من الأدلة على ذم الهوى ومخالفة الأوامر والأحكام الشرعية:
- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ١.
- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٢.
- قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣.
- قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ٤.
- قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٥.
- قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٦.
قال الشاطبي: "فذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى"٧.
стр. 142
٢- الأدلة من الأحكام:
من الأدلة والبراهين على أن العباد خلقوا لعبادة الله، وإخراجهم من هوى نفوسهم: جملة الأحكام الشرعية، وسائر الأوامر والنواهي الداعية إلى الامتثال والخضوع والعبادة، والساعية إلى تنظيم المعاملات الإنسانية على وفق الهدى والتعاليم الإلهية، وليس بقضى ما تمليه مختلف الشهوات والنزوات والأهواء التي كثيرًا ما تتناقض وتتعارض وتتزاحم.
والأوامر والنواهي الشرعية تشمل التوحيد والعقيدة، وتشمل العبادات والمعاملات.
أ- فعلى مستوى التوحيد والعقيدة: أمر المكلف بتوحيد الله تعالى وإفراده الخضوع والعبادة والتوكل والدعاء والخوف والرجاء والخشية والمحبة والموالاة والذبح والتقرب.
وأمر التصديق بسائر أركان العقيدة الإسلامية، كالإيمان بالملائكة والكتب المنزلة عنده والرسل والأنبياء واليوم الآخر.
كما نهى المكلف عن الشرك والرياء والنفاق، وعبادة الأشخاص والأصنام وتقديس القبر والأضرحة والشعارات والأذكار والعادات والتقاليد، وكل ما يخل بالعقيدة الإسلامية الصحيحة الداعية إلى عبادة الله وحده، بلا شريك ولا نظير في اسم أو صفة أو فعل.
ب- وعلى مستوى العبادات: شرعت الأحكام الكثيرة المتعلقة بتنظيم علاقة المكلف بربه تعالى، على نحو الصلوات وصيام رمضان، وأداء
стр. 143
الزكاة والصدقات، وأداء الحج والعمرة، والقيام بالكفارات والنذور، وفعل التطوع والتقرب إليه بالنوافل والأذكار، وشتى القربات والصالحات التي توقع في النفس معاني الرغبة والرهبة، وتورث فيها الخضوع إلى الله، والامتثال إلى أحكامه أمرًا ونهيًا، والتي تبعدها عن الظواهر السيئة والصفات والرذيلة، على نحو الخمول والجمود والكسل والإفراط في الراحة واللذات والرفاه.
ج- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالمعاوضات: شرعت أحكام البيع والشراء والغصب والربا والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، وبشتى صورة وكيفياته، وكان المقصد من كل ذلك حمل النفس على العدل والإنصاف والاستقامة، وإخراجها من دوائر الأنانية والجشع والطمع والتحايل في أخذ حقوق الناس وأمتعتهم، والتغرير بهم عن قصد لإلحاق الضرر والأذى بهم.
د- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالأنكحة: شرع الزواج، ودعي إليه ورغب فيه، وحث على تيسيره وتخفيفه، ومن الزنا والاختلاط والنظر بقصد الشهوة والتلذذ، وهتك العرض، ونهى عن الخلوة؛ لأنها قد تؤدي إلى وقوع الفتنة والزنا، ووضع العقاب للشاذين والمنحرفين بممارسة الزنا أو اللواط أو السحاق في السرِّ والعلن، بالتراضي والإكراه، في حالة العزوبة والإحصان.
والمقصد من كل ذلك هو حفظ النسل والأعراض والأنساب من التداخل والفوضى والدوس والانتهاك، وصيانة العفة والكرامة.
стр. 144
والحشمة الأخلاقية والأنسانية المقررة في كل الأمم والأجيال، وفي مختلف الظروف والأحوال.
كما أن من مقاصد ذلك، تربية نفس الإنسان تزكيتها وتهذيبها مما قد يعلق بها من ظواهر الانحراف والزيغ وحب الشذوذ، والرغبة في مزاولة المتع المحرمة، ومناولة اللذائذ الجنسية العابرة بلا قيد لا ضابط، كما هو الحال في كثير من البلاد العالمية التي انشرت فيها مظاهر الإباحة الجنسية، والميوعة الأخلاقية، والتسيب القيمي، والانحلال بمختلف صوره ومجالاته.
ومن مقاصد ذلك أيضًا تعويد النفس على الصبر والتضحية والاستقامة والعفة، وحملها على مخالفة هواها، ومواجهة حديثها ووساوسها وخواطرها التي تزين الشهوة المنحرفة وتلمعها، وتجعلها من أعز المطالب وخواطرها من أحسن المبتغيات وأفضل ما يسعد به الإنسان.
ومن أجل تحقيق الاستقامة والعفة، وحفظ الأعراض والأنساب والنسل، وإخراج، النفس من دائرة هواها ونزواتها، شرعت جميع أحكام الزواج، وما يتعلق به من الحث عليه، والدعوة إلى تيسيره وتسهيله، والصبر والاصطبار عند العجز عنه بالتوكل على الله تعالى، وأداء فعل الصوم الذي هو وقاية لصاحبه، وبغض البصر، وتجنب الخلوة والاختلاط، وغير ذلك مما هو ضروري لتحقيق ذلك.
هـ- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالجنايات والدماء: وضع القصاص والحدود والعقوبات للقتل العمد والعدوان والحرية وقطع طريق وسائر مظاهر الترويع والفساد والإفساد في الأرض.
стр. 145
ومقصد ذلك كله حفظ النفس وصيانة الحياة، ومنع التعدي والاعتداء والظلم والثأر، وزجر المعتدين الظالمين انزجار وإرداع غير المعتدين الذين قد تُسوِّل لهم نفوسهم يومًا ما بفعل القتل والتمثيل والترويع والتخويف والإفساد.
ومقصد ذلك أيضًا: حمل النفس على الاستقامة والاتزان، وإبعادها عن نزوات الثأر والانتقام والتشفي، وإخراجها من دائرة الاستخفاف بحرمة النفس وكرامة الإنسان، وحقه في الحياة والسلامة والأمن.
ولو بقيت النفوس والمجتمعات بلا حد أو قيد لأهواء النفوس وخواطرها لفسد التعامل واختل النظام، ولتعاظم الهرج والمرج، ولكثر القتل وتعاظم وتزايد بلا حد ولا حصر.
ولذلك كله جاءت الأحكام الدقيقة والمضبوطة المنظمة للتعامل في مجال البيوعات والمعاوضات، وفي مجال الأنكحة والزواج، وفي مجال الجنايات والدماء، وبقصد حفظ نظام الحياة واستقرارها وسلامتها، ولصيانة الناس في نفوسهم وعقولهم أعراضهم وأنسابهم وأموالهم.
وكل ذلك لن يكون حاصلا إلا بإخراج الناس من دوائر أهوائهم ورغباتهم المنحرفة بحصول الاستقامة الذاتية، والالتزام الطوعي الاختياري، أو بحصول الامتثال والانقياد إلى احترام ذلك، ومراعاته حتى يكون الحق أحق أن يتبع، وحتى لا يكون الحق تبعًا لأهواء الناس، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ١.
стр. 146
والخلاصة أن الأحكام الشرعية لا تخلو من الأحكام الخمسة المعلومة:
الوجوب والتحريم الندب والكراهة والإباحة.
