← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7310

علم المقاصد الشرعية

نور الدين الخادمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الضالين ال مقدمة: أما بعد: فإن المقاصد الشرعية الإسلامية قد تزايد في العصر الحالي الاهتمام بها والالتفات إليها، وعلى مستوى البحث والتأليف والتحقيق والتدوين، وعلى مستوى التدريس والتعليم والتوعية والتثقيف. وقد كان سبب ذلك بالأساس الحاجة الماسة، والضرورة المُلحَّة لعلم المقاصد على صعيد عملية الاجتهاد والاستنباط والإفتاء والقضاء، وعلى صعيد فهم التكليف وتعقله واستيعابه وتطبيقه، وعلى صعيد تحمل خطاب التكاليف وأداء رسالة الاستخلاف، وإقامة واجب الإصلاح والتوجيه والإرشاد في الأرض. ومعلوم أن المقاصد الشرعية سلاح ذو حدين، يمكن استخدامها في الخير والمعروف، ويمكن توظيفها لجلب الشر والمنكر والفسادن، ولذلك وجب على العلماء والمتعلمين الإحاطة بهذا العلمن ومعرفة محتويته ومضامينه، وامتلاك أدواته وآلياته وضوابطه، بغية تطبيقه بوجه حس، وبكيفية مرضية، تجلب للناس مصالحهم الحقيقية والشرعية، وتدرأ عنهم الفساد والهلاك، وتني عن الاجتهاد والاستنباط التعسف في التفسير، والتطويع في التأويل، والإساءة في القصود والنوايا، كما تُبعد -بنفس الحرص والاهتمام- التفسير الظاهري، والتعامل الحرفي مع النصوص

стр. 2

والأدلة الذي لا ينظر إلا إلى المباني والظواهر والصور، دون أن يُعم تلفكر في البواطن ومعاني والمرامي والمقاصد. فالنظر المقاصدي الأصيل يقوم على الموازنة بين الظاهر النص ومقصوده، بين مبناه ومعناه، وفق ميزان الشرع، ومعيار الاجتهاد الصحيح وضوابطه. وهذا النظر المقاصدي هو في حقيقته يتمثل في مبدأ الوسطية الإسلامية التي تقررت بأدلة كثيرة على أنها خصيصة قطعية وسمة مؤكدة من سمات شريعة الله الغراء. ونظرًا إلى مكانة المقاصد الشرعية في العصر الحالي بالخصوص، وفي معالجة كثير من نوازله وحوادثه، تعاقب الباحثون وطلاب العلم على تناول موضوعها بالدرس والبحث والتأليف، سواء على مستوى البحوث والمؤلفات الخاصة، أو على مستو بحوث الدراسات العليا ولترقيت والجوائز، وبحوث المجامع والهيئات الفقهية الشرعية والمراكز البحثية والدراسية. ولم أكن لأشُذّ عن هذا الاتجاه العام في العصر الحالي -فالإنسان ابن عصره، ويتأثر بأحواله وأوضاعه؛ فقد أُغريت كي أسهم بشيء يسير وقليل في هذا الاهتمام والعناية بالمقاصد الشرعية؛ فقد جعلت رسالتي للدكتوراه مخصصة لتناول المقاصد الشرعية عند المالكية١، كما ألفت كتابًا بعنوان "الاجتهاد المقاصدي: حجيته، ضوابطه، مجالاته"٢، ركزت فيه

стр. 3

على النواحي التطبيقية والتميلية والتحليلية والتدليلية للمقاصد، والحكم على كثير من نوازل العصر ومشكلاته في ضوء المقاصد الشرعية التابعة للأدلة والنصوص، وليس المستقلة عنها أو المنفلتة منها. كما أسهمت ببعض المقالات القصيرة في بعض الدوريات والمجالات. وقد رأيت من اللازم والضروري -شرعيًا وأدبيًا وأكاديميًا- تأليف هذا الكتاب لسببين رئيسين مباشرين: ١-الاستجابة لحاجة القرّاء في معرفة علم المقاصد وإدراك عموماته، والإلمام ببعض جزئياته ومتعلقاته كي يحققوا بهذا العلم الفهم الصحيح والتطبيق السليم للإسلام، وللتكاليف، وللاستخلاف في الأرض، وكي يتمكنوا من الرَّدّ على المزاعم الشُّبه والغايات؛ حيث يقولون: إن العبرة بالمقاصد والمعاني، ويقولون: الغايات تبرير وغير ذلك. ٢- الاستجابة لحاجة الطلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ولا سيما طلاب كلية الدعوة والإعلام بالخصوص١، الذين يدرسون منهج مقاصد الشرعية في المستوى الثالث والرابع؛ فقد رأيت تدوين ما كنت ألقيه عليهم في أثناء المحاضرات، بغية تيسير المنهج لهم، ويسر مراجعته، وسهولة العودة إليه أثناء المذاكرة والاختبارات. ولا سيما والمنهج عميق ودقيق، وهو يحتاج إلى بذل جهدي التدريس

стр. 4

والتأليف حتى تتحقق الغاية المرجوة منه. وقد كنت أواخر كل فصل دراسي يبادرني الطلاب بأسئلة كثيرة تتعلق بالمنهج والبرامج، وبإعداد مذكرة تحوي المادة العلمية كلها؛ ولا سيما بالنسبة للطلاب المنتسبين والراسبين وغيرهم ممن يحتاجون إلى مدونة أو مذكرة مكتوبة يعودون إليها خارج قاعات التدريس بالجامعة. فلذلك كله، وللأسباب الأولى، قمت بتأليف هذا الكتاب الذي آمل أن يكون موفقًا ومفيدًا، وأن يُتجاوز فيه عن الأخطاء والهفوات التي هي من سمات البشر، ومن مستلزمات العجلة التسرع والحرص على الاستفادة والإفادة. ولا أدع أنني قد أتيت على كل أو أغلب مسائل المقاصد؛ فذلك أكبر من أن تستودعه مثل هذه المذكرة؛ ولكنني أتيت على ما ظننته قريبًا من المراد والمقصود. ونسأل الله تعالى الصواب والرشاد. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه الفقير إلى عفو ربه: نور الدين مختار الخادمي عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض (قسم الفقه) صبيحة يوم الجمعة الثامن من شهر صفر ١٤٢١هج -الموافق ليوم ١٢مايو ٢٠٠٠م.

