← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7310

علم المقاصد الشرعية

نور الدين الخادمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

البحث، ويمكننا إيراد طائفة أخرى من الأدلة على سبيل الاختصار الشديد. ومن تلك الأدلة: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. ٢ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٢. ٣- قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٣. وقوله ﷺ : "إن هذا الدين يُسْر ... " ٤. ومن شواهد كون المصالح الشرعية مقصودة ومرادة من قبل التشريع الأحكام الشرعية نفسها، والفروع الفقهية التي تنطوي على مصالحها ومنافعها العائدة على العباد والخلق أجمعين. ومن تلك المصالح الموجودة في الأحكام: مصلحة البيع في سد الحاجة وتبادل المنافع، ومصلحة الزواج في الاستجابة إلى الفطرة وسد الحاجة الجنسية وتحصيل السكن والمودة والأنس، وكالطهارة في درء الأوساخ والأمراض وجلب الاحترام.

стр. 72

المبحث الحادي عشر: أنواع المقاصد من حيث قوتها في ذاتها النوع الأول: المقاصد الضرورية "تعريفها-أمثلتها-أدلتها " المطلب الأول: تعريف المقاصد الضرورية ... المبحث الحادي عشر: أنواع المقاصد من حيث قوتها في ذاتها تتنوع المقاصد الشرعية بحسب قوتها في ذاتها إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: المقاصد الضرورية. النوع الثاني: المقاصد الحاجية. النوع الثالث: المقاصد التحسينية. النوع الأول: المقاصد الضرورية "تعريفها - أمثلتها- أدلتها" المطلب الأول: تعريف المقاصد الضرورية المقاصد الضرورية: هي المقاصد اللازمة التي لا بد من تحصيلها لكي يقوم صلاح الدين والدنيا، لأجل إسعاد الخلق في الدنيا والآخرة.

стр. 73

المطلب الثاني: أمثلة المقاصد الضرورية للمقاصد الضرورية أمثلة وشواهد كثيرة، مذكورة في كتب الفقه والأصول والمقاصد والقواعد الشرعية ومذكورة فيما يأتي بيانه بعد قليل. ويمكن أن نورد الأمثلة التالية عى سبيل الذكر وليس الحصر: - الأمر بالإيمان الصحيح، والاعتقاد الراسخ والإقرار بمسلِّمات العقيدة وقطعيات الإسلام. - الأمر بالقيام بالفرائض والشعائر التعبدية. - الأمر بإحياء النفوس، ومنع قتلها وتعذيبها، والاقتصاص من القتلة والمحاربين والمفسدين في الأرض. - الحث على التناسل والتوالد بقصد إعمار الكون وإحيائه. - تحريم المسكرات والمخدارت، والحث على القراءة والتأمل والتفكر في الكون ومقاومة الأمية والجهل والسحر والشعوذة والدجل؛ لأجل الحفاظ على العقل ومكانته ودوره ورسالته في فهم الشرع وتطبيقه في الواقع والحياة. - الحث على العمل والإنتاج والسعي؛ لأجل تحصيل القوت، وتبادل المنافع، وسد الحاجات والضرورات والمطالب اللازمة في استقرار الحياة وتواصلها ونمائها.

стр. 74

المطلب الثالث: أدلة المقاصد الضرورية المقاصد الضرورية لازمة وحتمية لكل أمة وملَّة، وقد دلت عليها نصوص كثيرة وأدلة متنوعة، وقد تأكدت وتقررت بمسلك الاستقراء، الذي هو النظر في كل تلك النصوص والأدلة والتأمل في جزئيات الشريعة وأحكامها، بغرض التوصل إلى تقريرها وتثبيتها. فهذه المقاصد إذن قد ثبتت وتقررت بأدلة ونصوص وجزئيات كثيرة جدًّا، ولم تتقرر أو تثبت بدليل واحد، أو عدد قليل من الأدلة والنصوص؛ ولذلك اتسمت بطابع القطع واليقين، وأي أنها اعتبرت مقاصد قطعية ويقينية لا يختلف فيها الناس، ولا تتعدد فيها الأنظار؛ فالخلاصة من كل ما قيل: إن المقاصد الضرورية ثابتة: - بالنصوص الدالة عليه صراحة. - بالاستقراء والنظر في مجموع تلك النصوص، والذي أدى إلى استخلاصها واستنتاجها وتقريرها.

стр. 75

المطلب الرابع: أقسام المقاصد الضرورية وهي خمسة أقسام: المقاصد الضرورية، كما ذكرنا خمسة أقسام تعرف بالكليات الخمس، وهي: "حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال". ١- المقاصد الضرورية لحفظ الدين: حفظ الدين يعد أكبر الكليات الخمس وأرقاها، ومعناه تثبيت أركان الدين وأحكامه في الوجود الإنساني والحياة الكونية، وكذلك العمل على إبعاد ما يخالف دين الله ويعارضه، كالبدع ونشر الكفر، والرذيلة والإلحاد، والتهاون في أداء واجبات التكليف. ومن أجل حفظ الدين شرع الإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، وسائر الأعمال والأقوال التي تحقق الدين في النفوس والحياة، كالأذكار والقربات والوعظ والإرشاد والنصح وبناء المساجد والمدارس، وتبجيل العلماء والمصلحين والدعاة وغير ذلك. ٢- المقاصد الضرورية لحفظ النفس: حفظ النفس هو الكلية المقاصدية الشرعية الثانية، ومعناها: مراعاة حق النفس في الحياة والسلامة والكرامة والعزة قال تعالى:

стр. 76

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ ٢. ومن أجل حفظ النفس شرعت أحكام كثيرة منها: منع القتل، وتشريع القصاص، ومنع التمثيل والتشويه، ومعاقبة المحاربين وقُطَّاع الطرق والمستخفين من حرمة النفس البشرية، ومنع الاستنساخ البشري والتلاعب بالجينات، والمتاجرة بالأعضاء والتشريح لغير ضرورة معتبرة، وحرق أجساد الموتى، كما أمر بتناول ما تقوم به النفس من أكل وشرب وعلاج. ٣- المقاصد الضرورية لحفظ العقل: حفظ العقل هو الكلية المقاصدية الشرعية الثالثة التي أقرها الإسلام، وأثبتها في كثير من المواضع والمواطن. من ذلك: اهتمامه بالعقل وجعله شرطًا في التكليف فهمًا وتنزيلًا، ومناطًا في التعامل مع أحوال النفس والكون، اكتشافًا لأسرارهما واستنباطًا لقوانينهما والاستفادة من خبراتهما، وقد أمر الله الإنسان بالتفكير والتدبير والتأمل وميزه بذلك عن كثير من المخلوقات، كما أثنى على أصحاب العقول السليمة من المجتهدين والمفكرين والمتدبرين. وكل هذا دليل على مكانة العقل في الإسلام، ودوره الملحوظ في فهم الأحكام واستنباطها وتطبيقها. كما أن العقل قد حفظه الإسلام، واهتم به خلال منع ما يعيقه ويعطله، وذلك كمنع المسكرات والمخدرات والمفترات، وكل ما يغيب

стр. 77

العقل عن دوره في التكفير والتديبر، وكمنع كثرة السهر ودوامه وقتل الأوقات وإضاعتها، كذلك نهى عن بقاء الجهل وانتشار الأمية، وأمر بطلب العلم ونشره وتعميمه؛ لأن بقاء العقل معطلًا بالجهل أو الأمية أو غيرها يعد من أسوء حالات العقل وأفسد سماته وعواقبه. ومن ضروب العناية بالعقل أيضًا: نجد الإسلام قد جعل له حدودًا وقيودًا لا يتعداها ولا يتجاوزها؛ وذلك لأن إطلاق العقل وتحريره بشكل مطلق يؤدي لا محالة إلى مفاسد لا تقل خطورة عن مفاسد تعطيله وتحجيم دوره؛ فحفظ العقل مصان بالوسطية الإسلامية المعهودة بإثبات دوره ومكانته وضبطه بقيود معتبرة وضوابط معلومة. ٤- المقاصد الضرورية لحفظ النسل والنسب والعرض: حفظ النسل: معناه التناسل والتوالد لإعمار الكون. وحفظ النسب معناه: القيام بالتناسل المشروع عن طريق العلاقة الزوجية الشرعية، وليس التناسل الفوضوي كما هو عند الحيوانات، أو في بعض المجتمعات الإباحية المادية التي لا تعلم منها لا أصول ولا فروع ولا آباء ولا أبناء؛ إذ يعيش الفرد أحيانًا كل حياته دون أن يعلم من أبوه ومن أمه. وحفظ العرض معناه: صيانة الكرامة والعفة والشرف. والمعاني الثلاثة المذكورة "النسل والنسب والعرض" تعد المقصد الشرعي الكلي الرابع الذي أقره الإسلام في نصوصه وأحكامه، وأثبته وجذّرَه من خلال تشريعات عدة نذكر منها:

стр. 78

أ- الحث على الزواج والترغيب فيه وتخفيف أعبائه وتيسير مصروفاته، قال الرسول صلى الله عليه سلم: "إن أعظم النكاح بركة أقله مؤنة" ١. ب- منع الزنا، وسد منافذه وذرائعه، كالخلوة والتبرج والنظرة بشهوة والمماسة والالتصاق. ج- معاقبة المنحرفين الممارسين للزنا أو اللواط أو السحاق. د- الأمر بالتمسك بالأخلاق الفاضلة والقيم العليا، والنهي عن الرذائل والفواحش والمنكرات. هـ- منع التبني، ووجوب أن يُدعى الإنسان بأبيه وليس بمتبنيه، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِم﴾ ٢. ٥- المقاصد الضرورية لحفظ المال: حفظ المال معناه: إنماؤه وإثراؤه وصيانته من التلف والضياع والنقصان. والمال كما يقال: قوام الأعمال؛ لذلك عد مقصدًا شرعيًا كليًا وقطعيًا لدلالة النصوص والأحكام عليه. ومن تلك الأحكام نذكر ما يلي: ١- الحث على العمل، والضرب في الأرض، والبحث عن الرزق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ٣. ٢- النهي عن التبذير والإسراف وإضاعة الأموال.

стр. 79

٣- تحريم السرقة، والغضب والغش والرشوة والربا، وكل وجه من وجوه أكل مال الغير بالباطل، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١. ٤- معابة آكلي أموال الناس بالباطل بالحدود والتعزيرات، كمعاقبة السارق بقطع يده، والمحارب أو قاطع الطريق بإحدى العقوبات المنصوص عليها بحد الحرابة في سورة المائدة، والآية هي: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢ وتكون العقوبة لازمة إذا توافرت شروط ذلك. ٥- تضمين المتلفات. ٦- منع اكتناز الأموال وتكديسها كي لا يسهم في تعطيل تروجيها والانتفاع بها والاستفادة منها. خلاصة أقسام المقاصد الضرورية: المقاصد الضرورية كما ذكرنا هي الصالح التي لا بد منها من أجل أن يقوم أمر الحياة ونظام الوجود على صلاح واستقرار وإسعاد في الدين والدنيا. وهذه المقاصد واجبة الحفظ والصيانة والمراعاة من جانب الوجود؛ وذلك بفعل ما يُوجدها ويُجدِّرها في واقع النفوس والحياة، بترك ما يعطِّلها ويغيِّبها ويفوتِّها، وقد دلت على أهمية هذه المقاصد نصوص وأحكام كثيرة مثبوتة في الكتاب والسنة وإجماع المجتهدين وآثارهم وأقوالهم. وهي تشكل مع المقاصد الحاجية والتحسينية تمام نظام المعاش، وكمال صلاح المعاد، فما هي إذًا حقيقة المقاصد الحاجية والتحسينية؟