فأما الوجوب والتحريم فظاهر مصادمتهما لمقتضى الاسترسال الداخل تحت الاختيار، وأما الندب والكراهة والإباحة -إن كان ظاهرًا الدخول تحت خيرة المكلف واختياره- فإنما دخلت بإدخال الشارع لها تحت اختياره؛ فهي راجعة إلى إخراجها عن اختياره.
وفي كل الأحوال تكون الأحكام الشرعية الخمسة قد أخرجت المكلف من دائرة هواه وشهواته ونزواته.
٣- الأدلة من الواقع والحياة:
من الأدلة الواقعية والحياتية التي تؤكد على مخالفة الهوى:
عُلم بالتجارب والعادات أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة، ولذلك اتفقوا على ذم من اتبع شهواته، وسار حيث سارت بهن حتى إن من تقدم ممن لا شريعة له يتبعها، أو كان له شريعة درست كانوا يقتضون المصالح الدنيوية بكف كل من اتبع هواه في النظر العقلي، وما اتفقوا عليه إلا لصحته عندهم.
واطراد العوائد باقتضائه ما أرادوا، من إقامة صلاح الدنيا، وهي التي يسمونها السياسية المدنية؛ فهذا أمر قد توارد النقل والعقل على صحته في الجملة، وهو أطهر منأن يستدل عليه١.
стр. 147
ولذلك يعد مخالف القانون، ومنتبع شهواته وأهوائه مارقًا وخارجًا عن النظام المتبع في بلاده، ومحل مؤخذة وملاحقة وقضاء؛ لأن القانون أو النظام المتبع مجعول لتنظيم المعاملات المدنية، ولوضع الحدود والقيود لشهوات الناس ورغباتهم، ولإخراجهم من حالة التصرف غير المسئول والتعامل غير المنضبط.
وكذلك الشأن بالنسبة لكل القوانين والأنظمة، بصرف النظر عن الحكم على تلك القوانين والأنظمة بصلاحها أو فسادها.
стр. 148
المطلب الثاني: العمل الذي يمتزج فيه هوى النفس ومقصود الشارع
...
المطلب الثاني: العمل الذي يمتزج فيه هوى النفس ومقصود الشرع
العمل الذي ينبني على مقصود الشارع، دون التفات إلى هوى النفس وميلها، لا شك في صحته وحقيته، والله يسأل قبول ومرضاته.
أما العمل الذي يمتزج فيه هي النفس مع قصد الشارع وتعاليم الشرع؛ فينظر في الأسبق والأغلب وفي المآلات والآثار، فيحكم عليه بحسب ذلك. كما ينبغي التنبيه والتأكيد على أن الأسلم والأحوط، والأورع تخليص العمل من كل شوائب الهوى النفسي، والرغبات، واللذات، الشهوات، وإن كانت غير مخالفة لقصد الشارع، درءًا لما قد يوصل إلى مخالفة الشرع ومقصوده، وإلى ما يجعل الهوى متبوعًا وسابقًا وغالبًا، والشرع تابعًا ومسبوقًا ومغلوبًا.
وإليكم شرح القاعدتين فيما يلي:
стр. 149
القواعد المستخلصة من مقصد عبادة الله تعالى ومخالفة هوى النفس:
نستخلص من مقصد عبادة الله ومخالفة هوى النفس قاعدتين:
القاعدة الأولى:
بطلان العمل التابع للهوى دون الشرع؛ لأن الأصل اتباع الشرع، وليس الهوى والشهوة.
القاعدة الثانية:
قاعدة ذم اتباع الهوى ولو جاء في ضمن المحمود والمشروع؛ وذلك خشية الخروج من المشروع، ومخالفة المحمود، بالوقوع في الجري وراء الأغراض والشهوات، والعمل على تحصل ثناء الناس ومدحهم، وما ينجر عن ذلك من تكريم وتبجيل مادي ومعنوي، وهذا يفضي إلى الرياء والسمعة وبطلان العمل وفساده، وإن كان في بدايته مبنيا على موافقة مقصود الشارع وتعاليم الشرع.
القاعدة الأولى: بطلان العمل التابع للهوى دون الشرع
العمل الذي يتبع في الإنسان هواه وشهواته، ويترك فيه أوامر الشرع ونواهيه، يُحكَم عليه قطعًا ويقينًا بأنه باطل وفاسد.
وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر والنهي والتخيير؛ فهو صحيح وحق؛ لأنه قد أتى به من طريقه الموضوع له، ووافق فيه صاحبه قصد الشارع؛ فكان كله صوابا وهو ظاهر.
وأما أن امتزج فيه الأمران فكان معمولا بهما، فالحكُم للغالب والسابق.
стр. 150
ومعنى الغالب: الأكثر والأقوى في الحمل على الفعل، والذي سبق إلى النفس منهما.
ومعنى السابق: الواقع أولًا وقبل غيره، أي أن المكلف قصد أمر الشارع، وقصد تحقيق غرضه من الطريق المشروع، فيكون قد تحقق له أمران:
- موافقة قصد الشارع.
- موافقة غرضه وقصده بفعل مشروع، وإن كان موافقا لهواه؛ لأن الشريعة موضوعة لمصالح العباد ومنافعهم ولذائذهم.
وإن كان الغالب والسابق هو الهوى، وصار أمر الشارع تابعًا ولا متبوعًا، فهو باطل فاسد.
ويذكر الشاطبي مثالًا: هو أن واطئ زوجته أثناء الطهر محتمل أن يكون فيه تابعًا لهواه، أو لإذن الشارع؛ فإن حاضت أو صامت أو أحرمت فانكف، دلَّ على أن هواه تبع، وإلا دل على أنه سابق.
القاعدة الثانية: ذم اتباع الهوى ولو جاء في ضمن المحمود
ذكرنا أن اتباع الهوى الذي يأتي على وفق قصد الشارع وتعاليمه معدود ضمن المشروع، غير أنه مذموم ومكروه.
- لأنه يخشى أن يكون سببًا في تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي.
- لأنه يخشى أن يؤدي إلى الرياء والنفاق والسمعة والشهرة، وأن يغير القصد من طاعة الله والعمل بموجب مراده وأحكامه إلى مخالفة الأحكام، والاحتكام إلى الهوى والشهوة فقط.
стр. 151
ومثال ذلك ما ذكره الشاطبي بقوله ١:
إن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتبيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم وربما أكرم ببعض الكرامات أو وضع له القبول في الأرض، فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا بهن وأمُّوه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طرق الأعمال الصالحة، ومن الصلاة والصوم، وطلب العلم، والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطرق الخير. فذا دخل عليه ذلك كان للنفس به بهجة وأُنْس، وغنى ولذة ونعيم، بحيث تصغر الدنيا وما فيها إلى لحظة من ذلك.
كما قال بعضهم: "لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف" أو كما قال.
وإذا كان كذلك فلعل النفس تنزع إلى مقدمات تلك النتائج فتكون سابقة للأعمال. وهو باب السقوط عن تلك الرتبة -والعياذ بالله- هذا، وإن كان الهوى في المحمود ليس بمذموم على الجملة؛ فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق، ودليل هذا المعنى مأخوذ من استقراء أحوال السالكين وأخبار الفضلاء والصالحين، فلا حاجة إلى تقريره هنا.