стр. 5

الجزء الأول المبحث الأول: تعريف مقاصد الشريعة الإسلامية ... المبحث الأول: تعريف مقاصد الشريعة الإسلامية التعريف اللغوي لمقاصد الشريعة الإسلامية: مقاصد الشريعة هي اسم ولقب لعلم وفن من فنون الشريعة الإسلامية، وهذا الاسم يتركب من لفظين: لفظ مقاصد، لفظ الشريعة. ولتعريف هذا الاسم المركبَّ، أو هذا اللقب العلمي الشري يجب تعريف كل من لفظيه اللذين ركب منهما، وهما: لفظ مقاصد، لفظ الشريعة. تعريف المقاصد لغة: المقاصد: جمع مقصد، والمقصد: مصدر ميمي مشتق من الفعل قصد؛ فيقال: قصد يقصد قصدًا، وعليه فإن المقصد له معان لغوية كثيرة منها: ١- الاعتماد والتوجه واستقامة الطريق. قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ ١. ٢- التوسط وعدم الإفراط والتفريط قال تعالى: ﴿اقْصِدْ فِي مَشْيِك﴾ ٢. وقال الرسول ﷺ : "القصْدَ القصْدَ تَبْلُغُوا" ٣.

стр. 6

تعريف الشريعة لغة: الشريعة تُطلقَ في اللغة على مورد الماء ومنبعه ومصدره، كما تُطلق على الدين والملة والطريقة والمنهاج والسنة، والشريعة والشرع والشرِّعْة بمعنى واحد. ووجه إطلاق الشريعة على منبع الماء ومصدره أن الماء مصدر حياة الإنسان والحيوان والنبات، وأن الدين الإسلامي مصدر حياة النفوس وصلاحها وتقدمها وسلامتها في الدنيا والآخرة؛ فالشريعة الإسلامية مصدر كل الخير والرخاء والسعادة في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم﴾ ١. تعريف لفظ الإسلامية: لفظ الإسلامية مشتق من كلمة الإسلام، والإسلام لغة: الانقياد والاستسلام لله سبحانه تعالى بتوحيده وعبادته والامتثال إلى أوامره واجتناب نواهيه. وإطلاق الإسلامية على المقاصد دليلٌ على أن هذه المقاصد مستندة إلى الإسلام، منبثقة منه ومتفرعة عنه، وليست مستقلة عنه أو مخالفة له. التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة الإسلامية: لم يوجد عند العلماء الأوائل تعريف واضح أو محدد أو دقيق لمقاصد

стр. 7

الشريعة؛ وإنما وجدت كلمات وجُمَل لها تعلق ببعض أنواعها وأقسامها، وببعض تعبيرتها ومرادفاتها، وبأمثلتها وتطبيقاتها، وبحجيتها وحقيتها. فقد ذكروا الكليات المقاصدية الخمس "حفظ الدين والنفس والعقل والنسل أو النسب والمال" وذكروا المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، وذكروا بعض الحِكَم والأسرار والعلل المتصلة بأحكامها وأدلتها. وذكروا أدلة من المنقول والمعقول الدالة على حقية المقاصد وحيجتها، ووجوب مراعاتها والاعتماد عليها بشروط معينه وضوابط مقررة، وبدون الخروج عن الشرع أو معارضة أدلته ومصادمة تعاليمه وقواعده وأصوله. كما أنهم عبرا عن المقاصد بتعبيرات كثيرة دلت في مجملها بالتصريح والتلميح والتنصيص والإيماء على الْتفات هؤلاء الأعلام إلى مراعاة المقاصد واستحضارها في عملية فهم النصوص والأحكام والاجتهاد فيها والترجيح بينها. ومن تلك التعبيرات والاشتقاقات: المصلحة والحكمة العلة والمنفعة والمفسدة والأغراض والغايات والأهداف والمرامي والأسرار والمعاني والمراد والضرر والأذى وغير ذلك مما هو مبثوث في مصادره ومظانه. تعريف العلماء المعاصرين للمقاصد: حظيت مقاصد الشريعة في العصر الحديث بعناية خاصة من قبل العلماء والباحثين؛ وذلك لأهميتها ودورها في عملية الاجتهاد الفقهي، وفي معالجة قضايا الحياة المعاصرة في ضوء الأدلة والنصوص والقواعد الشرعية،

стр. 8

وكان من ضروب هذا الاعتناء تدوين المقاصد وتأليفها واعتبارها علمًا شرعيًا وفنًا أصوليًا له ما لسائر العلوم والفنون من تعريفات ومصطلحات وتقسيمات وغير ذلك. وقد وردت عدة تعريفات لهذا العلم نوردها فيما يلي: ١- عرفَّها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بأنها: المباني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها ... ويدخل في هذا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام؛ ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها١. ٢- عرفها الفاسي بقوله: المراد بمقاصد الشريعة الإسلامية: الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكمها٢. ٣- عرفها الريسوني بقوله: إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد٣. ٤- عرفها الدكتور محمد بن سعد بن أحمد بن سعود اليوبي: المقاصد هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموما وخصوصًا من أجل تحقيق مصالح العباد٤.

стр. 9

٥- عرفها فتحي الدريني: وهي القسم التي تكمن وراء الصيغ والنصوص، ويستخدمها التشريع كليات وجزئيات١. ٦- عرفها د. مصطفى بن كرامة الله مخدوم بقوله: المقاصد وهي المصالح التي قصدها الشارع بتشريع الأحكام ٢. ٧- التعريف المختار لنور الدين الخادمي: المقاصد هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها؛ سواء أكانت تلك المعاني حكما جزئية أم مصالح كلية أم سمت إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين٣. الخلاصة: إن المقاصد الشرعية هي جملة ما أراده الشارع الحكيم من مصالح تترتب على الأحكام الشرعية، كمصلحة الصوم والتي هي بلوغ التقوى، ومصلحة الجهاد التي هي در العدوان والذب عن الأمة، ومصلحة الزواج والتي هي غض البصر وتحصين الفرج وإنجاء الذرية وإعمار الكون. وهذه المصالح كثيرة ومتنوعة، وهي تجمع في مصلحة كبرى وغاية كلية: هي تحقيق عبادة الله، وإصلاح المخلوقين وإسعاده في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ٤.

