اعلم أنه غير مُمتنع حملُ هذه الأحاديث على ظاهرها من غير تأويل، وقد نصّ أحمد على ذلك في رواية الجماعة.
٢١١ - قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول ﷺ ...... (١) القرآن.
٢١٢ - وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال صدوقٌ، وقد كتبت عنه من الرقايق ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية (٢)، قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت" قال: هذا يشنَّع به، قلت فقد حدَّثت به قال: ما أعلم أني حدثت له إلا محمد بن داود يعني المصيصي وذلك أنَّه طلب إليَّ فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى.
٢١٣ - قال أبو بكر الخلال رأيت في كتاب لهرون المستملي أنه قال لأبي عبد الله حديث جابر بن عبد الله "ضحك ربنا حتى بدت لهواته أو قال أضراسه ممن سمعته" قال نا روح قال رسول الله ﷺ "يضحك حتى بدت لهواته أو قال أضراسه".
فقد نصَّ على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على فسرَّها، ولك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته ولا يخرجها
стр. 247
عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت ضحكًا هو فَتْحُ الفم وتكشير شفتين وأسنان، ولا نُثبت أضراسًا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضًا (١)، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإنْ لم نعقل معناه (٢)، ولا يجب أنْ نستوحش من إطلاق هذا اللفظ إذا وَرَدَ به سَمْعٌ، كما لا نستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات.
فإن قيل: هذا محمول على إظهار فضله ونعمه بالإثابة: للرجلين المقتولين في سبيل الله، كأنَّه بيَّن ثوابهما وأظهر من كرامته لهما، وكذلك قوله "ضحكت لضحكِ ربيّ" أيَّ لإظهار فضله وكرامته، لأن الضحك في اللغة هو الإظهار، من قولهم: ضحكت الأرضُ بالنبات، إذا ظهر فيها النبات وانْفَتَق عن زهره، وكذلك قالت العرب لِطَلعِ النخل إذا تَفَتَّق عنه فيقولون: ضَحِكَت الطلعة، إذا ظهر منها ما كان مُسْتَتِرًا (٣)، وكذلك قول القائل: يضاحك الشمس منها كوكب شرق، وأنشد ابن الأعرابي (٤):
стр. 248
أَمَا تَرَى الأرضَ قد أعطت زَهرتَها … مخضرةً فاكتسى بالنَّوْرِ عَاريها (١)
وللسَّماءِ بُكاءٌ في جوانبها … وللربيع ابتسامٌ في نواحيها
يريد بالابتسام ظهور النبات وطلوع النور عليها، وكذلك قولهم: ضحِك المزنُ بها ثم بكى، يريد بالمزْن السحاب، وبضحك النَّوْر الذي يظهر ببكائه المطر (٢).
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه مظهر بفضله ونعمه مع عدم الأشياء المذكورة في الخبر من القتل وعدم الدعاء والصلاة، كما هو بعد ذلك فلم يصح حمله على ذلك، ولأنه إن جاز تأويله على هذا جاز تأويل قوله "إنكم ترون ربكم" على معنى ترون بعطفه بكم وثوابه ورحمته.
وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على فساد هذا التأويل، كذلك ها هنا، ولأنَّ الضحك إذا أُضيفَ إلى الذات، لم يُعقل منه ما قالوه من إظهار الفضل والنعمة، ولهذا إذا قيل: ضحك الأميرُ، لا يُعقل منه ما قالوه، كذلك في صفاته سبحانه، ولأنَّ في الخبر ما يسقط هذا، وهو قوله "يتجلى ضاحكًا حتى تبدو أضراسه ولهواته" وهذه الصفة تختص الذات دون ما ذكروه من النعم والفضل.
فإن قيل: لا يخلوا إما أنْ تقولوا يضحكُ في وقتٍ دون وقت، أو يستديم الضحك، فإن قلتم يضحكُ في حالٍ دون حال، جعلتم ذاته محلًا للحوادث، وإنْ قُلتم يستديم ذلك، أَضَفْتُم صِفَةً منكرة، لأنَّه
стр. 249
يقال لمن كثر ضَحِكُهُ: فُلانٌ ضُحَكَة هزأة (١).
قيل: نقول فيه ما تقولون في الغضب والرضا والكراهة، مع جواز هذا التقسيم وعلى أنَّه لا يمتنع أنْ يكون صفة ذاتٍ يُظْهرها في وقتٍ، كما يُظهر ذاته في وقتٍ دون وقت، ولا يُفضي ذلك إلى ما قالوه، لأنَّ من كَثُر ضحكه سُمِّي ضُحكة، إذا كان ضحكه من الأشر والبَطَر، وهذا مُستحيلٌ في صفاته سبحانه.
فأما قوله "لن نعدم من ربّ يضحك خيرًا" فذلك لأنَّ الضحك يدلُّ على الرِّضا، والرضا يدل على العفو والمغفرة، وقد ذكر ابن قتيبة هذا التأويل في كتاب "اللفظ" (٢) وأجاب عنه بأنَّه إنْ كان في الضحك الذي فَرَّوا منه تشبيهٌ بالإنسان، فإن في هذا تشبيهًا بهذه المعاني.