وعلل النفس تشتد رغبتها في القيام بالصلاة والصيام والخلوة للعبادة ليزداد أنسها وبهجتها، لذتها وتقييمها وإكرامها بالكرامات وزيادة القبول في الأرض، وكل هذا هوى خالط المحمود من العمل؛ لكنه قد يسبق إلى النفس فيخسر صاحبه مرتبته، فالأحوط من كل ذلك أن يتبع العامل أحكام الشرع، وقصد الشارع، وأن ينقح فعله وامتثاله من كل هوى نفسي، وإن
стр. 152
كان موافقا لقصد الشارع، أو أن يحتاط كثيرًا كي لا يقع في المزالق والانحراف إن هو اتبع هواه وشهواته في أفعال لا تخالف الشرع، ولا تناقض قصد الشارع؛ لأن اتباع الهوى، ولو جاء في ضمن المحمود والمشروع قد يُفضي بصاحبه إلى الوقوع في الرياء والشهرة، وفي تحصيل الأغراض واللذائذ، وجلب محاسن الناس وثنائهم ومدحهم وعطائهم، وكل هذا مخالف للمشروع ومبطل للعمل وموجب للخسارة في الدارين، والعياذ بالله.
стр. 153
المطلب الثالث: المقاصد الأصلية والتبعية
تنقسم المقاصد الشرعية من حيث الأصلية والابتداء، ومن حيث التبعية والتتميم إلى المقاصد الأصلية، والمقاصد التبعية.
١- تعريف المقاصد الأصلية:
المقاصد الأصلية: هي المقاصد التي قصدها الشارع أصلًا وابتداءً وأساسًا، أي: قصدها بالقصد الأول الابتدائي وهي المقاصد الأولى والغايات العليا للأحكام.
وقيل: إنها الضروريات التي لا حَظَّ للمكلف فيها، بمعنى أنه ملزم بفعلها وحفظها، أحبَّ أم كره، اختيارًا اضطرارًا.
أمثلتها باختصار:
أ- المقصد الأصلي للزواج: التناسل وإعمار الكون.
ب- المقصد الأصلي لطلب العلم: التعبد والطاعة والبيان والتعليم والتبليغ.
стр. 154
ج- المقصد الأصلي للصلاة وعبادة الله وإفراده بالخضوع والذكر والامتثال.
د- المقصد الأصلي لحضور المحاضرات: التحصيل العلمي والتزود بالمعارف والفنون.
٢- تعريف المقاصد التبعية أو التابعة:
المقاصد التابعة هي المقاصد والحِكم التي قصدها الشارع تبعًا وتكملة وتتميمًا للمقاصد الأصلية؛ فهي مشروعة بالقصد الثاني التابع للقصد الأصلي، وبقصد التكميل والتتميم.
وقيل: إنها المقاصد التي روعي فيها حظ المكلف وتدخل فيها حاجياته وكمالياته، أي مطالبة الحاجية التي تقرب من الضرورية، أو التي تخدم الضرورية وتكملها وتتمها، ومطالبة التحسينية التي تؤخذ بها من أجل تحقيق أكمل المراتب وأزين الحالات، وأحسن أوضاع المعاش والمعاد.
أمثلتها باختصار:
١- المقصد التابع للزواج هو الاستمتاع بالزوجة، والأنس بالذرية، وتحصيل المودة والسكن والرحمة والتجمل بمال المرأة، وغير ذلك.
٢- المقاصد التابعة لطلب العلم هو تحصيل الشرف العلمي، ونفوذ القول، وجلب الاحترام والمناقب الحميدة والمآثر الحسنة.
٣- المقصد التابعة للصلاة هو حصول الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، وإعلان الآذان وإظهار شعائر الإسلام.
٤- المقصد التابع لحضور المحاضرات والحضور، والمشاركة والانتباه.
стр. 155
ولذلك جعل الحضور شرطًا تابعًا ومكملًا لتحصيل العلم؛ إذ لو انعدم الحضور لعدم المقصد الأصلي، والذي هو تحصيل العلم وترسيخ المعارف في النفس.
تفصيل الأمثلة كما ذكرها الشاطبي:
ذكر الشاطبي أمثلة كثيرة للمقاصد الأصلية والتابعة يمكن الرجوع إليها في موضعها قصد زيادة التعرف والتبيين، ويمكن إيراد بعضها بإيجاز شديد:
١- المقصد الأصلي للصلاة هو الخضوع إلى الله تعالى، وإفراده بالتوجه وإتمام المذلة والصَّغَار بين يديه تعالى، وما أشبه ذلك.
أما مقاصدها التبعية فهي: النهي عن الفحشاء والمنكر، والاستراحة إليها من أنكاد الدنيا، وطلب الرزق بها، وإنجاح الحاجات كصلاة الاستخارة والحاجة، ونيل الفوز بالجنة والنجاة من النار.
٢- المقصد الأصلي للصيام الخضوع والعبادة والامتثال، والمقاصد التابعة الدخول من باب الريان والاستعانة على التحصن في العزبة، وسد منافذ الشيطان.
قال الشاطبي: "وكذلك سائر العبادات فيها فوائد أخروية وهي العامة، وفوائد دنيوية، وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية، وهي الانقياد والخضوع لله"١.
стр. 156
المقارنة بين المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة:
يمكن بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين المقاصد الأصلية والتابعة فيما يلي:
١- المقاصد الأصلية والتابعة: كلاهما من قبيل المقاصد الشرعية التي قصدها الشارع في أحكامه وهديه، وهي كلها تشكل جوهر المقاصد وحقيقتها، وتفضي إلى تحقيق الصلاح والنفع والخير في الدنيا والآخرة، للفرد والمجتمع والأمة وكافة الإنسانية وسائر المخلوقات.
٢- المقاصد الأصلية والتابعة: كلاهما ثابت بالأدلة الشرعية المعتبرة، فهي متفرعة عن تلك الأدلة، ومستخلصة منها بالتنصيص والإجماع والاستنباط والاجتهاد والاستقراء.
٣- المقاصد الأصلية: هي الأصل والأساس والثابتة ابتداء وأولًا، والمقاصد التابعة وكما يدل عليها اسمها ثابتة بالتبع، وخادمة ومكلمة للمقاصد الأصلية.
٤- المقاصد الأصلية: ليس يها حظوظ للمكلف كليًا أو غالبًا، بخلاف المقاصد التابعة ففيها ما لا يحصى من الحظوظ والمنافع التي هواها الإنسان ويريدها، وتتماشى مع شهوته ورغبته، وليس معنى خلو المقاصد الأصلية من الحظوظ انتفاء الصلاح والنفع فيها؛ وإنما يعني فقط أن المكلف قد لا يقصدها ولا يفعلها لأنها جارية على غير هواه وشهواته، بل يُلزم بقصدها وفعلها أحبَّ أم كره.
ومثال ذلك:
الزواج: فإن المكلف يقصده؛ لما في فعله من مسايرة هواه وجلب
стр. 157
منافعها من استمتاع وأنس وسكن ومحبة، وإن لم يقصد الأساس الإسهام في إعمار الكون، وبقاء النسل، وغير ذلك مما قد لا يساير هواه، ولا يلاحظ له كبير أثر في الانتفاع بالحظوظ واللذائذ.
