← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 7311

غاية المريد في علم التجويد

عطية قابل نصر

Полный текст (374 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة مقدمة الطبعة الثالثة ... مقدمة الطبعة الثالثة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، وأنصاره وأتباعه، ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين، وبعد: فبحمد الله وعونه قد نفدت الطبعة الثانية من هذا الكتاب المتواضع في فترة وجيزة، الأمر الذي يبعث في النفس المؤمنة السعادة، ويبشرها بالخير؛ لعودة المسلمين إلى كتاب ربهم، يتلونه ويحفظونه، ويدرسون قواعد تجويده، حتى يتمكنوا من تلاوته حق التلاوة، فينالون بذلك الأجر الكبير، والثواب العظيم من الله . ولقد جاءني بعض الخطابات من الإخوة المحبين لقراءة القرآن الكريم وحفظه، ودراسة تجويده، يطالبونني بزيادة بعض المباحث، وإيضاح بعض المسائل في الطبعة الجديدة إتمامًا للفائدة، فاستجبت لرغبتهم، وسارعت إلى مراجعة الكتاب بدقة، فانبثقت المراجعة عما يأتي: أولاً: تصحيح أخطائه المطبعية. ثانيًا: زيادة بعض المباحث المهمة كحكم التقاء الساكنين. ثالثًا: تنقيح بعض المسائل التي تحتاج إلى توضيح وبيان. فجاء بحمد الله وتوفيقه وافيًا بالغرض، مستقصيًا لكل ما يحتاجه قارئ القرآن الكريم، حتى يستطيع تلاوة كتاب الله على الوجه الذي يرضيه سبحانه.

стр. 2

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة، وأن يجزي خيرًا كل من ساهم في إخراج هذه الطبعة على هذه الصورة المرضية، إنه سميع مجيب، وهو نعم المولى ونعم النصير، صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف: الرياض، غرة ذي القعدة، ١٤١٢ هـ.

стр. 3

مقدمة المؤلف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء وسيد المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن نهج نهجه، وسلك طريقه، واتبع هديه إلى يوم الدين، وبعد: فهذا كتاب في علم التجويد، وضعت فيه خبرة سنوات طويلة قمت فيها بتدريس هذا العلم بمعهد القراءات بالقاهرة، وبقسم الدراسات القرآنية بالكلية المتوسطة لإعداد المعلمين بالرياض. وقد استخرت الله العظيم في طبعه ونشره، وطلبت منه أن يوفقني ويعينني على إنجاز هذا العمل حتى يجد الدارس لعلم التجويد كتابًا وافيًا شاملا لكل أحكام التجويد برواية حفص عن عاصم بن أبي النجود من طريق الشاطبية، لا هو بالمطول الممل، ولا بالمختصر المخل، يستعين به على تلاوة كتاب الله حق التلاوة. وقد توخيت فيه الاختصار، وراعيت سهولة الأسلوب، وإيجاز العبارة، ووضوح اللفظ، ودقة التنسيق، وسميته "غاية المريد في علم التجويد". ولقد حاولت قدر طاقتي أن يطابق هذا الكتاب المتواضع منهج الكليات المتوسطة، ومعاهد التجويد والقراءات، كما ذكرت فيه بعض الأبواب المهمة لمن أراد أن يستفيد أو يستزيد، والله أسأل أن يجعل هذا العمل

стр. 4

خالصًا لوجهه الكريم، وأن يثيبني عليه بقدر ما بذلت فيه من جهد، وأن ينفع به الطلاب والدارسين حتى يتمكنوا من تلاوة كتاب الله تعالى على الوجه الذي يرضيه إنه سميع مجيب. كما أهيب بمن يطلع عليه إذا وجد فيه نقصًا أو خطأ أن ينبهني إليه حتى استدركه في الطبعة القادمة -إن شاء الله- وأن يدعو لي في حياتي وبعد مماتي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على حبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف

стр. 5

مدخل إلى علم التجويد: أولًا: ما يتعلق بالتلاوة ١- فضل القرآن الكريم: القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على رسوله محمد ﵌ المتعبد بتلاوته، المتحدي بأقصر سورة منه، والمنقول إلينا نقلا متواترًا. هذا القرآن: هو الكتاب الْمُبِين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو المعجزة الخالدة الباقية المستمرة على تعاقب الأزمان والدهور إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومن عليها. وهو حبل الله المتين والصراط المستقيم والنور الهادي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، فيه نبأ ما قبلكم وحكم ما بينكم وخير ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تَرَكَهُ من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه فقد هدى إلى صراط مستقيم. هذا القرآن: هو وثيقة النبوة الخاتمة، ولسان الدين الحنيف، وقانون الشريعة الإسلامية، وقاموس اللغة العربية، هو قدوتنا وإمامنا في حياتنا، به نهتدي، وإليه نحتكم، وبأوامره ونواهيه نعمل، وعند حدوده نقف ونلتزم، وسعادتنا في سلوك سننه واتباع منهجه، وشقاوتنا في تَنَكُّبِ طريقه والبعد عن تعاليمه. وهو رباط بين السماء والأرض، وعهد بين الله وبين عباده، وهو منهاج الله الخالد، وميثاق السماء الصالح لكل زمان ومكان، وهو أشرف الكتب السماوية، وأعظم وحي نزل من السماء.

