ترجمةُ الإمامِ عاصمٍ:
تنبيه:
يجدر بنا قبل أن نبدأ الكلام على علم التجويد، واهتمام الأمة الإسلامية به أن نتعرف على كل من الإمام عاصم، وكذا رواية حفص الذي تقرأ القرآن بروايته حتى يكون الدارس على بصيرة باتصال سندها إلى رسول الله ﵌.
اسمه: هو عاصم بن أبي النَّجُود الأسدي الكوفي وكنيته أبو بكر، وقيل اسم أبيه عبد الله، واسم أمه بهدلة.
منزلته: هو شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة، وكان من التابعين الأجلاء، فقد حدَّث عن أبي رمثة رفاعة التميمي، والحارث بن حسان البكري، وكان لهما صحبة، أما حديثه عن أبي رمثة فهو في مسند الإمام أحمد بن حنبل، وأما حديثه عن الحارث فهو في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام.
جمع بين الفصاحة والإتقان، والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وقد أثنى عليه الأئمة، وتَلَقُّوا قراءته بالقبول.
انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السُّلَمي ﵁ حيث جلس مجلسه، ورحل الناس إليه للقراءة من شتى الآفاق.
قال أبو بكر شعبة بن عياش: لا أحصي ما سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ما رأيت أحدًا أقرأَ للقرآن من عاصم بن أبي النجود، وكان عالِمًا بالسنة، لُغَويًّا نحْويًّا فقيهًا.
стр. 37
مَنَاقِبُهُ: أما مناقبه فكثيرة منها: أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: رجل صالح خيِّر ثقة، فسألته أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت، فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم.
وقال أبو بكر شعبة بن عياش: دخلت على عاصم وقد احتضر، فجعل يردد هذه الآية: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ ١، يُحَقِّقُهَا كأنه في الصلاة؛ لأن تجويد القرآن صار فيه سَجِيَّة.
رُوَاتُه: روى القراءة عنه حفص بن سليمان، وأبو بكر شعبة بن عياش، وهما أشهر الرواة عنه، وأبان بن تغلب، وحماد بن سلمة، وسليمان بن مِهْران الأعمش، وأبو المنذر سلام بن سليمان، وسهل بن شعيب، وخلق لا يحصون.
وروى عنه حروفًا من القرآن: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وحمزة الزَّيَّات٢.
وَفَاتُهُ: قيل توفي -رحمة الله عليه- آخر سنة سبع وعشرين ومائة هجرية ودفن بالسَّمَاوَة في اتجاه الشام، وقيل توفي بالكوفة أول سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية.
اتصالُ سندهِ بالنبيِّ ﵌:
أما إسناده في القراءة فينتهي إلى علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄ وغيرهما من صحابة رسول الله ﵌.
كما قرأ على زر بن حبيش الأسدي، وقرأ زر على عبد الله بن مسعود، وقرأ ابن مسعود على رسول الله ﵌.
стр. 38
وكان ﵀ يُقْرِئ حفصًا بالقراءة التي رواها عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي، ويُقْرِئ شعبة بالقراءة التي رواها عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵃.
ومن هذا يتضح اتصال سنده برسول الله ﵌ اتصالا متواترًا.
стр. 39
أسئلة:
١- من هو الإمام عاصم؟ وما كنيته؟
٢- تكلم بإيجاز عن منزلته ومناقبه.
٣- اذكر بعض من روى عنه القراءة.
٤ بَيِّنْ متى توفي رحمه الله تعالى؟
٥- اذكر اتصال سنده في القراءة برسول الله ﵌.
стр. 40
ترجمة راويه حفص
مدخل
...
ترجمةُ راويهِ حفص:
اسْمُهُ:
حفص بن سليمان بن الْمُغِيرة بن أبي داود الأسدي الكوفي البَزَّاز -نسبة إلى بيع البَزِّ: أي الثياب- المعروف بِحُفَيْص، صاحب عاصم وربيبه: أي ابن زوجته، وأما كنيته فهي أبو عمر.
