مُقَدِّمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله [الذى] جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، وينهونه عن الردى، يُحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وبسنَّة رسول الله ﷺ أهل الجهالة والردى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الضالين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة، يقولون على الله، وفي الله -تعالى الله عما يقول الظالمون عُلوًّا كبيرًا- وفي كتابه بغير علم، فنعوذ بالله من كل فتنة (١).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه، ومن سار على هديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
وبعد: فإن كتاب "إبطال التأويلات لأخبار الصفات" للقاضي أبي يعلى الفرَّاء كان يعد إلى زمن قريب من الكتب المفقودة (٢).
وهو كتاب فريد في بابه: إذ تضمن الرد على تأويلات الأشاعرة والمعتزلة لأحاديث الصفات، وبيان مذهب السلف فيها، وهو إثباتها والإيمان بها، ونفي التكييف عنها والتمثيل لها، فهذا هو التوحيد الذي بيّنه الله تعالى في كتابه، وكان عليه رسوله ﷺ وصحابته الكرام، والتابعين لهم بإحسان.
_________
(١) من رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى مسدد بن سرهد -انظرها في "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥).
(٢) ذكره الشيخ محمد أبو فارس في كتابه "القاضي أبي يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية".
стр. 2
وليس التوحيد هو ما يدعيه أولئك المبتدعة، من وجوب تأويل الصفات وتفسيرها بما يليق بالله تعالى!!
وأن إثبات حقائقها ومعانيها يقتضي تشبيه الله بخلقه! زعموا!!
وسموا أهل السنة والجماعه الذين وصفوا الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ سموهم مجسمة حشوية!
ولا يضر أهل السنة تسمية أهل البدع لهم بما ينفر الناس عنهم فلهم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد سماه المشركون بالساحر والكاهن والمجنون والشاعر.
ورحم الله تعالى من قال:
فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه … على عرشه إني إذا لمجسمُ
وإنْ كان تشبيهًا ثبوت صفاته … فمن ذلك التشبيه لا أتكتمُ
وإن كان تنزيهًا جُحود استوائهِ … وأوصافه أو كونه لا يتكلمُ
فعن ذلك التنزيه نزَّهت ربَّنا … بتوفيقه والله أعلم وأعظمُ
فنحن ننزه ربنا عن ذلك الشرك الذي وقعوا فيه، وهو شرك التعطيل لصفات ربنا ﵎، بل والتشبيه أيضًا!! فمن عطل صفات الخالق فقد شبهه بالجمادات والمعدومات والممتنعات! فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإن التشبيه بالمعدوم والممتنع، أفظع من التشبيه بالموجود.
وما من معطل، عطل صفة لله تعالى إلا ووقع في شر مما يزعم أنه فرَّ منه، كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء، فرارًا من التحيز والحصر -بزعمهم- ثم قالوا: هو في كل مكان بذاته؟! فنزهوه عن استواءه الذي أثبته لنفسه ومباينته لخلقه، وجعلوه في أجواف البيوت
стр. 3
والناس والآبار والأواني والأماكن التي يُرغب عن ذكرها لقذارتها!! ثم إنَّ التأويل يتضمن القدح في علم الله تعالى، وبيانه لعباده الحق والهدى؛ لأنهم يزعمون أن الحق هو التأويل الذي يذهبون إليه، وهو يخالف ظواهر النصوص، فإما أن يكون الله تعالى عالمًا أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين، أو لا يعلم ذلك!! فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحًا في علمه!
وإن كان عالمًا أن الحق فيها، فلا يخلو أن يكون قادرًا على التعبير بعباراتهم التي هي تنزيه الله -بزعمهم- عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، فتركها إلى غيرها من العبارات التي توهم التشبيه! أو لا يكون قادرًا على تلك العبارات التي زعموا أن فيها التنزيه!! وكلا الأمرين يعلم بطلانه بالضرورة! ويتعالى عنهما ربنا علوًّا كبيرًا.
ثم إذا تأوَّل أحدٌ ظاهر آية أو خبر، ثم جاء غيره وتأول الآية أو الخبر على غير تأويله، وزعم أنه الصواب، ثم جاء ثالث وهكذا، فكيف يمكن للمسلم أن يعرف الحق، وهل يُحسم هذا الشر إلا بسدِّ بابه؟
ثم لو تكلم الواحد مِنَّا بكلامٍ، هل يرضى أن يقال له: إنك لا تريد ظاهر ما تقول، وإنما تريد كذا وكذا، لأمرٍ لم يذكره في ظاهر كلامه؟!
فكيف بعد ذلك يكون مذهب المؤوله النفاة المعطلة للصفات أصحاب التحريف هو الصواب، ومذهب أهل الإثبات والإتباع لنصوص الكتاب والسنة والإمرار لها على ظاهرها، هو الباطل!!
سبحانك هذا بهتان عظيم!
وبعد: فإن هذا الكتاب يعالج هذه القضية العقدية، والذي حاول فيه مؤلفه
стр. 4
أن يرد على كل تأويلات المؤولة لأحاديث الصفات، وقد وُفّق إلى حدٍّ كبير في ردوده.
والكتاب لا يخلو من هفوات وأخطاء، كما هو شأن جميع الكتب، فقد أبى الله أن يتم إلا كتابه، كما قال الشافعي ﵀ وسيأتي المزيد من البيان لمنهج المصنف في كتابه هذا في الكلام على عقيدته.
والآن إلى ذكر ترجمة المصنف.
* * *
стр. 5
ترجمة المؤلف
هو الإمام العلّامة شيخ الحنابلة، القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، ابنُ الفرَّاء، صاحب التَّعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب.
مولده: ولد لتسعٍ وعشرين أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم، سنة ثمانين وثلاث مئة.
عائلته: نشأ في بيت علم، فقد كان والده أبو عبد الله قد درس على أبي بكر الرازي مذهب أبي حنيفة، قال عنه الذهبي: وكان أبوه من أعيان الحنفية ومن شهود الحضرة، وتوفي في سنة تسعين وثلاث مئة، وكان سن أبي يعلى في ذلك الوقت عشر سنين إلا أيام.