стр. 10

المبحث الثاني: صلة المقاصد ببعض المصطلحات الأصولية المطلب الأول: صلة المقاصد بالعلة ... المبحث الثاني: صلة المقاصد ببعض المصطلحات الأصولية للمقاصد صلة ببعض المصطلحات الأصولية كمصطلح العلة والحكمة والمصلحة وسد الذارئع. المطلب الأول: صلة المقاصد بالعلة العلة لغةً: المرض. أما العلة اصطلاحًا: فتطلق على الوصف الظاهر المنضبط الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه مصلحة؛ ومثاله: الإسكار، فهو وصف ظاهر منضبط ترتب عليه حكم التحريم لمصلحة حفظ العقل والمال، وهذا معنى قولنا: يحصل من ترتيب الحكم عليه مصلحة حفظ المال والعقل. ومثاله كذلك: السفر؛ فهو وصف ظاهر منضبط، ومعنى كونه ظاهرًا ليس خفيًا، ومعنى كونه منضبطًا: لا يتغير بتغير الأشخاص ولا الأحوال ولا الظروف. والحكم المترتب على السفر هو قصر الصلاة، والإفطار في الصوم، والمسح على الخفين. والمصلحة من كل ذلك هي رفع الحرج عن المكلف والتخفيف عنه.

стр. 11

الخلاصة: إن العلة هي الوصف المُّعرِّف للحكم والمؤدي إليه، كالإسكار؛ فإنه يؤدي إلى التحريم لمصلحة حفظ العقل والمال، والسفر يؤدي إلى القصر والإفطار والمسح لمصلحة رفع المشقة والحرج، والسرقة تؤدي إلى قطع اليد لمصلحة حفظ المال، والزنى يؤدي إلى الجلد أو الرجم لمصلحة حفظ الأنساب والأعراض، والقتل العَمْد يؤدي إلى القصاص لمصلحة حفظ النفس. ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك: الغياب عن المحاضرات؛ الغياب عن المحاضرات سبب لوقوع الحرمان من الاختبار. ويعتبر تأديب الطلاب وحثهم على حضور المحاضرات والاستفادة منها هو مقصد ذلك الحكم، أي أن المصلحة تتمثل في ذلك؛ إذ لو لم يحرم الطالب المتغيِّب من الامتحان لََتَخلَّف الطلاب، ولتأخروا عن الحضور، ولَفَاتَهم تحصيل العلم المفيد. وبناءً على ما ذكر تكون العلة هي سبب الحكم وسبيله الذي يؤدي إليه، وتكون المقاصد هي المصالح المترتبة على الحكم المبني على العلة.

стр. 12

المطلب الثاني: صلة المقاصد بالحكمة الحكمة: هي ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة وتكميلها، أو دف مفسدة وتقليلها١. وتطلق الحكمة أحيانًا على المقصد الجزئي كحكمة تجنب الأذى باعتزال الحائض، وحكمة منع بيع المعدوم وهي نفي الجهالة وإبعاد الغرر والضرر عن المشتري، وحكمة النظر إلى وجه المخطوبة وهي حصول الألفة وإدامة العِشْرة وتحقيق الارتياح لضمان النجاح وإدراك الفلاح. كما تطلق الحكمة للدلالة على المقصد الكلي أو المصلحة الإجمالية كمصلحة حفظ النفس، وتحقيق التيسير ورفع الحرج، وتقرير عبادة الله والامثتال إليه. فنقول بأن الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الشرائع هي: عبادة الله واجتناب الطاغوت، ونعني بتلك الحكمة جملة المصالح العامة والمقاصد الكلية. وبناءً على ما ذكر فإن الحكمة والمقاصد يترادفان ويتماثلان في الإطلاق والتعبير في أغلب الأحيان.

стр. 13

المطلب الثالث: صلة المقاصد بالمصلحة المصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى، وهي ضد المفسدة والمضرة، ويُعبَّر عنها بالخير والشر، بالنفع والضرر، بالحسنات والسيئات. يقول عز الدين بن عبد السلام: المصالح هي اللذات وأسباها، والمفاسد: الآلام وأسبابها أو الأضرار وأسبابها؛ فتكون المصلحة متمثلة في جلب المنفعة وما يوصل إليها، وتكون المفسدة متمثلة في درء الآلام والأضرار وما يوصل إليها١.

стр. 14

أنواع المصلحة: تتنوع المصلحة تنوعات كثيرة باعتبارات وحيثيات كثيرة، والذي يهمنا في هذا العرض الموجز الاقتصار على التركيز على نوعيها باعتبار موافقتها للشرع ومخالفتها له؛ إذ تقسم بهذا الاعتبار إلى المصالح الشرعية والمصالح غير الشرعية. ١- المصالح الشرعية: وهي المصالح التي تستند إلى الشرع وتنبثق منه وتتفرع عنه، ولا تعارض نصًا ولا دليلًا ولا إجماعًا. ومثالها: مصلحة حفظ الدين بإقامة شعائره وفرائضه وإحياء معالمه وتعاليمه، وكذلك مصلحة حفظ العرض بمنع الزنا والخلوة والنظر بشهوة ومعاقبة الزناة والشاذَّين. ومن خاصيات المصلحة الشرعية أنها غير محدودة بالدنيا أو المتاع المادي واللذة الجسدية كما هو الحالفي المجتمعات المادية والإباحية والدهرية والعبثية؛ بل إن تلك المصلحة تشمل الدنيا والآخرة وتشمل الجسد والروح والفرد والمجتمع. ٢- المصالح غير الشرعية: وهي المصالح التي لا تستند إلى الشرع ولا تنبثق منه؛ وإنما تُحدَّد في ضوء نزوات النفس وأهواء العقل وميول الغرائز، فليس لها ضابط ولا

