← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7310

علم المقاصد الشرعية

نور الدين الخادمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 176–204 · переход к 181.

стр. 176

إنها تفعل ذلك بغرض تقرير أصلية التبرع في النفوس الإنساية والهياكل والجمعيات والتجمعات، وتحقيق مقاصده وغاياته الإنسانية والتنموية والإنقاذية. وهذا الأمر مشروع في حد ذاته ومرغوب فيه، ويعمق في النفوس والمجتمات أواصر التعاون والتحابب والمواساة؛ شريطة أن يستخدم في أغراضه المشروعة، وأن يصرف في وجوهه المطلوبة، وأن لا يتحول إلى وسيلة لابتزاز أموال الناس والتحايل في أخذها، وإلى أن يتحول نعيم التبرع إلى جحيم البخل، بسبب سوء الاستخدام والتوظيف والتطويع. فنفس المتبرع ترتاح وتطمئن؛ إذ شاهدت تبرعها ساريًا في صنوف الخير، وأنواع المعروف وهو مما يقوي فيها أصلية التبرع وحب الإنفاق والحرص عليه؛ أما إذا لاحظت خلاف ذلك؛ فإنها ترتد إلى نفسها بخلًا وشحًا، وهذا على خلاف مقصود الشارع من تشريع التبرعات، الذي أراد دوام فعلها ودوام آثارها في العاجل والآجل. ثم إن المنطلق العقدي والتعبدي لسلوكية التبرع يزيد في تقويته ودوامه وتأصيله؛ ذلك أن المتبرع يفعل ذلك لوجه الله أولًا، ثم لإعانة أخيه ومساعدته. وهذا ما يجعل التبرع في الإسلام حقيقة ذاتية وسلوكًا إنسانيًا أصيلًا يؤدي بالاختيار والطواعية وطيب النفس، لا ببغضها واشمئزازها، بسبب الإكراه والتحايل والإحراج والتغرير.

стр. 177

المطلب الرابع: مقاصد النكاح النكاح سنة كونية وفطرة إنسانية ومنَّة إلاهية، وله عديد المقاصد والفوائد في الدارين، ومن تلك المقاصد والفوائد نذكر ما يلي: ١- حفظ النسل وتكثيره؛ بغرض إعمار الكون وبقاء النوع والإنساني، وكذلك إكثار أفراد الأموة المسلمة وتقويتها وتمكينها في الوجود الحياتي والكوني حتى تكون مرهوبة الجانب، عزيزة الذات، فاعلة الأثر والتأثير، وحتى تؤدي رسالة الاستخلاف في الأرض، والشهادة على الناس. لذلك جاءت الأدلة الشرعية تحث على الزواج والإنجاب، وترغب في التناسل، وتحرم قتل الأولاد والبنات بسبب الفقر أو العار أو ما شابه ذلك وتحظر الإجهاض إلا عند الضرورات القصوى، كأن يخشى على الأم من الموت بسبب خطر الجنين، فيباح إجهاضه؛ لأن المحافظة على الأصل مقدمة على المحافظة على الفرع. ٢- حفظ النسب والعرض، وصيانته من الفوضى والاختلاط والتداخل والتلاعب، والنسل الذي ذكرناه بأنه مقصد شرعي للنكاح هو النسل المضبوط والمنضبط بمعرفة النسب الصحيح، وإلحاق الفروع بأصولها الحقيقية، ومراعاة الكرامة والعفة والحياء، ومنع كل ما يخل بحق الإنسان في النسب الصحيح، والعرض الشريف والنظيف والعفيف؛ لذلك شرعت أحكام الزواج الشرعي الصحيح، ومنع الزنا واللواط والسحاق، ومعاقبة الشاذين والمنحرفين، ومنع التبني. ولذلك أيضا منعت الذارئع والأسباب المؤدية إلى الإخلال بمقصد