طلبه للعلم: بعد وفاة أبيه، كان وصيه رجل يعرف بـ "الحربي" يسكن بدار القز، فنقله من باب الطاق إلى شارع دار القز، وفيه مسجد يصلي فيه شيخ صالح يعرف بابن مفرحة المقرئ، يُقرئ القرآن، ويُلقِّن من يقرأ عليه العبادات من مختصر الخرقي، فلقنه ما جرت عادته بتلقينه من العبادات، فاستزاده فقال له ذلك الشيخ: هذا القدر الذي أحسنته، فإن أردت زيادة فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد (وهو الحسن بن حامد البغدادي الوراق الحنبلي) فإنه شيخ هذه الطائفة، فمضى إليه وصحبه إلى أن توفي ابن حامد في سنة ثلاث وأربع مئة، وتفقه عليه وبرع في ذلك، وتصدر بأمره للإفادة سنة اثنتين وأربع مئة.
ورزقه الله حفظ القرآن، والقراءة بالعشر، والعلم بالحلال والحرام،
стр. 6
والأحكام والفرائض، وعلم الأصول والفروع، إلى جانب ما كان يتمتع به من شرف الأخلاق، والفضل والفهم، والزهد والقناعة.
شيوخه:
أول سماعه للحديث كان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وسمع من أبي الحسين السكري عن أحمد بن عبد الجبار الصوفي عن يحيى بن معين وغيره.
وسمع أيضًا من جماعة عن البغوي. وقد حدث عن البغوي عن أحمد بن حنبل.
وسمع من أبي القاسم موسى بن عيسى السراج عن البغوي وغيره.
ومن أبي الحسن علي بن معروف عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم.
ومن أبي القاسم بن حبابة عن البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة وغيره.
ومن أبي الحسن علي بن معروف عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم.
ومن أبي القاسم بن حبابة عن البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة وغيره.
ومن أبي الطيب بن المنار عن البغوي، وابن صاعد وغيرهما.
ومن أبي طاهر المخلص عن البغوي وابن صاعد وغيرهم.
ومن أبي القاسم عيسى بن علي الوزير عن البغوي وغيره.
ومن أبي القاسم بن سويد عن ابن مجاهد وابن الأنباري وغيرهما.
ومن أبي القاسم الصيدلاني عن ابن صاعد وغيره.
ومن أم الفتح بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل.
ومن جده لأمه أبي القاسم بن حنيفا.
стр. 7
ومن أبي عبد الله عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم السويس وغيره. ومن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن مالك البيع بانتقاء ابن أبي الفوارس.
ومن القاضي أبي محمد الأكفاني.
ومن أبي نصر بن الشاه.
ومن أبي عبد الله النيسابوري.
ومن أبي الحسن الحمامي، ومن أبي الفتح بن أبي الفوارس.
وسمع بمكة ودمشق وحلب في آخرين.
وابتدأ بالتصنيف والتدريس بعد وفاة شيخه ابن حامد.
وحج سنة أربع عشرة وأربعمائة. وعاد إلى تدريسه وتصنيفه في الفروع والأصول والآداب، وانقطاعه عن الدنيا وما يؤول إلى الذهاب.
* تلاميذه:
فأما عدد أصحابه، الذين سمعوا منه الحديث: فالعدد الكثير، والجم الغفير منهم: أحمد بن علي بن ثابت (الخطيب البغدادي)، وعبد العزيز العاصمي النخشبي، وعمر بن أبي الحسن الدهستاني الخياط، وهبة الله ابن عبد الوارث الشيرازي، وإسحاق بن عبد الوهاب بن منده الحافظ المقرئ، ومكي بن بجير الهمداني، وعمر الغرموي، وأحمد بن الحسن ابن خيرون، وأبناء خاله: أبو طاهر، وأبو غالب، وأبو الحسين بن الطيوري، وأبو يعلي البرداني، وأبو الغنائم بن النرسي الكوفي، وأبو بكر القطان المقدسي، وأبو منصور الخياط، وأبو منصور الرميسيني، وأبو منصور بن الأنبياري، ومحمد بن عمارة العكبري، ومحمد بن أحمد بن مردين، وأبو العباس المخلطي، وأحمد بن العلثي، وأبو بكر، وأبو
стр. 8
الحسين ابنا ابن يوسف، وابنا عمهما أبو محمد، وأبو الحسن بن رضوان، وابنا عمه: أبو نصر، وأبو الحسين، وأبو جعفر الأصفهاني، وأبو الكرم المبارك بن فاخر النحوي، وأخوه أبو عبد الله بن الدباس، وأبو طاهر، وأبو القاسم ابنا البلدي، وأبو نصر ياسر، وأبو العز العكبريان في آخرين.
فأما الذين تفقهوا عليه وسمعوا الحديث: فأبو الحسين البغدادي، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغُباري، وأبو الغنائم بن زبيبا، وأبو علي بن البناء، وأبو الوفا بن القواس، والقاضي أبو علي البرديني، والقاضي أبو الفتح بن جلبة، وعلي بن عمرو الحراني، وأبو ياسر بن الحصري، وأبو عبد الله الأنماطي، والحسين بن البرداني، وأبو الحسن النهري أبو الفتح، وأبو البركات بن شبلي، وأبو محمد شافع، وأبو الوفاء بن عقيل، وطلحة العاقولي، ومحفوظ الكلوذاني وأبو الحسن بن ظفر العكبري، وأبو الفرج المقدسي، وأبو الحسن بن زفر العكبري، وأبو عبد الله البرداني، وأبو الحسن بن ركاب، وأبو عبد الله الباجسرائي، وأبو يعلى بن الكَيَّال، وجعفر الدريحاني، والأخ أبو القاسم، وغيرهم ممن يشق إحصاء أسمائهم.
جلوسه للإملاء:
كانت له حلقة كبيرة بجامع "المنصور" ببغداد وصفها ابنه في طبقاته فقال:
ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملي حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة
الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله بن إمامنا أحمد ﵁،
وكان المبلغون عنه في حلقته، والمستملون ثلاثة. أحدهم: خالي أبو
محمد جابر، والثاني: أبو منصور بن الأنباري، والثالث: أبو علي البرداني.
وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء: أنهم سجدوا في حلقة
стр. 9
الإملاء على ظهور الناس، لكثرة الزحام في صلاة الجمعة، في حلقة الإملاء.
وما رأى الناس في زمانهم مجلسًا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير، والعدد الكثير.
وسمعت من يذكر: أنه حزر العدد بالألوف. وذلك مع نباهة من حضر من الأعيان، وأماثل هذا الزمان، من النقباء، وقاضي القضاة والشهود والفقهاء. وكان يومًا مشهودًا، والناس إذ ذاك يسمعون، والكتبة يكتبون.
وحضرت أنا أكثر أماليه بجامع "المنصور".
أخلاقه وزهده وورعه:
وصفه ابنه في الطبقات فقال: ومعلوم ما خصه الله به -مع موهبة العلم والديانة- من التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه لأبواب السلاطين، وامتناعه على ممر السنين: أن يقبل لأحدٍ منهم صلة وعطية، ولم تزل ديانته ديانته ومروءته لما هذا سبيل أبِيَّة.
وكان يقسم ليله كله أقسامًا: فقسم للمنام، وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام.
ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوي المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته.
ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار، مع السكون والسمت والصالح، والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدين والفضل ضرورة، واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة (١).
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٣).
стр. 10
قال: وكان ينهانا دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والاجتماع بهم، ويأمرنا بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين (١).
وقال النهري: لما قدم الوزير ابن دراست عبرت أبصره، ففاتني درس ذلك اليوم، فلما حضرت قلت: يا سيدنا تتفضل وتعيد لي الدرس؟ فقال (أي أبو يعلى): أين كنت في أمسنا؟ فقلت: مضيت أبصرت ابن دراست. فأنكر عليَّ ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: ويحك، تمضي وتنظر إلى الظلمة؟! وعنفني على ذلك (٢).
ومضى مرة لتهنئة الإمام القائم بالله بعد معافاته من مرض كان به، فأمر له بجائزة سنية، يقول الراوي: فوالله ما مسَّها ولا قبلها، فروجع في ذلك فأبى (٣).
ووقع نهب في الجانب الغربي من بغداد، فظلَّ يقتات على الخبز اليابس يبله بالماء، ويقول: هذه الأطعمة نُهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئًا. فبقي يتقوت من ذلك الخبز اليابس إلى أن لحقه مرض من ذلك الخبز المبلول (٤).
ووصفه الذهبي في السير (١٨/ ٩٠) بقوله: وكان ذا عبادة وتهجُّد، وملازمة للتنصيف، مع الجلالة والمهابة.
توليه القضاء:
لما توفي القاضي ابن ماكولا، احتاج القائم بأمر الله إلى قاض عالم
_________
(١) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
стр. 11
وزاهد، فراسل رئيس الرؤساء بالشيخ أبي منصور بن يوسف وبغيره إلى الإمام أبي يعلى، وخوطب ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم أجمع، فامتنع من ذلك، فكرر عليه السؤال، فلما لم يجد بدًّا من ذلك اشترط عليهم شرائط:
١ - أن لا يحضر أيام المواكب الشريفة.
٢ - أن لا يخرج في الاستقبالات.
٣ - أن لا يقصد دار السلطان.
٤ - أن يقصد في كل شهر نهر المعلى يومًا وباب الأزج يومًا، ويستخلف من ينوب عنه في الحريم.
فأجيب إلى ذلك، ثم أضيف إلى ولايته بالحريم: قضاء حرَّان وحُلوان، وظل على ذلك إلى أن توفي.
وما تقدم ذكره يدل على كراهية القاضي أبي يعلى لمخالطة السلطان والتردد على أبوابه، وهذا ديدن السلف رحمهم الله تعالى جميعًا، فإنهم كانوا يتجنبون مجالس الولاة إلا عند الحاجة كالنصح وغيره، بل ربما جرحوا بعض الرواة بتردده على السلطان أو قبوله القضاء، كما يتبين لمن يقرأ كتب الجرح والتعديل.
مؤلفاته:
أكثر القاضي أبي يعلى من التصنيف، فقد صنف في الأصول والفروع، في السهل والمستصعب، مع قرب عبارته وسهولتها، والإجادة والإفادة، كما قال الذهبي: صاحب التعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب. . . اهـ.
ولكن لم يكتب لهذا المؤلفات الكثيرة البقاء، فلم يصل إلينا منها إلا أقل القليل، وسنذكرها حسب موضوعاتها:
стр. 12
أولًا: مؤلفاته في العقيدة:
١ - مسائل الإيمان (١).
٢ - الرد على الأشعرية.
٣ - الرد على الكرَّامية.
٤ - الرد على الباطنية.
٥ - الرد على السالمية والمجسمة (٢).
٦ - الرد على الجهمية.
٧ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات، وهو كتابنا هذا، وسيأتي الكلام عليه.
٨ - مختصر إبطال التأويلات.
٩ - عيون المسائل (٣).
١٠ - الكلام في الاستواء.
١١ - أخبار الصفات (٤).
١٢ - القطع على خلود الكفار في النار.
١٣ - أربع مقدمات في أصول الديانات.
١٤ - إثبات إمامة الخلفاء الأربعة.
_________
(١) موجود في المكتبة الظاهرية الجزء الأول منه، وهي نسخة ناقصة من آخرها (عندي صورة عنها) مجموع ٤٢ (ق ٦٣ - ٩٥). (انظر المنتخب من مخطوطات الحديث، وضع العلامة الألباني ص ٢١٩). وقد طبع بتحقيق أخينا الشيخ د. سعود الخلف سنة ١٤١٠ هـ - دار العاصمة.
(٢) ذكره ابنه محمد في طبقاته (٢/ ٢١٢) وقال: وهذا الكتاب عدة أوراق.
(٣) ذكره ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" (٩/ ٣٩) فقال: ثم إن القاضي أبا يعلى في كتابه المعروف "بعيون المسائل" الذي صنفه في الخلاف مع المعتزلة والأشعرية. . . وذكره محمد أبو فارس ضمن مؤلفاته الفقهية (ص ١٥٨).
(٤) ذكره ابنه في طبقاته (٢/ ٢١٠)، وفي هدية العارفين (٢/ ٧٢): له كتاب الصفات. والظاهر أنه هو.
