← Адаб

Адаб · id 731

المحب والمحبوب والمشموم والمشروب

السري الرفاء

Полный текст (162 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب المحبوب المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي الحمد لله على أفضاله، والصلاة على النبي محمد وآله. الألفاظ للمعاني بمنزلة المعارض للجواري، فأجمعها لأقسام الجودة، وأنظمها لأحكام الإصابة، وأمشاها في طريق البلاغة والبراعة، وآخذها بحسن السياق ولطف الافتنان في الخطابة، ما شفع إلى المخرج السهل محاسن اللفظ الجزل، وقرن بدقة المعنى واقتضاب البديع، غموض المسلك ولطافة المدخل، وكان متناسباً في الرقة والسهولة، متشابهاً في حلاوة النسج والعذوبة، بكسوة رشيقة، ودماثة تامة وخلابة تسحر القلب، ورشاقة تملك الأذن، متصل المبادئ بالخواتم لدن المعاطف، فصل من قائله برونق القريحة، ووشي الغريزة، وديباج الطبيعة، يترقرق على أعطافه ماء السلاسة، وتشرق بأطرافه بهجة الطلاوة، فهتك حجاب السمع؛ وسكن سواد القلب غير مستعان عليه بالفكرة، ولا مستخرج الرؤية، ولا مستنبط باعتساف الخاطر ومجاهدة الطبع، وغوص الهواجس، وغور الأفكار، واقتسار أبيه الممتنع، واقتياد عويصه المتوعر، بعيداً من صنعة التكلف، نزيهاً عن سماجة الاستكراه، سليماً من وحشة التعقيد. أوله دال على آخره، ومختتمه معرب عن مفتتحه، وأوسطه كطرفه؛ لا اللفظ زائد على معناه فيعد فضولاً وهذراً، ولا المراد قاصر عنه فيحسب انغلاقاً وحصراً. بل هما توأمان في وضوح الدلالة، وصواب الإشارة. وردا مورداً واحداً، وخرجا، في حسن النحت وسلامة السبك وكثرة الماء، مخرجاً فذاً كأنهما الشمس والظل في التقارب، والماء والهواء في التناسب، فعمرا الصدر الخراب بالفائدة؛ وألقحا الطبع العقيم بنتاج الأدب وشحذا الأفكار الكليلة؛ وشفيا الأذهان العليلة؛ وعودا اللسان اعتياد البديهة واللسن! وقدحا في القلب بزناد الفطانة واللقن. وتهجا له التأني لوجوه المنطق. وسهلا له جوانب الكلام والتأنق في اختراع لطيفه وابتداع دقيقه، والتقلب في أفانينه، واستمالة القلوب الشاردة، واستصراف الآذان العازبة بموقعه، واستنجاح المطلب البعيد، واستسهال المغزى الشريد بمسموعه. وبعد، فأعلق الحديث بالألباب والقرائح، وأليقه بالفطن والطبائع، حتى تفتح الأذن لسماعه باباً، ويرفع القلب لدخوله حجاباً، ما كان عبارة عن العشق والنسيب، وترجمة عن الهوى والتشبيب، لميل النفوس بأعناقها إليه، وإلقاء القلوب في أزمتها عليه، على تباين النعم والبلدان، وتفاوت الأمزجة والإنسان؛ من ذي جد متورع، وذي خلاعة متبطل، وعامي متبذل، وخاصي متصون، وثكلان بلده كمود الغم، وغضبان أحرقه لهيب الغيط، وأسوان دلهه فوت المطلوب، وبعد المحبوب.

стр. 2

كما افتتحنا به الكتاب، وصدرنا بذكر مقطعات الغزل وأبيات الشعر الشوارد التي تكون في المحافل أجول، وعلى المسامع أدخل، في أوصاف المناظر الحسنة، والوجوه النيرة، والمحاسن الرائعة المعجبة، والصور المليحة الأنيقة، وحسن الخلق، ووسامة التصوير، وصباحة سنة الغرة، واعتدال التركيب، واستقامة التدوير، وسبوطة الشعر، وجثالة الفروع، وجعودة الغدائر واسترسالها على المتون كالأشطان، ووحوفتها وانفتالها في الأصداغ كالصولجان، ونجل العيون، وحور الأحداق وبرج المقل، وكثافة نسج الأهداب، وخلوصها من المره وانغماسها في الكحل، وأسالة الخدود، وبهجة الصفحات كأن الماء يقطر منها، وامتزاج أحمرها بأبيضها، وتورد الوجنات بصبغة الخجل، وتصوب مائها بصفرة الوجل، وتقويس الحواجب، وحلوكة نبات الشعر، وسبوغها إلى مؤخرة الآماق، ودقة تخطيطها كأنها قوادم الخطاف، وانعطاف طرفي القسي الموترة والحنايا المأطورة؛ وتردد الأجفان بين الدلال والتفتير، والغنج والتكسير، كأنها حور الظباء بابليات النظر، أو ربائب الوحش من سرب البقر، وسواد نقط الخيلان على وضح بشرة الوجه، كأنها النكتة السوداء في صفحة البدر، أو بدد تفاريق الغسق على بلج الفجر، أو نقطة الزاج في صفيحة العاج؛ وحمرة العوارض ملونة بخضرة التعذير، كأنها طرار البنفسج على ورقات الورد الجني، أو يورد زهر الربيع الباكر على الغصن الروي، أو آثار المسك على خد الكاعب الرود، أو برد الدجى لاح في الخطوط السود؛ ولعس الشفاه، وصغر تقطيع الأفواه، وأشر الثنايا، وشنب اللثات، وبرد الريق، وعذوبة المذاق، وسلامة النكهة من الخلوف، ورخامة الصوت، ودلال الحديث، وإشراف الأرانب، وقنا القصبات، ولين الأعطاف، وتمايل القدود والقامات، كأنما مالت بها سورة الشراب، وسقاها ربعي الشباب، أو انخنثت من السكر، أو عبثت بها نشوة الخمر؛ واندماج الخصور، ورقة الأوساط، حتى تكاد تنقد هيفاً، وتنبت قضفاً، وعبالة الأكفال، وامتلاء المآزر، وخدالة السوق، وشطانة الأبدان، وري العظام، واكتناز القصب، ودماثة الأكعب، وغموض المرافق وغوص حجمها في ري المعاصم، والمأكمة الرابية، والعجيزة الوثيرة، وثقل تكيفها كالكثيب الرجراج، أو كمتلطم الأمواج، مختومة هذه النعوت بالمختار من فوارد الشعر ومنتخبه الذي يعب فيه الذهن ويلتهمه السمع وتعتزيه النفس في أسباب الهوى، وأحوال الحب، ودواعي العشق، وتباريح الوجد، ولاعج الشجو، والوداد الدائم والمحافظة اللازمة، وعلائق الخلة ونوازع المقة التي تلتحم بها الأحشاء، وتلتبس الأعضاء، وتجري مجرى الدم، وتسري مسرى السم، لا تحول مدى الأيام، ولا تزول طوال الليالي، مخبرة عن صحة العهد، ودوام الوفاء، وصدق المودة، وشدة المحبة، وعزوب الصبر، وتمادي الوله، ولجاج القلب، ومطال الشوق، واستسلام الجوانح لسلطانه، وانقياد الشديد الشكيمة، الأباء للهضيمة، ومبتدأ القلق الذي أوله نظرة، وأوسطه خطرة، وآخره فكرة، وتنوع جنس الحب: من لجاج مكب، وعرض متفق، كما تجلب الشيء البعيد جوالبه، ومستفاد بالنشد والإلف، وكيف يجنيه الطرف، ويتشبث به القلب، ويمتزج بعلائقه الكبد؛ إلى ما يتفرع عليه من وصل وصدود، وإقبال وإدبار، وفرقة وألفة، وقلق وسكون، وتواصل الأحباء، ومراصدة الرقباء، متفننة في جميع جهاتها، ومتفرقة في كل طرقاتها، مستصلحة للحفظ والمذاكرة؛ مرتضاة للملاقاة والمحاضرة، ملتقطة من لفظ الأفواه. فالناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، وينشدون أحسن ما يحفظون. فهي عريقة في الاختيار مرات، عائدة من جهات بإيناس المستوحش، وعمارة المجلس، وتلهية القلب، ونفي الوحدة، وتعلة النفس، وتسلية العزب الوحيد، والمستهام العميد.

стр. 3

وعقيبها الفصل الثالث في أوصاف الربيع، وإيماض برقه، ونشر سحائبه، وجلجلة رعده، وسقوط قطره، وفترة نسيمه، وسجسج هوائه، وانعطاف قوسه وسط الغمام أخضر بجنب أحمر إلى أصفر، كما تظاهرت العروس بين جلابيبها وبعض الذيل أصر من بعض، أو كما عقدت الكاعب الرود أسورتها على معصمها من مصوغ ذهب إلى منظوم زبرجد بينهما معقود ياقوت؛ وهبوب الرياح على وجوه الغدران ومسحها أقذاءها كأنها ماوية مصقولة، أو مرآة مجلوة، وعصفة الشمال بالسواقي ممتدة على استواء كأنها حية تسعى أو صفيحة الحسام المسلول؛ وتدريجها متونها حزوزاً كمتون المبارد، أو حلقاً كمراقد الأساود؛ وأنواع الأزاهير وصنوف الرياحين، وكيف يتضمخ الجو من عرفها، وتتضوع المسارب بأرجها؛ وانفتاق الأنوار من أكمامها، وخروجها من أغطيتها إلى مسرى هيجها على ظواهر الأرض، وأوان جفوفها بضواحي الجلد، وحين يبسها بأشراف الجبال ومتون الأقبال؛ وذبول نضارتها، وتصوح بهجتها، وعودها هشيماً تذروه الرياح، وتنسفه الأرجل مختوماً بمشموم الطيب من المسوك والعنابر والكوافير والأعواد والغوالي، وذكر حقائق اشتقاقها وشواهدها من العربية، وحصر أسمائها وإيراد ما صرفته الشعراء من معانيها. وبعده الفصل الرابع في نعت الخمور وعد أساميها وتحقيق اشتقاقها وموضوعاتها وأبنيتها ولغاتها، والأمثال المضروبة بها، وصفات أحوالها من مبتكر الأمثال، وتوريق كرومها وتعريشها على الدعائم وشدها بالقوائم، ثم اخضرار أوراقها، وتهدل أفنانها، وتفنن شعبها، وانعقاد حباتها، وإيناع ثمراتها، وتدلي أعنابها، وتساقط قضبانها، موقرة دوالح بأحمالها مكتنزة عناقيدها، هوادل بأثقالها كما احتبى الزنج في الأزر الخضر، أو تعرض الثريا في أزرق الفجر؛ إلى أن تنبذ في الخوابي، وتسلم إلى الظروف، وتودع الأوعية، نصب عين الشمس، فيطبخها حمي الهواجر، ويصفيها لفح السمائم بالظهائر، فتستوعب قوتها، وتستوفي حولها وشدتها، حتى يجتليها السقاة في معارض الأقداح، وتحثها ركباً على مطايا الراح، قهوة حمراء في زجاجة بيضاء عذراء من حلب الأعناب بمزاج حلب السحاب، فينتظم بها شمل السرور ويتجنب حماها طوارق المحذور. الباب الأول أوصاف الشعر قال بكر بن النطاح: بيضاء تسحب من قيامٍ فَرعَها ... وتضِلُّ فيه وهو وحفٌ أسحمُ فكأنَّها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ المعوج الشامي: وفي أرجورانيِّ الغلالة شادنٌ ... لباسُ الدجى من عُذْره وغدائرهْ له لحظاتٌ فاتراتٌ يكُرُّها ... بفترة أحوى فاتن الطرفِ فاترهْ فلا غمد إلاّ من سوادِ جوانحي ... ولا سيف إلاّ من بياض محاجرِهْ دعبل بن عليِّ الخزاعيِّ: أما في صروف الدهر أن ترجع النوى ... بهم ويُدالَ القرب يوماً من البعدِ بلى في صروف الدهر كلُّ الذي أرى ... ولكنَّما أغْفَلْنَ حظّي على عمدِ فواللهِ ما أدري بأيِّ سهامها ... رَمتْني، وكلٌ عندنا ليس بالمُكْدي أبا لْجيدِ أمْ مجرى الوشاح؟ وإنني ... لأِتْهم عينيها مع الفاحمِ الجعدِ عمر بن أبي ربيعة المخزومي: سَبَتْهُ بوَحفٍ في العِقاصِ كأنَّه ... عناقيدُ دلاَّها من الكَرْمِ قاطِفُ أسيلاتُ أبدانٍ دقاقٌ خُصورها ... وَثيراتُ ما الْتفَّتْ عليه الملاحِفُ ابن الرومي، وأحسن في بسطه ووصفه: وفاحمٍ واردٍ يقبِّلُ مَمْ ... شاهُ إذا اخْتالَ مُرسلاً غُدُرَهْ أقبل كالليل من مَفارِقِهِ ... مُنحدراً لا يذُمُّ مُنحدرهْ حتى تناهى إلى مواطِئِهِ ... يَلثِمُ من كلِّ موْطئٍ عَفَرَهْ كأنَّه عاشقٌ دَنا كَلَفاً ... حتى قضى من حبيبه وَطَرهْ وعبد الله بن المعتز وارده في هذا المعنى حيث قال: فلّما أنْ قضتْ وَطراً وهمَّتْ ... على عَجَلٍ لأخذٍ للرِّداءِ رَأتْ شخص الرقيب على تدانٍ ... فأسبَلتِ الظَّلامَ على الضياءِ فغاب الصبحُ منها تحت ليلٍ ... وظلَّ الماءُ يَقطُرُ فوقَ ماءِ والمتنبي منه أخذ قوله: دعتْ خلاخيلُها ذَوائبَها ... فجِئنَ من قَرْنِها إلى القدمِ وقوله: وَمَن كلَّما جَرَّدْتُها من ثيابها ... كساها ثياباً غَيْرَها الشَّعَرُ الوَحْفُ

стр. 4

وابن الرومي وابن المعتز أخذاه من قول أبي نواس: بانوا وفيهمْ شُموسُ دَجْنٍ ... تَنْعَلُ أقدامها القرونُ تعومُ أعجازُهُنَّ عوْماً ... وتَنثني فوقها المتونُ وأبو نواس أخذه من ذي الرمة حيث قال: إذا انْجرَدَتْ إلاَّ من الدِّرع فارْتدتْ ... غدائرَ مَيَّال القُرونِ سُخامِ وأخذه ذو الرمة من الأعشى حيث قال: إذا جُرِّدَتْ يوماً حَسِبْتَ خَميصَةً ... عليها وجِرْيالَ النضيِر الدُلامِصا حمزة البكري: قامَتْ تُريكَ ابنةُ البكريِّ ذا غُدُر ... يُستمطرُ البانُ منها واليَلَنْجوجُ وَحْفٌ مَنابِتُه رَسْلٌ مَساقِطُه ... مُحلَوْلَكُ اللونِ غِربيبٌ ودَيْجُوجُ اليعقوبي: جُعودةُ شعرِها تَحكي غديراً ... تُصَفِّقُهُ الجنوبُ على الشمالِ ابن لنكك: هَلْ طالبٌ ثأرَ من قد أهدرَتْ دمَهُ ... بيضٌ عليهِنَّ نَذْرٌ قَتْلُ من عشِقا من العقائلِ ما يَخْطِرنَ عن عُرُضٍ ... إلاَّ أرَيْنَكَ في قدٍّ قَناً ونَقا رَواعفٌ بخدودٍ زانَها سَبَجٌ ... قد زَرْفَنَ الحُسنُ في أصداغِها حَلَقا نواشرٌ في الضُحى من فَرِْعها غَسقاً ... وفي ظلامِ الدُجى من وجهها فَلَقا أَعَرْنَ غيدَ ظِباءٍ رُوِّعِتْ غَيَداً ... والورْدَ تَوْريدَ لونٍ، والَمها حَدَقا المتنبي: كَشفتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرِها ... في ليلةٍ فأَرَتْ لياليَ أرْبَعا واستقْبلتْ قمرَ السماءِ بوجهِها ... فأَرَتْنِيَ القَمَريْنِ في وقتٍ معا ابن دريد: غَرَّاءُ لوَجَلتِ الخدودُ شُعاعها ... للشمس عند طُلوعها لم تُشْرِقِ غُصنٌ على دِعْصٍ تبدَّى فوقَه ... قمرٌ تألَّق تحت ليلٍ مُطْبِقِ لو قيل للحُسْن: احْتكم لم يَعْدها ... أو قيل: خاطِبْ غيرها لم يَنْطِقِ فكأنَّنا من فَرْعِها في مَغرِب ... وكأننا من وجهها في مَشْرِقِ تبدو فيهتفُ بالعيون ضياؤُها ... الويلُ حلَّ بمقلةٍ لم تُطبقِ الخليع: وَمُبْتَسِمٍ إليَّ من الأقاحي ... وقد لبسَ الدُجى فوقَ الصباحِ ثَنى زُنَّارَهُ في دِعْصِ رملٍ ... على خُوطٍ من الرَيْحان ضاحِ له وجهٌ يَتِيهُ به وعيٌن ... يُمَرِّضُها فيَسْكِرُ كلَّ صاح المتنبي: كلُّ خُمصانةٍ أرَقَّ من الَخْم ... ر بقلبٍ أقسى من الَجْلُمودِ ذاتُ فَرْعٍ كأنما ضُرِبَ العَنْ ... برُ فيهِ بماءِ وَرْدٍ وعودِ حالِكٍ كالغُدافِ جَثْلٍ دَجو ... جِيٍ أثِيثٍ جَعْدٍ لا تجْعيدِ تحمِلُ المِسكَ عن غَدائِرها الري ... حُ وتفْتَرُّ عن شَتيتٍ بَروُدِ أبو دلف: حَسُنَتْ واللهِ في عيْ ... ني وفي كلِّ العيونِ قَيْنَةٌ بيضاءُ كالفَّض ... ةِ سوداءُ القُرونِ أقْبَلَتْ مُختالة بي ... نَ مَهاً حُورٍ وعينِ لم يُصبْها مرضٌ يَنْ ... هَكُ إلاَّ في الُجفونِ المتنبي: لَبسنَ الوَشيَ لا مُتَجَمَّلاتٍ ... ولكنْ كي يَصُنَّ به الجَمالا وضَفَّرنْ َالغدائِرَ لا لِحُسْنٍ ... ولكنْ خفْنَ في الشَّعْرِ الضَلالا ذو الرمة: هِجانٍ تَفُتُّ المسكَ في مُتَناغمٍ ... سُخامِ القرونِ غيرِ صُهْبٍ ولا زُعْرِ وتُشعرُهُ أعطافَها وتَشُمُّه ... وتمسحُ منه بالتَرائب والنحْرِ لها سُنَّةٌ كالشمسِ في يومِ طَلْقَةٍ ... بَدت من سحابٍ وهي جانِحةُ العَصْرِ وقال الشماخ، وأنشدوه في أبيات المعاني: دارُ الفتاةِ التي كُنَّا نقولُ لها ... يا ظبيةً عُطُلاً حُسَّانةَ الجيدِ تُدْني الحمامةُ منها وهي لاهيةٌ ... من يانِعِ الكَرْم قِنْوانَ العَناقيدِ الباب الثاني الأصداغ قال ابن المعتز: ريمٌ يتيهُ بِحُسنِ صُورتهِ ... عَبَثَ الفُتورُ بِلحظِ مُقلتهِ وكأنَّ عَقْربَ صُدغه وقفتْ ... لمّا دَنَتْ من نارِ وجْنَتهِ ولقد أحسن فيه. إلا أنه ألم بقول العرب، أنشده ابن السكيت: وكأني شَبْوةٌ عندَ الصُدودِ أي كأني، في صدودي عن النار، العقرب، لأنها لا تقربها. وكذلك قوله في صفة الهلال:

стр. 5

ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يَفْضَحُهُ ... مِثلَ القُلامةِ قد قُصَّتْ من الظُفُرِ أخذه من قول جميل، أنشده الأصمعي: كأنَّ ابْنَ مُزْنَتِها جانِحاً ... فَسيطٌ لدى الأُفقِ من خِنْصِرِ أبو مسلم الرستمي: وبنَفْسي من إذا جَمَّشتُهُ ... نَثَرَ الوردُ عليه وَرَقهْ وإذا مسَّت يدي طُرَّتهُ ... أُفْلتَتْ منها فعادتْ حَلَقَهْ لم أزَلْ أحرِسُ قلبي جاهداً ... من لُصوصِ الحُبِّ حتى سَرَقهْ المعوج الشامي: صَوالِجُهُ سودٌ مُعطَّفةُ العُرى ... تَمايلُ في مَيدان خَدٍّ مُضَرَّجِ ترى خدَّه المصقولَ والصُّدُغُ فوقَه ... كَوردٍ عليه طاقةٌ من بَنَفْسَجِ الرقي: أبداً نحنُ في خلافٍ فَمنِّي ... فرطُ حُبٍ، ومنكَ لي فرطُ بُغضِ فَتْلُ صُدغيْكَ فوقَ خطِّ عِذارٍ ... ظُلماتٌ، وبعضُها فوقَ بعضِ آخر: ومُستبيحٍ لقتلي ... ما إنْ يُمرُّ ويُحْلي سِنوهُ خمسٌ وعشرٌ ... كالبدرِ عندَ التَجَليِّ مُصَحِّحِي حينَ يدنو ... وفي التنائي مُعلىِّ ما شَوَّشَ الصُدغَ إلاَّ ... لِكيْ يُشوِّشَ عقليِ السروري: وَذي دلالٍ كأنَّ طُرَّتَهُ ... بُستانُ حُسنٍ بالزهرِ مَنْقوشُ ورَوْضةُ الياسميِن عارِضُهُ ... وهو بلحْظِ المحبِّ مخدوشُ والدُرُّ في ثغرهِ منابِتُهُ ... والمسكُ في عارضيْهِ مَفروشُ وقد زَها في قضيبِ قامَتِهِ ... عُنقودُ صُدغٍ عليهِ مَعروشُ آخر: لامسَّ جِسمكَ، بل وُقِّيتَ بي أبداً ... ما مسَّ جسميَ من تفتير عيْنيْكا قلبي وصُدغُكَ لم يحرقْهُما لَهبٌ ... كِلاهما احْتَرقا من نارِ خدَّيْكا العلوي: وعهدي بالعَقاربِ حيَن تَشْتُو ... تُخَفِّفُ لَدْغَها وتَقلُّ ضُرّا فما بالُ الشتاءِ أتى وهذي ... عقاربُ صُدغهِ تزدادُ شرّا ابن المعذل: ومُتَّخذٍ على خَدَّي ... هِ من أصداغهِ حَلَقا يكادُ يذوبُ حين نُدي ... رُ في وجَنَاتهِ الحَدَقا إذا جَمَّشْتَه باللَّحْ ... ظِ بُلَّ جبينهُ عَرَقا كشمسِ الأفقِ آخذَةٌ ... على أبْصارنا الطُرُقا آخر: غِشاءُ خَدَّيهِ جُلَّنارُ ... وَوجههُ الشمسُ والنّهارُ أطوفُ حيرانَ في هواهُ ... يُديرُني لَحْظُهُ المُدارُ كشاجم: حُورٌ شَغَلنَ قلوبَنا بفراغِ ... ورسائلٌ قصَرتْ عن الإبْلاغِ ومَنعْنَ وردَ خُدودهِنّ فلم نُطِقْ ... قَطْفاً لها لعقاربِ الأصداغِ أبو فراس: ومُرْتَدٍ بِطُرَّةٍ ... مُرسَلَةِ الرَفارِفِ مُسَبلةٍ كأنَّها ... من زَرَدٍ مضاعفِ خالد، ووجدتها في ديوان ابن المعتز: دَعْني فما طاعَةُ العُزّالِ من ديني ... ما سالمُ القلب في الدُنيا كَمَفْتونِ أيْقنتُ أنِّيَ مجنونٌ بِحُبِّكُمُ ... وليس لي عندكم عُذرُ المجانينِ ذو طُرَّةٍ نَظمتْ في عاج جَبهته ... من شَعْرِهِ حَلَقاً سودَ الزَرافيِن كأنَّ خطَّ عذارٍ فوقَ عارِضهِ ... ميدانُ آسٍ على وردٍ ونِسرينِ ابن المعتز: بَخيلٌ قد شَقيتُ بهِ ... يُكدُّ الوعدَ بالحُججِ على بُستان خدَّيْهِ ... زَرافينٌ من السَّبَجِ آخر: أمِنْ سَبَجٍ في عارضيْه صَوالجٌ ... مُعَطَّفةٌ تُفاحَ خدَّيهِ تَضربُ وما ضرَّهُ نارٌ بخدَّيهِ أُلْهبتْ ... ولكنْ بها قلبُ المحبِّ يُعذَّبُ عناقيدُ صُدغيْهِ بخدِّيهِ تَلتوي ... وأمواجُ رِدْفيهِ بخصريْهِ تلعبُ شَربتُ الهوى صِرفاً زُلالاً وإنما ... لواحِظُه تَسْقي وقلبِيَ يشربُ ابن المعتز: حُشِيَت عَقاربُ صُدغهِ ... بالمسكِ في خدَّيه حَشْوا أبو تمام: لمَّا اسْتَتَمَّ ليالي البدرِ من حِججٍ ... فوَّقَ السَّهمَ من عينيهِ في المُهجِ وهزَّ أعلاهُ من حِقْويهِ أسفلُهُ ... واخضَرَّ شاربُهُ واجتحَّ بالحُججِ بَدا يُعرضُ بالتجميشِ فامتزجتْ ... منه الملاحَةُ بالتكريرِ والغنجِ

стр. 6

كأنّ طُرَّتَهُ في عاجِ جبهتهِ، ... إذا تأمَّلْتَهُ، عِقْدٌ من السَبَجِ ابن المعتز: في خدِّه عقاربٌ ... مَحشُوَّةٌ بالغالِيهْ شائِلةٌ أذنابها ... حُماتُهُنَّ قاضيَهْ تَلسَعُني إذا بَدا ... وجسمُه في عافيهْ الخباز البلدي: ذو ظُرَّةِ كمثل ما ركُبِّ َفي ... صفيحةِ الفضَّة شبّاكُ سَبَجْ وعارضٍ كالماء في رقَّتهِ ... تُزهر فيه وجنةٌ ذاتُ بهجْ كأنما نسَّاج ديباجتهِ ... من وَرق النِسرينِ والوردِ نسجْ ابن المعتز: عيَّروا عارضه بال ... مسكِ في خدٍّ أسيلِ تحتَ صُدغين يُشيرا ... نِ إلى وجهٍ جميلِ الصنوبري: للدَلَّ فيهِ عجائبُهْ ... للشَّكلِ فيهِ غرائبُهْ للحُسنِ فيهِ شمسهُ ... وهلالهُ وكواكبُهْ ولصُدغهِ في خدَّهِ ... حَرْفٌ تَنَوَّقَ كاتبُهْ ظبيٌ يصيحُ عِذارُه ... يا غافليَن وشاربُهْ وله أيضاً: مُتَبسِّمٌ كافورُ عارضِهِ ... عن صُدغِ مسكٍ إنْ دنا نَفَحا مُنْضَمُّ وردِ الخدِّ أوْلَ ما ... يَبدو، فإنْ جَمَّشْتَهُ انْفَتَحا الباب الثالث مدح العذار وذمه التمار الواسطي: أَرضى صبابَتَه ولَّما تُرضِهِ ... فَقَضى بها ومُرادَهُ لم يَقْضِهِ أَهدى إليهِ الُحبُّ فترةَ جَفْنِهِ ... عَمداً، كما استهداه صِحَّةَ غُمْضِهِ غُصنٌ تَفَتَّحَ نَوْرُهُ في فرعِهِ ... أَوفى بمُسْوَدٍّ على مُبْيَضِّهِ فكأنَّ نَبْتَ عِذارِهِ في خدِّهِ ... وردٌ تعلَّقَ بعضُهُ في بعضِهِ مثل البيت قول البرقعي: ولاحَظَني بأجفانٍ مِراضٍ ... وإِيماضٍ يُخالَسُ باغْتِماض ومِنْ فَتْلِ العبيرِ بعارضيه ... سوادٌ قد تَزَرْفَنَ في بَياض أناف عليَّ مُكْتَحِلاً غماضاً ... قأرَّقَ ناظِريَّ عن اغْتِماض أتعجبُ من فرائسِ أُسْدِ غابٍ ... ونحن فَرائِسُ المُقَلِ المِراض ابن كيغلغ: وكاسبِ آثامٍ يُجيلُ بَنانَه ... على زَعفَراناتٍ يُلَقَّبْنَ بالشَّعرِ فما دُرَّةُ الغواصِ في نَحرِ كاعِبٍ ... ولا الغُصُنُ الميَّالُ في الورقِ الخضرِ بِأحسنَ منه إذا بدا مُتَلَثِّماً ... بِفضلِ عِذارٍ خُطَّ في صَفْحَتَيْ بَدرِ ماني الموسوس: وما غاضَتْ محَاسِنُهُ ولكنْ ... بماءِ الحُسْنِ أورَقَ عارِضاهُ سَمِعْتَ بهِ فَهِمْتَ إليهِ شوقاً ... فكيفَ لكَ التَصبُّرُ لو تراهُ أبو فراس: يا مَن يلومُ على هواهُ سَفاهةً ... انظُرْ إلى تِلكَ السوالِفِ تَعْذُرِ حَسُنَتْ وطابَ نسيمُها فكأنّها ... مِسكٌ تساقَطَ فوقَ وردٍ أحمرِ آخر: يقولونَ قد أَخفى محَاسنَه الشَّعرٌ ... وهيهاتَ أنِ يَخْفى مع الظُلْمةِ البَدرُ وأَحسَنُ ما يَبْدو لكَ الغُصنُ ناضِراً ... إذا لاحَ في أَطرافِهِ الوَرَقُ الخُضْرُ ابن المعذل: سالَتْ مَسايلُ عارضَيْ ... هِ بَنَفْسجاً في وَرْدِهِ فكأنَّه مِن حُسنِهِ ... عَبَثَ الرَبيعُ بخدِّهِ ابن المعتز: لا تَحْسُنُ الأرضُ إلاَّ عند زَهْرَتِها ... ولا السَماواتُ إلا بالمَصابِيحِ كذاكَ خَدُّكَ، لمّا اخضَرَّ عارِضُهُ، ... تَصَرَّحَ الحسنُ فيه أَيَّ تَصْريحِ الصنوبري: صاحَ عِذاراهُ بي وشارِبُهُ ... قُمْ فَتَأمَّلْ فأَنتَ صاحِبُهُ إنْ كان بَدرُ الدُجى يُشاكِلُهُ ... فما لِبَدْرِ الدُجى مناقِبُهُ لا وَجنتاهُ لهُ، ولا فَمُهُ، ... ولا له عيْنُهُ وحاجِبُهُ ذاكَ الذي طالَبَتْ محَاسِنُهُ ... بِوصْلِهِ من غَدا يطالِبُهُ ابن لنكك: قالوا الْتحى فَمحا مَحا ... سِنَ وَجههِ لِبْسُ الشَعَرْ ألآنَ طابَ وإِنّما ... ذاكَ البهارُ على الشَجَرْ لَولا سوادٌ في القَمرْ ... واللهِ ما حَسُنَ القَمرْ الخليع وأحسن فيه: اخضرَّ عارِضُه ولاحَ عِذارُهُ ... والبدرُ ليسَ يَشينُه آثارُهُ لولا اخْضِرارُ الروضِ لم يكُ نُزهةً ... لمَّا تَضاحَكَ وَردُه وبَهارُهُ