стр. 15

رابط، وليس لها حدود ولا قيود، كما أنها تنصبُّ في الاقتصادر على منافع الدنيا وإمتاع الجسد بمختلف اللذائذ والمنافع وإشباع الذات، ولو على حساب الآخرين؛ فهي إذًا مصلحة ذاتية وجسدية دنيوية وظرفية لا تمتد إلى عالم الآخرة والجزاء. صلة المقاصد بالمصلحة: يتبين مما ذكرنا أن المصالح الشرعية هي مقاصد الشارع ومراده، أي أن الشارع قد قصد تلك المصالح وأراد تحصيلها بالنسبة للمكلف من خلال القيام بالأحكام الشرعية؛ فالقيام بالفرائض والتعاليم الدينية يؤدي إلى تحقيق مصالح عبادة الله وجلب مرضاته والفوز بجناته وإراحة وطمأنة نفس المكلف. وهذه المصالح التي قصدها الشارع تعود على المكلف وتؤول إليه، وليس تؤول إلى الله؛ لأننا إذا قلنا بذلك وقعنا في وصف الخالق بالسعي إلى الأغراض التي هي من صفات النقص والسعي إلى الكمال؛ فهو سبحانه المتصف بجميع صفت الكمال. وعليه فإن المقاصد هي نفسها المصالح الشرعية. أما المصالح غير الشرعية فالمقاصد تَأبَاهَا وتعارضها والأدلة الشرعية تمنعها وتبعدها وتدفعها.

стр. 16

المطلب الرابع: صلة المقاصد بسد الذرائع تعريف الذرائع: هي جمع ذريعة، والذريعة هي الوسيلة إلى الشيء. معنى سد الذريعة: منع ما يجوز حتى لا يتوصل به إلى ما لا يجوز، وقد قال جمهور العلماء: إنها أصل شرعي يعمل به ويعول عليه في معرفة الأحكام واستنباطها. أمثلتها: ١- الخلوة بالأجنبية ذريعة إلى الزنا، لذلك حرمت. ٢- بيع السلاح زمن الحرب وسيلة إلى زيادة الفتنة والقتل والتخريب، لذلك منع. ٣- البيع وقت الجمعة وسيلة لترك الجمعة، لذلك نهي عنه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. ٤- النظر بشهوة وسيلة إلى الزنا ودواعيه، قال الرسول ﷺ : "النظرة سهم من سهام الشيطان". ٥- كثرة السهر ذريعة للتأخر عن المحاضرات وتفويت التحصيل العلمي وحصول التوتر والاضطراب والقيادة الفوضوية وغير ذلك مما يسبب الكثير من المفاسد والاضطرابات النفسية والجسدية والاجتماعية. علاقة المقاصد بالذرائع: يمكن أن نبرز هذه العلاقة فيما يلي: أ- سد الذارئع في نفسه مقصد من مقاصد الشريعة أكدته وذكرته نصوص

стр. 17

شرعية كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُون ... ﴾ ١ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. فكلمة راعانا عند اليهود سبة وشتيمة؛ لذلك نهاهم الله عن قولهم هذا عند مخاطبة الرسول ﷺ ؛ لمنع ذريعة النيل من الرسول ﷺ . ب- سد الذرائع: هي سد الوسائل المفضية إلى تعطيل المقاصد وتضييعها. والوسائل نوعان: ١- الوسائل التي يجب سدها وهي ما عبرنا عنه بسد الذارئع. ٢- الوسائل التي يجب فتحها وهي المعبر عنها بفتح الذرائع، أي فتح الطرق والسبل التي تؤدي إلى تحقيق المصالح والمنافع. أمثلتها: ١- إعلان الأذان طريق إلى الإعلام بدخول وقت الصلاة، والحث على القيام بها. ٢- نشر العلم طريق إلى تعليم الناس أحكام دينهم، ومعرفة ما يسعدهم في الدنيا والآخرة. ٣- تيسير الزواج وتقليل المهور طريق إلى التعفف والتحصين، والابتعاد عن الشذوذ والانحراف. ٤- تخفيف السرعة ملازمة اليمين والبعد عن التهور والحذر سبيل السلامة والوقاية من الحوادث والمهالك؛ لذلك قال العلماء: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

стр. 18

المبحث الثالث: موضوع مقاصد الشريعة موضوع أي علم يتناول مادته وماهيته وحقيقته ومحتواه، أي جملة الموضوعات والمسائل التي يتضمنها ويتعلق بها. فموضوع العقيدة هو التوحيد والتصديق بالمُسَلَّمات والغيبات الإيمانية التي وردت في الكتاب والسنة. وموضوع الفقه هو بيان أحكم الحلال والحرم، والواجب والمستحب والمكروه، وكذلك أدلتها التفصيلية من الآيات والأحاديث والسنن وتفاسير وأقوال العلماء والترجيح بينها. وموضوع علم الأصول هو القواعد الإجمالية والمبادئ الكلية والمصادر التشريعية العامة التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام واستخراجها؛ لذلك سمي علم أصول الفقه بعلم الاستنباط والاستخراج. وموضوع علم الهندسة والوراثية هو بيان ودراسة الخصائص الوارثية وتعديلها والتحكم فيها لأغراض صحية واقتصادية وبيئية. وبصرف النظر عن شرعيتها وعدمها ومعلوم أن من الهندسة الوراثية ما هو مباح وجائز، وما هو حرام ومحظور، بحسب قاعدة المصالح والمفاسد الشرعية. فموضوع مقاصد الشريعة: هو بيان وعرض حِكَم الأحكام، وأسرار التشريع، وغايات الدين، ومقاصد الشارع، ومقصود المكلف ونيته، وغير ذلك مما يندرج ضن ما أصبح يعرف حاليًا بمقاصد الشريعة التي أصبحت عِلمًا شرعيًا، وفنًا من فنون الشريعة الإسلامية، وضربًا من ضروبها،