стр. 6

وباختصار فإن كلام الله لا يدانية كلام، وحديثه لا يشابهه حديث قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ١. ولقد رفع الله شأن القرآن ونوَّهَ بعلوِّ منزلته فقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى﴾ ٢ كما وصفه بعدة أوصاف مبينًا فيها خصائصه التي مَيَّزَه بها عن سائر الكتب فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣ وقال أيضًا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٤. والرسول ﵌ يبين لنا أن الإنسان بقدر ما يحفظ من آي القرآن وسوره بقدر ما يرتقي في دَرَجِ الجنة وذلك فيما يرويه عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ عنه ﵌ أنه قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت ترتِّل في دار الدنيا فإن منزلتَك عند آخرِ آيةٍ تقرأُ بها" ٥. كما يوضح لنا ﵌ أن قراءة القرآن يطيب بها الْمَخْبَرُ والْمَظْهر فيكون المؤمن القارئ للقرآن طيبَ الباطن والظاهر، إن خبرت باطنه وجدته صافيًا

стр. 7

نقيًّا، وإن شاهدت سلوكه وجدته حسنًا طيبًا. فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأَتْرُجَّةِ: ريحُها طيبٌ وطعمُها طيبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الرَّيحَانَةِ: ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: لا ريح لها وطعمها مر" ١. ويخبرنا عبد الله بن مسعود أن من أحب القرآن يحبه الله ورسوله فيقول: "من أحب أن يحبه الله ورسوله فلينظر: فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله"٢. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين فضل القرآن، فمن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الحديث فهي زاخرة بمثل ذلك.

стр. 8

فضل تلاوة القرآن الكريم مدخل ... ٢- فضلُ تلاوةِ القرآنِ الكريمِ: إن من أجلِّ العبادات وأعظم القربات إلى الله تلاوة القرآن الكريم، فقد أمر بها في قوله: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ١، كما أمر بها النبي ﵌ فيما رواه أبو أمامة -رضي

стр. 9

الله عنه- حيث قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" ١. وقد أخبر ﵌ بما أعدَّه الله لقارئ القرآن الكريم من أجرٍ كبير، وثواب عظيم وذلك فيما رواه عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول "الم" حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" ٢. كما بين صلوات الله وسلامه عليه أن من جوَّد القرآن وأحسن قراءته، وصار متقنًا له ماهرًا به عاملا بأحكامه فإنه في مرتبة الملائكة المقربين، وذلك فيما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: "الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاقٌ له أجران" ٣. كما أن الله يوضح لنا في محكم كتابه أن الذين يداومون على تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار ويعملون بأحكامه، ويحذرون مخالفته أولئك يوفيهم الله ما يستحقونه من الثواب ويضاعف لهم الأجر من فضله. يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ٤. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين فضل تلاوة القرآن الكريم، وتثبت ما لقارئ القرآن الكريم من فضل كبير وثواب عظيم عند الله .

стр. 10

٣- أهميةُ تعلُّمِ القرآنِ الكريمِ وتعليمِهِ: تعليم القرآن الكريم فرض كفاية، وحفظه واجب وجوبًا كفائيًّا على الأمة حتى لا ينقطع تواتره، ولا يتطرق إليه تبديل أو تحريف، فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين، وإلا أَثِمُوا جميعًا١. ولقد كان الرسول ﵌ لا يتوانى في إبلاغ من معه من الصحابة بما أنزل عليه من الآيات، وتعليمهم إياها فور نزولها حيث قد أمره الله -جل وعلا- بذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢. ومما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس، وكتابها أفضل الكتب؛ لذلك كان واجبًا عليها أن لا تألو جُهْدًا في تبليغ القرآن وتعليمه. والرسول -صلوات الله وسلامه عليه- يبين لنا أن خير الناس وأفضلهم الذي يشتغل بتعلُّم القرآن الكريم أو تعليمه وذلك فيما ثبت عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﵌ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٣. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: "إن الذي ليس في جَوْفِهِ شيءٌ من القرآنِ كالبيتِ الْخَرِبِ" ٤.

стр. 11

فصاحبُ القرآنِ قلبُه عامرٌ به، يتدبر آيات الله، ويتفكر في دلائل قدرته وعظمته، وبذلك تصفو نفسه، وتجملُ أخلاقه، وترقُّ أحاسيسه، والرسول ﵌ يخبرنا بأن حفاظ القرآن هم أصفياء الله وخاصَّته وأولياؤه وأنصاره وذلك فيما رواه أنس بن مالك عن رسول الله ﵌ قال: "إن لله أهلين من الناس فقيل من أهل الله فيهم؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصَّتُه" ١.