* * *
стр. 250
" حديث آخر "
٢١٤ - ناه أبو القسم قال نا علي بن إبراهيم بن موسى نا موسى بن عبيد الله بن يحيى المقري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي نا أبو أسامة قال نا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله الملائكة من نُور الذراعين والصدر (١).
وناه من طريق آخر بهذا اللفظ.
стр. 251
اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره.
أما الفصل الأول: فإنه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في إثبات الذراعين والصَّدر، إذ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نُثبت ذراعين وصدرًا هي جوارح وأبعاض، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا اليدين والوجه والعين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه.
فإن قيل: عبد الله بن عمرو لم يرفعه إلى النبي ﷺ وإنما هو موقوف عليه فلا يلزم الأخذ به.
قيل: إثبات الصفات لا يؤخذ إلا توقيفًا، لأن لا مجال للعقل والقياس فيها، فإذا رُوي عن بعض الصحابة فيه قول، علم أنهم قالوه توقيفًا.
فإن قيل: فقد قيل إنَّ عبد الله بن عمرو أصاب وسقين يوم اليرموك، وكان فيها من كتب الأوائل مثل "دانيال" (١) وغيره، فكانوا يقولون له إذا حدثهم: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ولا تحدثنا من وسقيك يوم اليرموك فيحتمل أن يكون هذا القول من جملة تلك الكتب فلا يجب قبوله، وكذلك كان وهب بن منبه يقول: إنما ضل من ضل بالتأويل، ويرون في كتب "دانيال" أنه لما علا إلى السماء السابعة فانتهوا إلى العرش، رأى شخصًا ذا وفْرة فتأول أهل التشبيه على أن ذلك ربهم، وإنما ذلك إبراهيم (٢).
стр. 252
قيل: هذا غلط لوجوه: أحدهما: أنه لا يجوز أن يظن به ذلك لأن فيه إلباس في شرعنا، وهو أنه يروي لهم ما يظنوه شرعًا لنا، ويكون شرعًا لغيرنا، ويجب أن ننزه الصحابة عن ذلك.
والثاني: إنَّ شرعنا وشرع غيرنا سواء في الصفات، لأن صفاته لا تختلف باختلاف الشرائع.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك صدرًا وذراعين لبعض خلقه لأنه ذكر الذراعين والصدق مطلقًا، وقد وجد في النجوم ما يسمى ذراعين وصدرًا وتكون الفائدة في ذلك التنبيه على ما في قدرته من المخلوقات، وإنشاء المخترعات (١).
فيل: هذا غلط، لأنه ذكر الذراعين والصدر بالألف واللام، والألف واللام يدخلان للعهد أو للجنس، وليس يمكن حمله على الجنس، لأنه يقتضي كل ذراع وكل صدر، وليس ها هنا معهود من الخلق يشار إليه، فلم يبق إلا أن يحمل عليه سبحانه، لأنه أعرف المعارف، يبين صحة هذا أنه لما أراد تخصيص بعض الملائكة بفضيلة أو حكم عرَّفه باسمه، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] ونحو ذلك، ولأن حمله على بعض خلقه يُسقط فائدة التخصيص بالملائكة، فلما خصَّ الملائكة بالذكر، علم أنه قَصَد تشريفهم، وإذا حُمل على بعض خلقه لم يكن لهم مزية.
وأما الفصل الثاني: وهو خلق الملائكة من نوره فليس على ظاهره،
стр. 253
ومعناه خلقها بنوره تشريفًا لهم، كما خلقٍ آدم بيده تشريفًا له على غيره من خلقه، وإنما لم يجز حمله على ظاهره، لأن ذلك يُحيل صفاته ويخرجها عما تستحقه، لأن نور ذاته قديم، والقديم لا يتبعض فيكون بعضه مخلوقًا كسائر صفاته (١).
وهذا ظاهر كلام أحمد، وذلك أنه قال في قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: من أمره، وتفسير "روح الله" أنها روح الله خلقها، كما يقال: سماء الله وأرض الله (٢)، فلم يحمل الكلام على ظاهره في الروح بل تأوله، لأن في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، كذلك ها هنا.
* * *
стр. 254
[حديث آخر]
٢١٥ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله يقول: ابن آدم مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كيف وأنت رب العالمين! قال: مَرِضَ عبدي فلو عُدْتَه لوجدتني عنده".
وفي لفظٍ آخر "يقول الله استطعمتك فلم تطعمني، قال فيقول: يا رب كيف استطعمتني فلم أُطْعمكَ، وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال فيقول: أَما عَلِمْتَ أَنَّ عبدي فُلانًا استطعمك فلم تُطعمه، أما علمت لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم اسْتسْقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أَمَا عَلمت أنَّك لو كنت أَسْقَيْتَهُ لوجدت ذلك عندي" (١).