стр. 19

وشرطًا من شروط فهمها وتعقلها وتطبيقها والاجتهاد في ضوئها؛ بل إن المقاصد يتزايد الاهتمام بها يوميًا، بعد يوم بحثًا وتأليفًا؛ تحقيقًا وتعليقًا، تنظيرًا وتدوينًا؛ الأمر الذي أدى بكثير من الباحثين والدراسين إلى الدعوة إلى تأسيس نظرية متكامة في علم المقاصد يرتكز موضوعه على بحث المصالح الشرعية من حيث تعريفها وأمثلتها وحجيتها وحقيقتها، ومن العقل، وغير ذلك مما يتعلق به موضوع هذا الفن الجديد. مثال ذلك: البيع مشروع لمصلحة الانتفاع بالعوضين وهذه المصلحة ضرورية؛ لأن الحياة تقوم عليها؛ لذلك حُرم الاحتكار؛ لأن الاحتكار يعطل أقوات الناس وأطعمتهم، ثم إن هذه المصلحة عامة تتعلق بكل إنسان، أما الاحتكار فهو مصلحة حاصلة تنفع المحتكر فقط على حساب الناس؛ فيكون الاحتكار ممنوعًا لكونه مصلحة خاصة، ويكون البيع مباحًا وتوفير البضاعة واجبًا؛ لكونه مصلحة عامةن والقاعدة تقول "بأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة". ومصلحة البيع مصلحة حقيقية؛ لأن نفعه عائد على جميع الناس بتراض وعدل، بخلاف الربا الذي وإنْ كانت فيه مصلحة؛ فهي مصلحة فردية تعود على المُرَابي فقط على حساب أغلبية المستضعفين والمغلوبين، ثم إن مصلحة الربا في نظر الشارع مصلحة وهمية خيالية مغلوبة، ومرجوحة باطلة مردودة؛ وذلك لِمَا تؤول إليه من الغُبْن وبخس الناس أشياءهم، وأكل أموالهم، وتعميق الفوارق بينهم، وخدش الوحدة والمودة

стр. 20

والتضامن بينهم؛ لذلك وصف الله الربا وصفًا شنيعًا، وأعلن الحرب على أهله، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ ٢ فنَظَر المجتهد في هذه المصالح وفي كونها حقيقية وخيالية أو عامة وخاصة، وفي علاقتها بأدتها الشرعية في إفضائها إلى مراد الشارع ومقصوده، كل ذلك يعد من صميم موضوع هذا العلم الشرعي المفيد.

стр. 21

المبحث الرابع: بيان صلة مقاصد الشريعة بالأدلة تعريف الأدلة الشرعية: هي مصادر التشريع الإسلامي وأصول وقواعد الأحكام الشرعية والفقهية. نوعا الأدلة: ١- الأدلة المتفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ٢- الأدلة المختلف فيها: وهي المصلحة المرسلة والاستحسان والاستصحاب وسد الذرائع وقول الصحابي وشرع من قبلنا والعرف ...

стр. 22

صلة المقاصد بالقرآن الكريم: القرآن الكريم أول مصدر من مصادر التشريع، وهو أصل الأصول، وقدس الأقداس، وأساس الأحكام والمقاصد والحكم والأسرار الشرعية، ويتمثل ذلك من خلال ما يلي: ١- ذكر القرآن لأنواع كثيرة من المقاصد منها: أ- العبودية: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. ب- التبشير والإنذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب: قال تعالى ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢.

стр. 23

ج- التيسير والتخفيف عن الناس: قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١. د- رفع الحرج وإزالة الضرر: قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢. هـ- الإصلاح والإرشاد، والنهي عن الفساد والغي والمنكر: قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ٣. و الوحدة والاتفاق والقوة: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٥. وهناك أنواع كثيرة من المقاصد الشرعية التي ذكرها القرآن الكريم في مواضع مختلفة بالتصريح والإيماء تارة، والإجمال والتفصيل تارة أخرى. ٢- ذكر القرآن الكريم أمثلة جزئية للحِكم والعلل والفوائد المنوطة بأحكامها، ونورد بعضًا من ذلك فيما يلي: أ- قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٦. فقد شرعت الصلاة لذكر الله وتذكر أحوال الآخرة.

стр. 24

ب- قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١، فقد شرعت الزكاة لطهارة المال وتزكية النفس. ج- قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ٢؛ فقد شرع الحج لمنافع دينية واجتماعية وتربوية كثيرة. د- قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣، فقد شرع الصوم، لوقاية النفس من الأنانية والإفراط في حب الدنيا. هـ- قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٤. فقد شرع القصاص لحفظ حياة النفوس وسلامتها. و قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٥. فقد شرع القتال لقمع الفتنة وتحقيق الأمن. ز- قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٦. فقد منع الخمر والميسر لكونها يؤديان إلى العداوة والبغضاء والخصومات والتنازع.

стр. 25

صلة المقاصد بالسنة: السنة: هي المصدر التشريعي الثاني لبيان المقاصد والغايات الشرعية؛ وذلك من خلال تأكيدها وتقريرها للمقاصد التي ذكرها القرآن وأشار إليها، ومن خلال ما استقلت ببيانه وانفردت به عن القرآن اكريم إزاء ذكر بعض الحِكَم والأسرار لبعض الأحكام التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم أو التي ذكرت في القرآن دون بيان مقاصدها وأسرارها، ومن أمثلة ذلك: ١- قول الرسول ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغَضُّ للبصر وأحصن للفرج" ١. ٢- قول الرسول ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" ٢. ٣- قول الرسول ﷺ "إنكمْ إن فعلتم ذلك قطعتهم أرحامكم" ٣. فالحث النبوي على الاستئذان قبل الدخول إلى البيوت معلَّل بفظ البصر؛ لئلا يقع على عوارت وكرامة وستر من بالداخل. والحث النبوي على منع الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها معلَّل بحفظ الأنساب وسلامتها ودوام صلتها واستمرارها. كما أن السنة نصت تنصيصًا مصرحًا به على تقرير بعض المقاصد الشرعية المعتبرة الأصلية والقطية، من ذلك قول الرسول ﷺ : "لا ضرر وضرار" ٤. وقول الرسول ﷺ : "إن هذا الدين يُسر" ٥.