стр. 13
١٥ - المعتمد (١).
١٦ - مختصر المعتمد في أصول الدين (٢).
١٧ - تبرئة معاوية.
١٨ - إيضاح البيان في مسألة القرآن (٣).
ثانيًا: مؤلفاته في القرآن وعلومه:
١ - أحكام القرآن.
٢ - نقل القرآن.
وتجد كثيرًا من تفسير أبي يعلى للآيات، في كتاب زاد المسير لابن الجوزي (٤).
ثالثًا: مؤلفاته في أصول الفقه:
١ - العدة في أصول الفقه (٥).
٢ - مختصر العدة.
٣ - الكفاية في أصول الفقه (٦).
٤ - مختصر الكفاية.
٥ - مقدمة المجرد في الأصول.
_________
(١) وهو في أصول الدين كما يتبين من بعض النقول عنه في "درء تعارض العقل" (٢/ ٣١٠) (٨/ ١٥، ٣٤٩ - ٣٥١) (٩/ ٣٦، ٦٤، ١٧٢).
(٢) يوجد مخطوطًا بالظاهرية برقم (٤٥) توحيد، ويقع في (١١٥) ورقة من القطع الصغير.
(٣) انظر "درء تعارض العقل والنقل" (٢/ ٧٤).
(٤) انظر نبذ من تفسيره في كتاب "القاضي أبو يعلى وكتابه الأحكام السلطانية" لمحمد عبد القادر أبو فارس (ص ١١٠ - ١٢٩).
(٥) طبع في ثلاثة أجزاء بتحقيق أحمد علي المباركي.
(٦) يوجد المجلد الرابع من هذا الكتاب في دار الكتب المصرية برقم (٣٦٥) أصول فقه، وعنها صورة بمعهد المخطوطات برقم (٩٠) أصول الفقه.
стр. 14
رابعًا: مؤلفاته في الفقه:
١ - مختصر في الصيام.
٢ - إيجاب الصيام ليلة الإغمام.
٣ - كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١).
٤ - شروط أهل الذمة.
٥ - الأحكام السلطانية (٢).
٦ - تكذيب الخيابرة فيما يدعونه من إسقاط الجزية.
٧ - إبطال الحيل.
٨ - المجرد في المذهب.
٩ - شرح مختصر الخرقي (٣).
١٠ - كتاب الروايتين والوجهين (٤).
١١ - قطعة من الجامع الكبير، فيها الطهارة وبعض الصلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق.
_________
(١) توجد منه نسخة ناقصة من أولها في المكتبة الظاهرية مجموع ٤٢، (ق ٩٧ - ١٢٥). انظر المنتخب من مخطوطات الحديث للألباني (ص ٢١٨).
(٢) طبع سنة ١٣٥٦ هـ بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ ثم في سنة ١٣٨٦ هـ بمطبعة البابي الحلبي بمصر (انظر كتاب محمد أبو فارس ص ٣٣٧).
(٣) موجود في الظاهرية (فقه حنبلي ٥٤، ج ٣ (٢٠٨ ق)) وفي الأزهر (فقه حنبلي ٦٣، ج ٤ (١٢٩ ق))، انظر تاريخ التراث لسزكين (١/ ٣/ ٢٣٦) وكتاب الشيخ محمد أبو فارس (ص ٢١٣ - ٢٢٠).
(٤) وهو كتاب جمع فيه الروايات المختلفة عن الإمام أحمد في مسائل الفقه وأصول الفقه والعقيدة، وقد حقق جزء الفقه وهو الجزء الأكبر من الكتاب الشيخ عبد الكريم اللاحم في ثلاثة مجلدات ط مكتبة المعارف - الرياض، ثم حقق "أصول الفقه" منه وطبع في المكتبة نفسها.
стр. 15
١٢ - الجامع الصغير.
١٣ - شرح المذهب.
١٤ - الخلاف الكبير، ويسمى "التعليق الكبير" (١).
ومما يدل على أهمية هذه المصنفات اعتناء العلماء بها، وتدارسها، وكثرة النقول عنها، تجد ذلك جليًّا في كتب مذهب الإمام أحمد كـ "الأنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للشيخ علاء الدين المرداوي، و"مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى" للشيخ مصطفى السيوطي، و"المغني" لابن قدامة، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرها.
خامسًا: مؤلفاته في الحديث:
١ - الأمالي (٢).
٢ - الفوائد الصحاح العوالي والأفراد والحكايات (٣).
سادسًا: أجوبته ورسائله:
١ - الرسالة إلى إمام الوقت.
_________
(١) وهو كتاب ضخم يقع في أحد عشر مجلدًا، يبحث في المسائل الخلافية بين الأئمة، ويدل على أهمية هذا الكتاب حرص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فقد جاء في رسالة أرسلها إلى أهله في الشام وهو في مصر: "وترسلون أيضًا من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلدًا، وإلا فمن أوله مجلدًا أو مجلدين أو ثلاثة"، العقود الدرية (ص ٢٨٥).
ويوجد من هذا الكتاب المجلد الرابع في دار الكتب المصرية رقم (١٤٠) فقه حنبلي وصورة عنها بمعهد المخطوطات رقم (١٨) اختلاف الفقهاء (القاضي أبي يعلى لمحمد أبي فارس ص ١٩٩ - ٢٠٦).
(٢) توجد ستة مجالس منها في المكتبة الظاهرية، انظر المنتخب من مخطوطات الحديث (ص ٢١٨)، المجلس الثاني منه صوره بجامعة الكويت (٧١٠ م. ك مجموع ٤).
(٣) يوجد في المكتبة الظاهرية الجزء الخامس منها، مجموع ١١٦ (ق ٣٥ - ٥١)، انظر المنتخب من مخطوطات الحديث (ص ٢١٨)، ومنها صورة بمكتبة جامعة الكويت (٣٤٠١ م. ك مجموع ٣).
стр. 16
٢ - جوابات مسائل وردت من الحرم.
٣ - جوابات مسائل وردت من تنيس.
٤ - جوابات مسائل وردت مَيَّافارقين.
٥ - جوابات مسائل وردت من أصفهان.
سابعًا: مؤلفاته في الآداب والأخلاق والفضائل وغيرها (١):
١ - المقتبس.