стр. 178

حفظ النسب والعرض، كالخلوة والنظر بشهوة والعدة، وكذلك منعت بعض الحوادث والنوازل المعاصرة، لكونها مفضية إلى هتك هذا المقصد وخدشه وتفويته، كتجميد الخلايا الجنسية واستئجار الأرحام. ٣- تحقيق السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، وتحقيق التآلف والتعاون على البر والتقوى ودوام العشرة بالمعروف، ومما يكون له الأثر الكبير في عبادتهما وانقيادها لله تعالى، وفي إعمار الأرض وإصلاحها وتجميلها وجعلها مزرعة للآخرة وممرًا لها. ولم يعد خفيًا ما تعانيه المجموعة الدولية -بتفاوت ملحوظ بحسب الاعتبارات الدينية والأخلاقية- من آثار الشذوذ الجنسي، وتعاطي المخدرات، مزاولة العنف والتقتيل والترويع، وغير ذلك مما هو نتيجة حتمية في الغالب لتفكك الأسرة، وتهميش دورها التربوي والوجداني والحضاري بصورة عامة. فلعل بعد كل ذلك نكون قد بّينا لك أخي الدارس والقارئ ما للأسرة المُسلمة الصالحة من دور فعال، وتأثير ملحوظ في بناء الأجيال والمجتمعات، وتحقيق الأمل المنشود المقصد المفقود، ألا وهو الأمة التي أخرجت للناس لإصلاحها وإسعادها في المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١. ٤- بناء الأسرة المسلمة وإيجاد المجتمع الصالح: من مقاصد النكاح بناء الأسرة المسلمة المكونة من الزوجين الشرعيين ومن الأصل والفروع، التي

стр. 179

تطيع ربها وتعمل بأحكامه وتعاليمه، وتسهم في بناء المجتمع الإسلامي الصالح، وبناء الأمة المُسلمة الرائدة والقائدة. ومعلوم أن الأمة المُسلمة قد اختارها الله تعالى لتكون خير أمة أخرجت للناس بسبب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، وأداء العمل الصالح، والقيام برسالة الاستخلاف بكل صورها ومجالاتها وأبعادها. وهذه الأمة لن تحقق إلا ببناء المجتمعات والشعوب الإسلامية على اختلاف أعراقها وألوانها وقاراتها ودولها وتقاليدها وخاصياتها، وبناء تلك المجتمعات والشعوب متوقف على إيجاد وبناء الأسرة المسلمة الصالحة المتزنة المستقيمة العارفة بعقيدتها الصحيحة وتدينها المطلوب وتعاملها الرشيد. فتكون النتيجة المستخلصة والبدهية، أن الأمة المسلمة بأسرها متوقف وجودها ونجاحها على الأسرة المُسلمة الناجحة والناهضة والمجتهدة. إن الأسرة المُسلمة مطلب له أهميته الكبرى، ومقصد شرعي دلت عليه القواطع والظاهر والقرائن المختلفة، وهو طريق وجود الأمة ووحدتها وتقدمها وقوتها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولقد أدرك خصوم الأمة وأعداؤها أهمية الأسرة المُسلمة ودورها الحضاري العام، وشأنها في تحقيق السيادة والشهادة على الناس، فراحوا يعملون بوسائل شتى لأجل تحجيمها وتشتيتها وإضعافها، ولا سيما أن كثيرًا من الأسر والمجتمعات غير المسلمة تعيش أوضاعا أخلاقية لا تحسد عليها، وتشهد التفكك الأسري، والميوعة الأخلاقية، والتسيب القيمي، والتهارج القانوني والنظامي بشك مفزع وخطير.