ضَبْطُهُ وإتْقَانُهُ:
أخذ القراءة عرضًا وتَلْقِينًا عن عاصم فأتقنها حتى شهد له العلماء بذلك ولقد كان ﵀ كثير الحفظ والإتقان، وقد أثنى عليه الإمام الشاطبي بقوله:
.............................. ... وحَفْصٌ وبالإتْقَانِ كان مُفَضَّلا
ولذلك اشتهرت روايته وتلقاها الأئمة بالقبول، وليس ذلك بغريب عليه، فقد تربى في بيت عاصم، ولازمه وأتقن قراءته حتى كان أعلم أصحابه بها، وقام بإقراء الناس بعد وفاة عاصم فترة طويلة من الزمان.
وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان.
مَنْزِلَتُهُ: قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلم أصحاب عاصم بقراءته، فكان مُرَجَّحًا على شعبة بضبط الحروف.
وقال الذهبي: هو في القراءة ثقة ثَبَتٌ ضابط.
وقال ابن المنادي: قرأ على عاصم مرارًا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر شعبة بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم، وأَقْرَأَ الناس بها دهرًا طويلا.
رُوَاتُهُ: أخذ القراءة عنه عَرْضًا وسماعًا أُناسٌ كثيرون منهم: حسين بن محمد الْمَرْوَزي، وعمرو بن الصباح، وعبيد بن الصباح، والفضل بن يحيى الأنباري،
стр. 41
وأبو شعيب القواس وغيرهم.
وِلَادَتُهُ:
ولد رحمة الله عليه سنة تسعين هجرية.
وفاته:
توفي -رحمة الله عليه- سنة ثمانين ومائة هجرية على الصحيح.
اتصالُ سندهِ بالنبيِّ ﵌:
قرأ حفص القرآن الكريم على الإمام عاصم الذي سبق التعريف به، وقرأ عاصم بالرواية التي أقرأها لحفص على أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي ﵁ عن رسول الله ﵌.
ولقد روي عن حفص أنه قال: قلت لعاصم إن أبا بكر شعبة يخالفني في القراءة فقال: أقرأتك بما أقرأني به أبو عبد الرحمن السُّلَمي عن علي بن أبي طالب ﵁ وأقرأت شعبة بما أقرأني به زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه١.
стр. 42
أسئلة:
١- ما اسم حفص؟ وما كنيته؟ ومتى ولد؟ ومتى توفي؟
٢- اذكر ما تعرفه عن ضبطه وإتقانه للقراءة.
٣- تكلم باختصار عن منزلته، ثم اذكر من أخذ عنه القراءة عَرْضًا وسماعًا؟
٤- بين اتصال سنده بالنبي ﵌.
стр. 43
اهتمام الأمة الإسلامية بعلم التجويد
مدخل
...
اهتمامُ الأمةِ الإسلاميةِ بعلمِ التجويدِ:
لقد اهتمت الأمة الإسلامية بعلم التجويد اهتمامًا بالغاً، فقام علماء السلف ﵃ بخدمته ورعايته سواء بالتحقيق والتأليف أو القراءة والإقْرَاء.
وبذلك ظلَّ القرآن الكريم محفوظًا في الصدور مرتلا مجودًا تحقيقًا لوعد الله بحفظه حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
والواقع أن من حقِّ القرآن علينا -نحن المسلمين- أن نجيد تلاوته وترتيله حتى يكون عونًا لنا على تدبره، وتفهم معانيه، ولا يَتَأَتَّى ذلك إلا بالاهتمام بدراسة علم التجويد ومعرفة أحكامه وتطبيقها: إما بالاستماع إلى قارئ مجيد، أو القراءة على شيخ حافظ متقن، ومن هنا نبدأ الكلام على علم التجويد، فنقول:
стр. 44
أقسام التجويد
مدخل
...
أقسامُ التَّجويدِ:
ينقسم التجويد إلى قسمين:
١- تجويد عَمَلي.
٢- تجويد عِلْمي.
стр. 45
القسم الأول: التجويد العَمَلي أي التطبيقي
والمقصود به: تلاوة القرآن الكريم تلاوة مجودة كما أنزلت على رسول الله ﵌.