стр. 12

٤- آدابُ تلاوةِ القرآنِ الكريمِ واستماعِه: لتلاوة القرآن الكريم آدابٌ كثيرة وعديدة حسبنا أن نشير إلى طائفة منها باختصار فنقول: ينبغي على قارئ القرآن أن يتأدب بالآداب التالية: ١- أن يستقبل القبلة ما أمكنه ذلك. ٢- أن يَسْتَاكَ تطهيرًا وتعظيمًا للقرآن. ٣- أن يكون طاهرًا من الحدثين. ٤- أن يكون نظيف الثوب والبدن. ٥- أن يقرأ في خشوع وتفكر وتدبر. ٦- أن يكون قلبُه حاضرًا؛ فيتأثر بما يقرأ تاركًا حديث النفس وأهواءها. ٧- يستحب له أن يبكي مع القراءة فإن لم يبكِ يتباكى. ٨- أن يزين قراءته ويُحَسِّنَ صوتَه بها، وإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع بحيث لا يخرج به إلى حد التمطيط. ٩- أن يتأدب عند تلاوة القرآن الكريم، فلا يضحك، ولا يعبث ولا ينظر إلى ما يلهي بل يتدبر ويتذكر كما قال :

стр. 13

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١. كما أن على سامع القرآن الكريم أن يقبل عليه بقلب خاشع ويتفكر في معانيه، ويتدبر في آياته، ويتعظ بما فيه من حكم ومواعظ، وأن يحسن الاستماع والإنصات لما يتلى من قرآن حتى يفرغ القارئ من قراءته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.

стр. 14

كيفية قراء القرآن الكريم ... ٥- كيفيةُ قراءةِ القرآنِ الكريمِ: لقد شرع الله لقراءة القرآن صفة معينة وكيفية ثابتة، قد أمر بها نبيه ﵊ فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ١، أي اقرأه بتؤدة وطمأنينة وتدبر، وذلك برياضة اللسان والمداومة على القراءة بترقيق المرقق وتفخيم المفخم وقَصْرِ المقصور ومدِّ الممدود وإظهار المظهر وإدغام المدغم وإخفاء المخفي وغنِّ الحرف الذي فيه غنة وإخراج الحروف من مخارجها، وعدم الخلط بينها، كل ذلك دون تكلُّف أو تمطيط. ولقد أكد الله الفعل وهو "رتِّل" بالمصدر وهو "ترتيلا" تعظيمًا لشأنه واهتمامًا بأمره. كما قال سبحانه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ ٢، أي لتقرأه على الناس بترَسُّلٍ وتمهُّل فإن ذلك أقرب إلى الفَهمِ وأسهل للحفظ، والواقع أن هذه الصفة لا تتحقق إلا بالمحافظة على أحكام التجويد المستمدة من قراءة رسول الله ﵌ والتي ثبتت عنه بالتواتر والأحاديث

стр. 15

الصحيحة، فلقد ثبت أن أنس بن مالك ﵁ سئل كيف كانت قراءة النبي ﵌؟ فقال: "كانت قراءته مدًّا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمدُّ ببسم الله، ويمدُّ بالرحمن، ويمدُّ بالرحيم" ١. وقد نقلت إلينا هذه الصفة بأعلى درجات الرواية وهي المشافهة حيث يتلقى القارئ عن المقرئ، والمقرئ قد تلقاه عن شيخه، وشيخه عن شيخه وهكذا حتى تنتهي السلسلة إلى النبي ﵌. ومن المؤكد أن النبي ﵌ قد علَّم أصحابه القرآن الكريم كما تلقَّاه عن أمين الوحي جبريل ﵇ ولقَّنهم إياه بنفس الصفة وحثهم على تعلمها والقراءة بها، فلقد ثبت أن النبي ﵌ سمع عبد الله بن مسعود يقرأ في صلاته فقال: "من سرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عَبْدٍ" ٢. ولعل المقصد -والله أعلم- أن يقرأه على الصفة التي قرأ بها عبد الله بن مسعود من حسن الصوت وجودة الترتيل ودقة الأداء. ولقد خصَّ رسول الله ﵌ نفرًا من الصحابة أتقنوا القراءة حتى صاروا أعلامًا فيها منهم: أُبَي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. فكان ﵌ يتعاهدهم بالاستماع لهم أحيانًا، وبإسماعهم القراءة

стр. 16

أحيانا أخرى كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. فلقد ثبت عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك" قال: آلله سَمَّاني لك؟ قال: "الله سمَّاك لي" قال أنس: فجعل أُبي يبكي"١. كما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﵌: "اقرأ علي القرآن" قلت: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" فافتتحت سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ٢ قال: "حسبُك" فالتفتُّ إليه فإذا عيناه تذرفان"٣. ويحتمل أن يكون الرسول ﵌ قد أحب أن يسمعه من غيره؛ ليكون عرض القرآن سنة يحتذى بها، كما يحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه وذلك لأن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها٤. وقال ﵌ آمرًا الناس بتعلم قراءة القرآن وبتحري الإتقان فيها، بتلقيها عن المتقنين الماهرين: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب" ٥.