стр. 26

صلة المقاصد بالإجماع: الإجماع: هو اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على حُكم قضية من القضايا بعد وفاة النبي ﷺ . وهو المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة، ويعد الإجماع مصدرًا لثبوت كثير من المقاصد الشرعية؛ وذلك من خلال: ١- الاتفاق على بعض العلل والحِكَم الجزئية على نحو: علة الصِّغَر الموجب للولاية في الأموال، والولاية في التزويج، أي أن الصغير يتولى وليه التصرف في أمواله وفي تزويجه، وحكمة ذلك جلب مصلحته ودرء مفسدة سوء تصرفه. ومثال ذلك: اتفاق المجتهدين على أن الغضب المؤدي إلى تشويش الذهن واضطراب النفس، وعدم التثبت في أدلة المختصمين؛ فإن ذلك الغضب يمنع قضاء القاضي؛ لأجل مصلة المتقاضين ونفي الظلم عنهم. ٢- الاتفاق على المقاصد والحِكَم والغايات الشرعية الثابتة في القرآن والسنة.

стр. 27

صلة المقاصد بالقياس: القياس: هو إلحاق نازلة حُكم عليها، بنازلة لها حُكمها؛ لاشتراكهما في علة الحُكم. ومثال ذلك: تحريم نبيذ الشعير قياسًا على الخمر؛ لاشتراكهما في علة الإسكار، ويكون البيان كالآتي: المثال الأول: الأصل: الخمر. الفرع: نبيذ الشعير. العلة: الإسكار. الحكم: التحريم. المقصد: حفظ العقل والمال. المثال الثاني: الأصل: لحم الخنزير. الفرع: شحم الخنزير. العلة: القذارة والنجاسة. الحكم: التحريم. المقصد: الامتثال إلى الله، وتجنب الخبائث، وصيانة النفس وحفظها من تناول النجاسة ولحوق الأضرار. المثال الثالث: الأصل: البكر الصغيرة.

стр. 28

الفرع: الثيب الصغيرة. العلة: الصغر. الحكم: وجوب الولاية في التزويج. المقصد: حفظ كرامة المرأة وصيانة مصلحتها؛ كي لا تضع نفسها في سوء الاختيار. المثال الرابع: الأصل: القضاء في أثناء الغضب. الفرع: القضاء في أثناء الجوع الشديد. العلة: تشويش الذهن. الحكم: المنع. المقصد: حفظ حقوق المتخاصمين، وتحقيق العد بينهم بالانتباه والتثبت في أدلتهم واحتجاجاتهم. المثال الخامس: الأصل: الذهب والفضة. الفرع: الأوراق المالية والنقود المعدنية. العلة: الثَمَنِيَّةُ: أي أنهما تقوم بهما الممتلكات، وتضمن بهما المتلفات. الحكم: تحريم التفاضل بينهما عند التبادل، واشتراط التسليم الفوري لكليهما. المقصدك حفظ المال، ومنع أخذه بغير وجه حق، والمحافظة على القيمة الثَمِنَيَّةُ للذهب والفضة في حكمها.

стр. 29

صلة المقاصد بالأدلة المختلف فيها: ١- علاقة الأدلة بالمصلحة المرسلة: المصلحة المرسلة: هي المصلحة المسكوت عنها التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها، وهي حجة عند جمهور العلماء والأصوليين إذا تلائمت مع الأدلة والمقاصد الشرعية. أمثلتها: ١- جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر ﵁؛ لمصلحة حفظه من الضياع والاندثار بعد تفرق القُرَّاء وموتهم؛ فهذه المصلحة ليس لها دليل شرعي ينص عليها باعتبارها وإقرارها، أو إلغائها وإبعادها، وكل ما في الأمر أن هناك أدلة وقواعد شرعية وإجمالية، تدعو إلى حفظ الدين وحفظ كتابه تعالى. ٢- الاستعانة بالمضخمات الصوتية وبوسائل التكنولوجيا المعاصرة في الأذان والصلوات والجمعات وخطب العيدين وعرفات ومناسك الحج والعمرة والتراويح؛ فهذه الوسائل المعاصرة مفضية إلى تحقيق مصالح كثيرة منها إذاعة القرآن الكريم والآذان وإسماع جميع الناس وحسن إفادتهم بالعلم النافع وغير ذلك، ومع أن مكبرات ومضخمات الصوت لم ينص عليها القرآن ولا في السنة، ولم توجد في عهد السلف والا في عصر الخلف؛ وإنما وجدت ما يؤيدها في دين الله من حيث كونها خادمة لمشروعية ما بثته وأذاعته. ٣- تسجيل العقود وتوثيقها في الدوائر الحكومية والقضائية والإدارية معلَّل

стр. 30

بمصلحة حفظ الحقوق وضمانها؛ ولا سيما في عصرنا الحاضر الذي تكاثرت فيه القضايا وتشعبت في المعاملات وكثرت فيه الحيل وقلَّت فيه الأمانات؛ الأمر الذي أوجب توثيق عقود الأنكحة وغيرها، وما يترتب عليها من نسب ونفقة وحضانة ومهور ومسؤوليات قانونية وأدبية وتربوية وغير ذلك. وهذا التصرف المتعلق بلزوم التوثيق والتسجيل لدى الدوائر الحكومية لم يُنْص عليه صراحة؛ وإنما دعت إليه الأدلة القواعد والمقاصد الشرعية وذلك من خلال الدعوة إلى أداء الحقوق وحفظ الأمانات ومنع التعدي على الغير.

