ويجوز وصفه بأنه لم يزل معدمًا، على معنى لم يزل موجدًا لفنائه، والحَشْر والنشر، كما أنَّه اليوم غير موجد لذلك، فأما أنْ يُوصف بأنَّه لم يزل مُعْدِمًا للشيء بعد وجوده فلا يجوز، لأنَّه يقتضي أنْ يكون المعدوم موجودًا قبل عَدَمِه، وهذا لا يجوز (١).
ويجوز وصفه بأنَّه "فاعل" وحقيقة ذلك أنَّه مخترع لذاتِ ما فعله بقدرته، وجاعل له نَفْسًا وذَاتًا بعد أنْ لم يكن كذلك، لأنَّه قد ثبت وجود حدوث ذوات الحوادث وتعلّقها بمحدثٍ أحدثها، فيجب أنْ يوصف الله تعالى بأنَّه فاعل على وجه الاستحقاق (٢).
ولا يجوز وصفه بالمباشرة والتَّوَلُّد، لأنَّ المباشرة في الحقيقة تَلَاقي الأجسام ومُمَاستها (٣) ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا نصفه بالتَّولد، لأن معنى التولد أنَّه فعلٌ واقع عن سببٍ أوجبه وولَّده، وهذا القسم لا أصل له عندنا في أفعال الله (٤) ولا في أكساب الخلق، لما تذكره من الأدلة على إبطالِ القول بالتَّولد،
стр. 667
فكانت الأفعال مقسمة قسمين:
أحدهما: هو الكسب الموجود بذات القادر عليه، وهو الموصوف بأنَّه مباشر، وهو جميع أكساب الخلق.
والثاني: لا يُوصف بذلك وهو الموجود لا في ذات فاعله، وهو جميع أفعال الله تعالى، لا ثالث لهذين القسمين.
ويجوز أنْ يُوصف تعالى بأنَّه "تَارَكٌ" في الحقيقة، كما يوصف بأنَّه فاعل، ومعنى ذلك أنَّه فاعل لِضِّد فعل آخر يقدر على فعله بدلًا منه، وليس معنى ترك التارك للعقل كفّ نفسه ومنعها مما تدعو إلى فعله، ولا هو مقصور على أفعال القُلُوب، فجاز وصفه سبحانه بذلك (١).
ويجوز وصفه بأنَّه "مُوجِدٌ" لأنَّ ذلك يفيد وجود ذَاتِ الفعل بقدرته، ويوصف بأنَّه معدم على معنى أنَّه لم يفعل ما قيل إنه أعدمه (٢).
ويجوز وصفه بأنَّه "مكون" لأنَّ لما كان فعله تعالى كائنًا، بمعنى موجودًا عن عدم، جاز وصفه بذلك.
ويجوز وصفه بأنَّه "مُثْبت للفعل" ومعنى إثباته له هو إيجاده.
ويجوز وصفه بأنَّه "جاعل" بمعنى فاعل، لأنَّ معنى مجعول: مفعول، ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] وقد يكون الجعل بمعنى الحكم والتسمية،
стр. 668
ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].
ويجوز وصفه بأنَّه "عَامِل وصَانع" لأنه قد عمل فعله وصنعه (١)، ولا يجوز وصفه بأنه مكتسب، لأنَّ معنى الكَسْبِ هو القَادر على ما وُجِدَ بذاته، بقدرةٍ مُحدثة، والله يتعالى عن وُجود الحوَادِث بذاته (٢)، وعن كونه قادرًا بقدرة محدثه، ولأنَّ وصف الكسب يُفيد ما تمسُّ الحَاجة إليه، ويُجتلبُ به النَّفع ويدفع به الضرر، ولذلك يقال: عَبدٌ كَسُوب، ورجَلٌ كسُوب، إذا كان ينتفع بتصرفة.
ويجوز وصفه بأنه "مُصيبٌ" على معنى أنَّ أفعاله كلها غير متفاوتة عليه، بل واقعةٌ بحسب قصده وإرادته، ويجوز وصفه بذلك على معنى أنَّه عالمٌ بها وبكيفية حدوثها وحقائقها وأوصافها، وإنْ لم يقع شيءٌ منها مع الجهل به، ويجوز وصفه بذلك على معنى أنَّ جميع أفعاله مُحْكَمة مُتْقَنة من حيث خَلقها كذلك، وقصدها على ما هي عليه، وجوز وصفه بذلك على معنى أنَّه مُحِقٌّ في فعلها، غير مُتَعَدٍّ في شيء منها، ولا متجاوز به حَدًّا ورَسْمًا (٣).
