← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7310

علم المقاصد الشرعية

نور الدين الخادمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تختلف نظرته إلى المصلحة باختلاف اللحظة والأخرى؛ فما يراه العقل مصلحة حاليًا يراه مفسدة بعد حين. تبعية المقاصد للأدلة لا تنفي مصالح الإنسان: القول بأن المقاصد تابعة للأدلة لا تعني البتة إلغاء المصالح الإنسانية أو استعباد منافع البشر وخيرهم ولذتهم ومتعتهم؛ وإنما تعني تحقيق المصالح الحقيقية التي انطوى عليها التشريع؛ فإن المصالح لو تركت للأهواء والنزوات لاضطراب نظام الحياة، ولوصل الناس إلى فتن لا تحصى ومصائب لا تعد؛ وذلك لاختلافهم في الميولات والرغاب وتضارب آرائهم واتجاهاتهم في المنافع والمصالح؛ لذلك حدد الشارع مصالح الخلق وفق نظام مُحَكم وميزان مضبوط يراعي تقديم المصالح الحقيقية على المصالح الخيالية، وتقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، وتقديم المصالح الكلية والقطعية على المصالح الجزئية والظنية أو الاحتمالية، وتقديم مصالح الجسد والروح والدنيا والآخرة على مصالح الجسد فقط، أو مصالح الدنا فقط.

стр. 37

المبحث الخامس: تعليل الأحكام الشرعية المطلب الأول: معنى التعليل وأدلته: الشريعة الإسلامية معللة بحكم مقصودة ومصالح محمودة؛ فقد جاءت لتحقيق عبادة الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإصلاحهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة، وهذا القول هو قول جمهور العلماء والفقهاء والأصولييين والمحدثين والمفسرين والمتكلمين والفلاسفة وغيرهم. وهذه الحكم يحبها الله ويرضها، وهي مصالح تعود إلى العباد، ويتنعمون ويتلذذون بها. أدلة القول بتعليل الأحكام: ١- الأدلة من القرآن الكريم: القرآن الكريم كما ذكرنا هو المصدر التشريعي الأول للأحكام ومقاصدها، وقد دل على كثير من العلل والحِكم التي أنيطت بأحكامها. وبيان ذلك فيما يلي:- أ- التنصيص على حكمة إنزال القرآن وبعثة الرسل، وبيان الأحكام والشرائع، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢.

стр. 38

ب- قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ ٣. ج- قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤؛ فقد علل الصوم لتحصيل التقوى والوقاية من الآثام والعيوب الصحية والنفسية. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ٥؛ فقد علل وجوب الاعتزال لكونه أذى وإذاية. ٢- الأدلة على السنة النبوية: السنة هي المصدر التشريعي الثاني للأحكام ومقاصدها وحكمها، قد دلت على كثير من المقاصد والحِكم والإسرار المختلفة، وبيان ذلك فيما يلي: ١- التنصيص على كثير من المقاصد الجزئية والحكم الخاصة، ومثل: قوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" ٦. قد شُرِع الاستئذان، وعلل بصيانة عورات الناس وأعراضهم، وقول

стр. 39

الرسول ﷺ عن الهرة: "أنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ١. ٢- إقرار النبي ﷺ للصحابة في إجرائهم القياس، وعملهم بمقصود النصوص ومراداتها، ومثال ذلك: حديث بني قريظة "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ٢؛ فمنهم من فهم أن الرسول ﷺ بقوله ذلك، قد حث الصحابة على الإسراع لإدراك بني قريظة، وليس المراد بالضرورة ألا يُصلي العصر إلى عند الوصول، أما البعض الآخر فقد فهم من الحديث لزوم الصلاة بعد الوصول، وقد أقرَّ النبي كلًا من الفريقين. ٣- الدليل من الإجماع: دل الإجماع واتفاق العلماء والمجتهدين على كون الشريعة مشروعة لمصالح العباد، بلطف من الله وتَفَضُّل وإحسان، كما يقول أهل السنة والسلف، وليس بطريق الوجوب كما يقوله المعتزلة. ٤- الدليل من الاستقراء: الاستقراء معناه تتبع الجزئيات المتشابهة في أمر من الأمور، للوصول إلى تقرير أمرٍ كلي وأصلٍ يجمع كل تلك الجزئيات. فمن نظر في الأحكام الجزئية المتعلقة برخص الصلاة والصوم والسفر

стр. 40

والمرض والمطر ويمكنه تقرير أمر جامع لتلك الأحكام وغيرها، وهذا الأمر هو التخفيف عن المكلّف ورفع الحرج عنه، ومن تتبع أحكام البيع "كمَنْع بيع السمك في الماء" والطير في الهواء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، وما في بطون الأمهات، وما في أعماق البحار وبطون الأرض من كنوز ومعادن؛ فإن الناظر في تلك الأحكام، يتوصل إلى تقرير أمر كلي يتعلق بمنع بيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وعلة ذلك وحكمته إبطال الغرر والضرر والجهالة المفضية إلى أموال الناس بالباطل، والمؤدية إلى حصول التنازع والخصومة. ٥- الدليل من العقل والواقع: شواهد العقل والحَسْن والواقع تدل على أن الأحكام مشروعة لمصالح الناس؛ إذ بقاء الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، مطبقة في كافة الأمصار؛ دليل على انطوائها على مقاصدها وعلى مصالح الناس؛ إذ لو لم تكن كذلك لتركها الناس وجفوها؛ بل يلاحظ على سبيل القطع أنها مستجيبة لفطرهم السليمة وعقولهم السَّويَّة، وحاجياتهم المعقولة.