٢ - مختصر المقتبس.
٣ - الانتصار لشيخنا أبي بكر.
٤ - الكلام في حروف المعجم.
٥ - فضائل أحمد.
٦ - مقدمة في الأدب.
٧ - كتاب الطب.
٨ - كتاب اللباس.
٩ - التوكل.
١٠ - ذم الغناء.
١١ - الاختلاف في الذبيح.
١٢ - تفضيل الفقر على الغنى.
١٣ - فضل ليلة الجمعة على ليلة القدر.
١٤ - الفرق بين الآل والأهل.
_________
(١) وذكرت تحته ما لا يعلم موضوعه، إذ وصل إلينا اسمه فقط.
стр. 17
١٥ - الخصال والأقسام (١).
١٦ - الرد على ابن اللبان (٢).
عقيدته:
ألف القاضي ﵀ كتبًا كثيرة في المعتقد، كما سبق أن أشرنا إليه في مصنفاته في العقيدة، ولكن غالبية هذه الكتب في حيز المفقود، لم يصل إلينا منها سوى شيء يسير، وهي: كتابنا هذا "إبطال التأويلات"، وكتابه "الإيمان" و"مختصر المعتمد في أصول الدين" والجزء العقدي الذي في كتابه "الروايتين والوجهين" (٣). وهي كافية في معرفة اعتقاد القاضي أبي يعلى ﵀، خصوصًا إذا ما أضفنا إليها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه النفيس "درء تعارض العقل والنقل" عن القاضي وعقيدته، في مواضع كثيرة من كتابه.
وقد بيَّن ابنه في طبقاته (٢/ ٢٠٧ - ٢١٢) معتقد أبيه، ننقله مختصرًا حتى لا نطيل على القارئ، فقد قال: فلنذكر الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد ومن قبله من السلف الحميد في أخبار الصفات.
فاعلم -زادنا الله وإياك علمًا ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات
_________
(١) ذكره محمد أبو فارس ضمن مصنفاته الفقهية (ص ١٥٨).
وفيه يقول بعضهم:
قد نظرنا مصنفات الأنام … وسبرنا شريعة الإسلام
ما رأينا مصنفًا جمع العلم … مع الاختصار والإفهام
مثل ما صنف الإمام أبو … يعلى كتاب الخصال والأقسام
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البكري التيمي الأصبهاني المعروف بابن اللبان، فقيه شافعي، صحب ابن الباقلاني ودرس عليه أصول الدين، توفي سنة ٤٤٦ هـ (العبر (٣/ ٢١١)، تبيين كذب المفتري (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٣) ولم يتيسر لي الحصول على الكتابين الأخيرين منهما.
стр. 18
الصريحة، والأحاديث الصحيحة على آراء المتكلمين، وأهواء المتكلفين:
أن الذي درج عليه صالحوا السلف، وانتهجه بعدهم خيار الخلف هو: التمسك بكتاب الله ، واتباع نبيه ﷺ ، ثم ما روى عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين.
والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث والتنقير، والتسليم لذلك، من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. وهي الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر -والوالد السعيد تابعهم- هم خلفاء الرسول، وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته.
بهم يلحق التالي، وإليهم يرجع الغالين وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهةٌ جهال، ونسبوهم إلى الحشو والطغام، وأساءوا فيهم الكلام.
فاعتقد الوالد السعيد وسلفه -قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة تعود علينا- في جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ أن جميع ذلك صفات الله تُمَرُّ كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن.
اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، لها حقيقة في علمه، لم يُطلع الباري سبحانه على كُنْه معرفتها أحدًا من إنس ولا جان.
واعتقدوا: أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذي حذوه ومثاله، وكما جاء.
стр. 19
وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، هكذا اعتقد الوالد السعيد وكمن قبله ممن سلفه من الأئمة: أن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية.
والأصل الذي اعتمدوه في هذا الباب: اتباع قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١٠، ١١١].
فاعتقدوا: أن الباري فرد الذات، متعدد الصفات. لا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا نظير ولا ثاني. وسمعوا قوله ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، تسليمًا للقدرة، وتصديقًا للرسل، وإيمانًا بالغيب.
واعتقدوا: أن صفات الباري سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن البارئ سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو.
واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين، وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها، كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه، كما حملته المشبهة، الذين أثبتوا الكيفية، ولا تأولوها على اللغات والمجازات، كما تأولتها الأشعرية.
стр. 20
فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين. مذهبهم: حقٌّ بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والأدوات، إذْ لا مثل للخالق سبحانه مشبه، ولا نظير له فيجنس منه. فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وفي رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا علم الصلاة والزكاة والحج وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله. ولو تطرق إليهم -والعياذ بالله- التخرص بشيء منها، لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقوله، وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا اهـ.
وقد بيَّن القاضي أبو يعلى نفسه معتقده في الصفات، فقال في كتابه "أخبار الصفات" -كما نقله عنه ابنه في الطبقات (٢/ ٢١٠) -:
وقد قال الوالد السعيد ﵁ في أخبار الصفات:
المذهب في ذلك: قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه، وكل ما يقع في الخواطر من حد أو تشبيه، أو تكييف: فالله عن ذلك. والله ليس كمثله شيء، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حَدَثهم، ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال، ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنه لم يزل، ولا يزال وأنه الذي لا يتصور في الأوهام، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين (ليس كمثله
стр. 21
شيء. وهو السميع البصير).
وأما كتابه -قدس الله روحه- في إبطال التأويلات لأخبار الصفات: فمبني على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات: لا يقتضي تشبيه الباري سبحانه بالمخلوقات. اهـ
قلت: وأما قوله "إن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها. . ." أما المعاني فمعلومة وليس من مذهب أهل السنة تفويضها، وسيأتي الرد عليه.
وأما قوله: ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، فكلام لم يأت ذكره في الكتاب والسنة المنقولة عن النبي ﷺ ، إنما هو من إحداث أهل الكلام، الذين أكثروا من نفي صفات لم تذكر لا في الكتاب ولا في السنة، مثل قولهم: إنه ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، وليس داخل العالم ولا خارجه، وليس عرض، ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجسَّه، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة؟!