وما يجدر التأكيد عليه أن المقاصد الأصلية والتابعة مفضية كلها إلى جلب حظوظ ومنافع الدارين، وحصول السعادة في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، في الأولى والأخرى.
وذلك يكون بإخراج المكلف من دائرة هواه ورغباته غير المشروعة، وإدخاله في صراط الله المستقيم، ووضعه في منهج الصالحين المتقين الذين يطلبون التكليف، ويفعلون الامتثال، ويؤدون رسالة التعبد والتدين وواجب الاستخلاف والإصلاح سواء وافق ذلك هواهم ورغباتم وشهواتهم أم لم يوافق.
٥- مراعاة المقاصد الأصلية أقرب إلى الإخلاص، وأعمق في الانقياد، وأتم في القصود الخالصة والنيات الصادقة؛ بخلاف مراعاة المقاصد التابعة الذي قد تشوبها شائبة الجري وراء الشهوات العابرة والحظوظ العاجلة؛ الأمر الذي قد يخشى معه من حصول الشبهات في أداء واجب التكليف، ومن حصول العواقب الوخيمة، والمآلات السيئة بانتهاء التكليف إلى ما يخالف مراد الشارع ويجلب الخسران، والهلاك والعياذ بالله.
٦- المقاصد الأصلية تختلف عن المقاصد التابعة من حيث تأكيد طلب الفعل وتحتيمه والتشديد فيه فالمقاصد التابعة طلب فعلا طلبًا أقل تأكيدًا وتشديدًا من المقاصد الأصلية؛ ولذلك لأن المقاصد التابعة مسايرة لما جبل عليها الإنسان، وموافقة لرغباته وملائمة لطبعه، فلا يحتاج إلى
стр. 158
زيادة التأكيد على الفعل والالتزام؛ ففي مثال طلب العلم، يكون المقصد الأعلى كما ذكرنا يتعلق بالتعبد والطاعة وتخليص نية المتعلم والعالم من الشرك والرياء وحب السمعة الشهرة، ولذلك وقع التأكيد في مواضع كثيرة، وبصيغ وكيفيات قاطعة وملزمة على تحري ذلك المقصد وتحصيله وملازمته.
أما المقصد التابع فيتمثل في شرف المرتبة، ونفوذ القول، وجلب الاحترام والتقدير، وحظ التقديم والتفضيل، وغير ذلك ما هو مرجو، ومقصود من قبل صاحب العلم وعموم الناس، ولا يحتاج إلى زيادة التشديد في طلبه والتأكيد على فعله واستحضاره؛ ففطرة الإنسان آيلة إليه، وطباع البشر وجبلاتهم تنشده وتسعى إليه، وتجاهد من أجل تحصيله وتحقيقه.
مرتب المقاصد التابعة وحكمها وحجيتها:
قلنا: بأن المقاصد التابعة تخدم وتكمل المقاصد الأصلية؛ فبينها وبين المقاصد الأصلية علاقة تكامل وتتميم، فانتفاء المقاصد الأصلية يؤدي لا محالة بصورة قطعية ويقينية إلى تفويت وتعطيل المقاصد التابعة، أما اختلال أو انتفاء المقاصد التابعة؛ فإنه يؤدي إلى اختلال أو انخرام كلي أو أغلبي للمقاصد الأصلية، وعليه فإن مراتب المقاصد التابعة من حيث تعلقها بالمقاصد الأصلية، أو من حيث تأكيدها وخدمته للمقاصد الأصلية ثلاث مراتب:
стр. 159
المرتبة الأولى:
المقاصد التابعة المؤكدة والمقوية للمقاصد الأصلية، وتسمى: المقاصد التابعة المشروعة:
هذ المرتبة من المقاصد مقوية ومؤكدة للمقاصد الأصلية؛ فهي إذن مشروعة ومأذون فيه؛ لأنها مؤدية إلى تحقيق المقاصد الأصلية، وواقعة ضمن المباح والمشروع والمأذون فيه، ويجوز للمكلف قصدها وفعلها، وهذه المرتبة تقع في مجال العبادات وفي مجال المعاملات.
ففي مجال العبادات كأن يقصد المكلف في تعبده توفيق الله وتأييده واستجابة دعائهن، وأن يحظ له نفسه وأهله وأولاده وماله وأمنه، وكل هذه القصود والأعمال راجعة بحظوظ ومنافع للمكلف في العاجل قبل الآجل؛ غير أن هذه الحظوظ الواقعة في دائرة المشروع والمباح، ومقوية ومؤكدة للمقاصد الأصلية.
وفي مجال المعاملات والعادات، كأن يقصد المكلف النكاح باعتبار قصد التناسل والإعمار، وباعتبار الاستمتاع بالزوجة وتحقيق السكن والمودة والرحمة والألفة والتوافق وغير ذلك مما يؤدي إلى تقرير المقصود الأصلي المتعلق بالتناسل والتوالد والإعمار.
المرتبة الثانية:
المقاصد التابعة المضادة للمقاصد الأصلية والمعارضة لها، أو التي تُسمى المقاصد التابعة غير المشروعة.
стр. 160
وتشمل هذه المرتبة جميع المقاصد التابعة المعارضة للمقاصد الأصلية، والتي تعود عليها بالإبطال والإلغاء، وما كان كذلك فهو ممنوع وملغي ومردود.
وهي واقعة كذلك في مجال العبادات والمعاملات:
ففي مجال العبادات، كأن يقصد العابد بتعبده جلب الشهرة والسمعة، وكسب ثناء الناس وأموالهم واستعطاف قلوبهم؛ فهذا لا شك في بطلانه وفساده؛ إذ أصل العبادة ومقصودها الأساسي إفراد الله بالعبادة والتوجه، وتخليص القصود من كل شوائب النفاق والرياء والتظاهر؛ ليقال فلان عابد وزاهد وتقي وصالح.
وفي مجال المعاملات؛ كأن يتزوج من أجل المتعة الجنسية أو يتزوج بنية التوقيت والتطليق، أو يتزوج لتحليل المرأة لزوجها الأول الذي طلاقها ثلاثًا؛ ففاعل ذلك فاعل لقصد معارض للقصد الأصلي من الزواج، والذي والتناسل؛ ولذلك يحكم على كل ذلك بالفساد والمنع، لانخرام واختلال المقصد الأصلي.
المرتبة الثالثة:
المقاصد التابعة الواقعة بين المرتبتين: مرتبة التكميل والتأكيد، ومرتبة المعارضة والمضادة.
وهذ المرتبة مختلف فيها، ويمكن أن تلحق بإحدى المرتبتين المذكورتين "مرتبة التكميل والتأكيد، ومرتبة المعارضة والمضادة. بحسب النظر الشرعي الصحيح، والبحث الاجتهادي الأصيل.
стр. 161
ومثال ذلك:
تحصيل العلم وتأليف الكتب قد يكون مقصوده الأصلي التعبد والطاعة، وقد يقصد المكلف حمد الناس وشكرهم ومدحهم، فيُحكم على هذا القصد بالمنع والفساد، إذا كان المبعث الرياء والسمعة والشهرة، ويحكم عليه بالجواز والصلاح إذا كان المبعث التربية بالقدوة، والحث على طلب العلم ونشره.
