إيقاعِهِ، وأَنَّه لم يزلْ قادرًا بقدرةٍ قديمة، صفة قائمة به، يَقْدرُ بها على المَقْدُورَات، ويخترع المخترعات، وهي شَاملة كل مقدور (١).
وكذلك وصفه بأنه: قَاهِر ومُقْتَدر وجَبَّار ومُتَجبَّر وعَزِيز وكَريم، لأنَّ العَزيز مَأْخُوذ من العلوِ، ومنه قولهم: خَيَل عَزيز، وفَرَس عزيز، إذا كان عاليًا ممتنعًا (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "عليم وعالم" فمعناه أنَّه ذو علم، فكل عالم فهو ذُو عِلمٍ، وكل ذي علمٍ فهو عَالِم، وقد يُوصف تعالى بأنَّه عَارِف ومتبين! وخبير (٣).
وقد وصف نفسه بذلك في كثير من الآيات، لأنَّ ذلك يعود إلى معنى واحد، وهو عالم، وقد يوصف بأنَّه دَرَى وداري، لأنَّه بمعنى عالم، وقد قال الشاعر:
اللَّهُمَّ لا أَدْري وأَنْتَ الدَّارِي
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "حكيم" فقد قيل فيه المراد به: عَالِم، ومن قوله تعالى ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] وقولهم: فلان قد أحكم الفِقْه والصَّنعة، إذا عَلِم ذلك، وقيل معناه: محكم الفعل، وإحكَامِه له هو: إيقاعه له بحسب قصده وإرادته من غير تفاوت، ومنه قولهم: أحكَمَ مُراده وما قَصَدَ له، وأحكم فلان بِنَاءه، إذا فعله مُحْكَمًا مُتْقَنًا، وهذا أَشبه بظاهر اللغة (٤).
стр. 632
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "تَوَّاب" فهو مأخوذ من كَثْرةِ التَّوبة، التي هي الصَّفح عن الذُّنُوب والرحمة، ومن قوله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] (١).
وأمَّا وَصْفه تعالى بأنه "بَصِير" معناه: أنَّه رائي مُدْرِك للمدْرَكات، وسائر الموجودات، بإدراكٍ يزيد على الصِّفة التي هي "العلم" وأنَّ له بَصرًا لو كانت المدركات موجودة، لكان مُدْرِكًا مُبْصِرًا لها به (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وَاسِع" فمعناه موسع على خلقه في العطاء والإحسان، وسعة الرحمة (٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "بَدِيع" فالمراد به: الخَلْق، ومعناه: ابْتَدَعَ الخَلْقَ، كما قالوا: سميع، ومعناه مُسْمِع، ومنه قوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] معناه: خالقها ومبتديها، والإبْداع معناه: إخراج الشيء من العَدَم إلى الوُجُود بلا مثال (٤).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "سميع" فقيل معناه: العِلْمُ بالمُدْرَكِ، وطريق إلى العلم بالمدرك.
وكذلك "البَصِير" لا يَغيب عنه شيء (٥).
стр. 633
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "كافي" فمعناه: يكفي عباده، بمعنى يُغِيثُهم إذَا اسْتَغَاثُوا به (١).
وكذلك "النصَّير" ينصر عباده، ومنه قوله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "رؤوف" فهو راجع إلى معنى رحيم، وهو مأخوذ من الرَّأفة والرحمة.
قال جرير:
نَرىَ للمُسْلِمينَ عَليكَ حَقًّا … كَفِعل الوَالِدِ الرَّؤوف الرحيم (٣)
وفي معناه: الحَنَان، معناه الرحمة (٤) قال تعالى ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] أيْ: رحمة (٥).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "شَاكر وشَكُوْر"، فقيل معناه: يُجازي عباده على شكرهم له، فيسمى جزاءه للشِّكر شكرًا، لأنَّ جَزاء الشيء قد يسمى بإسمه، كما قال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وقيل: لما جَازَى على القليل من الطَّاعة، بكثير من الثَّواب، سُمِّيَ شَكُورًا، ومنه قولهم: دَابَّة شكُور، إذَا كانت تُظْهر مِنَ السَّمَنِ فوق ما تُعطى من العَلَف (٦).
стр. 634
وأمَّا وَصْف بأنَّه "وَاحِد" فمعناه: الذي لا شريكَ له، القهار ويقهر كل جَبَّارٍ، والأَحَد والواحد بمعنى واحد، وقيل: معناه شيء، وكل شيءٍ واحد، وكل واحدٍ شيء، فإذا قيل للجملة إنَّها واحدة، فإنه يُقَّدر فيها حكم الواحد الذي لا ينقسم (١).
وقيل: المراد به نفي النَّظير، كقولهم فلان واحد زمانه.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "غَفُور" فمعناه: أنَّه لم يَفعل بالعُصَاةِ من عباده ما يَسْتَحقُون باجْرَامِهِم. وكذلك وَصْفُه بأنَّه "غَافِر وغَفَّار ومُحْيِط ومُكَفِّر للعِقَاب وحَلَيم" معناه ما ذكرنا.
وقيل أصل الغَفْر: السِّتر، ولهذا سُمِّيَ جُنَّةُ الرأسِ مِغْفَرًا، لأنَّها تَغفر الرأسَ، أي تَستره (٢).
ولا يجوز وصفه بالكفِّ عن العِقاب، لأنَّ ذلك إنَّما يُستعمل فيمن يكفُّ نَفْسه عما تدعوه إليه وتشتهيه، وذلك مُحَال في صفته، ولكن يُوصفُ بالتَّرك (٣).
وقيل: معنى "غفور" أنَّه يَستر الذُّنوب على عبَاده ولا يكشفها.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "حَلِيم" أنَّه لم يَفعل المستحق من العِقاب، أوْ مَا يليق ذلك عنده من الأفعال التي قد أَجْرَى العَادَة بأنْ يفعل عندها الالآم. ولا خلاف أنه حليم عن الكُفار والعُصاه في الدنيا، وإنْ لم يَفْعل فيهم ما
стр. 635
يُضَاد عِقابه لهم، وانتقامه منهم، وليس يمتنع وصفه بأنَّه حليم عمن يُعاقبه في الآخرة، على معنى أنَّه أخَّرَ ما كان له تقديمه من العقاب، كما يقال ذلك فيه لو تركه جملة (١).
وقد قيل: لا يجوز وصفه بأنَّه "صَبُور" كما جاز وصفه بأنَّه حليم، لأنَّ صَبور هو الذي يَصبر لما يَلْحَقه ويناله من المكارهِ والمَضَار المؤلمة، فيصبر لها ولا يجزع عند نزولها، وقد جاء في الحديث ما يدل على جواز وصفه بذلك فقال: "لا أَحَدَ أَصْبَرُ على أذىً يَسمعه من الله" (٢).
وأمَّا وصفه بأنه "قابض" قيل معناه: المُضَيِّق على من يشاء أنْ يُضيق عليه في رِزْقٍ وغيره، والمانع له، ومنه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٣) ويحتمل أنْ يكون معناه: قابضُ الأَرْواح، ومنه قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ [الفرقان: ٤٦].
وأما وصفه بأنَّه "بَاسِط"معناه: الموسع عطاياه، والبسط هو التوسيع (٤)، ومنه قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] (٥).
