبيد بن حنين (٤) قال: بينا أنا جالس في
стр. 212
المسجد إذ جاء قتادة بن النعمان فجلس يتحدث وثاب إليه ناس، فقال: انطلق بنا يا ابن حنين (١) إلى أبي سعيد فأخبرت أنه اشتكى، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد فوجدناه مستلقيًا رافعًا رجله اليمنى على اليسرى، فسلمنا عليه وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رجل أبي سعيد فقرصها قرصة شديدة، فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن أخي أوجعتني، قال: ذاك أردت إنَّ رسول الله ﷺ : "إنّ الله لما قضى خلقه استلقى ثم رفع إحدى رجليه على الأخرى، ثم قال: لا ينبغي لأحدٍ من خلقي أن يفعل هذا" فقال أبو سعيد: لا جرم والله لا أفعله أبدًا.
قال أبو محمد الخلال: هذا حديث إسناده كلهم ثقات، وهم مع ثقتهم شرط الصحيحين مسلم والبخاري.
١٨٣ - وقد ذكر أبو بكر أحمد بن محمد الخلال (٢) هذا الحديث في "سننه" فقال نا أحمد بن الحسين الرقي نا إبراهيم بن المنذر نا محمد بن فليح
стр. 213
ابن سليمان قال حدثني أبي عن سعيد بن الحرث عن عبيد بن حنين (١) قال: بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءني قتادة بن النعمان وجلس إليَّ وتحدث وثاب إلينا الناس، فقال قتادة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه، واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر".
اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء منها: جواز إطلاق الإستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة، بل على صفة لا تعقل معناها (٢)، وأن له رجلين كما له يَدَان وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفةٍ لا نعقلها (٣)، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، لأنا لا نصف ذلك بصفات المخلوقين؛ بل نُطلق ذلك كما أطلقنا صفة الوجه واليدين، وخلق آدم بها، والاستواء على العرش، وكذلك جاز النظر إليه، لا في مكان، وكذلك إثبات الوجه لا على الصفة التي هي معهودة في الشاهد، وكذلك العين.
فإن قيل: لا يجوز حمل هذا الخبر على ظاهره، بل يُحمل قوله "لما فرغ من خلقه استلقى" بمعنى ترك أن يخلق مثله ويديم ذلك، كما يقال: فلان بني داره وعمرها فاستلقى على ظهره، بمعنى أنَّه ترك البناء، ولا يُراد أنه اضطجع.
قيل: قولكم أنه لا يجوز حمله على ذلك غلط، لأنَّا قد بينا أنا لا نحمله على صفةٍ تستحيل في صفاته، بل يجري في ذلك مجرى غيره من الصفات، وأما حمله على ترك أنْ يخلق مثله وترك الاستدامة لذلك فغلط أيضًا، لأن
стр. 214
لذلك اسمًا هو أخصُّ به من الاستلقاء، وهو ترك الخلق وقطع استدامته.
وجواب آخر: وهو أنه لا يصح حمله على قطع الاستدامة لأنه مستديم لخلقه، ومستديم أيضًا إيقاع خلق في السماوات والأرض بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] فأخبر أنه فاعلٌ لإمساكها بعد الفراغ منها.
فإن قيل: قوله "استلقى" بمعنى ألقى مخلوقاته (١) عن الرجل يستلقي ويضع إحدى رجليه على الأخرى قال: ليس به بأس قد روي.
وقال حنبل: رأيت أبا عبد الله مستلقيًا على فقاه واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
قيل: هذا غلط، لأن قول كعب تَضَمَّن شيئين:
أحدهما: إثبات الرَّجلين صفة.
والثاني: منع هذه الجلسة وكراهتها (٢)، قام الدليل على جواز هذه الجلسة لخلاف السلف وإجازتهم له، وبقي إثبات الرجلين على ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا ردّه، فوجب الرجوع إليه لأنه لا يجوز في حقه إثبات صفة برأيه واجتهاده.
[حديث آخر في هذا المعنى]
ناه أبو محمد الحسن بن محمد قراءة عليه قال نا عبد الواحد بن علي بن الحسين الفامي أبو الطيب قال نا أبو القسم الحسن بن محمد بن عبد الله
стр. 215
الواسطي قال نا محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل قال نا الحسن الصباح أبو علي البزاز قال نا أبو توبة الربيع بن نافع نا سلمة بن كلثوم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية: أن رجلًا من المشركين سب النبي ﷺ فحمل عليه رجل من المسلمين فقتله فقتل الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "ما تعجبون من رجلٍ نصر الله ورسوله، لقي الله غدًا متكيًا فقعد له" (١) والكلام فيه كالكلام في الذي قبله في الاستلقاء سواء.