стр. 41

المطلب الثاني: نباء مقاصد الشريعة على القول بتعليل الأحكام ... المطلب الثاني: بناء مقاصد الشريعة على القول بتعليل الأحكام أسهم القول بتعليل الأحكام في قيام علم مقاصد الشريعة، وتدوينه وتأليف متعالقاته ومسائله المختلفة؛ وذلك على نحو تعريفه، وأقسامه وطرق إثباته وأهميته وحجيته وضوابطه وغير ذلك. وقد كان التعليل يشمل بيان العلّة، ومسالك إثباتها، والقياس عليها. وغير ذلك، مما أسهم كما ذكرنا في قيام المقاصد وصياغتها، واعتبارها علمًا قائم الذات، وفنا شرعيًا ينبغي استحضاره في عملية الاجتهاد والاستنباط، ومثال ذلك: حفظ المال وصيانته الذي ثبت باستقراء الأدلة والأحكام الشرعية المتعلقة بالدعوة إلى العمل وإباحة البيع والشراء والإجارة ومن الغش والغرر وبتشريع الحد والضمان وغير ذلك. الخلاصة: إن تعليل الأحكام الشرعية، ودارسة أسرار ومعاني وعلل الأحكام والأدلة والقرائن والمعطيات الشرعية، والنظر في غايات التشريع وأهدافه ومراميه، كل ذلك قد شكل الأساس الضروري لنشوء علم المقاصد وتطوره وصياغته واكتماله.

стр. 42

المطلب الثالث: الاجتهاد في ضوء المقاصد الشرعية المقاصد كما ذكرنا غير مستقلة عن الأدلة. والاجتهاد في ضوئها مشروط بعدم مخالفة الأدلة ومعارضتها، ومن أمثلة الاجتهاد في ضوئها نذكر ما يلي: ١- الاستنساخ البشري محرم ومحظور؛ لأنه معارض لمقصد النفس وحرمة الإنسان وكرامته، ومخالف لطريفة التناسل المعهود منذ بداية خلقه. ٢- قتل المريض الميؤوس من شفائه محرمن لأنه معارض لحفظ النفس، ومُوقْع في القتل بدون سبب أو جناية. ٣- القتل بالمثقَّل يوجب القصاص كـ "القتل المُحَدَّد"، مراعاة لمقصد حفظ

стр. 43

النفس، وزجرًا للمعتدين؛ إذ لو لم يقتل القتل بالمثل لتذرع الناس بالقتل بالمثقل فرارًا من العقوبة. ٤- تقتل الجماعة بالواحد؛ إذ لو تُركوا لما اعتبروا ولانصرفوا إلى القتل الجماعي دون الفردي فرارًا من القصاص. ٥- المخدرات والمُفَتِّرات محرمة؛ لأنها مثل المسكرت في ذهاب العقل وضياع المال وفساد الأخلاق. ٦- الغضب يمنع القاضي من القضاء والحكم على المتخاصمين؛ لقول ﷺ : "لا يقضي القاضي وهو غضبان" ١. ويلحق به الجوع الشديد، ومدافعة الأخبثين؛ مراعاة لمصلحة حفظ حقوق المتقاضين، ونفي الظلم عنهم، والتأكد من أدلتهم وأجوابتهم. ٧- البيع على اليبع محرم، وكذلك الخطبة على الخطبة، ويلحق بهما الإيجار على الإيجار، والحكمة هي من التنافر والاختصام والتباغض والتقاطع بين الناس. ٨- العمارت المؤجرة للسكن تقاس بالأراضي الزراعية في وجوب الزكاة، والمصلحة هي تحقيق العدل بين أصحاب الثروات المختلفة؛ إذ لا يليق أن يؤُمر بالزكاة صاحب الأرض الزراعية، ويترك صاحب العمارات الشاهقة التي تُدخل لصاحبها أضعاف ما تُدخله الأرض الزراعية. والأمثلة على ذلك كثيرة، ونُذكّر بأن الاجتهاد في ضوء المقاصد الشرعية ينبغي أن لا يصادم الأدلة والقواعد والضوابط الشرعية المعتبرة، بناء عى ما ذكرنا من أن المقاصد تابعة للشرع وليست مستقلة عنه.

стр. 44

المبحث السادس: فوائد مقاصد الشريعة لدراسة المقاصد وبحثها فوائد وأغراض كثيرة نذكر منها: ١- إبراز علل التشريع وحكمه وأغراضه ومراميه الجزئية والكلية، العامة والخاصة، وفي شتى مجالات الحياة، وفي مختلف أبواب الشريعة. ٢ تمكين الفقيه من الاستنباط في ضوء المقصد الذي سيعينه على فهم الحكم وتحديده وتطبيقه١. ٣- إثراء المباحث الأصولية ذات الصلة بالمقاصد، على نحو المصالح والقياس والعر والقواعد، والذرائع وغيرها٢. ٤- التقليل من الاختلاف والنزاع الفقهي، والتعصب المذهبي، وذلك باعتماد علم المقاصد في عملية بناء الحكم، وتنسيق الآراء المختلفة، ودرء التعارض بينها. ٥- التوفيق بين خاصتي الأخذ بظاهر النص، والالتفات إلى روحه ومدلوله، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض٣. ٦- عون المكلف على القيام بالتكليف والامتثال على أحسن الوجوه وأتمهما؛ ذلك أن المكلف إذا علم مثلًا أن المقصد من الحج والتأدب الكامل مع