стр. 80

النوع الثاني: المقاصد الحاجية المطلب الأول: تعريف المقاصد الحاجية ... النوع الثاني: المقاصد الحاجية المقاصد الحاجية: هي النوع الثاني من الأنواع الثلاثة للمقاصد الشرعية، وهي تأتي بعد المقاصد الضرورية، وقبل المقاصد التحسينية. المطلب الأول: تعريف المقاصد الحاجية قال الجويني: الوصف الحاجي هو ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة١. والأصفهاني: والمصلحي٢ متضمن لحفظ مقصود هو في محل الحاجة٣. المصلحة الحاجية: هي ما تكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليها٤ أو المصلحة الواقعة في محل الحاجة، وتسمى المصلحة الحقيقية الحاجية، أو المصلحة الحاجية اختصارًا، أو الحاجة والحاجيات بشكل أوجز.

стр. 81

وهي تقع بعد مرتبة المقاصد الضرورية، ويعتبر تركها غير مفوت لمصالح الدين والدنيا، ولكنه يوقع الإنسان في الحرج الشديد والمشقة العظمى. قال الشاطبي: "وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة واللاحقة بفوت المطلوب؛ فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة؛ ولكنه لا يبلغ مبلغ الفاسد العادي المتوقع في الصالح العامة، وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات"١.

стр. 82

المطلب الثاني: أمثلتها -رخص التخفيف: كرخصة المرض والسفر. - إباحة الصيد والتمتع بالطيبات والحلال في الأكل والشرب واللباس وغيره. - القراض والمضاربة: وهي أن يدفع إنسان لآخر مالًا لِيتجر فيه مع الاشتراك في الربح. - السلم: وهو عقد على موصوف في الذمة آجل بثمن عاجل. - المساقاة لاشتغال بعض الملاك عن تعهد أشجاره، ومعناها: معاملة على تعهد شجر بجزء من ثمره. - تضمين الصناع: وهو ضمان ما يتلفه أصحاب الصنائع. - دية العاقلة: أي أن تجعل دية الخطأ على عاقلة المخطئ؛ وذلك لو كان عليه وحده لتضرر بذلك كثيرًا.

стр. 83

- القسامة. - تجويز الإجارة للحاجة الماسة إليها. قال الجويني: وهذا مثل تصحيح الإجارة؛ فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها، وضنة ملاكها بها على سبيبل العارية؛ فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره١. - البيع: وقد ذكر بعضهم أنه آيل إلى الضرورة. نصب الولي الصغير: إذ إن مصالح النكاح غير ضرورية وهي واقعة في محصل الحاجة، والولاية داعية إلى الكفء الموافق، ولو لم يقيد بالنكاح لأوشك فواته لا إلى بدل٢. فالمصلحة في تقييده قبل أن يفوت ولا يتفق الظفر بمثله؛ فيقع ذلك في محل الحاجة، فصارت رعاية هذا المقصود مناسبة كرعاية المقصود الضروري٣. - سلب ولاية العبد على طفله؛ لأنه مستغرق بخدمة سيده، وولاية الأطفال تستدعي التفرغ، فتفويض الطفل إليه مُضِر بالطفل. ووجه الحاجة من كل ذلك: أن الإنسان لو لم يعمل بتلك الأحكام والأمثلة المتعلقة بالحاجة لبلغ درجة من الحرج الشديد، والمشقة الكبيرة التي توقعه في الضيق، أو في تفويت بعض ضروراته، أو كلها بوجه ما.

стр. 84

المطلب الثالث: أدلة المقاصد الحاجية ثبتت الماقصد الحاجية باستقراء الأدلة والأحكام الشرعية وتتبُّعِها والنظر فيها؛ فلم تثبت بدليل واحد أو بعدد قليل من الأدلة الشرعية؛ وإنما ثبتت بأدلة كثيرة فوق الحصر، أفادت بمجموعها وجملتها حَقِّيَّة تلك المقاصد وأهميتها، ودورها في قيام حاجات الإنسان ومطالب المهمة القريبة من الضروريات اللازمة والأكيدة.

стр. 85

النوع الثالث: المقاصد التحسينية المطلب الأول: تعريف المقاصد التحسينية المقاصد التحسينية: هي المقاصد التي تقع دون المقاصد الضرورية والحاجية، وهي التي تحسن حال الإنسان، وتكمل عيشه على أحسن الأحوال، وتتم سعادته في العاجل والآجل، وتسمى: المقاصد الكمالية أو التكميلية أو بالكماليات. وقد عرفها الشاطبي بقوله: إنها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق١. وعرفها إمام الحرمين الجويني بقوله: "وهي ما لا يتعلق بضرورة خاصة ولا حاجة عامة؛ ولكنه يلوح فيه غرضًا في جلب مكرمة أو في نفي نقيضًا لها، ويجوز أن يتحلق بها الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث"٢. وقد عرفها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بقوله: "وهي المصالح التحسينية، ونهى ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها، حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها منظر المجتمع في قرار بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبًا في الإدماج فيها أو التقريب منها؛ فإن محاسن العادات من خلال ذلك٣.