* * *
стр. 216
[إثبات الرجل والقدم لربنا جلّ شأنه]
[حديث آخر]
١٨٤ - ناه أبو القسم عبد العزيز من طرقٍ مختلفةٍ بألفاظٍ مختلفة.
أحدها: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزَالُ جَهَنَّم تقولُ: هل من مزيد؟ قال: فَيُدْلي رَبُّ العِزَّة جَلَّ اسمه فيها قَدَمَهُ، فَيَنْزوي بعضها على بعض، وتقول: قَط قَط بعزتك".
وفي لفظٍ آخر "فَيَضَعُ رَبُّ العِزَّة قَدَمه". وفي لفظ آخر "فيدلي رب العالمين جلَّ اسمه قدمه، قال: فينزوي بعضها إلى بعض" (١).
١٨٥ - وفي لفظٍ آخر رواه أبو هريرة: أخبرناه أبو القسم قال أنا أبو بكر بن مالك إجازة وقرأته على أبي عنه قال نا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال نا عبد الرزاق بن همام نا معمر نما همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تَحَاجَّت الجنةُ والنارُ، فقالت النار: أُوثرتُ
стр. 217
بالمتكبِّرين والمُتجبِّرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضُعفاءُ الناس وسفلهم، فقال الله للجنة: إنما أنت رحمة أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: [أنت عذابي] (١) أعذبُ بك من اشاءُ من عبادي، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْئُها، فأما النارُ فلا تمتلئ حتى يَضَعَ الله رجله فيها تقول: قط قط أي حسبِي، هنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله تعالى من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله يُنشئ لها خلقًا" (٢).
١٨٦ - وفي لفظ آخر "لا تزالُ جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يَضَعَ الجبار جل اسمه قدمه فيها، فتقول: قط قط يعني: حسبي حسبي" (٣).
وفي لفظ آخر "فيضعُ الله تعالى قَدَمه فيها فتقول: قط قط لكرمك (٤) وعظمتك".
стр. 218
١٨٧ - وفي لفظ آخر "فلا تمتلئ حتى يَضَعَ الله قدمه فَتقول: قط قط قط، فهنالك تمتليء ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يَظلم الله تعالى أحدًا من خلقه" (١).
١٨٨ - وفي حديث آخر رواه أبو سعيد الخدري "فيضعُ الله قدمه عليها فتُزوى وتقول قدني قدني" (٢). وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني هذا الحديث من
стр. 219
طرق وألفاظ مختلفة نحو ما ذكرنا (١).
وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعًا (٢).
стр. 220
اعلم أنه غير ممتنعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ المراد به "قدم" هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".
١٨٩ - وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروذي وقد سأله عن الأحاديث "يضع قدمه" وغيرها قال: نُمِرَها كما جاءت.
١٩٠ - وقال ابن منصور قلت لأبي عبد الله: "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.
١٩١ - وقال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله حَدَّث مُحدث وأنا عنده بحديث "يَضَعٌ الرب قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيرًا، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.
١٩٢ - وقال في رواية حنبل قال النبي ﷺ : "يضع قدمه" نُؤمنُ به ولا نرّد على رسول الله ﷺ .
فقد نصَّ على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عمَّا تستحقه، لأنَّا لا نثبت قدمًا جارحة ولا أبعاضًا، بل نثبت ذلك قدمًا صفة، كما أثبتنا يدين ووجهًا وسمعًا وبصرًا وذاتًا، وجميع ذلك صفات، وكذلك القدم والرجل، ولأنَّا لا نصفه بالانتقال والمماسة لجهنم، بل نطلقُ ذلك كما أطلقنا الاستواء على العرش والنَّظر إليه في الآخرة.
وقد احتج أبو بكر بن خزيمة في كتاب "التوحيد" (١) على إثبات الرجل
стр. 221
بقوله تعالى ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] وبقول أمية:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
وإن رسول الله صدقه فقال: صدق أمية بن الصلت" (١).
وقد اعترض عليه بعضهم في هذا الدليل، وقال: لو كان التمسكُ بظاهر الآية صحيحًا، لوجب القول بإثبات الأرجل والأيدي والأعين والآذان على وجه الجمع، لأن أرجل اسم جمع، وقد أجمع المسلمون على إنكار ذلك، وكذلك الآذان، قال هذا القائل: فَعُلمَ أنَّ الله تعالى أراد به ردَّ الكافرين عن عبادة الأصنام، قال هذا القائل: فَعُلمَ أنَّ الله تعالى أراد به ردَّ الكافرين عن عبادة الأصنام، وعرَّفهم أنكم تأنفون من عبادة من له رجلٌ يمشي بها ويدٌ يبطش بها وعينٌ يُبصر بها وأذنٌ يسمعُ بها، فكيف تعبدون من ليس له شيء من ذلك، يقرّعهم على عبادة الأصنام التي هي جماد وموتان، ليس لها فعلٌ ولا قُدرةٌ ولا سمعٌ ولا بصر.