стр. 46
وأول من وضعه رسول الله ﵌ باعتباره مبلِّغًا عن الله حيث كان يعلِّم أصحابه القرآن الكريم فيقرأ عليهم ويستمع لهم كما سبق.
حُكْمُهُ:
تلاوة القرآن الكريم تلاوة مجودة أمر واجب وجوبًا عينيًّا على كل من يريد أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم من مسلم ومسلمة.
الدليلُ على وجوبِهِ:
والدليل على وجوب تلاوة القرآن الكريم تلاوة مجودة، قد جاء به القرآن الكريم والسنة، وإجماع الأمة.
أما دليله من القرآن:
فقوله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [الآية: ٤] وقد سبق شرح الآية عند الكلام على كيفية قراءة القرآن الكريم.
كما أثنى الله ﵎ على طائفة من خلقه شرَّفهم بحفظ كتابه، وتلاوته حق التلاوة فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ ١ ومن حق التلاوة حسن الأداء وجودة القراءة، وقال الشَّوْكَاني في فتح القدير: أي يقرءونه حق قراءته ولا يحرفونه ولا يبدلونه.
ومما لا شك فيه أنه يفهم من الآية ذمُّ الذين لا يحسنون تلاوة القرآن الكريم ولا يراعون أحكام التجويد عند تلاوته.
وأما دليله من السنة: فمنها ما ثبت عن يعلى بن مَمْلَك أنه سأل أم سلمة ﵂ عن قراءة رسول الله ﵌ وصلاته؟ قلت: ما لكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. هذه رواية
стр. 47
النسائي، ورواه الترمذي بلفظ آخر، وقال فيه حديث حسن صحيح١.
وفي هذا الحديث دليل على أن تحسين القراءة وتجويدها هي سنة النبي ﵌.
ومنها ما ثبت من حديث موسى بن يزيد الكندي ﵁ قال: كان ابن مسعود ﵁ يُقْرئ رجلا فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٢ مرسلة، فقال ابن مسعود ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﵌ فقال الرجل: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها هكذا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٣ ومدَّها.
وهكذا أنكر ابن مسعود ﵁ على الرجل أن يقرأ كلمة "الفقراء" بالقصر لأن النبي ﵌ أقرأه إياها بالمد، فدل ذلك على وجوب تلاوة القرآن الكريم تلاوة صحيحة وهي الموافقة لأحكام التجويد.
والواقع أن الناس كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن الكريم وإقامة حدوده فهم متعبدون أيضًا بتصحيح ألفاظه، وتجويد حروفه على الصفة الْمُتَلَقَّاة من أئمة القراءة المتصل سندهم بالنبي ﵌.
وهذه الصفة لا يمكن أن تؤخذ من المصحف ولا من الكتب، وإنما تؤخذ بالتلقي عن العلماء المتخصصين في ذلك؛ لأن هناك بعض الأحكام لا يمكن إتقانها إلا بالتلقي والمشافهة مثل الرَّوْم والإشْمَام والتَّسْهِيل وغير ذلك من الأحكام الدقيقة٤.
стр. 48
ومعرفة أحكام التجويد لها فضل كبير في مساعدة قارئ القرآن الكريم على عدم الإخلال بمباني الكلمات القرآنية ومعانيها.
وبلوغ نهاية الإتقان هو رياضة اللسان على الأداء باللفظ الصحيح الْمُتَلَقَّى عن فم المحسن المجيد للقراءة.
أما دليله من الإجماع:
فلقد أجمعت الأمة الإسلامية على وجوب تلاوة القرآن الكريم بالتجويد من زمن النبي ﵌ إلى زماننا هذا، ولم يختلف فيه منهم أحد، فلا يجوز لأي قارئ أن يقرأ القرآن بغير تجويد، وإلا كان من الذين شملهم الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١.
وإلى ضرورة العمل بالتجويد يشير الإمام ابن الجزري بقوله:
والأَخْذُ بالتجويدِ حَتْمٌ لازِمُ ... من لم يُجَوِّدِ القُرْآنَ آثِمُ
لأنه به الإلهُ أنْزَلا ... وهكذا منهُ إلينا وَصَلا
وهو أيضًا حِلْيةُ التِّلاوة ... وزينةُ الأداءِ والقراءة
فقد جعله واجبًا شرعيًّا يأثم الإنسان بتركه، وبه قال أكثر العلماء والفقهاء، ذلك لأن القرآن نزل مجودًا، وقرأه الرسول ﵌ على جبريل كذلك، وأقرأه الصحابة فهو سنة نبوية٢.