стр. 31

العلاقة بين المقاصد والمصالح المرسلة: يتبين مما ذكرنا أن المصالح المرسلة التي سكت عنها الشارع، والتي تتوافق مع الأدلة والقواعد والضوابط الشرعية؛ إنما هي صميم مقاصد الشريعة ومراد الشارع. فمصلحة حفظ القرآن بتدوينه، ومصلحة إذاعة الآذان والقرآن والصلوات والخطب والتراويح بالاستعانة بالوسائل العصرية، وحفظ الناس وصيانة أعراضهم وأموالهم وأنفسهم؛ فكل تلك المصالح هي مقصودة للشارع ومرادة له، على الرغم من أنها تثبت عن طريق استخدام المصلحة المرسلة.

стр. 32

صلة المقاصد بالاستحسان: الاستحسان لغة: عَدُّ الشيء حسنًا، أو العم بالأحسن والأفضل. والاستحسان شرعًا: بحُكْم المسألة عن نظائرها لدليل خاص. وهو حجة عند جمهور العلماء إذا توافرت فيه شروطه وضوابطه.

стр. 33

أمثلته: ١- النظر إلى المخطوبة جائز وهو مستنثى من عموم تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية؛ فهناك دليلان شرعيان: أحدهما يمنع النظر إلى المرأة عمومًا ومطلقًا، وثانيهما يبيح النظر إلى المرأة عند الخِطبة؛ لقول الرسول ﷺ : "اذهب فانظر لا فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" ١، وقد علل الاستثناء بمصلحة دوام العِشْرة الزوجية لحصول الارتياح والاطمئنان لهذا التقارب في الملامح والصفات والقناعات والتصورات والمواقف من قضايا الحياة ورسالة الاستخلاف والامتثال والتدين. ٢- أجرة الفنادق، وهي معاملة تقوم على أن يعطي النزيل مبلغًا ماليًا محددًا ١٠٠ ريال سعودي أو ٢٠ دينار تونسي مقابل استهلاكه لطعامه وشرابه واستحمامه ومبيته وتشغيل الكهرباء، وهذا الاستهلاك غير معلوم أثناء الاتفاق؛ إذ النفوس تتفاوت في مقادير الأكل والشرب والاستحمام، وقد تقرر أن العلم بالثمن ومقدار ما يقابله من أكل وخدمات وأمتعة يعد من شروط التعامل يبين الناس؛ لأن العقد يقوم على العلم بالثمن والمثمن وعلى نفي الجهالة والغرر. لكن النظر الدقيق لمثال أجرة الفنادق يفيد بأن علة مجهولية ما يقابل الثمن منتفية غير موجودة؛ ولذلك فلا تلحق بالمعاملات المجهولة من حيث منعها وعدم جواز العمل بها. ودليل انتفائها كون الغالب في النزلاء نهم لا يتجاوزون حدًا أقصى في الاستهلاك، وأن هذا الحد وإن صل من قبل النزلاء؛ فإنه لا يفضي إلى الضرر بصاحب الفندق، ولا يوقعه في غرر ولا جهالة ولا منازعة ولا اختلاف.

стр. 34

صلة المقاصد بقول الصحابي: الصحابة ﵃ هم من صحبوا الرسول ﷺ وعاصروه ولازموه وأخذوا منه سننه وتعاليمه وأسرار وأحكام الوحي الذي أنزل الله عليه. وقد شهد لهم الوحي الكريم بصدقهم وصلاحهم، وأفضليتهم في تبليغ الشرع وبيان أحوال التشريع ومقاصده وحكمه، إذ أنهم أعرف الناس بعد الرسول ﷺ بأسباب النزول ومناسباته، وبأحكام الحلال والحرام، وبغايات الدين، ومقاصد الشريعة، ومصالح العباد. الصلة بين المقاصد وقول الصحابي: الصلة بين المقاصد وقول الصحابي تكمن في أن أقوال الصحابة وفتاواهم وأقضيتهم قد تضمنت اعتبار المقاصد ومراعاتها؛ سواء بما صرحوا به من وجوب الالتفات إلى هذه المقاصد والعمل بها، أو باتفاقهم على المقاصد المختلفة التي نطق بها القرآن الكريم، أو التي بينتها سنة الرسول ﷺ قولًا وفعلًا وتقريرًا. خلاصة صلة المقاصد بالأدلة: يتبين مما ذكرنا آنفًا أن مقاصد الشريعة ليست دليلًا مستقلًا عن الأدلة الشرعية؛ بل هي تابعة لتلك الأدلة ومتفرعة عنها ومتولدة منها؛ فالعلاقة بينهما علاقة تبعية وتضمين وليست علاقة استقلال وتفرد.

стр. 35

الأدلة على تبعية المقاصد للأدلة الشرعية وعدم استقلالها عنها ... الأدلة على تبيعية المقاصد للأدلة الشرعية وعدم استقلالها عنها: ١- وجه تسمية المقاصد بمقاصد الشريعة دليل على أنها مأخوذة من أدلة الشريعة ومصادرها ونصوصها. ٢- مقاصد الشريعة هي مراد الشارع ومقصوده، وهذا المراد يُعلم من كلام الشارع وأحكامهه ولا يُعلم من غيره؛ فقولنا: مراد زيد كذا، يُعَرف من خلال كلامه وألفاظه، وعليه فإن المقاصد تُعْلَم من كلام الله تعالى، وتثبت بوحيه الكريم وسنة نبيه ﷺ . ٣- الإجماع والاتفاق الصادر من السلف والخلف في جميع العصو دل على شرعية المقاصد؛ وذلك من خلال ما أثبتوه واتفقوا عله إزاء كثير من المقاصد المقررة والمعتبرة، والتي استخلصوها من أدلة الشرع وأحكامه. ٤- استقراء وتتبع التاريخ دل على كون المقاصد مبنية على الشرع وليست مستقلة عنه؛ وذلك من خلال ثبوت المقاصد ودوامها وبقائها على مر العصور؛ إذ لو كانت مخالفة للفطرة الإنسانية لا بقيت ودامت، وبقاؤها ودوامها دليلٌ على أنها موضوعة من قبل الحكيم الخبير الذي يعلم ما يصلح للناس وينفعهم؛ إذ لو كانت موضوعة من قبل الإنسان، أو بضغط الواقع، أو بإملاء العقول والأهواء، لَمَا استمرت على ثباتها ودوامها والاضطربت واختلفت لاختلاف العقول والشهوات ولاضطراب الميول والنزوات؛ إذ العقول والأهواء تختلف في نظرتها إلى المصالح والمنافع باختلاف الظروف والبيئات؛ بل إن العقل الواحد