وهذا الذي ذكره هذا القائل لا يمنع الاحتجاج بالآية، لأنَّ الدليل قد دلَّ على نفي إثبات هذه الصفات التي هي الأذن وجمع الأرجل فنفيناه، وبقي ما عدا ذلك على ظاهره، وهذه طريقةٌ ظاهرةٌ على أصول الفقهاء، وإنَّ الدليل إذا تناول شيئين فقام الدليل على إسقاط أحدهما، لم يُوجب ذلك إسقاط باقيه، كذلك ها هنا.
فإن قيل: يُحمل قول أمية على أنَّه إنما أراد يمين العرش ويساره.
قيل: هذا غَلَطٌ لوجهين: أحدهما أنَّ صفة اليمين واليسار في حقيقة اللغة إنما يُضاف إلى الذات دون الجمادات.
стр. 222
والثاني: أنَّ ها هنا كِناية ومكني، فيجبُ أنْ تَرجعَ إلى المقصود بالذكر هو الله سبحانه، كما لو قال: فلان عن يمين الخليفة، لا ينصرف ذلك إلى غيره.
فإن قيل: معنى القدم ها هنا المتقدم من المشركين يضعه في النار، لأنَّ العرب تقول للشيء المتقدم: قدم، وعلى هذا تأويل قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]. أي أي سابقة صِدْق (١)، قال وضَّاح اليمن (٢):
صلِّ لرَبِّك واتخذ قَدَمًا … يُنْجيك يوم العثار والزلل
أراد بذلك ما تقدم من الشرف، وما يفتخر به.
قيل: هذا غلطٌ لوجهين: أحدهما: أنَّ قوله "يضع قدمه" هاءُ كناية، وهاء الكناية ترجع إلى المذكور، والمذكور في الخبر الله سبحانه، وفي لفظٍ آخر "الجبَّار" وفي لفظٍ آخر "رَبُّ العزة"، فوجب أن يرجع إليه، فأمّا المتقدم من الكفار فلم يتقدَّم ذكرهم، فلا يجب رجوع الهاء إليهم.
والثاني: أنَّ هذا يُسقط فائدة التخصيص بالنار، لأنَّ المتقدم بفعل الخير يضعه في الجنة، فلو كان المراد بالقدم المتقدم لم يكن لتخصيصه بالنار فائدة، فوجب حَمْلهُ على ظاهره ليُفيد فائدة.
وأمّا قوله سبحانه ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] فقد روي عن زيد بن أسلم المراد به محمد ﷺ (٣).
стр. 223
وقيل: المراد به الثواب، رُوي بذلك عن ابن زيد وغيره (١).
وإنما حمل القدم هناك على السابق من الرسول والثواب، لأن في ظاهر اللفظ ما دلَّ عليه، وهو قول سبحانه ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] وإنما قالوا ذلك في الرسول وكذلك قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] إنما يبشرون بما سبق لهم من الأعمال، فهناك ما دلَّ على أن المراد بالقدم السابقة، وليس في الخبر ما يدلَّ على ذلك، بل فيه ما يدل على خلاف ذلك من الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: فقد رُوي بكسر القاف: قِدمه، وإذا كان كذلك كان معناه ما ذكرنا من التقدم من المشركين.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه لا يُحفظ عن أحدٍ من أصحاب الحديث أنَّه رواه
стр. 224
بالكسر، فلا يجوز دعوى ذلك، والذي يدل على بطلانه ما ذكرنا.
فإن قيل: المراد بالقدم ها هنا: خلق من خلق الله تعالى يخلقه الله تعالى يوم القيامة، فَيُسميه: قَدَمَا، ويضعه الله من طريق الفعل والملك يضعه في النَّار فتمتلئ منه.
وقيل المراد: قدم بعض خلقه فأضاف ذلك إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، فيضاف إليه على معنى أنَّه يأمره.
قيل: هذا غلطٌ لما تقدِّم من الوجهين أحدهما: أنَّ هاء الكناية ترجع إلى المذكور المتقدم، والذي تقدم ذكره هو الله سبحانه.
والثاني: أنَّه يُسقط فائدة التخصيص بالنار، لأنه قد ينشئ خلقًا يوم القيامة فيدخلهم الجنة، فتخصيص النار بذلك لا معنى له.
فإن قيل: قوله "فيضُع الجبار" جنس الجبابرة وهم الكفرة المعاندون.
وقيل: المراد به إبليس وشيعته لأنه أول من استكبر، فقال تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [ص: ٧٤] (١).