стр. 7

والسيفُ لولا خُضرةٌ في مَتْنه ... ما كانَ يُعْرَفُ عِتقُهُ ونِجارُهُ وَيزينُ تُفَّاحَ الخُدودِ عِذارُه ... والثوبُ يَعرِفُ أَرْشَهُ سِمسارُهُ البسامي: مالَهُم أَنْكروا سَواداً بخدَّيْ ... هِ ولا يُنكرونَ ورْدَ الغُصونِ إن يَكُنْ عَيبُ وجهِهِ بَدَدَ الشَّع ... رِ فعيبُ العيونِ سودُ الجُفونِ الخبزرزي: وحُسنٍ يُنَمْنِمُ ذاكَ العِذارَ ... كآثارِ مِسكٍ عليهِ غَزَلْ كتابٌ من الحُسنِ توقِيعُهُ ... من اللهِ في خَدِّهِ قد نَزَلْ ابن المعتز: وَتكادُ الشمسُ تُشبِهُهُ ... ويكادُ البدرُ يَحْكِيهِ كيفَ لا يَخْضَرُّ عارِضُهُ ... ومِياهُ الحُسنِ تَسْقِيهِ محمد بن وهيب: صُدودُكَ والهوى هَتكا سِتاري ... وساعَدها البُكاءُ على اشْتِهاري وكم أَبْصَرتُ من حسنٍ ولكنْ ... عليكَ، لِشِقْوتي، وَقَعَ اخْتياري ولم أَخْلَعْ عِذاري فيكَ إلاَّ ... لِما عايَنْتُ من خَلْعِ العِذارِ الخبزرزي: انظرْ إلى الغُنْجِ يَجري في لَواحِظِهِ ... وانظُرْ إلى دَعَجٍ في طَرْفِه الساجي وانظُرْ إلى شَعَراتٍ فوقَ عارِضِهِ ... كَأَنَّهُنَّ نِمالٌ دَبَّ في عاجِ الوأواء: ولمّا حَوى نِصفَ الدُجى نِصفُ خدِّهِ ... تَحَّيرَ فيهِ ما دَرى أينَ يذهبُ ابن المعتز: له مُقلةٌ تَسبي العُقولَ ووجنةٌ ... تَفَتَّحَ فيها الوردُ من كلِّ جانِبِ وسالَ على خدَّيْه خَطُّ عِذارِهِ ... كما أَثَّرَ التَسطيرُ في رَقِّ كاتِبِ الخبزرزي: وَجهٌ تكامَلِ حُسنُهُ ... لماَّ تَطَرَّفَهُ عِذارُهْ والسيفُ أحسنُ ما يُرى ... ما كانَ مُخْضَرّاً غِرارُهْ غُصْنٌ شَقِيتُ بِزَرْعِهِ ... فالآنَ حين بَدَتْ ثِمارُهْ عَطَفَ الوُشَاةُ فروعهُ ... عنّي وفي قَلبي قَرارُهْ ابن كيغلغ: مُهَفْهَفٌ كالقَضيب قامَتُهَ ... أقامَ سوقَ القُدودِ إِذْ قاما يُفْطِرُ طَرْفي إِذا رَأَيْتُ لهُ ... شَخصاً، فإِنْ غابَ شَخْصُهُ صاما قد قَبَّلَ الوردُ فوقَ عارِضهِ ... فَخطَّ فيهِ سَوادُهُ لاما الصنوبري: كم تَحرَّى قَتْلي ولمْ يَتَحرَّجْ ... مَنْ ضَمِيري بِنارِ حُبِّيهِ مُنْضَجْ رَشَأٌ يَقْتَضي الغرامَ فؤاداً ... مُلْجِماً للغرامِ والشوقُ مُسْرَجْ رَوضٌ حسَنٍ تَنَزَّهُ العينُ فيهِ ... في مُوشىَّ مُستَحْسَنٍ ومُدَبَّجْ يا مُذِيبِي بِخالِهِ اللاَّزوَرْ ... دِيِّ على خَدِّهِ الصَقِيل المُضَرَّجْ هذه زهرةُ البَنَفْسج في خدِّ ... كَ أَمْ زهرةٌ تَفوقُ البَنَفسجْ كانَ نُعمانُ من نَعِيمِيَ لو لمْ ... يَكُ رأَسِي بِتاجِ شَيْبِي مُتَوَّج كشاجم: مُهَفْهفُ الأَعطافِ مُرْتَجُّ الكَفَلْ ... مُكَحَّلُ الأَجفانِ من كُحْلِ الكَحَلْ طُوِّقَ في الخدِّ كتَطويقِ الحَجَلْ ... بعارضٍ مُنقَطِعٍ لم يَتَّصِلْ يُنْبِتُهُ الحُسنُ وتَرعاهُ المُقَلْ وفي هذا المعنى قول ديك الجن حسن: يَلوحُ في خدِّه وردٌ على زَهَرٍ ... يعودُ من وَقتِهِ غَضّاً إذا قُطِفا الصنوبري: إِنَّ الذي اسْتَحْسَنْتُ فيه خَلاعتي ... وخَلَعْتُ فيه تَنَسُّكِي وتَحرُّجي زَيْنُ الشُنوف وَزِينَةُ ال ... خَلخالِ إنْ حلَّيتَه والدُمْلُجِ شَبَّهتُ حُمرةَ خدِّهِ وعِذارَهُ ... بِنِقابِ وَردٍ مُعْلَمٍ بِبَنَفْسَجِ الواثق بالله؛ الصحيح أنها لأبي تمام: لما اسْتَقَلَّ بأَردافٍ تُجاذِبُهُ ... واخْضَّر فوقَ جُمان الدُرِّ شارِبُهُ وتَمَّ في الحُسن فالْتامَتْ مَحاسِنُهُ ... واهتزَّ أَعلاهُ وارتجَّتْ حقائبُهُ كلَّمتُه بُجفونٍ غيرِ ناطِقةٍ ... فكان مِن رَدِّه ما قالَ حاجِبُهُ والمحدثون قد أكثروا في هذا الفن. وإنما نقصد المختار في الكتاب كله - ولكل شيء صناعة؛ وصناعة العقل حسن الاختيار. والناس متفاوتو الأغراض فيه - ولكل غرض مذهب أبو حنيفة الغساني مؤدب أبي نواس أنشده ابن المنجم في البارع:

стр. 8

بأَبي وَجْهُكَ من مُحْتَلَقٍ ... حارَ ماءُ الحُسْنِ فيه فَوَقَفْ إِنْ يَكُنْ أثَّرَ في عارِضِهِ ... بَدَدُ الشَّعرِ فَفي البدْرِ كَلَفْ في ذم العذار سعيد بن وهب، أنشده أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان: هلاّ وأنتَ بماء وجهكَ تَشتهي ... رؤدَ الشباب قليلَ شعرِ العارضِ فالآنَ، حين بدتْ بخدِّكَ لِحيةٌ ... ذهبتُ بِمِلْحِكَ ملءَ كفِّ القابضِ مثلَ السُلافةِ عاد خمرُ عصيرِها ... بعدَ الَّلذاذةِ خلَّ خَمْرٍ حامِضِ آخر: غابوا وآبوا وفي وُجُوهِهِمُ ... كما يكونُ الكسوفُ في القمرِ مَاتوا فلم يُقْبَروا فَيُحْتَسَبُوا ... فَفِيهمُ عِبرَةٌ لمُعْتَبِر كأنَّهمْ بَعدَ بَهْجَةٍ دَرَسَتْ ... رَكْبٌ عليهمْ عمائِمُ السَفَرِ أبو هفان: غَيَّرَهُ الكونُ والفسادُ ... ولاحَ في وجْهِهِ السَوادُ كأنْه دِمْنَةٌ امَّحَتْ ... فكُلُّ آثارِها رَمادُ ابن المعتز: أَلْبسكَ الشَّعُر على رَغمي ... غلالةً تُغسلُ بالخَطْمي قد كنتُ أدعوكَ: بيا سيِّدي ... فصِرتُ أدعوكَ: بيا عَمِّيَ وله أيضاً: يا ربِّ إِن لمْ يكنْ في وَصلِه طمعٌ ... ولم يكنْ فرجٌ من طولِ هِجرتهِ فاشْفِ السَّقامَ في لحظِ مُقلَتِهِ ... واسْتُرْ مَلاحةَ خدَّيْه بلحيتهِ ابن المعذل: سَقياً لدهر مضى ما كان أَطيَبَهُ ... إِذ أنتَ مُتَّبعٌ والشرطُ دينارُ أيّامَ وجهُكَ مُبيَضٌّ عوارِضُهُ ... وللربيعِ على خَدْيْكَ أَنوارُ حانَتْ مَنيَّتُهُ واسْوَدَّ عارِضُهُ ... كما تُسَوَّدُ بعدَ الميِّتِ الدارُ الصنوبري: أُخمِدَ الحُسنُ فيكَ بعد اتِّقادِ ... واكْتسى عارِضاكَ ثَوبَيْ حِدادِ ما بَدتْ شَعْرةٌ بِخدِّكَ إِلاَّ ... قُلتُ في ناظرِي بَدتْ أو فُؤادي أَنتَ بدرٌ جَنى الكُسوفُ عليهِ ... ظُلمةً ما أَرى لها مِن نَفَادِ واسْوِدادُ العِذارِ بعد ابْيِضاضٍ ... كابْيِضاضِ العِذار بعد اسْوِدادِ ديك الجن: لو نَبتَ الشَّعْرُ في وِصالٍ ... لَعادَ ذاكَ الوِصالُ صدَّا الخبزرزي: بَدا الشعرُ في وجْههِ فاْنتَقَمْ ... لِعُشاقِهِ مِنهُ لمّا ظَلَمْ وما سلَّطَ اللهُ نَبْتَ اللِّحى ... على المُرْد أَلا زوالَ النّعمْ تَوحَّشَتِ العينُ في وجههِ ... وحَقَّ لها وحَشةٌ في الظُلَمْ ولم يَعلُ في وجههِ كالدُّخا ... نِ إِلاَّ وأسفَلُه كالحَمَمْ إذا اسودَّ فاضِلُ قِرطاسهِ ... فما ظَنُّهُ بمجاري القَلَمْ الباب الرابع نعت الخيلان محمد بن عبد الرحمن الكوفي: خالٌ كنُقطةِ زاجِ ... على صَفِيحة عاجِ العباس بن الأحنف وقد قرأتها في ديوان ديك الجن. والعباس أولى بها: ومَحجوبةٍ في الخِدرِ عن كُل ناظرٍ ... ولو بَرَزَتْ ما ضلَّ بالليل مَن يَسري يُقَطِّعُ قلبي حُسنُ خالٍ بخدِّها ... إِذا سَفَرَتْ عنهُ تَنَغَّمَ بالسِحْر لخالٌ بذاتِ الخال أَحسنُ مَنظراً ... من النُقْطةِ السوداءِ في وَضَحِ البدْرِ وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: كأن نقطةٌ بِمِسكٍ ... لائحةٌ في بياضِ عاجِ مسلم بن الوليد: خَرَجْنَ خروجَ الأنجُم الزُهرِ فالتقى ... عليهنَّ منهنَّ الملاحةُ والشَكْلُ وخالٌ كخالِ البدرِ في وجه مِثلهِ ... لَقيتُ المُنى فيه فحاجزَنا البَذلُ ديك الجن: في خَدِّه خالٌ كأنَّ ... أنامِلاً صَبَغتهُ عَمْدا خَنِثٌ كأَنَّ الله أَلْ ... بسَهُ قُشورَ الدُرِّ جِلْدا وتَرى على وَجَناتِهِ ... في أيِّ حينٍ جِئتَ وَرْدا أبو هفان: مَلِيحُ الدَلِّ والحَدَقَهْ ... بَديعٌ والَّذي خَلَقَهْ له صُدغانِ من سَبَجٍ ... على خَدَّيْهِ كالحَلَقَهْ وخالٌ فوقَ وجنتِهِ ... يُقَطِّعُ قلبَ من عَشِقَهْ أُلاحِظُهُ فأُدْمِيهِ ... فأَتركُ لَحظَهُ شَفَقَهْ وقال الصنوبري: بالحَلَقِ المُستديرِ من سَبَج ... على الجَبينِ المَصُوغِ مِن دُرِّ

стр. 9

وحاجبٍ خَطَّ سطرَه قلمُ ال ... حُسن بِحبْرِ الإِلهِ لا الحِبرِ والخالِ في الخدِّ إِذ أُشَبِّهُهُ ... زَهرةَ مِسكٍ على ثَرى تِبْرِ وأُقحوانٍ بِفيكِ مُنتظمٍ ... على شَبيهِ الغَديرِ من خَمْرِ آخر: في الساعِدِ الأَيمن خالٌ لهُ ... مِثلُ السُويْداءِ على القَلبِ كأنهُ من سَبَج فاحِمٍ ... مُرَكَّبٍ في لُؤْلُؤٍ رَطْبِ كشاحم: فَديْتُ زائرةً في العيد واصِلةً ... لِمُسْتهامٍ بها لِلوصْلِ مُنْتَظِرِ فلم يزلْ خَدُّها رُكناً أَطوفُ بِهِ ... والخالُ، في صَحْنِهِ، يُغْني عن الحَجَرِ أحمد بن أبي طاهر: أَغَنُّ رَبيبُ الرَبْربِ الغِيدِ والمَها ... بِمُقْلةِ وَحشيِّ المحاجرِ أَدْعَجِ له وَجَناتٌ نُكتَةُ الخالِ وسْطَها ... كنُقطةِ زاجٍ في صَفيحةِ زِبْرِجِ ابن أبي فنن، في الخال الأبيض: يا حُسنَ خالٍ بِخدّ قد كَلِفْتُ بهِ ... كأنهُ كَوْكبٌ قد لُزَّ بالقمرِ الباب الخامس الخدود عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: قد صَنَّفَ الحُسنُ في خدَّيكِ جوهَرَهُ ... وفيهما أودعَ التفاحُ أَحمرَهُ فكلُّ سِحْرٍ فمِن عَيْنَيكِ أَوَّلُهُ ... مُذ خَطَّ هاروتُ في عَيْنيْكِ عَسكَرَهُ قد كانَ لي بَدنٌ ما مَسَّهُ سَقَمٌ ... فَمُذْ أُتيحَ له الهِجرانُ غيَّرَهُ قلبي رَهينٌ بكفَّيْ شادِنٍ خَنِثٍ ... يُمِيُتُه فإِذا ما شاءَ أَنْشَرَهُ الوجيهي: لا والذي جَعلَ الموا ... لِيَ في الهوى خَوَلَ العَبيدِ وأَصارَ في أَسْرِ الظِّبا ... ءِ قِيادَ أَعناقِ الأُسودِ وأَقامَ أَلْوِيَةَ المَنيَّةِ بين أَفْنِيَةِ الصُدودِ ما الوردُ أحسنُ مَنْظَراً ... في الروضِ من وردِ الخُدودِ ابن الرومي: تَورُّدُ خدَّيْه يُذكِّرُني الوَرْدا ... ولمْ أَرَ أَحلى منه شَكْلاً ولا قَدّا كأنّ الثُريَا عُلِّقَتْ في جَبينِه ... وبَدر الدُجى في النَحْرِ صِيغَ له عِقْدا وأَهدتْ له شمسُ النهارِ ضِياءَها ... فمرَّ بثوب الحُسْنِ مُرتدياً فَردا فلم أرَ مثلي في شقائي بمثلهِ ... رَضِيتُ به مَولىً ولم يرضَ بي عَبْدا ابن المعتز: يا مَن يجودُ بموْعِدٍ من لَحْظهِ ... ويصُدُّ حين أقولُ أينَ الموعِدُ وَيَظلُّ صَبّاغُ الحَياء بِخَدِّه ... تَعِباً يُعصْفِرُ تارةً ويُسوِّدُ الراضي: يَصْفَرُّ وَجْهي إذا تَأمَّلني ... خَوفاً، ويَحْمَرُّ وَجهُهُ خَجَلاً حتى كأنَّ الذي بِوَجْنَتهِ ... مِن ماءِ وجهي إِليهِ قد نُقِلا الواثق بالله: أَيُّها الخادِمُ من مَوْ ... لاكَ؟ مولاكَ وَصِيفُ أَنا مَمْلوكٌ لِمَمْلو ... كٍ ولِلدَّهرِ صُرُوفُ يا غَزالاً لَحْظُ عَيْنيْهِ سِهامٌ وَحُتوفُ ما الذي ورَّدَ خدَّيْكَ؟ ربيعٌ أَمْ خَريفُ آخر: بَيضاءُ رُؤْدُ الشباب قد غُمِستْ ... في خَجلٍ دائمٍ يُعصِفرُها مَجدولةٌ هزَّها الصَّبا فَشَجا ... قلبَك مسموعُها ومَنظَرُها الناشيء: قَبَّلتُه خُلسةً من عين راقبهِ ... ومَسَّ ما مَسَّ من ثَغري مُشَنَّفُهُ فاحْمرَّ من خَجلٍ واصفرَّ من وَجَلٍ ... وحَيْرةُ الحُسن بين الحُسن أَطْرَفُه العلوي: أَبْرزَهُ الحمَّامُ كالفِضَّةَ ... أَبانَ عنه عُكَناً بَضَّهْ كأنَّما الماءُ على خَدِّهِ ... طَلٌّ على سُوسَنَةٍ غَضَّهْ فَليْتَ لي من فَمِه قُبلةً ... وليتَ لي من خدِّهِ عَضَّهْ النوفلي: بِأبي من نَباتُ خد ... ديْهِ وردٌ ونَرجِسُ وعلى مِثلِه تَذو ... بُ قلوبٌ وأنفُسُ آخر: مُوَرَّدُ ما بيَن العِذارِ إلى الخدِّ ... بوردٍ بَديعٍ ليس من جَوْهرِ الورْدِ أبو نواس: وذاتِ خدٍّ مُورَّدْ ... قُوهِيةِ المُتَجَرَّدْ تأمَّلُ العينُ منها ... مَحاسِناً ليس تَنْفَدْ والحُسنُ في كلِّ جِزْءٍ ... مِنها مُعادٌ مُردَّدْ فَبَعْضُه يَتَناهى ... وَبعضُهُ يَتَوَلَّدْ

стр. 10

وكلَّما عُدْتُ فيهِ ... يكونُ في العوْدِ أَحْمَدْ أخذه من قول محمد بن بشير، وهذا محدث. وأما محمد بن بشير فهو من شعراء العرب: أَأَطلُبُ الحُسنَ في أُخرى وأَترُكُها ... بلْ ذاكَ حينَ تركْتُ الحُسنَ والحَسَبَا ما إِنْ تَأمَّلْتُها يوماً فَتُعْجِبُني ... إِلاَّ غدا أَكثر اليوميْنِ لي عَجَبَا ابن المعتز: تُفَاحتا خدَّيْكَ قد عُضَّتا ... بأَعيُن العالَمِ فاحمَرَّتا غَطِّهِما لا تُؤْكَلا عَنْوَةً ... أَو تَفْنَيا شَمَّاً فقد رَقَّتا الحسين بن الضحاك، وقد أحسن: صِلْ بخدِّي خدَّيْكَ تَلْقَ عجيباً ... من مَعَانٍ يَحارُ فيها الضميرُ فبخدَّيْكَ لِلربيعِ رياضٌ ... وبخدَّيَّ للدُموعِ غَدِيرُ وله: أَظهرَ الكبرياءَ من فَرطِ زهوٍ ... فتلقَّيْتُهُ بِذُلِّ الخُضوعِ وَحَباني رَبيعُ خدَّيْهِ بالورْ ... دِ فأَمْطَرْتُهُ سَحابَ الدُموعِ أبو هفان: خَدّي لِدمعٍ فيهِ مُرْفَضِّ ... وخدُّه للشَمِّ والعَضِّ بَعضي على بعضِيَ يَبكي دَماً ... وبَعضهُ يُزهى على بعضِ ما كَمَلَتْ حتى بَدا حُسْنُهُ ... ولا اسْتَتمتْ زينةُ الأرضِ قد كِدْتُ أَن أَقضِيَ من هَجرِهِ ... وحُقَّ لِلْمَهْجورِ أَن يَقضي ابن المعتز: ورْدُ الخدودِ وَنْرجِسُ اللحَّظاتِ ... وتصافُحُ الشَفَتْينِ في الخَلَواتِ شيءٌ أُسَرُّ بهِ وأعلمُ أَنهُ ... وَحَياةِ من أَهوى من اللذَّاتِ ابن الرومي: وشُفوفِ البدن النا ... عمِ في الثوب الرقيقِ ورحيقٍ كحريقٍ ... في أَباريقِ عَقيقِ إِنَّ مَن ورَّدَ خدَّيْكِ لَصَبّاغٌ رقيقُ وقال الصنوبري: بَدرٌ بَدا بالضِياءِ مُعْتَجرا ... غُصْنٌ أتى بالبَهاءِ مُتَّشِحا رَقَّ فلو كلَّفَتْهُ أعْيُنُنا ... أَن يَرشَحَ الخمرَ خَدُّهَ رَشحا آخر: مُتَرَقرِقُ الخدَّيْنِ مِن ... ماءِ الصِّبا والطيبِ يَنْدى وتَرى على وَجَناتِهِ ... في غيرِ حينِ الوَرْدِ وَرْدا وقال المهلبي: نفسي فداءُ مُدلَّلٍ ... رَبَع الربيعُ بعارضَيْهِ أَسكرتُه من خمرةٍ ... وسكرتُ من نظري إِليهِ المفجع: ظَبيٌ إِذا عَقْرب أَصداغَه ... رأيتَ ما لا تُحْسِنُ العقربُ تُفاحُ خدَّيْه له نَضْرَةٌ ... كأنه من دَمْعَتي يَشرَبُ ابن ميادة وأحسن وأبدع في معناه: جزى اللهُ يومَ البَيْن خَيراً فإنهُ ... أَرانا، على عِلاَّتِه، أُمَّ ثابِتِ أَرانا رَقيقاتِ الخُدودِ ولم نكُنْ ... نراهُنَّ إِلاَّ بانْتِعاتِ النَواعِتِ وهذا من بدائعه. وعليه عول الشعراء في العشق بالصفة دون الرؤية، كبشار حيث قال: يا قومُ أُذني لبعضِ الحيِّ عاشِقَةٌ ... والأُذْنُ تعشَقُ قبلَ العينِ أَحيانا وكابن قنبر مهاجي مسلم بن الوليد: ولستَ بواصفٍ أبداً خَليلاً ... أُعَرِّضُهُ لأهْواءِ الرِجالِ وما بالي أَشوِّقُ عَيْنَ غيري ... إِليهِ ودونه سَترُ الِحجالِ وكماني الموسوس: سمِعْتَ به فَهِمْتَ إليه شوْقاً ... فكيف لكَ التَصَبُّرُ لوتراهُ الباب السادس نعت الوجنات الحسن بن وهب: لا النومُ أَدْري به ولا الأَرَقُ ... يَدْري بِهذيْنِ من بهِ رَمَقُ أَرَدْتُ تَقبيلَ نارِ وَجْنتِهِ ... خَشِيتُهُ، إِن دنوْتُ أَحترِقُ ابن المعتز: وَجْنتاهُ أَرقُّ من قَطْرِ ماءٍ ... ودُموعي يَجرِينَ جرْياً عليهِ وَتَرى قلبَه الحَديدَ ولكِنْ ... لي فُؤادٌ أرقُّ مِن وَجْنَتَيْهِ ابن الرومي: وغزالٍ تَرى على وَجْنَتَيْهِ ... قَطْرَ سَهمَيْهِ من دِماءٍ القُلوب لَهفَ نفسي لِتِلْكَ من وَجناتٍ ... وَردُها وَردُ شارِقٍ مَهْضوبِ أبو نواس: لِلْحُسْنِ في وَجَناتِهِ بِدَعٌ ... ما إِنْ يَمَلُّ الدرسَ قارِيها لو تَستَطيعُ الأرضُ لانْقَبَضَتْ ... حتى يكونَ جميعُهُ فيها ابن المعذل: قلتُ لهُ إِذ مرَّ بي فَرْدا ... مولايَ هل تَقْبَلُني عَبْدا