стр. 180

وقد زاد هذا في غيظهم ومكرهم وحرصهم على تدمير الأسرة المسلمة، الحصن الحصين لسلامة الأمة وقوتها وتمكينها. ٥- تطهير المجتمع من الأمراض الجنسية والآفات الخلقية: لعل هذا المقصد متضمن في المقصد السابق، المتعلق ببناء الأسرة المسلمة، والمجتمع الإسلامي، والأمة القوية والرائدة، المرتكزة على طهارة الظاهر والباطن، والسلامة من العيوب والأمراض الجنسية والخلقية والحضارية بشكل عام، وفي أغلب الأحيان وأكثرها؛ غير أننا أفردنا هذا المقصد بالذكر والبيان لأهميته وخطورته، ولا سيما في العصر الحالي وفي كثير من المجتمعات والدول التي شهدت ما لا يحصى من المشكلات والأزمات القانونية والسياسية والاجتماعية؛ بسبب الأمراض الجنسية الخطيرة "الزهري، السيلان، الإيدز ... " وبسبب العاهات والآفات الخُلقية والقيمية التي أدت إلى التحلل الاجتماعي العام، والتَّسَيُّب الأسري الملحوظ. بعض النوازل المعاصرة التي ضيعت مقاصد النكاح: أ - تجميد الخلايا الجنسية للزوج قبل وفاته ووضعه فيما يعرف ببنوك المني، ثم تلقيح بويضة الزوجة عند رغبتها بعد وفاة الزوج ولو بسنين؛ فهذه العملية، والتي تمت كما يقال في إطار الزوجية أو بين زوجين شرعيين؛ غير أنها واقعة فعلى خلاف مراد الشرع في التلقيح والإنجاب. ووجه المخالفة أن العملية قد وقعت بعد وفاة الزوج، وفي ظروف قد تؤول إلى ما لا يحصى من المفاسد والفتن، وعلى نحو التذرع بذلك

стр. 181

لإجراء الزنا، والإبقاء على آثاره المتعلقة بوجود الأبناء غير الشرعيين ونسبتهم إلى ذلك الأصل الموهوم، أو الأب المنسي المهجور والمقبور حقيقة وحكمًا. وكذلك على نحو: الأخطاء المحتملة للقائمين على تجميد الخلايا وإعطائها لمن يريدها، وإذ يمكن بل يرجح أن يحصل الخطأ في اختيار الحيوان المنوي الفلاني؛ فيعطى إلى المرأة أخرى ليست زوجة صاحب ذلك الحيوان المنوي؛ فيحصل التلقيح الممنوع بين شخصين ليس بينهما علاقة شرعية البتة، وليس يربط بنهما سوى هذا التركيب المسقط، والخطأ الفادح، والخلط الشنيع الذي لم تدْعُ له ضرورة، ولا حاجة ولا كمال سوى الترف العلمي والمدني، والإفراط المادي، والاستخفاف بالحياء والكرامة والعفة. ومعلوم أن هذا الخطأ وارد ممكن الوقوع ولا سيما بعد توارد الأخبار والتقارير العلمية والطبية المفيدة لحصول الأخطاء الطبية الكثيرة على نحو: نقل فيروس الإيدز أو السيدا١، في جسد إنسان، بسب نقل الدم الذي لم يتأكد من سلامته وخوله من الفيروس، وكذلك نسيان المقص أو الضماد أو بعض الأدوات الطبية في بطن المريض بعد إجراء العملية الجراحية، وغير ذلك من الأمثلة التي وقعت فيها الأخطاء والهفوات على الرغم من التأكد البالغ والاحتياط الشديد.

стр. 182

ولعل الخطأ بنسيان مقص أن خيط أو إبرة في بطن مريض إثر العملية الجراحية يُعد هيِّنًا وغير ذي بال أمام الخطأ والتهاون في تلقيح بويضة امرأة أجنبية بمني رجل أجنبي، "فينجبان" مولودًا ليس له وضع شرعي، ولا وضع قانوني ولا عرفي ولا إنساني، وليس له سوى الوضع الفوضوي الممقوت. ب- كراء الرحم واستئجاره: حقيقة هذه النازلة الغريبة الشاذة، أن يُستأجر رحم امرأة أجنبية لتوضع فيه اللقيحة، بسبب تعطل رحم المرأة الزوجة، صاحبة البويضة. وهذه النازلة معلومة التحريم والفساد؛ وذلك لما فيها من معارضة حرمة العلاقة الزوجية المشروعة والمستورة، ومعارضة مقاصد الأمومة، ولكونها مفضية إلى اضطراب النسب وتداخله، واهتزاز العلاقة النسبية، والروابط الدموية، والاجتماعية، والسنن الكونية والحياتية.