قيل: هذا غلط، لأنَّا قد روينا في الحديث "يضعُ الله قَدَمه" وفي لفظ آخر، "فيضعُ ربُّ العزَّة قدمه" وهذا صريح في أنَّ المراد بالجبار هو الله ربُّ العزة.
وجوابٌ آخر: وهو أنَّ في الخبر تقول "قطِ بعزَّتك وعظمتك"، وهذه صِفَةٌ تختص الله سبحانه، لأنَّ هذا قَسَمٌ منها بالله سبحانه، خَرَجَ منها مخرج الخضوع والتذلل، ولا يكون هذا منها بوضع الجبابرة ومن يستحق العذاب لأنها سحق لهم، ولأنَّه قال: "لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها"، والرجلُ لا يعبر بها عن الجبابرة، والمتقدم من المشركين.
стр. 225
ولأنَّ قوله "لا تمتلئ" تعظيمًا لحالها وشدَّة غيظها، قال تعالى ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] وما هذا صفته لا يَكُفُّه وضع بعض الجبابرة من الكفار، وإنما يكفيه قَدَمُ الصفة، ولأنه قال: "ينزوي بعضها إلى بعض" يعني يجتمع، وهذا لا يُوجد ببعض خلقه، لأنَّ النار تسحقه، كما قال ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [تبارك: ١١] وإنما تجتمع من قَدَمِ الصِّفة.
فإن قيل: الحديث الذي رُوي فيه "يضع رجله" لم يروه إلا بعضهم على الشك، فرواه الدارقطني بإسناده: عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "يُلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رجله فيها -أو قال: قدمه- فتقول: قِط قِط" (١)، فذكره على لفظ الشك فاحتمل أن يكون لما التبس عليه اللفظ وتَوَهَمَ أنَّ القدم لا يكون إلا رجلًا بدل القدم الرجل.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّا قد روينا هذها اللفظ بإسناده عن أبي هريرة من غير شك في اللفظ.
فإن قيل: فنتأول الرجل على نحو تأويلنا القدم، إمّا أن يُريد رجل بعض خلقه فأضافه إليه مُلْكًا وفعلًا، أو يُراد به رجل المتجبرين من خلقه، ولأنَّه قد قيل الرجل للجماعة الكثيرة، ولأنَّ العرب تقول: مَرَّ بنا رجل من جراد، أي "قطعة منها" (٢).
قيل: هذا غلطٌ لما تقدم، وهو أن هاء الكناية يرجع إلى المذكور المتقدم ولأنَّه صرح باسمه الأعظم.
стр. 226
فإن قيل: حَمْلُ الخبر على ظاهره يُوجبُ رَدَّ القرآن، لأنَّ الله سبحانه يقول ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] فأخبر أنَّ الإلهية: لا تردها، وفي جواز وضع القدم فيها إيرادٌ لها، وقال تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ [ص: ٨٥] وظاهرُ الخبر يقتضي أنها تمتلئ بالقدم، وهذا خلاف ظاهر القرآن، فوجب تأويله.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ حمله على ظاهره لا يوجب ردَّ القرآن، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] معناه: ما وردوها على وجه الخوف والفَزَع والعقوبة، قال تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وأرادَ على وجه الخوف، ثم قال تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] وهذا المعنى معدوم في حقه سبحانه.
وأما قوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٨٥] فنحن نقول بظاهره، وأنها تمتلئ به وبمن تبعه، لكن بعد وضع القدم وانزواء بعضها إلى بعض، ولا نقول أنها تمتلئ بالقدم.
فإن قيل: فَقَدَمُ الصِّفة لا يجوز وصفها بالوضع في المكان، وإنما قَدَمُ الجارحة، وذلك لا يليقُ بصفاته.
قيل: لا يمتنع إطلاق ذلك لا على وجه الحدِّ والجهة والحلول، كما جاز وصف الذات بالعُلوِّ على العرش لا على وجه الحد والجهة، وإنْ كنا نعلم أنَّ العُلو غير السفل، ولهذا نَصفُه بالعلو ولا نصفه بالسفل، ثم لم يُوجب ذلك وصفه بالجهة وكذلك رؤيته.
فأما قوله: قط قط، أيّ حسبي، وقد ورد هذا مفسرًا في بعض الألفاظ، وهذا كما تقول العرب:
стр. 227
امتلأ الحوض وقال قطني … مهلًا قليلًا قد ملْأتَ بطني (١)
وقد قيل: إنَّ ذلك حكاية صوت جهنم.
"حديث آخر في هذا المعنى":
١٩٣ - ثنا أبو محمد الحسن بن محمد قال نا أبو حفص من شاهين قال نا الحسين بن جعفر الكوكبي قال نا العباس بن عبد الله قال نا أبو المغيرة قال نا صفوان قال نا سريج بن عبيد عن أبي بشر الأذرمي عن كعب قال: إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واطٍ على بعضك، فانتسفت إليه الجبال، فتصعصعت الصخرة فشكر لها ذلك، فوضع عليه قدامه (٢).