стр. 49
القسم الثاني: التجويد العِلْمي "النظري "
والمقصود به: معرفة قواعده وأحكامه العلمية التي نحن بصدد الكلام عليها في الأبواب التالية، وهذه القواعد وتلك الأصول والأحكام هي على قراءة الإمام حفص عن عاصم.
حُكْمُهُ:
أما حكم تعلم التجويد العلمي فالناس أمامه فريقان:
الفريق الأول:
عامة الناس، وتعلمه بالنسبة لهم مندوب وليس بواجب.
الفريق الثاني:
خاصة الناس، وهم الذين يتصدون للقراءة أو الإقراء، وتعلُّمه بالنسبة لهم واجب وجوبًا عينيًّا حتى يكونوا قدوة لغيرهم من العامة في تلاوة كتاب الله حق التلاوة.
ولا بد أن يكون في كل مصر جماعة يتعلمون التجويد ويعلمونه الناس، فإن لم يكن هناك جماعة منهم يقومون بهذا الواجب أثموا جميعًا.
دَلِيلُهُ:
والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ١، ودراسة علم التجويد من التفقه في الدين، فإذا قام بتعلمه وتعليمه جماعة من خاصة الناس سقط عن عامتهم.
стр. 50
معنى التجويد وغايته:
معنى التجويدِ في اللُّغَةِ:
التجويد في اللغة العربية معناه: التحسين والإتقان، يقال: جوَّدت الشيء تجويدًا أي حسنته تحسينًا، وأتقنته إتقانًا.
стр. 51
معنى التَّجويدِ في الاصطلاحِ:
ومعناه في اصطلاح علماء التجويد: علم يبحث في الكلمات القرآنية من حيث إعطاء الحروف حقَّها من الصفات اللازمة التي لا تفارقها كالاستعلاء والاسْتِفَال، أو مُسْتَحَقها من الأحكام الناشئة عن تلك الصفات: كالتفخيم والترقيق، والإدغام والإظهار وغير ذلك.
وإلى هذا يشير الإمام ابن الجزري بقوله في باب التجويد:
وهو إعطاءُ الحروفِ حقَّها ... من صفةٍ لها ومستحقَّها
غَايَتُهُ:
الغاية من التجويد هي تمكين القارئ من جودة القراءة، وحسن الأداء، وعصمة لسانه من اللحن عند تلاوة القرآن الكريم لكي ينال رضا ربه وتتحقق له السعادة في الدنيا والآخرة.
مَوضُوعُهُ:
الكلمات القرآنية على المشهور من حيث إعطاء الحروف حقها ومستحقها وأن لا تخرج عما قُرِّر من أحكامه بإجماع الأمة.
فضلُهُ وأهميتُهُ:
هو من أجلِّ العلوم وأشرفها؛ لتعلقه بكلام الله كما أن تعلمه له أهمية كبرى حيث يعين المسلم على تلاوة القرآن الكريم حق التلاوة.
استمدادُهُ:
هو مستمد ومأخوذ من كيفية قراءة النبي ﵌ وقراءة أصحابه ﵃ وقراءة التابعين وتابعيهم من أئمة القراءة حتى وصل إلينا بطريق التَّواتر.
стр. 52
معنى اللَّحنِ وأقسامهِ:
لما كانت تلاوة القرآن الكريم تلاوة مجودة أمرًا واجبًا وجوبًا عينيًّا على كل من يريد أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم، إذن فيصبح اللحن فيه حرامًا، والتحريف فيه إثمًا.
وعلى هذا ينبغي لقارئ القرآن الكريم أن يعرف اللحن ليتجنبه.
معنى اللَّحنِ:
اللحن هو الخطأ والميل عن الصواب وفيه معان أخرى غير مقصودة هنا.