стр. 11

فأَطبَقَ الورْدَ على نَرْجِسٍ ... فامْتلأَتْ وجنتُهُ وَرْدا آخر: فاحْمَرَّ حتى كِدتُ أَن لا أَرى ... وَجْنَتَهُ من كَثْرةِ الوَرْدِ ابن الرومي: يا طُرَّتَيْهِ الَّلتينِ مِن سَبَجٍ ... في وَجْنتيهِ اللتينِ من وَهَجِ ما حُمْرَةٌ فيهما؟ أَمِنْ خَجَلٍ ... أم فِطْرَةُ اللهِ؟ أَمْ دَمُ المُهَجِ خالد الكاتب: عَليلُ اللَّحْظِ والطَّرْفِ ... مَليحُ الشَّكْلِ والظَّرفِ لقد جاوَزَ في البَهْجَةِ والحُسْنِ مَدى الوَصْفِ له وَرْدٌ على الوجْنَةِ مَمْنوعٌ مِن القَطْفِ يَبُثُّ السُقْمَ من عَينيْهِ لكِنْ لحظُهُ يَشْفي الصنوبري: وَجنَتُكَ النارُ ثغرُكُ البَرَدُ ... يا مَنْ هو الظَبْيُ بل هو الأَسَدُ هذا طِرارٌ عليكَ أَم سَبَجٌ ... ذانِكَ صُدغانِ أَم هُما زَرَدُ مالي بِخَدَّيْكَ يا غُلامُ يدٌ ... ولا لخدَّيْكَ بالعيونٍ يدُ فكيفَ أَبكي بأَدمُعي جَسَدي ... لم يَبْقَ لي أَدمُعٌ ولا جسدُ أبو نواس: وَابِأَبي وجهُكَ المُفَدَّى ... والوَجَناتُ المُورَّداتُ والعارِضانِ اللَّذانِ طابا ... حينَ بدا فيهما النَباتُ في فَمِكَ العَنبرُ الفُتَاتُ ... في رِيقِكَ البارِدُ الفُراتُ وأَينَما كُنتَ من بِلادٍ ... فلي إِلى وجْهِكَ التِفاتُ آخر: ومُبيحِ أَسرارِ القلو ... بِ بوجْنَتيْهِ وحاجِبَيْهِ جَمَعَ الإلهُ لهُ المحَا ... سِنَ ثم أَفْرغَها عليهِ وكأَنَّ مِرْآتَيْنِ عُلِّ ... قَتا بِصَفْحَةِ عارِضِيْهِ وكأَنَّ وَردَ الجُلَّنا ... رِ مُضَعَّفٌ في وَجنتيْهِ وقال ديك الجن: بأبي الثلاثُ الآنسا ... تُ الرائقاتُ الفاتِناتُ أَقبلْنَ والأَصداغُ من ... وَجناتِهِنَّ مُعَقْرباتُ ألفاظهُنَّ مؤنَّثا ... تٌ والجفونُ مُذكْراتُ حتى إذا عايَنْتُهُنَّ وللأمور مُسبِّباتُ جَمَّشْتُهُنَّ وقلتُ طيبُ عناقكُنَّ هو الحياةُ فَخَجلنَ حتى خِلْتُ أنَّ خدودهنَّ مُعَصْفَراتُ ابن الرومي: تَشرَعُ الألحاظُ في وَجْنَتِها ... فَتُلاقي الرِيَّ من مَشْرَبها فهي حَسْبَ العينِ من نُزْهَتِها ... وهي حَسْبُ الأُذْن من مَطْرِبها آخر: إني هَويتُ من السَّعادةِ مَسْعداً ... لِبَني الهوى فغدا مَشُوقاً شائِقا فإذا دنا جعلَ الزيارةَ شأنهُ ... وإذا نَأى بَعَثَ الخيالَ الطارِقا عاتَبْتُهُ يوماً وفي وجناتهِ ... وردٌ، فصارَ من الحياءِ شقائِقا ابن المعتز: قَد صادَ قلبي قَمَرُ ... يَسَحُر منه النظرُ وقد فُتِنْتُ بعدكُمْ ... وضاعَ ذاكَ الحذرُ بِوجْنةٍ كأنَّما ... يقدَحُ منها الشَرَرُ وشاربٍ قد هَمَّ أوْ ... نَمَّ عليه الشَعَرُ ضَعيفةٌ أجفانهُ ... والقلب منه حجر كأنّما أجْفانُه ... من فِعْلِها تَعتذِرُ لم أرَ وَجْهاً غيرَ ذا ... يَحيى عليهِ بَشَرُ ابن المعذل: بمَجاري فلكِ الحُسنِ الذي في وَجَناتِكْ وبِنُونَيْنِ على خَد ... ديْكَ من غَيْرِ دَوَاتِكْ وبما يصنعُ في النَّا ... سِ تَشاجِي حَرَكاتِكْ وبما أغَفْلَهُ الوا ... صفُ من حُسنِ صفاتِكْ لا تَدعنِي والهوى ... يَجْرحُ قلبي بِحياتِكْ آخر: غَدَا وغَدا تَورُّدُ وجْنَتَيهِ ... بِعَينِ مُحبِّهِ يَصِفُ الرِياضا على خدَّيه ماءٌ عَسْجَدِيٌّ ... إذا نظرَ الرقيبُ إليهِ غاضا يُؤمِّلٌ جنة الفِردَوْسِ قومٌ ... وآمُلُ منهُ شَمًّا أو عَضاضا غزالٌ كلَّما ازْدَدْتُ اقتراباً ... إليهِ زادَ بُعداً وانْقباضا كَتَمْتُ هواهُ حتى فاضَ دَمعِي ... فَصَيَّرَهُ حَديثاً مُسْتَفاضا الباب السابع نعت الحواجب الزاهي: وأغْيَدَ مَجدولِ القوامِ جَبينُهُ ... سَنا القمرِ البَدرِيَّ في الغُصُنِ الرطْبِ تَنَكَّبَ قوسَ الحاجِبينِ فَسْهمُهُ ... لواحِظُهُ المَرْضى وقِرْطاسُه قلبيِ

стр. 12

عبد الله بن أبي الشيص: حذِرْتُ الهوى حتى رُميتُ مَن الهوى ... بأصْرَدِ سهمٍ في قِسيِّ الحواجبِ رَمَينَ فأصْمَيْنَ القَلوبَ مكانَها ... وتُخطي يَدُ الرامي له في المغايِبِ محمد بن عبد الرحمن الكوفي: وَمُستلِبٍ عينَ الغزالِ وقد تُرى ... بِجبهتِهِ عينُ الغزالةِ ماثِلا تَنادَلَ قوسَ الحاجِبينِ مُفَوَّقاً ... بأسْهُمِ ألحاظٍ تَشُكُّ المَقَاتِلا خالد الكاتب: له مِن مهاةِ الرملِ عيْنٌ مَريضةٌ ... ومِن ناضِرِ الريْحانِ خُضْرَةُ شارِبِ ومن يانعِ التُفَّاحِ خدٌّ مورَّدٌ ... ومن خَطِّ حُلوِ الخطِ تقويسُ حاجبِ ومن ناعِمِ الأغصانِ قَدُّ وقامةٌ ... ومن حالِكِ الحِبْر اسودادُ الذَوائبِ ومن كُلِّ ما تهوى النفوسُ وتَشْتَهي ... نَصيبٌ، وما فيهِ نَصيبٌ لِعائِبِ آخر: غَزاني الهوى في جَيشِهِ وجُنودِه ... وعبَّا عليَّ الخيلَ من كُلِّ جانِبِ بِمَيْسَرةٍ أعلامُها أعينُ المها ... ومَيْمَنَةٍ تَقضي بِزُجِّ الحواجبِ وأثْبَتَ شخصَ البدرِ في حَوْمَةِ الوغى ... بِرايتِهِ الكُبرى لِفَلَّ الكتائِبِ الموصلي: فوقَ العيونِ حواجبٌ زُجُّ ... تحتَ الحواجبِ أعيُنٌ دُعْجُ ينظرنَ من خَلَلِ النقابِ وإنَّما ... تحتَ النِقابِ ضواحكٌ فُلْجُ وإذا نظرنَ رَمَقْنَ عن مُقلٍ ... تَسبي العقولَ وحَشوُها غُنْجُ وإذا ضَحِكنَ ضَحِكْنَ عن بَرَدٍ ... عَذْبٍ الرُضاب كأنّه ثَلْجُ وإذا نَزعن ثيابَهُنَّ تَرَسَّلَتْ ... فوق المتون ذوائِبٌ سُبجُ وافيْنَ مكَّةَ للحَجيجِ فلمْ ... يَسلمْ بهنَّ لُمحرِمٍ حَجُّ الباب الثامن العيون والزرقة والشهلة والحول والرمد قال الأصمعي: ما وصف أحد العيون بمثل ما وصف به عدي بن الرقاع: وكأنها بين النِساءِ أعارها ... عَينيهِ أحورُ من جآذرِ جاسِمِ وسْنانُ أقصَدَُ النُعاسُ فرنَّقَتْ ... في عينِهِ سنةٌ وليس بِنائمِ الناجم: كادَ الغزالُ يكونُها ... لكنَّما هُو دونُها والنرجسُ الغضُّ الجنيُّ أغضُّ منهُ جُفونُها مَنْ كانَ يعرفُ فَضلَها ... فعنِ القياسِ يصونُها جرير: لولا مُراقبةُ العيونِ أرْيننا ... حدقَ المها وسوالِفَ الآرامِ ونظرنَ، حين سمِعْنَ جَرْسَ تحيَّتي ... نظرَ الجيادِ سمِعْن صوتَ لجامِ ابن المعتز، والناس يستبدعونه: عَليمٌ بما تحتَ الصدورِ من الهوى ... سريعٌ بكرِّ اللحظِ والقلبُ جازعُ ويجرحُ أحشائي بعينٍ مريضةٍ ... كما لانَ مَسُّ السيفِ والسيفُ قاطِعُ البحتري: ويحسُنُ دلُّها والموتُ فيهِ ... وقد يُستحسَنُ السيفُ الصقيلُ وقد قال سلم الخاسر في الرشيد: طلعَ الخليفةُ مطلعَ الشمسِ ... فَعَلا رقابَ الجِنِّ والإنسِ وعليهِ مصقولٌ عوارضُهُ ... خَشِنُ الكريهةِ ليِّنُ المسِّ وتقول العرب: الحية لين لمسها، قاتل نهشها. وقول ابن المعتز في معناه حسن: إن زَنَتْ عينُهُ بغيركَ فاضرِبْها بطول السُهادِ والدمعِ حَدّا وقد كرر فقال: أتَتْني تؤنِّبُني في البُكاء ... فأهلاً بها وبتَأنيبِها تقولُ، وفي قولِها حشمةٌ ... أتَبْكي بعينٍ تَراني بها فقلتُ: إذا استحسَنَتْ غيركُمْ ... أمرتُ الُدموعَ بتأديبِها وهذا من مختار شعر ابن المعتز. إلا أنه عكس قول الأخطل: فلا تلمُمْ بدارِ بني كُليبٍ ... ولا تقرَبْ لهمُ أبداً رِحالا فإنَّ لهم نساءً مُبرقاتٍ ... يكدْنَ ينِكْنَ بالحدَقِ الرِجالا قال أبو المثنى: أنشدني خالد لنفسه بديهة: عَينهُ سفَّاكةُ المهجِ ... مِن دَمي في أعظمِ الحَرَجِ أسْهرتْني وهي لاهيةٌ ... باحْوِرارِ العيْنِ والدَعَجِ قُلْ لظبيٍ كلُّهُ حَسنٌ ... عَجَبي من فِعلكَ السَمِجِ لا أتاحَ اللهُ لي فَرَجاً ... يومَ أدْعو منكَ بالفرجِ قال: فأنشدتها وهباً الهمداني فأنشدني لنفسه بديهة: تعملُ الأجفانُ بالدَّعجِ ... عملَ الصَّهباء بالمُهَجِ

стр. 13

قُلْ لظبيٍ تُسترقُّ لهُ ... مُهجُ الأحرار بالدَّعجِ أنتَ والأجفانُ مالحظَتَ ... من فُتورِ العيْن في حرجِ كيفَ أدعو اللهَ أسألُهُ ... فَرجاً ممَّن به فَرجي وهذا أول من قاله أبو نواس: لا فرَّجَ اللهُ عني إنْ مددتُ يدي ... إليه أسألُه من حبِّه الفَرجا أبو دلف: نَقْتَنِصُ الآسادَ من غِيلها ... وأعيُنُ العينِ لنا صائدهْ يَنْبو الحُسامُ العَضبُ عنّا وقد ... تكَلُمُ فينا النظرةُ القاصِدَهْ تَهابُنا الأسْدُ ونخشى المَها ... آبِدةٌ ما مثلُها آبدهْ ابن المعتز: وبيضٍ بألحاظِ العيونِ كأنَّما ... هَزَزْنَ سُيوفاً واستَلَلْنَ خَناجِرا تَصدَّيْن لي يوماً بِمنعرَجِ اللِوى ... فغادرْنَ قلبي بالتصبُّر غادِرا سفَرْن بُدوراً، وانْتقبْنَ أهلَّةً ... ومِسْنَ غُصوناً والتفتْنَ جآذِرا وأطلعْنَ في الأجيادِ للوردِ أنجْماً ... جُعِلْن لحبَّاتِ القلوبِ ضَرائرا البرقعي: إني أخافُ مِن العُيو ... نِ النُجْلِ والحَدقِ المِراضِ وأزورُ ليثَ الغابِ بالهندِيِّ في وسطِ الغياضِ وإذا رأيتُ مُوَرَّدَ الوَجَناتِ جُمِّشَ بالعَضاضِ أيقنتُ أنَّ مَنِيَّتي ... بينَ التورُّدِ والبَياضِ خالد: ومريضِ طَرْفٍ ليس يصرفُ طرفَهُ ... نحو امرِئٍ إلاَّ رماهُ بحَتْفِهِ قد قلتُ إذْ أبْصرتُهُ مُتمايِلاً ... والرِدفُ يجذِبُ خصرَهُ من خَلْفِهِ يا مَن يُسلِّمُ خصرهُ من رِدفِهِ ... سلِّمْ فؤادَ مُحبِّهِ مِن طرفِهِ الجنزرزي: لمّا نظرتَ إليَّ من حَدَقِ المَها ... وضَحكتَ عن مُتَفَتَّحِ الأنْوارِ وعقدتَ بينَ قضيبِ بانٍ ناعِمٍ ... وكَثيبِ رملٍ عُقدةَ الزُنْارِ عفَّرتُ خدَّي في الثَرى لكَ خاضِعاً ... وعَزمتُ منكَ على دخولِ النارِ جحظة: صادَتْ جميعَ الناسِ أجفانُكْ ... وعزَّ في العالمِ سُلطانُكْ مَن مُنصفي منكَ وكُلُّ الوَرى ... مِن خوفِ سلطانِكَ أعوانُكْ أبو هفان: أخو دَنَفٍ رمتْهُ فأقْصدتْهُ ... سهامٌ من جُفونكِ لا تطيشُ قواتلُ، لا نِصالَ سوى احْوِرارٍ ... بِهنَّ، ولا سِوى الأهدابِ ريشُ أصبْنَ سوادَ مُهجتهِ فأضْحى ... سقيماً لا يموتُ ولا يعيشُ كثيباً إنْ ترحَّلَ عنهُ جيشٌ ... من البَلوى أناخَ به جُيوشَ آخر: بحُرمةِ ما في العَينِ من نَرجِسٍ غَضِّ ... ووردٍ جنيٍ لاحَ في موضِعِ العَضِّ أَبِنْ ليَ هلْ هَجْري عليكَ فريضةٌ ... فأنتَ، بحمد الله، تأخذُ بالفرضِ بَراكَ إلهُ الخلقِ من لُؤلُؤ رطبِ ... فبعضُكَ من حُسنٍ يَغارُ على بعضِ ما قيل في الزرقة والشهلة شاعر: قالوا بهِ زُرقةٌ فقلتُ لهُمْ ... بذاكَ تمَّتْ خِصالُهُ البَهِجَهْ ما عابَهُ ما تروْنَ من زَرَقٍ ... كم بينَ فَيْروزَجٍ إِلى سَبَجَهْ آخر: زُرقةٌ في شُهُولةٍ فهو سيفٌ ... في دَمٍ غيرً أَنهُ ليس يَصدا كلما عاوَدَتْهُ باللحظ عَيْني ... عادَ للحِينِ حُسْنُه مُستَجِدَّا الخليع: ومُكتَحِلٍ في العينِ من فوقِ شُهلةٍ ... يَدِبُّ على أرجاء مُقلتهِ السحرُ له وجنةٌ ما تحمِلُ العينَ رِقةً ... جوانِبُها بيضٌ وأوساطُها حُمْرُ وفي الحول أبو الأسود الدؤلي: يَعِيبونَها عِندي ولا عَيبَ عِندَها ... سِوى أَنَّ في العَيْنينِ بعضَ التأخُّرِ وإِنْ يَكُ في العَيْنينِ سُوءٌ فإِنها ... مُهَفْهَفةُ الأَعلى رَداحُ المُؤزَّرِ أبو حفص الشطرنجي: حَمِدْتُ إلهي إذ بُليتُ بحُبها ... على حَوَلٍ يُغني عن النَظرِ الشَزْرِ نَظرتُ إليها والرَقيبُ يَخالُني ... نَظرتُ إليه فاستَرَحْتُ من العُذْرِ سعيد بن حميد في وصف الحول نفسه وأجاد: وَنَجْمينِ في بُرجيْن هادٍ وحائِرٌ ... إذا طَلعا حَلَّ الكُسوفُ بواحدِ إذا غُيِّبَ الهادي وَواراهُ بُرُجُهُ ... تَراءى لهُ المَقْصودُ في زِيِّ قاصدِ

стр. 14

لهذا، على التشبيهِ، قوةُ زُهرةٍ ... وفي ذا، على التمثيلِ، طَرفُ عُطاردِ مِنَ الأَنجُمِ اللاَّئي جَرَتْ في بُروجِها ... ولم تَدْرِ ما معنى بُروجِ الفرَاقِدِ العلوي البصري: ونَظرةِ عَيْنٍ تعلَّلْتُها ... خِلاساً كما نَظرَ الأَحوَلُ تَقسَّمتُها بين وجهِ الحبيبِ وطرفِ الرقيبِ متى يغفلُ آخر: سَأجْتنِبُ الدارَ الني أَنتمُ بها ... ولكنَّ طَرفي نحوَها سوفَ يعملُ أرى مُستقيمَ الطرفِ ما الطرفُ أَمَّكُمْ ... فإِن زالَ طرفي عنكُمُ فهو أَحْوَلُ آخر: ومُنقَلِبٍ طَرفُهُ فاترٌ ... يُقلِّبُ باللحظ مِنّا القلوبا فعينٌ تُوهِّمُني مَوْعِداً ... وعينٌ تُشاغِلُ عني الرَقيبا يُصانِعُ خَصْمينِ في لحظِهِ ... فَلَنْ أَستريبَ ولن يَستَريبا وابن الرومي قد أبدع في نظر الحبيب، وتأثيره في القلوب ما لم يذكره أحد. وكرره في مواضع من شعره فقال: نظرتْ فأَقصدَتِ الفؤادَ بطرفِها ... ثم انْثَنَتْ عَني فكِدْتُ أَهيمُ وَيْلايَ إِنْ نظرتْ وإن هيَ أَعرضتْ ... وقْعُ السِهام ونزْعُهنَّ أَليمُ قال وزاد فيه معنى آخر: لَطَرفُها، وهو مَصْروفٌ، كموقِعِه ... في القلبِ حينَ يَروعُ القلبَ موقِعُهُ تَصُدُّ بالطرفِ، لا كالسَّهم تَصرِفُه ... عني، ولكنّه كالسَّهمِ تَنْزِعُه وقال أيضاً: تَشَكَّى إذا ما أَقْصَدَتْكَ سِهامُها ... وتَشْجى إذا نكَّبْنَ عنكَ وتكمَدُ إذا نَكَبَتْ عنّا وجدْنا عُدولَها ... كموقِعها في القلب، بل ذاكَ أَجهَدُ كذلكَ تلكَ النَبْلُ من وقعتْ به ... ومن صُرِفَت عنه من القومُ مقْصَدُ وقد التزم ابن الرومي في هذه القصيدة فتحة ما قبل حرف الروي تبرعاً، إلا في بيت واحد وهو: ومَرجوعُ وهّاج المَصابيحِ رِمْدَدُ وأخبرني أبو عبيد الله المرزباني أن أبا عثمان الناجم أخبره أن ابن الرومي دفع إليه هذه القصيدة وقال: اذهب بها إلى ثعلبكم وأنشده إياها، فما رد من لغتها فلا تلتفت إليه، وما رد من إعرابها فعلم عليه لأرجع فيه. وأنشده رمدد بفتح الدال التي ردفت حرف الروي؛ فلم يرده عليه. وعند علماء اللغة هو رمدد بكسر الدال الأولى. ولم يأت في العربية ما تكرر فيه حرفان على فعلل إلا رمدد ودردح للناقة المسنة، وقرقس للبعوض. وقال البن السكيت: لم يرد في اللغة فعلل بكسر الفاء وفتح اللام إلا حرفان: درهم وهجرع للطويل. وقد جاء ثالث وهو هبلع للأكول. قال الشاعر: فَشَحا جحافِله جِرافٌ هِبْلَعُ وأبو الحسن الأخفش يقول فيه شيئاً ليس هذا موضعه، وفي هركولة. وابن الرومي لاقتداره وغزارته يلتزم في القوافي مالا يلزمه. وهو بالفكر والروية سهل. والصعب ما تعمله العرب بديهة وارتجالاً؛ كما أنشده سيبويه. لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ النازِلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ وهذا المعنى في النظر قد غلب عليه ابن الرومي، كما غلب الطرماح على قوله: والشمسُ مُعرِضَةٌ تمورُ كأنّها ... تُرسٌ يُقَلِّبُه كَمِيٌّ رامِحُ وألم به أبو النجم: فهي على الأُفْق كَعينِ الأَحوَلِ ... صَغْواءَ قد كادتْ ولمَّا تَفعَلِ وكما غلب بشار على قوله: وقالوا: قدْ بكيتَ فقلتُ كلاّ ... وهل يَبكي من الطَّرب الجَليدُ ولكِنْ قد أصابَ سوادَ عيْني ... عُوَيْدُ قَذىً له طَرَفٌ حَديدُ فقالوا: ما لِدْمعِهما سَواءٌ ... أَكلتا مُقلتيْكَ أصابَ عودُ وألم به أبو العتاهية فقال: كمْ مِن صَديقٍ لي أُسا ... رِقُهُ البُكاءَ من الحَياءِ فإذا تأمَّلَ لامَني ... فأقولُ: ما بي مِن بُكاءِ لكنْ ذهبتُ لأَرتَدي ... فطَرَفتُ عيني بالرِداءِ وكما غلب العتبي على قوله: رأَيْنَ الغواني الشيبَ لاحَ بعارِضي ... فأَعْرضْنَ عني بالخُدودِ النَواضِرِ وكُنَّ إذا أَبْصَرْنَني أو سَمِعْنَ بي ... سَعَيْنَ فَرقَّعْنَ الكُوى بالمحاجِرِ وكما غلب أبو نواس على قوله:

стр. 15

فَلِلْخمر ما زُرَّتْ عليهِ جُيوبُها ... وللماءِ ما دارتْ عليه القَلانِسُ ومنه أخذ ابن المعتز قوله: وبيضاءُ الخِمار إذا اجْتَلتْها ... عيونُ الشَّرْب صفراءُ الإِزارِ وكما غلب أبو العتاهية على قوله في البنفسج: كأنها فوقَ طاقاتٍ ضَعُفْنَ بِها ... أَوائلُ النارِ في أَطرافِ كِبْريتِ وكما غلب أبو حية النميري على قوله في حيرة الدمع في العين: نَظرتُ كأنّي من وراء زُجاجةٍ ... إلى الدارِ من فَرْطِ الكآبةِ أَنظُرُ وقد عارضه فيه خلق كثير من الشعراء، فلم يصنعوا شيئاً. منهم أبو الشيص، قال: حَجبتْ عينيَ الدموعُ فإِنسا ... ني غريقٌ يَبدو مِراراً ويَخْفى فكأني نَظرْتُ مِن خَلفِ سِتْرٍ ... هزَّتِ الريحُ متْنَهُ فتَكفّا وفي هذا التشبيه نظر. ومنهم قيس حيث قال: وممَّا شَجاني أَنها يومَ أَعرضتْ ... تولَّتْ وماءُ العين في الجَفْنِ حائِرُ وقال ذو الرمة: وإنسانُ عيني يَحسُرُ الماءَ تارةً ... فيبدو، وأَحياناً يَجُمُّ فَيَغْرَقُ وقال البحتري: وَقَفْنا والعيونُ مُشعَّلاتٌ ... يغالِبُ دمعَها نظرٌ كليلُ نَهَتْه رِقْبةُ الواشينَ حتى ... تعلَّقَ لا يَغِيضُ ولا يَسِيلُ وقال أبو السمط مروان: أُلِمُّ بالبابِ كي أَشكو فيمنعُني ... فَيْضُ الدموعِ على خدِّي، من النظرِ أقبلتُ أَطلبُها، والقلبُ مَنْزِلُها، ... أَعْجِبْ بمُقتَرِبٍ مني على سَفَرِ وقال المتنبي: عَشيَّةَ يَعْدونا عنِ النَّظرِ البُكا ... وعن لَذَّةِ التوديعِ خوفُ التَفرُّقِ نودِّعُهم والبَيْنُ فينا كأنَّهُ ... قَنا ابنِ أَبي الهَيْجاءِ في قلبِ فَيْلقِ وقال أبو نواس: بِنفسِيَ من رَدَّ التحيةَ ضاحكاً ... فجدَّد بعد اليأس في الوصلِ مَطْمعي إذا ما بدا أَبدى الغرامُ سرائري ... كأنَّ دموعَ العين تعشَقُه معي باح الكاتب: يا غزالاً سَوادُ أَفْئدةِ الأُسْدِ يَعْتلِف إِنَّ مُذْ خَمْسةٍ لَنا ... رُسُلَ الوعْد تخْتلِفْ لم تَزُرْني ولم تَسَلْ ... بي على الغَيْبِ يا صَلِفْ أنا أَفْديكَ كيفَ كُنتَ ألف لام فا أَلفْ الحسين بن الضحاك: يا مُعيرَ المُقلةِ الجوْ ... ذُرَ والجيدِ الغَزالا أَترى بالله ما تَصْنَعُ عيناكَ حَلالا من جُفون تنفُثُ السحرَ يميناً وشمالا كنتَ مِن شتّى فأُلِّفْتَ وجُمِّعتَ مثالا من قَضيبٍ كَتَمنِّي النفسِ لينا واعْتِدالا وكثيبٍ يُودِعُ المئزَرَ أَردافاً ثِقالا وهِلالٍ لاحَ في الأُفْق هِلالاً فتلالا بأبي أنتَ قضيباً وكَثيباً وهِلالا حارَ ماءُ الحسن في رقَّةِ خدَّيْكَ فجالا حَبَّذا حُبُّكَ رُشْدا ... كانَ أو كانَ ضَلالا قوله: حارماء الحسن..أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة: وهي مَكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أَديمِ الخَدَّيْنِ ماءُ الشبابِ آخر: خُطَّتْ على الحُسن فهي تَمْلِكُهُ ... فصارَ ما حَولَهُ لهُ خَدَما لو أَنَّها قابَلتْ بِمُقْلتِها ... بَكرَ بنَ عبدِ العزيزِ لانْهزما جرير: ولقد رَمَيْنَك يومَ رُحْنَ بأعْيُنٍ ... ينظُرْنَ من خَلَلِ الخُدورِ سَواجِ وبمنطقٍ شَعَفَ الفؤادَ كأنّهُ ... عسلٌ يَجُدْن به بغيرِ مِزاجِ إِنَّ الغُرابَ بما كَرِهْت لَمولعٌ ... بِنوى الأحِبَّةِ دائمُ التَشْحاجِ ليتَ الغرابَ غداةَ ينعبُ بالنوى ... كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ ولقد عَلمِتِ بانّ سِرَّكِ مُنْسَأ ... بينَ الضلوعِ موثَّقُ الأشْراجِ هذا هوىً شَغَفَ الفؤادَ مُبَرِّحٌ ... ونوىً تقاذَفُ غيرُ ذات خِلاجِ وفي حدة النظر قال بعض العرب: يتقارضونَ إذا الْتقوْا في مَنزلٍ ... نَظراً يُزيلُ مواقعَ الأقدامِ يريد: تلاحظ الأعداء وهو من قول الله : " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ". وأما قول أبي تمام: ومحدودِ الصَنيعةِ ساءَه ما ... تُرَشِّحُ لي منَ السَبَبِ الحَظِيِّ