* * *
стр. 228
[حديث آخر]
١٩٤ - أخبرناه أبو القسم قال نا أبو يعلى عبد الله بن مسلم بن يحيى قال نا الحسين بن إسماعيل الضبي نا إسمعيل بن الحرث قال نا أبو النضر نا عبدالرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرسُ الكافِر مثل أُحد، وفَخِذه مثلُ البيضاء، ومقعُدهُ من النار كما بين قُديد ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار جلَّ اسمه" (١).
стр. 229
وحدثناه أيضًا عن طريق أبي بكر عبد العزيز بهذا اللفظ.
اعلم أنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت ذراعًا جارحةً، ولا أَبْعَاضًا بل نثبت ذلك صفة، كما أثبتنا الوجه واليدين وغيرهما من الصفات.
فإن قيل: المراد بالجبار المتجبر من خلقه، لأن حمله على الله سبحانه يوهم الجارحة والعضو في صفته ويوهم الطول عليه (١).
стр. 230
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ في الخبر أنَّه قال: "اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبّار جل اسمه" وهذه الصفة لا يستحقها أحدٌ من الجبابرة غير الله بل غيره يستحق الذم والمقت (١) ولأنَّه ذكر الجبار بالألف واللام، والألف واللام يَدْخُلان للعهد أو للجنس، وليس يمكن حمله على الجنس، لأنه يقتضي كل جبار وليس ها هنا معهود من الخلق يُشار إليه، فلم يبق إلا أن يُحمل عليه سبحانه، لأنَّه أعرف المعارف.
وأما قولهم: إنه يُفضي إلى أن نصفه بالطول، فليس كذلك لأنَّا نثبت قوله وخلق آدم بيده" ولم يُوجب ذلك إثبات صفة في اليد تُقضي إلى الحدِّ على ما نعقله في الشاهد، كذلك ها هنا، ونُثبت استواءً على العرش، ولى يوجب ذلك تحديده لأجل أنَّ العرش محدود.
стр. 231
فإن قيل: قوله جلَّ اسمه يُحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة أَدْرَجَه في كلام النبي ﷺ (١).
قيل: هذه مِدْحَةٌ لا يستحقها غيره، ولا يجوز أن نُضيف إلى الراوي الخطأ، لأنه قد أخذ علينا حُسْنَ الظن فيهم.
فإن قيل: هذا يفضي إلى تحديد الذراع لأنَّ جلد الكافر محدود.
قيل: لا يُفضي إلى هذا، كما لم يفض إلى تحديده بالاستواء على العرش، لأنه العرش محدود، وكذلك قوله: الكرسي موضعُ القدمين (٢)، وكذلك قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ولم يوجب ذلك تحديد اليمين، لأنَّ السماوات محدودة.
* * *
стр. 232
[حديث آخر]
١٩٥ - ناه أبو القسم، بإسناده عن مجاهد قال: إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له: خذ بقدمي (١).
وفي لفظ آخر: أخرجه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال وسمعته منه: عن ابن سيرين يقول في قوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠] قال: إنَّ الله ليُقرب داود حتى يضع يده على فخذه، يقول: ادنُ مِنَّا أزلفت لدينا.
اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت قدمًا وفخذا جارحة ولا أبعاضًا، بل نُثبت لك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين، ولا نثبت أخذًا بقدمه على وجه المماسّة، كما أثبتناه خلقه لآدم بيده لا على وجه المماسّة والملاقاة، بل نعقل معناه (٢)، ولا نثبت أيضًا أمامًا وخلفًا على
стр. 233
وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة، كما قالوا في الاستواء
стр. 234
على العرش معناه العلو عليه، ومعلوم أن العلو غير السفل، ولم يوجب ذلك وصفه
стр. 235
بالجهة! وإن كان العلو جهة في الشاهد، وإن لم يكن هذا معقولًا في الشاهد.
ونظير هذا الحديث قوله ﷺ في الرحم (١) يأخذ بحقو الرحمن، قد أخذ أحمد بظاهره من غير قول بمماسة ولا جهة.
فإن قيل: مجاهد وابن سيرين ليسا بحجةٍ، ولا ممن يثبت بقولهما صفات لله تعالى؟!
قيل: إثبات الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، لأنه لا مجال للعقل والقياس فيه، فإذا رُوي عن بعض السلف فيه قولًا، عُلم أنه قاله توقيفًا.