стр. 669
ولا يجوز أن يُقال أنَّه مصيب في أفعاله، على معنى أنَّه مُوافِقٌ بها أَمْرُ آمرٍ له بفعلها، لأنَّه يَتَعَالى عن ذلك.
وقد يُوصف العبد بأنَّه مصيب، على معنى أنَّه مُطيع ومُتَّبِع بالفعل طاعة من تجب طاعته، ومنقادٌ لأمره.
ويجوز وصف أفعاله بأنَّها صوابٌ، على معنى أنَّها حق، وهذا سَبيل جميع أفعاله.
ويجوز وصفه بأنه "مُثَيِبٌ" ومعناه: يَجعل المثاب معظمًا على ما كان منه من الطاعة، التي جَعَلها الله سبحانه علامةً على إثابة المطيع (١).
وكذلك وصفه بأنَّه: مُنْعِمٌ ومعاقب ومجاز، بقصد الإهانة والإيلام للعاصي على ما كان من معصيته.
* * *
стр. 670
فصل
٣٠١ - نقلت من خط أبي إسحاق مرة تعاليقه على كتاب "العِلَل" لأبي بكر الخلال بإسنادة: عن أبي بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول: جاء رجلٌ إلى أحمد بن حنبل فقال له: لله تعالى حَدٌّ؟ قال: لا يَعلمه إلا هو، قال تعالى ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] (١).
وظاهر هذا جواز إطلاق الحد عليه، لا على وجه الإحاطة لكن على وجه يعلمه، كما جاز إطلاق ذات على وجه يعلمها، وكذلك جاز إطلاق شيء، وإنْ كُنَّا نعلم أنَّ الشيء في الشَّاهد ما كان مَحْدُودًا.
* * *
стр. 671
فَصْل
وجميع الأسماء والصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، قَدِيمةٌ مَوْصُوفٌ بها فيما لم يَزَل، ولم يَزَلْ بصفاته خَالقًا رازقًا مُوجدًا مُعْدِمًا محُييًا مُميتًا مُعَافيًا (١).
٣٠٢ - وقد قال أحمد في رواية حنبل: لم يَزَل متكلمًا عَالمًا غفورًا.
فقد نص على أنَّه لم يَزل غفورًا، والغُفْران من صفات الفعل في خلقه، وقد أثبتها ولا مغفور له، فدلَّ من مذهبه على قِدَمِ هذه الصِّفات.
٣٠٣ - وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن شاقلا هذه المسألة مُفْردةً نقلتها من خط أبي بكر الكِشَّي من أصحابنا فقال: قد زَعَمَ أحد ممن يَدَّعي أنَّه من المثبتة: أنَّ أسماءه ما كان منها من صفات الذات لم يزل بها، وما كان من صفات الفعل فهي الكائنة بعد أنْ لم تكن (٢)، قال: وهذا قول مُبْتَدع لم يَسبق إليه إمامٌ متبع، قال: وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث العُبادي وأبي بكر أحمد بن هاني: من زَعَمَ أنَّ أسماء الله مخلوقة فقد كفر، ولم يزل الله متكلمًا (٣).
٣٠٤ - وقال في رواية أبي داود: من قال إنَّ أسماءَ الله مَخْلُوقَةٌ فقد كَفَرَ.
وكذلك نقل إسحاق بن إبرهيم (٤).
فقد أخذ أبو إسحاق بظاهر كلام أحمد، وأنَّ الأسماء قديمة ولم يفرق أحمد.
стр. 672
وهو قول الكَرَّامِيَّة، إلا أنَّ الكَرَّامية تقول: جميع ذلك يرجع إلى قدرته على الفعل، وإرادته له وعلمه بكونه.
خلافًا للمُعْتَزلة في قولهم: جميع الأسماء محدثة، وجميع الصفات، وأنَّها غير المسمَّى وغير الموصوف.
وخلافًا للأشْعَريَّة في قولهم: الأسماء والصفات على ضربين: فما كان من صفاتِ الذَّات، كالعلم والقدرة والكلام والإرادة، فهو قديم.
وما كان من صفات الفعل، كالخلق والرزق والإحْسَان والرحمة ونحو ذلك، فهي محدثة، وأنَّه مَوصوفٌ بها عند وجود الفعل، ووَصْفُه لنفسه بها في القِدَم مجازٌ لا حقيقة، وربما امتنع بعضهم من إطلاق هذه التَّسمية في القدم قبل وجود الخلق والرزق منه، وقال: لا يجوز وصفه بذلك لا حقيقةً ولا مجازًا (١).
стр. 673
فأما المعتزلة فالكلام في غير هذا الموضع.