стр. 183

المطلب الخامس: مقاصد القضاء والشهادة القضاء والشهادة خطة شرعية معترة يؤديها أصحابها لمقاصد جمة وفوائد عدة، في أوضاع الدنيا، وأحوال الآخرة. ومن تلك المقاصد والفوائد نورد ما يلي: ١- حفظ حقوق الناس المادية والمعنوية، وصيانتها من الضياع والإتلاف والتهميش والتشويش. قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي

стр. 184

الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ١. ٢- إقامة العدل والمساواة بين كل الناس، دون تفرقة أو تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الجاه أو النسب أو الحسب أو غير ذلك، والعدل أساس العمران وسبب الاستقرار والارتياح، وطريق الأمن والأمان، والسلامة والإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٢. ٣- زجر المنحرفين وازدجار غير المنحرفين، وقمع الجناة والبغاة والطغاة، وصد عدوانهم وأذاهم وترويعهم للناس والحيوان والبيئة والمحيط. ٤- رد المظالم إلى أهلها، ومنع أخذ المال أو المتاع بغير حق، ومنع انتهاك حق الغير أو عرضه أو كرامته أو عفته، وتمكين النظام والأمن من الاستقرار والتواصل والانضباط على وفق أخذ الحق المشروع، وأداء الواجب المطلوب سواء فيما تعلق بالحقوق والواجبات المادية والحسية، أو الحقوق والواجبات الأدبية والمعنوية. ٥- الإصلاح بين الناس، والعمل ما أمكن على إزالة الخلاف والتشاجر والخصام بين الزوجين أو الجارين أو المتبايعين أو الدولتين أو غير ذلك. قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْر﴾ ٣. ٦- الإسهام في إنجاح سياسة الدولة، ومسيرتها الحضارية والتنموية، بإبداء النصح والتوجيه، والمشاركة في وضع الخطط والبرامج، وعون القادة والساسة على مهامهم ووظائفهم بلا إفراط ولا تفريط، وعلى وفق

стр. 185

ميزان العدل والمساواة، وإرادة الخير والنهوض للأمة قاطبة. ٧- المقصد الكلي الجامع لكل تلك لمقاصد، وهو تحقيق استقرار النظام واستمراره، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، كما جاء على لسان الشيخ التونسي محمد الطاهر بن عاشور في كتابه: "مقاصد الشريعة الإسلامية"١. ولن يكون النظام العام مستقرًا ومستمرًا إلا إذا ارتكز على العدل والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه، وغير ذلك مما ذكرناه من مقاصد وفوائد قبل قليل.

стр. 186

المطلب السادس: مقاصد العقوبات العقوبات: هي جملة الحدود والتعازير الموضوعة لمعاقبة من يستحق العقاب؛ لأجل عدة مقاصد ومصالح نورد بعضها فيما يلي: ١- العقوبات هي جوابر لأصحابها، وهذه الجوابر قد تكون حسية ومادية كما هو الحال في وجوب ضمان ما أخذه السارق أو الغاصب، وفي الدية للقتل، وغير ذلك. وقد تكون معنوية ونفسية؛ وذلك بحصول الارتياح وذهاب الغيظ والتَّشفِّي والثأر. قال النبي ﷺ لعبادة بن الصامت: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف؛ فمن وَفَّى فأجره على الله،

стр. 187

ومن أصاب شيئًا عوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك في الدنيا فستر الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، قال: فبايعناه على ذلك" ١. ٢- العقوبات هي زواجر، أي أنها موضوعة لأجل زجر المعتدين والجناة وردعهم؛ ولأجل انزجار غير المعتدين وغير الجناة كيلا يفكروا أو يعزموا على الاعتداء والتعدي والانحراف. قال ابن القيم: "فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنيات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجراح والقذف والسرقة، أحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه العقوبات غاية الإحكام، وشرعها على إكمال الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني في الردع؛ فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس؛ وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله، لتزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوات، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقه"٢. ٣- إرضاء المجني عليه، وإذهاب غيظه ونقمته، ودفع أخذه بالثأر الذي قد لا يكون عادلًا؛ إذ ترك معاقبة الجاني تؤدي غالبًا أو قاطعًا إلى الانتقام.