стр. 86

المطلب الثاني: أمثلتها - إزالة النجاسات. - فعل الطهارات. - سترة العورة والمغابن، أي المواضع الخفية. - أخذ الزينة والطيب. - التحلي بآداب الأكل والشرب واللباس والدخول والخروج، وقضاء الحاجة، والنوم، وغير ذلك من الآداب والفضائل. - تجنب تناول الأشياء النجسة والمتنجسة أكلًا وشربًا، أو مماسة أو شمًّا. - منع بيع النجاسات والنفايات إلا للضرورة. - إشاعة الماء والكلأ بين الناس. - التقرب والتطوع بالنوافل والقربات، والخيرات والصدقات. - سلب المرأة منصب الإمامة، وإنكاح نفسها. - سلب العبد منصب الشهادة والإمامة. هذه الأمثلة وغيرها راجعة إلى محاسن ومكارم زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية؛ إذ ليس بمثل أمر ضروري وحاجي؛ وإنما تجري مجرى التحسين والتجميل والتكميل.

стр. 87

المطلب الثالث: أدلتها المقاصد التحسينية كالمقاصد الضرورية والحاجية، قد ثبتت وتقررت بعدد كبير من الأدلة والنصوص الشرعية -الكلية والجزئية، وبالنظر فيها عن طريق الاستقراء وتتبع الجزئيات والقرائن والمعطيات الشرعية المختلفة، بغرض التوصل إلى تقريرها وتثبيتها وتدعيمها، واعتبارها أمرًا مكملًا ومقويًا للمصاح الضرورية والحاجية، ومعلمًا حضاريًا تكمل به حضارة المسلمين وتجمل به الأمة الإسلامية في نظامها الحياتي وصلاحها الأخروي.

стр. 88

المبحث الثاني عشر: مكملات المقاصد الشرعية وشرطها مدخل ... المبحث الثاني عشر: مكملات المقاصد الشرعية وشرطها المقاصد الحقيقة الشرعية شرعها الله لتكون مصلحة كاملة وتامة في الدنيا والآخرة؛ ولذلك شرع أحكامًا تعرف بالمكملات أو المتمِّمات أو التوابع، تكون متممة ومكملة لها. وتلك المكملات والمتممات وتشمل كافة المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية، والمقصود بالمكملات والمتممات: - ما يكمل الصالح الضرورية؛ سواء كان مصاح حاجية أو مصالح تحسينية أو غيرها من المكملات. - ما يكمل المصالح الحاجية، من مصالح تحسينية ومن غيرها من المكملات. - ما يكمل المصالح التحسينية. - قال الغزالي: "فجميع المناسبات ترجع إلى رعاية أمر مقصود؛ إلا أن المقاصد تنقسم مراتبها: فمنها: ما يقع في مرتبة الضرورات، ويلتحق بأذيالها ما هو تتمة وتكملة لها. ومنها: ما يقع في مرتبة الحاجيات، ويلتحق بأذيالها ما هو تتمة وتكلمة لها. ومنها: ما يقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة؛ ولكن تستفاد به رفاهية وسعة وسهولة، فيكون ذلك أيضًا مقصودًا في هذه الشريعة السمحة السهلة الحنيفيَّة. ويتعلق بأذيالها ولواحقها ما هو في حكم التحسين والتتمة لها. فتصير الرفاهية مهيأة بتكميلاتها١. وقال الشاطبي كذلك: "كل مرتبة من هذه المراتب ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة مما لو فرضنا فقده لم يخل بحكمته الأصلية"٢.

стр. 89

المطلب الأول: تعريف مكملات المقاصد مكملات المقاصد: هي جملة الأحكام التي تجعل المصالح الضرورية والحاجية التحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها.

стр. 90

المطلب الثاني: أقسام مكملات المقاصد مكملات المقاصد ثلاثة أقسام: - مكملات المقاصد الضرورية. - مكملات المقاصد الحاجية. - مكملات المقاصد التحسينية.

стр. 91

المطلب الثالث: مكملات المقاصد الضرورية ١ وهي الأحكام التي تجعل المقاصد الضرورية تامة وكاملة ومكتسبة على

стр. 92

أحسن الوجوه وأفضلها، وهي تشمل: حفظ الدين والنفس والعقل النسل أو النسب والمال. ويقصد بمكملات المقاصد الضرورية: - المصالح الحاجية ومكملاتها. - المصالح التحسينية ومكملاتها؛ لأن المصالح التحسينية مكملة للحاجية، والحاجية مكملة للمصالح الضرورية؛ فتكون التحسينية مكملة للضرورية؛ لأن المكمل للمكمل مكمل. -غير ذلك من المكملات والمتممات. ومن أمثلتها: -إظهار شعائر الدين وسننه ومستحباته ومظاهره والمختلفة تتميمًا لحفظ الدِّين، وإكمالًا لظهوره وتمكينه في النفوس والواقع. - تحريم البدعة، لما في وجودها وبقائها من ضياع الدين وتبديله وتنقيصه؛ لذلك مُنعت وحرِّمت؛ تحقيقًا للتدين الكامل والعبادة التامة الخالصة، الخالية من شوائب الزيادات والنواقص. - معاقبة الداعي إلى البدع؛ لأنه يدعو إلى الكفر المفوت لحفظ الدين. -المبالغة في حفظ العقل، بتحريم شرب القليل وإيجاب الحد فيه؛ فالقليل حُرِّم للتتميم والتكميل. - مراعاة المماثلة في القصاص، تكميلًا لحفظ النفس؛ إذ يمكن للنفس أن تحفظ بمجرد القصاص، ولكن شرع التماثل، تحقيقًا لحفظها الكامل ودفعًا لما يمكن أن يحصل من تشفٍّ وثأر وتنكيل وغير ذلك. - نفقة المثل تتميمًا لحفظ النفس. - تحريم النظر إلى الأجنبية المقصود به الشهوة والتلذذ، وتحريم مسها والاختلاء بها تكميلًا لحفظ النسل والنسب والعرض. - منع الربا، والاستشهاد في البيع، والقيام بالرَّهن، تكميلًا لحفظ المال.