أقسام اللحن:
ينقسم اللحن إلى قسمين:
١- جلي ٢- خفي
القسم الأول: الْجَلِيُّ:
وهو خطأ يطرأ على اللفظ فيَخِلُّ بمبنى الكلمة سواء أخلَّ بمعناها أم لا، وسمي جليًّا؛ لأنه يخل إخلالا ظاهرًا يشترك في معرفته علماء القراءة وعامة الناس.
مثال الذي يخل بالمعنى: كسر التاء في قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، وكذلك ضمها.
ومثال الذي لا يخل بالمعنى ضم الْهَاءِ في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
وحكم هذا القسم: حرام بالإجماع لا سيما إن تعمده القارئ أو تساهل فيه.
القسم الثاني: الْخَفِيُّ:
وهو خطأ يطرأ على اللفظ فيَخِلُّ بعُرْف القراءة، ولا يخل بالمبنى وسمي خفيًّا؛
стр. 53
لأنه يختص بمعرفته العالم بأحكام التجويد فقط، ويخفى على عامة الناس.
مثال ذلك: ترك الإظهار أو الإدغام أو الإخفاء، وبالجملة ترك أحكام التجويد في أثناء القراءة.
وحكم هذا القسم:
التحريم على الراجح إن تعمده القارئ أو تساهل فيه، وقيل بالكراهة١ وقد خصه بعضهم بعدم ضبط مقادير المدود بالنقص أو الزيادة أو عدم المساواة بينها، وقلة المهارة في تحقيق الصفات، وتطبيق الأحكام كزيادة التكرير في الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات في غير محل التغليظ ونحو ذلك٢.
وإلى هذا كله يشير العلامة المحقق الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنودي بقوله٣.
اللحنُ قسمانِ جليٌّ وخفي ... كلٌّ حرامٌ معْ خلافٍ في الخفي
أما الجليُّ فهْوَ مبنىً غُيِّرا ... ثمَّ الخفيُّ ما على الوصْفِ طَرَا
وواجبٌ شرعًا تجنُّبُ الجَلِيّ ... وواجبُ صناعةٍ تركُ الخفيّ
ولقد أعجبني في هذا المقام قول الإمام ابن الجزري في النَّشْر:
"والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور؛ فمن قدر على تصحيح كلام الله -تعالى- باللفظ الصحيح، العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي، استغناء بنفسه، واستبدادًا واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارًا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه؛ فإنه مقصِّرٌ بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاشٌ بلا مِرْيَة، فقد ثبت عن أبي رقية تميم بن أوس الدَّاري ﵁ أن النبي ﵌ قال: "الدينُ النصيحةُ"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم. أما من كان
стр. 54
لا يطاوعه لسانه، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها". انتهى كلام ابن الجزري بتصرف.
والواقع أن المسلم يجب عليه أن يبذل الجهد؛ لكي يقرأ القرآن الكريم قراءة صحيحة خالية من اللحن أو التحريف؛ حتى ينال رضا ربه، ويكون من الملائكة المقربين؛ فلقد ثبت عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﵌: "الماهرُ بالقرآنِ مع السَّفرةِ الكرامِ البررةِ، والذي يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاقٌ له أجرانِ". رواه مسلم وقد سبقت الإشارة إليه.
стр. 55
أسئلة:
١- اذكر أقسام التجويد مع بيان المقصود بكل قسم.
٢- ما حكم التجويد العملي لمن أراد أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم؟
٣- اذكر الدليل على وجوب التجويد العملي من الكتاب والسنة والإجماع.
٤- ما حكم تعلم التجويد العلمي مع ذكر الدليل؟
٥- ما هو اللَّحن؟ وما أقسامه؟ عرف كل قسم وبين حكمه.
стр. 56
الاستعاذة
مدخل
...
الاستعاذة:
الاستعاذة لغة:
الالتجاء والاعتصام والتحصُّن.
واصطلاحًا: لفظ يحصل به الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام والتحصن به من الشيطان الرجيم، وهي ليست من القرآن بالإجماع، ولفظها لفظ الخبر، ومعناه الإنشاء، أي: اللهم أعذني من الشيطان الرجيم١.