فالحكم الأول: يجعل القصد من قبيل المرتبة الثانية، أي من قبيل المقاصد التابعة المؤكدة المقوية للمقاصد الأصلية.
أما الحكم الثاني: فإنه يجعل القصد من قبيل المرتبة الأولى، أي من قبيل المقاصد التابعة المؤكدة والمقوية للمقاصد الأصلية.
وإذا كان القصد الأصلي تابعًا للقصد التبعي فلا شك أن البطلان، ولا خلاف في فساد القصد التبعي؛ لأنه حلَّ محل المقصد الأصلي.
ذكر الشاطبي تفاصيل مهمة لهذه المراتب وبينَّها بالتمثيل الموسع والتعليق المفيد فليرجع إليه في مظانه١.
стр. 162
المبحث السادس: تطبيق مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية
مدخل
...
المبحث السادس: تطبيق مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية
الجانب التطبيقي لمقاصد الشريعة مهم للغاية، ويحتاج إليه الباحث والدارس والفقيه والمجتهد والقاضي والمفتي والمكلف: وسائر من أراد فهم خطاب الشارع وتعاليمه ومقاصده وغاياته.
والجانب التطبيقي لمقاصد الشريعة معناه: الاهتمام بالوقائع والشواهد الحياتية المختلفة في ضوء المقاصد الشريعة من خلال فهمها وتنزيلها على وفق مراد الشارع ومقاصد أحكامه ومصالح الدنيا والآخرة، جلبًا للمنافع ودرءًا للمفاسد.
والمقاصد الشرعية تنطبق على كافة مجالات الأحكام الفقهية المختلفة؛ ولكن بتفاوت من حيث الجلاء والخفاء، وطرق الإثبات ومسالك التبيين، غير ذلك مما يتحدد في ضوء المجال الفقهي المعين والمطلوب.
ومجالات الأحكام الفقهية من حيث الإجمال تنقسم إلى قسمين كبيرين:
- مجال العبادات.
- مجال المعاملات "البيوعات، الهبات، الأنكحة، الجنايات ... ".
غير ان التقسيم من الناحية المقاصدية فهمًا وتنزيلًا يكون على النحو التالي:
١- مجال العبادات.
٢ مجال التصرفات المالية.
٣- مجال التبرعات.
٤- مجال النكاح.
٥- مجال القضاء والشهادة.
٦- مجال العقوبات.
٧- مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 163
المطلب الأول: مقاصد العبادات الأصل في العبادات التوقيف
العبادات هي جملة الأقوال والأعمال التي يقوم بها المكلف بكيفية مخصوصة على سبيل التقرب إلى الله تعالى والامتثال والانقياد والخضوع إليه.
والعبادات محددة ومبينة إجمالًا وتفصيلًا، تم ضبطها وبياها وتفصيلها وشرحها في نصوص القرآن الكريم، وفي السنة النبوية القولية والفعلية والإقرارية.
وهي ثابتة وباقية ودائمة إلى يوم القيامة، لا ينبغي تغييرا وتبديلها، ولا يجوز البتة الزيادة فيها أو التنقيص منها؛ لذلك منعت البدعة والزيادة، كما مُنع التهاون والتقصير والتنقيص، وليس على المكلف إلا أن يلزم الأمر الشرعي، والإلزام الرباني الذي بين العبادة المطلوبة للشارع والمرادة له.
فمقصود الشارع في العبادة والطاعة أن يعبدوه ويطيعوه كما أمرهم وكلفهم، وليس كما اشتهوا واجتهدوا وغيَّروا ولذلك تقررت القاعدة الشرعية المقاصدية المعروفة: "لا يُعبَد الشارع إلا بما شرع".
стр. 164
قال الشاطبي: "إن مقصود العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة قلبه بذكره حتى يكون العبد بقلبه وجواره حاضرًا مع الله ومراقبًا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته، وما يقرب إليه على حسب طاقته"١.
توقيفية العبادات لا يعني خلوها من الحِكم والفوائد والمصالح:
القول بأن العبادات توقيفية غير معللة لا يعني البتة خلوها من المصالح والحِكم والفوائد؛ وإنما يعني فقط ثبوتها ودواما على ذلك الأمر؛ كي لا تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال، وكي يتحقق منها واجب التدين والتعبد والامتثال؛ إذ لا يعد الإنسان مطيعًا ومنقادًا إلا إذا فعل ما أمر به من مطيعه على الوجه الذي أراد وبالكيفية التي طلب؛ فالعبد إذا أعطي لسيده عصيرًا، وقد طلب منه ماء لا يعد مطيعًا، والمكلف الذي يصوم كل عمره بلا انقطاع لا يعد عابدًا ولا متقربًا؛ لأنه فعل ما يخالف أمر الله في الصوم ومراده فيه؛ إذ الصوم لم يشرع إلا في أزمنة معينة، وليس كامل حياة الإنسان، ولم يؤمر به إلا لاشتماله على منافع وحكم كثيرة في الدنيا والآخرة، وقد جمع الله تعالى كل تلك المنافع والحكم في مقصود جامع وهدف كلي، هو بلوغ التقوى وتحصيلها ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ، وأرقى درجات تلك التقوى وأعلى مراتبها: عبادة الله، والامتثال إليه في عبادة الصوم التي جعلها الله تعالى لنفسه دون غيره: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"٢.
ولعل معنى هذا أن الصوم امتناع عن الفعل بخلاف العبادات الأخرى التي
стр. 165
هي أداء وقيام بالفعل كالصلاة والزكاة والحج، وما كان كذلك فمن الصعب غالبًا أن يكتشفه الناس ويعلموا به؛ ولذلك نسبه الله تعالى لنفسه الدالة على شدة الإخلاص فيه، وخلوه من شوائب الرياء والسمعة والشهرة.
والعبادات كلها معللة، أي: مشروعة لعلل وحكم وفوائد في الدنيا والآخرة، للفرد والمجتمع؛ غير أن ذلك التعليل يكون على ضربين:
١- كل العبادات معللة في الجملة والعموم بجلب مصالح الناس ومنافعهم في الدنيا والآخرة، وتلك المصالح ولمنافع تُجلَب بطاعة الله وعبادته، والخضوع والانقياد إليه.
وقد علم يقينًا وقطعًا أن العبادة مشروعة؛ لا يعود على العابد من مصالح الدنيا والآخرة، بتحقيق الأمن والسلامة، والفوز بمرضات الله وجناته؛ فالله تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، لا تضر معصية العاصين.
٢- بعض العبادات التفصيلية معللة بما يجلب للإنسان بعض المنافع الظاهرة والدنيوية، كالطهارة، ورفع الحرج والشدة والمشقة غير المعتادة.
ومثال ذلك:
قوله تعالى في الطهارة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ١.
وقوله في الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ٢.
стр. 166
وقوله في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١.
وقوله في جماع الزوجة في الحيض: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا﴾ ٢ وغير ذلك كثير.