стр. 636
وأما وصفه تعالى بأنه "لَا إلهَ إلَّا هو" فمعناه: نفي الإلهية لغيره، وقد قيل في الإله: أنَّه الغالبُ الذي ليس بمغلوبٍ، والقَاهر الذي ليس بمقهور، النافذ الإرادة في جميع مُرَاداتِهِ، حتى لا يُريد شيئًا إلا كان، ولا يكون إلا بإرادته الذي لا ضِدّ لَه يغالبه، وهو الذي عَنَاه بقوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي مُتَغَالِبَين ومختلفين (١).
وقيل: إنَّه مأخوذ من التَّوحيد والتَّفرد في الأَزَل بصفاته التي بَانَ بها، وكونه في القِدَم بصفاته لا مُشَارَكَ له فيها، مِنْ قولهم: فلان قد تألَّه، إذا كان مُنفردًا بالعبادة، ومنقطعًا بها عن الخلق (٢).
وقيل: هو مأخُوذ من الإحتجاب، ومنه قول الشَّاعِر:
لاهَتْ فما عُرِفَتْ يَومًا بخارجة … يَا لَيْتَها خَرَجَتْ حتَّى رأَيْنَاهَا
وقيل: معنى "إله" مأخوذ من وَله العِبَادُ إليه في الحَوَائج والنَّوازل إليه، منه قول ﷺ : "لا تُولَّهُ وَالدِة عَلى وَلَدِها" (٣) أي: لا يُفرق بينهما فتخرج الوالدة
стр. 637
لفِرَاق ولدها.
وإذا كان مَأخوذًا من هذا، كان موصوفًا بأنَّه إله بعد أَنْ لم يُوصف بذلك ومُستَحقًا له عند وَلَهِ العِبادِ إليه (١).
وأَمَّا وَصْفُه تعالى بأنه "حَيّ" معناه: أنَّ له حياة، و هو الذي: يَصح أنْ يَعْلَم ويَقْدِر.
ولا يجوز تفسيره بأنَّه ليس بميتٍ، لأنَّه قد يَشْترك الحيَّ في نفي الموتِ عنه ما ليس بحي، وهي الجَمَاَدَات ليست بأموات، كما أنَّ الحي ليس بميت.
وقد وَصَفَ الله تعالى نفسه بالحياة فقال ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر: ٦٥] وقيل معناه: الدائم الذي لا يفنى (٢).
وأمَّا وصفه بأنه "قَيُّوم وقَيَّام" فيحتمل أنْ يكونَ معناه: دائم الوُجُود والبقاء، ويحتمل أنْ يكون معنى قيوم وقيام بمصَالح خَلْقِهِ وما يحتاجون إليه، كما يُقال: فلان قائم بهذا الأمر، أيْ مُدَبِّر له، ولا يجوز أنْ يُوصَفَ بالقيام الذي هو الانتصاب وضد القُعُود، والتحرك في جهةٍ مخصوصة (٣).
وأما وَصفُه تعالى بأنه "عَليّ ومُتَعال" قيل معناه: الرفيع فوق كلِّ شيء، ولا
стр. 638
يعلوه شيء، لا على وَجْه المساحة والمكان، لأنَّ ذلك يُفضي إلى تحديد، والمحدُود يقتضي حَادًّا هو حدّه.
وقيل: معناه مُتَعال عن الأدْناس والعَيوب والدناءة.
وقيل: استحقاقه لصفات الكمال، من العلم الشَّامل، والقُدرة الكاملة، والإرادة النافذة، والمشيئة الجارية، لا يعجزه شيء (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "عَظِيم ومُتَعَظِّم" فمعناه كل شيءٍ دُونه، وقد يُستعمل ذلك فيمن تَعظَّم شأنه بالقَدْرِ والمنزلة، كما يقال: عظيم المنزلة، لشرفه وعلوه، ونفاذ أَمره، وهذه صفاته سبحانه، وقد يكون معناه: عَظيم عن الأَدْناس والتناقص (٢).
وأما وصفه تعالى "بأنَّه "وَليّ" فقيل معناه: النَّاصر، فهو ولي المؤْمِنينَ بمعنى ناصرهم بفعل أَنواع اللطفِ والتَّوفيق.
وقيل معناه: القيام بأمور الخلق، المدبر لها، فعلى هذا هو ولي جميع الخلق، مُؤمنهم وكافرهم (٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "غَني" فقيل معناه: انتفاء الحاجة عنه التي هي ضد الغنى، وقيل معناه: القادر على كل شيء مقدور، النافذ لإرادته في كلِّ مُراد، والأول أولى، لأنه قد يقدر على تنفيذ مُراده من هو محتاج إليه،
стр. 639
غير مُسْتغنٍ عنه (١).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "حميد" قيل معناه: المحمود، كما يُقال: قتيل بمعنى مَقتول، وحمْدُ الله هو الثَّنَاء عليه بصفَاتِهِ الحُسْنَى، والثناء عليه بنعمه (٢).
وفي معناه "مَجِيد" والمجْدُ الجَلَالة والعَظَمة والشَّرف، وقيل معناه: حمده وثناؤه على نفسه بصفاته العُلَى، وعلى أوليائِهِ من المؤمنين (٣).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "وَاهِب وَوَهَّاب" معناه: يَهَبُ حقْه، ويترك على عباده ما وَجَبَ له، وينعم عليهم، وهو الغالب في الاستعمال.
ويحتمل أن يكون بمعنى الحاكم للعبد بملك الشيء وجعله له، فيكون مخبرًا بذلك (٤).
وأما وصفه تعالى بأنه "سريع" فيحتمل أن يكون معناه: أنَّه لا تَعْسر عليه الأشياء، ولا يحتاج فيها إلى تَكلف، ومنه قوله تعالى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] (٥).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "خبير" فقيل: إنَّه بمعنى عليم، وهو الأظهر في الاستعمال من قولهم: الله أخْبَرُ بعباده، أي: أعلم بهم، وفلان خبير بأمري، وقولهم: سألت خبيرًا، يعنون: سألت عليمًا، وذلك يعود إلى عالم.
стр. 640
وقيل المرادُ به: مخبر فيكون بمعنى خَابر، كما يقولون. فقيل بمعنى فاعل فيفيد الخبر منه (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "رقيب" فقيل معناه: هو الحافظ، و"الحَفيظ" مثله، وقيل في الحفيظ: المُحَاسِب.
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأَنَّه "حَسيب" فقيل فيه: أنَّه محاسب لخلقه، وحسابه لهم على وجهين:
أحدهما: أَنْ يكون بالكلام وتعريفهم قدر أعمالهم.
والثاني: أنْ تكون المحاسبة لهم نفس الجزاء على قدر أعمالهم، بضَرب من أفعال وأقوال الملائكة، وقد قال تعالى ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] يعني جَزَاء (٢).
وقد يكون "محاسبًا" بمعنى مُحْصِي وعاد، وذلك رجع إلى كونه عالمًا، وهذا قوله تعالى ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٤].
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "شَهيد" معناه: يشهد كل شيءٍ، لا يَغيب عنه، ونشهد أنَّه الواحد، وأنَّ محمدًا رسوله، كما قال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ولأنَ معناه عالم، وإنْ كانَ في أصل الوَضْع لإفَادة الرُؤْية للشيء، وقد قال تعالى ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] وقال ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] معناه: يَعْلم كذبهم، فكأنَّه يَسْتُر دونهم (٣).