стр. 16

يَدِبُّ إليَّ من شخصٍ ضئيلٍ ... ويَنظُرُ من شفا طَرَفٍ خَفِيِّ فإنه يريد: نظراً بذل. وهو قول الله : " ينظرون من طرف خفي ". أنشد: غَضِيضُ الطَرفِ ساكِنُهُ ... مَنيَّةُ من يُعاينُهُ كساهُ إلُههُ نُوراً ... تُضيءُ بهِ أماكنُهُ نقيُّ الجيْبِ من عَيْبٍ ... فما في الناسِ شائِنُهُ تغيبُ محاسِنُ الدُنيا ... إذا طَلعتْ محاسِنُهُ العلوي: يا من تَشاغلَ بالسُرو ... رِ عن الفُؤادِ المُبْتَلى نَظَري إليكَ إذا رأيتكَ مُدْبراً أو مُقبِلا نَظرَ ابنِ فاطمةِ الرِضى ... ماءَ الفُراتِ بِكَرْبلا الخبزرزي: قد قُلتُ لما أنْ نَظر ... تُ إلى الحبيبِ مع العُداةِ وبَقيتُ أنظرُ شاخصاً ... نظرَ المُنازعِ للمَمَاتِ نَظري إليكَ بِغُصَّةٍ ... نَظَرَ الحُسينِ إلى الفُراتِ وعلى ذكر العيون وأحوالها، ففي الرمد قول ابن المعتز نادر: قالوا اشتكتْ عينُه فقلتُ لهم ... مِن كَثرةِ القتل نالها الوَصَبُ حُمرَتُها من دماءِ من قَتَلتْ ... والدَمُ في النَصْلِ شاهدٌ عَجَبُ وقد ألم به بعض الشعراء الشاميين فقال في ناصر الدولة يصف رمداً أصابه ولطف به: قُضُبُ الهِند والقَنا أخدانُكْ ... والمقاديرُ في الوَرى أعوانُكْ أيُّهذا الأميرُ ما رَمِدتْ عينُكَ، حاشا لها ولا أجفانُكْ بل حَكَتْ فِعلَكَ الكريمَ ليُضحي ... شأنُها في العُلى سواءً وشانُكْ فهي تحمرُّ مثلَ سيفكَ في الروْ ... عِ، وتصفو كما صَفا إحسانُكْ الباب التاسع الأنوف عبد الله بن رواحة: سَبَتْكَ بِعَيْنيْ جَؤْذَرٍ بخميلةٍ ... وجيدٍ كجيدِ الرِّئمِ زيَّنَهُ النَظمُ فأنف كحدِّ السيفِ يَشربُ قبلَها ... وأشنبَ رفَّافِ الثنايا بهِ ظَلْمُ أبو النجم: للشُّمِّ عندي بَهجةٌ وحلاوةٌ ... وأحبُ بعضَ محاسِنِ الذِّلْفاءِ وأرى البَياضَ على النِساءِ جَهارةً ... والعِتْقُ أعرِفُه على الأدْماءِ ذو الرمة: تَثْني الخمارَ على عِرنين أرنَبةٍ شَمّاءَ مارِنُها بالمسكِ مرْثومُ تِلك التي تيَّمت قلبي فصارَ لها ... من حُبها ظاهرٌ بادٍ ومكتومُ الأقرع بن معاذ: يقولُ ليَ المُفتي وهُنَّ عَشيَّةً ... بمكَّةَ يَرْمَحْنَ المُهدَّبةَ السُحْلا تَقِ اللهَ لا تنظرْ إليهنَّ يا فتى ... وما خِلتُني في الحجِّ مُلتمِساً وَصْلا قِطافُ الخُطا مُلْتَفَّةٌ رَبَلاتُها ... وما اللُّفُّ أفخاذاً بتارِكةٍ عَقلا فواللهِ ما أنسى، وإن شطَّتِ النوى ... عَرانينَهنَّ الشُمَّ والحَدَقَ النُجْلا ولا المِسكَ من أردانهنَّ ولا البُرى ... جواعِلَ في ماذِيِّها قَصباً خَدْلا ذو الرمة: إذا أخو لَذَّةِ الدنيا تَبَطَّنَها ... والبيتُ فوقَهما بالليل مُحْتَجِبُ سافَتْ بِطَيِّبَةِ العِرْنينِ مارنُها ... بالمسكِ والعنبرِ الهِنديِّ مُختَضَبُ زَيْنُ الشبابِ وإنْ أثْوابُها استُلبَتْ ... على الحشيَّةِ يوماً زانها السَّلَبُ آخر: وعَنْدَميَّيْن مُحمرَّيْن قد نصَعا ... في عارِضَيْ جُلَّنارٍ منه وَرْدِيِّ تَخالُ بينهما أقنى به شَممٌَ ... كحدِّ مُنْصقِلِ الحدَّيْن هِنْدِيِّ ألحاظُهُ فِتنٌ ألفاظهُ مِحنٌ ... كأنه قمرٌ في جِرْمِ إنسِيِّ كأن طُرَّتَه في عاجِ جَبْهَتِه ... سوادُ زِنْجِيَّةٍ في لونِ رُومِيِّ الباب العاشر الأسنان ابن الرومي: ألا رُبما سُؤتُ الغيورَ وساءني ... وباتَ كلانا مِن أخيه على وَغْرِ وَقبَّلتُ أفواهاً عِذاباً كأنّها ... يَنابيعُ خَمرٍ حُصِّبَتْ لؤلؤَ البَحْرِ ابن كيغلغ: لَسُكرُ الهوى أرْوى لِعَظمي ومفصَلى ... إذا سَكرَ النُدمانُ من دائر الخَمرِ وأحسنُ من رَجْع المَثاني وقَرعِها ... مَراجيعُ صوتِ الثغرِ يُقرعُ بالثغرِ كشاجم، وأحسن في نعت الأسنان والشفاه: عَرَضنَ فَعَرَّضْن القلوبَ من الجوى ... لأسرعَ في كيِّ القلوبِ من الجمرِ

стр. 17

كأنَّ الشِفاهَ اللُّعْسَ فيها خواتِمٌ ... من المسكِ مختومٌ بهنَّ على دُرِّ ابن الرومي: تَعُلُّكُ ريقاً يَطرُدُ النومَ بَردُهُ ... ويَشفي القلوبَ الحائماتِ الصواديا وهل ثَغَبٌ حَصْباؤُه مثل دُرِّهِ ... يُصادفُ إلاِّ طيِّبَ الطعْم صافِيا كشاجم: كالغُصنِ في رَوضةٍ تَميسُ ... تصبو إلى حُسنها النُفوسُ ما شَهِدتْ والنساءَ عرساً ... فَشُكَّ في أنها عَروسُ تَبْسِمُ عن باردٍ بَرُودٍ ... تَعْبَقُ من طِيبه الكُؤوسُ يُجمعُ فيه لِمُجتَنيهِ ... مِسكٌ ووردٌ وخنْدَرِيسُ أخذ قوله: ما شهدت والنساء. من قول أبي نواس: شَهدتْ جَلوةَ العروس جنانٌ ... فاسْتمالتْ بُحسنِها النَظَّارَهْ حَسِبوها العروسَ حينَ رأوْها ... فإليها، دونَ العروسِ، الإشارهْ أعرابي: بِأشنبَ صافٍ تعرفُ النفسُ أنهُ ... وإنْ لم تَذُقْ، حُوُّ اللِثاتِ عِذابُ وكف كقنوانِ النَّقا لا يضُرُّها ... إذا برزَتْ أن لا يكونَ خِضابُ ومْتنانِ يَزدادانِ ليناً ورِقَّةً ... كما اهتزَّ من ماء السُيولِ حَبابُ أبو دلف: أحبَبْتُها حُبَّ الحَرا ... م ولم أنلْ منها حَراما فإذا خَلوْتَ بها فَجا ... ريةٌ وتحسبَهُا غُلاما وإذا لثَمْتَ على الكرَى ... فالأقحوانةَ والمُداما تِلك التي خلَبتْ فؤا ... دَ المُستهامِ المُستَهاما ابن الطثرية: ومَجدولةٍ جَدلَ العِنان كأنّما ... سَنا البرقِ في داجي الظلامِ ابتسامُها إذا سُمتُها التقبيلَ صدَّتْ وأعرضتْ ... صُدودَ شَموسِ الخيلِ صَلَّ لِجامُها فما برحتْ حتى كشفتُ لثامَها ... وقبَّلْتُها ألفاً فَزالَ احتشامُها آخر: تَبَسَّمُ عن عَذبٍ كأن بروده ... أقاحٍ تَردّاها من الرملِ أجْرَعُ جرى الأسحِلُ الأحوى بطَفْل مُطرَّف ... على الزُهرِ من أنيابِها فهي رُصَّعُ كأن السُلافَ المحْضَ منهن طَعمُه ... إذا جَعَلتْ أيدي الكواكبِ تَضْجَعُ على خَصِراتِ المُسْتقى بعد هَجعةٍ ... بأمثالِها تَرْوى الصَوادي فتنقَعُ جميل بن معمر: وَشَّف عنها خِمارُ القَزِّ عن بَرَد ... كالبرقِ لا كَسَسٌ فيها ولا ثَعَلُ كأنه أقحوانٌ باتَ يَضربُه ... من آخر الليلِ منْقاضُ الندى هَطِلُ كأنّ صِرْفاً كُمَيتَ اللونِ صافيةً ... صَهباءَ عانِيَّةً في طَعمِها عسلُ فوها، إذا ما قَضَتْ من هَجعةٍ وَطراً ... أو اعْتراها سُباتُ النومِ والكسلُ ذو الرمة: أناةٌ كأنّ المسكَ أو نَوْرَ حَنوةٍ ... بِمَيْثاءَ مرجوعٌ عليها التِثامُها كأنّ على فيها تَلألُؤَ مُزنةٍ ... وميضاً إذا زانَ الحديثَ ابتسامُها مضرس بن ربعي: تَعاورنَ مِسكاً بالأكُفِّ يدُفْنَهُ ... وأخضرَ من نَعْمانَ حُوّاً مكاسِرُهْ يَمِحْنَ به عَذْبَ الرُضابَ كأنّهُ ... جَنى النحلِ لَّما أنْ تَحَلَّبَ قاطِرُهْ ابن الرومي: كأنَّيَ لم أبِتْ أُسقى رُضاباً ... يموتُ به ويَحيا المُستهامُ تُعَلِّلُنيهِ واضحةُ الثَنايا ... كأنَّ لِقاءَها حَوْلاً لِمامُ تَنَفَّسُ كالشَّمولِ ضُحىً شَمالٌ ... إذا ما فُضَّ عن فيها الخِتامُ والبة بن الحباب: ومُصطبِحٍ بِتَقْبيلِ الحبيبِ ... خَلا من كلِّ واشٍ أو رقيبِ وأكرعَ فاهُ في بَرَدٍ وخمرٍ ... فقُلْ ما شئِتَ في شُربٍ وطيبِ عمر بن أبي ربيعة: يَمُجُّ زكيَّ المسكِ منها مُفلَّجٌ ... نقيُّ الثَنايا ذو غُروب مُؤشَّرُ يَرِفُّ إذا تَفْتَرُّ عنه كأنهُ ... حَصى بَردٍ أو أقحوانٌ مُنَوَّرُ أبو تمام: وثَنايا كأنها إغريضُ ... ولآل تُومٌ وبرقٌ وَميضُ وأقاحٍ مُنَوَّرٌ في بِطاحٍ ... هزَّهُ في الصباحِ رَوضٌ أريضُ وأخبرني أبو سعيد السيرافي عن ابن ابي الأزهر عن ابن لرة عن ابن السكيت. أن أبا عمرو الشيباني فسر قول تأبط شراً: وَشِعْبٍ كَشَكِّ الثوبِ شَكْسٍ طريقُهُ ... مَجامِعُ ضَوْجَيْهِ نِطافٌ مخاصِرُ

стр. 18

تَعَسَّفْتُهُ بالقومِ، لم يهدِني لهُ ... دليلٌ، ولم يُثْبتْ ليَ النعْتَ خابِرُ أنه يعني به فم المرأة وريقها واسنانها. أبو تمام أيضاً يقول: ونظامُ ثَغرٍ ما تَهلَّلَ وَشيُهُ ... إلاّ بكى خَجَلاً نظامُ الجوهرِ يُهدي إليه نسيمَه فكأنّهُ ... شِيَبتْ جوانبُهُ بِمسكٍ أذْفَرِ ذو الرمة: أرَيْنَ الذي اسْتَوْدَعْنَ سَوداءَ قلبهِ ... هوىً مثلَ شكٍّ بالرماحِ النَّواجمِ عيونَ المها والمسكَ يَندى عَصيمُهُ ... على كلِّ خدٍ مُشرقٍ غيرِ واجمِ ودرّاً تُجَلِّي عن عِذابٍ كأنها ... إذا نَغمةٌ جاوَبْنَها بالجماجِمِ ذُرى أقحوانِ الرملِ هزَّتْ فروعَه ... صباً طَلَّةٌ بين الحُقوفِ اليَتائمِ طرفة: وتَبسِمُ عن ألمى كأن مُنَوِّراً ... تخلَّلَ حُرَّ الرملِ دِعصٌ له نَدي سَقتهُ إياةُ الشمسِ إلالِثاتِهِ ... أُسِفَّ ولم تَكْدُمْ عليه بإِثمِدِ وكانت العرب إذا سقطت لأحدهم سن أخذها ورمى بها في عين الشمس وقال: أبدليني خيراً منها؛ وقد بين ذلك قوله: بَدَّلتْه الشمسُ من مَنبِتِهِ ... برَداً أبيضَ مَصقولَ الأُشُرْ وهذا من أوابدهم، كالطارف والمطروف، وقلي السنام والكبد، وتصفيق اليدين وقلب الثياب، واتخاذ الزورين في الحرب، ورقية الفروك بأفول القمر، ورمي الحصاة وقذف النواة، وتسمية أم الفصيل، وهؤلاء من رموز العرب كأوهام الهند. الباب الحادي عشر طيب الريق والنكهة ابن ميادة: كأنّ على أنيابها المسكَ شابَهُ ... بُعْيدَ الكَرَى مِن آخر الليلِ غابقُ وما ذُقتُه إلاَ بعيْني تفرُّساً ... كما شِيم في أعلى السحابةِ بارِقُ يضمُّ إليَّ الليلُ أذيالَ حُبِّها ... كما ضَمَّ أردانَ القميصِ البنائقُ ذو الرمة: كأنّما خالطتْ فاها إذا وَسِنَتْ ... بعد الرُقاد بما ضمَّ الخياشيمُ مخزونةٌ من خُزامى الحُزْن هِيَّجَها ... من لَفِّ ساريةٍ لوثاءَ تَهمِيمُ أو نفحةٌ من أعالي حَنْوةٍ مَعجَتْ ... فيها الصَّبا مَوْهِناً والروضُ مَرهومُ ابن الرومي: أهْيفُ الغُصنِ أهْيلُ الدِعصِ لمَّا ... يَقتسِمْ قَدَّهُ وِشاحٌ ومِرْطُ طَيِّبٌ طعمُهُ إذا ذُقتَ فاهَ ... والثُريّا في جانِبِ الغَربِ قُرطُ الهذلي: وما صهباءُ صافيةٌ شَمولُ ... كعينِ الديكِ مُنْجابٌ قَذَاها تُشَجُّ بماء ساريةٍ غَريضٍ ... على صَمّانَةٍ رَصفٍ صَفاها بأطيبَ نَكهَةً من طعمِ فيها ... إذا ما طارَ عن سِنَةٍ كَراها وضاح اليمن في صفة الريق نفسه: يا روضَةَ الوَضَّاحِ قَد ... عنَّيْتِ وضَّاح اليمنْ اسْقي خليلَكِ من شَرا ... بٍ لونُه لونُ اللَّبنْ الطعمُ طعمُ سَفَرْجَلٍ ... والريحُ ريحُ سُلافِ دَنْ ابن هرمة: خوْدٌ تُعاطيكَ بعد رَقْدَتها ... إذا يُلاقي العُيونَ مَهْدَؤُها كأساً بِفيها صَهْبا مُعتَّقَةً ... يَغلو بأيدي التِّجارِ مَسْبَؤُها جرير: خَليليَّ: هلْ في نظرةٍ إن نظرتُها ... أُداوي بها قلباً عَليَّ فُجورُ إلى رُجُحِ الأكفالِ غيدٍ من الصِّبا ... عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهورُ ذو الرمة: أسيلةُ مَجْرى الدَمْعِ هَيفاءُ طَفْلَةٌ ... عَروُبٌ كإيماضِ الغَمامِ ابْتِسامُها كأنَّ على فِيها، وما ذُقتُ طعمَهُ، ... مُجاجةَ خمرٍ طابَ فيها مُدامُها عمر بن أبي ربيعة: كأن المدامَ وصَوْبَ الغمامِ ... وريحَ الخُزامى وذَوْبَ العَسلْ يُعلُّ به بَرْدُ أنيابِها ... إذا ما صَغا الكوكبُ المُعْتَدِلْ هذا وفاق بينه وبين امرئ القيس: كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام ... وريحَ الخُزامى ونَشْرَ القُطُرْ يُعَلَّ به بردُ أنيابها ... إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ النابغة الذبياني: كأنّ مُشَعْشعاً من خمر بُصرى ... نَمتْه البُخْتُ مشدودَ الخِتامِ إذا فُضَّتْ خواتِمُها عَلاها ... يبيسُ القُمَّحَانِ من المُدام على أنيابها بِغريضِ مُزنٍ ... تَقَبَّله الجُناةُ من الغَمامِ

стр. 19

زهير بن ابي سلمى: كأن ريقَتَها بعد الكرَى اغْتُبِقَتْ ... مِن طيَّب الراحِ لمَّا يَعْدُ أنْ عَتَقا شَجَّ السُقاةُ على ناجودِها شَبِماً ... مِن ماءِ لِينَةَ لا طَرْقاً ولا رَنِقا الأعشى: تُعاطي الضَجيعَ إذا أقْبلتْ ... بُعَيْدَ الرُقادِ وبعد الوَسَنْ صَرِيفيَّةً طيِّباً طَعمُها ... لها زَبَدٌ بين كُوبٍ ودَنْ يَصُبُّ لها الساقيان المِزا ... جَ مُنْتَصَفَ الليلِ من ماءِ شَنْ الباب الثاني عشر حسن الحديث والنغمة أنشد: يا أطيبَ الناسِ إنْ مازَحْتَها عِللاَ ... وأحسنَ الناسِ إن جادَلْتَها جَدَلا كأنَّما عَسَلٌ رُجعانُ مَنطِقِها ... إنْ كان رَجْعُ كلامٍ يُشْبِهُ العَسلا ذو الرمة: وإنّا لنُجْري بَيْننا حينَ نَلْتقي ... حديثاً له وَشْيٌ كوشْيِ المَطَارفِ حَديثاً كوَقعِ القَطْرِ في المَحْلِ يُشْتَفى ... بهِ من جوىً في داخِلِ القلبِ لاَطِفِ وله: ولمَّا تلاقَيْنا جَرَتْ من عيُونِنا ... دُموعٌ كَفَفْنا غَرْبَها بالأصابعِ ونِلنا سُقاطاً من حديثٍ كأنهُ ... جَنى النحلِ مَمزوجاً بماءِ الوَقائعِ بشار بن برد: وكأنَّ رَجْعَ حَديِثِها ... قِطَعُ الرياضِ كُسِينَ زَهْرا وكأنَّ تحتَ لِسانِها ... هاروتَ يَنْفُثَ فيهِ سِحْرا وتَخالُ ما اشْتَملتْ عليهِ ثِيابُها ذَهَباً وعِطْرا الأحوص: وأعْجَلنا وَشْكُ الحديثِ وبيننا ... حديثٌ كَتَنْشِيجِ المريضَيْنِ مُزْعِجُ حديثٌ لو أنَّ اللحمَ يَصْلى بِبَعْضهِ ... غَريضاً أتى أصحابَهُ وهو مُنْضَجُ ابن ميادة: شُمُسٌ لدى خَطَلِ الحديث أوانِسٌ ... يَرْقُبْنَ كلَّ مُلَعَّنٍ تِنْبَالِ أُنُفٌ كأن حديثَهُنَّ تَنادُمٌ ... بالكأسِ كل عقيلةٍ مِكْسالِ أبو ذؤيب: وإن حديثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُ ... جَنى النحلِ في ألبانِ عُوذٍ مَطافِلِ مَطافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُها ... يُشابُ بماءٍ مِثْلِ ماءِ المفاصِلِ ابن الرومي: شادنٌ من نَشرهِ المسكُ ومن فيهِ المدامُ فاتِنُ الطُرَّةِ والغُرَّةِ ما فيهِ مَلامُ وله نَثرٌ من الدُرِّ مليحٌ ونِظامُ فالنِظامُ المَضْحكُ الوا ... ضِحُ والنَثْرُ الكلامُ وهذا قد سبقه إليه البحتري بأحسن تفصيل وأعذب كسوة فقال: فلمَّا الْتقْينا والنَّقى مَوعدٌ لنا ... تعجَّبَ رائي الدُرِّ حُسناً ولاقِطُهْ فمِن لُؤلُؤٍ تجلوهُ عند ابتسامِها ... ومِن لُؤلُؤٍ عند الحديثِ تُساقِطُهْ آخر: ظَلِلْنا نَشاوى عند أمِّ محمدٍ ... بِيومٍ ولم نَشربْ شَراباً ولا خَمرا إذا صَمتتْ عنّا ضَجِرنا بصَمتِها ... وإنْ نطقتَ هاجَتْ لألبابنا سُكرا سلم الخاسر: يُمسي ويُصبحُ مُعْرِضاً فكأنهُ ... مَلِكٌ عزيزٌ قاهرٌ سُلطانُهُ ليست إساءَتُهُ بِناقصةٍ لهُ ... عِندي، وليس يَزيدُه إحسانُهُ رَخْصُ البَنَانِ كأن رَجْعَ كلامِهِ ... دُرٌّ يُساقطُه إليَّ لسانُهُ ومن البيت الثاني أخذ المتنبي قوله في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: لو كَفَرَ العالَمونَ نعمته ... لما عَدَتْ نَفْسُهُ سَجاياها كالشمسِ لا تَبتغي بما صَنعتْ ... مَنفعةً عندهمْ ولا جاها وأكثر من نرى يقدر أن المتنبي أبدع في قوله: وقد صُغْتَ الأسِنَّةَ من هُمومٍ ... فما يخطُرْنَ إلاَّ في فُؤادِ وربما ينظر إلى قول أبي تمام حيث يقول: مِن كلِّ أزرقَ نَظَّارٍ بلا نظرٍ ... إلى المَقَاتِلِ ما في مِتْنِه أوَدُ كأنهُ كانَ تِرْبَ الحُبِّ من زَمنٍ ... فليس يُعْجِزُهُ قلبٌ ولا كَبدُ وكذلك قوله في سيف الدولة: فأنتَ حُسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌ ... وأنتَ لواءُ الدينِ واللهُ عاقِدُ وكرر كثيراً إعجاباً به فقال: على عاتِقِ الملكِ الأغرِّ نِجادُهُ ... وفي يَدِ جبَّارِ السماواتِ قائِمُهُ وقال: وَلِمْ لا يَقِي الرَحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقى ... وتَفليقُهُ هامَ العِدا بِكَ دائِمُ

стр. 20

وعول في جميعه على أبي تمام حيث يقول في الخليفة: لقد حانَ من يُهدي سُوَيْداء قلبِهِ ... لحَدٍّ سِنانٍ في يَدِ اللهِ عامِلُهُ وقال أبو تمام أيضاً في المعتصم. رَمى بك اللهُ بُرجَيْها فهدَّمَها ... ولو رَمى بكَ غيرُ اللهِ لم يُصِبِ قال الله : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " مثل هذه السرقات الخافية العين والأثر لا يقف عليها، ولا يفطن لها إلا الرواية النحرير الذي دوخ ساحة الشعر بحفظه، وصارت الدواوين مجاجة ذهنه. أعرابي: ونازَعَنا وحياً خَفيّاً كأنهُ ... على المُجْتَني، الريحانُ أمرعَ خاضِلُه حديثٌ لو أنَّ العُصْم تسمعُ رَجْعَه ... تَضَعْضَعَ من أعلى أبانٍ عواقِلُهْ ابن الرومي: وحَديثُها السحرُ الحلالُ لو أنّهُ ... لم يَجْنِ قتلَ العاشقِ المُتَحرِّزِ إن طالَ لم يُمْلَلْ، وإنْ هي أوْجزتْ ... ودَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجِزِ شَرَكُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلُها ... للمُطْمئِنِّ وعُقْلَةُ المُستَوْفِزِ والمحدث لا بد له من كسور وزوايا تعتريه في شعره. فالطبع المبسوط، والكلام المسبوك للعرب. ذو الرمة: أولئكَ آجالُ الفتى إن أرَدْنَهُ ... بقتلٍ وأسبابِ السَقامِ المُلازِمِ يُقارِبْنَ حتى يطمعَ التابعُ الهوى ... وتَهتَزُّ أحناءُ القلوبِ الحوائِمِ حديثٌ كَطعْمِ الشَّهدِ حُلوٌ صدورُهُ ... وأعجازُهُ الخُطْبانُ دونَ المحارمِ والبيت الثاني أخذ منه الحسين بن مطير الأسدي قوله: يُمَنِّيَننا حتى تَرِفَّ قلوبُنا ... رَفيفَ الخُزامى باتَ طلِّ يَجودها أعرابي: وحَديثُها كالقَطْرِ يسمَعُهُ ... راعي سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا فأصاخَ يرجو أنْ يكونَ حياً ... ويقولُ مِنْ فرحٍ أيا رَبّا أبو العميثل: لقيتُ ابنةَ السَّهْميِّ زينبَ عن عَفْرِ ... ونحن حَرامٌ مُسْيَ عاشرةِ العَشْرِ فَكَّلمْتُها ثِنْتَيْنِ كالثّلجِ مِنهما ... وأخرى على قلبي أحرُّ من الجَمرِ وإني وإيّاها لَحتْمٌ مَبيتُنا ... جميعاً وَسْيرانا مُغِدٌّ وذو فَتْرِ آخر: لَها مُزاحٌ ولها كلامُ ... كجوهرٍ ألَّفهُ نظامُ يُسكرُنا كأنّه مُدامُ ... له بقلَبِ المُصطَلي ضِرامُ فهو حلالٌ غِبُّه حرامُ ... يَشفي سَقاماً وهُوَ السَّقامُ وهذه الأبيات من صادق العشق، وفاخر الشعر، وحر الكلام، وبارع الوصف. قال هدبة العذري: وكلُّ حديثِ الناسِ، إلاَّ حَديثَها ... رَجيعٌ، وفيما حدَّثَتْكَ الطرائِفُ خَرَجْنَ بأعناقِ الظِباءِ وأعيُنِ ال ... جآذِرِ؛ وارتجَّتْ بهنَّ الروادِفُ رَجحنَ بأردافٍ ثِقال وأسْوُقٍ ... خِدالٍ، وأعضادٍ عليها المطارِفُ كَشفْنَ شُفوفاً عن شُنُوفٍ وأعرضتْ ... خدودٌ، ومالتْ بالفُروع السوالِفُ عليهِنَّ من صَوْغِ المدينةِ حِلْيَةٌ ... جُمَانٌ كأجوازِ الدَّبى ورَفارفُ آخر: منَ الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جَليسُها ... إذا ما قضَتْ أُحدوثةً لو تُعيدُها بشار: وَلِلفْظِها دَلٌّ إذا نَطقتْ ... تركتْ بناتِ فُؤادِهِ صُعْراَ كَتَساقُطِ الرَّطْب الجَنِيِّ من الأم فْنانِ لا نثْراً ولا نَزْراَ أبو حية النميري، وهو من مختار المقطعات ومتخير الألفاظ وقديمه: وقد زعمَ الواشونَ أنْ لا أُحِبُكُمْ ... بلى وسُتورِ اللهِ ذاتِ المحارِمِ أصُدُّ وما الصَدُّ الذي تَعْلَمينَهُ ... عَزاءً بنا إلا اجْتِراعُ العَلاقِمِ حَياءً وتُقْيا أنْ تَشيعَ نَميمةٌ ... بنا وبكم. أُفاً لأهل النْمائِمِ وإنَّ دَماً، لو تَعلَمينَ، جَنتْيهِ ... على الحيِّ، جاني مِثْلِه غيرُ سالِمِ أَما إنَّه لو كانَ غَيركِ أرْقَلتْ ... صُدورُ القَنا بالراعِفاتِ اللَّهازِمَ ولكنَّهُ، واللهِ، ما طَلَّ مُسلماً ... كَبيضِ الثَّنايا واضِحاتِ المباسمِ إذا هُنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتى ... سُقوطَ حصى المرجانِ من سِلْكِ ناظِمِ رَمَيْنَ فأقْصدْنَ القلوبَ، ولا تَرى ... دَماً مائِراً إلا دَماً في الحَيازِمِ