٢١٦ - وفي لفظ آخر "اسْتَقْرَضْتُ عبدي فلم يُقرضني، وشَتَمَني ولم ينبغي أن يشتمني، قال يقولُ: وادهراه وأنا الدهر" (٢).
اعلم أنَّ هذا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي ﷺ في بعضه، فَوَجَبَ الرجوع إلى تفسيره، وذلك أن فَسَّر قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت، على أنَّه إشارةٌ إلى مرضِ وليّه واستسقائه واستطعامه، وأضافَ ذلك إلى نفسه إكرامًا لوليه ورفعةً لقدره، وهذه طريقة مُعتادة في الخطاب
стр. 255
يُخبرُ السَّيدُ عن نَفسِهِ ويُريد عَبده إكرامًا له وتعظيمًا، وعلى هذا يُحمل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، معناه: أولياءُ الله ورُسله، وكذلك قوله تعالى ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، أي آسفُوا أولياءنا والنَّاصرين لديننا، لاستحالة أن يُؤْذَى ويُحارب (١).
وأمَّا قوله "لو عُدْته لوَجَدْتني عنده" معناه، وجدت رحمتي وفضلي وثوابي وكرامتي في عيادتك له.
٢١٧ - يُبْين صحة هذا: ما حدثناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أنا عند ظنِّ عَبْدي، وأَنَا معه، إنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذراعًا تَقَرَّبَ الله إليه بَاعًا، ومن جاء يمشي أَقْبَلَ الله إليه بالخير يُهرول" (٢) فَبُيِّنَ في هذا
стр. 256
الحديث أنَّ قُربه من عبده بالثواب، كذلك ها هنا (١)، وعلى هذا يتأول قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] معناه وجد عقابه وحسابه (٢).
٢١٨ - وقد فَسَّر أحمد قوله لموسى ﵇ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] يقول: في الدفع عنكما، وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] في الدفع، وقوله ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، في النَّصر لهم على عدوهم، وقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] يقول في العون على فرعون (٣).
* * *
стр. 257
[حَدِيثٌ آخر]
٢١٩ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن عبد الله بن عمر أن أَتَاهُ رجلٌ فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النَّجوى؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُؤْتى بالمؤْمن يوم القيامة فيُدْنيِه الله تعالى منه، فَيَضَعُ كَنفَه عليه حتى يستره من النَّاس، فيقول: عبدي أتعرفُ كذا وكذا مرتين، فيقول: نعم، حتى إذا قرَّرَه بذُنُوبه كُلها، ورأى نفسه أنَّه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أَغْفرها لك اليوم" وقد ذكره البخاري ومسلم في الصحيحين (١).
اعلم أنَّ الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في الدُّنو، والثاني في وَضْع كنَفَهَ عليه.
فأما قوله "يُدني عبده" فغير مُمتنع حمله على ظاهره، وأنَّه دُنو من ذاته.
٢٢٠ - وقد أخذ أحمد بظاهره في رواية أبي الحرث وقد سأله: ما معنى قول النبي ﷺ "إن الله يُدْني العبدَ يوم القيامة فيضع عليه كنفه" كما قال ونقول به.
فقد نص أحمد على الأخذ بظاهره من غير تأويل، وإنما قال ذلك لأنَّه ليس في حمله على ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نصفه بالإنتقال من مكانٍ إلى مكان، وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] وأنَّ المراد بالدنو دنوه من الذات.
فإن قيل: في حمله على ذلك ما يُفضي إلى إحالة صفاته وإخراجها عما تستحقه، لأنه تستحيل المساحة والمسافة، وبعد المكان والنهاية عليه سبحانه.
стр. 258
قيل: هذا غلط لما بينَّا، وهو أنَّا لا نَصِفُه بالانتقال من مكان إلى مكان، حتى يجيء منه ما ذكرت، وإنما تلك صفة راجعة إلى العبد، ولأنَّ هذا لا يقتضي كونه في مكان، كما أنَّ إثباته مُستويًا على العرش لم يوجب كونه في مكان، وكذلك رؤيته سبحانه لا تُوجب كونه في مكان، كذلك الدنو منه لا يوجب كونه على مسافة.
فإن قيل: فيجب حمله على أنَّه يُقرِّبه من رحمته وأَمَانِه وتّعطفه ولُطفه، وهذا شائعٌ في اللغة، لأنَّه يقال: فلانٌ قريب من فلان، والمراد به المنزلة وعُلُو الدَّرجة (١).
قيل: هذا غلطٌ لوجهين: أحدهما: أنه راحمٌ له ومتعطف عليه وآمن له، مع عدم الدُّنو كما هو بعد الدنو، فلا يصح حَمْلُه على ما لا يفيد.
والثاني: إنْ جَازَ هذا، جاز لقائلٍ أن يقول في قوله "ترون ربكم" معناه تعطُّفه ورحمته وثوابه.
الفصل الثاني: قوله "يضع عليه كَنَفَه حتى يستره من الناس" فلا نعلم معنى الكنف ما هو فنمرَّ الخبر على ظاهره.