وأَمَّا الأشعرية فالدلالة عليهم قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨] وقال ﴿الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] فوصف نفسه بهذه الأشياء فيما لم يزل، امتدح بها بقوله ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ولا يجوز أن يُسمى ويمتدح بما هو معدومٌ في حقة، لأنَّه يُفضي إلى أنْ يقع الخبر بخلاف مخبره.
فإن قيل: معنى قوله خالق، أي سيخلق وسيرزق.
قيل: فيجب أنَّ تقول مثل هذا في قوله ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] معناه سيعلم إذا خلقهم، وكذلك قوله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] معناه سيقدر؟ ولمّا لم يَجزْ هناك، كذلك ها هنا.
وأيضًا: فإن هذه الأسماء والصفات وصف بها نفسه فيما لم يزل، فيجب أن تكون قديمة له، كالعِلّم والقُدرة والإرادة والكلام، ونحو ذلك.
فإنْ قيل: تلك الصفات مُتَعَلِّقة بالذات، فهي موجودة بوجود الذات، فلهذا كانت قديمة، وهذه متعلقة بالأفعال والأفعال محدثة.
قيل: هذا لا يصح لوجهين.
стр. 674
أحدهما: أنَّه لا يمتنع أنْ تكون هذه الصِّفَات مُشْتقَّة من أفعالٍ لم توجد، ويكون موصوفًا بها قبل وجود الفعل لتحقق الفعل منه، كقولهم: سيف قطوع، وإنْ لم يوجد القطع منه، لتحقق القطع منه، وكذلك قولهم: خُبز مُشِبع، ومَاء مُرْوي، كلُّ ذلك يوصف به وإن لم يوجد الفعل لتحقق الفعل، وكذلك قولهم: رَجَلٌ مُسَافر، ورجل حَاج، وإن لم يوجد ذلك منه.
ولا يصح قولهم: إنَّ ذلك مجاز، لأنَّ الأصل في كلامهم الحقيقة، فمدّعي المجاز يحتاج إلى دليل (١) والذي يُبَيِّنُ أن هذا الكلام حقيقة أن المجاز يصح نفيد عن المسمَّى، كما يصح نفى تسمية الأب عن الجَدِّ، والحقيقة لا يصح نفيها كما لا يصح الأُبَّوة عن الأب الأدنى، وقد ثَبَتَ أنَّ لا يصح النفي عن السيف القاطع، وعن الماء المروي، وعن الخبز المشبع، قبل وجود الفعل منه، فدلَّ على أنَّه حقيقة (٢).
والثاني: أنَّ تعلق هذه الصِّفات بمفعول لا يمنع وصفه بها في القِدم، كما وصفناه بالمحبة لمن علم أنَّ يوافي بالإيمان وبعضه لمن علم أنَّ يُوافي بالكفرِ
стр. 675
في القدم قبل وجود المحبوب والمبغوض، وكذلك هو موصوف بأنَّه داعي إلى الحق، وهادِ إليه وإنَّ لم يكن مَدعوًا، وكذلك وصفه بأنَّه مؤمن بمعنى مُصدِّقٌ لنفسه ورسله، وإن كانت الرسل معدومة وقت وصفه بذلك، وكذلك وصفه بالأمر والنهي والخبر فيما لم يزل، وإنَّ لم يكن هناك مأمُورًا ولا مَنهيًا ولا مُخبرًا، كذلك لا يمتنع وصفه بالخلق والرزق والإحسان، قبل وجود هذه الأفعال.
فإنْ قيل: تلك الصفات التي هي العلم والقدرة عدمها يوجب النقص في حَقَّه سبحانه، لأنَّا لو قلنا إنَّ علمه مُحدث، أفضى إلى الجهل قبل ذلك، وكذلك لو قلنا: إن له قدرة محدثة أفضى إلى العجز، وليس كذلك في نفي وصفه بالخلق والرزق عنه في القِدَم، لأنه لا يفضي إلى النقص في حَقِّه، كالمحبةِ والبغض عدمها لا يفضى إلى النقص في حقه.
قيل: لا يمتنع إثبات هذه الصفات قديمة، وإن كان نفيها لا يُفضي إلى النقص في حَقِّه، كالمحبةِ والبُغض، عدمها لا يُفضي إلى النقص، ومع هذا هو موصوفٌ بها في القدم، وكذلك الأمر والنهي وغير ذلك مما ذكرنا، وعلم أنَّه إن لم يُفّضي إلى النقص، فإنَّه يفضى إلى أن يقع الخبر بخلاف مخبره.