حُكْمُهَا:
اتفق العلماء على أن الاستعاذة مطلوبة ممن يريد القراءة، واختلفوا هل هي واجبة أو مندوبة؟
فذهب جمهور العلماء وأهل الأداء إلى أنها مندوبة عند ابتداء القراءة، وحملوا الأمر في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٢ على النَّدب بحيث لو تركها القارئ لا يكون آثمًا.
وذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة عند ابتداء القراءة، وحملوا الأمر السابق على الوجوب، وعلى مذهبهم لو تركها القارئ يكون آثمًا.
وإلى ذلك يشير الإمام ابن الجزري بقوله:
...................... واستحبْ ... تَعَوُّذٌ وقال بعضُهُم يجبْ٣
صيغَتُهَا:
المختار لجميع القراء في صيغتها "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لأن هذه الصيغة أقرب مطابقة للآية الكريمة الواردة في سورة النَّحل.
стр. 57
ويجوز التعوذ بغير هذه الصيغة مما ورد به نص نحو: "أعوذ بالله من الشيطان" ونحو: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم".
أَحْوَالُهَا:
للاستعاذة عند بدء القراءة حالتان، هما: الجهر أو الإخفاء.
أما الجهر بها: فيُستحب عند بدء القراءة في موضعين:
١- إذا كان القارئ يقرأ جهرًا، وكان هناك من يستمع لقراءته.
٢- إذا كان القارئ وسط جماعة يقرءون القرآن، وكان هو المبتدئ بالقراءة.
وأما إخفاؤها: فيُستحب في أربعة مواضع:
١- إذا كان القارئ يقرأ سرًّا.
٢- إذا كان القارئ يقرأ جهرًا، وليس معه أحد يستمع لقراءته.
٣- إذا كان يقرأ في الصلاة سواء كان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، ولا سيما إذا كانت الصلاة جهرية.
٤- إذا كان يقرأ وسط جماعة وليس هو المبتدئ بالقراءة.
فائدة:
لو قطع القارئ قراءته لعذر طارئ كالعطاس أو التنحنح أو لكلام يتعلق بمصلحة القراءة لا يعيد الاستعاذة.
أما لو قطعها إعراضًا عن القراءة، أو لكلام لا تعلق له بالقراءة ولو لِرَدِ السلام، فإنه يستأنف الاستعاذة١.
ووجه الجهر بالاستعاذة: أن ينصت السامع للقراءة من أولها فلا يفوته شيء منها؛ لأن التعوذ شعار القراءة وعلامتها.
ووجه الإسرار بها: ليحصل الفرق بين ما هو قرآن وما ليس بقرآن٢.
стр. 58
أسئلة:
١- ما معنى الاستعاذة؟ وهل هي من القرآن أم لا؟ وما المراد بلفظها؟
٢- الاستعاذة عند بدء القراءة هل هي مطلوبة أم لا؟ بَيِّن حكمها.
٣- اذكر صيغتها المختارة مبينًا سبب هذا الاختيار، ثم اذكر ما يجوز من صيغتها.
٤- بين حالاتها عند بدء القراءة.
٥- إذا قطع القارئ قراءته لعذر طارئ فهل يعيد الاستعاذة؟
٦- إذا أعرض عن القراءة أو تكلم بكلام لم يتعلق بها أو ردَّ السلام، فما الحكم؟
стр. 59
البسملة
مدخل
...
البَسْمَلَةُ:
البسملة مصدر بَسْمَلَ، أي: إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، نحو حَسْبَلَ إذا قال حسبي الله، وحَوقَلَ: إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله.
حكمُ البسملةِ:
لا خلاف بين العلماء في أنها بعض آية من سورة النَّمل، كما أنه لا خلاف بين القراء في إثباتها في أول الفاتحة.
وقد أجمع القراء السبعة أيضًا على الإتيان بها عند ابتداء القراءة بأول أي سورة من سور القرآن سوى سورة براءة؛ وذلك لكتابتها في المصحف، ولما ثبت من الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﵌ كان لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم"١.