стр. 45

الناس، والتحلي بأخلاق الإسلام العليا؛ فإنه إذا علم ذلك فسيعمل جاهدًا ومجتهدًا قصد تحصيل تلك المرتبة العليا، التي تجعل صاحبها عائدًا بعد حجه كيوم ولدته أمه. ٧- عون الخطيب، والداعية، والمدرس، والقاضي، والمفتي، والمرشدون، والحاكم، وغيرهم على أداء وظائفهم وأعمالهم على وفق مراد الشارع ومقصود الأمر والنهي، وليس على وفق حرفيات النصوص، وظواهر الخطاب، ومباني الألفاظ.

стр. 46

المبحث السابع: تاريخ البحث في المقاصد الشرعية المطلب الأول: نشأة المقاصد الشرعية نشأت المقاصد الشرعية مع نشأة الأحكام الشرعية نفسها، أي أن المقاصد كانت بدايتها مع بداية نزول الوحي الكريم على الرسول ﷺ ؛ فقد كانت مبثوثة في نصوص الكتاب والسنة، ومتضمنة في أحكامها وتعاليمها بتفاوت من حيث التصريح بها، أو الإيماء والإشارة إليها؛ غير أن تلك المقاصد لم تكن لتحظى بالإبراز والإظهار على مستوى التأليف والتدوين، وعلى مستوى جعلها علمًا لقبيًّا واصطلاحًا له دلالاته وحقائقه ومناهجه؛ بل كانت معلومات ومقررات شرعية مركوزة في الأذهان، ويستحضرها السلف في إفهامهم واجتهادهم وأقضيتهم. ومن أجلى وأوضح الأدلة على أن المقاصد الشرعية بدأت مع نزل الوحي الكريم. ١- البعثة النبوية نفسها التي عُللت بكونها رحمة وخيرًا وصلاحًا للناس أجمعين، فقد قال الله تعالى في شأن بعثة الرسول ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١. ٢- القرآن الكريم ذاته، والذي كان مقصده الشرعي الأكبر يتمثل في هداية الناس أجمعين لأقوم المناهج، وأفضل أحوال المعاش والمعادن وأحسن

стр. 47

الخواتم والموازين قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١. ٣- الوحي كله "الكتاب والسنة" "المتلو والمروي"، والذي كان مقصده الأعلى إحياء النفوس في الحياة الحقيقية في الدَّارين أي إحياؤها في الدنيا بأداء واجب الامتثال والتعبد والتدين، وإحياؤها في الآخرة بتحصيل مرضاة الله والفوز بجناته وخيراته قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٢.

стр. 48

المطلب الثاني: تطور المقاصد الشرعية شهدت المقاصد الشرعية بعد عصر النبوة وعصر السلف الصالح وعلى مر تاريخ الفقه الإسلامي تطورًا متزايدًا واهتمامًا ملحوظًا، ويمكن إيراد ذلك فيما يلي: المقاصد في عهد الصحابة والتابعين: المقاصد في عهدهم تمثلت في دعوتهم إلى إعمال القياس والرأي والتعليل والتفاهم إلى الأعراف والمصالح وتقرير كثير من الأحكام بموجبها ومقتضاها. قال الإمام أحمد: "الصحابة كانوا يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم، وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأي ويحتجون بالقياس"٣ ويذكر الإمام أحمد أن ذلك العمل بالرأي القياس

стр. 49

يعد من قبيل العمل بالمقاصد فيقول: "وهما من باب فهم مراد الشارع"١. وشواهد ذلك كثيرة جدًّا: ومن قبيلها نجد: جمع القرآن، وتقسم الغنائم، وصلاة التراويح، والطلاق الثلاث، وتضمين الصناع، والاجتماع لصلاة التراويح، وعدم إقامة حد السرقة عام المجاعة، وقتل الجماعة بالواحد، وتدوين الدواوين، ووضع السجلات، وغير ذلك٢. المقاصد في عهد كبار الأئمة: يروى أن إبراهيم النخعي كان من أصحاب الرأي، وكان يُكثر من استعمال القياس والتعليل، وكان يقول: "إن أحكام الله تعالى لها غايات هي حكم ومصالح راجعة إلينا"٣، كما عُرف الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة بالنظر المقاصدي والاجتهاد المصلحي الأصيل، مع التفاوت الملحوظ من حيث درجة الاعتداد بالمقاصد والتعويل عليها٤، ويتجلى ذلك في أصولهم الاجتهادية ذات الصلة بالمقاصد، على نحو: الاستطلاح والاستحسان والقياس ومسائل التعليل والمناسبة والعرف وسد الذرائع وغير ذلك.