٣٠٥ - واحتج المخالف بما رواه هَنَّاد في كتاب الزُّهد بإسناده: عن سلمان قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله خَلقَ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ مائة رَحْمة، كُلُّ رَحْمةٍ طِباقِ السَّماءِ والأَرضِ، فجعل في الأَرْضِ منها رَحْمةً فِبهَا تَعْطُفُ الَوالدةَ على ولَدِها والوَحْشُ والطَّير، وأَخَّر تِسْعًا وتسعينَ إلى يَومِ القيامة، فإذا كان يَومُ القيامةِ أكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمةِ
стр. 676
مائة، فَقَصَّها على المتقين" (١).
قالوا: فقد نصَّ على أنَّ الرَّحمة مخلوقة، وإن كانت من صفاته!
والجواب: إنَّ الخَلْقَ واقع على أسبْاب الرحمة، لأنَّ الرحمة التي هي صفة الله تعالى، هي التَّعَطُّف والتكرم والمغفرة، وأسبابها هو فعل الطاعات والقُربِ التي توجد من جهة العبد، فأسبابها متسعة، وذلك مخلوق (٢).
وقوله: "فإذا كان يوم القيامة، كمَّلها بهذه الرحمة" معناه: أنَّه يكمل لهم ثواب تلك الأسباب كلها، بفعل السَّببِ الواحد، الذي أنزله تَكَرُّمًا منه وتفضلًا به.
ونظير هذا الإيمان الذي هو صفته (سبحانه) كالإيمان بوحدانيته وبصفاته، هو قَدِيمٌ، والهداية التي تحصل للعبد فيتوصل بها إلى ذلك الإيمان، هي غير الإيمان وهي محدثة، لأنَّ الهداية في انشراح الصدر بالإيمان، وذلك غير الإيمان (٣).
стр. 677
٣٠٦ - واحتُجَّ بما روى جابر: قال رسول الله ﷺ "من قال حين يسمُع النِّداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التَّامة، والصَّلاة القَائمة، آتِ مُحمدًا الوَسيلةَ والفضِيلةَ، وابْعثْه المَقَام المَحْمودَ الذي وعَدْتَّه، إلا حَلَّتْ له الشَّفاعة يَومَ القيامة" (١).
فقد وَصَفَ أَلفاظَ الأذان بأنَّ لها رب، وما له رب فهو مخلوق.
والجواب: أنَّ تقديره ربَّ ثواب هذه الدعوة، فحذف المضاف، وهذا جائزٌ في كلامهم قال تعالى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] وتقديره: صاحب قول الحقِّ، وكذلك قوله ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥] وتقديره: مِثل شرب الهيم، وثواب هذه الكلمات مخلوق، لأنَّ ثوابها تفَضُّلِه وإنْعامه بالجنَّةِ ونعيمها (٢).
وقد قيل: إنَّه لا يجوز أنَّ يكون ذلك راجعًا إلى بعض الكلمات، وهو الدعاء إلى الصلاة، وليس يمتنع أنْ يرجع الكلام إلى بعض المذكور، كما قال تعالى ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٤] والمراد به بعضها.
وقيل: يجوز أن يكون راجعًا إلى أفعال الصَّلاة، لأنَّه قد تقدم ذكرها، ولا يمتنع مثل ذلك، كما قال تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣] وكان المراد بعض المذكور، وهو الخيل دون الشمس (٣).
стр. 678
واحتجَّ بأن الخلق مشتقٌ من فعل وصادر عنه، كما أنَّ قولهم عالم ويعلم ويصدر عن العلم، وما كان مشتقًا من شيء لا يصح إشتقاقه مع عدم ما اشتق منه.
والجواب عنه ما تقدم من الوجهين: أحدهما: قولهم سَيْفٌ قطوع، وخبزٌ مشبع وإنْ لم يوجد الفعل. والثاني: وصفه بالأمر والنَّهي، والمحبة والبغض مع عَدَمِ معانيها.
واحتجَّ بأنَّه لو كان قولنا خالق ورازق تجري مجرى قولنا: عالم، لم يصح أن يقال يقدر على أن يخلق ويرزق، كما لا يصح أنْ يقال يقدر أنْ يعلم وأنْ يسمع ويبصر، ولمَاَ جاز ذلك عليه بقوله: ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] دلَّ على أنَّ ذلك من صفات الفعل.
والجواب: أنَّ قولنا يقدر أنْ يخلق، معناه أنَّ الخلق الذي هو المخلوق داخل تحت القدرة، فأمَّا وَصْفُهُ بالخلق فلا يدخل تحت القدرة (١).
كالمعلوم داخل تحت القُدرة، والعلم الذي هو صفته لا يدخل تحت القدرة. ولا يصح تأويل الكراميَّة على معنى أنَّه يعلم أنَّه سيخلق، ويريد أن يخلق وهو قادر عليه.
