إبْطَالُ التَّأْوِيلَاتِ لِأَخْبَارِ الصِّفَاتِ
تَصْنِيفُ القَاضِي الإمَامِ الأَوْحَد أبي يَعْلَى مُحَمَّد بْن الحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الفَرَّاء
نَوَّرَ اللهُ وَجْهَهُ آمِين
المُتَوَفَّى سَنَة ٤٥٨ هـ
تَحْقِيقُ وَدِرَاسَة أبي عَبْد الله مُحَمَّد بْن حَمَد الحَمُود النَّجْدِيّ
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المحمود على السَّرَّاء والضَّرَّاء، المتفرد بالعزِّ والعظمة والكبرياء، العالم قبل وجود المعلومات، والباقي بعد فناء الموجودات، المبتدئ بالنِّعم قبل استحقاقها، المتكفل للبرية بأرزاقها، أحمده حمدًا يرضيه، وأستعينه على حبس خواطر النفس عن هواها، ومنع بواردها من السطوة على مرادها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فصلى الله عليه وعلى أصحابه وعلى أزواجه وسلم (١).
أما بعد: فإنني وقفت على حاجتكم إلى شرح كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ في الصفات، وصح سنده من غير طعن فيه ما يوهم ظواهرها التشبيه، وأذكر الإسناد في بعضها واعتمد على المتن فيما اشتهر منها طلبًا للاختصار. وسئلتم أن أتأمل مصنف محمد بن الحسن ابن فورك (٢) الذي سماه كتاب "تأويل الأخبار" جمع فيه هذه الأخبار
стр. 41
وتأولها، فتأملنا ذلك وبينّا ما ذهب فيه عن الصواب في تأويله، وأوهم خلاف الحق في تخريجه، ولولا ما أخذ الله على العلماء من الميثاق على ترك كتمان العلم، لقد كان التشاغل بغير ذلك أولى.
١ - للحديث الذي رواه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا (١) بإسناده فيما وقع إلى في جوابات مسائل: عن أبي هريرة أن قومًا سألوا النبي ﷺ عن شيءٍ من أمر الرب ﵎ فلعنهم (٢).
стр. 42
٢ - وبإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا تقوم الساعة حتى يكفر بالله جهرة (١) وذلك عند كلامهم في ربهم. وفي ترك التشاغل بذلك كتمان للعلم لا ينافي. . . (٢) بين نافي لجميع الصفات وهم القدرية وبين مُثبتٍ لبعضها ونافٍ لبعضها، ونهى النبي ﷺ عن الكلام في ذلك محمولٌ على من تكلم بما يُنافي ما ورد به القرآن، وجاءت به الأخبار، كالنصارى الذين وصفوه سبحانه بالجوهر، والمجسمة الذين وصفوه بالجسم، والمُشَبِّهة الذين شبهوا صفاته بصفاته خلقه.
٣ - وقد أنكر أحمد التشبيه، فقال في رواية حنبل: المشبهة تقول: بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقَدَمٌ كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبَّه الله بخلقه.
стр. 43
٤ - وقال في رواية يوسف بن موسى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ولا يجوز أن يحمل حديث أبي هريرة على ذم مُثبتي الصفات؛ لأنَّ الله سبحانه قد وصَفَ نفسه في كتابه في غير موضع، ووصفه رسوله بالأحاديث الصحاح، وأثبت ذلك سلف هذه الأمة، على ما نبيِّنه، فلم يبق إلا أن يُحمل على ما ذكرنا ممن تكلم فيه بما لم يرد به الشرع. واعلم أنه لا يجوز ردُّ هذه الأخبار، على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى، لا تُشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث، أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين.
٥ - فقال أحمد في رسالة عبدوس بن مالك العطار (١): يجب الإيمان بالقدر،
стр. 44
والأحاديث فيه، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نَبَتْ عن الأسماع واستوحش منها المستمع.
٦ - وقال في رواية حنبل (١): ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعات شنعت.
٧ - وقال في رواية المروذي (٢): أحاديث الصفات تمر كما جاءت.