стр. 50

المقاصد عند بعض الأعلام: اهتم بعض الأعلام في آثارهم بالمقاصد ومن هؤلاء نذكر: - الأبهري "توفي ٢٧٥هـ"، والباقلاني "توفي ٤٤٣هـ"، والترمذي "توفي ٢٧٩هـ" الذين دارت بعض آثارهم حول التعليل والأسرار والحكم الفقهية ومحاسن الشريعة وخصائها١. - الجويني "توفي ٤٧٨هـ" الذي استعمل كثيرًا لفظ المقاصد، والغرض، والقصد، والكليات الخمس٢. - الغزالي "توفي ٥٠٥هـ" والذي تناول الكليات الضرورية والاستصلاح٣. - الآمدي "توفي ٦٣١هـ" والذي أدخل في المقاصد باب الترجيحات، ولا سيما بين الأقيسة المتعارضة، وبين مراتب المقاصد نفسها٤. - البضاوي "توفي ٦٨٥هـ" والإسنوي "توفي ٧٧٢هـ" الّذَيْنِ كتبا في الضروريات الخمس٥. - القرافي الذي أطنب في ذكر القواعد الفقهية، وأنواع التصرفات النبوية، ودلالاتها على الأحكام والمقاصد٦. وعلى العموم فقد التفت كثير من المجتهدين خلال عصور مختلفة إلى

стр. 51

أمر المقاصد وسائر معلوماتها في أثناء العملية الاجتهادية انطلاقًا من طبيعة النصوص وأحوال الحياة الداعية إلى وجوب الاعتداد بالمصالح جلبًا والمفاسد دَفعًا، وإلى ضرورة الالتفات إلى معاني النصوص ومراميها وغاياتها١. بعض العلماء الذين اشتهروا بدراسة مقاصد التشريع: هذا المطلب أوردناه على سبيل الذَّكر وليس الحصر، وإلا فالعلماء قد تكلموا قديمًا وحديثًا عن المقاصد، وبينوها بتفاوت ملحوظ من حيث العمق والتصريح والإسهاب والتفصيل. أفردنا بعض الأعلام بالذكر لدورهم في إحداث الإضافة النوعية في مجال المقاصد ولكونهم قد اشتهروا بين أهل العلم بهذا الأمر. ومن هؤلاء: ١- العز بن عبد السلام من خلال كتابه: "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"٢. ٢ - الشاطبي من خلال "الموافقات" الذي عُدَّ به مبتدع علم المقاصد، ومؤسس عمارته الكبرى، ومرجع كل مشتغل بهذا الفن٣.

стр. 52

ابن عاشور من خلال كتابه "مقاصد الشريعة"١، الذي ضمنَّه الدعوة الجادة إلى تدوين علم المقاصد الضروري في العملية الاجتهادية بأسرها، تأسيسًا وتأويلًا، وحسمًا للخلاف، وترجيحًا عند التعارض، وتنظيرًا لقيام النهضة التشريعية العامة٢. وقد أخذت المقاصد خلال العصور الفقهية المختلفة في التشكل والظهور على مستوى التدوين والتأليف -ومرحلة الإفراد في التأليف. مرحلة الإدماج في التأليف: معناه: جعل المقاصد مدوَّنة ومؤلفَّة في مباحث وفنون شرعية أخرى كمبحث أصول الفقه والفقه، والتفسير، وغير ذلك. وقد تجلت هذه المرحلة خلال القرون "الثالث والرابع والخامس والسادس"، مع الجويني والغزالي والرازي، والآمدي وابن الحاجب وابن العربي والمازري وابن رشد الجدّ والحفيد وغيرهم؛ فقد كان العلماء يذكرون بعض المباحث والمتعلقات المقاصدية في كتبهم الأصولية والفقهية والتفسيرية وغيرها. ومن قبيل ذلك: - استعمالهم لعبارات وكلمات وألفاظ تطلق على المقاصد، وعلى بعض متعلقاتها ومسائلها، على نحو: الحكمة، والعلة، والمَصْلَحَة، والمفسدة، ومقصود الشارع ومراده، وغايته، وأسرار الشرع، ومعانيه.

стр. 53

ونفي الضرر، ودفع الأذى، وإزالة المشقة، ومنع التعنت والتشدد، والمبالغة، والتعمق، والحث على التيسير والتخفيف ورفع الحرج، وتأكيد الخاصيات الإسلامية الكبرى على نحو: العالمية، والوسطية، والسماحة، والاتزان، والاعتدال، الشمول، والعموم، والواقعية. - بيانهم للمقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية، وتفصيلهم للكليات الضرورية الخمس "حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال". - بيانهم لمبحث تعليل الأحكام والأفعال؛ سواء في مبحث المقدمات الأصولية والتحسين والتقبيح، أو في مبحث الحكم والوضعي فيما يتلعق بحقيقة السبب باعتباره قسمًا لأقسام الحكم الوضعي، وما يتصل به من بيان علاقاته بالعلة والحكمة، وهل الأحكام تُعلَّل بأسبابها وبعللها الظاهرة والمنضبطة؟ أم بحكمها المرتبة عليه من جلب المنافع والمصالح ودفع الأضرار والمفاسد؟ أو في مبحث القياس ومسائل إثبات العلل المتصلة بالنص والإجماع والاستنباط، ولا سيما المتصلة بمبحث المناسبة١ التي تفرعت عنه مباحث المقاصد ومعلوماتها ومشتملاتها. إذ المناسبة كما يعرفها العلماء الأصوليون ليست سواء إثبات كون الوصف الفلاني علة للحكم الفلاني؛ لما يترتب على ذلك الحكم من مقصود شرعي بجلب منفعة أو درء مفسدة.