لأنَّه لو جاز ذلك، لجاز لأحد أنْ يقول لمن هو قاعد: إنَّه قائم على الحقيقة، إذا علم أنَّه سيقوم أو يريد أنْ يقوم، وإنْ لم يحصل منه القيام.
стр. 679
ولأنَّ الإشتقاق من القدرة، قَدَرَ يَقْدِرُ فهو قَاِدرٌ، وكما لا يجوز أنْ يقال: قدر فهو خالق، كذلك لا يجوز أنْ يقال: خلق فهو قادر.
فصل
ويجوز وصفه بأنَّه قديم الإحسان (١).
٣٠٧ - وقد ذكر ابن إسحاق هذا ونصَّ عليه في أثناء الكلام في هذه المسألة، خلافًا للأشعرية في قولهم لا يجوز وصفه بذلك.
دليلنا أنَّ هذا مبني على ما تقدم، وأنَّ الإحسان صِفَةٌ قديمة، فما دَلَّلْنَا به هناك فهو دلالة ها هنا.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] فوصف إحسانه إليهم بالسبق في القِدم، فدل على قدمه.
٣٠٨ - وروى أبو حفص بن شاهين في مسألة عملها في جواز القول: يا قَدِيَم الإحْسَان، فقال نا محمد بن سليمان الحراني قال نا الحسين بن محمد بن
стр. 680
بحر بمصر قال: سمعت أبا الفَيض ذا النون المصري يقول: أوحى الله إلى يعقوب: يا يعقوب تَمَلَّقني، قال: يا ربِّ كيف أتَملَّقك؟ قال: قل يا قديَم الإحْسَان، يا دائم المعروف، يا كثير الخير، قال فأوحى الله إليه: لو أمت ابنك لأحييته لك.
وهذا نص في جواز وصفه بذلك، ولأن هذا مُسَتفيضٌ على أَلْسِنة المُسلمين في دعائهم عصرًا بعد عصر، ولا يجوز أنْ يُجمعوا على مُنكر.
فإنْ قيل: معنى قولهم: يا قديم العلم بالمعلومات، أو يكون معناه تقادم إحسانه على إحسان خلقه، وإنْ كان حادثًا في نفسه.
قيل: أمَّا قولك أنَّ معناه: يا قديم العلم، فلا يصح لأن الإحسان اسم للْإنعَام والتَّفضل، فلا يُحمل على العلم، ولأنَّ الاشتقاق من الإحسان: أَحْسَنَ يُحْسِنُ فهو مُحْسِنٌ، فكما لا يجوز أنْ يُقال: علم فهو محسن لذلك لا يجوز أن يقال: أحسن فهو عالم، وأمَّا حمله على تقدم إحسانه على إحسان خلقه، فلا يصح لأنَّه يُسقط فائدة التخصيص، لأنَّ بعض خلقه قد يتقدم إحسانه على إحسان غيره من الخلق.
فإن قيل: لا خلاف أنَّ إحسانه الذي هو إنعامه وتفضله محدث مخلوق، فكيف يجوز وصفه بالقِدم؟
ولئن جاز وصفه بذلك جاز وصفه: يا قديم الخلق، يا قديم الرزق.
قيل: المحدث المخلوق هو المُنْعَم به والمُتَفَضَّل به، فأمَّا الإحسان والإنعام فهما غيره، كما أنَّ المعْلُوم غير العلم، والمخبر غير الخبر، والمأمُور غير الأمر، والمَنْظُور غير النَّظر، والمراد غير الإرادة.
فإنمَّا لم يجز لأنَّ الخلق هو المخلوق، والمخلوق محدث والرِّزق هو
стр. 681
نفس العطاء، والعطاء مخلوق، فأمَّا الإعطاء فهو صِفَةُ المُعطي فهو قديم، فعلى هذا يجوز أنْ يُقال: يا قديم الإعطاء، فإذا كان كذلك، فالإحسان صفة المحسن، والمحسن به غير الإحسان، فهو محدث.
فَصْلٌ
والصفات المتعلقة بالفِعل نحو الاستواء على العرش، والنُّزول إلى السماء، والمجيء في ظُلَلٍ من الغمام، ووضع القدم في النَّار، ووضع السَّمَاوات على إصْبع، والغَضَب والرِّضَا، والضَّحِك، والخَلْق والرِّزق، إلى أمثال ذلك، لا يمتنع أنْ نقول إنها صفات ذاتٍ، تَتَجَدَّد له بتجدّد أسبابها، كالإدراك وهو النظر إلى المحدثات، وهو صفة ذات، تَتَجَدَّد له بتجدّد المُدْرَكات المرئيات (١).