стр. 188

الذي يؤدي إلى التجاوز والاعتداء في غالب الأحيان، ولذلك وضعت العقوبات وضبطت الحدود والتعازير من أجل تحقيق النظام بردع المخالفين، وإرضاء المعتدي عليهم بميزان العدل والمساواة والإنصاف. قال العلامة ابن عاشور: "فمقصد الشريعة من تشريع الحدود والقصاص والتعزيز، أروش الجنايات ثلاثة أمور: تأديب الجاني، وإرضاء المجني عليه، وزجر المقتدي بالجناة"١.

стр. 189

المطلب السابع: مقاصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف ربَّاني مقطوع به، وعلم الأنبياء والمرسلين، وسلوك الصالحين والدعاة والمجددين، وهو سبب خيرية الأمة الإسلامية، وطريق نهضتها وتقدمها، وسبيل صلاح الإنسانية، واستقرار النظام الحياتي واستمراره، وقد دعى إليه ورغب فيه، واستنكر تركه والتهاون فيه، وسوء استخدامه واستعماله؛ فقد دعى إليه من نصوص وأدلة وقواعد وأقوال لا تحصى لكثرتها وتنوعها، ومن ذلك: أ- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١. ب- قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٢.

стр. 190

ج- قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١. وتلك الشعيرة الربانية الإسلامية المباركة لم يؤم بها على سبيل القطع واليقين إلا لما لها من المقاصد والمصالح القطعية الضرورية في الدنيا والآخرة. ومن تلك المقاصد: ١- حفظ المقاصد الضرورية الكلية اللازمة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل أو النسب والعرض والمال، والمقاصد الحاجية: التي تقرب من الضرورية اللازمة، والمقاصد التحسينية: التي يتم بموجبها كمال الحياة وتمام حسنها في المعاش والمعاد. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحقق ويقوي كل تلك المقاصد بالعمل على إيجادها وإحيائها وتثبيتها في الحياة، النفوس وبالعمل على إلغاء ما يناقضها ويضادها ويعارضها. ٢- تحقيق الصلاح والإصلاح في الأرض، وإبعاد الفساد والرذائل والفواحش، وتطهير المجتمع من الأمراض والأدواء الظاهرة والباطنة، وتمكين الأمة، قادة وشعوبا من اختيار أفضل المسالك، وأحسن السبل والقوم الخيارات السياسية والتنموية والتربوية؛ وذلك بإجراء النصح والتوجيه والإرشاد والتقويم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ٢.

стр. 191

٣- ضمان استمرار أداء شعيرة الأمرة بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمان أدائها بكمال وتمام، بأدب وتواضع، وبأساليب تعود على الشعيرة والأمة ودعائها وشعوبها بالخير والصلاح والسعادة؛ فالاعتقاد بأن هذه الشعيرة تكليف رباني وعمل شرعي يحصل به الثواب والأجر، يجعل القائم عليها مطمئنًا لحكم الله، منتظرًا جزاءه، صابرًا محتسبًا عن الأذى، مستمرًا في مهامه، وحريصًا على التبليغ والنصح والتوجيه مهما ظهرت أمامه المصاعب والمحن، ومهما كثرت حياله الانتقادات والمزاعم والشتائم بسبب أمره ونهيه معروفًا ومنكرًا. والجدير بالذكر: أن خير ضمان لتحقيق مقاصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشائم بسب أمره ونهيه معروفًا ومنكرًا. والجدير بالذكر: أن خير ضامن لتحقيق مقاصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اعتماد الوسطية الإسلامية من خلال توخي الأساليب والآداب المقررة في القيام بهذه الشعيرة. ومن تلك الآداب والأساليب، اتباع الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة والمناظرة بالتي هي أحسن، وإرادة النصح والخير، وعدم الغلظة والتشديد في النصح والتوجيه، وعدم إشعار المدعو أو المنصوح بتفوق الناصح وتميزه وأفضليته، أن بفشل المنصوح، واستفحال مرضه وانحرافه، وكبر جرمه وإجرامه وإفساده، وغير ذلك مما قد يعيق عملية التأثير والتوجيه والإصلاح. ومن الآداب كذلك: كسب قلوب المنصوحين، وليس كسب المواقف والمعارك، كذلك عدم التشهير بهم وفضحهم وإفحامهم وتعجيزهم وغير ذلك. ومن الآداب الجامعة كذلك: أن لا يؤدي تغيير المنكر في إيجاد منكر