٨ - وقال في رواية أبي طالب (٣) "قلب العبد بين أصبعين"، "وخلق آدم بيده"،
стр. 45
وكلما جاء الحديث مثل هذا قلنا به.
٩ - وقال في رواية حنبل في الأحاديث التي تروي "إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا" والله يُرى "وأنه يضع قدمه" وما أشبه بذلك نُؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى! ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما قاله الرسول ﷺ حقٌّ إذا كانت بأسانيد صحاح.
١٠ - وقال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول. وقال: المشبهة تقول بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبَّه الله بخلقه.
فقد نصَّ أحمد على القول بظاهر الأخبار من غير تشبيهٍ ولا تأويل.
١١ - وذكر عبد الرحمن بن منده في كتاب الإسلام (١) فقال أنا يوسف بن محمد السلمي بأصبهان أنا علي بن محمد بن إبراهيم الدمشقي نا عبد الله بن محمد بن جعفر النهاوندي نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله نا أحمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: وقد رأيت لأهل
стр. 46
الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم، والوقيعة فيهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهال، أما الجهمية فإنهم يُسَمُّون أهل السنة المشبهة، وكَذَبَ الجهمية أعداء الله، بل هم أولى بالتشبيه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أَنْ هدانا الله، لقد جاءت رسلُ ربنا بالحق.
١٢ - قال: وأنا سفيان بن محمد بن الحسين نا عمر بن أحمد بن عثمان نا أحمد ابن محمد بن إسماعيل الأدمي نا الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله أحمد ابن حنبل يقول: امتحن إسحق بن إبراهيم القوم مرة مرة، وامتحنني مرتين مرتين فقال لي: ما تقول في القرآن؟ قلت: كلام الله غير مخلوق، فأقامني فأجلسني في ناحية، ثم سألني ثم ردَّني ثانية فسألني، فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوق، فأخذني في التشبيه فقلت: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال: السميع البصير (١).
١٣ - وذكر الدارقطني في أخبار الصفات بإسناده: عن يحيى بن معين قال شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعًا فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا، فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرًا يُحدثون هذه الأحاديث
стр. 47
ولا يفسرون شيئًا (١).
١٤ - وبإسناده عن أحمد بن نصر قال: سألت سفيان بن عيينة عن حديث عبد الله عن النبي ﷺ "إنَّ الله يضع السماوات على إصبع"، وحديث "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، وحديث "إن الله يعجب ويضحك" فقال سفيان: هي كما جاءت، نُقرُّ بها، ونحدث بلا كيف (٢).
١٥ - وذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة بإسناده عن الأوزاعي قال سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمرها على ما جاءت (٣).
стр. 48
١٦ - وقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي ومالكًا وسفيان وليثًا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا (١): أمروها بلا كيف (٢).
١٧ - وذكر أبو محمد الحسن بن محمد الخلال (٣). فيما خرَّجه من أخبار الصفات قال ذكر علي بن عمر الحافظ يعني الدارقطني ورأيته في كتاب الصفات قال نا محمد بن مخلد قال نا العباس بن محمد الدوري قال سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر [الباب] (٤) الذي يروي في الرؤية والكرسي وموضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا ويضع الرب قدمه فيها، وأشباه هذا، فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حقٌّ لا شك فيه، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه، وكيف ضحك؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسرها (٥).
стр. 49
١٨ - وقال زكريا بن عدي لوكيع: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا، فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرًا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون (١).