وأما في أجزاء السور فالقارئ مُخَيَّر بين الإتيان بالبسملة أو عدمه، وإلى ذلك يشير الإمام الشاطبي بقوله:
ولا بد منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خُيِّر من تلا
وأما بالنسبة لسورة براءة، فهي متروكة في أولها اتفاقًا.
وإلى هذا يشير الإمام الشاطبي بقوله:
ومهما تَصِلْها أو بَدَأتَ براءةً ... لِتَنْزِيلِها بالسيفِ لستَ مُبَسْمِلا
стр. 60
فقد علَّل ﵀ ترك البسملة في أولها بأنها نزلت مشتملة على السيف وكَنَّى بذلك عما انطوت عليه سورة براءة، من الأمر بالقتل والأخذ والحصر ونبذ العهد، والوعيد والتهديد، وفيها آية السيف وهي الآية رقم: "٢٩". وقد نقل العلماء هذا التعليل عن علي ﵁ قال ابن عباس ﵄: سألت عليًّا ﵁ لِمَ لَمْ تكتب البسملة أول براءة، فقال: لأن "بسم الله" أمانٌ، وبراءة ليس فيها أمان؛ لأنها نزلت بالسيف ولا تَنَاسُبَ بين الأمان والسيف١.
стр. 61
أوجهُ الابتداءِ:
إذا ابتدأ القارئ قراءته بأول أي سورة من سور القرآن سوى براءة، فله أن يجمع بين الاستعاذة والبسملة وأول السورة، ويجوز له حينئذ أربعة أوجه:
١- قطع الجميع: أي فَصْلِ الاستعاذة عن البسملة عن أول السورة، بالوقف على كل منها، وهذا الوجه أفضلها.
٢- قطع الأول ووصل الثاني بالثالث: أي الوقف على الاستعاذة ووصل البسملة بأول السورة، وهو يلي الوجه الأول في الأفضلية.
٣- وصل الأول بالثاني وقطع الثالث: أي وصل الاستعاذة بالبسملة والوقف عليها، وهو أفضل من الأخير.
٤- وصل الجميع: أي وصل الاستعاذة بالبسملة بأول السورة، أما إذا كان القارئ مبتدئًا بأول سورة براءة، فله فيها وجهان:
١- الوقف على الاستعاذة وفصلها عن أول السورة بدون بسملة.
٢- وصل الاستعاذة بأول السورة بدون بسملة أيضًا.
أما إذا كان القارئ مبتدئًا تلاوتَه بآية من وسط سورة غير سورة براءة، فله
стр. 62
حالتان.
الأولى: أن يأتي بالبسملة، ويجوز له حينئذ الأوجه الأربعة التي ذكرناها في ابتداء أول كل سورة.
الثانية: أن يترك البسملة، ويجوز له حينئذ وجهان فقط.
١- الوقف على الاستعاذة وفصلها عن أول الآية الْمُبْتَدَأِ بها.
٢- وصل الاستعاذة بالآية المبتدأ بها١.
أما إذا كان القارئ مبتدئًا بآية من وسط سورة براءة فقد اختلف فيه العلماء.
فذهب بعضهم إلى منع الإتيان بالبسملة في أثنائها كما منعت في أولها٢ وعلى هذا يجوز للقارئ وجهان فقط:
١- الوقف على الاستعاذة.
٢- وصلها بأول الآية الْمُبتدأ بها.
وذهب بعضهم إلى جواز الإتيان بالبسملة في إثناء براءة كجوازها في أثناء غيرها، وعلى هذا تجوز الأوجه الأربعة المذكورة آنفًا٣.
стр. 63
أوجهُ ما بينَ السورتينِ:
إذا وصل القارئ آخر سورة يقرؤها بالتي بعدها سوى سورة براءة، فله ثلاثة أوجه:
١- قطع الجميع: أي الوقف على آخر السورة وعلى البسملة.
стр. 64
٢- قطع الأول ووصل الثاني بالثالث: أي الوقف على آخر السورة ووصل البسملة بأول السورة التالية.
٣- وصل الجميع: أي وصل آخر السورة بالبسملة بأول السورة التالية.
أما الوجه الجائز عقلا وهو وصل آخر السورة بالبسملة والوقف عليها فهو ممتنع اتفاقًا؛ لأن البسملة جعلت لأوائل السور لا لأواخرها١.