стр. 93

المطلب الرابع: مكملات المقاصد الحاجية وهي الأحكام التي تجعل المصلحة الحاجية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها، ويقصد بها: - المصالح التحسينية ومكملاتها. - غير ذلك من المكملات والمتمات. ومن أمثلتها: - الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض مشروع لتكملة الحاجة إلى التوسعة والتخفيف؛ فلو لم يشرع لم يُخَل بأصل التوسعة وذلك التخفيف١. - مراعاة الكفء ومهر المثل في الصغيرة؛ فإن مقصود النكاح يحصل بدونها، لكن اشتراط ذلك على سبيل تكميل النكاح من حيث تحقيق دوامة واستمراره، وتحصيل السكن والمودة والرحمة بين الزوجين٢. - خيار البيع المشروع للتروي، يكمل به البيع ليَسْلَم من الغبن والتغرير والجهالة؛ فلو لم يشرع الخيار لم يخل بأصل البيع، ولأن ما ملك بعد التروي والنظر في أحواله، يكون ملكه أتم وأقوى؛ لبعده عن الغبن والتدليس٣.

стр. 94

المطلب الخامس: مكملات المقاصد التحسينية ... المطلب الخامس: مكملات المفاصد التحسينية ١ وهي الأحكام التي تجعل المصلحة التحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها. ومن أمثلتها: -التحلي بآداب قضاء الحاجة أو التخلي، ومندوبات الطهارة، كالبدء باليمين قبل الشمل، والتثليث في الغسل، وغير ذلك مما هو مشروع لتكميل المصالح الحسينية المتعلقة بأصل الطهارة. - الإنفاق من طيبات المكاسب. - الاختيار في الضحايا العقيقة. - الاختيار في العِتق.

стр. 95

المطلب السادس: شرط مكملات المقاصد الشرعية مكملات المقاصد الشرعية هي -كما ذكرنا-: الأحكام التي تتم وتكمل تلك المصالحة الحقيقية؛ ولذلك اشترط أن لا تبطل أو تفوت أو

стр. 96

تضيع هذه المصلحة بوجود ما يكملها ويتمها، وهذا الذي ذكره الشاطبي بقوله: "كل كلمة فلها -من حيث هي تكملة- شرط، وهو أن لا يود اعتبارها على الأصل بالإبطال؛ وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلهن فلا يصح اشتراطها عند ذلك"١؛ لوجهين: أحدهما: أن في إبطال أصل إبطال للتكلمة؛ لأن الكلمة مع ما كلمته كالصفة مع الموصوف. والثاني: أنا لو قدرنا تقديرًا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول الأصلية أولى لا بينهما من التفاوت٢. وعليه يكون المكمل مع المصلحة الحقيقية كالفرع مع الأصل، أو الصفة مع موصوفها في لزوم التلازم والترابط والدوران والجريان معًا، إلا إذا خشي على الأصل من زواله بسبب الفرع، فيضحِّي عندئذ بالفرع محافظة على بقاء الأصل، أما إذا لم يعد الفرع على أصله بالإبطال، والمكمِّل -بالكسر- على المكمِّل -بالفتح- بالإبطال؛ فلا شك أن في الجمع بينهما تحقيقًا لأحسن المقاصد وأتمها، وجلبًا لأفضل التكليف وأكمله. ومن أمثلة ذلك: -حفظ حياة النفس ضروري، وتحريم النجاسات والقاذورات حسيني، ويجوز تناول النجاسة من أجل إحياء النفس، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، عملًا بأولية الأصل الضروري على التحسيني المكمل عند التعارض.

стр. 97

- حفظ النفس ضروري، وستر العورة تحسيني مكمل له، وشرط هذا المكمل أن لا يعود على أصل حفظ النفس بالإبطال؛ فلو دعت الضرورة إلى كشف العورة والنظر إليها بقصد العلاج، لحفظ النفس من الموت أو الهلاك، لجاز كشفها ولأبيحت التضحية بهذا المكمل من أجل بقاء الأصل الضروري. - إقامة الجهاد مصلحة ضرورية، وإقامته مع أئمة العدل مكمل لتلك المصلحة؛ غير أن العلماء أجازوا القيام بالجهاد مع أئمة الجور؛ لأن اشتراط الأئمة العادلين عند فقدهم سيُفَوِّت أصلية الجهاد، ويضيع مصالح الأمة وقوتها وعزتها، ولذلك يضحي بالمكمل محافظة على أصلية الجهاد ومقاصده وفوائده، وكذلك الأمر بالنسبة للصلاة خلف أئمة الجور.

стр. 98

المطلب السابع: ارتباط المقاصد الثلاثة ببعضها المقاصد الثلاثة "الضرورية والحاجية والتحسينية" مرتبطة فيما بينها، وتخدم بعضها بعضًا، وتكمل بعضها بعضًا. والمقاصد الضرورية هي أساس جميع المقاصد وقاعدتها الأولى، ثم تكون المقاصد الحاجية بعدها، ثم تكون المقاصد التحسينية أخيرًا، فالحاجيات مكملة للضروريات، والتحسينيات مكملة للحاجيات، والضروريات. ولكل من الأنواع الثلاثة مكملات، تهدف بمجموعها إلى تحقيق مقاصد الشرع جميعها -كليًّا وجزئيًا- وتهدف إلى بناء الأمة المسلمة في سائر أحوالها وأمورها، العقدية، والتشريعية، والأخلاقية، والحضارية، بشكل عام. ولذلك وجب التنبه لهذه الحقيقة المعتبرة في أثناء فهم الدين وتنزيله في الواقع المعيش، حتى لا يقع الخلل والاضطراب في بنيان التشريع ومنظومته، وفي مصالح الخلق، ومنافعهم الحقيقية الصحيحة في الدنيا والآخرة.