فإن قيل: قوله "كن أمامي وخلفي" معناه حاسب نفسك قبل أن أُسائلك فيقول داود: أخاف أن تدحضني خطيئتي إن حاسبت نفسي، فيقول له خُذ بقدمي أي بما قدمت لك من العفو والغفران، ودع ما أسأت إلي ولا تأخذ به، ومنه قوله تعالى ﴿تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي لا تسبقوا قبل حكم الله عليكم في الشيء، ولم يرد به التقدم في الأمكنة، وكذلك قوله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأمام يطلق على محاسبته فلا يصح، لأن الله سبحانه قد أخبرنا بالقرآن بقوله ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ والمحاسبة لا تكون مع الغفران، وإذا امتنع حمله على المحاسبة امتنع حمل القدم على المغفرة، وأما قوله ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾
стр. 236
وقوله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (١)] فقد نقل عن السلف ما وجب الرجوع إليه أما قوله ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، فإنها نزلت على سبب، وذلك أنهم قتلوا رجلين بغير أمر النبي ﷺ فنزلت الآية (٢)، فكان معناها لا تقدموا حدا ضربه الله على فريضة، ولا تتقدموا على حد ضربه رسول الله ﷺ في سنته.
وأما قوله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي لا تكذبه الكتب التي قبله التوراة والإنجيل والزبور، ولا ينزل كتاب من بعده يكذبه (٣)، فوجب الرجوع.
إلى تفسير السلف في ذلك، ولم يرد عنهم مثل ذلك في خبر داود مع ذكرهم له في التفاسير، بل حملوه على ظاهره.
فإن قيل: يحمله قوله "يضع يده على فخذه" معناه فخذ بعض خلق أُمَر بالدُّنو منه.
قيل: قوله "حتى يضع يده على فخذه" هاء كناية، وهاء الكناية تعود إلى المذكور، والذي تقدم ذكره اسم الله تعالى.
стр. 237
فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد بالدنو منه ليقربه من عفوه ورحمته وصفحه حتى يصير كهيئة المماس في المثل، على الوجه الذي لا يكون بينه وبين ما يماسه حائل.
قيل: لا يصح حمله على العَفو والرحمة، لأن عفوه ورحمته سبقت له في الدنيا قبل أن يدنيه منه بقوله تعالى ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٤٠] فوجب حمله على ما يفيد.
"حديث آخر في هذا المعنى فيه زيادة":
١٩٦ - أناه أبو محمد الحسن بن محمد نا يوسف بن عمر القواس قال محمد ابن عثمان بن البسري التمار قال مخول المستملي قال نا محمد بن منصور الطوسي قال نا يونس بن محمد المؤدب قال نا سعيد بن زربي عن الحسن قال: أوحى الله إلى داود ارفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يا رب كيف تغفر لي وقد صنعت ما صنعت؟ قال: ارفع رأسك فقد غفرت لك ومحوت خطيئتك بإبهام يميني (١).
وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام، وذلك غير ممتنع كما لم يمتنع إثبات الأصابع.
* * *
стр. 238
[إثباتُ صفة الضَّحك لربِّنا ﵎]
[حديث آخر]
١٩٧ - ناه أبو القسم عبد العزيز من طرق أحدها: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يَضْحكُ الله تعالى إلى رجلين: يَقْتُل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يُقَاتل هذا في سبيل الله فَيُقْتَل، ثمَّ يَتُوب الله على القاتل فيقاتل في سبيل (١) الله ثم يستشهد" (٢).
١٩٨ - وروى علي بن ربيعة قال: كنت ردف علي بن أبي طالب فلما ركب كبَّر ثلاثا وحمد ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مقرنين [﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾] (٣)، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، إنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم استضحك، فقلتُ: مم استضحكت؟ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال يومًا مثل ما قلت ثم استضحك، فقلت مم استضحكت يا رسول الله؟ قال: "ضَحكتُ لضَحك ربي ، لعجبه بعبده إنه لا يغفر الذنوب أحدّ غيره" (٤).
стр. 239
١٩٩ - وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "ثلاثةٌ يَضْحك الله إليهم يوم القيامة: الرجل إذا قام من الليل يُصلي، والقومُ إذا صفُّوا للصلاة، والقومُ إذا صفُّوا لقتال العدو" (١).
стр. 240
٢٠٠ - وروت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله ليضحك من إياس الناس وقنوطهم، وقُرب الرحمة منهم"، قالت عائشة فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أو يَضْحكُ ربنا؟ قال: "أي والذي نفس محمد بيده، إنه ليضحك"، قال فقالت: لن يعدمنا خيرًا إذا ضحك" (١).
стр. 241
٢٠١ - وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يَضحَكُ إلى العبد إذا مدَّ يده إلى الصدقة، ومن ضحك الله إليه غَفَرَ له" (١).