فتعليل بعض الأحكام التعبدية ببعض المنافع والفوائد الدنيوية مقرر ومعلوم وثابت؛ غير أنه ليس المقصود الأول، ولا المطلوب الأصلي؛ وإنما هو يأتي في المرتبة الثانية بعد مرتبة التعبد والطاعة والامتثال؛ إذ المقصد الأصلي من العبادات هو الخضوع والانقياد، والمقصد التبعي هو نيل بعض الحظوظ والمنافع العاجلة؛ ولكن يشترط في المقصد التبعي، أو قصد الحظوظ والمنافع أن لا يكون المقصدَ الأول والمراد الأصلي؛ بل لا بد أن يكون المقصد الأصلي في الأول والأخير: عبادة الله والخضوع إليه، وطلب عفوه ومرضاته وجناته.
فالقول بكون أصل العبادات التعبد والتوقيف، وعدم الالتفات إلى المعاني، لا يعني -كما ذكرنا- خلو تلك العبادات من الفوائد والمعاني والحكم، ولا يعني كذلك إجراء الأقيسة على تلك العبادات، المقدرة، وإيجاد عبادات أخرى، أو إحداث الزيادة أو التنقيص في تلك العبادات؛ فقد يقول البعض: إذا كان القصد من العبادة هو التقرب من الله؛ فلماذا لا نكلف الإنسان بعبادات أخرى حتى يكون قربه من الله أكبر وأعمق؟
وقد يقول البعض: إذا كان الأذان مشروعًا للإعلام والنداء والتجميع،
стр. 167
فلماذا لا نشرع الأذان في العيدين والكسوفين، كي نحقق المقصود منه، وهو الإعلام والنداء والتجميع؟
وقد يقول البعض: إذا كانت الصلاة راحة للنفس والبال، واطمئنان الجماعة، وتوحدهم في الصف وفي الحياة، لماذا لا نؤديها جلوسًا على الكراسي، بدلا من الوقوف الذي قد لا يحدث الراحة، والاطمئنان، والوحدة أو النظام أو غير ذلك؟
وقد يقول البعض: إذا كان الحج مشروعًا لجلب المنافع؛ فلماذا لا نقتصر على بعض أعماله وأركانه، ولماذا لا نتجنب مواضع الازدحام الشديد المفضي إلى الهلاك الشديد، وإلى تفويت المنافع الكثيرة والفوائد الجليلة، كفائدة الراحة والاستراحة، والبعد عن محيط الأوساخ والتلوث البيئي والاجتماعي، لا سيما في أوقات الذورة القصوى، كيوم عرفات، وأيام مني، وغير ذلك؟.
والحق أن أقوال الناس وتخيلاتهم لا تنتهي لو تركت العبادات إلى أهوائهم وتشهياتهم، أو لو شرعت من أجل ما فيها من المعاني والفوائد فقط أو غير ذلك.
ولذلك كله حددت العبادات وضبطت على سبيل الإجمال والتفصيل، وإلى سبيل التعبد والتقرب، وهي مشروعة لصلاح الناس وإسعادهم في الدارين، بتحقيق مرضاة الله والفوز بجناته في الآخرة، وبتحصيل المنافع والحظوظ الدنيوية التبعية المتفرعة عن أصيلة التعبد والامتثال.
مقاصد بعض العبادات:
المقصد الأصلي للعبادات -كما ذكرنا- هو تحقيق العبودية لله والانقياد له.
стр. 168
وهناك بعض المقاصد التبعية والثانوية لتلك العبادات تفصيلًا وإجمالًا.
ويمكن أن نورد هذا بعض تلك المقاصد التبعية لفرائض الصلاة والزكاة والصوم والحج والكفَّارات على النحو التالي:
مقاصد الصلاة:
- تحقيق مبدأ الامتثال والانقياد في نفس المصلي، وتعويده على الطاعة والتعبد والانتظام في منهج التكليف والاستخلاف.
- إصلاح النفس وتهذيبها، وتخليصها من الفواحش والمنكرات والهواجس والأوهام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١.
- انشراح الصدر وطمأنة القلب وإراحة البال، ولذلك قال الرسول صلى اله عليه وسلم لبلال: "أرحنا بها يا بلال". كما شُرعت الطهارة والصلاة للغضبان والمصاب والمكروب وغيرهم.
- تحقيق الآثار الاجتماعية والإنسانية وتنميته، على نحو الأخوة والتضامن والتواضع والمواساة، ونفي الفُرقة ولتمييز والتفرقة بسبب الجنس أو اللون أو الغنى أو الفقر أو الجاه أو المحسوبية أو ما شابه ذلك؛ فالكلُّ موقوفون ومصطفون في مكان واحد بين يدي الله الواحد الأحد الفرد الصمد.
مقاصد الزكاة:
- تحقيق مبدأ الامتثال والانقياد لله تعالى، وتقرير شكره وحمده والثناء عليه.
стр. 169
- تطهير نفس المزكِّي من الشح والأنانية، ومن عبادة المال وتقديسه.
- تثبيت أصيلة الإنفاق والعطاء والبذل في نفس المزكي.
- تطهير المال من الآفات والنقصان والتلف والتآكل، وقد جاء في كثير من الأدلة أن الزكاة والصدقات تزيد المال كمًا وبركةً، وتُنمِّيه، وتُبعد عنه الآفات والكوراث والجوائح.
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ٢.
قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٤.
ثم أن المزكي يلحق به وبأهله وذريته وذويه بركات وآثار دعاء الناس، وثناء الفقراء وشهادة الملائكة، وجزاء الخالق الكريم في العاجل والآجل، مما يكون سببا في زيادة الأموال ونمائها وبركتها وسلامته من النقصان والضياع والتلف.
- تحقيق أواصر التضامن والتآلف والتراحم والتواد، مما يكون له كبير الأثر على مستوى وحدة المجتمع وقوته مَنَعَته، وسلامته من الأحقاد والضغائن والتحاسد والتباغض.
стр. 170
- تنمية المجتمع وتطوير تجاراته وصناعاته ومهنه وحرفه وتقوية اقتصادياته ومعاملاته بترويج المال وعدم كنزه وإدخاره، بِسدِّ حاجات الفقراء والمساكين، وتخليص أصحاب الديون والأسرى والمحبوسين والغارمون، وفي الرقاب؛ لكي ينطلقوا في الأرض عملًا وإنتاجًا وإبداعًا، وكل ذلك له في علم الاقتصاد دوره في تقوية التنمية والاقتصاد النماء الحضاري بشكل عام.
مقاصد الصيام:
- تحقيق مبدأ الامتثال والانقياد إلى الله تعالى.
- تحقيق التقوى، والوقاية من كل العيوب والأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية.
- سد منافذ الشيطان وتضييقها، مما يكون له الأثر في إزالة المعاصي والمنكرات أو تنقيصها وتقليلها.
- تذكر الفقراء والمحتاجين والمعوزين.
- تذكر هموم الآخرة وأهوالها، بسبب العطش الشديد والجوع الشديد في أرض المحشر، وفي نار جنهم، والعياذ بالله.
- تعويد الصائم على الصبر والتضحية، ومواجهة أعباء الحياة ومشاقها وآلامها.
مقاصد الحج:
- تحقيق العبودية والامتثال، لما فيه من الأعمال والأقوال التي تعظِّم الرب ﵎، وتعظم شعائره ومناسكه وأوامره.
стр. 171
- تحقيق المساواة والوحدة والقوة.
- تذكير الناس بيوم الحشر والإنسان ودفنه وتركه وحيدًا في قبره.
- تحصيل بعض المنافع والفوائد الاقتصادية والاستطلاعية.