ولا يجوز لبعض المعتزلة أنْ يَقول: إنَّ الإدراك معناه معنى العلم، لوجهين:
أحدهما: أنَّ هذا القائل يقول بأنَّ الله مَعلومٌ وليس بمدرك ولا مرئي، فامتنع أنْ يكون معنى الإدراك معنى العلم (٢).
стр. 682
والثاني: أنَّا ندرك الكبير صغيرًا في حال البعد، مثل الجمل نراه صغيرًا في حال البُعْد، ونعلمه كبيرًا، فامتنع أنْ يكون معنى الإدارك معنى العلم.
وكذلك الإرادة هي صِفَةُ ذاتٍ تَتَجَدَّدُ بتَجَدُّد المراد، ولا يجوز لبعض المعتزلة أنْ يقول: إنَّ الإرادة معناها معنى العلم (١)، لأنَّ الإنسان قد يعلم ما لا يُريده، ويُريد ما لا يعلمه، وإذا ثَبَتَ هذا فتقول: هو مَوصوف بالإدراك فيما لم يَزَلْ، ولا نقول هو مُدْرِكٌ فيما لم يَزَل، لأنه لو كان مُدْرِكًا فيما لم يزل اقتضى وجود مدرك فيما لم يزل، ولا يجوز ذلك لأنَّه يُفضي إلى قِدَم الأشياء.
وكذلك هو موصوف بالإرادة فيما لم يزل، ولا نقول هو مريد فيما لم يزل، لأنه يفضي إلى قدم المراد (٢).
ومثله نقول هو موصوف بالخلق والرزق فيما لم يزل، ولا نقول هو خالق ورازق فيما لم يزل، لأنه يفضي إلى قِدَم الأشياء وكذلك هو موصوف بالاستواء
стр. 683
على العرش، والنزول فيما لم يزل، ولا تقول هو مستوى (١) فيما لم يزل، وهو جائي فيما لم يزل، لأنَّه يفضي إلى قِدَمِ العَرش، وقِدَم السماء (٢).
وكذلك لا نقول هو ضاحك فيما لم يزل، وغضبان فيما لم يزل، لأنَّ في الخبر "ضَحِكَ رَبُّك منْ شَابٍّ ليستْ له صَبْوة" وغضب الله من كفر الكافرين، وهو يَقْتضي وُجودَ ذلك عند وجود سببه.
فَصْلٌ
واعلموا رحمكم الله: أنَّي لما فَرَغتُ من كتابي هذا، وقَرأه علي بعض رؤساء "خُراسَان" في دار السُّلطان، عَظُمَ ذلك على المخالفين، وأكْثَروا التَّحريف والكَذِب والزُّور والبهتان فيما حكوه عني، وأَضَافوه إلى كتابي، طلبًا للشَّنَاعات وتَنْفير السُّلطان والعوام.
وقالوا: قد ذكر فيه باب الذَّكَر والخصيتين والفَقْحَةَ! واللحية والرأْس والمسْرَبة والشَّعر، والنَّعل الصرارة، والركوب على الحمار، والمشي في الأسواق، وأنَّه خلق نفسه من عَرَقَ الخيل، وغير ذلك مما لا أحفظه فأحكيه من الكذب والزُّور والبُهتَان، ومما على قائله وحاكيه يريد التَّشْنيع به، لعنةُ الله ولعنة اللَّاعنين، والملائكة والنَّاس أجمعين، لا يَقْبل اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا، والله تعالى عند لسان كل قائل، وحسيب كل ظالم (٣).
стр. 684
وقد أمر الله نبيه ﷺ أنْ يَستعيذَ به من شَرِّ حاسدٍ إذا حَسَد، أنا أعوذُ بالله من ذلك، وليس للحاسد إلا ما حسد، وقد مَنَع الله عن قبول قول المدَّعي، حتى يأتي على قوله ببرهان (١).
وقال ﷺ "لو يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُم، لادَّعَي أُنَاسْ دِمَاءَ ناسٍ وأَمْوالهم" (٢).
فاعلم رحمك الله أنَّ الدَّعوى بلا بَيِّنهٍ، لا تُوجب صدقَ مُدَّعيها، وحذَّر الله من قبول قولِ الفاسق، وأمر بالتَّثبت في خبره، فقال تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
ونهى جل وعز عن التجسس والغيبة، فقال ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] وخبَّر جَلَّ ثَنَاوُه أنَّ بعض الظَّنِّ إثم (٣)، وأعلم تعالى أنَّ الظن لا يُغني من الحَقِّ شيئًا (٤).
وقال ﷺ : "إيَّاكُم والظَنّ فإنَّه يكذب" (٥).
٣٠٩ - وقال "مَا ظَنَنْتُم فلا تُحَقِّقوا" (٦).