стр. 17

وكل هذا يدل على أن هناك صفة معينة، وكيفية ثابتة لقراءة القرآن لا بد من تحقيقها، وهي الصفة المأخوذة عنه ﵌ وبها أنزل القرآن، فمن خالفها أو أهملها فقد خالف السنة وقرأ القرآن بغير ما أنزل الله. وصفة القراءة هذه هي التي اصطلحوا على تسميتها بعد ذلك بالتجويد١.

стр. 18

٦- أركانُ القراءةِ الصحيحةِ: القرآن الكريم إنما يُتلقَّى بالرواية، فيرويه الجمع من القراء عن شيوخهم ويتسلسل السند إلى النبي ﵌ ولذلك كان لقبول صحة القراءة ثلاثة أركان: الأول: موافقتها لوجه من وجوه اللغة العربية ولو ضعيفًا كقراءة ابن عامر في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ١ ببناء الفعل "زُيِّن" للمجهول، ورفع "قتلُ" على أنه نائب فاعل، ونصب "أولادهم" مفعول للمصدر، وجر "شركائِهم" مضافًا إلى المصدر. ولقد ثبت أن "شركائهم" مرسوم بالياء في المصحف الذي بعثه الخليفة عثمان ﵁ إلى الشام. وقد أنكر هذه القراءة بعض النحاة؛ بحجة أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه لا يكون إلا بالظرف وفي الشعر خاصة، ولكن لما كانت قراءة ابن عامر ثابتة بطريق التواتر القطعي فهي إذن لا تحتاج إلى ما يسندها من كلام العرب، بل تكون هي حجة يرجع إليها ويستشهد بها.

стр. 19

الثاني: موافقتها للرسم العثماني ولو احتمالا، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا أو تقديرًا كما في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١ فقراءة حذف الألف تحتمل اللفظ تحقيقًا، وقراءة إثبات الألف تحتمله تقديرًا، وتكون القراءة ثابتة في بعض المصاحف العثمانية دون بعض مثل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٢ في الموضع الأخير من سورة التوبة بزيادة لفظ "مِنْ" لثبوته في المصحف المكي دون غيره من المصاحف. الثالث: صحة سندها بتواتر عن النبي ﵌ وقد ثبت عن زيد بن ثابت ﵁ قوله: "القراءة سنة متبعة"٣. وإلى هذه الأركان الثلاثة يشير الإمام ابن الجزري في طيبة النشر بقوله: فكل ما وافق وَجْهَ نَحْوِ ... وكان للرسم احتمالا يَحْوي وصح إسنادًا هو القرآنُ ... فهذه الثلاثةُ الأركانُ وحيثما يختلُّ ركنٌ أثبتِ ... شذوذه لو أنه في السَّبْعَةِ وعلى هذا فإن اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة كانت القراءة شاذة ولا يجوز القراءة بها.

стр. 20

٧- مراتب القراءة: للقراءة ثلاث مراتب: الترتيل، والتَّدْوير، والْحَدْر: أما التَّرتيل: فهو قراءة القرآن الكريم بِتُؤَدَةٍ وطُمأنينة مع تدبر المعاني ومراعاة

стр. 21

أحكام التجويد، وهذه المرتبة هي أفضل المراتب الثلاث حيث نزل بها القرآن الكريم١، والله أمر نبيه بها فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ . أما التَّدْويرُ: فهو قراءة القرآن الكريم بحالة متوسطة بين الاطمئنان والسرعة مع مراعاة الأحكام، وهي تلي الترتيل في الأفضلية. وأما الْحَدْرُ: فهو قراءة القرآن الكريم بسرعة مع المحافظة على أحكام التجويد. وهذه المراتب كلُّها جائزة، وإليها أشار صاحب كتاب لآلئ البيان بقوله: حدرٌ وتدويرٌ وترتيلُ تُرى ... جميعُها مراتبًا لمن قَرَا وذكر بعض علماء التجويد مرتبة رابعة، وهي مرتبة التَّحْقيق، وقالوا بأنها أكثر تؤدة، وأشد اطمئنانًا من مرتبة الترتيل، وهي التي تستحسن في مقام التعليم٢، ولكن لا بد أن يحترز معها من التمطيط والإفراط في إشباع الحركات، حتى لا يتولد منها بعض الحروف، ومن المبالغة في الغنات إلى غير ذلك مما لا يصح. هذا ويحترز أيضًا مع مرتبة الحدر من الإدماج ونقص المدود والغنات، فالقراءة كما قيل بمنزلة البياض إن قل صار سمرة، وإن كثر صار برصًا. وروي عن حمزة أنه قال لبعض من سمعه يبالغ في ذلك: أما علمت أن ما كان فوق الجعودة فهو قطط، وما كان فوق البياض فهو بَرََصٌ، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة. ا. هـ، كلام المحقق ابن الجزري في النشر.