стр. 21

القطامي: وفي الخُدورِ غَماماتٌ بَرَقْنَ لنا ... حتى تَصَيَّدْنَنا من كلِّ مُصْطادِ يَقْتُلْنَنا بِحديثٍ ليس يَعْرِفُه ... من يَتَّهِمْنَ ولا مَكْتومُهُ بادِ فَهُنْ يَنْبِذْنَ من قولٍ يُصِبْنَ به ... مَواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَادي الباب الثالث عشر رقة البشرة ابن أبي البغل: أقْبلَ يَعدو داميَ الخَدِّ ... مُنْعَفِراً يَعْثُرُ في الشَدِّ يقولُ أدْمانيَ هذا الفَتى ... بِطاقةٍ من وَرقِ الوَرْدِ وإنَّ من تَجْرَحُهُ وردةٌ ... لغايةٌ في رِقَّةِ الجِلْدِ النظام: فيكَ لي فِتْنتانِ لفظٌ ولحظٌ ... وعظاتٌ لو كان يَنفعُ وعْظُ لكَ جسمٌ أرقُّ من قَطرةِ الماءِ ... وقلبٌ كأنهُ الصَخرُ فَظُّ أنتَ حظي فما يَضُرُّكَ لو كا ... نَ لِمنْ أنتَ حظُّه منكَ حظُّ الحسين بن الضحاك: بديعُ الحُسنِ ليس له كِفاءُ ... عليلُ اللحظِ لم يُرْملْهُ داءُ جَنتْ عينايَ من خدَّيْه ورداً ... أنيقَ الصَبْغِ أنبتَهُ الحَياءُ يُورِّدُ خَدَّهُ إضمارُ وَهْمٍ ... فَإنْ لاحَظْتَهُ جَرَتِ الدماءُ عبد الرحمن بن حسان: لو يَدبُّ الحوليُّ من وَلَد الذَ ... رِّ عليها لأنْدَبَتْها الكُلومُ لم تَفُقْها شمسُ النهارِ بشيءٍ ... غيرَ أنَّ الشبابَ ليس يدومُ النظام: عجباً أًعْوَزَكَ الما ... ءُ واطرافُكَ ماءُ كيفَ لا يَخْطَفُكَ الظِلُّ ويحويكَ الهواءُ وخَفِيُّ اللَّحْظِ يُدميك وإنْ شطَّ اللقاءُ يا بديعاً كُلُّهُ غَنْجٌ وشكلٌ وبَهاءُ آخر: تَغَيَّرَ عن مَوَدتهِ وحالا ... وكانَ مُواصلاً فَطوى الوِصالا وعَلَّمَهُ التَدلُّلُ كيفَ هَجرْي ... فليتَ الوصلَ كان له دَلالا تَرى من فوقِ حِقْوَيْهِ قضيباً ... إذا ما حَرَّكَتْهُ خُطاهُ مالا فإنْ كلَّمتَه أثَّرتَ فيهِ ... وإنْ حَرَّكَتْهُ كالخمرِ سالا وسمع أبو الهذيل قول النظام: رَقَّ فلو بُزَّتَ سَرابيلهُ ... عُلِّقهُ الجوُّ من اللُّطفِ يَجرحُه اللحظُ بَتكرارِهِ ... ويَشتكي الإيماءَ بالكَفِّ فقال: هذا يناك بأير من خاطر. وهذا خارج من عرف الشعراء وإلف المعاني - وخير المعاني ما وجد كائنا وقوعه ومعهودا حدوثه. ألا ترى كيف يفضل قول ابن ابي عيينة على قول كل المحدثين في الذم: هل أنتَ إلاّ كلجمِ مَيْتِ ... دعا إلى أكلهِ اضْطِرارُ ابن المعتز: نَضَتْ عنها القميصَ لصبِّ ماءٍ ... فورَّدَ خدَّها فَرطُ الحياءِ وقابَلتِ الهواءَ وقد تعرَّتْ ... بِمعْتدلِ أرقَّ من الهواءِ ومدَّتْ راحةً كالماءِ منها ... إلى ماءٍ عَتيدٍ في إناءِ فلما أن قَضَتْ وَطراً وهمَّتْ ... على عجلٍ لأخْذٍ للرِّداءِ رأتْ شخصَ الرقيبِ على تَدانٍ ... فأسْبلتِ الظلامَ على الضياءِ فغابَ الصُبحُ منها تحت ليلٍ ... وظَلَّ الماءُ يَقطُرُ فوق ماءِ النمري: قُلْ للمليحةِ مَوضعِ العِقْدِ ... ولَطيفةِ الأحشاءِ والقدِّ هلاَّ وقفتِ على مَدامعِهِ ... فنظرتِ ما يَصْنَعْنَ بالخدِّ لولا التَّنَطُّقُ والسِوارُ معاً ... والحِجْلُ والدُمْلُوجُ في العَضْدِ لتزايَلَتْ في كلِّ ناحِيةٍ ... لكنْ جُعِلْنَ لها على عَمْدِ إبراهيم بن العباس: دُرَّةٌ كيفما أُديرتْ أضاءتْ ... ومَشَمٌّ من حَيثما شُمَّ فاحا ومزاجٌ قال الإلهُ لها كو ... ني فكانتْ رُوحاً ورَوْحاً وراحا ابن الرومي: بيضُ الوجوهِ عقائِلٌ ... لم يُصْبِهِنَّ سِوايَ زيرُ أبشارُهُنَّ وما ادَّرَعْ ... نَ من الحريرِ معاً حريرُ الخيزرزي: دُرِّيَّةُ اللونِ فيه مُشربةٌ ... حُمْرَةَ خمرٍ تُمازِجُ اللَّبَنا كاللُؤلؤِ الرْطبِ لونُ ظاهِرِه ... وفيه ماءُ العَقيقِ قد بَطَنا بشار: وما ظَفِرتْ عَيْني غَداةَ لقيتُها ... بِشيءٍ سِوى أطرافِها والمَحَاجِرِ

стр. 22

بحْوراءَ من حُورِ الجِنانِ غريرةٍ ... يرى وَجْهَهُ في وَجهها كلُّ ناظِرِ ومنه أخذ أبو نواس قوله: نَظَرُت إلى وَجههِ نَظرةً ... فأبْصرتُ وجهيَ في وجههِ آخر: بَهجةٌ فوقَ نِعمةٍ فهو بالنُو ... رِ مُحلًّى وبالنعيم مُرَدَّى لو تَبَدَّى في ظُلمةٍ لاستَنارَتْ ... أو تمشَّى على الصَّفا لتَنَدَّى النوفلي: خَرَجْنَ إلينا على رِقْبَةٍ ... خُروجَ النصارى لإفْطارها ثِقالَ الرَوادفِ قُبَّ البُطو ... نِ خُطاها على قَدْرِ أفْتارِها يكادُ إذا دامَ لحظُ البَصيرِ يَكلمُ رِقَّةَ أَبشارِها أبو دهبل الجمحي: وَلِتِلْكَ اغتربْتُ بالشامِ حتى ... ظَنَّ أهلي مُرَجَّماتِ الظُنونِ هي زَهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغوَّ ... اصِ ميزتْ من جَوْهَرٍ مًكنونِ وإذا ما نَسبْتَها لم تجِدْها ... في سَناءٍ من المَكارِمِ دونِ تجعلُ المسكَ واليلنجوجَ والندَّ ... صِلاءً لها على الكانونِ ثم خاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخَض ... راءِ تمشي في مَرْمَرٍ مَسونِ ذو الرمة: لها بَشَرٌ مثلُ الحريرِ ومنطقٌ ... رَخيمُ الحَواشي لا هُرَاءٌ ولا نَزْرُ تَبَسَّمُ لَمْحَ البَرقِ عن مُتَوَضِّحِ ... كلونِ الأقاحي شافَ ألوانَها القَطْرُ أعرابي: لها قِسمةٌ من خُوطِ بانٍ ومن نَقاً ... ومن رَشَأ الأقوازِ جيدٌ ومَذْرِفُ يكادُ كليلُ اللحظِ يكْلُمُ خدَّها ... إذا ما بدتْ من خِدْرِها حين تطرفِ الباب الرابع عشر الوجه والسواد والصفرة الوجيهي: مُستَقْبَلٌ بالذي يَهوى وإن كثُرتْ ... منه الإساءَةُ مَعذورٌ بما صَنَعا في وجهِه شافِعٌ يَمحو إساءَتَه ... من القلوبِ وجِيهٌ حيثما شَفَعا آخر: أُقسمٌ بالله وآياتِه ... ما نَظرتْ عيني إلى مِثْلِهِ ولا بَدا لي وجهُهُ طالِعاً ... إلاّ سَألتُ اللهَ مِن فَضْلِهِ الحماني: وَهيفاءُ تلحظُ عن شادنٍ ... وتُسفرُ عن قَمرٍ إِضْحِيانْ وتَبْسِمُ عن نَفَس الياسَمينِ ... وتضحكُ عن زَهَر الأُقحوانْ ترى الشمسَ والبدرَ مَعناهما ... بها واحداً وهما مَعْنيانْ إذا أَطْلعتْ وجهَها أَشرقا ... بطَلعتها وهما آفِلانْ إسحاق بن الصباح: يا مَن بَدائعُ حسنِ صورتهِ ... تَثْني إليهِ أعِنَّة الحدَقِ لي مِنكَ ما للناسِ كُلِّهِمُ ... نَظرٌ وتسليمٌ على الطُرُقِ لكنّهم سَعِدوا بأمْنهِمُ ... وشَقِيت حين أراك بالفرقِ عبد الله بن أبي الشيص: تَعْتَلُّ مِن غيرِ عِلَّهْ ... بالحُسْنِ أضحتْ مُدِلَّهْ كأنها حينَ تَبْدو ... شمسٌ عليها مظلهْ وإنْ أضاءَتْ بليْلٍ ... تفوقُ نورَ الأهِلَّهْ الأقرع بن معاذ: فما الشمسُ وافتْ يومَ دَجنٍ فأشرقَتْ ... ولا البدرُ مَسْعوداً بدا ليلةَ البَدْرِ بِأحْسنَ منها أو تَزيدُ مَلاحةً ... على ذاكَ، أو رأيُ المُحِبِّ، فلا أدريِ وحذا حذوه على طريق التورية الحكم فقال: تَساهَمَ ثوْباها ففي الدِّرع رَأْدَةٌ ... وفي المِرْطِ لَفَّاوانِ رِدْفُهما عَبْلُ فواللهِ ما أدري أزيدَتْ مَلاحَةً ... وحُسناً على النِسْوانِ أمْ ليسَ لي عَقْلُ وقال المسيب بن علس: تامَتْ فؤادَك إذ عرَضْتَ لها ... حَسَنٌ بِرَأيِ الحُبِّ ما تَمِقُ آخر: فواللهِ ما أدرِي أزيدَتْ مَلاحةً ... أمِ الحبُّ أعمى مِثلَما قِيل في الحُبِّ ابن كيغلغ: أنِيري مكانَ البدرِ إن أفِلَ البدرُ ... وقُومي مقامَ الشمسِ مااستأْخَرَ الفجرُ ففيكِ من الشمسِ المُنيرةِ لونُها ... وليسَ لها مِنكِ التَبَسُّمُ والثغرُ ابن الرومي: مَرادُ عَيْنيْكِ منهُ بين شَمسِ ضُحىً ... وناعمِ من غصونِ البانِ رَيَّانِ خَفَّتْ أعاليهِ وارتَجَّتْ أسافِلُهُ ... كأنما صاغَ نِصْفَيهِ لنا بَانِ عمر بن أبي ربيعة: وَفتاةٍ إنْ تَغِبْ شمسُ الضُحى ... فَلنا من وَجْهِها عنها خَلَفْ

стр. 23

أجمعَ الناسُ على تفضِيلها ... وهواهُمْ في سِواها مُخْتَلفْ وأخذ أبو تمام هذا المعنى وطرده إلى المدح فقال: لو أنَّ إجماعَنا في فَضلِ سُؤْدُدِهِ ... في الدِّينِ لم يَخْتِلفْ في الأُمَّة اثنانِ آخر: يا مُفرداً بالحُسن والشَكلِ ... مَن دَلَّ عينَيْكَ على قتلي البَدرُ من شمسِ الضُحى نُورُهُ ... والشمسُ من نورك تَسْتَمْليِ يوسف الجوهري: وإذا الغزالةُ في السماءِ تَعَرَّضَتْ ... وبَدا النهارُ لِوقْتِه يَتَرَجَّلُ أبدتْ لِعين الشمسِ عيناً مِثلها ... تَلْقى السماءَ بمثل ما تَسْتَقْبِلُ ليس يُبالي مَن أنت حاضِرُهُ ... ما غابَ من شَمْسهِ ومن قَمَرهْ أنت عليهِ، وإن عَنُفْتَ بهِ، ... أعَزُّ من سَمْعِهِ ومن بصرِهْ بشار وأحسن في تشبيهه: قامتْ تبَدَّى إذ رأتْني وَحدي ... كالشمس بين الزِّبرِج المُنْقدِّ ضَنَّت بِخدٍّ وَجلتْ عن خدِّ ... ثم انْثنتْ كالنَفَسِ المرتَدِّ أخذه من قول بن الخطيم: تَبَدَّتْ لنا كالشمس تحتَ غَمامةٍ ... بدا حاجِبٌ منها وضَنَّتْ بِحاجبِ الصولي، وليس في شعره سوى هذه القطعة وأخرى دالية: يا شَيبةَ البدرِ لولا ... كلَفُ البدْرِ ونَقصُهْ وقريباً حاضرَ الذكرِ ولو غُيِّبَ شخصُهْ بَدَنٌ يُعقدُ ليناً ... ناعِمُ المَلْمِس رَخْصُهْ خَصَّني بالهجْر مِنهُ ... إذ رَأى وَصْفي يخُصُّهْ كم أسمّي غيرَه في الشِعر والوصفُ يُخصُّهْ وقال ديك الجن: وإنَّ الذي أزْرى بشمسِ سَمائِهِ ... فأبداهُ نُوراً والخلائقُ طينُ تأنَّقَ فيه كيفَ شاءَ وإنما ... مقالتُهُ للشيءِ كُنْ فيكُونُ آخر: وفي أرْبَعٍ مني حَلَتْ منكِ أربعٌ ... فما أنا أدْري أيّها هاجَ لي كَرْبِي أوَجْهُك في عَيْنيِ، أمِ الريقُ في فَمي، ... أمِ النُطقُ في سمعي، أمِ الحُبُّ في قلبي وسمعه يعقوب بن إسحاق الكندي فقال: هذا تقسيم فلسفي؛ وجعله العلوي خمسة فقال: وفي خمسةٍ مني حَلَتْ منكِ خمسةٌ ... فريقُكِ منها في فمي طَيِّبُ الرشْفِ ووجْهُكِ في عَينِي ولَمْسُك في يَدي ... ونُطْقُكِ في سمعي وعَرْفُكِ في أذني وأما قول أبي تمام: يَقولُ فيُسْمِعُ ويَمشي فيُسْرِعُ ... ويَضربُ في ذاتِ الإلهِ فيوجِعُ فقد صرع في غير موضعه، ونظم اللفظ من قول من قال: كان عمر، ﵁، إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع. وأكثر ما جاء من شعر العرب، في التقسيم ثلاثة. كقول طرفة: فلولا ثلاثٌ هُنَّ من لَذَّة الفتى ... وَجَدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوَّدي وسمعه عمر ﵁ فقال: لكني، والله، لولا الضرب بالسيف في سبيل الله، والتهجد بالليل لوجه الله، ومجالسة أقوام أنتقي حديثهم كما تنتقى أطايب التمر، ما باليت أي وقت حانت منيتي. وقال ابن الطثرية: فلولا ثلاثٌ هنَّ من لَذَّةِ الفتى ... وَجَدِّكَ لم أحْفَلْ متَى قامَ رامِسي وقال الأسدي: ثلاثَةُ أحبابٍ: فحبٌّ عَلاقَةٌ ... وحُبٌّ تِمِلاَّقٌ وحُبٌّ هو القَتْلُ وقال جرير: صارت حَنِيفةُ أَثلاثاً: فَثُلْثُهُمُ ... من العبيدِ، وثُلْثٌ من مواليها ومما يجري مجرى الملح ما أنشده الخليل في كتاب العين: إنَّ في دارِنا ثَلاثَ حُبالى ... قد وَدِدْنا أنْ لو وَضَعْنَ جَميعا جارَتي، ثم هِرَّتي، ثم شاتي ... فإذا ما وَلَدْنَ كُنَّ رَبيعا جارَتي للرَضاعِ، والهرُّ للفأرِ، وشاتي ... إذا اشْتهيتُ مَجِيعا وكذلك المرصع الوارد عنهم، كقول امرئ القيس، وهو أبدعه: فالعينُ قادحةٌ واليدُّ سابحَةٌ ... والرجلُ ضارِحةٌ والمتنُ مَلْحوبُ والماءُ مُنحَدرٌ والشَّدُّ مُنْهَمِرٌ ... والقصبُ مُضْطَمِرٌ واللونُ غِرْبيبُ أنشد منهمر. وتبعته الخنساء فقالت ترثي صخراً. حامي الحقيقةِ مِعتاقُ الوَسيقةِ نَسّالُ الوَديقَةِ جَلْدٌ غيرُ ثِنْيانِ آبي الهضيمةِ وهّابُ الكريمةِ حمّالُ العَظيمةِ سَرحانٌ لِفتيانِ قال الشيخ: البيتان لأبي المثلم الهذلي.

стр. 24

ثم توزعه الشعراء إلى أن قال البحتري: وفي الأكِلَّةِ من تحت الأجلَّةِ أمثالُ الأهِلَّةِ بين السِّجْفِ والكِلَلِ بِيضٌ أوانِسُ كالأُدْمِ الكوانِسِ أو ... دُمى الكَنائسِ غيدٌ لسنَ بالعُطُلِ وقال ابن الرومي: في خِصْبِ أوْديةٍ أو رحبِ أنديةٍ ... أوْ طِيبِ أرْديةٍ أولينِ أكنافِ المخزومي: رَأيتكِ في الشمس المنيرةِ غُدوَةً ... فكنتِ على عيْنَيَّ أبهى مِن الشمسِ لأنَّكِ تزدادِينَ بالليل بَهْجَةً ... وشمسُ الضُحى ليستْ تُضيءُ إذا تُمسي سلم الخاسر: ولقد رأيتُ الشمسَ طالعةً ... تَختالُ بين كواعبٍ خَمسِ أقبلْنَ في رأدِ الضُحاءِ بها ... فَسترْنَ عينَ الشمسِ بالشمسِ معقل بن عيسى: أبرَزوها مثلَ المهاةِ تهادى ... بين عَشرٍ كواعبٍ أترابِ ثم قالوا: تُحبُّها قلتُ: بهراً ... عَددَ الرملِ والحصى والتُرابِ ابن حبيبات: لقد فتنتْ سُعدى وَسَلاّمةُ القَسّا ... فلم تَتْركا للقَسِّ عقلاً ولا نَفْسا فتاتانِ: أمّا منهما فَشَبيهةٌ ... هلالاً، وأمَّا أُختُها تُشبِه الشمسا فتاتان بالسَّعدِ السُعود وُلدْتِما ... فلم تَريا يوماً هواناً ولا نحسا تُكِنّان أبشاراً رِقاقاً وأوجهاً ... حِساناً وأطرافاً مُخضَّبةً مُلْسا آخر: نُزهةٌ للعينِ مَنظرُهُ ... وسُرورُ القَلبِ مَخْبَرُهُ هو يُحْيني ويَقْتُلُنيِ ... فكَما أرجوهُ أحذرُهُ فسلوهُ عند غَيْبَتِهِ ... في فؤادي من يُصَوِّرُهُ ابن حازم: بَانَ عن الأشكالِ في حُسنِهِ ... فلَمْ تقعْ عينٌ على شِبْهِهِ يُغْنيكَ عن بَدرِ الدُّجى نورُهُ ... والبدرُ لايُغنيكَ عن وجههِ كَمْ قد تَلَّهى بهوى غَيرهِ ... قلبي، فأغراه فلم يُلْهِهِ آخر: رَأيتُ الهلالَ على وجههِ ... فلم أدْرِ أيُّهما أنْوَرُ سِوى أنَّ ذاكَ قريبُ المزارِ ... وهذا بعيدٌ لِمَنْ يَنظُرُ وذاكَ يغيبُ وذا حاضِرٌ ... فما مَنْ يغيبُ كمن يَحضُرُ ونفعُ الهلالِ كثيرٌ لنا ... ونفعُ الحبيبِ لنا أكثَرُ ابن لنكك: البدْرُ والشمسُ المُني ... رةُ والدُّمى والكَوْكبُ أَضحتْ ضَرائِرَ وَجههِ ... مِنْ حيثُ يَطلعُ تَغْرُبُ وكأنَّ جَمرَ جوانِحي ... في خَدِّه يَتلهَّبُ وكأَنَّ غُصنَ قَوامِهِ ... من ماءِ دَمعِي يَشرَبُ وصَوالجٌ مِن شَعرِهِ ... بِسوادِ قَلبي تَلْعَبُ خالد: يا بَديعاً لا تَحتويهِ النعوتُ ... لكَ وجهٌ تُحيي بهِ وتُميتُ لو رآكَ القَضيبُ تخطُرُ يوماً ... ظَلَّ من حُسنِ ما يرى مَبْهوت أو سَكْنَت الجِنانَ ترتَعُ فيها ... لأَضامِن جمالِك الملكوتُ أَنتَ قُوتي فَما يَضُرُّكَ لو كا ... نَ لِمَن أَنت قوتُهُ منكَ قُوتُ أحمد بن أبي فنن: ومَجدولةٍ جَدْلَ العِنان كأَنها ... إِذا أَقبلتْ بدرٌ يَميسُ على الأَرضِ كَليلةُ أَرجاءِ العيونِ ولحظُها ... يقومُ بإِبرامِ المنيَّةِ والنَقْضِ تُرى فَتُرى منها مَحاسِنُ كُلُّها ... سَواءٌ، فلا بعضٌ يزيدُ على بعضِ وَتْسَتوقِفُ الركبَ العِجالَ إِذا بدتْ ... فلا أحدٌ يمضي من القوم أَوْ تَمضي أخذ البيت الثالث من ابن هرمة: أَإِني غَرِضْتُ إلى تناصُفِ وجهِها ... غَرَضْ َالمُحِبِّ إلى الحبيبِ الغائبِ ابن المعذل: نظرتُ إلى من زَيَّنَ اللهُ وجهَهُ ... فيا نظرةً كادت على عاشق تَقْضي فَكَبَّرتُ عَشْراً ثم قلتُ لصاحبي ... متى نَزَلَ البدرُ المنيرُ إلى الأَرضِ تُبَيِّنُ عينِي أَنّ قلبي يُحبُّه ... وفي العينِ تِبْيانٌ من الحٌبِ والبُغْضِ وما هو إلا خَلقُ رَبّي مُصورٌ ... ولكنَّ بَعْضَ الناسِ أَملحُ من بعضِ ديك الجن: يا مَن حَلا ثم طابَ رِيحاً ... ففيهِ شُهدٌ وفيهِ وَردُ لو لم تكنْ للسماءِ شمسٌ ... لَكُنْتَ تَبْدو من حيثُ تَبْدو ما إِنْ أَظنُّ الهِلالَ إِلاَّ ... من نورِ خدَّيكَ يَستَمِدُّ

стр. 25

ناجيتُ فيكَ الصفاتِ حتى ... ناجيْتَني ما لذاكَ نِدُّ المفجع: وَيلي على رَشَأٍ كالبدرِ قَتَّلَني ... بحاجِبَيْهِ وأَضناني بِمُقلتِهِ إذا نظرتُ إِليهِ ذابَ من خجل ... وكادَ يجري دماً من فَرطِ رِقَّتِهِ كأنما الصبحُ من لألاء غُرَّتِهِ ... وصِبغةُ الليلِ من حُلْكوُكِ طُرَّتِهِ كأنما الفضَّةُ البيضاءُ قد نُصِبتْ ... ورُكِّبَتْ فوقَ لِيَتْيهِ ولَبَّتِهِ كأنما حُسنُ أَهلِ الأرضِ قاطبةً ... إِليهِ قد سلَّمَ الباري بِقُدرتهِ العلوي الحماني: واهاً لأيَّامي وأَيامِ النَقِيَّاتِ السوالفْ اللاَّبِساتِ البدرَ ما ... بينَ الحواجبِ والمَرَاشِفْ والغارِساتِ البانَ قُضباناً على كُثُبِ الروادِفْ وقفَ النعيمُ على الصَّبا ... وزَلَلْتُ عن تلكَ المواقِفْ آخر: ليسَ فيها ما يُقالُ لها ... كَمَلَتْ لو أَنَّ ذا كَمَلا كلُّ جزءٍ من مَحاسِنِها ... صائِرٌ من حُسنها مَثَلا آخر: كلُّ جُزءٍ من مَحاسِنهِ ... فيهِ أَجزاءٌ من الفِتَنِ وقال ذو الرمة: مِن البيض مِبْهاجٌ عليها مَلاحةٌ ... نُضارٌ، ورَوْعاتُ الحسانِ الروائِعِ هي الشمسُ إشراقاً إِذا ما تَزَيَّنَتْ ... وشِبهُ المَها مُغتّرةً في المَوادعِ أحمد بن هشام: أَلا مُعدٍ على سَكَنِ ... أَحلَّ الروحَ في بَدني أَما ودَلالِكَ الحَسَنِ ... وطَرفِكَ جالِبِ الفتَنِ لقد أَسْكنْتَ في قَلبي ... هوىً يَبْقى على الزمَنِ بِنَفسي أنتَ مِن قمرٍ ... ومِن دِعصٍ ومِن غُصُنِ دُنُوُّكَ مُنتهى فَرحي ... وبُعدُكَ مُنتهى شَجَني وأنتَ مَلَكْتَني وهوا ... كَ أبكاني وأَضحكَني العلوي البصري: يا صَنَما أُفْرِغَ من فِضَّهْ ... وخَدُّه تُفاحةٌ غَضَّهْ يَهتزُّ أَعلاه إِذا ما مَشى ... وكُلُّه مِن لينِه قَبْضَهْ ارْحَمْ فتى لمّا تَملَّكْتَهُ ... آمَنَ بالذُلِّ ولم تَرْضَهْ قال الأصمعي: ما قيل في نعت أحسن من قول المخبل: وتُريكَ وجهاً كالوَذِيلةِ لا ... ظَمْآنُ مُخْتَلِجٌ ولا جَهْمُ وتُضِلُّ مِدارها المواشِطُ في ... جَعْدٍ أَغَمَّ كأنهُ كَرْمُ وقال أبو هفان: فَدَيْتُكَ من مُقبِلٍ مُعرِضٍ ... بِليلٍ بَهيمٍ وصَبحٍ مُضِي بوجهٍ لهُ الحسنُ مُستحسِنٌ ... يُرِيكَ المُورَّدَ في الأبيضِ ولي فيكَ يا سيَّدي حَسرةٌ ... سَتفْنى الحياةُ ولا تَنْقضي سُروري رِضاكَ فجُدْ لي بهِ ... ولا تُرضِ بالهجر من قد رَضي طفيل الغنوي: عَروُبٌ كأن الشمسَ تحت نِقابِها ... إِذا ابتسمتْ أَو سافراً لم تَبَسَّمِ وهذا أخذه من قول طرفة: وَوَجهٍ كأنّ الشمسَ حَلَّتْ رِداءَها ... عليهِ نَقيِّ اللّونِ لم يَتَخَدَّدِ وقال الأعشى: فتىً لو يُناغي الشمسَ أَلقتْ قِناعَها ... أَوِ القمرَ السارِي لأَلْقى المَقالِدا وأما أبو بكر بن النطاح: بيضاءُ آنسةُ الحديثِ كأَنّها ... قمرٌ توسَّطَ جُنْحَ ليلٍ مُبردِ فأخذه من قول أبي زبيد الطائي: مُستَنيرٌ تَسمو العيونُ إليهِ ... أَصْلَتِيٌّ كالبدرِ عامَ العُهودِ خالد: يا مُشرِفاً ملأَ العيو ... نَ فلحظُها ما يَسْتَقِلُّ أَوْفى على شمس الضُحى ... حتى كأنَّ الشَمْسَ ظِلُّ آخر: لَمْ يُسْلِني النيَّرانِ الشمسُ والقمرُ ... مُذ فاتَني المُسْلِيانِ الأُنسُ والنَظرُ والقلبُ مُسْتَوقَدٌ أضلاعُه حَطبٌ ... أَشواقُه لَهبٌ أنفاسُه شَررُ آخر: لَعمرُكِ ما عيشةٌ غَضّةٌ ... لَديَّ إذا غِبتِ بالراضِيَهْ وإِني إلى وجهكِ المُسْتنير في ظُلمةِ الليلةِ الداجِيَهْ لأَشْوَقُ من مُدنَفٍ خائفٍ ... لِقاءَ الحِمام إلى العافِيَهْ وقد أحسن أبو تمام ما شاء في قوله: هي الشمسُ يُغنيها تودُّدُ وجهِها ... إلى كلِّ من لاقتْ وإن لم تَوَدَّدِ وكذلك قوله: بَيَّنَ البينُ فَقدَها قَلَّما تَعرِفُ فَقداً للشمسِ حتى تَغيبا