стр. 641
وأما وَصْفُه تعالى بأنَّه "عَفُوّ" قيل معناه: السِّتْرُ والدَرْسُ، قال لبيد:
عفتِ الديارُ محلُّها فمُقامُهَا … بمنَى تأبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا
معناه: دَرَسَتْ (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُقيت" في قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] فقيل معناه: القادر على كل شيء، قال الشاعر:
وَذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النفس عنه … وكُنْتُ عَلى مَسَاءته مُقيتًا
أي: قادرًا، وقيل معناه: الشَّاهد بمعنى رائي وعالم، وقيل: معناه القائم بأقواتِ الخلق، والمُنشئ لها (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وكيل" معناه: الحافظ القائم بالأمر، ومن قوله تعالى ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] معناه: الكافي، وقيل معناه: موكول إليه، لأنَّ فعيل بمعنى مفعول (٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "فاطر" فهو الخالق المبتدئ، لقوله ﴿فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] ومنه قولهم: أَنَا فَاطِرُ هذه البئر، أي: ابتدأ حَفْرها.
وقال ابن عباس: كنتُ لا أدري ما فاطر، حتى أتاني أَعْرَابيَّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما، أَنَا فَطَرْتُها، أَنَا ابتدائتها.
وقال الأصمعي عن أبي عمرو: الفاطر هو المبتدئ بالشيء (٤).
стр. 642
وأمَّا وصفه بأنَّه "قَادِر" معناه: أنَّ له قُدْرَةً، كما قلنا في وصفه بأنه "حي" معناه: أنَّ له حياة، ولا يجوز أنْ يقال إن معناه: أنَّه على حال يصح منه الفعل، لأنَّه لم يزل قادرًا، ولا يجوز أنْ يقال: لم يزل فيصح كونه قادرًا، لأنَّ ذلك يُخرج الفعل عن كونه فِعْلًا ومَقْدُورًا (١).
وفي معنى ذلك وصفه تعالى بأنه "قدير" لأنَّه من أَلْفاظِ المبالغة، مثل قولنا: حكيم وقدير وعليم.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "لطيف" فمعناه: ملطف بعباده بفعل التوفيق، وقد يُراد باللطيف: أنَّه العالم الخبير بسرائر خلقه، والخفي من ضَمَائِرِهِم (٢).
وكذلك يقال في الدعاء: يا لطيف يا خبير، يصف علمه بما دَقَّ وخفي ولا يجوز أنْ يقال إن معناه: صَغُر ودق، فإنه يتعالى عن ذلك.
وأَمَّا وَصفه تعالى بأنه "يحيي ويميت" معناه: المتفَرِّد بهذه الصِّفة، وفي ذلك مدحة، لأنَّه لا يقدر على فعل ذلك في الذَّوات سواه (٣).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنه "نِعْم الموْلَى ونِعْم النَّصِير" فهو خارج مخرج المدح وأنَّه أكرمُ مولى، وأعزُّ ناصر (٤).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "حفيظ وحافظ" فقيل معناه: عليم وعالم، وهو المراد بقوله تعالى ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] وقيل بمعنى مانع
стр. 643
الآفات، ومنه قولهم: فلان يحفظ داره، أيْ: يمنع عنها، ومنه قولهم: يا حافظ السَّماوات والأرضين، أي: مانع من عدمها وتغيرها، ومنه قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه: "قَرِيب" فمعناه: غير مُمتنعٍ على مَنْ سَأَله ودَعَاه وتَقَرَّبَ إليه، ومن قوله تعالى ﴿قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ويحتمل أن يكون معناه: يسمع السر والجهر، فيرجع إلى معنى العلم.
وأمَّا وَصْفُه بأنه "مَجِيد" فمعناه: الرَّفيع الكريم، يقال: مجد فهوَ ماجِد، والمجد هو الجَلَالة والعَظَمَة والشَّرف (٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "قويّ" فمعناه: القُدرة على الفعل والتمكن منه، وقد يُوصف الجبل والنخلة والأرض والخشبة بالقوة، ومعناه: صلابة ذلك، وقد قال تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] (٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مجيب" معناه: المجيب لما سُئِلَ ورغب إليه، وفي هذا مِدْحة له، وأنَّه مُتَعَطِّف مُتكرِّم على خَلقْه، ومنه قوله تعالى ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٤).
стр. 644
وأما وصفه تعالى بأنَّه "وَدُود" فقيل: يحتمل أنْ يكون بمعنى مُحِبُّ للمؤْمنين، ومحبته لهم إرادته لمصالحهم وإكرامهم (١)، وقيل معناه: مَحْبُوب مودود عندهم، وترجع محبتهم له إلى إنعامه وكرمه إلى أفعاله، لأنَّه إنَّما يَصير مَودُودًا بمودَّةٍ يفعلها في خلقه.
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "فَعَّال" فمعناه وجود الأفعال الكثيرة من جهته من غير تَكَلُّفٍ ولا مشقة، ومثله "وهَّاب".
وأَمَّا وَصفه تعالى بأنَّه "كَبير ومُتكبِّر" فالمراد به مُتعالٍ عن شبه الخَلْق، ولحُوق النَّقائص والآفات بذاته (٢).
وكذلك وصفه بأنَّه: عَظيم وجَلِيل ورَفِيع ومُتَعال ومَاجِد ومَجِيد.
وأمَّا وصفه بأنه "مَنَّان ومَان" فمعناه: كثرة إنعامه وإحسانه وسعة جوده (٣) وعطائه، وذلك من ألفاظ المبالغة (٤)، وهذه الصِّفة في حقنا معناه: كثرة الذِكر والاعْتداد بعطائه، ومنه قوله تعالى ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] والمراد به: كثرة ذِكْرِها، والاعتداد بها.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "خَلَّاق وخَالِق" فمعناه: الاخْتِرَاع والإبْداع والإيجاد للأشياء بعد أنْ لم تكن، وهو المراد بقوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]
стр. 645
وقول الأمة: لا خالق إلا الله، يعني لا مُحْدِثَ ولا مخترع سواه (١).
وقيل معناه: مُقَدِّرُ الأشياء على مَقَادِيرها، لأنَّ الخَلْقَ في اللُّغة: التقدير، قال الشاعر:
ولأَنتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ … وبَعضُ الَقوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
وأما وَصْفُه تعالى بأنه "بَاعِث" فمعناه: يَبعث الخَلائق يوم القيامة، ولهذا يُسَمَّى يوم القيامه: يَومُ البَعْث، لأنَّ الخلائق يُبعثون فيه، أي يُنَادَونَ فيه من قُبُورهم، والبَاعِث هو المُنْهض والمُحَرِّك، وأصل البَعث: التحريك (٢).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وَارِث" فمعناه يبقى بعد فَنَاءِ خلقه، لأنَّه موجود لم يزلْ ولا يَزَال، الوَارث مُشْتق من الإرث، وإرْثُ كل شيء بَقيمته، ويقال للميراث: إرث، لأنَّه بقيةُ مَنْ سلَفَ على من خَلَفَ (٣).