стр. 54

ثم إن الأوصاف الثابتة منها ما هو مقبول ومعتبر، ومنها ما هو مردود وملغي، ومنها ما هو مرسل ومسكوت عنه ينبغي أن يُنظر في حُكمه وحجته لكي يحكم عليه بالقبول أو بالرد والإلغاء. فما كان مقبولا سُمِّي وصفًا معتبرًا يجب أن يترتب عليه حكمه الشرعي، وينبغي أن تعتبر مقاصد المبنية عليه. وما كان ملغيًا ومردودًا وجب تركه واجتنابه، وترك مقاصده، ومصالحه التي تسمى بالمقاصد الملغاة والمردودة، أو المصالح الملغاة والوهمية والمرجوة والمغلوبة. وما كان مرسلًا أو مسكوتا عنه١ يُنظر فيه ليلحق بالمقبول والمعتبر إذا كان ملائمًا للشرع وموافقًا له، أو يلحق بالمردود والملغي؛ إذ كان معارضًا للشرع ومناقضًا له. الخلاصة: الخلاصة من كل ما ذكرنه أن مباحث المقاصد كانت مبثوثة في كتب الأصول والفروع وغيرها، ولم تكن لتفرد بالتأليف في مؤلفات خاصة بها، على غرار ما جاء في كتب المتأخرين، ولا سيما مع الإمام الشاطبي الذي أفرد المقاصد بتأليف كبير خاص ومستقل ومفصل، ولم يُسبق فيه من قبل غيره من كبار العلماء والأصوليين.

стр. 55

مرحلة إفراد المقاصد بالتأليف: تجلت هذه المرحلة خصوصًا مع الإمام الشاطبي الذي ألَّف كتابه الشهير "الموافقات في أصول الشريعة" والذي خصه لبحث تفاصيل وخبايا المقاصد وخفاياها ومتعلقاتها بأسلوب دقيق وعلم غزير، وإحاطة شاملة وتدليل مسهب، وتعليل مطنب، وتمثيل مكثر، وعمق -قل نظيره- في أحوال النفس الباطنة، وأسرار التشريع الخفية والظاهرة، ومراد الشارع الحكيم ومقصوده، وغير ذلك مما يدل على جدارة الكتاب بالعناية والاهتمام، واستفادة وإفادة. كما تجلت هذه المرحلة مع العز بن عبد السلام الشافعي في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام. وتجلت كذلك في الدراسات والبحوث المعاصرة؛ حيث تعاقب الباحثون والعلماء المحدثون على تدوين علم مقاصد التشريع وتأليفه في بحوث خاصة وعامة.

стр. 56

المطلب الثالث: مظان مقاصد الشريعة ... المطلب الثالث: مظان مقاصد التشريعة المباحث التي يمكن أن تشكل مادة للمقاصد ومحتوى لعناصره ومكوناتها، يجوز إيرادها فيما يلي: ١- مباحث القياس١.

стр. 57

٢- مباحث الاستحسان. ٣- مباحث المصلحة المرسلة. ٤- مباحث العرف. ٥- مباحث الذرائع سدًّا وفتحًا. ٦- مباحث الأحكام الشرعية "العلل، والحسن والقبح شروط التكليف". ٧- مباحث القواعد الشرعية١. ٨- مباحث السياسية الشرعية.

стр. 58

٩- مباحث نصوص الأحكام. "آيات وأحاديث الأحكام". ١٠- مباحث التعارض والترجيح -بالمقصد. ١١- مباحث الخلاف الفقهي. ١٢- مباحث مفاهيم الموافقة والمخالفة. ١٣- مباحث الدراسات الإسلامية المعاصرة، والتي تتعلق أساسًا بإبراز الأهداف والخصائص والقيم الإسلامية العامة. ١٤- مباحث الدراسات الشرعية والقانونية والفكرية ذات الصلة بالمقاصد والمصالح الشرعية. والخلاصة: إن مظان المقاصد: هي جملة المباحث العلمية الأصولية والدراسات الشرعية الإسلامية، التي تتضمن معلومات وبيانات لها اتصال مباشر أو غير مباشر بموضوع المقاصد الشرعية، ومن تلك المباحث والدراسات الشرعية الإسلامية إجمالًا -وكما ذكرنا ذلك قل قليل: مباحث التفسير، والفقه، والحديث وعُلومه، والسياسة الشرعية، ومباحث القياس والمصلحة المرسلة والاستحسان، وسد الذرائع، والعرف وحكمه والأحكام ومشروعيتها وعللها، وغير ذلك مما أسهم في بناء علم المقاصد وصياغته.