стр. 99

المبحث الثالث عشر: مقصود الشارع هو الجانب الغالب في المصالح والمفاسد ... المبحث الثالث عشر: مقصود الشارع والجانب الغالب في المصالح والمفاسد هل إن المصلحة الشرعية تتسم بصلاحها ونفعها في جميعها وكليتها، أم أن ذلك لصلاح النفع والخير يعود إلى أغلبها وأكثرها؟ ولزيادة التوضيح نورد التمثيل على ذلك؛ لأن المثال يوضح حال؛ فأكل مال الغير ومعاقبة الجاني وغير ذلك، وكذلك أمر المكلف بفعل الطاعات والقربات، كل ذلك مشروع وعائد على المكلف بمصالح كثيرة ومنافع معتبرة. فمنع أكل المال عائد بمصلحة حفظ المال وصيانته من التلف والضياع، ومعاقبة الجاني لها مصلحته المتعلقة بردع المخالفين وزجر الجناة وقمع الطغاة لحفظ الناس في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم وأمنهم العام والخاص، والأمر بالطاعات والقربات راجع بالخير والسعادة في العاجل والآجل إلى المكلف المطيع المتعبد، كل تلك المصالح معتبرة ومقبولة ومقررة في الشرع، وقد دلت عليها ما لا يحصى من الأدلة والقرائن والمعطيات الشرعية دلالة قطعية ويقينية انتظم بمجموعها اعتبار تلك المصالح وتقريرها والاعتداد بها والتعويل عليها في معاملة الحكم الشرعي فهمًا واستيعابًا وتطبيقًا وتنزيلًا. غير أن المصالح تظل في حكم الغالب والأكثر، أي أنها لا تَسلَم من شوائب ما يضاد المصلحة ويعارضها من بعض الضرر وبعض الألم الذي يكون في حكم القليل الذي لا يُلتفت إليه، وفي معنى النادر الذي لا يعتد به

стр. 100

فالعبرة بالغالب الأكثر، أما القليل أو اليسير فلا يُلتفت إليه كما نص على ذلك علماء القواعد والمقاصد والفوائد، وهذا هو نفسه معنى قوله العلماء: "المصلحة الشرعية غالبة وليست محضة". فمصلحة من أكل مال الغير غالبة وليست محضة أو خالصة؛ وذلك لأنها لا تخلو من ضرر يسلط على الآكل بالسرقة أو الغصب أو الاحتيال؛ وذلك بإيقاع الألم النفسي أو الحسي في نفسه أو بضمان وإرجاع ما أخذ، وفي كل ذا ضرر واقع على ذاته، وانتفاء لمصلحة هذا الآكل ومنفعته في أخذ مال الغير بلا وجه شرعي. وكذلك الحال بالنسبة للجاني الذي إذا عوقب فقد يحرم من نفسه، أو عضو من أعضائه، أو من ماله وحريته بموجب القصاص، أو الضمان، أو السجن، أو النفي، أو غير ذلك من الزواجر التي تحدث له بعض الضرر، وتنفي عنه بعض النفع والصلاح. غير أن هذا الضرر الضئيل إنما هو ضرر جزئي في مقابل درء الضرر الكلي، وهو ضرر مؤد إلى المصالح المعتبرة والمنافع الحقيقية؛ أما منفعة الجاني في جانيته فيه لا تتجاوز أن تكون منفعة وهمية وخيالية ومرجوحة ومعمقة لواقع الفساد، وحدوث الفوضى الاجتماعية، وظهور الافتتان والاقتتال والتنازع الذميم. وفي مثال الأمر بالطاعات فإن المطيع ظافر بإذن الله بسعادة الدنيا والآخرة وبمصالح لا تحصى من الخير والفائدة في ذاته ومجتمعه، في آله ومآله؛ فمصلحة التعبد معلومة الحقيقة والآثار والنتائج، غير أن ذلك

стр. 101

الصلاح لا يخلو من بعض الألم والضرر الظاهري الذي قد يعود على المكلف، على نحو ألم مخالف النفس ومعارضتها عند أداء التكليف التي تأباها النفس أحيانًا، كالصوم في الحر والقرّ، والصلاة عند الفجر والعشاء، وبذل المال الذي هو قطعة من الكبد، والجهاد الذي هو بذل النفس والمال العزيزين المرغوبين فكل تلك التكاليف ذات مصالح ومنافع معتبرة ومقبولة في الدنيا والآخرة؛ غير أنها لا تخلو من بعض آلامها وثقلها ومشاقها التي هي في الحقيقة قليلة ونادرة من جهة، وشروط ومسلمات ضرورية لا بد منها في قيام التكليف وصحته من جهة ثانية، ثم إنها هينة وسهلة وميسورة ندما تصدر من المؤمن الصادق والمسلم القوي الذي يدعو ربه خوفًا وطمعًا؛ فهي بهذا الاعتبار تمثل الطريق السوي في تعويد المكلف على مبدأ الامتثال، وتربيته على معاني الصبر والتضحية، ومغالبة النفس، ووضع حد للشهوات والنزوات التي لا حد لها. فمصالح الدنيا ومفاسد الدنيا غالبة وليست محضة، ودليل ذلك قوله تعالى عن الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ١ فالخمر والميسر مفسدتان عظيمتان من حيث ضياع المال والعقل والنفس؛ ولكنهما منفعتان حقيرتان وقليلتان لصاحب القمار والميسر فيما يكسبه أحيانًا، ولصاحب الخمر فيما يعود إليه من ربح مادي أو نشوة نفسية أو البعد عن بعض الهموم؛ غير أنه يقع في هموم وغموم أخرى لا نهاية ولا حدّ لها.