أما إذا أثبتوا أثبتوا إجمالًا.
قال شارح الطحاوية بعد ذكره نحو ما سبق: وفي هذه الجملة حقٌّ وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة، وهذا النفي المجرَّد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك-! لأدَّبك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا، وإنما تكون
стр. 22
مادحًا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب.
والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهل السنة والجماعة، والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده، وأما أهل الحق والسنة والإيمان، فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده.
والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضًا جمليًّا، أو يبينوا حاله تفصيلًا، ويُحكم عليه بالكتاب والسنة اهـ (١).
فالحاصل أن هؤلاء النفاة سلكوا طريقًا غير شرعي، فوقعوا فيما وقعوا فيه، وأكثر نفيهم المذكور ليس متلقي عن الكتاب والسنة بل هو من وضع أهل الكلام.
وقد ظن بعض أهل السنة، صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، فشاركوهم فيها، وذكروها في كتبهم، مع تعظيمهم لمذهب السلف.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس في هذا فهو يقول:
فإن قيل: قلتَ إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلَّغوه عن الرسول، ففي النفاة كثيرٌ ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على
_________
(١) شرح ابن أبي العز علي الطحاوية (ص ١٠٩ - ١١٠)، وانظر "درء تعارض العقل والنقل" (١/ ص ١٠٥) وما قبلها.
стр. 23
الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلِّدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنّوه موافقًا لهم، وإما أن يعرضوا عنه مفوِّضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البُستي، وأبي سَعْد السمَّان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي بن المفضِّل المقدسي، وأمثالهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولها الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم.
ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار، وعظَّموا مذهب السلف، شاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها. وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فُورَك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
стр. 24
وتارة يفوِّضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلي وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجّحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.
وهؤلاء قد يُدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذبٌ موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة؟! ولم يكن لهم من الخبرة المفصَّلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة الحديث، فذهب مذهبًا مركَّبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.
وهذه طريقة الأشعري وأئمة اتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني وأمثالهما. ولهذا تجد أفضل هؤلاء، كالأشعري، يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازمًا، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها، عالم بتفصيلها.
стр. 25
وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقوالهم. وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظنٍّ بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم، كمالك، وعبد العزيز الماجشون، وحماد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون الواسطي، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلَّام ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجَّاج النيسابوري، والدارمِيَّيْن: أبي محمد عبد الله ابن عبد الرحمن، وعثمان بن سعيد، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وأبي داود السجستاني، وأبي بكر الأثرم، وحرب الكرماني، ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل.
فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك اهـ (١).
_________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٢ - ٣٧).
стр. 26
فالحاصل من كلام شيخ الإسلام:
أنه مما يؤخذ على القاضي أنه يظن في بعض الأحيان صحة بعض الأصول العقلية لنفاة الصفات، ويقول في بعض نصوص الصفات: إنها تُجري على ظاهرها، وتُحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله أي يفوض علم معناها إلى الله، فيتناقض حيث يثبت لها تأويلا يخالف ظاهرها، ويقول -مع هذا- أنها تحمل على ظاهرها. وتفويض علم المعنى ليس هو طريقة السلف، وإنما طريقتهم تفويض الكيفية فقط. وهذا ما أنكره ابن عقيل على القاضي في كتابه هذا (١).
خلاصة القول:
أن الرجل شيخ من شيوخ الحنابلة، المتبعين لإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀ تعالى، وهو (أي القاضي) من أهل الإثبات للصفات، والتسليم للنصوص من غير تعطيل ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تأويل، بل كتابه هذا مؤلف للرد على نفاة الصفات والمأولين لها، المحرفين لمعانيها، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن تابعهم.
أما القليل الذي وافق فيه المتكلمين -من نفي أو إثبات أو تفويض- مما يخالف كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، أو نهج أصحابه ومن تابعهم بإحسان، فنحن لا نقرُّه عليه، بل نردُّه ولا نقبله، والاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يوافق الدليل، والله تعالى أعلم.
وفاته:
توفي ليلة الاثنين بين العشائين، تاسعة عشر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور.
_________
(١) انظر المصدر السابق (١/ ١٦ وما قبلها).
стр. 27
قال ابنه في الطبقات (٢/ ٢١٦): وقيل أنه لم يُر في جنازة -بعد جنازة أبي الحسن القزويني الزاهد- الجمع الذي حضر جنازته، فلما أصحر المشيعون لجنازته إلى حفرته بمقبرة إمامنا أحمد لحقهم الحر الشديد، فأفطر جماعة لم يسمحوا بالرجوع، وكان قد حضره عالم كثير جدًّا يفوت الإحصاء.
ما رؤي له من المرائي:
يقول ابنه أبو الحسين في طبقاته (٢/ ٢٢٠): وسمعت محمد بن مواهب يقول: سمعت أبا الحسن بن جدًا يقول: كنت نائمًا في داري ليلة مات القاضي أبو يعلى، فهتف لي هاتف وقال:
ما العيش بعدك مستطاب … هيهات أن يغشى لمثلك باب
فانتبهت، فلما أسفر الفجر، سمعت مناديًا ينادي: من أراد الصلاة على القاضي الإمام أبي يعلى، فعلمت أن الهاتف وبيت الشعر لأجله.
فرحم الله القاضي أبي يعلى رحمة واسعة، وغفر له ذنبه، آمين.
مصادر ترجمته:
١ - تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦).
٢ - طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠).
٣ - الأنساب (٩/ ٢٤٦).
٤ - مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (٥٢٠ - ٥٢١).
٥ - المنتظم له أيضًا (٨/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
٦ - الكامل لابن الأثير (١٠/ ٥٢).
٧ - اللباب له أيضًا (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
٨ - العبر للذهبي (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
стр. 28
٩ - سير أعلام النبلاء له أيضًا (١٨/ ٨٩ - ٩١).
١٠ - الوافي بالوفيات (٣/ ٧ - ٨).
١١ - البداية والنهاية (١٢/ ٩٤ - ٩٥).
١٢ - شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
١٣ - كشف الظنون (١/ ٣) (٢/ ١٧٣٢).