стр. 59

المطلب الرابع: أهم المؤلفات في مقاصد الشريعة من المؤلفات والكتب التي تناولت دراسة مقاصد الشريعة، نذكر ما يلي: ١- الموافقات في أصول الشريعة: أبو إسحاق الشاطبي. ٢- قواعد الأحكام في مصالح الأنام: عز الدين بن عبد السلام. ٣- مقاصد الشريعة الإسلامية: محمد طاهر بن عاشور. ٤- مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: علال الفاسي. ٥- ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: محمد سعيد رمضان البوطي. ٦- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: أحمد الريسوني. ٧- نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: حسين حامد حسان. ٨- الشاطبي ومقاصد الشريعة: حمادي العبيدي. ٩- الاجتهاد المقاصدي "حجيته ضوابطه مجالاته": لنور الدين مختار الخادمي. ١٠- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية: يوسف حامد العالم. ١١- المقاصد وعلاقتها بالأدلة الشرعية: محمد سعد اليوبي. ١٢- قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية: مصطفى بن كرامة الله مخدوم. ١٣- المختصر الوجيز في مقاصد الشريعة: عوض بن محمد القرني.

стр. 60

المبحث الثامن: طرق إثبات مقاصد الشريعة المطلب الأول: الاستنباط المباشر من القرآن والسنة ... المبحث الثامن: طرق إثبات مقاصد الشريعة يصطلح على تسمية هذا المبحث بمسالك الكشف عن المقاصد، أو سبل ثبات المقاصد، أو طرق كشف وتعيين المقاصد، وغير ذلك١. ويمكن أن نورد بيان تلك المسالك ضمن مسلكين كبيرين، على ضوء ما قرره بالخصوص كل من الشاطبي وابن عاشور٢. المطلب الأول: الاستنباط المباشر من القرآن والسنة سواء من خلال مجرد الأمر والنهي الابتدائين التصريحيين٣، أو من خلال اعتبار علل الأمر والنهي٤. ومثال الأمر والنهي: أمره تعالى بالصلاة والزكاة والحج وإقامة العدل والإحسان والشورى....، ونهيه عن الفواحش والمعاصي والمحرمات..، وكل تلك الأوامر مُعللة بحكم ومقاصد جلب الخير والنفع للإنسان، ودفع الشر والضرر عنه.

стр. 61

فَيُفهم من الأمر الشرعي أن مقصود الشارع، ومراده يتمثل في القيام بالمأمور به، وكذلك يُفهم من النهي الشرعي أن المقصود منه هو تجنب المنهي عنه وتركه والابتعاد عنه؛ فالأمر والنهي هما الطريق الأول لمعرفة المقاصد الشرعية وإثباتها وتقريرها. أو من خلال النصوص التقريرية١. ومثال النصوص التقريرية: جملة الآيات والأحاديث التي أقرت كثيرًا من المقاصد والمصالح، كمقصد رفع الحرج الذي أقرته الآية الكريمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، ومقصد مراعاة التيسير والتخفيف والذي أقرته الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣. وكمقصد العدل والحرية الثابت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ٥. أو من خلال تتبع الأدلة الواردة حول علة واحدة، ومثالها: النهي عن الاحتكار، وعن بيع الطعام قبل قبضه، وعن بيع الطعام بالطعام نسيئة، وكل ذلك قد أفاد مقصد تيسير رواج الطعام وتحصيله٦، أو من خلال تتبع السكوت النبوي الوارد في موضع الحاجة إلى البيان الشرعي، فيدل ذلك السكوت على أن المقصد في عدم النطق بالحكم وليس بالتصريح به، ومثاله سجود الشكر٧، أو من خلال تتبع اجتهادات السلف٨.

стр. 62

المطلب الثاني: الاستخراج من المقاصد الأصلية والتابعة المقاصد الأصلية: هي المقاصد التي شُرعت ابتداءً وقُصرت أولًا وأساسًا، ومثالها: التناسل وإعمار الكون، هو المقصد الأصلي للزواج، أما المقاصد التابعة؛ فهي المقاصد التي شُرعت بدرجة ثانية بعد المقاصد الأصلية قصد تقويتها وتأكيدها، ومثالها في الزواج: الاستمتاع بالزوجة، والأنس بالذرية، والتجمل بمال المرأة، وتحقيق الراحة النفسية. ومثال الاستخراج من المقاصد الأصلية: استخراج مقاصد السكن، والأنس بالذرية، والاستمتاع بالزوجة من المقصد الأصلي، والذي هو التناسل. أما الاستخراج من المقاصد الجزئية؛ فهو يتمثل في تتبع العلل الكثيرة الثابتة، والواردة في تحديد حكمة واحدة مشتركة؛ فتكون تلك الحكمة بمثابة المقصد الكلي الأصلي، ومثال ذلك: مقصد الأخوَّة ودوام العشرة، المستخرج من علل النهي عن الخطبة، والسوم على السوم، والنهي عن الوقوع في العرض أو المال أو الكرامة بالغيبة أو النميمة والغصب والتغرير وغير ذلك١.

стр. 63

المبحث التاسع: تقسيمات المقاصد وبيان أنواعها المطلب الأول: مقاصد الشارع ومقاصد المكلف ... المبحث التاسع: تقسيمات المقاصد وبيان أنواعها تتنوع المقاصد تنوعات كثيرة باعتبارات وحيثيات مختلفة؛ فهي باعتبار محل صدورها تنقسم إلى قسمين: المطلب الأول: مقاصد الشارع ومقاصد المكلف أ- مقاصد الشارع: وهي المقاصد التي قصدها الشارع بوضعه الشريعة، وهي تتمثل إجمالا في جلب المصالح ودرء المفاسد في الدارين١. ب- مقاصد المكلف ٢: وهي المقاصد التي يقصدها المكلف في سائر تصرفاته واعتقادًا وقولًا وعملًا، والتي تفرق بين صحة الفعل وفساده، وبين ما هو تعبد وما هو معاملة، وبين ما هو ديانةً وما هو قضاءً، وبين ما هو موافق للمقاصد وما هو مخالف لها.