стр. 102

أما المصلحة في الآخرة، وكذلك المفسدة في العذاب الأليم؛ فإنهما مخضتان وخالصتان، فالجنة نعيم كلها لا ضرر ولا إثم فيها، وجهنم كذلك، فإنها مفسدة كلها، وهلاك كلها، وخسارة كلها، وهذا معنى كون الهلاك فيها خالصًا متمحضًا ليس فيه أمل ولا حتى تخيل الأمال؛ فالعذاب كله واللعنة جميعها نازلة بأهل النار ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله، ونعوذ بالله من الهلاك كله وبعضه وعاجله وآجله، إنه سميع مجيب، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمئاب.

стр. 103

المبحث الرابع عشر: تخلف الجزئيات قد يكون لمصلحة مشروعة خارجة عن مقتضى الكلي إذا تخلفت بعض الجزئيات عن المقاصد والمصالح الكلية؛ فلا يعني ذلك أن تلك المقاصد والمصالح قد تعطلت أو اختلت؛ بل يعني مراعاة مصالح أخرى، هي في نفس أهمية المصالح التي استثنيت منها تلك الجزئيات. ويمكن أن نبين هذا الأمر من خلال الأمثلة التالية: ١- الملك المُرفَّه الذي يقصر في الصلاة، لئن تخلفت حكمة التيسير والتخفيف عن القصر بسبب رفاهية المُلْكِ؛ فقد تحققت حكمة أخرى، وهي استقرار الحكم وانتظامه واطراده في كل زمان ومكان؛ فلو استثنينا الملك من القصر؛ لأنه لا يعاني المشقة، لتساهل الناس في استثناء غيره من الناس، ولتساهلوا في تغيير الأحكام وتبديلها على مر الزمان، ولذلك كانت الأحكام محددة مضبوطة تسير على معيار واحد، لا يختلف باختلاف الظروف والأحوال والأشخاص. ٢- النظر إلى العورة لغرض التداوي مباح، وهو مستثنى من عموم تحريم النظر إلى الأجنبي، وهذا الاستثناء لا يخل بأصلية التحريم؛ وإنما يحقق مصلحة أخرى وهي مصلحة العلاج التي لها نفس أهمية مصلحة غض البصر لحفظ الأعراض والكرامة الإنسانية، وإذا لاحظنا النظر إلى العورة وجدنا أن العلة التي لأجلها منع النظر إلى العورات منتفية؛ وذلك لأن الناظر في العورة غالبًا ليس له من قصد سوى

стр. 104

التشخيص والعلاج والمداواة. ٣- أصحاب الأعذار الشرعية والقانونية من الطلاب يُستثنون من قانون الحرمان من الاختبار؛ لأنهم تغيبوا بسبب التقصير والكسل والخمول؛ وإنما تخلفوا لظروف قاهرة منعتهم من الحضور؛ فلو لم يُسْتسنَ هؤلاء الطلاب من قانون الحرمان لكلفانهم بما ليس في مقدورهم ولألْحقنا بهم ضرر الرسوب، ثم إن علة الحرمان منتفية، وهذه العلة هي تأديب المتخلفين وزجرهم وحملهم على الحضور في الجامعة للتحصيل العلمي.

стр. 105

الجزء الثاني المبحث الأول: قدرة المكلف على فعل التكليف المطلب الأول: قدرة المكلف على فعل التكليف ... الجزء الثاني: المبحث الأول: قدرة المكلف على فعل التكليف التكليف الشرعي ميسور ومستطاع ومقدور عليه؛ فالله ﵎ لم يكلف الناس بما في المشقة والحرج والعنت والشدة، ولم يخاطبهم بما لا يقدرون على فهمه واستيعابه وتمثله من الألفاظ والمعاني الشرعية؛ بل خاطبهم بما يطيقون من الأعمال والأقوال، وبما يقدرون عليه من الإفهام والاستيعاب والاعتقاد والتصور، لذلك اشترط في التكليف الشرعي أمران: ١- القدرة على القيام بالتكليف. ٢- القدرة على فهم أحكام التكليف. المطلب الأول: قدرة المكلف على فعل التكليف قدرة المكلف على القيام بالتكليف شرط أساسي لا بد منه في قيام التكليف وصحته؛ لذلك نفى الشارع الحكيم الحرج والعنت، ولم يكلف عباده بما لا يطاق من الأحكام، وبما لا يستطاع من الأعمال العبادات، وبما لا يُقدر عليه من المعاملات والتصرفات، ومن الاعتقاديات والوجدانيات..وغير ذلك مما هو ليس في وِسع المكلف ومقدوره ومستطاعه. الأدلة على ذلك: الأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في القرآن الكريم وفي السنة

стр. 106

النبوية الشريفة، وفي الإجماع، وفي آثار السلف والخلف واجتهاداتهم وأقوالهم، وفي دلائل الواقع والعقل والحس، وغير ذلك. الأدلة على القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣. قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٥. قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٦. قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ٧. الأدلة من السنة النبوية الشريفة: قوله عليه الصلاة السلام: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" ٨.