стр. 192

أشد وأكبر، بسبب سوء التقدير والتعبير والتفكير، وأن لا يؤدي تقرير المعروف إلى زوال معروف أهم منه وأوكد؛ فالمصلحة الموجودة مقدمة على المصلحة المنتظرة المساوية أو الأقل من المصلحة الموجودة، وكذلك المفسدة الموجودة لا ينبغي تغيرها بالمفسدة الأكبر والأخطر منها. وعلى القائم على هذه الشعيرة -أفراد وجماعات وهيئات- أن يفهموا الفهم الدقيق، ويستخدموا الاستخدام المفيد لهذه الشعيرة، بلا إفراط ولا تفريط. ٤- تحقيق مرضاة الله تعالى، والفوز بجناته، والنجاة من عذاب النار، ومن عذاب الدنيا وخزيها المتأتي بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 193

خلاصة المبحث: "تطبيق مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية " يُعرف هذا المبحث لدى بعض العلماء بالمقاصد الخاصة المتعلقة ببعض الأحكام والأبواب الفقهية المعينة، على نحو باب العبادات، وباب المعاملات، وباب الأنكحة، وباب الجنايات وغير ذلك١. ومعرفة المقاصد الخاصة أسهل بكثير من معرفة المقاصد العامة؛ وذلك أن المقاصد العامة تحتاج إلى استقراء عام، وتتبع غير يسير لنصوص الشرع وأحكامه قصد تقريرها وتثبيتها. وأما المقاصد الخاصة؛ فلا تحتاج غالبًا إلا لاستقراء النصوص والأحكام المتعلقة بباب وأحكام تلك المقاصد الخاصة٢. وعلى أي حال فإن المقاصد الخاصة، والمقاصد العامة، والمقاصد الجزئية٣، المتعلقة بالجزئيات، والفروع الفقهية، تشكل في مجموعها مقاصد الشرعية الإسلامية التي أصبحت لقبًا علميًا، وفنًا من فنون الشريعة، يحظى باهتمام متزايد وعناية كبرى.

стр. 194

فهرس المحتويات: الموضوع الصفحة المبحث الأول: - تعريف مقاصد الشريعة ١٣ - تعريف الشريعة لغة ١٣ - تعريف لفظ الإسلامية ١٤ - التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة الإسلامية ١٤ - تعريف العلماء المعاصرين للمقاصد ١٥ المبحث الثاني: - صلة المقاصد ببعض المصطلحات الأصولية ١٩ - صلة المقاصد بالعلة ١٩ - صلة المقاصد بالحكمة ٢٠ - صلة المقاصد بالمصلحة ٢١ - أنواع المصلحة ٢٢ - صلة المقاصد بسد الذرائع ٢٣ - علاقة المقاصد بالذرائع ٢٤

стр. 195

الموضوع الصحفة المبحث الثالث: - موضوع مقاصد الشريعة ٢٧ - المبحث الرابع: بيان صلة مقاصد الشريعة بالأدلة ٣١ - تعريف الأدلة الشرعية ٣١ - صلة المقاصد بالقرآن الكريم ٣١ - صلة المقاصد بالسنة ٣٤ - صلة المقاصد بالإجماع ٣٥ - صلة المقاصد بالقياس ٣٦ - صلة المقاصد بالأدلة المختلف فيها ٣٨ - علاقة الأدلة بالمصلحة المرسلة ٣٨ - صلة المقاصد بالاستحسان ٣٩ - صلة المقاصد بقول الصحابي ٤١ - الأدلة على تبيعة المقاصد للأدلة الشرعية وعدم استقلالها عنها ٤٢ المبحث الخامس: - تعليل الأحكام الشرعية وبناء المقاصد على القول به ٤٥