стр. 26

وأما صفة الوجه بالطلاقة والبهجة للسؤال، فالمتقدمون ما تركوا فيه لقائل مقالاً، ولا لخاطر مجالاً. وأحسنه قول أبي الطمحان: أضاءَت لهم أَحسابُهم ووجوهُهُم ... دُجى الليلِ حتى نَظَّمَ الجَزْعَ ثاقِبُهْ وقد فَصَّل هذا المعنى تفصيلاً حسناً وبسطه وضاح اليمن فقال: وقائلةٍ والليلُ قد صَبَغَ الرُبا ... بصبغ يُغشّي كلَّ حَزْنٍ وفَدْفَدِ أَرى بارقاً يبدو من الجَوْسَقِ الذي ... به حلَّ مِيراثُ النبيِّ محمدِ أضاءَتْ له الآفاقُ حتى كأنما ... رأينا بِنِصْفِ الليلِ نورَ ضُحى الغَدِ وظلَّ عَذارى الحيِّ يَنْظمْنَ حولَه ... ظَفارِيَّةَ الجَزْعِ الذي لم يُسَرَّدِ فقلتُ هو البدرُ الذي تعرفِينَه ... وإِلاَّ يكنْ فالنورُ من وجه أحمدِ وقال بشر: يكادُ الغمامُ الغُرُّ يَرْعدُ أَن رَأَى ... وُجوهَ بني لأْمٍ وَينْهَلُّ بارِقُهْ الأسدي: وُجوهٌ لو أنَّ المُعْتَشِين اعتَشَوْا بها ... صَدَعْن الدُجى حتى يُرى الليلُ ينجلي آخر: كأنَّ تَلأْلُؤَ المَعْروفِ فيهِ ... شُعاعُ الشمسِ في السيفِ الصَقِيلِ آخر: عصْيتُ به أَمري فكنتُ كَمُعْتشٍ ... أَرادَ دَليلَ النورِ والبدرُ زاهرُ النظام: أَنتَ والبدرُ شَقيقا ... نِ ولكنَّكَ أَعظمْ وعنِ الشمسِ تَجالَلْت بفضلِ اللَّحْم والدمْ وإذا قُدِّرْتَ في النعْتِ لكيما تُتَفهمْ قِيلَ نورٌ يَتَلالا ... فيهِ روحٌ يَتكلمْ آخر: رأيتُ الهِلالَ ووجهَ الحبيبِ ... فكانا هِلالَيْنِ عندَ النظرْ فلم أَدْرِ من حَيْرتي فيهما ... هِلالَ الدُجى من هِلالِ البشرْ فلولا التورُّدُ في الوجْنتينِ ... وما راعَني من سَوادِ الشَعَرْ لكنتُ أظنُّ الهِلالَ الحبيبَ ... وكنتُ أَظنُّ الحبيبَ القَمرْ أبو الشيص: تَخشَعُ شمسُ النهارِ طالعةً ... حينَ تراهُ ويَخْشعُ القمرُ تَعْرِفُهُ أَنهُ يفوقُهُما ... بالحُسْنِ في عينِ من لهُ بَصرُ آخر: جاءَ بوجهٍ كالبدرِ يَحْمِلُه ... قضيبُ بانٍ مَنَعَّمٌ خَضِدُ رَقَّ فماءُ النَعيمِ مُطرَّدٌ ... فيهِ ونارُ الجَمالِ تَتَّقِدُ ابن المعتز: يا هِلالاً يَدورُ في فلك النَّا ... وَرْدِ، رِفقاً بأعيُن النَظَّارَهْ قِفْ لنا في الطَريقِ إِن لم تزُرْنا ... وقفةٌ في الطريقِ نِصْفُ الزِيارَهْ الأشجع: نَفَر الشبابُ بِربَّةِ البُرْدِ ... ومَضتْ مُخالِفةً عن القصدِ سلَّمْتُ فالتفتَ الصُدودُ بها ... ما كانَ يَنْقُصُها مِن الرَدِّ فإذا وَصَلْتُ لها مُواصَلتي ... فَزِعَتْ حداثَتُها إلى الصَدِّ وَلئِنْ مَحاسِنُ وجهِها نَطَقَتْ ... أَثْنى لها خدٌ على خدِّ محمد بن وهيب: نَمْ فقد وَكَّلْتَ بي الأَرقا، ... لاهياً، بُعْداً لمن عَشِقا إِنما أَبقيتَ من جَسدي ... شَبَحاً غيرَ الذي خُلِقا ما لِمَنْ تمَّتْ مَحاسِنُهُ ... أَنْ يُعادي طَرْفَ من رَمَقا لكَ أَن تُبْدي لنا حَسَناً ... ولنا أَنْ نُعْمِلَ الحَدَقا سمع الفضل بن يحيى هذا البيت فقال: هذا أعدل بيت قيل في معناه وألم به ابن المعذل فقال: لِعُتْبَةَ صَفحتا قَمرٍ ... يفوقُ سناهُما القَمرا يَزِيدُكَ وَجهُها حُسناً ... إذا ما زِدْتَهُ نَظرا علي بن الجهم: يا بَدْرُ كيفَ صَنَعْتَ بالبَدْرِ ... وفَضَحْتَهُ من حَيثُ لا يَدْري الدهرَ أَنتَ بأَسْرِهِ قمرٌ ... ولِذاكَ ليلَتُهُ من الشَهِر الخليع: وصفَ البدرُ حُسنَ وجهِكَ حتى ... خِلْتُ أَني، وما أراكَ، أَراكا وإِذا ما تَنَفَّسَ النَرجِسُ الغَضُّ توهَّمتُه نَسيمَ نَشاكا خُدعٌ لِلمنى تُعلِّلُني فيكَ بإِشراقِ ذا وبَهجةِ ذاكا لأُقِيمَنَّ، ما حَييتُ، على الشُكرِ لهذا وذاكَ إِذْ حَكَياكا العطوي: ياقمراً وافَقَ التَماما ... اقْرأْ على شِبهِكَ السَلاما نأيتَ عني وبانَ مني ... كِلاكُما عزَّ أن يُراما أعرابي:

стр. 27

وإِذا الدرُّ زانَ حُسنَ وجوهٍ ... كان للدُرِّ حُسنُ وجهِكِ زَيْنا وتَزِيدينَ أَطيبَ الطيبِ طيباً ... إِن تَمَسّيهِ، أَينَ مِثلُكِ أَينا الباهلي: إِنْسِيّةٌ في مِثال الجِنِّ تحسَبُها ... شمساً بدتْ بين تَشْرِيقٍ وتَغْييِمِ شقَّتْ لها الشمسُ ثوباً من مَحاسنها ... فالوجهُ للشمسِ والعينانِ للريمِ آخر: يا شمسُ يا بدرُ يا نهارُ ... يا وردُ يا آسُ يا بَهارُ تَجَنُّبُ الإِثمِ فيكِ إِثمٌ ... وخَشْيةُ العارِ فيكَ عارُ ابن الرومي: هَلِ المَلالَةُ إلاّ مُنْقَضى وَطَرٍ ... من لَذَّةٍ يُطبّى من غيرِها وَطَرُ لا شيءَ إلا وفيها منهُ أحسَنُهُ ... فأينَ يُصرفُ عنها السمْعُ والبَصَرُ يا مَنْ له صَفَواتُ الحُسْنِ أجْمعُها ... ومَن تَصاغَرُ عنهُ الشمسُ والقمرُ أَحُسْنُ وجهِكَ ينمي لا انتهاءَ له ... أم قد تَعاقَبُهُ في ساعةٍ صُوَرُ أعرابي: تَعَلَّقتْهُا بِكراً وعُلِّقْتُ حُبَّها ... فقلبيَ عن كلِّ الهوى فارغٌ بِكرُ إذا احتجَبتْ لم يَكْفِكَ البدرُ وجهَها ... وتَكفِيكَ فقدَ البدرِ إنْ فُقِدَ البدرُ وحسْبُكَ من خمرٍ مُدامةُ ريقِها ... وواللهِ ما مِن ريقِها حَسْبُكَ الخمرُ وعُذركَ أن تَضْنى بها إن رأيتَها ... ومالكَ إِنْ لم تَضْنَ من حُبِها عُذرُ ما قيل في السواد أبو حفص الشطرنجي مولى المهدي، وهو أول من أبدعه: أَشْبَهكِ المِسكُ وأَشبَهْتِهِ ... قائمةً في لونِها قاعِدهْ لا شكَّ إِذ لونُكُما واحدٌ ... أنكما من طينَةٍ واحدهْ ابن الرومي، والبيت الأول من بديعه: أَكسبَها الحُبَّ أَنها صُبِغَتْ ... صِبْغَةَ حَبِّ القُلوبِ والحَدَقِ فأقبلتْ نحوَها الضَمائِرُ والأَ ... بصار يَعْنَقْنَ أيَّما عَنَقِ لها هَنٌ تستعيرُ وَقْدَتَه ... من قلبِ صَبٍّ وصدرِ ذي حَنَقِ يزدادُ ضيقاً على المِراسِ كما ... تزدادُ ضيقاً انشوطَةُ الوَهَقِ كأنما حَرُّه لخابِرِهِ ... ما التَهَبَتْ في حَشاهُ من حُرَقِ الصنوبري: حُبّيكِ من قلبي مكانَ الذي ... أَشْبَهتِهِ من حبَّةِ القلبِ يا غُصُناً مِن سَبَجٍ رَطبِ ... أَصبحَ منكِ الدُرُّ في كَرْبِ آخر: سَوادُ المَوْكِبِ السُلطا ... نُ والعِزّةُ والمُلْكُ ولولا الحَجرُ الأَسودُ ما تمَّ لنا نُسْكُ ومَنْ يَعرِضُ لِلكافو ... رِ إِن أَمْكنَهُ المِسْكُ آخر: فَجِئْني بمثلِ المِسْكِ أَطيبَ نَكْهَةً ... وجِئْني بِمثلِ اللَّيْلِ أَطيبَ مَرْقَدا آخر: أَهوى الشّبابَ لأَنّ رأسي أَشيَبٌ ... يُدْني الفَنا وأُحِبُّ لونَ شَبابي لولا سَوادُ البدرِ لم يَكُ مُحْسِناً ... ودَعوا لِمن يُطريهِ بالكَذّابِ وبهِ تُكَحَّلُ عينُ كلِّ خَريدةٍ ... وبهِ تَتِمُّ فَضيلةُ الكُتَّابِ وكذلكَ الكافورُ بردٌ طيّبٌ ... والمِسكُ أَزكى طَيِّبِ الأَطيابِ وما قيل في الصفرة النابغة الذبياني: صَفراءُ كالسِّيَراءِ أُكْمِلَ خَلْقُها ... كالغُصنِ من قِنْوانِهِ المُتَأَوِّدِ قامت تَراءَى بينَ سِجْفيْ قُبّةٍ ... كالشمسِ يومَ طُلوعِها بالأَسْعدِ ذو الرمة: لَمياءُ في شَفتيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللِّثاتِ وفي أَنيابِها شَنَبُ كحْلاءُ في بَرَجٍ صَفراءُ في دَعَجٍ ... كأنها فِضةٌ قدْ مَسَّها ذَهبُ بشار: أَصفراءُ لا أَنسى هواكِ ولا وُدِّي ... ولا ما مَضى بيني وبينَكِ من عهدِ لقد كان ما بيْني، زماناً، وبينها ... كما كان بين المِسْكِ والعَنْبَرِ الوَرْدِ الأعشى: ومهاً تَرفُّ غُرُوبُها ... يَشفي المَتَيَّمَ ذا الحرارهْ بيضاءُ ضَحْوَتَها وصفراءُ العشيَّةَ كالعَرارَهْ وقال بشار بن برد: أصفراءُ رِقيِّ على عاشِقٍ ... به لَمَمٌ منكِ أَوْ كاللَّمَمْ صَبَبْتِ هواكِ على قلبِهِ ... فضاقَ وأَعلَنَ ما قد كَتَمْ

стр. 28

أصفراءُ ليس الفتى صخرةً ... ولكنّهُ نُصْبُ حُزْنٍ وهَمْ أنشد الجاحظ لسلم الخاسر: تبدَّتْ فقلتُ: الشمسُ عند طلوعِها ... بوجهٍ غَنيِّ اللّونِ عن أَثَر الوَرْسِ فقلتُ لأَصحابي، وبي مثلُ ما بهم: ... على مِرْيةٍ، ما هاهنا مطلعُ الشمسِ آخر: أصفْراءُ كانَ الهَجرُ منكِ مُزاحا ... ليالِيَ كانَ الوُدُّ منكِ مُباحا وكُنَّ نِساء الحيِّ ما دُمْتِ فيهِمُ ... قِباحاً، فلما غِبْتِ صِرْنَ مِلاحا وليس يريدون صفرة العلة. وقد بين ذلك أبو تمام: صفراءُ صُفرةَ صِحَّة قد رَكَّبَت ... جُثمانَها في ثوبِ سُقْمٍ أصفرِ وقال، وهو من أبيات معانيه: أَبْقَتْ بني الأَصفرِ المِمْراضِ كأسِهم ... صُفْرَ الوجُوهِ وجَلَّتْ أَوجُهُ العربِ ولأصحاب المعاني كلام في المقدم ذكره من ذكر الصفرة. قال أبو عمرو الشيباني في قول الأعشى: تلكَ خَيْلي منهُ وتِلكَ رِكابي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلادُها كالزَبيبِ إن الصفر جمع أصفر وهو الأسود. وأما صفرة العلة فالشعر المتضمنها يدل عليها كقول أبي عبادة: بَدتْ صُفرةٌ في وجهِهِ إِنَّ حَمدَهم ... مِن الدُرِّ ما اصفرَّتْ نواحيهِ في العِقْدِ وكقول ابن المعذل: عِلَّةٌ زَعفرتْ مُعَصْفَرَ خدٍّ ... كانَ من رَيِّهِ يكادُ يَفيضُ وكقول الآخر: لم تَشِنْ وجهَهُ المليحَ ولكنْ ... جَعلتْ وَردَ وجنَتَيْه بَهارا الباب الخامس عشر التجدير محمد بن عبد الرحمن الكوفي: ومجْدُورٍ سأُسرِفُ في ... هَواهُ أَيَّما سَرَفِ حَكى الجُدَرِيُّ في خَدَّيْهِ نَقْطَ الحِبْرِ في الصُحُفِ كأنَّ تَعطُّفَ الزُنّا ... رِ من لينٍ ومن ترَفِ على حِقْوَيْه فوقَ الخَصرِ مَعقودٌ على أَلِفِ ابن المعتز: ما عابَهُ تَجْديرُهُ ... ولا سَلَتْهُ سالِيَهْ بَلْ نَقَّطَ الحُسنُ سطو ... رَ وجههِ بالغالِيَهْ الناجم: يا قمراً جُدِّرَ لمّا اسْتوى ... واكتسبَ المِلحَ بتلكَ الكُلومْ أظُنُه غنَّى لشمسِ الضُحى ... فنقَّطَتْهُ طَرَباً بالنُجومْ وهذا المعنى ذكره ابن الرومي في صفة قينة فأبدع فيه: بِدْعَةُ عِندي كاسْمِها بِدْعهْ ... لا شكَّ في ذاكَ ولا خُدعهْ كأنّما غَنَّتْ لشمسِ الضُحى ... فأَلْبَسَتْها حُسنَها خِلْعَهْ آخر: أَيُّها العائِبونَ وَجْهاً مليحاً ... نثرَ الحُسنُ فيهِ نَبْذَ خُموشِ أَيُّ أُفْقٍ بَها بِغيرِ نُجومٍ ... أَيُّ ثَوبٍ زَها بغيرِ نُقُوشِ آخر: أُعيذُكَ من مُقاساةِ الهُمومِ ... ومن شَكْوايَ في الليلِ البَهيمِ بِنفسي لحظُ عينكَ حينَ تَرْنو ... بسُقْمٍ فيهِ إِبْرِاءُ السقيمِ وقالوا: شانَهُ الجُدَريُّ فانظرْ ... إلى وجهٍ بهِ أَثرُ الكُلومِ فقلتُ: مَلاحَةٌ نُثَرِتَ ْعليه ... وما حُسنُ السماءِ بِلا نُجومِ الخبزرزي: جُدَرِيٌّ أَضَرَّ بالوجناتِ ... زادَ حُسَ الوجوهِ حُسنَ الصِفاتِ نَمْنَمَ الوَشْيُ فوقَ يباجِ وجهٍ ... بِنُقوشٍ في شَكْلهِ شَكِلاتِ آخر: وَوَجهٍ فيهِ للجُدَرِيِّ نَثْرٌ ... كما نُثِرَ الحريرُ بِزَعْفرانِ أُنَزِّهُ مُقلتي في عارِضْيهِ ... فأغْنى بالجِنانِ عن الجَنانِ التنوخي: عَبَثَتْ بهِ الحُمىَّ فورَّدَ جسمَهُ ... وَعَكُ الحِمى وتَلَهُّبُ المَحرورِ وبَدا بِهِ الجُدَرِيُّ فهو كَلُؤلؤٍ ... فوقَ العَقيقِ مُنَضَّدٍ مَسطورِ وأتاهُ يَنْثُرُهُ فَحاكى عُصْفُراً ... قدْ رُشَّ رَشاً في بياضِ حريرِ ألآن حاكى البدرَ إذ حاكى لنا ... نَمَشَ البُدورِ مَواقِعُ التجديرِ فكأنَّهُ ورقُ المَصاحِفِ زانَهُ ... نَقْطٌ وشَكْلٌ في خِلالِ عُشُورِ الباب السادس عشر البنان المخضب ابن الرومي: وَقفتْ وَفْقَةً ببابِ الطَّاقِ ... ظَبيةٌ من مُخدَّرات العِراقِ بِنْتُ عَشْرٍ وأربعٍ وثَلاثٍ ... هيَ حتفُ المُتَيَّمِ المُشتاقِ

стр. 29

قلتُ: من أنتِ يا خَلُوبُ؟ فقالتْ: ... أنا من لُطْفِ صَنْعةِ الخلاَّقِ لا تُرِدْ وصُلَنا فهذا بَنانٌ ... قد خَضَبْناهُ مِن دَمِ العُشَّاقِ علي بن جبلة: رَفَعَتْ لِلْوَداعِ كَفاً خَضِيباً ... فَتَلقَّيْتُها بقلبٍ خَضِيب ثم أَوْمَتْ تَبَسُّماً بجفونٍ ... نَعْتُها مثلُ فِعْلِها في القلوبِ آخر: أفدي البَنانَ وحُسنَ الخَطِّ من قُثَم ... إذا تَطَرَّفْنَ بالحِنَّاءِ والكَتَمِ كأَنّما قابلَ القِرطاسَ إذ كَتَبَتْ ... منها ثلاثَةُ أقلامٍ على قلمِ أبو نواس: يا قمراً أَبْرَزَهُ مأتَمٌ ... يَندُبُ شَجواً بينَ أترابِ يَبكي فيُذْري الدُرَّ من نَرْجِسٍ ... ويَلْطِمُ الوَردَ بِعُنَّابِ الراضي بالله، وكان سفيان بن عيينة يستحسنه جداً: قالوا الرحيلَ وأَنْشَبَتْ أظفارَها ... في خَدِّها، وقد اعْتَلَقْنَ خِضابا فظَنَنْتُ أَنّ بَنانَها من فِضَّةٍ ... قَطفَتْ بأَرضِ بَنَفْسَجٍ عُنَّابا ابن كيغلغ: لمَّا اعتَنَقْنا للودَاعِ وأعربَتْ ... عَبَراتُنا عنَّا بدَمع ناطِقِ فَرَّقْنَ بينَ مَحاجِرٍ ومَعاجرٍ ... وجمعْنَ بين بَنفْسَجِ وشَقائِقِ عكاشة: مِن كفِّ جاريةٍ كأنّ بَنانَها ... من فِضَّةٍ قد قُمِّعَتْ عُنَّابا وكأنَّ يُمناها، وقد ضرَبَتْ بها، ... أَلْقَتْ على يَدِها الشَمالِ حِسابا النابغة: سقَطَ النَصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ ... فتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا باليَدِ بِمُخَضَّبٍ رَخْصٍ كأن بَنانَهُ ... عَنَمٌ على أغصانهِ لم يُعْقَدِ الراعي: ومُرْسِلٍ ورَسولٍ غير مُتَّهَمٍ ... وحاجةٍ غيرِ مُزْجاةٍ من الحاجِ طاوَعْتُهُ بعدَما طالَ النَجيُّ بنا ... فظَنَّ أني عليهِ غيرُ مُنْعاجِ ما زالَ يفتحُ أبواباً ويُغْلِقُها ... دوني وأفتحُ باباً بعد إرتاجِ حتى أضاءَ سِراجٌ دونَهُ بَقَدٌ ... حُمْرُ الأنامِلِ عِينٌ طرفُها ساجِ يا نُعْمَها ليلةً حتى تَخَوَّنَها ... داعٍ دعا في فُروعِ الصُبحِ شَحَّاجِ لما دعا الدعوةَ الأُولى فأسْمَعني ... أَخذْتُ بُرْدَيَّ واستمررتُ أدراجي الباب السابع عشر نعت الجيد ذو الرمة: من الوَاضِحاتِ الجِيدِ تَجري عُقُودُها ... على ظَبيةٍ بالرملِ فَارِدَةٍ بِكرِ تَبَسَّمُ إِيماضَ الغَمامَةِ جَنَّها ... رِواقٌ من الظَلماءِ في مَنطِقٍ نَزْرِ يُقَطِّعُ موضوعَ الحديثِ ابتِسامُها ... تَقَطُّعَ ماءِ المُزْنِ من نُزَفِ الخَمْرِ وابن الرومي قد جمع في هذين البيتين جميع محاسن الظبي التي تستعار للإنسان فقال: ظَبيٌ وما الظبيُ بالشبيه لهُ ... في الحُسنِ إلاَّ اسْتراقَهُ حَوَرَهْ وحسنَ أَجيادِهِ وغَنَّتَهُ ... ورُقْيةً فيهِ من رُقى السَحَرهْ ذو الرمة: بَعيداتُ مَهوى كُلِّ قُرطٍ عَقَدْنَهُ ... لِطافُ حُضورٍ مُشرفاتُ الروادِفِ وما الشمسُ يومَ الغيْمِ والسعدُ جارُها ... بَدَتْ بين أَعناقِ الغَمامِ الصوائِفِ ولا مُخْرِفٌ فَرْدٌ بأعلى صَريمةٍ ... تَصَدَّى لأِحوى مَدْمَعِ العينِ عاطِفِ بِأَبْهَجَ من خَرْقاءَ لمّا تعرَّضتْ ... لنا يومَ عيدٍ للخرائِدِ شائِفِ أبو عبادة: وفي الأَكلَّةِ من تحت الأَجِلَّةِ أمثالُ الأَهِلَّة بين السجْفِ والكِللِ بيضٌ أوانسُ كالأُدْمِ الأوانِسِ أو ... دُمى الكَنائسِ غيدٌ لَسْنَ بالعُطُلِ أَشْبَهنَ مِنهنَّ أَعطافاً وأَجْيِدةً ... والربربَ العينَ في الأَحداقِ والكَحَلِ ذو الرمة: ألمْ تعلمي يا ميُّ أنّا،، وبَيْنَنا ... فيافٍ لطرفِ العين فيهنَّ مَطْرَحُ ذكرتُكِ أَنْ مَّرتْ بنا أمُّ شادنٍ ... أمامَ المطايا تشرَئِبُّ وتَسنَحُ من المُؤْلِفاتِ الرملَ أَدماءُ حُرَّةٌ ... شُعاع الضُحى في لونها يَتوضَّحُ هي الشِّبْهُ أَعطافاً وجيداً ومُقلةً ... وَمَيَّةُ منها بعدُ أَبهى وأمْلَحُ

стр. 30

كأنَّ البُرى والعاجَ عِيجت مُتُونُهُ ... على عُشر ثَرَّى به السيلَ أَبْطَحُ أبو تمام، وهذا من بديعه: كالخُوطِ في القدِّ، والغزالةِ في البَهْجَةِ، وابنِ الغزالِ في غَيَدِهْ وما حكاهُ، ولا نَعِيمَ لهُ ... في جِيدهِ، بل حكاهُ في جَيَدِهْ وهو مما اختاره أبو عثمان في كتاب البيان. النابغة الذبياني: عَلِقْتَ بِذِكرِ المالِكيَّةِ بعدَما ... عَلاكَ مَشيبٌ في قَذالٍ ومَفْرِقِ إذا ارتَعَثَتْ خافَ الجَنانُ ارتعاثَها ... ومن يَتعلقْ حيثُ عُلِّقَ يَغْرَقِ وإنْ ضحِكتْ للعُصْم ظلَّتْ روانياً ... إِليها، وإن تَبْسِمْ إلى المُزْنِ تَبْرُقِ على أنَّ حِجْلَيْها، وإِنْ قُلتُ أَوْسعا ... صَموُتانِ من مِلءٍ وقلَّةِ منطِقِ ذو الرمة: لها جيدُ أُمِّ الخِشْفِ ريعتْ فأَقبلتْ ... ووجهٌ كقَرنِ الشمسِ رَيَّانُ مُشْرِقُ وعينٌ كعينِ الظبيِ فيها مَلاحةٌ ... هِيَ السِحرُ أَو أَدْهى التِباساً وأَعْلَقُ أبو نواس: كأنّ مَعاقِدَ الأَوْضاحِ منها ... بِجيدِ أَغنَّ نُوِّمَ في الكِناسِ وَتبْسِمُ عن أَغرَّ كأنَّ فيهِ ... مُجاجَ سُلافَةٍ من بيتِ راسِ ذو الرمة: أَوانِسُ وُضَّحُ الأَجيادِ عِينٌ ... تَرى منهنَّ في المُقَلِ احْوِرارا تَبَسَّمُ عن ثَنايا واضِحاتٍ ... وَمِيضَ البرْقِ أنْجَدَ فاستَنارا ومعهد كلِّ آنسةٍ أَناةٍ ... يَزِينُ بياضُ مَحْجَرِها الخِمارا زهير: قامتْ تَبَدَّى بذي ضَالٍ لِتُحزِنَني ... ولا محالةَ أَنْ يشتاقَ من عَشِقا بِجِيدِ مُغْزِلةٍ أَدماءَ خاذِلةٍ ... من الظِباءِ تُراعي شادِناً خَرِقا أبو تمام: ومِن جِيدِ غَيْداءِ التَثَنِّي كأنّما ... أتَتْكَ بِلِيتَيْها من الرَشأِ الفَرْدِ كأنَّ عليها كُلَّ عِقْدِ مَلاحةٍ ... وحسنٍ وإِنْ أَضحتْ وأَمستْ بلا عِقْدِ النابغة الذبياني: كأنَّ الشَذْرَ والياقوتَ مِنها ... على جَيْداءَ فاتِرَةَ البُغَامِ خَلَتْ بِغَزالها وَدَنا عليها ... أَراكُ الجِزْعِ أَسفَلَ من بَشامِ الباب الثامن عشر النحور والحلي دعبل: أتاحَ لكَ الهوى بيضٌ حِسانٌ ... سَلَبْنَكَ بالعيونِ وبالنُحورِ نَظَرتَ إلى النُحورِ فكِدْتَ تَقضي ... فأَوْلى لو نظرتَ إلى الخُصورِ ذو الرمة: تُريكَ بَياضَ لَبَّتِها ووجْهاً ... كَقَرْنِ الشمسِ أَفْتَقَ ثمَّ زالا النابغة: فَبدتْ ترائِبُ شادِنٍ مُتَرَبِّبٍ ... أحوى أحمِّ المُقلتينِ مُقَلَّدِ أخذَ العَذارَى عِقْدَهُ فَنَظَمْنَهُ ... من لؤلؤٍ مُتتابِعٍ مُتَسَرِّدِ أبو عبادة: فكمْ ليلةٍ قد بِتُّها ثَمَّ ناعِماً ... بِعيْنيْ عَليلِ الطرْفِ بيضٍ تَرائبُهْ ولمْ أَنْسَهُ إذ قامَ ثانِيَ جيدِهِ ... إِليَّ، وإذْ مالت عليَّ ذوائبُهْ عمر بن ابي ربيعة: سَدَدنَ خَصاصَ البيتِ حين دَخَلْنَهُ ... بِكلِّ لَبانٍ واضحٍ وجَبينِ ذو الرمة: بَرَّاقَةُ الجيدِ والْلبّاتُ واضحةٌ ... كأنها ظبيةٌ أَفضى بها لَبَبُ عجزاءُ ممكورةٌ خُمْصانةٌ قَلقٌ ... عنها الوِشاحُ وتَمَّ الجسمُ والقَصَبُ النابغة: صَفَحْتُ بنظرةٍ فرأيتُ منها ... تُحَيْتَ الخِدْرَ واضعةَ القِرامِ تَرائبُ تستضيئُ الحَلْيُ فيها ... كجمرِ النارِ بُذّرَ في الظَلامِ الباب التاسع عشر الثدي ذو الرمة: كأنَّ الفِرنْدَ الخُسْروانيَّ لُثْنَهُ ... بأَعطاف أَنقاءِ الكثيبِ العَوانِكِ بعيداتُ مَهوى كلِّ قُرط عَقدْنَهُ ... لِطافُ الحشا تَحت الثُدِيِّ الفَوالكِ إذا غابَ عنهنَّ الغيورُ تهلَّلتْ ... لنا الأرضُ باليوم القصير المُباركِ علي بن الجهم: كنتُ أشتاقُ فما يحجزُني ... عنكِ إلاّ حاجزٌ يُعجبني ناهدٌ في الصدر غضبانٌ على ... قَبَبِ البطن وطيِّ العُكَنِ شاخصاً ينظرُ إعجاباً إلى ... غَبَبِ الجِيد وحُسنِ الذقَنِ