١٤ - هدية العارفين (١/ ٣) (٢/ ١٧٣٢).
١٥ - القاضي أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية - تأليف الشيخ محمد عبد القادر أبو فارس - ط الثانية ١٤٠٣ هـ - مؤسسة الرسالة.
١٦ - مقدمة أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية - تأليف الشيخ محمد عبد القادر أبو فارس - ط الثانية ١٤٠٣ هـ - مؤسسة الرسالة.
* * *
стр. 29
التعريف بكتاب "إبطال التأويلات "
اسم الكتاب: اسمه كما هو مثبت على الورقة الأولى "إبطال التأويلات لأخبار الصفات"، وكذا سماه ابنه في طبقاته. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض" (٥/ ٢٣٧) (٦/ ٢٠٧) باسم: "إبطال التأويل" وذكره في (١/ ١٦) باسم "ذم التأويل"، وذكره الذهبي في السير (١٨/ ٩) باسم: "إبطال تأويل الصفات" ولعل ذلك وقع منهما على جهة الاختصار.
نسبة الكتاب للمؤلف:
أولًا: الكتاب منسوب للمؤلف في الورقة الأولى من الكتاب، فقد كتب ناسخه:
الحمد لله وحده، وجد على ظهر أول ورقة من نسخة كتاب إبطال التأويلات التي نسخنا منها هذه النسخة، بخط القاضي أبي الحسين بن القاضي أبي يعلى مؤلف الكتاب ما لفظه: قرأ عليَّ صاحبه الفقيه إسماعيل بن الحسن.
وكتب ناسخه أيضًا: ووجد أيضًا هذا الكتاب مؤلفه القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، القاضي أبو يعلى الفراء البغدادي شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ولد سنة ٣٨٠، أخذ عنه أبو الوفاء علي ابن عقيل توفي في رمضان سنة ٤٥٨ هـ.
وكتب أيضًا: دخل في ملك الفقير إلى الله تعالى محمد بن أمين الحسني الشنقيطي سنة ١٣٣٧ هـ.
ثانيًا: ذكر العلماء له في ضمن مصنفات أبي يعلى، كما تقدم.
نسخة الكتاب: نسخة جيدة بقلم نسخي، وهي من مخطوطات مكتبة عباس العزاوي - العراق، وجاء وصفها في مجلة "المورد" المجلد السابع عشر - العدد الثاني (١٤٠٨ هـ) (ص ١٨٢): "نسخة جيدة كتبها بقلم النسخ
стр. 30
سنة ١٣٣٧ هـ - ١٩١٨ م صالح بن دخيل الله بن جار الله على نسخة كتبت سنة ٦٥٧ هـ - ١٢٥٨ م وعليها قراءة منقولة لأبي الثناء محمد بن سليمان العرباني ومحمد بن علي التميمي على المؤلف، في أولها فهرس لمواضيع الكتاب ومقابلة على الأصل المنقولة عنه وتملك مؤرخ سنة ١٣٣٧ هـ - ١٩١٨ م باسم محمد بن أمين الحسيني الشنقيطي - القياس: ٣٩٤ ص - ٢٢ × ١٦ سم - ١٧ س".
وقد أهداها لي أحد الإخوة في الله تعالى وكانت ناقصة الآخر، ثم لما سافرت إلى المدينة النبوية في عام ١٤٠٩ هـ والتقيت بشيخنا ووالدنا الشيخ حماد الأنصاري ﵀، أخبرته بأمر الكتاب وإني أعمل في تحقيقه، فقال: إن الكتاب عنده كامل وأذن لي بتصويره، فجزاه الله عنا خيرًا.
مادة الكتاب: الكتاب ألفه القاضي ﵀ لبيان وشرح أحاديث الصفات، التي يظن بعض المبتدعة أن إثبات هذه الأحاديث ينافي التنزيه، ويوقع في التشبيه. وللرد خصوصًا على ابن فورك في كتابه "مشكل الحديث وبيانه".
وقد ذكر المصنف الدافع له على تأليف هذا الكتاب وخطته فيه فقال: أما بعد، فإنني وقفت على حاجتكم إلى شرح كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ في الصفات، وصح سنده من غير مطعن فيه، ما يوهم ظواهرها التشبيه، وأذكر الإسناد في بعضها، واعتمد على المتن فيما اشتهر منها طلبًا للاختصار.
وسئلتم أن أتأمل مصنف محمد بن الحسن بن فورك الذي سماه "تأويل الأخبار" جمع فيه هذه الأخبار وتأولها، فتأملنا ذلك وبينا ما ذهب فيه عن الصواب في تأويله، وأوهم خلاف الحق في تخريجه، ولولا ما أخذ الله على
стр. 31
العلماء من الميثاق على ترك كتمان العلم، لقد كان التشاغل بغير ذلك أولى. اهـ
إلا أنه يعاب على المصنف إيراده للأحاديث الواهية بل الموضوعة في كتابه هذا -مع أنه ذكرها بالإسناد-، والإطناب في شرحها وبيان غريبها.
وقد أشار إلى هذا -أي وجود بعض الأحاديث الموضوعة- شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٩) فقال: وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في "إبطال التأويل" ردًّا لكتاب ابن فُورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها، ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عيانًا ليلة المعراج ونحوه، وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، كحديث قعود الرسول ﷺ على العرش، رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة، وهي كلها موضوعة، وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول.
ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي (١) وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ، وشنَّع عليه أعداؤه بأشياء هو منها برئ، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.
وما نقله عنه أبو بكر بن العربي في العواصم كذبٌ عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه (٢)، مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه
_________
(١) هو أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز التميمي، المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، أشهر التميميين من أصحاب أحمد (طبقات الحنابلة) (٢٥٠٢ - ٢٥١) الذيل لابن رجب (١/ ٧٧ - ٨٥).
(٢) يقول أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم (٢/ ٢٨٣): وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء، رئيس الحنابلة ببغداد كان يقول، إذا ذكر الله تعالى وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، يقول: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة!! وانظر (٢/ ٣٠٦).
стр. 32
ما هو كذب عليه، ففي كلامه ما هو مردود نقلًا وتوجيها (١)، وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي، وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه، يقول الجمهور: إنه جمع بين النقيضين.