стр. 196

الموضوع الصحفة - تعليل الأحكام الشرعية ٤٥ - معنى التعليل وأدلته ٤٥ - بناء المقاصد على القول بتعليل الأحكام ٤٨ - الاجتهاد في ضوء المقاصد الشرعية ٤٩ المبحث السادس: -فوائد مقاصد الشريعة ٥١ المبحث السابع: - تاريخ البحث في المقاصد الشرعية ٥٣ - نشأة المقاصد الشرعية ٥٣ - المقاصد في عهد الصحابة والتابعين ٥٤ - المقاصد في عهد كبار الأئمة ٥٤ - بض العلماء الذين اشتهروا بدارسة مقاصد التشريع ٥٧ - مرحلة الإدماج في التأليف ٥٨ - مرحلة إفراد المقاصد بالتأليف ٦١ - مظان مقاصد الشريعة ٦٢ - أهم المؤلفات في مقاصد الشريعة ٦٤

стр. 197

الموضوع الصفحة - طرق إثبات مقاصد الشريعة ٦٧ - الاستنباط المباشر من القرآن والسنة ٦٧ - الاستخراج من المقاصد الأصلية والتابعة ٦٩ المبحث التاسع: -تقسيمات المقاصد وبيان أنواعها ٧١ - مقاصد الشارع ومقاصد المكلف ٧١ - المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية ٧١ - المقاصد العامة والخاصة والجزئية ٧٢ - المقاصد القطعية والظنية والوهمية ٧٣ - المقاصد الكلية والبعضية ٧٤ - المقاصد الأصلية والتابعة ٧٥ المبحث العاشر: - مقاصد الشريعة من وضع الأحكام ابتداء: تحقيق المصالح ٧٧ - بيان هذا المعنى والدليل عليه ٧٧ - أدلة تحقيق المصالح ٧٧

стр. 198

الموضوع الصفحة المبحث الحادي عشر: - أنواع المقاصد من حيث قوتها في ذاتها ٧٩ - المقاصد الضرورية: تعريفها - أمثلتها - أدلتها ٧٩-٨٠ - المقاصد الضرورية ٨١ - المقاصد الضرورية لحفظ الدين ٨١ - المقاصد الضرورية لحفظ النفس ٨١ - المقاصد الضرورية لحفظ العقل ٨٢ - المقاصد الضرورية لحفظ النسل والنسب والعرض ٨٣ - المقاصد الضرورية لحفظ المال ٨٤ - خلاصة أقسام المقاصد الضرورية ٨٥ - المقاصد الحاجية ٨٥ - تعريف المقاصد الحاجية ٨٦ - المقاصد التحسينية ٨٩ - أمثلتها ٩٠ - أدلة المقاصد التحسينية ٩١ المبحث الثاني عشر: - مكملات المقاصد الشرعية وشرطها ٩٣

стр. 199

الموضوع الصفحة - تعريف مكملات المقاصد ٩٤ - أقسام مكملات المقاصد ٩٤ - مكملات المقاصد الضرورية ٩٤ - مكملات المقاصد الحاجية ٩٦ - مكملات المقاصد التحسينية ٩٧ - شرط مكملات المقاصد الشرعية ٩٧ - ارتباط المقاصد الثلاثة ببعضها ٩٩ المبحث الثالث عشر: -مقصود الشارع الجانب الغالب في المصالح والمفاسد ١٠١ المبحث الرابع عشر: - تختلف الجزئيات قد يكون لمصلحة مشروعة خارجة عن مقتضى الكلي ١٠٥ الجزء الثاني: المبحث الأول: - قدرة المكلف على ذلك ١٠٩ - الأدلة على ذلك ١٠٩ - الأدلة من القرآن الكريم ١١٠

стр. 200

الموضوع الصفحة - الأدلة من السنة النبوية الشريفة ١١٠ - دليل الإجماع ١١١ - الإجماع المنعقد على حجيته ما ذكرنا ضربان ١١٢ - الأدلة من آثار السلف والخلف ١١٤ - دليل الاستقراء ١١٤ - الأدلة المعقولة ١١٦ المبحث الثاني: المشقة: حقيقته - أنواعها- أمثلتها ١١٩ - المطلب الأول: المشقة التي يقدر عليها المكلف ١١٩ - المطلب الثاني: المشقة التي لا يقدر عليها المكلف ١٢٣ - المطلب الثالث: أمثلة المشقة التي لا يقدر عليها المكلف ١٢٤ - المطلب الرابع: مخالفة الهوى من قبيل المشقة المستطاعة ١٢٦ مخلص خقيقة المشقة وأنواعها وأمثلتها ١٢٧ أ- المشقة التي لا يقدر عليها المكلف ١٢٧ ب- المشقة التي يقدر عليها المكلف ١٢٨ المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة وبناء أحكامها على التيسير ١٢٩ المطلب الأول: رفع الحرج لا يعني ترك التكليف أو التهاون فيه ١٣٠ المطلب الثاني: من أمثلة رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ١٣٠