стр. 31

يملأُ الكفَّ ولا يفضلُها ... فإذا ثنَّيْتَهُ لا يَنثني بكر بن النطاح: صادَتْكَ من بقرِ القُصور ... بيضٌ نواعِمُ في الحريرِ حورٌ تَحورُ إلى رِضا ... كَ بأعْيُنٍ منهنَّ حُورِ وكأنما بِرُضابِهن ... ن جَنى الخمورِ على الثُغورِ يَصبغنَ تُفّاحَ الخدو ... دِ بماءِ رُمَّانِ الصُدورِ العباس بن الأحنف: واللهِ لو أَنَّ القلوبَ كَقَلْبِها ... ما رَقَّ للوَلدِ الضَعيفِ الوالدُ جالَ الوِشاحُ على قضيبٍ زانَهُ ... رُمَّانُ صدرٍ ليس يُقْطَفُ ناهِدُ ابن المعتز: يا غُصُناً إِن هزَّه مشيُهُ ... خَشيتُ أن يسقُطَ رُمَّانُه ارْحمْ مَلِيكاً صارَ مُسْتَعْبَداً ... قد ذَلَّ في حُبِّكَ سُلطانُه علي بن الصباح: ومَحجوبةٍ عند الوَداعِ رأيتُها ... تُنَشِّفُ دمعاً بالرِداء المُمَسَّكِ وتبكي حِذارَ البيْنِ منها بعبرةٍ ... تسيلُ على الخدَّيْنِ في حُسن مَسلَكِ فتحسَبُ مَجرى الدمعِ في وَجَناتها ... بَقيَّةَ طَلٍّ فوقَ وردٍ مُمَعَّكِ وقد سَفَرتْ عن غُرّة بابِليَّةٍ ... وصدرٍ به نَهدٌ كحُقٍ مُفَلَّكِ ديك الجن: ذاتُ سَراويلَ تحتَ أَقمِصَةٍ ... من فِضَّةٍ حُفَّتا بفَصَّيْنِ شاطِرةٌ كالغُلام فاتِكَةٌ ... تَصلُحُ من طَبِّها لأَمريْنِ قدُّ غُلامٍ وخَلْقُ جاريةٍ ... قامتْ من الطّيبِ بينَ خَلْطيْنِ عمرو بن كلثوم: تُريكَ إذا دخلتَ على خَلاءٍ ... وقد أَمِنَتْ عيونَ الكاشِحينا ذِراعيْ عَيْطَل أَدماءَ بِكْرٍ ... هِجانِ اللون لم تَقرأْ جَنينا وثَدياً مثلَ حُقِّ العاجِ رَخْصاً ... حَصاناً من أكُفِّ اللاّمِسينا ومنه أخذ أبو نواس قوله: وَلو شِئْتُ قد رَادَتْ يدِي تحتَ قَرْقَلٍ ... من المَسِّ، إِلا مِن يَدَيَّ، حَصانِ السروي: وحَقِّ الخُدورِ وحَقِّ الكِلَلْ ... وعذبِ مواقِعِ رشْفِ القُبَلْ ونرجِستيْنِ لَدى ورْدَتَيْنِ ... ورُمَّانتيْنِ على غُصنِ دَلْ أُعاتِبُهنَّ فيُظْهِرْنَ لي ... حَبَابَ الدُموعِ وجمْرَ الخَجَلْ مسلم بن الوليد: فأَقسمتُ أَنسى الداعياتِ إلى الصِّبا ... وقد فاجَأَتْها العينُ والسِّترُ واقعُ فَغَطَّتْ بأَيديها ثِمارَ نُحورها ... كأَيدي الأَسارى أَثْقَلَتْها الجَوامِعُ ابن الرومي: صُدورٌ زانَهنَّ حِقاقُ عاجٍ ... وحَلْيٌ زانَهُ حُسنُ اتِّساقِ يقولُ الناظِرونَ، إِذا رأَوْهُ، ... أَهذا الحَلْيُ مِن هذي الحِقاقِ وما تلكَ الحِقاقُ سوى ثُدِيٍّ ... قُدِرْنَ من الحِقاقِ على وِفاقِ نواهِدُ لا يُعَدُّ لَهنَّ عَيْبٌ ... سوى منعِ المُحِبِّ من العِناقِ وهذا من نادر معاني ابن الرومي. إلا أنه ألم بقول الأعرابي؛ ولعمري إنه أبدع واستوفى المعنى: أَبَتِ الروادِفُ والثُدِيُّ لِقُمْصِها ... مَسَّ البطونِ، وأَن تَمَسَّ ظُهورا وإِذا الرِياحُ مع العَشِيِّ تناوَحتْ ... نَبَّهْنَ حاسِدةً وهِجْنَ غَيورا غُصنٌ من الأبنوس رُكِّبَ في ... مُؤْتَزِرٍ مُعجِبٍ ومُنتطقِ يَهتزُّ من ناهِدَيْهِ في ثَمَرٍ ... ومن دواجي ذُراه في وَرَقِ هيفاءُ زِينَتْ بحُسن مُحتَضَنٍ ... أَوْفى عليه نُهودُ مُعْتَنَقِ محمد بن مناذر: ولها ثَدْيانِ ما عَدَوا ... من حِقاقِ العاجِ أن كَعَبا قُسِمتْ نِصفيْن: دِعْصَ نَقاً ... وقَضيباً لانَ فاضْطرَبا وله: والبطنُ ذو عُكْنةٍ لطيفُ ... صفْرٌ وشاحاهُ جائلانِ أَشرفَ من فوقِه عليه ... ثدْيانِ مِثْلانِ ناهِدانِ وابن مناذر هذا هو الذي قال له أبو العتاهية: كم تقول في اليوم من الشعر؟ فقال ابن مناذر: الخمسة والثلاثة. فقال أبو العتاهية: لكني أقول المئة والمئتين. فقال ابن مناذر: أجل، لأنك تقول: يا عُتْبَ مالي ولَكِ ... يا لَيْتَني لم أرَكِ وأنا أقول: سَتُظْلمُ بغدادٌ ويَجلو لنا الدُجى ... بمكَّةَ، ما عِشنا، ثلاثةُ أَقْمُرِ

стр. 32

إذا نَزَلوا بَطحاءَ مكّةَ أشرقتْ ... بِيَحيى وبالفَضل بن يَحيى وجعفرِ وَما خُلِقَتْ إلا لِجودٍ أكفُّهم ... وأقدامُهم إلاّ لأَعوادِ مِنْبَرِ ولو أردت مثله لطال عليك الدهر. الباب العشرون نعت الأرداف عبد الله بن الصمة: لها فَخِذٌ بُخْتِيَّةٌ بَخْتريِّةٌ ... وساقٌ إذا قامت عليها اتْمَهَّلت وخصرانِ دَقَّا في اعْتدالٍ ومَتنةٌ ... كمتنةِ مَصقولٍ من الهِندِ سُلَّمتِ وعينا أحَمِّ المُقلتينِ ومَضحكٌ ... إذا ما جرتْ فيه المساويكُ زَلَّتِ ذو الرمة: كأنَّ أَعجازها والرِيطُ يعصِبُها ... بين البُرين وأَعناقِ العَواهيجِ أَنقاءُ ساريةٍ حلَّت عَزالِيَها ... من آخر الليلِ ريحٌ غَيرُ حُرجوجِ ابن حازم: يَروعُكَ حُسنُ منظَرِهِ ... وتَخْشَعُ مِن تَجِبُّرِهِ وما كِسرى بِأَتْيَهَ مِنْهُ يومَ غدا لِمَفْخَرِهِ هَضيمُ الكَشح يُزهاهُ ... قضيبٌ تحت مِئْزَرِهِ ومطويٌّ على عُكَنٍ ... تَظاهَرُ عند مَحْسَرِهِ ولحظٌ يبعثُ الحركا ... ت منك على تَذكُّرِهِ فما أَدْري بأوَّلِهِ ... سَباني أم بِأخِرِهِ خالد: ومريضِ طرفٍ ليس يَصْرِفُ طرفَه ... نحو امرئٍ إلا رَماه بحَتْفِهِ قد قُلتُ إِذ أبصرْته مُتمايلاً ... والرِدْفُ يَجذِبُ خصرَهُ من خَلفِهِ يا مَن يُسَلِّمُ خصرَه من رِدفِه ... سَلِّمْ فؤادَ مُحبِّهِ من طَرْفِهِ وقال ذو الرمة: ضَناكٌ بَخَنْداةٌ كأنّ حِقابَها ... إذا انْجردَتْ مِن كلِّ دِرعٍ ومِفْضَلِ على عانِكٍ من رملِ بيَرين بَلَّهُ ... أَهاضيبُ تلبيدٍ فلم يَتَهيَّلِ وقال الزاهي: أَردافُ عِينٍ وأوساطُ الزنابيرِ ... فوق المعاقِدِ تُطوى كالطَّواميرِ أنقاءُ أكثبةٍ من فوقِها قَصَبٌ ... ذُبلُ الخصورِ بِشدّاتِ الزَنانيرِ يومَ السَعانينِ لاحَتْ في مَطارِفِها ... تِلكَ الوجوهُ كأَمثالِ الدَنانيرِ سودُ العَمائمِ صُفرٌ قد جَلَوْنَ لنا ... ألوانَ من عَلَّلوهُ بالمعاذيرِ سبحانَ خالِقِها ماذا أَرادَ بها ... تلكَ المحاسن في تلكَ التصاويرِ ذو الرمة: أَلا لا أُبالي الموتَ إن كانَ قَبْلَه ... لِقاءٌ لِمىٍّ وارتجاعٌ من الوَصلِ أَناةٌ كأنّ المِرْطَ حين تَلوثُه ... على دِعْصَة حمراءَ من عُجَمِ الرملِ أَسيلةُ مُسْتَنِّ الوِشاحيْنِ قانِيء ... بأطرافها الحِنَّاءُ في سَبِطٍ طَفْلِ مِنَ الواضِحاتِ البيضِ في غَيْرِ مُرهَةٍ ... ذواتِ الشفاه اللُعْس والحَدَقِ النُجْلِ وهذا استثناء في صفة النساء بخلوص البياض وإيفاء الوصف حقه بتقييده في عجز البيت باللعس والكحل ما أطلقه في صدره من الوضح والبياض. أبو عبادة: إذا نَضَوْنَ شُفوفَ الرَّيْط آوِنَةً ... قَشَرْنَ عن لُؤلُؤِ البحريْن أَصدافا نواصِعٌ كسيوف الهِندِ مُشعَلةٌ ... ضوْءاً ومُرهَفةٌ في الجدْلِ إِرهافا كأنَّهنَّ وقد قابَلنْ في طَرفي ... ضِدَّيْن في الحسنِ تَبْتيلاً وإِخطافا رَدَدْنَ ما خفَّفت عنه الخصورُ إلى ... ما في المآزِرِ فاستَثْقَلْنَ أَردافا وفي ذكر السيوف تشبيه أبي تمام أعجب حيث يقول: فما صُقِلَ السيفُ اليَماني لمَشهدٍ ... كما صُقلتْ بالأمسِ تلكَ العوارضُ الباب الحادي والعشرون السوق وامتلائها والقصب وخدالتها وهذا مسلم للمتقدمين وهم يضعون فيه الهناء مواضع النقب، ويطبقون المفصل. قال كثير عزة: أولات سَوالِفٍ غُرٍّ وقُبٍّ ... مُخَصَّرةٍ وأَعجازٍ ثِقالِ ويَجْعلنَ الخَلاخِلَ حين تلوى ... بِأَسوُقِهنَّ في قَصَبٍ خِدالِ عروة: فقُمنَ بَطيئاً مَشيُهُنَّ تَأوُّداً ... على قَصَبٍ قد ضاق عنه خَلاخِلُهْ كما هزَّتِ المرَّانَ ريحٌ فحرَّكتْ ... أَعالِيَ منهُ وارْجَحنَّتْ أَسافِلُهْ ذو الرمة: رَخِيماتُ الكلامِ مُبطَّناتٌ ... جَواعِلُ في البُرى قَصَباً خِدالا كأَنَّ جلودَهُنَّ مُمَوَّهاتٌ ... على أَبشارِها ذَهَباً زُلالا

стр. 33

جَمعْن فَخامةً وخُلوصَ عِتْقٍ ... وحُسناً بعدَ ذلكَ واعتِدالا وليس لأحد من الشعراء العرب، في نعت محاسن النساء، ما لذي الرمة من الأوصاف البارعة، بجودة سبك، وكثرة ماء، ورقة لفظ، حتى كأنه حضري من نازلة المدر لا سكان الوبر، وهو بجفوة البدو وعنجهية الصراحة فهو أعرابي مهاجر، ووحشي حاضر. وقال الأشجع: نَفْسي الفداءُ لِشادنٍ ... يَهْوَى ويمنَعُهُ نِفارُهْ ظبيٌ يجولُ وِشاحُهُ ... ويَغُصُّ في يَدِهِ سِوارُهْ ابن الطثرية: هَضيماتُ ما بين التَرائِبِ والكُلَى ... لِطافُ الخُصورِ صامِتاتُ الخلاخِلِ عفيفاتُ أَسرارٍ، بَعيداتُ رِيَبةٍ ... كثيراتُ إِخلافٍ، قليلاتُ نائلِ مِراضُ الجُفونِ في احْوِرارِ مَحاجِرٍ ... طِوالُ المُتونِ راجِحِاتُ الأَسافِلِ القطامي: خَوْدُ مُنَعَّمَةٌ نَضخ العَبير بها ... إِذا تَميلُ على خَلخالِها انْفَصما ليستْ ترى عَجَباً إِلاّ بدا بَردٌ ... غُرُّ المَضاحِك ذو نَوْرٍ إذا ابْتَسما ذو الرمة: ضَرجْنَ البُرودَ عن ترائب حُرَّة ... وعن أَعيُن قتَّلْننا كلَّ مَقتَلِ إِذا ما اْلتَقَيْنَ من ثلاثٍ وأربعٍ ... تَبَسَّمْنَ إيماضَ الغَمام المُكَلَّلِ يُهادينَ جَمَّاءَ المرافِق وَعْثَةً ... لطيفةَ حَجْم الكعب رَيّا المُخَلْخَلِ الأشجع: جارِيةٌ تهتزُّ أَطرافُها ... مُشبعةُ الخَلخالِ والقُلْب أَشكو الذي لاقيْتُ من حُبِّها ... وبُغضِ مَولاها إِلى رَبّي مِن بُغض مولاها ومِن حُبِّها ... نَزَلْتُ بين البُغض والحبِ فاعْتَلجا في الصَّدر حتى اعْتلى ... أَمرُهما فاقْتَسما قَلبي ابن هرمة: بِنفْسِيَ صَبْحاءُ سَيفانَةٌ ... تَكْظُّ البُرى وتُجيعُ الوِشاحا كأنَّ قلائِدَها عُلِّقَتْ ... على ظَبيةٍ تَتقرّى البِطاحا حراديةٌ أَبصرتْ رامياً ... يُقَلِّبُ في راحَتيْه قِداحا فأوْفَتْ على شَرَفٍ تَستَخيرُ طَلاً تتنسَّمُ منه رِياحا ذو الرمة: وَبيضاً تهادى بالعَشيِّ كأنّها ... غَمامُ الثُريّا الرائحُ المُتَهلِّلُ خِدالاً قَذفْن السورَ منهنَّ والبُرى ... على ناعمِ البَرْدِيِّ بل هنّ أَخدَلُ نَواعمُ رَخْصاتٌ كأنّ حديثَها ... جَنى الشَّهدِ في ماءِ الصَّفا مُتَشَمَّلُ رقاقُ الحواشي مُنْفِذاتٌ صدورَها ... وأَعجازُها عمَّا بها اللهوُ خُذَّلُ أولئكَ لا يوفين شيئاً وَعدْنَه ... وعنهنَّ لا يصحو الغَويُّ المُضلَّلُ عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: هيفاءُ فيها إذا اسْتقبَلْتَها عَجَفٌ ... عَجزاءُ غامضةُ الكعبيْنِ مِعطارُ من الأوانسِ مِثلُ الشمسِ لم يَرَها ... بساحةِ الدارِ لا بعلٌ ولا جارُ ذو الرمة: لها قَصَبٌ فَعْمٌ خِدالٌ كأنهُ ... مُسَوِّقُ بَرْدِيٍّ على حائرٍ غَمْرِ سَقِيَّةُأعدادٍ يبيت ضجيعُها ... ويُصبحُ مَحبوراً وخيراً من الحَبْرِ تُعاطيه برَّاقَ الثَنايا كأنهُ ... أَقاحِيُّ وَسْمِيٍّ بِسائِفَةٍ قَفْرِ كأن النَدى الشَتويَّ يَرْفَضُّ ماؤهُ ... على أَشنَبِ الأَنيابِ مُتَّسِقِ الثَغرِ وقال: وفي المِرط مِن ميٍّ تَوالي صَريمةٍ ... وفي الطَوْق ظبيٌ واضحُ الجيدِ أَحورُ وبين مَلاثِ المِرْط والطوِق نَفْنَفٌ ... هضيمُ الحشا رَأْدُ الوِشاحينِ أَصفَرُ تَنوءُ بأُخراها فَلأياً قِيامُها ... وتَمشي الهُوَيْنى من قريبٍ فَتُبْهَرُ وفي العاج منها والدَماليجِ والبُرى ... قناً مالِيء للعينِ ريَّانُ عَبْهَرُ خَراعِيبُ أُمْلودٌ كأن بَنانَها ... بَناتُ النَقا تَخْفى مِراراً وتَظهرُ ترى خَلْفَها نِصفٌ قناةٌ قويمةٌ ... ونِصفٌ نَقاً يَرتَجُّ أو يَتَمَرْمَرُ عمر بن أبي ربيعة: سَتروا الوجوهَ بأذرُعٍ ومَعاصِمِ ... ورَنَوْا بِنُجْل للقلوبِ كَوالمِ حَسروا الأَكِمَّةَ عن سواعدِ فضّةٍ ... فكأنما ابيضت مُتونُ صوارمِ ذو الرمة:

стр. 34

مِنْ كُلِّ عَجزاءَ في أَحشائها هَضَمٌ ... كأن حَلْيَ شَواها أُلْبسَ العُشَرا لَمياءُ في شَفتيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... كالشمسِ لما بَدَتْ أو تُشبهُ القمرا الشماخ: هَضيمُ الحشا لا يَملأُ الكفَّ خَصرُها ... ويُملأُ منها كلُ حِجل ودُمْلُجِ تَميحُ بمسواكِ الأَراكِ بَنانُها ... رُضابَ الندى عن أَقحوانٍ مُفَلَّجِ ذو الرمة: وعَيْناءَ مِبْهاجٍ كأنَّ ثِيابَها ... على واضحِ الأَقرابِ من رمل عاجِفِ تَبَسَّمُ عن أَحوى اللِّثاتِ كأنهُ ... ذُرا أُقحوانٍ من أَقاحي السَّوائِفِ ابن الطثرية: من كلِّ بيضاءَ مِخماصٍ لها بَشَرٌ ... كأنه بِذَكيِّ المِسك مَعْلوُلُ تخطو على قَصَبٍ خَدْلٍ تُقلُّ بهِ ... روادفاً كالنَّقا فيهن تَبْتيلُ والجيدُ أَتلعُ والأُطرافُ ناعمةٌ ... والكَشْحُ مُنهَضِمٌ والمَتْنُ مَخْذُولُ ذو الرمة: أَناةٌ تلوثُ المِرْطَ عنها بدِعْصَةٍ ... رُكامٍ وتَجْتابُ الوِشاحَ فَيَقْلَقُ وتَبْسِم عن نَوْرِ الأَقاحيِّ أقْفَرَتْ ... بِوعْساءِ معروفٍ تُغامُ وتُطْلَقُ المفجع: أَيخفى حُبُّ علوةَ كيف يَخْفى ... ونيرانُ الصَبابَةِ ليس تُطْفا ومن مزجت له كأسُ التصابي ... فإني قد شَرِبْتُ الحُبَّ صِرْفا تَراها كالقضيبِ اللَّدْنِ ليناً ... تَمِيسُ وكالنقا تَرْتَجُّ رِدْفا ولولا أَنها بَشَرٌ لقُلْنا ... براها اللهُ مِن ذَهبٍ مُصَفَّى فأَكْمل خَلْقَها وأَتَمَّ مِنها ... مَعانِي حُسْنِها حرفاً فَحَرْفا لَئِنْ راقَتْكَ مِلْءَ العينِ حُسناً ... لقد ساءَتْك مِلْءَ النفسِ حَتْفاه سعد الجعدي: أَيا ظبيةَ الوَعْساءِ أنتِ شَبيهةٌ ... بذَلْفاءَ إِلاَّ أَنها لا تُعَطَّلُ مُنعمةٌ خَودٌ يجولُ وِشاحُها ... عليها ويَأْبى أن يجولَ المُخَلْخَلُ الراجز: غَرْثى الوِشاح كَزَّةُ الدَمالجِ مَلاثُ مِرْطيْها كرملٍ عالجِ الباب الثاني والعشرون نعت القدود ابن مقبل: يَهْزُزْنَ للمَشْيِ أَعطافاً مُنَعَّمَةً ... هَزَّ الشَمالِ ضُحىً عيدان يَبْرينا أو كاهتزاز رُدَيْنِيٍّ تَرادفهُ ... أَيدي التِّجار فزادتْ متنَه لينا بِيضٌ يُجرِّدْنَ من أَلْحاظِهنَّ لنا ... بيضاً ويَردينَ ما جرَّدْنَه فينا ذو الرمة: بَيضاءُ يجري وِشاحاها إِذا انصرفتْ ... منها على أَهْضَمِ الكَشْحين مُنْخَضِدِ يَجلو تَبسُّمُها عن واضحٍ خَصرٍ ... تَلأْلُؤَ البرقِ عن ذي لَّجةٍ بَرِدِ ابن أبي البغل: كأَنّه في اعتِدالِهِ غُصُنٌ ... وفي السراويلِ منه أَمواجُ إذا مشى كالقضِيب جاذَبَهُ ... رِدْفٌ له كالكَثيب رَجْراجُ ويعلمُ اللهُ أَنني رجلٌ ... إِليهِ مُذْ قد كَبِرتُ مُحتاجُ آخر: أَهْيَفُ القَدِّ بَديعٌ في الصورْ ... رِدفُه دِعصٌ، وأعلاهُ قَمَرْ ما رَآهُ الطرفُ إِلاّ قال لي ... احبِسِ اللَّحظَ عليه وانْتَظِرْ فَبقلبي أَثرٌ من لَحظِهِ ... وبخَدَّيْهِ من اللحظِ أَثَرْ كُلما زِدْتُ إِليهِ نظراً ... زادَ حُسناً عند تَكْرارِ النظَرْ كشاجم: بُلِيتُ بأَحسنِ الثَقليْن إقبالاً ومُنْصَرَفا كحدِّ السيف أَلْحاظاً ... وغُصنِ البانِ مُنْعَطَفا يُسَوِّفُني بِنائِله ... وقد أَهدى ليَ الأَسَفا فآخُذُ وصلَه عِدةً ... ويأخُذُ مُهجتي سَلَفا العلوي البصري: كغُصنِ البانِ يَجذِبُه كثيبٌ ... فَيَطْلُعُ مثلَما طَلَع الرَهِيصُ وأَتعَبَ رِدفُه حِقويْه حتى ... شكا من ثِقْلهِ الكَشحُ الخَميصُ أَغار من القميصِ إِذا عَلاهُ ... مَخافةَ أَنْ يُلامسَه القميصُ ومالِفَتى رماه بِسَهْم حَتفٍ ... عن الأسقامِ والبَلْوى مَحيصُ آخر: مُعتدِلٌ في كلِّ أَعطافهِ ... مُستَحْسَنُ القامةِ والمُلْتَفَتْ لو قِيست الدنيا ولذّاتُها ... بِساعةٍ مِن وَصْلهِ ما وَفَتْ

стр. 35

سُلِّطَتِ الأَلحاظُ منه على ... قلبي، فلو أَوْدتْ به ما اشْتَفَتْ واسْتعذَبَتْ روحي هواه فما ... تَصحو، ولا تسلو ولو أُتْلِفَتْ آخر: وَيلي على قمرٍ أَوفى على غُصُنٍ ... يَهتزُّ في أَهْيَفٍ قد رانهُ الترفُ يكادُ من قَضَفٍ ليناً ومن ترفٍ ... لولا أُعَوِّذُه بالله يَنْقَصِفُ أبو فراس: غلامٌ فوقَ ما أَصِفُ ... كأنَّ قوامَه أَلِفُ إِذا ما مالَ يَرْعِبُني ... أَخافُ عليه يَنْقَصِفُ وأُشفِقُ من تَأَوُّدِهِ ... أَخافُ يُذِيبه التَرَفُ سُروري عندهُ لُمَعٌ ... ودَهري كُلُّه أَسفُ وأَمْري كلُّهُ أَمَمٌ ... وحُبي وحدَه سَرَفُ الحسين بن الضحاك: مُحبُّكَ يبكي لطول السَّقَم ... تَداوَلُه فيكَ أَيدي الأَلمْ تَجَنَّبْتَهُ فهو بادي الشحو ... بِ وأَدمعُهُ للضَنى تَنْسجِمْ أيا عصْنَ بانٍ غداةَ النعيم ويا قمراً لاحَ جُنْحَ الظُلَمْ خَفِ اللهَ في عاشِقٍ مُدْنَفٍ ... بِحُبكَ مما بهِ يَعْتَصِمْ الواسطي: أَبلى فُؤادي بِطول تَعذيبهْ ... وقَدِّهِ واعْتِدالِ تَركِيبهْ ولاحَ من جَيْبِهِ الهِلالُ لنا ... والغُصُنُ النَّضْرُ من جَلابِيبِهْ كَلْفَ لي كاذِباً لِيقَتُلَني ... وَيْلايَ مِنهِ ومِن أَكاذيبِهْ لو أَبصَرَ القَسُّ حُسنَ صورَتِه ... صَوَّرهُ القَسُّ في مَحاربيِهْ الخبزرزي: أَهيفُ يَحكي بقدِّه الأَلِفا ... يَخسَرُ من لم يكُنْ بهِ كَلِفا أحسنُ مِنَ بهجةِ الخِلافة والأمْنِ لِمنْ قد يُحاذِرُ التَلَفا لو أَبصرَ الوجهَ منه مُنَهزِمٌ ... يَطلبُه ألفُ فارِسٍ وَقفا وقد خطأ أبو القاسم الآمدي، في كتاب الموازنة بين الطائيين، أبا تمام في قوله: مِن الهِيفِ لو أَنَّ الخلاخيلَ صُيِّرتْ ... لها وُشُحاً جالتْ عليها الخَلاخِلُ وكذلك رد عليه قوله: دعا قلْبُهُ: يا ناصِرَ الشوقِ دعوةَ ... فلبَّاهُ طَلُّ الدمعِ يَجري ووابِلُه والصواب في البيتين في يد أبي تمام. وأبو تمام قلما يؤتى من المعاني، وإنما يتعمق فيحيل. والقلب إذا أكره عمي. والخاطر إذا اعتسف تبلد. وأحسن الكلام ما أخذ عفوه، وقبل ميسوره. واللفظ صورة والمعنى روح لها، وبها يكتحل البصر أولاً، فإذا راقت وحسنت اغتفر ما دونها من خلل. وقد أخذ على أبي تمام أبو الضياء مؤلف سرقات الآخر من الأول قوله في الحسن بن وهب: نَبَتُّ على مواهِبَ منكَ بيضٍ ... كما نَبتَ الحَلِيُّ على الوَلِيِّ وفسر أبو القاسم الآمدي قول ذي الرمة وغلط فيه: وليلٍ كَجِلبابِ العروس ادَّرَعْتُهُ ... بأَربعةٍ، والشخصُ في العَيْنِ واحدُ وله في تفسير شعر الطائي، في كتاب الموازنة، هفوات كثيرة. الباب الثالث والعشرون وصف مشي النساء قال الأعشى، وهو من نادر تشبيهات العرب: غَرَّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولٌ عوارِضُها ... تَمشي الهُوَيْنا كما يمشي الوَجي الوَحِلُ كأنَّ مِشْيَتها من بيتِ جارَتِها ... مَرُّ السحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ وقد شبهوا مرور السحاب بمشي النساء أيضاً؛ ويكون هذا من قبيل التشبيهات التي تجيء طرداً وعكساً. قال الشاعر في الليل: كأنَّ قرونَ الخُرَّدِ العينِ أُسْبِلَتْ ... على وَجْههِ أَوْ ظُلمةَ الهَجْرِ والصَدِّ وعكسه مسلم بن الوليد فقال: أَجِدَّكِ ما يُدْرِيكِ أنْ رُبَّ لَيْلةٍ ... كأنَّ دُجاها من قُرونِكِ تُنشَرُ وقال ابن الرومي: أَرقُ من الماءِ الذي في حُسامهِ ... وأَنفذُ من حدَّيْهِ حين يُجرَّدُ وقال المتنبي: كَفِرَنْدي فِرَنْدُ سَيْفي الجُرَازِ ... لذَّةُ العينِ عُدَّةٌ للبِرازِ امرؤ القيس: وإذْ هي تمشي كمشْيِ النَّزِيفِ يصرَعُهُ بالكَثِيبِ البُهُرْ فَتُورُ القِيامِ قَطيعُ الكَلا ... مِ تفْتَرُّ عن ذي غُرُوبٍ خَصِرْ قيس: مريضاتُ أَوْبات التهادي كأَنما ... تخافُ على أَحشائها أن تَقَطَّعا تَسِيبُ انْسيابَ الأَيْمِ أَخصَرَهُ النَّدى ... فَرَفَّعَ من أَعطافِه ما تَرَفَّعا