стр. 36

تختلف نظرته إلى المصلحة باختلاف اللحظة والأخرى؛ فما يراه العقل مصلحة حاليًا يراه مفسدة بعد حين. تبعية المقاصد للأدلة لا تنفي مصالح الإنسان: القول بأن المقاصد تابعة للأدلة لا تعني البتة إلغاء المصالح الإنسانية أو استعباد منافع البشر وخيرهم ولذتهم ومتعتهم؛ وإنما تعني تحقيق المصالح الحقيقية التي انطوى عليها التشريع؛ فإن المصالح لو تركت للأهواء والنزوات لاضطراب نظام الحياة، ولوصل الناس إلى فتن لا تحصى ومصائب لا تعد؛ وذلك لاختلافهم في الميولات والرغاب وتضارب آرائهم واتجاهاتهم في المنافع والمصالح؛ لذلك حدد الشارع مصالح الخلق وفق نظام مُحَكم وميزان مضبوط يراعي تقديم المصالح الحقيقية على المصالح الخيالية، وتقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، وتقديم المصالح الكلية والقطعية على المصالح الجزئية والظنية أو الاحتمالية، وتقديم مصالح الجسد والروح والدنيا والآخرة على مصالح الجسد فقط، أو مصالح الدنا فقط.

стр. 37

المبحث الخامس: تعليل الأحكام الشرعية المطلب الأول: معنى التعليل وأدلته: الشريعة الإسلامية معللة بحكم مقصودة ومصالح محمودة؛ فقد جاءت لتحقيق عبادة الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإصلاحهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة، وهذا القول هو قول جمهور العلماء والفقهاء والأصولييين والمحدثين والمفسرين والمتكلمين والفلاسفة وغيرهم. وهذه الحكم يحبها الله ويرضها، وهي مصالح تعود إلى العباد، ويتنعمون ويتلذذون بها. أدلة القول بتعليل الأحكام: ١- الأدلة من القرآن الكريم: القرآن الكريم كما ذكرنا هو المصدر التشريعي الأول للأحكام ومقاصدها، وقد دل على كثير من العلل والحِكم التي أنيطت بأحكامها. وبيان ذلك فيما يلي:- أ- التنصيص على حكمة إنزال القرآن وبعثة الرسل، وبيان الأحكام والشرائع، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢.

стр. 38

ب- قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ ٣. ج- قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤؛ فقد علل الصوم لتحصيل التقوى والوقاية من الآثام والعيوب الصحية والنفسية. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ٥؛ فقد علل وجوب الاعتزال لكونه أذى وإذاية. ٢- الأدلة على السنة النبوية: السنة هي المصدر التشريعي الثاني للأحكام ومقاصدها وحكمها، قد دلت على كثير من المقاصد والحِكم والإسرار المختلفة، وبيان ذلك فيما يلي: ١- التنصيص على كثير من المقاصد الجزئية والحكم الخاصة، ومثل: قوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" ٦. قد شُرِع الاستئذان، وعلل بصيانة عورات الناس وأعراضهم، وقول

стр. 39

الرسول ﷺ عن الهرة: "أنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ١. ٢- إقرار النبي ﷺ للصحابة في إجرائهم القياس، وعملهم بمقصود النصوص ومراداتها، ومثال ذلك: حديث بني قريظة "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ٢؛ فمنهم من فهم أن الرسول ﷺ بقوله ذلك، قد حث الصحابة على الإسراع لإدراك بني قريظة، وليس المراد بالضرورة ألا يُصلي العصر إلى عند الوصول، أما البعض الآخر فقد فهم من الحديث لزوم الصلاة بعد الوصول، وقد أقرَّ النبي كلًا من الفريقين. ٣- الدليل من الإجماع: دل الإجماع واتفاق العلماء والمجتهدين على كون الشريعة مشروعة لمصالح العباد، بلطف من الله وتَفَضُّل وإحسان، كما يقول أهل السنة والسلف، وليس بطريق الوجوب كما يقوله المعتزلة. ٤- الدليل من الاستقراء: الاستقراء معناه تتبع الجزئيات المتشابهة في أمر من الأمور، للوصول إلى تقرير أمرٍ كلي وأصلٍ يجمع كل تلك الجزئيات. فمن نظر في الأحكام الجزئية المتعلقة برخص الصلاة والصوم والسفر

стр. 40

والمرض والمطر ويمكنه تقرير أمر جامع لتلك الأحكام وغيرها، وهذا الأمر هو التخفيف عن المكلّف ورفع الحرج عنه، ومن تتبع أحكام البيع "كمَنْع بيع السمك في الماء" والطير في الهواء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، وما في بطون الأمهات، وما في أعماق البحار وبطون الأرض من كنوز ومعادن؛ فإن الناظر في تلك الأحكام، يتوصل إلى تقرير أمر كلي يتعلق بمنع بيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وعلة ذلك وحكمته إبطال الغرر والضرر والجهالة المفضية إلى أموال الناس بالباطل، والمؤدية إلى حصول التنازع والخصومة. ٥- الدليل من العقل والواقع: شواهد العقل والحَسْن والواقع تدل على أن الأحكام مشروعة لمصالح الناس؛ إذ بقاء الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، مطبقة في كافة الأمصار؛ دليل على انطوائها على مقاصدها وعلى مصالح الناس؛ إذ لو لم تكن كذلك لتركها الناس وجفوها؛ بل يلاحظ على سبيل القطع أنها مستجيبة لفطرهم السليمة وعقولهم السَّويَّة، وحاجياتهم المعقولة.
следующие страницы →