مقاصد الكفارات:
- تحقيق الامتثال والانقياد، وتقرير أصلية العبادة ومهابتها وتعظيمها وعدم التهاون فيها.
- إصلاح الأخطاء وجبرها، وكالإفطار عمدًا في رمضان، والحنث في اليمين.
- إراحة النفس من هموم التفكير في المعصية والانحراف والتعدي على حق الغير.
- تحرير العبيد وإطلاق سراحهم، وإطعام الجائعين والمحتاجين وسد حاجاتهم ومطالبهم، وقد كان من أصناف الكفارة عتق الرقبة، وإطعام المساكين.
- زجر المخطئين كي لا يعودوا إلى ممارسة الخطأ مرة أخرى، وفي هذا تأكيد على إصلاحهم وتهذيب سلوكهم وتربيتهم على عدم التشوف إلى المعاصي والمنكرات، وعدم الالتفات إليها وكراهة معاودتها وتكرارها.
стр. 172
المطلب الثاني: مقاصد التصرفات المالية
التصرفات المالية: هي جملة المعاملات المالية المتصلة بالبيع والشراء وبالإجارة والمزارعة والمساقاة والسلم والضمانات وغير ذلك؛ مما يكون فيه التعامل المالي قائمًا على تبادل الأموال والممتلكات والأمتعة والعوضات.
وهناك من سمى المعاملات المالية بالمعاوضات؛ لما فيها من التعاوض والتبادل بين المتعاملين أو المتبايعين، ومقاصد التصرفات المالية يمكن أي تجملها فيما يلي:
- حفظ المال وصيانته من الضياع أو الركود أو التناقض، أهم الأحكام التي شرعت لتحصيل هذ المقصد هو الحث على العمل، والكسب الحلال، والبحث عن الرزق، وإجلاله، وجعله عبادة وقربة يثاب عليها صاحبها.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ١.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢.
- إباحة البيوعات والإجارات وكما يسهم بطريق مشروع في تبادل الأموال وترويجها بين الناس.
- تحريم السرقة والرشوة والغصب، وتشريع العقوبات والزواجر والجوابر المترتبة على ذلك.
- تحريم تبذير المال وإضاعته، ولو في المباح المشروع.
- ضمان المتلفات، ولو ممن اضطر غلى ذلك الإتلاف.
стр. 173
- إباحة الدفاع عن المال، والمقاتلة من أجله.
- توثيق العقود والاستشهاد عليها، وتشريع الرهن وتحريم المعاملات التي فيها الغرر.
- توثيق الديون والاستشهاد عليها، والحث على الوفاء بها وتسديدها في آجالها.
- تحريم كنز الأموال وتكديسها دون استثمار لها أو استفادة منها، كما يفعل أصحاب الاحتكار والربا والجشع وغيره.
- تحريم كل صور وأوجه أكل أموال الناس بالباطل، كالتحايل والتزوير واستغلال النفوذ والسلطة السياسية والعلمية أو الإدارية أو الدينية، والتغرير والغبن والغش والأجرة على الشعوذة والدجل والكهانة والسحر وغير ذلك.
والخلاصة أن حفظ المال يعد إحدى الكليات الشرعية والمقاصد المعتبرة التي أثبتتها طائفة لا تحصى كثرة من الأدلة والأحكام.
стр. 174
المطلب الثالث: مقاصد التبرعات
التبرعات: هي التصرفات المالية بدون عوض مالي، أي: هي ما يعطيه المعطي من مال على سبيل الإحسان والمعروف، وبقصد وجه الله تعالى، ونيل مرضاته والفوز بجناته، وهي تشمل الصدقات والهبات وإسقاط الحقوق المالية، كإسقاط حق الدَّين، أو الضمان، أو ما شابه ذلك.
стр. 175
مقاصدها تتمثل أساسًا في:
- دوام الإحسان والمعروف، والحث على فعل الخير والفضائل والمحاسن.
- إعانة أصحاب الحوائج والكرب والنوائب والأزمات، وتفريج كربهم وإدخال المسرة إلى نفوسهم.
- تمتين أواصر المجتمع، وتعميق الروابط الإسلامية والإنسانية والتضامنية بين قلوبهم، وفي هذا تحقيق للوحدة والقوة والعزة، وطريق لبناء الأمة الإسلامية والحضارة الإيمانية الراشدة.
- نفي معاني الجشع والأنانية والشح والبخل، ودفع ظواهر الأحقاد والكراهية والتباغض التي قد يكون ترك التبرع وترك العون أحد أسبابها الأساسية.
- تظهير المال وتزكيته وتنميته وتحقيق بركته، ونفي أو تخفيف أعباء الحساب الشديد يوم القيامة إزاء أموال الإنسان وممتلكاته، وما يتعلق بطرق جمعها وتحصيلها، وأوجه صرفا وإخراجها، وهل أدى حق الله تعالى فيها أم لا؟
التبرعات في أنظمة الدول والجمعيات والهيئات والمحلية والعالمية:
التبرعات أمر تُقرُّ به الدول والجمعيات والهيئات المحلية والعالمية، وتدعو إليه وتحث عليه، ولا سيما في الظروف الصعبة والأزمات الشديدة.
وهي تفعل كل ما في وسعها من وسائل الدعاية والإعلام، وإجراءات التنفيذ والترتيب، ومن تجنيد الخواص والعوام، والدساتير والأنظمة القوانين التراتيب والأوامر، وغير ذلك.
стр. 176
إنها تفعل ذلك بغرض تقرير أصلية التبرع في النفوس الإنساية والهياكل والجمعيات والتجمعات، وتحقيق مقاصده وغاياته الإنسانية والتنموية والإنقاذية.
وهذا الأمر مشروع في حد ذاته ومرغوب فيه، ويعمق في النفوس والمجتمات أواصر التعاون والتحابب والمواساة؛ شريطة أن يستخدم في أغراضه المشروعة، وأن يصرف في وجوهه المطلوبة، وأن لا يتحول إلى وسيلة لابتزاز أموال الناس والتحايل في أخذها، وإلى أن يتحول نعيم التبرع إلى جحيم البخل، بسبب سوء الاستخدام والتوظيف والتطويع.
فنفس المتبرع ترتاح وتطمئن؛ إذ شاهدت تبرعها ساريًا في صنوف الخير، وأنواع المعروف وهو مما يقوي فيها أصلية التبرع وحب الإنفاق والحرص عليه؛ أما إذا لاحظت خلاف ذلك؛ فإنها ترتد إلى نفسها بخلًا وشحًا، وهذا على خلاف مقصود الشارع من تشريع التبرعات، الذي أراد دوام فعلها ودوام آثارها في العاجل والآجل.
ثم إن المنطلق العقدي والتعبدي لسلوكية التبرع يزيد في تقويته ودوامه وتأصيله؛ ذلك أن المتبرع يفعل ذلك لوجه الله أولًا، ثم لإعانة أخيه ومساعدته. وهذا ما يجعل التبرع في الإسلام حقيقة ذاتية وسلوكًا إنسانيًا أصيلًا يؤدي بالاختيار والطواعية وطيب النفس، لا ببغضها واشمئزازها، بسبب الإكراه والتحايل والإحراج والتغرير.