١٩ - وذكر أبو جعفر محمد بن جرير بن الطبري (٢) في كتاب "التبصير في معالم الدين" بعد أوراق من أوله القول فيما أدرك عمله من صفحات الصانع خبرًا لا إستدلالًا، وذكر كلامًا إلى أن قال: وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
وأن له يمينًا بقوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وأن له وجهًا بقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ "حتى يَضَع الربُّ فيها قَدمَه، يعني جهنم" وأنه يضحك
стр. 50
إلى عبده المؤمن بقول النبي ﷺ للذي قتل في سبيل الله "إنه لقي الله وهو يضحك إليه" وأنه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله بذلك. وأنه ليس بأعور بقول النبي ﷺ للذي قتل في سبيل الله "إنه لقي الله وهو يضحك إليه" وأنه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله بذلك. وأنه ليس بأعور بقول النبي ﷺ : إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر" بقول النبي ﷺ ذلك. وأن له إصبعًا بقول النبي ﷺ : "ما من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أَصابعِ الرحمن" بأن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله تعالى نفسه أو وصفه بها رسوله، مما لا يُدرك حقيقة علمه بالفكر والرويَّة، لا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه.
ثم ذكر بعد ذلك بأوراق (١): فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق، كيف كُتب، وكيف تثلي، وفي أي موضع قُرئ، في السماء وُجد أم في الأرض حُفِظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نُقش أو في ورق خُط أو باللسان لفظ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو فى السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا، أو نكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه وقاله بلسانه، فهو بالله كافر،
стр. 51
حلالُ الدم وبرئ من الله، والله منه برئ.
ثم قال بعد ذلك: فمن ردَّ علينا أو حكى عنَّا أو تقوّل علينا وادَّعى أنَّا قلنا غير ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، ولا قبل الله له صرفًا ولا عدلًا، وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
فهذا كلام ابن جرير وهو ممن يُشار إليه، ويُعول عليه.
٢٠ - وذكر إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي (١) في كتاب العظمة بإسناده عن أبي عمر والبصري واسمه سهل بن هرون قال: كان أول من خَرَّج هذه الأحاديث أحاديث الرؤية وجمعها من البصريين: حماد بن سلمة، فقال له بعض إخوانه: يا أبا سلمة، لقد سبقت إخوانك بجمع هذه الأحاديث في الوصف، قال سمعت حماد بن سلمة يقول: إنه والله ما دعتني نفسي إلى إخراج ذلك، إلا أني رأيت العلم يخرج، رأيت العلم يخرج، رأيت العلم يخرج، يقولها ثلاثًا وهو ينفض كفه، فأحببت إحياءه وبثُّه في العامة، لئلا يَطمع في خرجه (٢) أهل الأهواء.
٢١ - وبإسناده عن وكيع بن الجراح قال وذكر الأحاديث التي فيها الإثبات في الصفة والرؤية، ثم قال لنا: بخراسان جهمية، إذا أنكروا هذه الأحاديث
стр. 52
عليكم فقولوا: هكذا سمعنا مشيختنا يقولون.
٢٢ - وأخرج إليَّ أبو القاسم عبد الكريم (١) مقالة السلف في "أخبار الصفات". فروى بإسناده قال: ذكر أحمد بن علي الأبار أن عبد الله بن طاهر قال لإسحق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي تُحدِّث بها: أنَّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا، والله يصعد ويتحرك؟ قال فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟ قال: نعم، قال: فلم تنكر (٢)؟!
стр. 53
٢٣ - وبإسناده عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال قال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟ (١).
٢٤ - وبإسناده عن أبي محمد البلخي قال: قال: الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر بربٍّ ينزل؟ فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء (٢).
٢٥ - وبإسناده عن عباد بن العوام قال: قدِم علينا شريك بواسط فقلنا له: إن عندنا قومٌ يُنكرون هذه الأحاديث: الصفات، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث، من جاءنا بالسُّنَن عن رسول الله ﷺ الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث.
٢٦ - وبإسناده عن مطرف بن عبد الله يقول سمعت مالك بن أنس يقول إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا (٣) الأخذ بها إتباعًا لكتاب
стр. 54
الله، واستكمالًا لطاعة الله، وقوة على دين الله سبحانه، ليس لأحد مِنَ الخلق تفسيرها، ولا النَّظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مُهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا (١).