فإن قيل: يحمل ذلك على القرب من المنزلة والدرجة، لأنه يُقال: أنا في كنفِ فلان، وفلانٌ في كنفي، يريد به تعطفه وتوفره (٢).
стр. 259
قيل: هذا غلطٌ لما تقدم، وهو أنَّه متعطف متوفر عليه قبل ذلك، ولأنَّ هذا يوجب تأويل حديث الرؤية على ذلك.
فأما قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، فالمراد به علمه، لأنَّه قد تقدم ذكر العلم في أول الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] فوجب حمل ذلك على العلم (١).
стр. 260
٢٢١ - وقد قال أحمد في قوله تعالى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هي علمه لأنَّه افتتح الآية بالعلم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ وختمه بالعلم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وأما قوله تعالى ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] فظاهره يقتضي دُنُوًا من الذات، لأن القصد بذلك كرامته.
٢٢٢ - وقد روى ابن بطة بإسناده: عن ابن عباس في قوله ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال: مقدار قوسين (٢).
٢٢٣ - وحكى أبو بكر الخلال عن عبد الله حدثني هناد بن السري قال نا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن ميسرة في قول الله تعالى
стр. 261
لموسى ﵇ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] قال: أُدْني حتى سمع صريف القلم في الألواح (١).
٢٢٤ - قال أبو بكر عبد العزيز في تعاليق أبي إسحاق عنه قوله: حتى سمع صرير القلم على النون والراء وما أشبهه، قال: ومن روى صريف القلم يقول على الكاف وما أشبه ذلك، لأنَّ صريفه في رجوعه إلى وراء، وصريره في مجيئه على بين يديه.
وأما قوله "من قرب شِبْرًا قربت منه ذراعًا" فالمراد به التقريب من رحمته وكرامته، لأنَّه روى ذلك مُفسرًا في بعض ألفاظ الحديث، رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يُهرول" (٢) فقد ورد التفسير من النبي ﷺ في ذلك، فلهذا قضينا بالمطلق منه على المقيد، والكلام على هذا الخبر يأتي مستوفي.
* * *
стр. 262
[إثباتُ صِفة العُلُو لربِّنا ﵎]
[حديثٌ آخر]
٢٢٥ - ناه أبو القسم عبد العزيز بإسناده: عن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية ترعى غنمًا في قبل أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلعتها ذات يومٍ فإذا الذيبُ قد ذَهَبَ بشاةٍ من غنمها، وإني رجل من بني آدم آسف كما يأسَفُون لكنيِّ غضبت فصككتُها صكَّةً، فأتيتُ النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظَّم ذلك عليَّ، فقلت يا رسول الله: ألا أُعْتِقُها، قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السَّماء، قال: "فمن أنا" قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (١).
اعلم أنَّ الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو، وجواز الإخبار عنه بأنَّه في السماء.
والثاني: قوله "اعتقها فإنها مؤمنة".
أما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء، لأنَّ النبي ﷺ قال لها "أين الله" فلولا أنَّ السؤال عنه جائز لم يسأل، وأجابته بأنه في السماء وأقَرَّها على ذلك، فلولا أنَّه يجوز الإخبار عنه سبحانه بذلك، لم يُقرها عليه.
٢٢٦ - ونظير هذا الحديث: ما رواه أبو رزين قال: قلت: يا رسول الله ﷺ
стр. 263
أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: "في عَمَاء" (١). فأجاز السؤال وأجاب عنه.
٢٢٧ - وقد أطلق أحمد القول بذلك فيما خَرَّجه في "الرد عل الجهمية" فقال: قد أخبرنا أنه في السَّماء فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [تبارك: ١٦ - ١٧] وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وقال ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وقال ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨، ٦١] فقد أخبر الله سبحانه أنَّه في السَّماء، وهو الله على العرش.
فقد أطلق أحمد القول بذلك، واحتج بهذه الآيات على جواز القول به، وسنعيد الكلام في موضع آخر إن شاء الله (٢)، ولأنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، وذلك أنَّا لا نقول هو في السماء على وجه الإحاطة، بل نطلق ذلك كما أطلقنا جواز رؤيته، لا على وجه الإحاطة وإن لم يكن ذلك معقولًا في الشاهد، وكما قالوا في قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناه: عال عليه، ولم يُوجب ذلك كونه في جهةٍ، وإنْ كُنَّا نعلم أنَّ العُلْو غير السفل.
فإن قيل: لا يجوز السؤال عنه بأين هو؟ لأنه ليس في جهة، وإنما يصح السؤال عمَّن هو في جهة، ولا يصح الجواب عنه بأنه في السماء، لأن في حقيقته (٣) للظَّرف والوعاء، ولا يجوز وصفه بذلك.