стр. 177
المطلب الرابع: مقاصد النكاح
النكاح سنة كونية وفطرة إنسانية ومنَّة إلاهية، وله عديد المقاصد والفوائد في الدارين، ومن تلك المقاصد والفوائد نذكر ما يلي:
١- حفظ النسل وتكثيره؛ بغرض إعمار الكون وبقاء النوع والإنساني، وكذلك إكثار أفراد الأموة المسلمة وتقويتها وتمكينها في الوجود الحياتي والكوني حتى تكون مرهوبة الجانب، عزيزة الذات، فاعلة الأثر والتأثير، وحتى تؤدي رسالة الاستخلاف في الأرض، والشهادة على الناس.
لذلك جاءت الأدلة الشرعية تحث على الزواج والإنجاب، وترغب في التناسل، وتحرم قتل الأولاد والبنات بسبب الفقر أو العار أو ما شابه ذلك وتحظر الإجهاض إلا عند الضرورات القصوى، كأن يخشى على الأم من الموت بسبب خطر الجنين، فيباح إجهاضه؛ لأن المحافظة على الأصل مقدمة على المحافظة على الفرع.
٢- حفظ النسب والعرض، وصيانته من الفوضى والاختلاط والتداخل والتلاعب، والنسل الذي ذكرناه بأنه مقصد شرعي للنكاح هو النسل المضبوط والمنضبط بمعرفة النسب الصحيح، وإلحاق الفروع بأصولها الحقيقية، ومراعاة الكرامة والعفة والحياء، ومنع كل ما يخل بحق الإنسان في النسب الصحيح، والعرض الشريف والنظيف والعفيف؛ لذلك شرعت أحكام الزواج الشرعي الصحيح، ومنع الزنا واللواط والسحاق، ومعاقبة الشاذين والمنحرفين، ومنع التبني.
ولذلك أيضا منعت الذارئع والأسباب المؤدية إلى الإخلال بمقصد
стр. 178
حفظ النسب والعرض، كالخلوة والنظر بشهوة والعدة، وكذلك منعت بعض الحوادث والنوازل المعاصرة، لكونها مفضية إلى هتك هذا المقصد وخدشه وتفويته، كتجميد الخلايا الجنسية واستئجار الأرحام.
٣- تحقيق السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، وتحقيق التآلف والتعاون على البر والتقوى ودوام العشرة بالمعروف، ومما يكون له الأثر الكبير في عبادتهما وانقيادها لله تعالى، وفي إعمار الأرض وإصلاحها وتجميلها وجعلها مزرعة للآخرة وممرًا لها.
ولم يعد خفيًا ما تعانيه المجموعة الدولية -بتفاوت ملحوظ بحسب الاعتبارات الدينية والأخلاقية- من آثار الشذوذ الجنسي، وتعاطي المخدرات، مزاولة العنف والتقتيل والترويع، وغير ذلك مما هو نتيجة حتمية في الغالب لتفكك الأسرة، وتهميش دورها التربوي والوجداني والحضاري بصورة عامة.
فلعل بعد كل ذلك نكون قد بّينا لك أخي الدارس والقارئ ما للأسرة المُسلمة الصالحة من دور فعال، وتأثير ملحوظ في بناء الأجيال والمجتمعات، وتحقيق الأمل المنشود المقصد المفقود، ألا وهو الأمة التي أخرجت للناس لإصلاحها وإسعادها في المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١.
٤- بناء الأسرة المسلمة وإيجاد المجتمع الصالح: من مقاصد النكاح بناء الأسرة المسلمة المكونة من الزوجين الشرعيين ومن الأصل والفروع، التي
стр. 179
تطيع ربها وتعمل بأحكامه وتعاليمه، وتسهم في بناء المجتمع الإسلامي الصالح، وبناء الأمة المُسلمة الرائدة والقائدة.
ومعلوم أن الأمة المُسلمة قد اختارها الله تعالى لتكون خير أمة أخرجت للناس بسبب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، وأداء العمل الصالح، والقيام برسالة الاستخلاف بكل صورها ومجالاتها وأبعادها.
وهذه الأمة لن تحقق إلا ببناء المجتمعات والشعوب الإسلامية على اختلاف أعراقها وألوانها وقاراتها ودولها وتقاليدها وخاصياتها، وبناء تلك المجتمعات والشعوب متوقف على إيجاد وبناء الأسرة المسلمة الصالحة المتزنة المستقيمة العارفة بعقيدتها الصحيحة وتدينها المطلوب وتعاملها الرشيد.
فتكون النتيجة المستخلصة والبدهية، أن الأمة المسلمة بأسرها متوقف وجودها ونجاحها على الأسرة المُسلمة الناجحة والناهضة والمجتهدة.
إن الأسرة المُسلمة مطلب له أهميته الكبرى، ومقصد شرعي دلت عليه القواطع والظاهر والقرائن المختلفة، وهو طريق وجود الأمة ووحدتها وتقدمها وقوتها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولقد أدرك خصوم الأمة وأعداؤها أهمية الأسرة المُسلمة ودورها الحضاري العام، وشأنها في تحقيق السيادة والشهادة على الناس، فراحوا يعملون بوسائل شتى لأجل تحجيمها وتشتيتها وإضعافها، ولا سيما أن كثيرًا من الأسر والمجتمعات غير المسلمة تعيش أوضاعا أخلاقية لا تحسد عليها، وتشهد التفكك الأسري، والميوعة الأخلاقية، والتسيب القيمي، والتهارج القانوني والنظامي بشك مفزع وخطير.
стр. 180
وقد زاد هذا في غيظهم ومكرهم وحرصهم على تدمير الأسرة المسلمة، الحصن الحصين لسلامة الأمة وقوتها وتمكينها.
٥- تطهير المجتمع من الأمراض الجنسية والآفات الخلقية: لعل هذا المقصد متضمن في المقصد السابق، المتعلق ببناء الأسرة المسلمة، والمجتمع الإسلامي، والأمة القوية والرائدة، المرتكزة على طهارة الظاهر والباطن، والسلامة من العيوب والأمراض الجنسية والخلقية والحضارية بشكل عام، وفي أغلب الأحيان وأكثرها؛ غير أننا أفردنا هذا المقصد بالذكر والبيان لأهميته وخطورته، ولا سيما في العصر الحالي وفي كثير من المجتمعات والدول التي شهدت ما لا يحصى من المشكلات والأزمات القانونية والسياسية والاجتماعية؛ بسبب الأمراض الجنسية الخطيرة "الزهري، السيلان، الإيدز ... " وبسبب العاهات والآفات الخُلقية والقيمية التي أدت إلى التحلل الاجتماعي العام، والتَّسَيُّب الأسري الملحوظ.
بعض النوازل المعاصرة التي ضيعت مقاصد النكاح:
أ - تجميد الخلايا الجنسية للزوج قبل وفاته ووضعه فيما يعرف ببنوك المني، ثم تلقيح بويضة الزوجة عند رغبتها بعد وفاة الزوج ولو بسنين؛ فهذه العملية، والتي تمت كما يقال في إطار الزوجية أو بين زوجين شرعيين؛ غير أنها واقعة فعلى خلاف مراد الشرع في التلقيح والإنجاب.
ووجه المخالفة أن العملية قد وقعت بعد وفاة الزوج، وفي ظروف قد تؤول إلى ما لا يحصى من المفاسد والفتن، وعلى نحو التذرع بذلك