стр. 107

وقوله ﵊: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" ١. وقوله لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري عندما أرسلهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا"٢. دليل الإجماع: الإجماع هو ما اتفق عليه العلماء والمجتهدون في قضية من القضايا، في عصر من العصور بعد وفاته ﷺ ، وهو المصدر التشريعي الثالث بعد الكتاب والسنة. وهو أصل يقيني مقطوع به وحجة لازمة، وحق شرعي يجب اعتقاده والعمل به. وقد أجمع كل العلماء والمجتهدين سلفًا وخلفًا، قديمًا وحديثًا، تصريحًا وتلميحًا، فهمًا وتنزيلًا، على يسر الشريعة وسماحتها ووسطيتها واعتدالها، وعلى نفي التكليف بما لا يُطاق، وعلى أن الحرج مرفوع، والعنت مدفوع، وعلى أن سائر الأحكام الشرعية في مجال العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات ميسورة ومسهلة يقدر عليها المكلف في مختلف ظروفه وأحواله، وفي حله وترحاله، في صحته وسقمه، وفي شدته ورخائه، في حربه وسلمه، في موطنه وغربته، وفي شتى الأطوار والأعصار، ومختلف البيئات والأمصار. وليس أدل على ذلك من كون الشريعة الإسلامية موصوفة بالشمول

стр. 108

والصلاح لكل زمان ومكان وحال، ومرسومة بعموم خطابها لكافة الإنس والجِنِّ أجمعين. والإجماع المنعقد على حجية ما ذكرنا ضربان: أ- إجماع الأمة على يسر الشريعة وسماحتها واستطاعة القيام بها، وقد تبين ذلك من خلال أقوال العلماء وتصريحاتهم بذلك، ومن خلال إجماعهم على صحة وحقية القرآن والسنة، وما انطويا عليه من أحكام ومعانٍ ودلائل وتوجيهات وإرشادات؛ منها: معاني يسر التكليف وسهولته، وقدرة المكلف على أدائه، ونفي الحرج والمشقة القاهرة والعنت الشديد. ب- إجماعهم على مواضع التيسير والتخفيف، واتفاقهم على مظاهر نفي الحرج والضيق والشدة ... كل ذلك دليل مقطوع به على نفي التكليف بما لا يطاق. الأدلة من آثار السلف والخلف: آثار السلف والخلف ﵃ تشمل: أ- ما صرحوا به من أقوال وبيانات تدعو إلى التيسير والتخفيف، وتصف الدين بالسماحة والاعتدال والواقعية والاتزان، وتنفي عنه التشدد والتنطع والمبالغة والتعمق في التعبد والتورع١. من ذلك قول عمر ﵁: نهينا عن التكلف٢.

стр. 109

وقول ابن مسعود ﵁: "إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، عليكم بالعتيق". والتنطع هو: التعمق في القول والفعل. والتعمق: هو المبالغة والتشدد١. وقول ابن القيم الجوزية ﵀: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعادن وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها"٢. وقول أبي إسحاق الشاطبي: ثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به؛ فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعًا، وإن جاز عقلًا"٣. ب- ما أفتوا به في وقائع ونوازل مستندين إلى أدلة التشريع وقواعد المصالح والمقاصد ومعاني التيسير والرفق والتخفيف ولم يلتزموا بحرفيات وظواهر ومباني النصوص والأدلة فقط؛ بل نظروا إلى المقاصد والمعاني كما كانوا ينظرون إلى المباني والظواهر؛ وذلك لأن الجمع بين ظاهر النص ومعناه، ومدلوله ومقصوده هو الاجتهاد الصحيح والعمل المطلوب، وهو الذي يثبت مراد الشارع ومطلوبه، ويحقق مصالح الناس ومنافعهم، ويؤكد خاصيات الشريعة وسماتها ويحقق مصالح الناس ومنافعهم، ويؤكد خاصيات الشريعة وسماتها ومراميها، والمتعلقة، بالصلاحية والدوام والعموم والشمول. وتلك الفتاوى والاجتهادات تجدها مبثوثة في كتب الفقه والنوازل والتفسير والحديث وغيرها، ونجدها تتعلق بمجالات أصولية كثيرة، على

стр. 110

غرار مجال الاستصلاح أو ما يعرف بالمصالح المرسلة، ومجال الاستحسان، والعرف، وسد الذرائع، ومراعاة مآلات الأفعال، وغير ذلك. دليل الاستقراء: يعد الاستقراء دليلًا معتبرًا على التكليف بما يطاق، ونفى العنت القاهر والمشقة المضنية، والشدة التي لا يقدر عليها. والاستقراء معناه: تتبع الجزئيات والفروع لبناء أمر كلي يصدق على جميع تلك الجزئيات أو أغلبها. ومعناه في الفقه الإسلامي، وفي دين الله تعالى: تتبع الجزئيات والفروع الفقهية التي روعي فيها التيسير والتخفيف، ورفع الحرج والضيق؛ لتقرير أمر كلي ينطبق على كل تلك الجزئيات والفروع؛ هذا الأمر الكلي هو المقصد الشرعي الكلي المتمثل في تقرير التيسير والتخفيف، ورفع الحرج، وإزالة الضرر ورفع الأذى. الفروع والجزيئات التي روعي فيها التيسير، واعتبر فيها نفي التكليف بما لا يطاق كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في مجال العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات، ومنها ذِكرًا لا حصرًا: - جواز القصر والجمع في السفر وفي الحج تخفيفًا عن المكلف، وإبعادًا لمشقة السفر وأعباء الحج. - إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض والنفساء توسعًا ورفقًا. - إباحة الفطر للشيخ المسن، ولغير القادر على الصوم كالمريض والمسافر.
следующие страницы →