стр. 264
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه لا يمتنع جواز السؤال عنه، ولا يُفضي إلى الجهة، وجواز الجواب عنه بأنه في السماء (١)، لا يُفضي إلى الوعاء، كما جاز إطلاق القول بأنه عالٍ على العرش ولم يُفْض إلى الجهة، وإنْ كُنّا نعلم أنَّ العلو غير السفل، وكذلك جاز القول برؤيته لا في جهة، وإنْ لم يكن مرئيًا في الشاهد إلا في جهة، كذلك ها هنا، وكذلك الحركة في الجسم، وإنْ لم تكن حالة فيه.
فإن قيل: هذه اللفظة قد تستعمل في السؤال عن المكان فيقال: هو في البيت أم في المسجد؟ وتستعمل في الاستعلام عن المنزلة فيقال: أين فلان منك ومن الأمير؟ وقد تستعمل في الاستعلام للفرق بين الرُّتْبتين فيقولون: أين فلان من فلان، يعني بذلك، في الرّتبة والمنزلة فيحتمل أن يكون قوله "أين الله" استعلامًا لمنزلته وقدره عندها، وفي قبلها، وأشارت أنه في السماء، أي رفيع الشأن عظيم المقدار، على معنى قوله القائل إذا أراد أن يخبر عن منزلة رجل: منزلة فلان في السماء، أي هو رفيع الشأن (٢).
قيل: هذا غلطٌ، لأن الحقيقة في هذه اللفظة أنها استفهام عن المكان دون المنزلة والرتبة، وإنَّما تُستعمل في ذلك على طريق المجازة، فكان حملها على الحقيقة أولى.
وجوابٌ آخر: وهو أنَّه لو كان استفهامًا عن المنزلة لأنْكر عليها جوابها بما يرجع إلى غير ما سألها، فلَّما لم يُنكر ذلك امتنع صحة هذا التأويل.
وجوابٌ آخر: وهو أن الأمة كانت من الطغام (٣)، ولا يُضاف إليها المعرفة بحمل المكان على الرِّفعة وعُلو المنزلة.
стр. 265
فإن قيل: فإذا لم يكن سؤالًا عن المنزلة، لم يبقْ إلا أنه سؤالٌ عن المكان، وأنتم لا تثبتون ذلك. قيل: بل هو سؤالٌ عن كونه في السَّماء لا على وجه الحلول.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قولها في السماء معناه: فوقها، كما قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] معناه عليها، وكذلك قوله تعالى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] معناه عليها، يُبَيَّن صحة هذا قوله تعالى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [الأنعام: ٥٠]، فَوَصَفَ نفسه بذلك وقوله ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨، ٦١] فدلَّ على أنَّه فوق السماء وفوق ما خلق (١).
قيل: هذا غلطٌ لوجوه أحدها: أنَّ هذا يُسقط فائدة التخصيص بالسَّماء، لأنَّه فوق الأشياء كلها فلا معنى لتخصيصه بالسماء، إذا كان المراد به الفوق.
الثاني: أنَّه إنْ جاز أن يُطلق القول بأنَّه فوقَ السماء فوق العرش، ولا يُفضي إلى الجهة، وإنْ كنا نعلم أنَّ الفوق ضد السفلَ، جاز إطلاق القول بأنه في السماء ولا يفضي إلى الجهة.
الثالث: إنما يجب الامتناع من ذلك لو كُنا نقول ذلك على وجه الحد والظَّرف، فأمَّا نحن ونمتنع من ذلك لم يمتنع إطلاق ذلك عليه.
فإن قيل: إن جاز أن تُطلقوا هذا القول، وأنه في السماء لا على وجه الإحاطة والجهة، فأطلقوا القول في الأرض وفي كل مكان، لا على وجه
стр. 266
الإحاطة والجهة، كما أطلقه النَّجَّار (١) وجماعة من المعتزلة، بمعنى أنه مُدَبِّرٌ فيها وعالمٌ بها، كقولهم: فلانٌ في نبا (٢) داره، معناه: ميرها.
قيل: هذا غلط، لأننا لا نُطلق من ذلك إلا ما ورد به السَّمْعُ، والسمع وَرَدَ بإطلاق ذلك في السماء وعلى العرش، ولم يرد في غير ذلك.
فإن قيل: قد ورد القرآن بذلك، قال تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
قيل: في هذه الآيات ما دل على أنَّه ليس المراد به الذَّات، لأنَّه قال ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ فأخبر أنه يعلم سرّنا وجَهرنا الواقعين في السماوات والأرض، إذ هي مَحَالُّ السِّر والجهر، ولهذا لا يجوز الوقف على قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ وإنما الوقف على قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٣)، وكذلك قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى
стр. 267
ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ معناه علمه بسرنا وجهرنا.
فإن قيل: فيجب أن تحمل قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على العلم كما حملت قوله ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ على العلم.
قيل: الآية هكذا تقتضي أن المراد بها علمه ما في السماوات وفي الأرض، ونحن لسنا نمنع أنْ يكون علمه ما في السماوات وفي الأرض، لأنَّ في الآية قرينة دلَّتْ على العلم، وغيرها من الآيات والأخبار مُطْلقة ليس فيها ما دلَّ على العلم، فحملناها على ظاهرها، على وجه لا يفضي إلى الحدِّ والجهة.