стр. 685
٣١٠ - وقال ﷺ : "لا يَؤُمِنُ أَحَدُكُم حتَّى يُحبُّ لأَخيه ما يحبُّ لنفسه" (١).
٣١١ - وقال "لا تَحَاسَدُوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا ولا تقاطعوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَنَافسُوا، ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا، وكُونُوا عباد اللهِ إخْوَانا كما أَمَرَكُم اللهُ، ولا يَحلُّ المسْلِم أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فوق ثلاث" (٢).
٣١٢ - وقال ﷺ "الدِّين النَّصيحة" (٣).
٣١٣ - "من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت" (٤).
٣١٤ - وقال: "إذَا حَسَدْتُّم فلا تَبْغُوا" (٥).
٣١٥ - وقال ﷺ "والذي نَفْسي بيده لا تَدْخُلُوا الجنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" (٦).
٣١٦ - وقال: "مَنْ سَتَرَ على مُسْلِم في الدُّنيا، سَتر اللهُ عليه في الآخرة" (٧).
٣١٧ - وقال: "دِمَائُكم وأمْوَالُكم وأَعْراضُكم عَليكم حَرَامٌ" (٨).
стр. 686
٣١٨ - وقال: "لا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالث إلا بإذْنهِ، فإنَّ ذلك يُحْزِنُهُ" (١).
٣١٩ - وقال ﷺ : "الحياءُ مِنَ الإيمان" (٢).
٣٢٠ - وقال: "والظلم ظُلُماتٌ يوم القيامة" (٣).
٣٢١ - وقال "إياكُم والحَسَد، فإن الحَسَدَ يأكُلُ الحَسَنَاتِ كمًا تَأْكُلُ النَّار الحَطَبَ" (٤).
٣٢٢ - وقال ﷺ : "مَنْ كَانَتْ عِنْدَه مَظْلَمَةٌ لأخِيه مِنْ عِرْضِهِ ومَالهِ، فليَسْتَحِلَّه اليومَ قبل أنْ يَأخُذَه به حين لا دينارَ ولا دِرْهم، فإنْ كانَ له عملٌ صَالِحُ أُخِذَ منه بقَدر مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لم يَكنْ أُخِذَ من سَيِّئَاتِ صَاحِبه فَجُعِلَت عليه" (٥).
والله تعالى يقول ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] (٦) والله تعالى ينصر الحقِّ وقائله، قد ذمَّ الباطل ومُدَّعيه، وخَبِّر أنَّ الحق يزهقه، قال الله جلَّ ثناؤه ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ
стр. 687
زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨] وقال جَلَّ ثناؤه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢].
٣٢٣ - وروى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقِ يغتابه، بَعَثَ الله مَلَكًا يَحِمْي لَحْمَه يَومَ القِيامَة منْ نَارِ جَهَنَّم، ومن رَمَى مُسْلِمًا بشَيءٍ يُريد شَيْنَه به، حَبَسهُ اللهُ على جِسْرِ جَهَنَّم حتى يَخْرُجَ مما قال" (١).
وفي هذه الموعظة تذكرةٌ لمن اعتبر، وبصيرة لمن تذكَّر، والله حسبي ونعم الوكيل.
ثم لم يكفهم ما أضافوه إلينا من الكذب والبهتان، حتَّى رمونا بالتَجْسِيم والتَّشْبيه والكفر، لأجل ما رويناه من الصِّفات التي جاءَ بها القُرآن والأخبار (٢)، والله تعالى يقول ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١] فكيف يجوز أنْ نُكَفَّرَ ونحن نحتج بكتابِ الله وسنة رسول الله؟ ولكن نعتصم بالله كما أَمَرَنا اللهُ تعالى، لنهتدي إلى الصِّراط المستقيم.
ومع هذا فلم يُخْلِ الله جَلَّ ثَنَاؤُه كل عَالِمٍ في عصره من جاهل يبغي عليه
стр. 688
ويَحسده، ليبلوا بذلك شكرَه وصبرَه، ويعظمَ بذلك ثوابه وأجره، وقد قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١] وقال تعالى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦] وقال تعالى ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] وقال تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
٣٢٤ - وقال النبي ﷺ "لو أنَّ مُؤمِنًا على قَصَبَة في البحر، لَقَيَّض اللهُ له مُنَافِقًا يُؤذيه" (١).
وقال الشاعر:
وإذَا أَتَتكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ … فهي الشَّهادةُ لي بأنِّي فَاضِل
٣٢٥ - وقال رجلٌ لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه: يا أبا عبد الله، قالوا إن عندك كتابُ زَنْدَقَة! فقال: لا يحرز المؤمن إلا قبره.