وأمَّا وصفه بأنه "كَرِيم والأكرمُ" واحد، ومعناه: إثباتُ كمال الصِّفات الواجبة له، من كونه حَيًّا موجودًا، على جميع الصفات النافية للنَّقائص (٤).
وقيل معناه: مُكْرِم مُتَفَضِّل مُنْعِم بما لا يستحق عليه من الإفضال، كما تقول: سميع معناه مُسْمِع، وبديع بمعنى مُبدع، كذلك قولنا: كريم بمعنى مُكرم (٥).
стр. 646
وأما وَصْفه بأنَّه "مُبين" فهو المُظْهِر لإبانَاتِهِ ودلائله الدالة على وَحدَانيته، وهو المُظهر لأحكام الذين وشرائعه، يقال بَيَنْتُه وأَبَنْتُه إبَانَةً وتَبْينًا وتبْيَانًا (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "نُور" فقيل معناه: مُنَوِّرُ السَّمَاوات والأرض بالنَيِّرين، أو مُنَوِّر قُلُوبِ أهل السَّماوَات والأرض بالهُدَى والتَّوفيق، لأنه لا يجوز أنْ يكون جِسْمًا مُضِيئًا ولا شُعاعًا وَضِيئا كبعض الأجسام!، فكان معناه ما ذكرنا (٢).
وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب "التفسير" عن ابن عباس في قوله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يقول الله سبحانه: هادي أهل السّماوات وأهل الأرض.
وقيل: هو نُوُر لا كالأنوار، ليس بذي شُعِاع ولا جسم مضيئ، على ظاهر القُرآن.
وهو أشبه بكلام أحمد فيما خَرَّجه في الرَّد على الجَهْمية لأنَّه قال: قلنا للجهمية الله نُور، فقالوا: هو نُور كُلُّه، فقلنا لهم: قال الله ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] فقد أَخْبرَ جَلَّ ثَناؤه أنَّ له نورًا، وقلنا لهم: لما زعمتم أنَّ الله في كلِّ مكان وهو نور، فلم لا يضيء البيت المُظْلم من النُّور الذي هو فيه، إذْ زعمتم أنَّ الله في كُلَّ مكان؟ (٣).
стр. 647
وظاهر هذا الكلام من أحمد، أن أثبت له هذه الصِّفة.
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "هَادي" معناه: فاعل في غيره ما يَصِيرُ به مهتديًا وكذلك وصفه بأنَّه مُضِل ومُوَفِق ونَاصر وخَاذِل، معناه فاعل في غيره ما يَضل به، ويُوَفَّقُ به ويَنتْصرُ به ويَنْخَذِلُ به (١).
وأمَّا وصفه بأنَّه "فَتَّاح" معناه يفتح على الخلق أرزاقهم، ويُفَرِّجُ عنهم مضائقهم وشدائدهم، قال تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وقيل: فَتَّاح بمعنى حَاكم فَاصِل بين الخصوم يوم القيامة (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "قابل" معناه: مُتَعَطِّف على خلقه بقبول التَّوبة والتَّجاوز عنهم، ويتكرم عليهم وفي ذلك مِدْحة له (٣).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "شديد" معناه: قادر لأنَّهم فيقولون: رجل شَديد، إذا كان قَويًا، وقد تستعمل الشِّدة بمعنى: الصَّلابة، فيقولون: حَجَر شَديد، وخَشَب شديد، يَعنون الصَّلابة، وذلك مستحيل وصفه به سبحانه (٤).
стр. 648
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "ذُو الطَّوْل" معناه: الفَضْل، ومنه قولهم: لفلان على فلان طَوْل، أيْ تَفَضُّل، وأما وصفه بأنَّه "رَزَّاق" معناه: المعطي للرِّزق، والرزق حقيقة الغَذَاء والتَّربية، وقد قال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (١).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "ذُو القُوَّة" وبأنَّه "القَوي" معناه: القَّادر، وتكون قوته بمعنى قُدرته، وقيل معناه: يُقِّوي عباده، أي: يُؤتيهم قواهم.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مَتِين" فقيل المراد به: تأكيد الوصف بالقوة، والرب تقول للشيء القوي: إنَّه مَتين، ويقولون: هذا الشيء أمْتَن من هذا يعني أنَّه أَصلَبُ منه (٢).
وأما وصفه بأنَّه "بَار والبَرُّ" معناه: الرحمة والرِّزق لعباده، ومن قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] (٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "مُقْتَدر وقَادِر وقَدِير" معناه: لا يُعجزه شيء، وقيل: هو المتمكِّن من الفعل (٤).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "باقي" معناه الدائم، ولهذا يقال نعيمٌ باقي، وعذابٌ
стр. 649
باقي، معناه: دائم، وكذلك يقال: مَرَضٌ دائم، ونعمةٌ باقية على الأعقاب، إذا كانت دائمة (١).
وأمَّا وصفه بأنَّه "ذُو الجَلَال (٢) والإكْرَام" معناه: أنَّه أهلٌ أنْ يُجَلُّ ويكرم ويُعظَّم، كما قال ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] معناه: أهلٌ أنْ يُتَّقَى ويَغْفر (٣).
وأَمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "حَقٌّ" فيحتمل أنْ يكونَ بمعنى مُحِقٌّ ومُحِّققٌ. فيكون بمعنى صَادِقُ ومُخْبرْ بالحق، فيرجع ذلك إلى أخباره وكلامه (٤) ويحتمل أنْ يكون بمعنى أنَّه ثابت موجود غير معدوم، ومنه قول ﷺ "السِّحْر حَقٌّ، والعَيْنُ حَقٌّ" (٥) يُراد بذك أنَّه ثابت كائن، وإنْ كان باطلًا.
وقيل معناه: النَّهاية في الصفة، وأنَّه نهاية في الآمال والثَّناء، ومنه قوله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢] وقوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٤].
وأما وصفه بأنه "ظَاهِر" معناه: الظَّاهِر على الأمور، والغَالب عليها، والقاهر لها، مأخوذٌ من قولهم: ظَهَرَ فلانٌ على فلان، إذا قهره بالحجة.
وقيل: معناه مُظْهِرٌ للدِّلالاتِ على وجوده، وإقامة البراهين على ما
стр. 650
يستحق من صفاته (١).
وأمَّا وصفه بأنَّه "باطن" معناه العالم بما بَطَنَ وخَفِي، وقيل: المُحْتَجب عن خلقه بما مَنَعهم مِن رؤيته.
وأمَّا وصفه بأنَّه "قُدُّوسٌ" فمعناه النَّزاهة والطَّهارة، ومنه قيل: الأرض (٢) المُقَدَّسة، المراد به المُطَهَّرة بالتَّنزيل، ومنه: حَظيرة القُدس، قيل هي: الجنَّة، لأنَّها مَوضع الطَّهارة من الأدْنَاس التي تكون في الدُّنيا من الغائط والبول وأَشْباه ذلك (٣).
قال رُؤْبة بن العجاج:
دَعَوْتُ رَبَّ العِزَّة القُدُّوسَا … دُعَا مَنْ لا يَقْرَعُ النَّاقُوسَا
وأمَّا وصفه "بالسَّلام" فالسَّلام اسم من أسمائه.