٢٢٨ - وقد روى أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان في جملة حديثه عن الشافعي بإسناده: عن عبد الله بن الحسين المصيصي قال: دخلت طَرْسُوس، فقيل لي ها هنا امرأة قد رأت الجنَّ الذين وَفِدُوا إلى النبي ﷺ ، فأتيتُها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها، فقلت: رأيت أحدًا من الجنِّ الذين وفدوا إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، حدثني عبد الله (١) سمحج قال: قلت: يا رسول
стр. 268
الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: "على حوت من نور يتلجلج في النور" (١) وذكر بقية الخبر وهو وإنْ كان غريبًا، فإنه يَعْضُدُه ما تقدم من الأخبار.
ورأيت في كتاب أبي موسى النحوي المعروف "بالحامض" (٢) عن ثعلب أنه قال: قولهم: في السماء بيته، كقولك مقصده ورجاء ثوابه وإجابته، وهذا يُسقط فائدة التخصيص بالسماء، لأن رجاء ثوابه وإجابته يرجى في كل حال.
* * *
стр. 269
[حديثٌ آخر]
٢٢٩ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي رزين قال قلت يا رسول الله: أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السَّماوات والأرض؟ قال: كان في عَمَاء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خَلَق العرش على الماء" (١).
٢٣٠ - وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء ثم خلقَ عرشه على الماء". ورواه أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن أبي رزين قال قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "على عماء، تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء".
قال أبو عبيد: قوله "في عماء" العماء في كلام العرب السحاب (٢) قال الأصمعي وغيره: وهو ممدود، قال: وإنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم (٣) ولا ندري كيف كان ذلك العَمَاء وما مبلغه.
قال: وأمَّا العمى في البصر فإنه مقْصُور، وليس هو من معنى (٤) الحديث في شيء.
стр. 270
اعلم أنَّ هذا الحديث يدلّ على جواز إطلاق السؤال عنه سبحانه بأين هو، ويدلُّ على جواز الإخبار عنه بأنه كان في عَمَاءَ، لا على وجه الإحاطة والجهة كما أجزنا رؤيته لا على وجه الجهة.
فإن قيل: قوله "في عماء" يحتمل أن يكون فوق عماء.
قيل: هذا غلط، لما بينَّا من فساد هذا السؤال في الخبر الذي قبله.
ورأيت في كتاب أبي موسى النحوي المعروف بالحامض: رواية السوسنجردي (١) قلت لأبي العباس في مسئلة النبي ﷺ أين كان ربنا، أليس في المكان؟ قال: فيما يستفهم الجاهل وبأي شيء يسئل إذا أراد علم شيء جهله، لا بد من هذا، ويكون الجواب على حسب ذلك، ألا ترى قوله "كان في عماء" وفي عماء فالممدود هو الغيم الرقيق، والمقصور أي كان في عماء علينا، لا ندري (٢).
وهذا من ثعلب دلالة على جواز السؤال عنه بالأُينية وإن كانت للمكان.
[حديث آخر]
٢٣١ - ذكره ابن فُورك ولم يقع لي طريقه: عن أنس بن مالك قال: كان جبريل عند النبي ﷺ فأتاه ملك فقال: أين تركت ربنا؟ قال: في سبع أرضين، فجاءه آخر فقال: أين تركت ربنا؟ قال: في سبع سماوات، فجاءه آخر
стр. 271
فسأله مثل ذلك، فقال في المشرق، وآخر فسأله: أين تركت ربنا؟ قال في المغرب؟ (١).
فإن صح هذا الخبر، حمل على أن علمه بسرنا وجهرنا الواقعين في السماوات والأرض، والمشرق والمغرب، وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا لما تقدم من نصّ القرآن والأخبار الصحاح، أنه في السماء مستوٍ على عرشه بائن من خلقه.
* * *
стр. 272
[إثبات صِفَة الفَرَح لربِّنا جلَّ شأنه]
[حديثٌ آخر]
٢٣٢ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لله أشدُ فرحًا بتوبة عبده، من أحدكم يَسقطُ على بعيره، وقد أضلَّه بأرض فلاة" (١).
٢٣٣ - أخبرناه أيضًا بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الله جل اسمه أشدُّ استبشارًا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالَّته بفلاةٍ من الأرض، عليها سِقاؤه ومتاعه وما يصلحه" (٢).
٢٣٤ - وناه بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يُوَطِّن رجُلٌ مسلم المساجد للصلاة وللذكر، إلا تَبَشْبَشَ (٣) الله به حين يخرج من بيته، كما يَتَبَشْبَشُ أهل الغائب بغائبهم" (٤).
стр. 273
اعلم أنَّ الكلام في الفرح والاستبشار، قريبٌ من الكلام في الحديث الذي تقدَّم في الضحك، والقول فيه كالقول في ذلك (١).