стр. 201

الموضوع الصفحة قدرة المكلف على فهم التكليف ١٣٣ - المطلب الأول: فهم التكليف باللسان العربي ١٣٣ - المطلب الثاني: هل يمكن فهم القرآن بغير لغته التي أنزل بها ١٣٦ - المطلب الثالث: أمية الشريعة وعالميتها ١٣٧ - المطلب الرابع: أدلة كون الشريعة أمية ١٣٧ - المطلب الخامس: حقيقة الأمية ومعناها ١٣٨ المبحث الخامس: دخال المكلف في دائرة العبادة والامتثال وإخراجه من دائرة الهوى ١٤٣ - المطلب الأول: واجب المكلف عبادة الله ومخالفة هوى النفس ١٤٣ ١- الأدلة على النصوص الشرعية ١٤٤ ٢- الأدلة على ذم الهوى ومخالفة الأوامر والأحكام الشرعية ١٤٥ ٣- الأدلة من الأحكام ١٤٦ أ- فعلى مستوى التوحيد والعقيدة ١٤٦ ب- وعلى مستوى العبادات ١٤٦

стр. 202

الموضوع الصفحة ج- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالمعاوضات ١٤٧ د- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالأنكحة ١٤٧ هـ- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالجنايات والدماء الأدلة من الواقع والحياة ١٤٨ - المطلب الثاني: العمل الذي يمتزج فيه هوى النفس ومقصود الشاعر ١٥١ - القواعد المستخلصة من مقصد عبادة الله ومخالفة هوى النفس ١٥٢ - القاعدة الأولى ١٥٢ - القاعدة الثانية ١٥٢ - القاعدة الأولى: بطلان العمل التابع للهوى دون الشرع ١٥٢ - القاعدة الثانية: ذم اتباع الهوى ولو جاء في ضمن المحمود ١٥٣ - المطلب الثالث: - المقاصد الأصلية والتبعية ١٥٥ - تعريف المقاصد الأصلية ١٥٥ - أمثلتها باختصار ١٥٥ تفصيل الأمثلة كما ذكرها الشاطبي ١٥٧ - المقارنة بين المقاصد التابعة وحكمها وحجيتها ١٥٨

стр. 203

الموضوع الصفحة - مراتب المقاصد التابعة وحكمها وحجيتها ١٦٠ - المرتبة الأولى ١٦١ - المرتبة الثانية ١٦١ - المرتبة الثالثة ١٦٢ - مثال ذلك ١٦٣ المبحث السادس: تطبيق مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية ١٦٥ - المطلب الأول: مقاصد العبادات: الأصل في العبادات التوقيف ١٦٦ توقيفية العبادات لا يعني خلوها من الحِكم والفوائد والمصالح ١٦٧ - مقاصد بعض العبادات ١٧٠ - مقاصد الصلاة ١٧١ - مقاصد الزكاة ١٧١ - مقاصد الصيام ١٧٣ - مقاصد الحج ١٧٣ - مقاصد الكفارات ١٧٤ - المطلب الثاني: مقاصد التصرفات المالية ١٧٥

стр. 204

الموضوع الصفحة - المطلب الثالث: مقاصد التبرعات ١٧٦ مقاصد التبرعات في أنظمة الدول والجمعيات والهيئات المحلية والعالمية ١٧٧ - المطلب الرابع: مقاصد النكاح ١٧٩ بعض النوازل المعاصرة التي ضيعت مقاصد النكاح ١٨٢ - المطلب الخامس: مقاصد القضاء والشهادة ١٨٤ - المطلب السادس: مقاصد العقوبات ١٨٦ - المطلب السابع: مقاصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ١٨٨ - خلاصة المبحث "تطبيق مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية" ١٩٣ - فهرس الموضوعات ١٩٥