٢٧ - وبإسناده عن عبد الرحمن بن عمر قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر عنده الجهمية يَنْفُون أحاديث الصفات اليد والرجل ويقولون: الله أعظم من أن يوصف بشيء. قال عبد الرحمن بن مهدي: قد هلك قومٌ من هذا الوجه يعني من وجه التعظيم، قالوا: الله أعظم من أنْ يُنزِّل كتابًا، أو يُرسل رسولًا، ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [لأنعام: ٩١] ثم قال: فهل هلكت المجوس إلا من جهة التعظيم، قالوا: الله أعظم من أن نعبده، ولكن نعبد من هو أقرب إلينا، فعبدوا الشمس وسجدوا لها، فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
стр. 55
أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] هذا الكلام أو نحوه (١).
٢٨ - وبإسناده عن إسحق بن أحمد الفارسي سمعت أبا زرعة يقول: هذه الأحاديث متواترة عن رسول الله، أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
٢٩ - وبإسناده عن حماد بن سلمة قال من رأيتموه ينكر هذه الأحاديث فاتهموه على الدين.
٣٠ - وبإسناده عن عبد الله بن المبارك أنه سأله رجل عن هذه الأحاديث الصفات فقال: تمر كما جاءت بلا كيف.
٣١ - وبإسناده عن أسود بن سالم قال في أحاديث الصفات: أحلف عليها بالطلاق والمشي أنها حق (٢).
٣٢ - وبإسناده عن زكريا بن عدي أنه سأل وكيعًا يا أبا سفين هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات والرؤية ونحو ذلك فقال وكيع: أدركنا أسمعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعر يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا منها (٣).
٣٣ - وقال وكيع: سلِّم هذه الأحاديث التي في الصفات كما جاءت ولا تقول
стр. 56
كيف كذا ولا مثل كذا! مثل حديث ابن مسعود "إن الله يجعل السماوات على إصبع والجبال على إصبع" و"قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" ونحو هذه الأحاديث نمرها كما جاءت بلا كيف (١).
٣٤ - وبإسناده: قيل لابن عيينة هذه الأحاديث التي تُروى في الصفات فقال: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه، نمرها كما جاءت بلا كيف (٢).
٣٥ - وقال أحمد بن نصر: سألت سفيان بن عيينة وأنا في منزله بعد العتمة فجعلت أُلحُّ عليه في المسئلة وهو يأبى، فقلت لابد أن أسألك، إذا لم أسألك فمن أسأل؟ فقال: هات، فقلت: كيف حديث عبد الله عن النبي ﷺ "إن الله يحمل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع" وحديث "إن قلب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" وحديث "إن الله يعجب ويغضب ويضحك" وأشباه ذلك فقال سفيان: هي كما جاءت نؤمن بها ونُحدِّث بها كما جاءت بلا كيف ولا توقف (٣).
٣٦ - وبإسناده عن أبي معمر الهذلي (٤): من زعم أن الله تعالى لا يتكلم ولا يبصر ولا يسمع ولا يعجب ولا يضحك ولا يغضب، وذكر أحاديث الصفات فهو كافر بالله، ومن رأيتموه على بئر واقف فألقوه فيها.
стр. 57
٣٧ - وبإسناده عن يزيد بن هارون: من كذَّب بأحاديث الصفات فهو بريء من الله، والله منه بريء.
٣٨ - وبإسناده قال: قال حماد بن زيد: مَثَلُ الجهمية مثل رجل قيل له: في دارك نخلة؟ قال: نعم، قيل: فلها خوص؟ قال: لا، قيل: فلها سعف؟ قال: لا قيل: فلها كرب؟ قال: لا، قيل: فلها جذع؟ قال: لا، قيل: فلها أصل؟ قال: لا، قيل: فلا نخلة في دارك.
هؤلاء الجهمية قيل لهم: لكم رب يتكلم؟ قالوا: لا، قيل: فله يد؟ قالوا: لا قيل: فله قدم؟ قالوا: لا، قيل: له إصبع؟ قالوا: لا، قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا، قيل: فلا رب لكم (١).
وإذا تتبع كلام أصحاب الحديث في هذا، وجد فيه ما يطول شرحه. فإن قبل: فقد رُوي عن أحمد وغيره ما يدل على التفسير.