وقد حكينا كلام أحمد في ذلك، والأخذ بظاهر الحديث من غير تفسير كذلك ها هنا، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نثبت فرحًا هو السرور لأنه يقتضي جواز الشهوة والحاجة عليه، ومن قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] أي سَرُّوا بها، ولا نثبت أيضًا فرحًا هو البطر والأشر، لأنهما لا يليقان بالله ، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وقوله ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] يعني بذلك فَرَحَ البَطَر والأَشَر، بل نُثبت ذلك صفة، كما أثبتنا صِفَة الوجه واليدين والسمع والبصر، وإنْ لم نَعْقِل معناه، ولا يجب أنْ يُسْتَوحش من إطلاق مثل هذا اللفظ إذا ورد به
стр. 274
سمع، كما لم يستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات.
فإن قيل: معنى الفرح ها هنا معنى الرضا، ومنه قوله تعالى ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] أي: راضون، لأنَّ من سُرَّ بالشيء فقد رَضِيَه، ويقول هو فرح به بمعنى هو راضٍ به فيكون معناه: أنَّ من وَفَّقَه الله للتوبة من معاصيه، فقد رضي أن يكون مُثَابًا على الخير مقبولًا منه الطاعة والعبادة (١).
قيل: هذا غلطٌ، لأن هذا القائل عنده أنَّ الرضا بمعنى الإرادة، وإرادة الله سبحانه لا تختص ما ذكر في الخبر من التوبة، لأنَّ ضد التوبة مما كان عليه قبل ذلك، كان الله مُريدًا له، على أنه لا يمتنع أن يكون معنى ذلك ما قالوه وكذلك القول في البَشْبَشَة، لأنَّ معناه يُقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيتُ لفلان بَشَاشَةً وهشاشةً وفرحًا، ويقولون: فلانٌ هشٌ بشٌ فرحٌ، إذا كان منطلقًا (٢)، يجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح.
وقد ذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتاب "الغريب" وقال قوله "يبشبش" من البشاشة وهو يتفعَّل (٣).
فحمل الخبر على ظاهره ولم يتأوله.
* * *
стр. 275
[إثْباتُ صفةِ العَجَب لربِّنا ﵎]
[حَديثٌ آخر]
٢٣٥ - رواه أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "عجب الله من قومٍ جيء بهم في السَّلاسل، حتى يُدخلهم الجنة" (١).
٢٣٦ - ورواه بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "عجب ربّنا من رجلين: رُجلٌ ثَارَ عن وِطَائِه ولِحافه، من بين حِبِه وأهله إلى صلاته، طلب ما عندي، ورجلٌ غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، فَعَلِمَ ما عليه في الانهزام، وماله في الرُّجُوع، فَرَجَع حتى هُرِيق دمه، فيقول الله لملائكته: انُظُروا إلى عبدي رَجَعَ رغبةً فيما عندي، وشفقَةً من عذابي، حتى هُرِيق دمه" (٢).
стр. 276
٢٣٧ - ومن ذلك قول النبي ﷺ : "عَجب رَبُّك من شابٍ ليست له صبوة" (١).
стр. 277
اعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث، كالكلام في الذي قبله، وأنَّه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه، وحمله على ظاهره إذ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت عَجبا هو تعظيم لأمرٍ دَهَمَة استعظمه لم يكن عالمًا به، لأنَّه مما لا يليق بصفاته، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته (١).
فإن قيل: المراد به تعظيم ذلك وتكثيره عند أهله حثًّا على فعلها، وترغيبًا في المبادرة إليها، ويحتمل أن يكون المراد به الرِّضا له والقبول، لأنَّ من أعجبه الشيء فقد رَضِيَه، ولا يصح أنْ يَعجب مما يُسخطه ويكرهه.
٢٣٨ - وقد أومئ أبو عبد الله بن بطة إلى هذا في كتاب "الإبانة" فقال: التعجب على ضربين: أحدهما المحبة بتعظيم قدر الطاعة، والسخط بتعظيم قدر الذنب، ومن ذلك قول النبي ﷺ "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" أي أنَّ الله مُحِبٌ له راضٍ عنه، والتعجب على معنى الاستنكار للشيء، ويتعالى عن ذلك، لأنَّ الاستنكار هو الجاهلُ الذي لا يعرف فلما عرفه استنكره (٢) وعجب منه.
стр. 278
قيل: الطريق الصحيح ما ذكرنا من حمله على ظاهره، وهو الأشبه بأصول أحمد في نظائره من الأخبار لما بينَّا، وهو أنَّه ليس في ذلك ما يحيل صفاته، وما ذكروه من التأويل لا يصح، لأن الله تعالى راضٍ بذلك قبل وجود هذه الأفعال منهم، ومُعَظِّمٌ لها قبل وجودها، فرضاه وتعظيمه لا يختص ما ذكر في الأخبار، فلم يصح حملها عليه، لأنه حَمْلٌ على ما لا يفيد.