٢٠٢ - نا أبو القسم قال أنا أبو بكر عبد العزيز الفقيه إجازة قال نا جعفر بن محمد الخلال قال نا سلمة بن شبيب قال، أبو عبد الرحمن المقري قال نا ابن لهيعة عن أبي الزبير أنَّه سأل جابر بن عبد الله عن الوُرُود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تجي أمتي يوم القيامة على كومٍ فوق النَّاس، فتأتي الأُمَمُ بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك يمشي فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقوله: أنا ربكم فيقول: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك حتى تبدو لهواته، ثم ينطلقون يتبعونه". وذكر الخبر (٢).
٢٠٣ - ونا أبو القسم عبد العزيز أجازة نا محمد بن سليمان نا عمرو بن إسحق القومسي نا روح بن عبادة قال، وأنا عبد العزيز أجازه قال نا العباس بن محمد نا يحيى بن معين نا روح بن عبادة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "يضحك الله ربكم حتى بدت
стр. 242
لهواته وأضراسه" قال يحيى بن معين "لهواته وأضراسه" (١).
٢٠٤ - وذكر أبو الحسن الدارقطني في الصفات عن أبي بكر النيسابوري قال نا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال نا روح قال نا ابن جرج عن أبي الزبير أنَّه سمع جابرًا سئل عن الورود وذكر الحديث وقال فيه "فيقول الله : أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حتى تبدو لهاته وأضراسه" (٢).
٢٠٥ - نا أبو القسم بإسناده: عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء ابنة يزيد بن السكن أنَّ رسول الله ﷺ قال لأم سعد: "ألا يَرْقأَ دمعاك، وَيَذْهَب حُزنك بأنَّ ابنك أول من ضحك الله له واهتزَّ له العرش" (٣).
стр. 243
٢٠٦ - وروى نعيم بن هَمار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أي الشهداء أفضل؟ قال: "الذين يقاتلون في الصَّف ولا يلفتوُن وُجُوهَهَم حتى يُقتلوا، أولئك يتَلَبَّطُون في العُلى في الجنة، يضحكُ إليهم ربك، وإذا ضحك إلى عبدٍ في مَوطِنٍ فلا حساب عليه" (١).
٢٠٧ - وروى أبو بكر أحمد بن إسحق الصبغي في كتابه المسمى "بالأسماء والصفات" فيما ذكره ابن فورك: عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إني لأعلم آخرَ أهل النَّار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنَّة دُخُولًا، يقال له: أدخل الجنة، فيأتيها فيرى أنها قد مُلِئَتْ فيرجع
стр. 244
فيقول: يا رب قد امتلأت، فيقال: ارجع ثلاث مرات، ثم يقال له: لك الدنيا ولك عشرة أمثالها، فيقول: أتضحكُ بي وأنت الملك" (١).
٢٠٨ - وعن طلحة بن البراء أنْ رسول الله ﷺ لما أخبر بموت طلحة رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: "اللهم ألقه وهو يَضحك (٢) وأنت تضحك إليه" (٣).
стр. 245
٢٠٩ - وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يُضْرَبُ الصراط بين ظَهْراني جهنم" وذكر الحديث، وقال فيه "فيقول وَيْلَك يا ابن آدم ما أَغْدَرَكَ!، ألم تُعطني عُهُودِك ومواثيقك أن لا تسئلني غير ما أعطيتك؟، فيقول: أي ربِّ، لا أكُونُ أَشْقَى خلقك، فلا يزال يدعُو حتى يَضحَك الربُّ منه، فإذا ضَحِكَ الله منه قال له: أدخل الجنة" (١).
٢١٠ - وأخرج أبو علي الحسن بن علي بن المذهب من مسند أحمد بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أردفه على دابته، فلمَّا استوى عليها كبَّر رسول الله ﷺ ثلاثًا وحَمِدَ الله ثلاثًا وسبّح الله ثلاثًا، فقال: "ما من امرئ يركبُ دابته فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله يضحكُ إليه كما ضحكتُ إليك" (٢).
стр. 246
اعلم أنه غير مُمتنع حملُ هذه الأحاديث على ظاهرها من غير تأويل، وقد نصّ أحمد على ذلك في رواية الجماعة.
٢١١ - قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول ﷺ ...... (١) القرآن.
٢١٢ - وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال صدوقٌ، وقد كتبت عنه من الرقايق ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية (٢)، قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت" قال: هذا يشنَّع به، قلت فقد حدَّثت به قال: ما أعلم أني حدثت له إلا محمد بن داود يعني المصيصي وذلك أنَّه طلب إليَّ فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى.
٢١٣ - قال أبو بكر الخلال رأيت في كتاب لهرون المستملي أنه قال لأبي عبد الله حديث جابر بن عبد الله "ضحك ربنا حتى بدت لهواته أو قال أضراسه ممن سمعته" قال نا روح قال رسول الله ﷺ "يضحك حتى بدت لهواته أو قال أضراسه".