فقال أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار (٢): ومن السُّنَّة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ولم يؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله، فقد كُفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان والتسليم.
٣٩ - قالوا فقول أحمد: ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأُحْكِم له، معناه: قد كفاه ذلك أهل العلم، وأحكموا له علمه، فدلَّ على التفسير.
стр. 58
٤٠ - وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما في قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. (ن: ٤٢) المراد به الشِّدة، وهذا تأويل منهم (١).
стр. 59
٤١ - وروي عن الأوزاعي أنه سُئل عن قوله "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا" فقال: يفعل الله ما يشاء.
فقد تأول ذلك على أنه فعل من أفعال الله، يظهر منه بقدرته.
قيل أما قول أحمد قد كفى ذلك معناه: قد كفي طلب التأويل والبحث عنه، وقوله وأحكم له معناه: أحكمت له الكفاية في ترك البحث وطلب التأويل، ويبين صحة هذا ما قاله بعد ذلك فعليه: الإيمان والتسليم، والإيمان والتسليم لا يكون مع التأويل.
وأما ما رُوي عن ابن عباس في تأويل الساق فقد خالفه ابن مسعود (١)
стр. 60
وحمل الساق على أنه صفة، ويمكن أن يحمل قول ابن عباس على أن حَدَّ الساق في اللغة: الشَّدَّة، فحكى قول أهل اللغة في ذلك، لا أنه قصد حَدَّه في الشرع (١).
وأما قول الأوزاعي يفعل الله ما يشاء، فلا يجوز أن يحمل هذا من قوله على أنه قصد بذلك أن النزول من صفات الفعل، لأنه لم يصرح به، وعلى أنّا قد حكينا عن جماعة من السلف خلاف ذلك (٢).
* * *
стр. 61
فصل في الدلالة على أنه لا يجوز الاشتغال بتأويلها وتفسيرها
من وجوه أحدها: أن آي الكتاب قسمان: أحدهما محكم تأويله تنزيله يفهم المراد منه بظاهره. وقسم هو متشابه لا يعلم تأويله إلا الله، ولا يوقف على معناه بلغة العرب، بدليل قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فالواو ها هنا للاستئناف وليست عاطفة.
كذلك أخبار الرسول ﷺ جاريةٌ هذا المجرى، ومُنزَّلة على هذا التنْزيل، منها البيِّن المستقل في بيانه بنفسه، ومنها ما لا يوقف على معناه بلغة العرب.
فإن قيل: من أصحابنا من قال: لا متشابه في القرآن إلا والراسخون في العلم يعلمون تأويله، والواو ها هنا للعطف على قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وقد ذكر هذا ابن قتيبة (١) في كتابه المسمى بـ"المشكل" (٢) فسقط هذا الدليل.
قيل: هذا قول يخالف إجماع الصحابة.
стр. 62
٤٢ - قال أبو بكر بن الأنباري (١) في كتاب "الردُّ على أهل الإلحاد": قد ذهب إلى هذا الذي أنكره يعني ابن قتيبة جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أُبي وابن مسعود وابن عباس، ففي قراءة عبد الله ﴿إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون﴾ وفي قراءة أبي ﴿ويقول الراسخون في العلم﴾ وعن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ويقول الراسخون في العلم﴾ (٢). قال: وكان الفراء وأبو عبيد يقولان: الراسخون مُستَأنَفُون، والله هو المتفرد بعلم التأويل (٣).
قال: وسمعت أبا العباس (٤) يقول الوقف على قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا
٤٣ - ويبين صحة هذا ما رواه ابن المظفر الحافظ (١) في أول كتاب السنن بإسناده: عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: "أُنزلَ القرآنُ على أربعةِ أحرفٍ جلالٌ وحرامٌ لا يُعذر أحدٌ بالجهالة به، وتفسير تُفسره العرب، وتفسيرٌ تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه سوى الله فهو كاذب" (٢).