فأما قوله "يقادون إلى الجنة بالسلاسل" فقيل فيه إنهم يَكرهون الطاعة التي يصلُون بها إلى الجنة، من حيثُ تخالف أهوائهم وشهواتهم، وتكرهها نُفُوسهم من حيثُ تَشُقُّ عليهم، وتصدهم عن الراحات واللذات في الحال، لكنها سائقة لهم إلى الجنة، وهي دَارُ الراحات.
٢٣٩ - وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد (١) وقد سأله عن قول النبي ﷺ "عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل" قال: هو هذا السبي الذين يسبون فيدخلون في الإسلام، ونحو ذلك نقل أبو الحرث (٢).
٢٤٠ - فأمَّا قوله ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢]، فقد رُوي عن
стр. 279
ابن مسعود كان يقرأ بضم التاء، وروي عن شريح إنكار هذه القراءة (١)،
стр. 280
فإن كانت صحيحة لم يمتنع حملها على ظاهرها، وأنَّ ذلك صفة لله تعالى، على ما ذكرنا في ظاهر الخبر.
فإن قيل: هذا خَرَجَ على طريق المجازاة على عجبهم، لَمَّا أخبر عنهم أنهم عجبوا من الحق لما جاءهم، وقالوا: هذا شيء عجاب، وهذا شيء عجيب، كما قاله القائل:
فنجهل فوق جَهل الجَاهلينا (١).
وكما قال تعالى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فسمَّى الثاني باسمها.
قيل: إنما يكون هذا على طريق المجازاة، إذا تقدم العجب منهم، ولم يجر له ذكر في هذه السورة، وإنما جرى ذكره في سورة ص، فلا يخرج هذا مخرج المجازاة، ألا ترى أنَّ المواضع التي استشهدوا بها، تقدم ذكر ذلك من جهتهم فخرج الإنكار من الله تعالى على طريق المجازاة.
فإن قيل: المراد به النبي ﷺ فأخبر عن نفسه، والمراد به النبي ﷺ كما قال: "مَرِضْتُ فلم تعدني"، وكما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] معناه: أولياءه.
قيل: هناك قد دلَّ الدليل على أنَّ هناك مُضمر محذوف، وليس ها هنا ما دل على ذلك، فوجب التمسك بحقيقة اللفظ، وهو الإضافة إلى نفسه، وعلى
стр. 281
أنَّ في الآية ما يدل على أنَّ ذلك راجع إليه سبحانه، لأنَّه عَطَفه على نفسه بقوله تعالى ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ [الصافات: ١١]، وهذا كله راجع إليه سبحانه، ثم عطفه فقال: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ فكان ذلك راجعًا إليه.
* * *
стр. 282
[حديث آخر]
٢٤١ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أُبيّ بن كعب قال: "لا تَسُبُوا الرِّيح فإنها من نَفَس الرحمن جلَّ اسمه" وفي لفظ آخر "فإنها من نفس الله جلّ اسمه، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرْسِلتْ به، ونعُوذُ بالله من شرها، وشر ما فيها، وشرِّ ما أُرسلت به" (١).
٢٤٢ - وروى ابن بطة في بعض مُكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رَأَيتم
стр. 283
الريح فَلَا تَسُبُوها، فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فسلُوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شَرِّها" (١).
اعلم أنَّ شيخنا ابا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه، وامتنع أن يكون على ظاهره في أنَّ الريح صفةٌ ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله، ويكون معناه أنَّ الريح مما يُفَرِّج الله بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس معنى "التنفيس" وذلك معروف في قولهم: نَفَّسْتُ عن فلان، أي فَرَّجْت عنه، وكلمت زيدًا في التَّنفيس عن غريمه، ويقال: نفَّس الله عن فلان كربة أي فرَّج عنه (٢)، وروي في الخبر "من نفَّس عن مكروبٍ كُربة نَفَّس الله عنه كربة يوم القيامة" (٣)، وروى في الخبر أنَّ الله فَرَّجَ عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال سبحانه ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا، ولم يجب تأويل غيره من الأخبار، لأنَّه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك، وذلك أنَّه قال: "فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنَّا نسألك من خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به" وهذا يقتضي أنَّ فيها شرُّ وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات.
٢٤٣ - ونا أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ
стр. 284
الريح من رَوْحِ الله، يَبْعثها بالرَّحمة، ويبعثها بالعذاب، فلا تَسُبُوها، وسلُّوا الله خيرها وعوذوا بالله من شرِّها" (١).
وقوله "فإنها من روح الله" يدل على صحة التأويل، وأنه يُروح بها عن المكروب (٢).
стр. 285
وقوله: "يبعثها بالرحمة وبالعذاب" صريحٌ في أنها مخلوقة، مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى، وهذا دليلٌ على صحة التأويل.
[حديثٌ آخر في هذا المعنى]
٢٤٤ - من حديث أبي الحسين وأبي القسم بن بشران عن دعلج عن ابن خزيمة بإسناده: عن النبي ﷺ قال وهو مُولٍ (١) ظهره إلى اليمن: "إني أجد نفس الرحمن في ها هنا" (٢).