فقد نصَّ على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على فسرَّها، ولك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته ولا يخرجها
стр. 247
عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت ضحكًا هو فَتْحُ الفم وتكشير شفتين وأسنان، ولا نُثبت أضراسًا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضًا (١)، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإنْ لم نعقل معناه (٢)، ولا يجب أنْ نستوحش من إطلاق هذا اللفظ إذا وَرَدَ به سَمْعٌ، كما لا نستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات.
فإن قيل: هذا محمول على إظهار فضله ونعمه بالإثابة: للرجلين المقتولين في سبيل الله، كأنَّه بيَّن ثوابهما وأظهر من كرامته لهما، وكذلك قوله "ضحكت لضحكِ ربيّ" أيَّ لإظهار فضله وكرامته، لأن الضحك في اللغة هو الإظهار، من قولهم: ضحكت الأرضُ بالنبات، إذا ظهر فيها النبات وانْفَتَق عن زهره، وكذلك قالت العرب لِطَلعِ النخل إذا تَفَتَّق عنه فيقولون: ضَحِكَت الطلعة، إذا ظهر منها ما كان مُسْتَتِرًا (٣)، وكذلك قول القائل: يضاحك الشمس منها كوكب شرق، وأنشد ابن الأعرابي (٤):
стр. 248
أَمَا تَرَى الأرضَ قد أعطت زَهرتَها … مخضرةً فاكتسى بالنَّوْرِ عَاريها (١)
وللسَّماءِ بُكاءٌ في جوانبها … وللربيع ابتسامٌ في نواحيها
يريد بالابتسام ظهور النبات وطلوع النور عليها، وكذلك قولهم: ضحِك المزنُ بها ثم بكى، يريد بالمزْن السحاب، وبضحك النَّوْر الذي يظهر ببكائه المطر (٢).
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه مظهر بفضله ونعمه مع عدم الأشياء المذكورة في الخبر من القتل وعدم الدعاء والصلاة، كما هو بعد ذلك فلم يصح حمله على ذلك، ولأنه إن جاز تأويله على هذا جاز تأويل قوله "إنكم ترون ربكم" على معنى ترون بعطفه بكم وثوابه ورحمته.
وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على فساد هذا التأويل، كذلك ها هنا، ولأنَّ الضحك إذا أُضيفَ إلى الذات، لم يُعقل منه ما قالوه من إظهار الفضل والنعمة، ولهذا إذا قيل: ضحك الأميرُ، لا يُعقل منه ما قالوه، كذلك في صفاته سبحانه، ولأنَّ في الخبر ما يسقط هذا، وهو قوله "يتجلى ضاحكًا حتى تبدو أضراسه ولهواته" وهذه الصفة تختص الذات دون ما ذكروه من النعم والفضل.
فإن قيل: لا يخلوا إما أنْ تقولوا يضحكُ في وقتٍ دون وقت، أو يستديم الضحك، فإن قلتم يضحكُ في حالٍ دون حال، جعلتم ذاته محلًا للحوادث، وإنْ قُلتم يستديم ذلك، أَضَفْتُم صِفَةً منكرة، لأنَّه
стр. 249
يقال لمن كثر ضَحِكُهُ: فُلانٌ ضُحَكَة هزأة (١).
قيل: نقول فيه ما تقولون في الغضب والرضا والكراهة، مع جواز هذا التقسيم وعلى أنَّه لا يمتنع أنْ يكون صفة ذاتٍ يُظْهرها في وقتٍ، كما يُظهر ذاته في وقتٍ دون وقت، ولا يُفضي ذلك إلى ما قالوه، لأنَّ من كَثُر ضحكه سُمِّي ضُحكة، إذا كان ضحكه من الأشر والبَطَر، وهذا مُستحيلٌ في صفاته سبحانه.
فأما قوله "لن نعدم من ربّ يضحك خيرًا" فذلك لأنَّ الضحك يدلُّ على الرِّضا، والرضا يدل على العفو والمغفرة، وقد ذكر ابن قتيبة هذا التأويل في كتاب "اللفظ" (٢) وأجاب عنه بأنَّه إنْ كان في الضحك الذي فَرَّوا منه تشبيهٌ بالإنسان، فإن في هذا تشبيهًا بهذه المعاني.
* * *
стр. 250
" حديث آخر "
٢١٤ - ناه أبو القسم قال نا علي بن إبراهيم بن موسى نا موسى بن عبيد الله بن يحيى المقري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي نا أبو أسامة قال نا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله الملائكة من نُور الذراعين والصدر (١).
وناه من طريق آخر بهذا اللفظ.