стр. 66
ولأنَّ الله قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ومعناه صدَّقنا به، لأن الإيمان هو التصديق، ولم يقل: والراسخون في العلم يقولون عَلِمنا به، فلم يقتض العطف المشاركة في العلم كقول القائل: ما يعلم ما في هذا البيت إلا زيد وعمر (١) يقول آمنا به معناه أنه مصدقٌ له، ولا يقتضي مشاركته في العلم، ولأنه إذا كانت الواو عاطفة في المشاركة في العلم احتاج الكلام إلى إضمار واوٍ أخرى، فتقديره: والراسخون في العلم ويقولون آمنا به، والإضمار ترك حقيقة.
٤٤ - وقد ذكر أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي (٢) هذا السؤال في كتاب "الغنية عن الكلام" فقال: اعلم أنَّ المتشابه من القرآن قد استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحد غيره.
قال: ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وما بعده استئناف كلام آخر، وحكى في ذلك قول ابن مسعود وأبيّ وابن عباس وعائشة وقال: وإنما روي عن مجاهد وحده أنه
стр. 67
نسق الراسخين على ما قبله، وزعم أنهم يعلمونه.
وأجاب بجوابٍ آخر ففال: لا يجوز أن ينفي الله شيئًا عن الخلق ويثبته لنفسه فيكون له في ذلك شريك، ألا ترى إلى قوله ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقوله ﴿يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه غيره، كذلك ها هنا.
قال: فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته، ونصفه بشيء لا درك له في عقولنا؟ قيل: قد أمرنا أن نؤمن بملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وبالجنة ونعيمها، وبالنار وأليم عذابها، ومعلوم أنَّا لا نحيط علمًا بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كُلِّفنا الإيمان بها جُملة.
ألا ترى أنَّا لا نعرف أسماء عدة من الأنبياء، وكثير من الملائكة، ولا نحيط بصفاتهم، ثم لم يَقْدَح ذلك فيما أمرنا أن نؤمن به.
وقد قال النبي ﷺ في صفة الجنة: "يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر" (١) إلى هاهنا كلام أبي سليمان.
٤٥ - وقد أجاب قوم آخرون عن هذا السؤال بأجوبة أخر: بأنه لو كانت الواو عاطفة والراسخون يعلمون تأويله، لم يكن فيه متشابه، وكان جميعه مُحكمًا، وقد أخبر تعالى أن فيه محكمًا وفيه متشابهًا، والمتشابه ما احتاج إلى بيان.
стр. 68
ولأنه لو كانت الواو عطفًا على اسم الله، لكان تقدير الكلام: الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، ولا يجوز إضافة هذا القول إلى الله.
ولأنه لو كانت عاطفةً على اسم الله، لحصل قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مبتدأ ولا يصح الابتداء به، لأنه غير مفيد لتعلقه بما قبله، وإذا كانت الواو للإستئناف حصل المبتدأ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فيكون كلامًا مفيدًا، لأنه غير متعلق بما قبله.
ولأن الله تعالى مدح من وَكَلَ علم ذلك إلى عالمه، بقوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ولو شركوه في علمه، لكان من عندهم (١). ولأن الله تعالى مدح الذين يؤمنون بالغيب بقوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
стр. 69
بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ولو كانوا يشركونه سبحانه في علم جميع الأشياء، لم يكن هناك غيبٌ يؤمنون به، لأن ذلك معلومٌ عندهم، وغير ممتنع صحة الإيمان بما لا نعلم حقيقته، كإيمانه بالملائكة والكتب والرسل.
فإن قيل: فإذا لم نعلم تأويله لم يفد الخطاب فائدة، كما إذا خاطب العربي بالزنجية. قيل: فيه فائدة وهو اختبار العباد، ليؤمن به المؤمن فيسعد، ويكفر به الكافر فيشقى، لأن سبيل المؤمن إذا قرأ من هذا شيئًا أن يصدق ربه، ولا يعترض فيه بسؤال وإنكار، فيعظم ثوابه.
٤٦ - وقد جاء هذا مفسرًا عن عبد الله قال: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] (١).