стр. 22

أسئلة: ١- تكلم بإيجاز عن فضل القرآن الكريم مستشهدًا ببعض الآيات والأحاديث. ٢- اذكر بعض الآيات والأحاديث التي تبين فضل تلاوة القرآن الكريم. ٣- ما حكم تعليم القرآن وحفظه؟ مع التعليل لما تذكر. ٤- اذكر خمسًا من آداب تلاوة القرآن الكريم. ٥- اذكر حديثًا يبين فضل من اشتغل بتعلم القرآن أو تعليمه. ٦- ما الذي يجب على سامع القرآن الكريم. ٧- لقد شرع الله لقراءة القرآن الكريم صفة معينة، فبم تتحقق هذه الصفة؟ ٨- اذكر نفرًا من الصحابة الذين أتقنوا القراءة على يد رسول الله ﵌. ٩- اذكر أركان القراءة الصحيحة. ١٠- ما مراتب القراءة؟ ١١- عرِّف كل مرتبة منها. ١٢- بَيِّن الأفضلية في هذه المراتب. ١٣- اذكر المرتبة التي تستحب في مقام التعليم.

стр. 23

ثانيًا: لمحةٌ موجزةٌ عن تاريخِ التَّجويدِ والقراءاتِ: ١- تاريخ التأليف في هذا العلم: إن أول من وضع قواعد التجويد العلمية أئمة القراءة واللغة في ابتداء عصر التأليف، وقيل: إن الذي وضعها هو الخليل بن أحمد الفراهيدي١، وقال بعضهم: أبو الأسود الدؤلي، وقيل أيضًا: أبو عبيد القاسم بن سلام وذلك بعد ما كثرت الفتوحات الإسلامية، وانضوى تحت راية الإسلام كثيرٌ من الأعاجم، واختلط اللسان الأعجمي باللسان العربي، وفشا اللَّحنُ على الألسنة، فخشى ولاة المسلمين أن يُفْضي ذلك إلى التحريف في كتاب الله، فعملوا على تلافي ذلك، وإزالة أسبابه، وأحدثوا من الوسائل ما يَكْفُل صيانة كتاب الله من اللحن، فأحدثوا فيه النَّقْطَ والشَّكْلَ بعد أن كان المصحف العثماني خاليًا منهما، ثم وضعوا قواعد التجويد حتى يلتزم كل قارئ بها عندما يتلو شيئًا من كتاب الله تعالى. ولقد كانت بداية النَّظم في علوم التجويد قصيدةَ أبي مزاحم الخاقاني، المتوفى سنة: ٣٢٥هـ، وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري وهي تعتبر أقدم نص نُظِمَ في علم التجويد٢. وأما القراءات فلعلَّ أول من جمع هذا العلم في كتاب هو الإمام أبو عبيد القاسم ابن سلاَّم٣ وذلك في القرن الثالث الهجري فقد ألَّف كتاب "القراءات" الذي قال عنه الحافظ الذهبي: ولأبي عبيد كتابٌ في القراءات ليس لأحد من الكوفيين مثله، توفي ابن سلام بمكة سنة: ٢٢٤هـ.

стр. 24

وقيل إن أول من جمع القراءات ودوَّنها أبو عمر حفص بن عمر الدُّوري المتوفى سنة: ٢٤٦هـ، وقيل غير ذلك. وقد اشتهر في القرن الرابع الهجري: الحافظ أبو بكر بن مجاهد البغدادي، وهو أول من أفرد القراءات السبعة في كتاب، وقد توفي سنة: ٣٢٤هـ. كما اشتهر في القرن الخامس الهجري: الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الدَّاني، وله تصانيف كثيرة في هذا الفن، وأهمها كتاب التيسير، وقد توفي ببلاد الأندلس سنة: ٤٤٤هـ. أما في القرن السادس الهجري فقد اشتهر الإمام القاسم بن فيُّره بن خلف الشاطبي، وألَّف "حرز الأماني ووجه التهاني" المعروف بالشاطبية والتي لخَّص فيها كتاب "التيسير في القراءات السبع" وعدد أبياتها "١١٧٣" بيتًا، وتوفي بالقاهرة سنة: ٥٩٠هـ. ثم توالى بعد ذلك الأئمة الأعلام صارفين أعمارهم في التسابق لخدمة هذا العلم تصنيفًا وتحقيقًا، حتى قيَّض الله له إمامَ المحققين أبا الخير محمد بن محمد بن محمد بن الجزري فألَّف الكثير من كتب القراءات، ونظم المقدمة في علم التجويد، وهي المعروفة بمتن الجزرية، وتوفي بمدينة شيراز سنة: ٨٣٣هـ. أسأل الله أن ينفعنا بعلمهم، وأن يجزيهم عنا خير الجزاء إنه سميع مجيب.