стр. 36

المؤمل: شَوْقاً إلى قُطُفِ الخُطا ... حورِ العيونِ كَواعبِ تَيَّمْننَي بأَنامِلٍ ... ومضاحكٍ وحواجبِ ربيعة الرقي: مَشيْنَ تأوداً خلفي رُوْيداً ... كَمِثْل هَجائنٍ أَقْبَلْنَ حُلاّ وجَرَّدْن البُرودَ مُرفَّلاتٍ ... على إِثْر الفتى حتى اضْمَحلاّ ذو الرمة: إِذا مَشَيْنَ مِشْيةٌ تأَوُّدا هزَّ القنا لانَ وما تَأوَّدا يَركُضْن رَيْطَ اليمنِ الْمُعَضَّدا آخر: يَمشينَ مشيَ قطا البِطاحِ تَأَوُّداً ... قُبَّ البُطونِ رواجِحَ الأَكفالِ فَكأَنَّهنَّ إِذا أردْنَ زِيارَتي ... يَقْلَعنَ أرجلَهُنَّ من أَوْحالِ آخر: قِصارُ الخُطا يمشينَ هوْناً كأَنَّما ... دَبيبُ القَطا بل هنَّ منهن أَوْجَلُ إِذا نَهضت أَعجازُها خَرجت بها ... بِمُنْبَهِراتٍ غيرَ أَنْ لا تَخَزَّلُ فلا عيبَ فيها غَيرَ أَنَّ سريعَها ... قَطوفٌ، وأَلا شيءَ منهنَّ أَكسلُ وأما قول كثير: عَنَيْبُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أَرِدْ ... قِصارَ الخُطا شَرُّ النِساء البَحاتِرُ فليس من هذا القبيل. وبعد فلا شيء إلا وله مدح وذم. ألا ترى أن الأعشى يقول: وإِذا تَجيءُ كتيبةٌ مَلْمومةٌ ... شَهْباءُ يَخْشى الذائدون نِهالَها كُنْتَ المُقَدَّمَ غيرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسيفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أَبطالَها ثم قال الغساني: يَغْشى السيوفَ بوجهه وبنحره ... ويُقيم هامَته مُقامَ المِغْفَرِ ما إِن يُريدُ اذا الرماحُ شَجَرْنَهَ ... دِرعاً سوى سِربالِ طيبِ العُنْصُرِ فتمدح بخوض الحرب متجرداً من الجبن بسالة. وأخبرني أبو الفرج الأصفهاني، وكان عنده رواية ديوان كثير، أن كثيراً أنشد عبد الملك بن مروان: عَلى ابنِ أَبي العاص دِلاصٌ حَصينَةٌ ... أَجادَ المُسدّي سَرْدَها وأَذَالَها يَؤُودُ ضعيفَ القوم حملُ قَتِيرِها ... ويَسْتَضِلْعُ القرمُ الأَشمُّ احتمالَها فقال عبد الملك: هلا قلت كما قال الأعشى!؟ فقال كثير: وصفتك بالحزم، ووصف صاحبه بالخرق. وقرأت في الشذور من أخبار أبي تمام، أنه أنشد عبد الله بن طاهر قوله: وقَلْقَلَ نأْيٌ من خُراسان جَأْشَها ... فقلتُ: اطمئني. أَنضَرُ الروْضِ عازِبُهْ فقال عبد الله بن طاهر: جعلتني مجهولاً غير معلم. ولم يبلغني ما قال أبو تمام في الجواب. ابن عائشة: هيفُ الخُصور قواصِدُ النَبْلِ ... قَتَّلْننا بِلواحِظٍ نُجْلِ فَكأَنَّهُنَّ إِذا أَردْنَ خُطاً ... يَقلعْن أَرْجُلَهنَّ من وَحْلِ ذو الرمة: إِذا الخَزُّ تحت الحَضْرَميَّاتِ لُثْنَهُ ... بِمُرتَجَّة الأَردافِ مِثلِ القَصائمِ لحفن الحَصى أنيارَه ثم خُضْنَهُ ... نُهوضَ الهِجانِ الموُعِثاتِ الجَواشِمِ رُويداً كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعالِيَها مَرُّ الرِياح النَّواسِمِ ابن ميادة: مُنَعَّمةُ الأَطراف هِيفٌ خُصورُها ... كواعبُ تمشي مِشْيةَ الخيلِ في الوَحْلِ وأَعناقُها أَعْناقُ غِزلانِ عالِجٍ ... وأَعيُنُها من أَعين البَقَرِ النُجْلِ وأَثلاثُها السُفلى بُرادِيُّ ساحلٍ ... وأَثلاثُها الوُسطى نقاً من نقا الرملِ وأَثلاثُها العُليا غُصونٌ فُروعُها ... عَناقِيدُ تُغْذى بالدِّهانِ وبالغِسْلِ الأشجع: وجاريةٍ لم تسرِقِ الشمسُ نظرةً ... إِليها ولم يَعْبَثْ بأَيامها الدهرُ وماجَتْ كموْج الماء بينِ ثِيابِها ... يَجُورُ بها شَطرٌ ويعدِلُها شطرُ الباب الرابع والعشرون الملابس وألوانها أحمد بن أبي فنن: رَأيتُكِ في السوادِ فقلتُ: بدرٌ ... بَدا في ظُلمةِ الليلِ البهيمِ وأَلقْيتِ السوادَ فقلتُ: شمسٌ ... مَحتْ بشُعاعها ضوءَ النجومِ كشاجم في الأزرق: أقبلتْ في غِلالةٍ زرقاءِ ... زُرقةً لُقِّبتْ بجريِ الماءِ فَتوهَّمتُ في الغِلالةِ منها ... جسدَ النور في أديمِ الهواءِ تلك بدرٌ، وإنَّ أحسنَ لونٍ ... طَلَع البدرُ فيه، لونُ السماءِ المهلبي:

стр. 37

تَبدَّى في قميصِ اللاَّذِ يمشي ... عدوٌ لي يُلقَّبُ بالحبيبِ فقلت له: بمَ استَحسنتَ هذا؛ ... لقد أقبَلْتَ في زِيٍّ عجيبِ فقال: الشمسُ أهدتْ لي قميصاً ... بديعَ اللونِ من شَفَقِ الغروبِ فثوبي والمُدامُ ولونُ خَدِّي ... قريبٌ من قريبٍ من قريبِ وديك الجن هو الذي أبدع هذا الفن ونهجه للشعراء فقال: أيا قمراً تَبَّسمَ عن أقاحِ ... ويا غُصناً يميسُ مع الرِياحِ جَبِينُكَ والمقلَّدُ والثَّنايا ... صباحٌ في صباحٍ في صباحِ وقال أيضاً: ومُزْرٍ بالقضيبِ اذا تَثَنَّى ... ومَزْهاةٍ على القمرِ التمامِ سقاني ثم قبَّلني وأوْما ... بطرفٍ سُقمُه يَشفي سَقَامي فَبِتُّ لهُ، خلا الندمانِ، أُسقى ... مُداماً في مُدامٍ في مُدامِ وقال الصنوبري في الأخضر وأحسن فيه: وشاطرةٍ أدَّبتْها الشطارهْ ... حِلى الروضِ من حُسنها مُستعارَهْ أميرةُ حُسنٍ إذا ما بَدتْ ... أقَرَّ الأميرُ لها بالأمارَهْ بَدتْ في لِباسٍ لها أخضرٍ ... كما تَلْبَسُ الورقَ الجُلَّنارَهْ فقلنا لها: مااسمُ هذا اللِّباسِ ... فردَّتْ جواباً ظريفَ العبارَهْ شَقَقْنا مرائِرَ قومٍ به ... فنحنُ نُسمِّيه شقَّ المرارَهْ وقال بشار في الأحمر: وخُذي ملابسَ زينةٍ ... ومُعصفَراتٍ هُنَّ أَنْورْ وإذا دخلْنا فادْخُلي ... في الحُسنِ إن الحسنَ أحمرْ قال بعض الحكماء: الحسن أحمر، أي من أراد صبر على مضرته وشدائده. من قولهم: موت أحمر، أي يراق فيه الدم. قال أبو زبيد: إذا عَلِقَتْ قِرناً خطاطيفُ كفِّهِ ... رأى الموتَ بالعينين أسَود أحمرا آخر: طَلَعتْ في مُصَّبغٍ جُلَّناري ... طَلعةَ البدرِ في انْقضاءِ النَهارِ طافَ من حولها الجواري فقلْنا ال ... بدرُ حُفَّت بهِ النجومُ الدَراري خَيزرانِيَّةُ المَعاطفِ قصري ... ية قصر الطِّرازِ والأكوارِ كتبَ الحُسنُ فوق عارِضها قا ... فاً من الليلِ في أديمِ النهارِ علي بن الجهم: طلَعتْ وهي في ثيابِ حِدادِ ... طَلْعَةَ البدرِ من خِلالِ السحابِ بِتُّ في اللهوِ واللَّذاذةِ لَيْلي ... أرشِف الخمرَ من ثَنايا عِذابِ نَتَجنَّى وساعةً نتَراضى ... عَبَثاً، والقلوبُ غيرُ غِضابِ وشرِبنا من العِتابِ كُؤوساً ... وجَعلنا التقبيلَ نَقْلَ الشرابِ وقال الحسين بن الضحاك، وقد أقبل شفيع الخادم بشراب أحمر وعليه قباء أحمر: وكالوردةِ الحمراءِ جاء بِحُمْرةٍ ... من الوردِ يسعى في القراطق كالوردِ له عَبَثاتٌ عندَ كلِّ تحيةٍ ... بِكَفَّيْهِ تَستدعي الخليَّ إلى الوَجْدَ تمنَّيتُ أَن أُسقى بكفَّيه شَرْبةً ... تُذكرني ما قد نَسيِتُ من العَهْدِ سقى اللهُ عصراً لم أَبِتْ فيه ليلةً ... من الدهرِ إلاَّ مِن حبيبٍ على وعدِ وله فيه: وأبيضَ في حُمرِ الثيابِ كأَنهُ ... إذا ما بدا نِسرينُهُ في شقائِقِ سقاني بكفَّيْهِ رَحيقاً وسامَني ... فُسوقاً بِعَيْنيْهِ ولستُ بِفاسِقِ ولو كنتُ شَكْلاً للهوى لاتبعْتُهُ ... ولكنَّ شَيْبي بالصِّبا غيرُ لائقِ وقال العلوي في الغلالة البالية، ولم يسبق إلى معناه: يا قمراً ثوبُه ورامِقُهُ ... منه حِذارَ البِلى على خَطَرِ يا مَن حكى الماءُ فرطَ رقَّتِه ... وقلبُهُ في قَساوَةِ الحَجَرِ ياليتَ حظي كحظِّ ثوبكَ مِن ... جِسمكَ ياواحِدي مِن البَشَرِ لا تعجَبا من بِلى غِلالَتِهِ ... إذ زُرَّ كِتّانُهُ على القَمَرِ وقال ابن المعتز في اللباس الخلق، وأحسن فيه: ما بين بابِ الوزيرِ والمسجدِ الجامِعِ ظبيٌ كالظَّبي في غَيَدهْ أثوابُه رثَّةٌ فقد ضاعَ، لا ... ضاعَ، وضاعَ التَمييزُ في بَلدِهْ ليس له ناقدٌ فيعرِفُه ... وآفةُ التَّبرِ ضَعْفُ مُنْتَقِدِهْ وقال المهلبي في الأحمر: وَيْحَ نفْسي من لوَعةِ الإشْتياقِ ... ورَسيسِ الهوى وَوَشْكِ الفِراقِ

стр. 38

جَلَّ مابي حتى لَقد عَلِمَ النا ... سُ بأني أطقْتُ غيرَ المُطاقِ مَنْ عَذيري مِمَّنْ به ظَلَّ عِشْقي ... مَثَلاً بين سائرِ العُشَّاقِ حاز رِقِّي بِوردِ خدَّيْهِ لمَّا ... أنْ بدا في مُوَرَّداتٍ رِقاقِ الباب الخامس والعشرون العناق وطيبه قال الحسين بن الضحاك: ومُوشَّحٍ نازعتُ فَضلَ وِشاحِهِ ... وكَسوتُه من ساعِدَيَّ وِشاحا باتَ الغيورُ يشُقُّ جِلدةَ خدّهِ ... وأمال أعطافاً عليَّ مِلاحا ابن المعتز: ما أقصرَ الليلَ على الراقِدِ ... وأهونَ السُقْمَ على العائدِ يَفْديكَ ما أبقيتَ مِن مُهجتي ... لستُ لِما أوليتَ بالجاحِدِ كأنَّني عانقتُ رَيْحانةً ... تنفَّست في ليلِها الباردِ فلو تَرانا في قميص الدُّجى ... حَسِبْتَنا من جسدٍ واحدِ ذو الرمة: هَضيمُ الحشا يَثْني الذِّراعَ ضَجِيعُها ... على جيدِ أدماء المُقَلَّدِ مُغْزِلِ تُعاطيه تاراتٍ إذا جِيد جَوْدَةً ... رُضاباً كطعمِ الزَّنجبيلِ المُعَسَّلِ رَشيفَ الهِجانيْن الصَّفا رَقْرقَتْ بهِ ... على ظَهْر صَمْدٍ بَغْشةٌ لم تَزَيَّلِ الصمد: المكان الصلب. والبغش: المطر الضعيف. عَقِيلةُ أترابٍ كأنَّ بعينِها ... إذا استيْقَظَت كُحْلاً، وإن لَمْ تَكَحَّلِ الصولي: طالَ عُمْرُ الليلِ عندي ... إذ تَوَلَّعْتَ بِصدِّي يا ظَلوُماً نقضَ العهدَ ولم يُوفِ بِوعْدِ أنَسِيتَ الوصلَ إذ بِتنا على مَرْقَدِ وَردِ واعتَنَقْنا كوِشاحٍ ... وانتَظَمْنا نَظْمَ عِقْدِ وتعطفنا كغُصْنيْنِ فقدّانا كَقَدِّ جادَ خدَّاكَ بوردٍ ... لِيَ والنشْر بِنَدِّ وَثَناياكَ بِرَاحٍ ... وبمسكٍ وبِشَهْدِ وَجناحُ اللَّيْلِ وَحْفٌ ... مِثلَ شَعْرٍ منكَ جَعْدِ ونُجومُ الليلِ تَحْكي ... ذَهَباً في لازَوَرْدِ ابن المعتز: فَقُلْ في مكرعٍ عَذْبٍ ... وقد وَافاه عَطْشانُ وَضَمٍ لم يكن يحسنهُ للريح أغصانُ كما ضَمَّ غريقٌ سا ... بحاً والماءُ طُوفانُ ابن المعذل: أقولُ وجنُحُ الدُجى مُلْبِدٌ ... ولليلِ في كُلِّ فَجٍّ يَدُ ونحنُ ضَجيعانِ في مِجْسَدٍ ... فَلِلَّهِ ما ضَمِنَ المِجْسَدُ أيا غَدُ إنْ كنتَ لي مُحْسِناً ... فلا تَدْنُ من ليلتي يا غدُ وياليلةَ الوصلِ لا تَنْفَدِي ... كما ليلةُ الهجرِ لا تَنْفَدُ المعوج: ثلاثةٌ منَعتْها من زيارَتِنا، ... وَقد طوى الليلُ جَفْنَ الكاشِح الحَنِقِ ضَوْءُ الجبينِ، وَوَسْواسُ الحُلِيِّ وما ... يفوحُ من عرقٍ كالعَنْبرِ لععبق هَبِ الجبينَ بفَضْلِ الكُمِّ تستُرُهُ ... والحَلْيَ تَنزِعُه ماحِيلةُ العَرقِ أبو عبادة: وزارتْ على عجلٍ فاكْتسى ... لِزَوْرتِها أبْرَقُ الحَزْنِ طِيبا فكانَ العبيرُ بها واشياً ... وجَرْسُ الحُلِيِّ عليها رَقيبا ولم أنسَ لُقْيتَنا للعِنا ... قِ ولفَّ الصَّبا بقضيبٍ قَضِيبا ابن المعتز: وَكَمْ عِناقٍ لنا وكم قُبَلٍ ... مُخْتَلَساتٍ حِذارَ مُرْتقِبِ نَقْرَ العصافيرِ، وهي خائفةٌ ... مِن النواطيرِ، يانِعَ الرُطَبِ ديك الجن: ومجدولةٍ أمَّا مَلاثُ إِزارها ... فَدِعصٌ، وأمَّا قَدُّها فَقَضِيبُ لها القَمرُ الساري شَقِيقُ، وإنَها ... لَتَطلُعُ، أحياناً، له فَيَغِيبُ أقولُ لها، والليلُ مُلْقٍ سُدُولَه ... وغُصنُ الهوى غَضُّ الشبابِ رَطِيبُ ونحن، معاً فردانِ في ثِنْيِ مِئْزرٍ: ... بِكِ العيشُ، يازينَ النساءِ، يطيبُ لأنْتِ المُنى يازْينَ من وَطِئَ الحصا ... وأنتِ الهوى أُدعى له فأُجيبُ وأنشد: لَمْ أُلْفِها بيدِي إذ بِتُّ أَلثُمها ... إلاَّ تطاوَلَ غُصنُ الجِيد للجيدِ كما تَطَاعَمَ في خَضْراءَ ناعمةٍ ... مُطَوَّقانِ أصاخا بعدَ تغريدِ ومنه أخذ أبو تمام قوله: وإذا خلا بِعتابِ صاحِبَةٍ ... عجْماءَ في الساحات والرَّحَبِ

стр. 39

رَقَّتْ له فسقَتْهُ بردَ ندىً ... مِن رِيقةٍ مَعْسولةِ الحَلَبِ ذو الرمة: تَراءى لنا من بين سِجْفَيْن لَمْحةً ... غزالٌ أَحمُّ العيْن بيضٌ تَرائبُهْ إذا نازَعَتْكَ القولَ مَيَّةُ أو بَدا ... لكَ الوجهُ منها أو نَضا الدِرعَ سالِبُهْ فيالَكَ من خدٍّ أسيلٍ ومَنطِقٍ ... رَخيمٍ، ومن خَلْقٍ تعلَّل جادِبُهُ الحسن بن وهب: وليلٍ رقيقِ الطُرَّتيْن تظلَّمت ... كواكِبُه مِن بدْرِهِ المتألِّقِ لَهْونا كغِزلان الصَّريمةِ تحتَه ... نُميتُ الهوى ما بيْن ثغْرٍ وَمفْرِقِ كشاجم: وَزائِرٍ والعيونُ هاجِعَةٌ ... وقلبُه مِن رَقيبِهِ وَجِلُ مُنغَّصٌ وَصْلُهُ بِحِشْمَتِهِ ... يميلُ من لينه ويعتَدلُ كانَ شِفائِي من رِيقِهِ جُرَعٌ ... تُرْوِي، ومِن وردِ خدِّه قُبَلُ أبو الشيص: زارَتْك في غَلَسِ الظلامِ ... حَوْراءُ في قدِّ الغُلامِ خَوْدٌ كأنَّ جبينَها ... بدْرٌ تجلَّى من غَمامِ رَيْحانُنا وردُ الخدودِ ... ونقلنا قُبَلُ اللِّثامِ القطامي: تضع المجاسِدَ عن صفائح فضةٍ ... بيضٍ ترى صَفَحاتِهنَّ حِسانا وترى لها بَشَراً يعودُ خَلوقُهُ ... بعدَ الحَميمِ خَدَلَّجاً رَيَّانا قال الشيخ: بعد الحميم الحميم: العرق والماء الحار. وترى النعيمَ على مفارقِ فاحمٍ ... رَجْلٍ تَعُلُّ أصولَه الأدْهانا وكأنما اشتملَ الضجيعُ بِرَيْطَةٍ ... لا بلْ تزيدُ وَثارةً ولَيانا علي بن الجهم: سقى اللهُ ليلاً ضمَّنا بعد فُرْقَةٍ ... وأدْنى فُؤاداً من فُؤادٍ مُعَذَّبِ فبِتْنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌ ... من الخمرِ فيما بيننا لم تَسَرَّبِ عبد الله بن طاهر: البرقُ في مُبْتَسَمِهْ ... والخمرُ في مُلْتَثَمِهْ ووجهُهُ في شَعْرِهِ ... كقَمَرٍ في ظُلَمِهْ نامَ رَقيبي سَكراً ... يَحرُسني في حُلُمِهْ وباتَ من أهوى معي ... يَزُقُّني رِيقَ فَمِهْ وقال الحسين بن الضحاك: ولَيلةٍ بِتُّها مُحسَّدَةً ... مَحْفوفَةً بالظُنون والتُّهَمِ وبتُّ عن موعدٍ سُبِقْتُ بهِ ... ألْثَمُ دُرّاً مُفَلَّجاً بفمِ يابأبي مَن بِلا يُرَوِّعُني ... وعادَ مِن بعدِها إلى نَعَمِ أبَاحَ لي صَوْنَهُ ووسَّدَني ... إحدى يَدَيْهِ وباتَ مُلْتَزِمي سعيد بن حميد: ياليلةً جَرَتِ النُحوسُ بعيدةً ... مِنها، على رَغْمِ الرَقيبِ الراصِدِ تَدَعُ العواذِلَ لايَقُمْنَ بِحُجَّةٍ ... وتَقومُ بَهجتُها بِعُذرِ الحاسِدِ وقد أحسن في قوله في غير هذا المعنى: سَخَّى بِنَفْسي عن الدنيا وزينَتِها ... أني أراها بكم ضَنَّتْ فلم تَجُدِ ضَنَّتْ عليَّ بمن أهوى فجُدْتُ لها ... بِمَنْ سواهُ، فلم أجزعْ على أحدِ الخبزرزي: ياليلُ دُمْ لي لا أريدُ صَباحا ... حَسْبي بوجهِ مُعانِقي مِصْباحا حسبي به بَدْراً، وحسبي رِيُقُه ... خَمراً، وحسبي خَدُّه تُفَّاحا حسبي بِمَضْحَكِهِ إذا استضحكْتُهُ ... مُستَغْنِياً عن كل نَجْمٍ لاحا طَوَّقتُهُ طَوْقَ العِناقِ بِساعِدِي ... وَجَعلتُ كفِّي للِّثامِ وِشاحا هذا هو الفوزُ العظيمُ فَخَلِّنا ... متعانِقَيْنِ فما نُريدُ بَراحا ديك الجن: قالت: حَراماً تَبْتَغي وَصلَنا ... قلت: فما بِالوصلِ مِن باسِ قالتْ: فمن حَلَّلَ هذا لكمْ؟ ... قلتُ: أراهُ رأيَ قَيَّاسِ نحن جميعاً من بني آدَمٍ ... من حرَّمَ الناسَ على الناسِ فأقبلتْ تمشي ولو أنها ... تَقدِرُ جاءَتْني على الرَّاسِ هذا آخر صفات محاسن الخلق المنسوب فصله من الكتاب إلى المحبوب ويتلوه مقطعات الشعر المنسوب فصله من الكتاب إلى المحب. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتاب المحبوب المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم وهو ثقتي

стр. 40

وبعد، فهذا الفصل ما شرطنا في صدر الكتاب من مقطّعات الشّعر المنتخبة في أحوال المحبين، وما يتشعب منها من جميع الفنون، متداخلاً بعضها في بعض. ولم نبوّبها لأن المقصد في مضمون الكتاب إلى المختار؛ وعقد الأبواب في فنّ فنّ يضطرُّ صاحبه إلى إيراد الجيد والرَّديء) والغث والسَّمين (، محبةً لتكثير حجمه. والمبتدئ الأمر ساكن النفس معتدل الأخلاط. فإذا توسَّط هاجت طبيعته، فتجاوز الحقوق إلى الفضول، والقصد إلى السَّرف والعدل إلى الشّطط. فسرنا في إجمالنا هذه المسيرة وهي قضية عادلةٌ، وطريقةٌ واسطةٌ ومقالةٌ رضيّةٌ. وبعدُ، فالطالب لنعت حال من أحوال الهوى، إذا احتاج إلى عدّ صفحاته، وحصر أوراقه وتأمُّل سطوره، وتكرير النظر والفكر في منظومه، ثم هجم على بغيته وظفر بمطلوبة، تضاعفت الحاجة في صدره، وتزايد موقعها في قلبه ككاسب المال ووارثه. وعذرنا فيما وقع في أوَّل الكتاب إلى آخره، إن كان وقع، من مقطوعة خارجة عن شرط الاختيار، قول الشاعر: وحُسنُ دَراريِّ الكواكبِ أن تُرى ... طوالعَ في داجٍ من الليلِ غيهبِ والصوابُ في التأليفِ أنَّ الهوى أوَّلٌ وهو أعمُّ لوقوعِه على كلِّ ما يهواهُ الإنسان. وثانيه الحبُّ، وهو أخصُّ. وأقصاه العشق. ولهذا ما قال أبو عبادة: فاليومَ جازبيَ الهوى مقدارهُ ... في أهلِه وعلمتُ أني عاشقُ والاشتقاق يؤيِّد ما قلناه، لأنَّ الهوى من زوال الشئ عن موضعه. والحب ملازمه المكان ثم الانبعاث، كما قيل: محبٌّ كإحبابِ البعيرِ وإنَّما ... به أسفٌ أنْ لا يرى من يصاولُهْ والعشق إنما هو من العشقة وهي اللَّبلابة؛ كأنَّ العاشق سمي بذلك لذبوله. وقالوا في قول رؤبة: ولم يُضِعْها بينَ فرْكٍ وعشقْ وفي محفوظ ما اشتملت عليه الأوراق كفاية وبلاغٌ في إيراد الشاهد، وعمارة المجلس، وإيناس الهائم الوحيد، وتسلية العاشق الفريد، ومن أيَّد بصفاء قريحة ٍ وطينةٍ قابلةٍ ورقة حدٍ، استغنى به في قيل الشِّعر، إن سمت همته إليه، أو حامت نهمته عليه، ولم يفتقر إلى أحدٍ واستزادة مددٍ بعون الله ومنِّه. وقد قدمنا أمامها القول في الفرق بين الحب والهوى والعشق. والشعراء مختلفون في هذا الترتيب. فمنهم من جعل الهوى أشدَّ. أما سمعت كثيراً يقول: هوىً لا تطيقُ الراسياتُ احتمالهُ ... فسلْ عن ضعيفِ القلب كيف احتمالهُ ومنهم من يجعل الحب أشد كقول الآخر: تأثل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يَسيرُ تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ إنه لم يضعها بين اطراحٍ وملازمةٍ. ويقال: عشق بالشئِ إذا لزمه. ولكل جيلٍ من الناسِ قولٌ في الحبِّ حسبَ اعتقاده. فالمنجِّمون ردّوهُ إلى تأثيرِ الكواكبِ. والأطبّاء ومن جرى مجراهم ردّوه إلى الطَّبع وأصحُّه بحكم العيانِ وقضيةِ المشاهدةِ ما قالت ابنةُ الخسِّ: قربُ الوسادِ وطولُ السِّواد. وهو دوامُ النظرِ الفكرْ. وما أحسنَ ما قالته الأعراب أحسنَ ما قالته الأعرابيَّة في صفةِ الحبِّ: خفيَ عن أنْ يرى وجلَّ عن أنْ يخفي. فهو كامنً ككمونِ النار في الحجر إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبةً من الجنون فهو عصارةٌ من السحر. العتّابي: امطِليني وسَوَّفي ... وعديِني ولا تَفي اتْرُكِيني مُعلَّقاً ... إنَ تَجودي وتُسعِفي فَعسى يَعثرُ الزما ... نُ بِجَدِّي فأَشتَفي أَنا راضٍ بما صنعتِ ... وإنْ كان مُتلفي بشّار: تَشتهي قُربكَ الربابُ وتَخشى ... قولَ واشٍ وتتَّقِي إسماعَهْ لكَ مِن قلبِها محلُّ شَرابٍ ... تَشْتَهي وِردهُ وتَخشى صُداعهْ وأخذ هذا المعنى، على طريق التورية، بعضُهم وطرَّده إلى العتاب فقال: يحبُّ المَديح أبو صالحٍ ... ويهربُ من صِلَةِ المادحِ كَبِكْرٍ تُحبُّ لذيذَ النِكاحِ ... وتهربُ من صَوْلةِ الناكحِ عليُّ بنُ الجهْمِ: ولما بَدتْ بينَ الوُشاةِ كأنها ... عِناقُ الوَداع يُشتَهى وهو يَقتُلُ يَئسْتُ من الدُنيا وقلتُ لِصاحبي ... لَئِنْ عَجِلتْ للمَوتُ أوْحى وأعجَلُ إبراهيم بن العبَّاس:
следующие страницы →