واعلموا رحمكم الله أنَّ اعتقادي في هذه الأخبار ما قدمته في أثناء كتابي مِنْ حملها على ظاهرها، من غير تشبيهٍ ولا تجسيم، فيما لا يُحيل صفاته، لا يخرجها عما تستحقه، فمن روى عنَّا خِلافَ ذلك، أو أَضَافَ إلينا سواه، أو نحلنا في ذلك قولًا غيره، فهو كاذبٌ مُفتري، مُتَخَرِّصٌ مُعّتدي، يبوء بسخط الله، وعليه غَضبُ اللهِ ولَعنته في الدَّارين، وحقٌ على الله أنْ يُوردَه المورد الذي وَعَدَ رسول الله حرباه، وأنْ يحله المحال الذي أخبَر نبي
стр. 689
الله ﷺ أنَّ الله محلُّه محل أمثاله على ما أخبَر ﵇ (١).
٣٢٦ - فروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى في "البيان عن صَريح السُّنَّةِ" بإسناده: عن أبي الدرداء أنَّ ﷺ قال: "مَنْ ذَكَر امرءًا بما لَيس فيه ليعيبه، حَبَسَهُ اللَّه به في جَهَنَّم، حتى يأتي بنفاد ما قال فيه" (٢).
٣٢٧ - وبإسناده: عن أنس قال رسول الله ﷺ : "لما عُرِجَ بي مَرَرْتُ بقَوم لَهُم أَظْفَار من نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ صُدُرَهُم، فقلت: مَنْ هَؤُلاء يا جبريل؟ قال: "هَؤُلاء الذين يأكلَونَ لحومَ الناس، ويَقَعُونَ في أعْراضِهِم" (٣).
إلى أمثال ذلك، واعلموا رحمكم الله أن لنا أُسْوَةٌ بالأنبياءِ صلوات الله عليهم، وذلك أنَّ اللهَ تعالى اصطفا من خلقه رسلًا، إبتعثهم بالدعاء إلى دينه (٤) وأمرهم بالقيام به، والصَّبر على ما نَابَهم فيه من جَهلة خَلْقِهِ، وامتحنهم من المحنِ بصنُوفٍ، وابتلاهم من البلاءِ بِصُرُوفٍ، تكريمًا لهم غير تذليل، وتشريفًا غير تخسير.
ورفع بعضهم فوق بعض درجات، فكان أرفعهم عنده جلَّ ذكْره دَرَجَةً، أشدهم محنة، فقال تعالى في محكم كتابه لنبيه محمد ﷺ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
стр. 690
أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال له ولأتباعه رضوان الله عليهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢].
وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
فلم يُخل جلَّ ثَنَاؤه أحدًا من مُكُرَّمي رُسله، ومُقَرَّبي أوليائه، من محنته، في عاجله دون آجله، ليستوجب بصبره عليها من ربِّه تعالى مِنَّة الكرامة، وما أعدَّ له من المنزلة لديه ما كَتَبَه له.
فنسأل اللهَ الكَريم أنْ يَجعلنا مَمنْ يَقْفُوا أَثَرَ نبيه، ويتبع آثاره، ولا يخالف أقواله.
تَمَّ الكتابُ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليمًا (١).
стр. 691
سماع بآخر الكتاب
وهذا ما وُجِدَ على الأصل الذي نُسِخَ منه هذه النسخة المباركة سمع عليَّ إبطال التأويل إلخ شمس الدِّين أبو الثناء محمود بن سليمان بن سلامة المسودى بالعرباني، والولد الأجل شرف الدين أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن علي بن محمد بن سعيد بن حمزة التميمي وذلك بحق إجازة شيخنا أبي العالي بإجازته من البطايحي عن القاضي أبي الحسين، كذلك عن والده مؤلف الكتاب كذلك، وذلك في مجالس آخرها في شهر ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة وكتب بختم منصور بن أبي الفتح الحراني حامدًا لله ومُصَلِّيًا على سيدنا محمد وآله وصحبه (١). ١٣٣٧ - ١٣ ج ٢.
تم الكتاب بقلم الحقير الأقل الرَّاجي عفو الله صالح بن دخيل الله بن جار الله من آل سابق بن شماس من آل زايد من قبائل الدواسر غفر الله له ولوالديه ووالديهم ومشايخه وإخوانه من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات آمين.
حرر وتم في آخر يوم الأحد الثالث عشر من جمادى الثاني سنة سبع وثلاثين بعد الثلثمائة وألف هجرية.
وكتب هذا البيت من الشعر في هذه الصفحة الأخيرة:
إنْ تَجدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَللَا … جَلَّ منْ لا عَيْبَ فيه وَعَلَا
* * *
_________
(١) كتب بمحاذاته: بلغ مقابلة.