стр. 25

٢- منشأُ اختلافِ القراءاتِ: يقول ابن هاشم: "إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها هو أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف التي كتبت في عهد الخليفة عثمان كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة وتلقُّوا عنه القرآن، وكانت المصاحف خالية من النَّقط والشَّكْل، فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة ذلك لخط المصحف العثماني، وتركوا ما يخالفه امتثالا لأمر الخليفة عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط

стр. 26

للقرآن، ومن ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قرَّاء الأمصار" انتهى١. وعلى هذا يتضح لك أن الاختلاف في القراءات ليس اختلاف تَضَادٍ أو تناقض، لاستحالة وقوع ذلك في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكنه اختلاف تَنَوُّعٍ وتغايرٍ كأن تقول مثلا: هلمَّ أو تعالَ أو أقبل وكلها بمعنىً واحد. وإنما نشأ هذا الاختلاف تبعًا لما تلقاه الصحابة من رسول الله ﵌ ولأن الخليفة عثمان ﵁ لم يكتفِ بإرسال المصاحف وحدها إلى الأمصار لتعليم القرآن، وإنما أرسل معها جماعة من قراء الصحابة يعلمون الناس القرآن بالتلقين، وقد تغايرت قراءاتهم بتغاير رواياتهم، ولم تكن المصاحف العثمانية ملزمة بقراءة معينة لخلُوِّها من النَّقط والشَّكْل لتحتمل عند التلقين الوجوه المروية، وقد أقرأ كل صحابي أهل إقليمه بما سمعه تلقيًا من رسول الله ﵌ وهي قراءة يحتملها رسم المصحف العثماني الذي أرسل منه نسخ إلى جميع الآفاق فمثلا لفظ: "فتبينوا" من قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢ من غير نقط يحتمل قراءة "فَتَثَبَّتُوا". وعلى هذا فقد تمسك أهل كل إقليم بما تلقوه سماعًا من الصحابي الذي أقرأهم وتركوا ما عداه؛ ولهذا ظهر الخلاف بين القراءات.

стр. 27

٣- القراءاتُ المتواترةُ: وهي عبارة عن اختلاف الكيفيات في تلاوة اللفظ القرآني المنزل على سيدنا محمد ﵌ ونسبتها إلى قائليها المتصلِ سندهم برسول الله ﵌ ولزيادة الإيضاح يجب معرفة المصطلحات الآتية١.

стр. 28

القِرَاءَةُ: ويريدون بها الاختيار المنسوب لإمام من الأئمة العشرة بكيفية القراءة للَّفظ القرآني على ما تلقَّاه مشافهة متصلا سنده برسول الله ﵌ فيقولون مثلا: قراءة عاصم، قراءة نافع وهكذا. الرِّوَايَةُ: ويريدون بها ما نسب لمن روى عن إمام من الأئمة العشرة من كيفية قراءته للَّفظ القرآني، وبيان ذلك أن لكلٍ من أئمة القراءة راويين، اختار كل منها رواية عن ذلك الإمام في إطار قراءته، قد عرف بها ذلك الراوي ونسبت إليه فيقال مثلا: رواية حفص عن عاصم، رواية ورش عن نافع، وهكذا. الطَّرِيقُ: وهو ما نسب للناقل عن الراوي وإن سَفَلَ كما يقولون: هذه رواية ورش من طريق الأزرق.

стр. 29

٤- الأحرفُ السبعةُ ونزولُ القرآنِ بها: لقد تواتر عن رسول الله ﵌ أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويَزَيدُني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١. ومعنى "أستزيده" أي: أطلب من جبريل أن يطلب من الله الزيادة عن الحرف تخفيفًا على الأمة ورحمة وتوسعة عليها، حتى انتهى إلى سبعة.

стр. 30

كما ثبت أن الْمِسْوَرَ بن مَخْرَمَة وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ هشامَ بنَ حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﵌ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﵌ فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلَّم، فلبَّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﵌ فقلتُ: كذبت فإن رسول الله ﵌ قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أَقُوده إلى رسول الله ﵌ فقلت: إني سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﵌: "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءةَ التي سمعتُهُ يقرأ، فقال رسول الله ﵌: "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﵌: "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعةِ أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه" ١. وقد اختلفوا في المراد بالأحرف السبعة اختلافًا كثيرًا، والذي يرجحه المحققون من العلماء مذهبَ الإمامِ أبي الفضل الرازي وهو: أن المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف، وهي لا تخرج عن سبعة: الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٢ قُرِئ لفظ "مسكين" هكذا بالإفراد، وقرئ "مساكين" بالجمع، ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣ وقُرِئ هكذا بالتثنية، وقرئ "إخْوتكم" بالجمع،