стр. 64

المطلب الثاني: المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية أ- المقاصد الضرورية: وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدارين، وهي الكليات الخمس: "حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال"١ والتي ثبتت بالاستقراء والتنصيص في كل أمة وملة، وفي كل زمان ومكان. ب- المقاصد الحاجية: وهي التي حتاج إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج والمشقة، ومثاله: التَرخُّص وتناول الطيبات، والتوسع في المعاملات المشروعة، على نحو السلم والمُساقاة وغيرها. ج- المقاصد التحسينية: وهي التي تليق بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، والتي لا يؤدي تركها غالبًا إلى الضيق والمشقة، ومثالها: الطهارة وستر العورة وآداب الأكل وسننه وغير ذلك.

стр. 65

المطلب الثالث: المقاصد العامة والخاصة والجزئية ١- المقاصد العامة: وهي التي تلاحظ في جميع أو أغلب أبواب الشريعة ومجالاتها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها الكبرى١. ٢- المقاصد الخاصة: وهي التي تتعلق باب معين، أو أبواب معينة، وقد ذكر ابن عاشور أن هذه المقاصد هي٢: - مقاصد خاصة بالعائلة. - مقاصد خاصة بالتصرفات المالية. - مقاصد خاصة بالمعاملات المنعقدة على الأبدان -العمل والعمال. - مقاصد خاصة بالقضاء والشهادة. - مقاصد خاصة بالتبرعات. - مقاصد خاصة بالعقوبات.

стр. 66

المطلب الرابع: المقاصد القطعية والظنية والوهمية أ- المقاصد القطعية: وهي التي تواترت على إثباتها طائفة عظمى من الأدلة والنصوص، ومثالها: التيسير، والأمن، وحفظ الأعراض، وصيانة الأموال. ب- المقاصد الظنية: وهي التي تقع دون مرتبة القطع، والتي اختلفت حيالها الأنظار والآراء، ومثالها: مقصد سد ذريعة إفساد العقل، والذي نأخذ منه تحريم القليل من الخمر١، وتحريم النبيذ الذي لا يغلب إفضاؤه إلى الإسكار، فتكون تلك الدلالة دلالة ظنية خفية٢. ج- المقاصد الوهمية: وهي التي يُتخيل أنها صلاح وخير؛ إلا أنها على غير ذلك، وقد اصطلح العلماء على تسميتها بالمصالح المُلْغاة٣.

стр. 67

المطلب الخامس: المقاصد الكلية والبعضية أ- المقاصد الكلية: وهي التي تعود إلى عموم الأمة كافة أو أغلبها، ومثالها: حفظ النظام، وحماية القرآن والسنة من التحريف والتغيير، وتنظيم المعاملات، وبث روح التعاون والتسامح، وتقرير القيم والأخلاق. ب- المقاصد البعضية: وهي العائدة على بعض الناس بالنفع والخير ومثالها: الانتفاع بالبيع، والمهر، والأنس وبالأولاد.

стр. 68

المطلب السادس: المقاصد الأصلية والتابعة أ- المقاصد الأصلية ١: وهي التي ليس فيها حظ للمتكلف، ومثالها: أمور التعبد غالبًا. ب- المقاصد التابعة: وهي التي فيها حظ للمكلف، ومثالها: الزواج والبيع. وسنزيد بيان هذا النوع من المقاصد ضمن الجزء الثاني "المبحث الخامس - المطلب الثالث".

стр. 69

المبحث العاشر: مقاصد الشريعة من وضع الأحكام ابتداء تحقيق المصالح المطلب الأول: بيان هذا المعنى والدليل عليه الأحكام التشريعية منزلة من عند الله ، ومشروعة لتحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة. وهذه المصالح تشمل جلب المنافع ودرء المفاسد؛ إذ لا يخلو حُكم من أحكام الشريعة من حكمة عائدة على الخلف بالخير والنفع وسواءً عُلمت هذه الحكمة أو لم تُعْلَم، وسواءً أُدرِكت فور القيام بالفعل أم تأخرت إلى حين.

стр. 70

المطلب الثاني: أدلة تحقيق المصالح الأدلة على هذا المعنى لا تحصى كثرة، وهي واردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفي إجماع الصحابة والتابعين وسائر الأعلام المجتهدين، كما أنها ثابتة بالاستقراء والتتبع: أي تتبع الأحكام والفروع والأدلة الكلية التي تعاقبت وتوالت على تأكيد أحقية المقاصد الشرعية وتقريرها في الوجود الكوني والإنساني، بجلب النفع والخير، وإبعاد الشر والضرر والفساد. وقد ذكرنا طائفة من الأدلة في مبحث طرق إثبات مقاصد الشريعة، وفي مبحث تعليل الأحكام الشرعية، وفي غير ذلك مما ورد في ثنايا هذا

стр. 71

البحث، ويمكننا إيراد طائفة أخرى من الأدلة على سبيل الاختصار الشديد. ومن تلك الأدلة: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. ٢ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٢. ٣- قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٣. وقوله ﷺ : "إن هذا الدين يُسْر ... " ٤. ومن شواهد كون المصالح الشرعية مقصودة ومرادة من قبل التشريع الأحكام الشرعية نفسها، والفروع الفقهية التي تنطوي على مصالحها ومنافعها العائدة على العباد والخلق أجمعين. ومن تلك المصالح الموجودة في الأحكام: مصلحة البيع في سد الحاجة وتبادل المنافع، ومصلحة الزواج في الاستجابة إلى الفطرة وسد الحاجة الجنسية وتحصيل السكن والمودة والأنس، وكالطهارة في درء الأوساخ والأمراض وجلب الاحترام.