ولئن جاز أن يقال: إن هذا لا يفيد، جاز أن يقال إنَّ أمرنا بالإيمان بملائكته ورسله ونعيم الجنة لا يفيد، لأنا لا نعلمه.
فإن قيل: فما وجدنا أحدًا من المفسرين وقف على تفسير شيء من القرآن
стр. 70
بل مَضوا في تفسيره كله، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور، مثل آلم وحم وص وق.
قيل: هذا وهمٌ على السلف، لأن الأجلَّاء من أصحاب رسول الله والمتقدمين في العلم كانوا يُسألون عن الآية من القرآن فلا يجيبون عنها، ويقولون: ما نعرف تأويلها، منهم: أبو بكر وعمر وابن عباس.
٤٧ - أما أبو بكر ذُكر الأب عنده، فقيل له هو الرعي، واختلفوا فيه، فقال: لا تختلفوا، أيُّ سماء تظلني، وأيُّ أرض تقلني، إذا قلتُ في كتاب الله بما لا أعلم (١).
стр. 71
٤٨ - وقال حميد عن أنس: تلى عمر على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم رجع على نفسه فقال: لعمرك يا ابن الخطاب، إنَّ هذا لهو التكلف (١).
٤٩ - وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان، فقال له عبد الله يا أبا العباس ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] أي يوم هذا؟ فقال ابن عباس: من أنت؟ فانتسب له، فلما عرفه قال: مرحبًا بك، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٦] أي يوم هذا؟ قال: أنا سألتك يا ابن العباس لتخبرني؟ قال: أيام سَمَّاها الله هو أعلم بها كيف تكون، أكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم (٢).
стр. 72
والذي فسره بعض المفسرين مما توقف ابن عباس، فإنه لم يذكر مراد الله فيها بل قال: يظهر لي فيها كذا، ويسنح كذا والله هو العالم بالتأويل.
فإن قيل: فقد قال ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
قيل: كما قال ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمر السماوات والأرض، وقال ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ولم تؤت مثل فرج الرجل ولحيته.
فإن قيل: إذا لم يدخل الراسخون مع الله في العلم، لم يكن لهم فضل على من لم يرسخ في العلم، لأن كلَّ المسلمين يقولون آمنا به.
قيل: فضل الراسخين على غيرهم، أنهم يعرفون الأحكام المحكمات ما لا يعرفهم غيرهم، وقد قيل: إن فضيلتهم تحصل بإيمانهم بالغيب على من لم يؤمن به، وقد قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] وهذا يدل على أن هناك من لم يؤمن به، فكانت فضيلتهم بالإيمان به.
فإن قيل: فنسلم لكم أنَّ في القرآن ما لا يعلم تأويله غير الله، لكن فائدته التلاوة التي هي طاعة، وهي مندوبٌ إليها يُثَاب على فعلها، فأما الأخبار فمتى لم يعرف معناها بلغة العرب، عَريت عن فائدة، لأنها لا تفيد عملًا، ولا تُثبت علمًا، ولا ثواب في فعلها.
قيل: لا تعرى عن فائدة لما بَيَّنا فيما قبل، وهو اختبار العباد ليؤمن به المؤمن فيسعد، ويكفر به الكافر فيشقى، لأن سبيل المؤمن أن يُصَدِّقَ بما جاء به الرسول.
٥٠ - ودليل آخر، ما روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "يَحْملُ هذا العلم من كلِّ خَلَفٍ عُدُوله، يَنْفون عنه تحريف الغالين، وانتحال
стр. 73
المُبْطلين، وتأويل الجاهلين" (١). فوجه الدلالة أنه منع التأويل في ذلك.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 75
فإن قيل: إنما منع تأويل الجاهلين، ولسنا جُهَّالًا بالتأويل.
قيل: بل الجهالة حَاصِلةٌ بالتأويل، بدليل ما تقدم من قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
دليل آخر على إبطال التأويل: أنَّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة، بل قد روى عنهم ما دل على إبطاله.
٥١ - فروى أبو بكر الخلال بإسناده: عن أم سلمة أنها قالت في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] قالت: كيفٌ غيرُ معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر (١).