стр. 31

ومثل قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ١ قُرِئ هكذا: بياء التذكير، وقُرِئ "تقبل" بتاء التأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماضٍ ومضارع وأمر، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ٢، قُرِئ هكذا على أنه فعل ماضٍ، وقرئ "يَطَّوَّعْ" على أنه فعل مضارع مجزوم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣ قُرِئ هكذا على أنه فعل ماضٍ، وقرئ "قُلْ" على أنه فعل أمر. الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ٤، قُرِئ بضم التاء ورفع اللام على أن "لا" نافية، وقرئ بفتح التاء وجزم اللام على أن "لا" ناهية. الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥ قُرِئ هكذا بإثبات "الواو" قبل "السين"، وقرئ بحذفها. الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ٦ وقُرِئ هكذا بتقديم "وقاتلوا" وتأخير "وقتلوا"، وقُرِئ بتقديم "وقتلوا" وتأخير "وقاتلوا". السادس: الاختلاف بالإبدال أي جعل حرف مكان آخر، كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ ٧ قُرِئ هكذا بتاء مفتوحة فباء ساكنة، وقرئ بتاءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة "تَتْلُوا". السابع: الاختلاف في اللهجات، كالفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتسهيل والتحقيق، والتفخيم والترقيق، وكذا يدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل نحو: "خُطُواتِ" تقرأ بتحريك الطاء بالضم، وتقرأ بتسكينها، ونحو: "بُِيوت" تقرأ بضم الباء وتقرأ بكسرها٨.

стр. 32

٥- الحكمةُ في إنزالِ القرآنِ الكريمِ بالأحرفِ السبعةِ: تتلخص الحكمة في إنزال القرآن الكريم على الأحرف السبعة في أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ألسنتهم مختلفة، ولهجاتهم متباينة، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التي نشأ عليها، وتعوَّد لسانه التخاطب بها، فصارت طبيعة من طبائعه، وسَجِيَّةً من سجاياه، بحيث لا يمكنه العدول عنها إلى غيرها، فلو كلَّفهم الله تعالى مخالفة لهجاتهم لشَقَّ عليهم ذلك، وأصبح من قبيل التكليف بما لا يطاق، فاقتضت رحمته تعالى بهذه الأُمَّة أن يخفف وييسِّر عليها حفظ كتابها وتلاوة دستورها كما يَسَّر لها أمر دينها، فأذِنَ لنبيه أن يُقْرِئَ أمته القرآن على سبعة أحرف فكان ﵌ يُقْرِئ كل قبيلة بما يوافق لغتها ويلائم لسانها١. ولعل من الحكمة أيضًا أن يكون ذلك معجزة للنبي على صدق رسالته حيث ينطق ﵌ القرآن الكريم بهذه الأحرف السبعة، وتلك اللهجات المتعددة وهو النبي الأمي الذي لا يعرف سوى لهجة قريش.

стр. 33

٦- صلةُ القراءاتِ السبعِ بالأحرفِ السَّبعةِ: وأما عن صلة القراءات السبع بالأحرف السبعة المذكورة في الحديث فليُعلم أن الأحرف السبعة نزلت في أول الأمر للتيسير على الأمة، ثم نسخ الكثير منها بالعَرْضَةِ الأخيرة مما حدا بالخليفة عثمان ﵁ إلى كتابة المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار، وأحرق كل ما عداها، وليس الأمر كما توهمه بعض

стр. 34

الناس من أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة. والصواب أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التي يقرأ الناس بها اليوم هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، وورد بها الحديث، وهذه القراءات العشر جميعها موافقة لخط مصحف من المصاحف العثمانية التي بعث بها الخليفة عثمان إلى الأمصار، بعد أن أجمع الصحابة عليها، وعلى طرح كل ما يخالفها١ هذا وليس المقام هنا مقام إفاضةٍ واستقصاء، وإنما المقصود لَمْحَةٌ موجزة عن هذا العلم، فمن احتاج المزيد فليرجع إلى كتب القراءات.

стр. 35

أسئلة: ١- من أول من وضع قواعد التجويد العلمية؟ ولماذا؟ ٢- من أول من جمع القراءات في كتاب؟ وفي أي قرن؟ ومتى توفي؟ ٣- ما السبب في اختلاف القراءات؟ وكيف نشأ؟ ٤- هل اختلاف القراءات اختلاف تَضَادٍ وتناقضٍ أم اختلاف تَنَوُّعٍ وتَغَايُر؟ وضح ذلك. ٥- ما هي القراءات المتواترة؟ ٦- وضح معنى كل من: القراءة، الرِّواية، الطَّريق. ٧- اذكر حديثًا يثبت نزول القرآن بالأحرف السبعة. ٨- ما الرأي الراجح في المراد بالأحرف السبعة؟ ٩- وضح الصلة بين القراءات السبع والأحرف السبعة.