قال أحمد في رواية أبي داود وقد سأله: يَمُرُّ بالقوم وهم يَتَقَاذَفُون، أُسَلِّم عليهم؟ فقال: هؤلاء قومٌ سُفَهاء، والسَّلام اسم من أسماء الله جلَّ وعزَّ، وقال له: أسَلِّم على المُخَنَّث؟ فقال: لا أَدْري، السَّلام اسم من أسماء الله.
فقد نصَّ على أنَّه من أسمائه.
وقيل: معناه راجع إلى السَّلامة مما يَلْحَق الخَلْقَ من العَيبِ والنَّقص والفَنَاء والموت، وقيل معناه: هو الذي يُسلِّم عليه أَولياؤه بأنْ يُنَجِّيهم من عَذَابه، ويوصلهم إلى ثوابه (٤).
стр. 651
وأمَّا وَصْفُه "بالمؤمن" فمعناه: مُصَدِّقُ ما وعده ومُحِّققُه، أو قَابل إيمانه، لأنَّ الإيمانَ في اللغة: هو التَّصديق، وقد يكون المؤمن من الأمان، أي لا يأمن إلا ما أمنَه.
وقيل: معناه مُصَدِّقٌ لنفسه ورسوله بقوله ووصفه لنفسه بأنَّه صادق، وذلك يرجع إلى كلامه (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "المهيمن" فمعناه: شاهدٌ على الخلق، لأنَّ المهيمن هو الشاهد على الشيء، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي شاهد عليه.
فإن أرِيدَ بشهادته رؤيته لأفعالهم، ففيه بُعْد، لأنَّ المشاهدة لا توصف بأنَّها شهادة، وإنْ أُرِيدَ بالشَّهادة الإخبار عَمَّا كانَ وَوَقَعَ من الأفعال والأمورِ المشهود بها، كان بمعنى الخبرة.
وقيل معناه: أمينًا عليهم، وقيل: معناه رَقيبًا حَافِظًا (٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى "بالعَزِيز" فقيل: معناه قادر وممتنع، وقد يكون بمعنى أن غالب في صفاته، وقد يكون بمعنى أنه يَعزُّ عن شَبَه الَخلْق، ويعز عن كون ما يكرههه في سلطانه، ويعز عن النَّقائص والآفات، وإذا قيل: جَبَل عزيز، فإنَّما يُراد به العالي الممتنع بعلوه (٣).
وأَمَّا وصفه تعالى "بالجَبَّار" فقيل معناه: مُتجبر ومتكبر وعظيم، وقيل: يحتمل الإجبار للمخلوق على ما أرادَ منه، وإلجاءه إليه وإكراهه عليه،
стр. 652
وهذا بعيد، لأنَّ الجبار غير الإجْبَار (١).
وقد أنكر أحمد القول بأنَّ الله أَجْبَرَ العِبَاد على الطاعات.
وقيل: الجبار مَأخوذ من الجبر، والجبر هو الإصلاح لأمر نفسه أو أَمر غيره، وهذه صِفَتُه سبحانه.
وأما وَصْفُه سبحانه بأنَّه "مُتَكَبِّر" معناه عن النَّقائصِ التي تعود لخلقه، وعن التَّشبه والمقايسة بهم، وقيل معناه: ملك (٢).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنَّه "بَارِئ" فمعناه: الخالق، يُقال بَرَأَ الله الخلق يبرئهم، والبَريَّة الخلق (٣) ومثل البارئ "الذارئ" وهو الخالق يقال: ذَرَأ اللهُ الخلق، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] أي: خلقنا والذُّرِّية منه بأنَّها خَلْق لله وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ٧٩] وأما وصفه تعالى بأنَّه مُصوِّرٌ، فمعناه خَالِقُ، ومنه قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] (٤)، والمراد به أحسن المصورين تصويرًا أو تقديرًا، وليس المراد به أحسن المحدثين إحداثًا وإيجادًا، لأنَّ الحدوث والوجود في كلِّ حادثٍ موجود على صفةٍ واحدةٍ غير مختلفة، "وأحسن" حرف مُبالغة، وإنَّما يدخل ذلك فيما اختلفت صفته، وتَفَاضلت وتزايدت، وذلك محله في صفة الحدوث والوجود (٥).
стр. 653
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُبْدِئ" فمعناه: الخلق، وتقديره مُبْدئ خلق الأشياء ومخترعها. وأما وصفه تعالى بأنَّه "مُعِيدٌ" فمعناه: مُعيد الأَشْيَاء بعد عَدَمها، ومنه قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] (١).
وأمَّا وصْفه تعالى بأنَّه "صَمَدٌ" فالمراد به السَّيِّد، ومنه قولهم: أَنْتَ السَّيد الصمد.
ويقال: إنه صمد، بمعنى أنَّه مَصْمُود إليه في النَّوازل والحوائج، فيكون صَمَدًا في اللجأ إليه، بمعنى مصمود إليه.
وقيل: معنى "الصمد" أنَّه ليس بذي جوف يطعم (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "أَوَّلٌ" معناه لم يكن قبله شيءٌ من خَلقه، وأنَّه كان قبل كل شيء من خلقه.
و"الآخِر" معناه: لا يبقى غيره، وأنَّه لا نهاية له ولا غاية، وأنَّه بعد كل شيء (٣).
وللجهمية سُؤَالٌ على هذا، وأنَّه لما كان معناه بعد كل شيء، دَلَّ على فناء النَّار والجنَّة، لأنَّه لا يكون معه شيء موجود!
стр. 654
وهذا لا يصح، لأنَّ معنى وصفه بالآخر: أنَّه الباقي الدائم الوجود (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُجِيبٌ" معناه دعوة الداعي إذا دعاه (٢).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "قَاهِرٌ" فمعناه الغالب لجميع الأشياء عن مُرادها، وقد يكون بمعنى قَادر وقدير، وفي معناه غَالب وغلاب، يرجع إلى معنى قاهر وقادر (٣).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنَّه "فَاصِل" فمعناه: يحكم ويَقضي بين عباده ما كانوا فيه يختلفون، لأنه عالم بسرِّهم وجهرهم (٤).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "فالِقٌ" قيل معناه: خالق، وقيل معناه: خالقُ الفَلَق، وهو دَرَكَة في جهنّم، قال تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] وقال تعالى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقال ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥] (٥).
стр. 655
وأَما وصفه تعالى بأنَّه "رفيع" معناه: الرفيع فوق كلَّ شيءٍ، وقيل معناه: الرفيع عن الأَدْنَاس والعيوب (١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مَاجدٌ ومَجيدٌ" معناه: أهل الثَّناء والشَّرف والمجد، اسم يقع على صفة شيءٍ بها (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "جواد" معناه مأخوذٌ من كَثْرة الجُود، الذي هو العطاء والإفضال والإحسان، وقيل معناه: القادر على فعل الجود وبذل الإنعام، لا يَصْعبُ عليه العطاء، ولهذا يقال: فلان جواد، وإنْ لم يكن ذا مالٍ، إذا كان سَمْحًا لا يتعاظمة العطاء إذا قدر عليه (٣).
وأما وصفه تعالى بأنه "مُدَبِّرٌ" معناه: مدبر لأفعاله، ومعنى تدبيرها: إحكامها وتقديرها، ولا يجوز أن تكون هي الإرادة، لأنَّه يُفضي إلى أنْ يكون مُريدًا في القدم فعلًا قبل وجوده (٤).