ويقال إن أبا جعفر السمناني (٢)، شيخ أبي الوليد الباجي قاضي الموصل، كان يقول عليه ما لم يقله، ويقال عن السمناني إنه كان مُسمَّحا في حكمه وقوله. اهـ
وقال الحافظ الذهبي في السير (١٨/ ٩١): ولم تكن له يدٌ طُولى في معرفة الحديث، فربما احتجَّ بالواهي. اهـ.
وكان قد تعرض لفتنة بعد تأليفه لهذا الكتاب، يقول الذهبي في السير (١٨/ ٩٠): وجمع كتاب "إبطال تأويل الصفات" فقاموا عليه لما فيه من الواهي والموضوع، فخرج إلى العلماء من القادر بالله المعتقد الذي جمعه، وحُمل إلى القادر كتاب "إبطال التأويل" فأعجبه، وجرت أمورٌ وفتن -نسأل الله العافية- ثم أصلح بين الفريقين الوزير: علي بن المسلمة، وقال في الملأ: القرآن كلام الله، وأخبار الصفات تُمَرُّ كما جاءت. اهـ
* * *
_________
(١) قلت: ومَن من الأئمة من لا يوجد في كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيهًا؟!
(٢) هو محمد بن أحمد بن محمد السمناني، أبو جعفر قاضي حنفي ولد سنة ٣٦١ هـ، ولي القضاء بالموصل إلى أن توفي بها سنة ٤٤٤ هـ، وكان مقدم الأشعرية في وقته، وشنع عليه ابن حزم، له تصانيف في الفقه (انظر تبيين كذب المفتري (ص ٢٥٩)).
стр. 33
عملي في الكتاب
١ - تحقيق نص الكتاب، وإضافة القواعد الإملائية الحديثة، من وضع الفواصل والنقط وعلامات الاستفهام، وابتداء أوائل الفقرات والجمل من أول السطر وترقيمها، كما وضعت بعض العناوين زيادة في توضيح الكتاب وجعلتها بين معقوفين [].
وقد أبقيتُ أكثر أسماء الرواة على كِتْبتها الإملائية القديمة، ليتم ربط القارئ المسلم بماضيه، فلا يصاب بانفصام عنه، كسفيان وسليمان وإسحاق والحارث، فإنها كانت تكتب سفين وسليمن وإسحق والحرث.
٢ - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم.
٣ - خرجت الأحاديث النبوية والآثار من مظانها، مع الحكم عليها صحة وضعفًا حسب قواعد أهل الحديث، وذكر المتابعات والشواهد للحديث إذا كان ضعيفًا، والتزمت الصلاة والسلام على نبينا ﷺ كلما ذكر، فإن المصنف يكتب الصلاة دون السلام اختصارًا، وأحيانًا يذكره ولا يكتب شيئًا.
٤ - ترجمت للمؤلف فذكرت حياته وشيوخه ومؤلفاته وعقيدته ووفاته ﵀.
٥ - ترجمت أغلب الأعلام الذين مَرُّوا في الكتاب باختصار.
٦ - تعقبت المصنف في أكثر المسائل التي رأيت أنه خالف فيها الصواب -ولا أقول كلها منعًا للتطويل- وذكرت القول الصواب، مدعمًا بالأدلة وبأقوال أئمة السلف في المسألة.
٧ - شرحت بعض الكلمات الغريبة التي مرت في النص.
стр. 34
٨ - سوف أضع في نهاية الكتاب -إن شاء الله- ثلاثة فهارس لتيسير الاستفادة من الكتاب:
١ - فهرست للأحاديث النبوية.
٢ - فهرست للآثار.
٣ - فهرست للأعلام.
وختامًا أقول: إنني لا أدعي العصمة من الخطأ في عملي هذا، ولا أقول إنني قد وفيت الكتاب حقه كله، وإنما هو جهد حسب الطاقة، مع ضيق الوقت، وكثرة الشواغل والصوارف، والله الموفق وحده للصواب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام أجمعين والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أبو عبد الله محمد بن حمد الحمود النَّجدي في ضحى الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة سبع وأربع مئة وألف للهجرة النبوية (١).
_________
(١) وقد تم الانتهاء من تحقيق الكتاب -بعد تأخره- هذه السنة ١٤٣٤ هـ، وطبع الكتاب كاملا بدار غراس العامرة بالكويت، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 35
صورة عنوان الكتاب
стр. 36
صورة الورقة الأولى من المخطوط وفيها بداية الفهرست
стр. 37
صورة الورقة الأولى من الكتاب
стр. 38
صورة الورقة الأخيرة من الكتاب
стр. 39
إبْطَالُ التَّأْوِيلَاتِ لِأَخْبَارِ الصِّفَاتِ
تَصْنِيفُ القَاضِي الإمَامِ الأَوْحَد أبي يَعْلَى مُحَمَّد بْن الحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الفَرَّاء
نَوَّرَ اللهُ وَجْهَهُ آمِين
المُتَوَفَّى سَنَة ٤٥٨ هـ
تَحْقِيقُ وَدِرَاسَة أبي عَبْد الله مُحَمَّد بْن حَمَد الحَمُود النَّجْدِيّ
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المحمود على السَّرَّاء والضَّرَّاء، المتفرد بالعزِّ والعظمة والكبرياء، العالم قبل وجود المعلومات، والباقي بعد فناء الموجودات، المبتدئ بالنِّعم قبل استحقاقها، المتكفل للبرية بأرزاقها، أحمده حمدًا يرضيه، وأستعينه على حبس خواطر النفس عن هواها، ومنع بواردها من السطوة على مرادها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فصلى الله عليه وعلى أصحابه وعلى أزواجه وسلم (١).
أما بعد: فإنني وقفت على حاجتكم إلى شرح كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ في الصفات، وصح سنده من غير طعن فيه ما يوهم ظواهرها التشبيه، وأذكر الإسناد في بعضها واعتمد على المتن فيما اشتهر منها طلبًا للاختصار. وسئلتم أن أتأمل مصنف محمد بن الحسن ابن فورك (٢) الذي سماه كتاب "تأويل الأخبار" جمع فيه هذه الأخبار