стр. 72

المبحث الحادي عشر: أنواع المقاصد من حيث قوتها في ذاتها النوع الأول: المقاصد الضرورية "تعريفها-أمثلتها-أدلتها " المطلب الأول: تعريف المقاصد الضرورية ... المبحث الحادي عشر: أنواع المقاصد من حيث قوتها في ذاتها تتنوع المقاصد الشرعية بحسب قوتها في ذاتها إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: المقاصد الضرورية. النوع الثاني: المقاصد الحاجية. النوع الثالث: المقاصد التحسينية. النوع الأول: المقاصد الضرورية "تعريفها - أمثلتها- أدلتها" المطلب الأول: تعريف المقاصد الضرورية المقاصد الضرورية: هي المقاصد اللازمة التي لا بد من تحصيلها لكي يقوم صلاح الدين والدنيا، لأجل إسعاد الخلق في الدنيا والآخرة.

стр. 73

المطلب الثاني: أمثلة المقاصد الضرورية للمقاصد الضرورية أمثلة وشواهد كثيرة، مذكورة في كتب الفقه والأصول والمقاصد والقواعد الشرعية ومذكورة فيما يأتي بيانه بعد قليل. ويمكن أن نورد الأمثلة التالية عى سبيل الذكر وليس الحصر: - الأمر بالإيمان الصحيح، والاعتقاد الراسخ والإقرار بمسلِّمات العقيدة وقطعيات الإسلام. - الأمر بالقيام بالفرائض والشعائر التعبدية. - الأمر بإحياء النفوس، ومنع قتلها وتعذيبها، والاقتصاص من القتلة والمحاربين والمفسدين في الأرض. - الحث على التناسل والتوالد بقصد إعمار الكون وإحيائه. - تحريم المسكرات والمخدارت، والحث على القراءة والتأمل والتفكر في الكون ومقاومة الأمية والجهل والسحر والشعوذة والدجل؛ لأجل الحفاظ على العقل ومكانته ودوره ورسالته في فهم الشرع وتطبيقه في الواقع والحياة. - الحث على العمل والإنتاج والسعي؛ لأجل تحصيل القوت، وتبادل المنافع، وسد الحاجات والضرورات والمطالب اللازمة في استقرار الحياة وتواصلها ونمائها.

стр. 74

المطلب الثالث: أدلة المقاصد الضرورية المقاصد الضرورية لازمة وحتمية لكل أمة وملَّة، وقد دلت عليها نصوص كثيرة وأدلة متنوعة، وقد تأكدت وتقررت بمسلك الاستقراء، الذي هو النظر في كل تلك النصوص والأدلة والتأمل في جزئيات الشريعة وأحكامها، بغرض التوصل إلى تقريرها وتثبيتها. فهذه المقاصد إذن قد ثبتت وتقررت بأدلة ونصوص وجزئيات كثيرة جدًّا، ولم تتقرر أو تثبت بدليل واحد، أو عدد قليل من الأدلة والنصوص؛ ولذلك اتسمت بطابع القطع واليقين، وأي أنها اعتبرت مقاصد قطعية ويقينية لا يختلف فيها الناس، ولا تتعدد فيها الأنظار؛ فالخلاصة من كل ما قيل: إن المقاصد الضرورية ثابتة: - بالنصوص الدالة عليه صراحة. - بالاستقراء والنظر في مجموع تلك النصوص، والذي أدى إلى استخلاصها واستنتاجها وتقريرها.

стр. 75

المطلب الرابع: أقسام المقاصد الضرورية وهي خمسة أقسام: المقاصد الضرورية، كما ذكرنا خمسة أقسام تعرف بالكليات الخمس، وهي: "حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال". ١- المقاصد الضرورية لحفظ الدين: حفظ الدين يعد أكبر الكليات الخمس وأرقاها، ومعناه تثبيت أركان الدين وأحكامه في الوجود الإنساني والحياة الكونية، وكذلك العمل على إبعاد ما يخالف دين الله ويعارضه، كالبدع ونشر الكفر، والرذيلة والإلحاد، والتهاون في أداء واجبات التكليف. ومن أجل حفظ الدين شرع الإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، وسائر الأعمال والأقوال التي تحقق الدين في النفوس والحياة، كالأذكار والقربات والوعظ والإرشاد والنصح وبناء المساجد والمدارس، وتبجيل العلماء والمصلحين والدعاة وغير ذلك. ٢- المقاصد الضرورية لحفظ النفس: حفظ النفس هو الكلية المقاصدية الشرعية الثانية، ومعناها: مراعاة حق النفس في الحياة والسلامة والكرامة والعزة قال تعالى:
следующие страницы →