стр. 656
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "أَحْكَمُ الحَاكمين" فمعناه: الذي إذا حَكَم نَفَذَ حكمة، وإذا قضى لزم قضاؤه ووجبت حجته، وقيل: الحكم بمعنى الخبر فيرجع إلى الكلام، وكلامه صِفَة ذات قديمة. وقيل الحكم هو: المنع، ومعناه مانع الخصوم عن الظلم، ومنه حَكمَةَ اللجام، وهي ما أحاط بالحنكين، وهي المانعة له، وأحكم مبالغة في الصفة، لأنه عالم بمواقع الأفعال (١).
وفي معناه وصفه بأَنَّه "قاض" ويقضي بالحق، وقَضَى، وقد قال تعالى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم وأخبرناهم، وقد يكون بمعنى الأمر، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: أَمَرَ، وكذلك قوله ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أي: يحكم ويأمر بالحق (٢).
* * *
стр. 657
فَصْلٌ
٣٠٠ - قال أحمد رحمة الله عليه، في رواية أبي بكر المروذي: نحن نصف الله تعالى كما وصف نفسه، وبما وَصَفَه رسوله، ولا نتعدي القرآن والحديث، كما قال.
وظاهر كلام أحمد، ألا يُسمى الله سبحانه ويُوصف إلا بما سَمَّى به نفسه، أو سماه رسوله، أو اتفق المسلمون عليه، لأنّنا قد وجدنا أن السَّمع قد ورد بإطلاقِ أسماء وصفات، يُحيل العقل معانيها في اللغة، نحو تسميته "نور" بقوله ﴿اللَّهُ نُورُ﴾ [النور: ٣٥]، ووصفه نفسه بأنَّه: مُؤْذَى، بقوله ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وبأنه مُحَارَبٌ، بقوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وقول ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وسَاخِر، بقوله ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وماكر ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] (١).
ووكيل ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ومُسْتَهزئ، بقوله ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وكَاتِبًا، بقوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وباني، بقوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] ولطيف، بقوله ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ورحيم، بقوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وحكيم وعزيز، بقوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وسخي، ومنعت الأُمة من تسميته بأشياء لا يُحيلها العقل نحو تسميته: فقيهًا وعاملًا وفَاضلا وعَتيقًا وفطنًا وفهمًا
стр. 658
ومتحققًا وذكيًا وموقرًا ومتيقِّنًا وطبيبًا (١).
فأمَّا القسم الأول: فإنَّه تستحيل معانية عليه، وإنْ كان الشَّرعُ وَرَدَ بإطلاقه، لأنَّ "النُّور" أمَّا أنْ يكون جسمًا مُضيئًا أو شُعَاعًا وضيئًا لبعض الأجْسام، وذلك يستحيل عليه، فكان معناه عند بعضهم: مُنَوِّرُ السَّماوات والأرض، ومُنَوِّر قلوب عباده الذين في السَّمَاواتَ والأرض، على ما تقدم بيانه (٢).
وكذلك قوله ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] كلُّ ذلك ليس من أسمائه، وإنما ورد على طرق الجزاء على مكرهم، واستهزائهم بالمؤمنين.
وكذلك قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] لأنَّه يمتنع إطلاق وصفه بأنَّه: باني وكاتب، وإنْ كان ذلك مطلقاً في القرآن، ولهذا لم يصفه ﷺ بذلك في الأسماء التي وصفه بها.
وكذلك يستحيل وصفه بالوكيل واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم! وإنْ كَانَت هذه من جملة أسمائه التي ذكرها ﷺ ، لأنَّ الوكيل هو الُمستَنَابُ المتصرِّفُ بتصريف الغَير، والله يتعالى عن ذلك، واللطيف في أصل الوَضع يفيد التَّصغير والتحقير، والحكيم مَأخُوذٌ من حَكمة اللجام، لكونها مانعة من سير البهيمة إلا على قصد الرَّاكب، والعزيز هو الصَّلب، ومن قولهم أَرْضٌ عَزَازٌ وعَزيزة يعنون صَلبة، والسَّخاوة هي الرَّخَاوة، ومن قولهم أرضٌ سَخية، يعنون رخوة، والرحيم مأخوذٌ من "الرَّحمة" وهي الرِّقَّة والهوادة،
стр. 659
وذلك ممتنعٌ عليه سبحانه، لكن الشَّرع قد وَرَدَ بإطلاق ذلك عليه (١).
وأمَّا القسم الثاني: من امتناع وصفه به وإنْ ثَبَتَتْ (٢) مَعَانيه نحو فقيه وعَاقِل وفَطِن وذَكي وفَهِم ومُتحقق، لأنَّ جَميع ذلك معناه: أنَّه عالم لا يَنسى، وفَاضل معناه: أنَّه ذُو فضل في علمه وقُدرته وتدبيره وحكمته، وكذلك "مُوَقَّر" معناه معنى فاضل، وكذلك "عَتيق" معناه: القِدَم وهو موصوف بالقدم، وكذلك "طبيب" معناه عالم ولهذا يقال: فلان طبيب بهذا الأمر، أيْ عالم (٣).
وإنَّما أمتنع من تسميته بذلك لمنع الشَّرع ولمعانٍ (٤) أُخَر، هو أنَّ الفِقْه هو علم العالم بما لم يكن عالمًا به من قبل، ولذلك يُقال: فَقِه الشيء، إذا علم عِلمْه بعد أنْ لم يكن عالمًا به.
والعقل يُفيد العلم المانع للنَّفس من مُوَاقَعة ما تدعوا إليه من فعل القبيح، والله سبحانه ليس بذي طَبْعٍ، ولا داعٍ إلى فعل يمنعه العلم بقبحه عن فعله.
والِفْطنَة تنبيه على علم ما لم يكن مَعلومًا، وسُرْعَة أَخْذِ العِلم لما لم يكن الأَخْذ (٥) عالمًا به، وذلك مستحيل في صفته.
стр. 660
وكذلك "الذكاء" هو سُرعة الأخذ والاستدراك، وجودة الطبع في أَخْذِ العلم ما لم يكن مَعلومًا مِنْ قبل، وذلك ممتنع عليه.
وكذلك "الفَهم" هو: حُصول العِلم بما لم يكن معلومًا.
وكذلك التحقق لأنَّه: حُصول العلم بعد الجهل والشَّك والظَّن والارتياب، وذلك مُحال عليه.
وكذلك لا يوصف بأنَّه "متيقن" لأنَّ التَّيقن واليقين: هو العِلم الحاصل بعد الجهل وزوال الشَّك.
ويجوز وصفه "بالحَافِظ" لورود الشَّرع بقوله ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] ولأنَّ معناه: الحراسة والدفاع عن المحفوظ.
فأمَّا وصفه بأنَّه "حَفِظَ" فقد قيل: إنَّه لا يجوز، لأنه إنما تجري هذه التَّسمية عليه إذا احتاج مع حصوله إلى دِرَاسةِ المعلوم (١).
ولا يجوز وصفه بأنَّه "فاضل" لعدم الشَّرع في ذلك، ولأنَّ الفضل يفيد منع النفس من موافقة ما تدعو إليه من القبيح.