стр. 36

ترجمةُ الإمامِ عاصمٍ: تنبيه: يجدر بنا قبل أن نبدأ الكلام على علم التجويد، واهتمام الأمة الإسلامية به أن نتعرف على كل من الإمام عاصم، وكذا رواية حفص الذي تقرأ القرآن بروايته حتى يكون الدارس على بصيرة باتصال سندها إلى رسول الله ﵌. اسمه: هو عاصم بن أبي النَّجُود الأسدي الكوفي وكنيته أبو بكر، وقيل اسم أبيه عبد الله، واسم أمه بهدلة. منزلته: هو شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة، وكان من التابعين الأجلاء، فقد حدَّث عن أبي رمثة رفاعة التميمي، والحارث بن حسان البكري، وكان لهما صحبة، أما حديثه عن أبي رمثة فهو في مسند الإمام أحمد بن حنبل، وأما حديثه عن الحارث فهو في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام. جمع بين الفصاحة والإتقان، والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وقد أثنى عليه الأئمة، وتَلَقُّوا قراءته بالقبول. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السُّلَمي ﵁ حيث جلس مجلسه، ورحل الناس إليه للقراءة من شتى الآفاق. قال أبو بكر شعبة بن عياش: لا أحصي ما سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ما رأيت أحدًا أقرأَ للقرآن من عاصم بن أبي النجود، وكان عالِمًا بالسنة، لُغَويًّا نحْويًّا فقيهًا.

стр. 37

مَنَاقِبُهُ: أما مناقبه فكثيرة منها: أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: رجل صالح خيِّر ثقة، فسألته أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت، فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم. وقال أبو بكر شعبة بن عياش: دخلت على عاصم وقد احتضر، فجعل يردد هذه الآية: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ ١، يُحَقِّقُهَا كأنه في الصلاة؛ لأن تجويد القرآن صار فيه سَجِيَّة. رُوَاتُه: روى القراءة عنه حفص بن سليمان، وأبو بكر شعبة بن عياش، وهما أشهر الرواة عنه، وأبان بن تغلب، وحماد بن سلمة، وسليمان بن مِهْران الأعمش، وأبو المنذر سلام بن سليمان، وسهل بن شعيب، وخلق لا يحصون. وروى عنه حروفًا من القرآن: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وحمزة الزَّيَّات٢. وَفَاتُهُ: قيل توفي -رحمة الله عليه- آخر سنة سبع وعشرين ومائة هجرية ودفن بالسَّمَاوَة في اتجاه الشام، وقيل توفي بالكوفة أول سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية. اتصالُ سندهِ بالنبيِّ ﵌: أما إسناده في القراءة فينتهي إلى علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄ وغيرهما من صحابة رسول الله ﵌. كما قرأ على زر بن حبيش الأسدي، وقرأ زر على عبد الله بن مسعود، وقرأ ابن مسعود على رسول الله ﵌.

стр. 38

وكان ﵀ يُقْرِئ حفصًا بالقراءة التي رواها عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي، ويُقْرِئ شعبة بالقراءة التي رواها عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵃. ومن هذا يتضح اتصال سنده برسول الله ﵌ اتصالا متواترًا.

стр. 39

أسئلة: ١- من هو الإمام عاصم؟ وما كنيته؟ ٢- تكلم بإيجاز عن منزلته ومناقبه. ٣- اذكر بعض من روى عنه القراءة. ٤ بَيِّنْ متى توفي رحمه الله تعالى؟ ٥- اذكر اتصال سنده في القراءة برسول الله ﵌.

стр. 40

ترجمة راويه حفص مدخل ... ترجمةُ راويهِ حفص: اسْمُهُ: حفص بن سليمان بن الْمُغِيرة بن أبي داود الأسدي الكوفي البَزَّاز -نسبة إلى بيع البَزِّ: أي الثياب- المعروف بِحُفَيْص، صاحب عاصم وربيبه: أي ابن زوجته، وأما كنيته فهي أبو عمر. ضَبْطُهُ وإتْقَانُهُ: أخذ القراءة عرضًا وتَلْقِينًا عن عاصم فأتقنها حتى شهد له العلماء بذلك ولقد كان ﵀ كثير الحفظ والإتقان، وقد أثنى عليه الإمام الشاطبي بقوله: .............................. ... وحَفْصٌ وبالإتْقَانِ كان مُفَضَّلا ولذلك اشتهرت روايته وتلقاها الأئمة بالقبول، وليس ذلك بغريب عليه، فقد تربى في بيت عاصم، ولازمه وأتقن قراءته حتى كان أعلم أصحابه بها، وقام بإقراء الناس بعد وفاة عاصم فترة طويلة من الزمان. وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان. مَنْزِلَتُهُ: قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلم أصحاب عاصم بقراءته، فكان مُرَجَّحًا على شعبة بضبط الحروف. وقال الذهبي: هو في القراءة ثقة ثَبَتٌ ضابط. وقال ابن المنادي: قرأ على عاصم مرارًا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر شعبة بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم، وأَقْرَأَ الناس بها دهرًا طويلا. رُوَاتُهُ: أخذ القراءة عنه عَرْضًا وسماعًا أُناسٌ كثيرون منهم: حسين بن محمد الْمَرْوَزي، وعمرو بن الصباح، وعبيد بن الصباح، والفضل بن يحيى الأنباري،
следующие страницы →