وكذلك "المُوَقَرَّ" فلهذا امتنع من وصفه بذلك، كما امتنع من وصفه بالعقل.
وكذلك "عتيق" لامتناع ورُود الشرع، به ولأنَّه قد قيل إنَّه قد يستعمل فيما تقدم وجوده مع تأثير الزَّمَانِ في صفته وجِدَته، بدلالة قولهم: تَمْرٌ عَتيق، وبناء عتيق إذَا أَثَّر فيه الزَّمان، وذلك ممتنع في البارئ سبحانه (٢).
وكذلك لا يجوز وصفه بأنَّه "عادي" لعدم ورود الشرع، ولأنهم يُضيفون
стр. 661
ذلك إلى: زمن عاد، وذلك يُوجب حُدُوثه.
وكذلك لا يوصف بأنه "طَيِّبٌ" لامتناع وُرُود الشَّرع، ولأنَّ ذلك إنَّما يُستعمل فيما يُذَاق ويُشَمُّ (١).
ويجوز وصفه بأنَّه موجود، لقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] وكذلك يوصف بأنه "شيء" لقوله تعالى ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] ولأن هذه "تسمية" مجمع عليها، لأنه قد ثَبَتَ أنَّه مَعلومٌ لنَفْسه ولخلقه (٢).
وكذلك يجوز وصفه بأنَّه نَفْسٌ وذَاتٌ وعَيْنٌ، إذَا عُني به أنَّه شيء، ولم يرد به تفسير الجارحة (٣).
ويجوز وصفه بأنَّه "كائن" إذَا أُريد به الوجود دُون الحُدُوث.
وقد أَطْلَقَ أَحمد القول بذلك فقال فى رواية حَنْبل: كان اللهُ قبل أنْ يَكون شَيءٌ، واتَّبع في ذلك قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]
стр. 662
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ويجوز وصفه بأنه: قديم وباق، وإنْ لم يَرد فيه سمع، لحصول الإجماع على ذلك (١).
ويجوز وصفه بأنه "مستطيع" لأنَّ معنى الاستطاعة معنى القُدْرة، وكذلك يصفون كل قادر بأنَّه مستطيع، وقد قالَ سبحانه مُخْبرًا عن أُمة عيسى ﵇ أنَّهم قالوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، معناه: هل يَقْدر رَبك، ولم يكن لِسَانُ القوم عربيًا (٢).
ولا يجوز وصفه بأنَّه "مُطِيقٌ" لأنَّ معنى الطَّاقة بَذْلُ الوسع والجهد، وكذلك يقول القائل: هذا قدر طاقتة، وذلك لا يجوز إلا على مُتَناهي المقدور (٣).
ويجوز وصفه بأنَّه "سَيِّدٌ" لأنَّه يراد به العَظيم المنزلة، وقد وصف نفسه بالصَّمد، ومعناه ذلك وقد ذكرنا فيما تقدم.
ويجوز وصفه بأنَّه عارف، ومتبين، وواثق بالمعلوم ودَرَي وداري! لأنَّ جميع ذلك يرجع إلى معنى القول بأنه عالم، ولم يمنع منه سَمْعٌ ولا غيره، وقد قال الشَّاعر:
اللَّهمَّ لَا أَدْري وأَنْتَ الدَّاري (٤).
ويجوز وصفه بأنَّه "رائي" فيما لم يزل، ومعناه: مُدرك المرئيات، وقيل معناه: عالم فيما لم يزل.
стр. 663
ويجوز وصفه بأنَّه "مُطَّلعٌ" على خلقه وعباده بمعنى أنَّه عالم، ومنه قولهم: المطلع على السَّرائر العالم بها.
ويجوز وصفه بأنَّه "وَاجِدٌ" على معنى أنَّه عالم، ومنه قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] أي: علمه، وقال الشاعر:
وَجَدتُ اللهَ قَدْ سَمَّى نِزَارًا … وأسكَنَهُم بمكَّة قَاطِنينَا
أي: علمت ذلك.
ويجوز وصفه بأنَّه "جَمِيلٌ" و "مجمل" على معنى مجمل في الصُّنْعِ إلى خلقه، ومبتدئ لهم بالإحسان، وتَوَاصل الإنْعام، وقد يكون على الرفعة، وكمال الصِّفات، والنَّزاهة عن النقائص، وقد قال ﷺ : "رَأَيْتُ ربِّي في أحسن صُورة" وقد تقدم الكلام في ذلك في أول الكتاب.
ويجوز وصفه بأنَّه "دَيَّانٌ" (١) وهو على وجهين: أحدهما: أنْ يُراد به دَيَّنَ عباده بما شَرعَه لهم ودعاهم إليه، وفرضه عليهم.
والثاني: أنْ يُراد به المُجاَزي لعباده على أفعالهم، كما يُقال: كما تَدِينُ تُدَان، وكما تفعل يفعل بك، يُريد به الجزاء، ومنه قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، يعني: يوم الحساب.
ويجوز وصفه بأنَّه "مُقِّدر" وهو على وجهين:
أحدهما: بمعنى مخبر ومعلم، ومنه قوله تعالى ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]، أي أخبرنا بذلك وحكمنا به.
стр. 664
الثاني: معناه التَّقْدير للشيء وجعله على مقدار، ومنه قول تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] وقوله ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] (١).
ولا يجوز وَصْفُه بأنَّه مقدر للشيء بمعنى الظن والشك، كقوله القَائل: قدَّرت زَيدًا عبدي، أي ظننت وحسبت، يتعالى عن ذلك.
ويوصف سبحانه بأنَّه "موجود" فيجوز أنْ يعني به أنه موجود لنفسه، ويجوز أنْ يعني به وجود غير به، وهو علم غيره به (٢) ورؤيته له.
ويجوز وصفه بأنه "نَاظِرٌ" على معنى رائي مُدْرك للمرئيات، وعلى معنى ناظر لخلقه بمعني مُنْعِم مُتَفَضِّل عليهم، وراحم لهم، ومتعطف عليهم (٣).
ولا يجوز حمله على أنَّه بمعنى: مروي ومُفكر، لأنَّ ذلك لا يجوز عليه. ويجوز وصفه بأنَّه "شَفِيق" (٤) على معنى الرأفة والرحمة، ولا يجوز حمله على الخَوف والحزن من نزول ضرر.
وكذلك وصفه تعالى بأنَّه "رَفِيقٌ" إذَا عُنِي به الرحمة للعباد، والتَّعطف عليهم (٥)، وكذلك عطوف وعاطف.
стр. 665
وأنْ عُنِيَ التَّثبت في الأمور والتعجب والاحتمال في إصْلاحها، والسَّلامة من عَوَاقبها، لم يجز.
ويجوز وصفه بأنَّه "سَخِي" على معنى التَّفضل والإحسان، والكرم والعطاء والجود (١).
ولا يجوز أن يُقصد به اللين والرخاوة وما يعني به أَرْض سخية، وقرطاس سَخَاوِي.
ويجوز وصفه بأنَّه: آمِرٌ ونَاهٍ، ومُبيح وحَاظَر، ومُحَلِّل ومُحَرِّم، وفَارِض ومُلْزِم ومُوجب ونَادِب ومُرْشِد، وقَاض وحَاكم، إذا عُني بالقضاء والحكم: الأمر والإيجاب، نحو قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي أمر وألزم، وكذلك قول ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥] (٢).
وكذلك يُوصف بأنَّه: وَاعِدٌ ومُتَواعِدٌ، وُمخَوفٌ ومُحَذِّرٌ، وذامٌّ ومَادِح، ومُخَاطِبٌ ومُتَكَلِّمٌ، وقَائِل، إلى أمثال ذلك، العائد جميعها إلى أنَّه مُتَكلِّم، لأنَّ الإيجابَ والفرض، والندب والأمر والنهي، راجع إلى كونه مُتكلمًا.
ويجوز وصفه تعالى بأنَّه مُعْدِمٌ وأنَّه يعَدم، ويفيد نفي فعل من أفعاله، وهو عدم الثواب والعقاب بمعنى أنَّه لم يفعل ذلك ولم يوجده، ويوصف بأنَّه معدمٌ لما أَوجده بعد إيجاده، ومعناه: أنه لم يَخلق له البَقاء بعدمِ عند قطع بقائه، الذي كان يصح خلقه له.
стр. 666
ويجوز وصفه بأنه لم يزل معدمًا، على معنى لم يزل موجدًا لفنائه، والحَشْر والنشر، كما أنَّه اليوم غير موجد لذلك، فأما أنْ يُوصف بأنَّه لم يزل مُعْدِمًا للشيء بعد وجوده فلا يجوز، لأنَّه يقتضي أنْ يكون المعدوم موجودًا قبل عَدَمِه، وهذا لا يجوز (١).
ويجوز وصفه بأنَّه "فاعل" وحقيقة ذلك أنَّه مخترع لذاتِ ما فعله بقدرته، وجاعل له نَفْسًا وذَاتًا بعد أنْ لم يكن كذلك، لأنَّه قد ثبت وجود حدوث ذوات الحوادث وتعلّقها بمحدثٍ أحدثها، فيجب أنْ يوصف الله تعالى بأنَّه فاعل على وجه الاستحقاق (٢).
ولا يجوز وصفه بالمباشرة والتَّوَلُّد، لأنَّ المباشرة في الحقيقة تَلَاقي الأجسام ومُمَاستها (٣) ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا نصفه بالتَّولد، لأن معنى التولد أنَّه فعلٌ واقع عن سببٍ أوجبه وولَّده، وهذا القسم لا أصل له عندنا في أفعال الله (٤) ولا في أكساب الخلق، لما تذكره من الأدلة على إبطالِ القول بالتَّولد،
стр. 667
فكانت الأفعال مقسمة قسمين:
أحدهما: هو الكسب الموجود بذات القادر عليه، وهو الموصوف بأنَّه مباشر، وهو جميع أكساب الخلق.
والثاني: لا يُوصف بذلك وهو الموجود لا في ذات فاعله، وهو جميع أفعال الله تعالى، لا ثالث لهذين القسمين.
ويجوز أنْ يُوصف تعالى بأنَّه "تَارَكٌ" في الحقيقة، كما يوصف بأنَّه فاعل، ومعنى ذلك أنَّه فاعل لِضِّد فعل آخر يقدر على فعله بدلًا منه، وليس معنى ترك التارك للعقل كفّ نفسه ومنعها مما تدعو إلى فعله، ولا هو مقصور على أفعال القُلُوب، فجاز وصفه سبحانه بذلك (١).
ويجوز وصفه بأنَّه "مُوجِدٌ" لأنَّ ذلك يفيد وجود ذَاتِ الفعل بقدرته، ويوصف بأنَّه معدم على معنى أنَّه لم يفعل ما قيل إنه أعدمه (٢).
ويجوز وصفه بأنَّه "مكون" لأنَّ لما كان فعله تعالى كائنًا، بمعنى موجودًا عن عدم، جاز وصفه بذلك.
ويجوز وصفه بأنَّه "مُثْبت للفعل" ومعنى إثباته له هو إيجاده.
ويجوز وصفه بأنَّه "جاعل" بمعنى فاعل، لأنَّ معنى مجعول: مفعول، ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] وقد يكون الجعل بمعنى الحكم والتسمية،
стр. 668
ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].
ويجوز وصفه بأنَّه "عَامِل وصَانع" لأنه قد عمل فعله وصنعه (١)، ولا يجوز وصفه بأنه مكتسب، لأنَّ معنى الكَسْبِ هو القَادر على ما وُجِدَ بذاته، بقدرةٍ مُحدثة، والله يتعالى عن وُجود الحوَادِث بذاته (٢)، وعن كونه قادرًا بقدرة محدثه، ولأنَّ وصف الكسب يُفيد ما تمسُّ الحَاجة إليه، ويُجتلبُ به النَّفع ويدفع به الضرر، ولذلك يقال: عَبدٌ كَسُوب، ورجَلٌ كسُوب، إذا كان ينتفع بتصرفة.
ويجوز وصفه بأنه "مُصيبٌ" على معنى أنَّ أفعاله كلها غير متفاوتة عليه، بل واقعةٌ بحسب قصده وإرادته، ويجوز وصفه بذلك على معنى أنَّه عالمٌ بها وبكيفية حدوثها وحقائقها وأوصافها، وإنْ لم يقع شيءٌ منها مع الجهل به، ويجوز وصفه بذلك على معنى أنَّ جميع أفعاله مُحْكَمة مُتْقَنة من حيث خَلقها كذلك، وقصدها على ما هي عليه، وجوز وصفه بذلك على معنى أنَّه مُحِقٌّ في فعلها، غير مُتَعَدٍّ في شيء منها، ولا متجاوز به حَدًّا ورَسْمًا (٣).
стр. 669
ولا يجوز أن يُقال أنَّه مصيب في أفعاله، على معنى أنَّه مُوافِقٌ بها أَمْرُ آمرٍ له بفعلها، لأنَّه يَتَعَالى عن ذلك.
وقد يُوصف العبد بأنَّه مصيب، على معنى أنَّه مُطيع ومُتَّبِع بالفعل طاعة من تجب طاعته، ومنقادٌ لأمره.
ويجوز وصف أفعاله بأنَّها صوابٌ، على معنى أنَّها حق، وهذا سَبيل جميع أفعاله.
ويجوز وصفه بأنه "مُثَيِبٌ" ومعناه: يَجعل المثاب معظمًا على ما كان منه من الطاعة، التي جَعَلها الله سبحانه علامةً على إثابة المطيع (١).
وكذلك وصفه بأنَّه: مُنْعِمٌ ومعاقب ومجاز، بقصد الإهانة والإيلام للعاصي على ما كان من معصيته.
* * *
стр. 670
فصل
٣٠١ - نقلت من خط أبي إسحاق مرة تعاليقه على كتاب "العِلَل" لأبي بكر الخلال بإسنادة: عن أبي بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول: جاء رجلٌ إلى أحمد بن حنبل فقال له: لله تعالى حَدٌّ؟ قال: لا يَعلمه إلا هو، قال تعالى ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] (١).
وظاهر هذا جواز إطلاق الحد عليه، لا على وجه الإحاطة لكن على وجه يعلمه، كما جاز إطلاق ذات على وجه يعلمها، وكذلك جاز إطلاق شيء، وإنْ كُنَّا نعلم أنَّ الشيء في الشَّاهد ما كان مَحْدُودًا.
* * *