وأما إذا وصل آخر سورة الأنفال، بأول سورة براءة، فيجوز له ثلاثة أوجه:
١- القطع: أي الوقف على آخر الأنفال مع التنفس.
٢- السَّكْت: أي قطع الصوت لِمُدَّة يسيرة بدون تنفس.
٣- الوصل: أي وصل آخر الأنفال بأول التوبة، وكل ذلك من غير الإتيان بالبسملة كما تقدم.
стр. 65
أسئلة:
١- ما معنى بَسْمَلَ؟
٢- ما حكم البسملة في أول سور القرآن؟ وما حكمها في أجزاء السور؟
٣- إذا كنت مبتدئًا بسورة غير سورة براءة، فكم وجهًا لك؟
٤- كم وجهًا عند الابتداء بسورة براءة؟
٥- اذكر الحالات الجائزة عند ابتداء القراءة من وسط السورة، وكم وجهًا لكل حالة؟
٦- بَيِّن الأوجه الجائزة عند ابتداء القراءة من وسط سورة براءة.
٧- ما الأوجه الجائزة بين كل سورتين؟
٨- اذكر ما يجوز بين سورتي الأنفال وبراءة من الأوجه.
стр. 66
أحكام النون الساكنة والتنوين
مدخل
...
أحكامُ النُّونِ السَّاكنةِ والتنوينِ:
تعريف النون الساكنة:
هي النون الخالية من الحركة والثابتة لفظًا وخطًّا، وصلا ووقفًا، وتكون في الأسماء والأفعال والحروف، وتكون متوسطة ومتطرفة.
وتكون أصلية من بنية الكلمة مثل: أنعم، وتكون زائدة عن أصل الكلمة وبنيتها مثل: فانفلق، أصل الفعل: فَلَقَ على وزن فَعَلَ١.
تعريف التنوين:
هو نون ساكنة زائدة تلحق آخر الاسم لفظًا ووصلا وتفارقه خطًّا ووقفًا وعلامته: فتحتان أو كسرتان أو ضمتان.
وحكمه حالة الوقف: تُبَدَّلُ الفتحتان ألفًا دائمًا إلا إذا كانتا على هاء تأنيث مثل: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإسراء فيوقف عليها بالهاء من غير تنوين، وأما الضمتان والكسرتان فيحذف التنوين فيهما. ويوقف عليهما بالسكون إلا في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ حيث وقع فإنهم كتبوه بالنون٢.
ولا يلتبس علينا وجود ميم الإقلاب مع أحد الحركات الثلاث؛ لأنها بمنزلة الحركة الثانية للتنوين.
الفرقُ بينَ النونِ الساكنةِ والتنوينِ:
والفرق بين النون الساكنة والتنوين يوجد في خمسة أمور تظهر بالتأمل في تعريفيهما، وهي:
١- النون الساكنة حرف أصلي من أحرف الهجاء، وقد تكون من الحروف الزوائد
стр. 67
كما مَثَّلْنا آنفًا، أما التنوين فلا يكون إلا زائد عن بنية الكلمة.
٢- النون الساكنة ثابتة في اللفظ والخط، أما التنوين فثابت في اللفظ دون الخط.
٣- النون الساكنة ثابتة في الوصل والوقف، وأما التنوين فثابت في الوصل دون الوقف.
٤- النون الساكنة توجد في الأسماء والأسماء والأفعال والحروف، أما التنوين فلا يوجد إلا في الأسماء فقط.
ويستثنى من ذلك: نون التوكيد الخفيفة التي لم تقع إلا في موضعين في القرآن وهما:
١- ﴿وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ١،
٢- ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ٢، فإنها نون وليست تنوينًا؛ لاتصالها بالفعل، وإن كانت غير ثابتة خطًّا ووقفًا كالتنوين، فهي إذن نون ساكنة شبيهة بالتنوين٣.
٥- النون الساكنة تكون متوسطة ومتطرفة، أما التنوين فلا يكون إلا متطرفًا.
وللنون الساكنة والتنوين أربعة أحكام وهي:
١- الإظهار ٢- الإدغام
٣- الإقلاب ٤- الإخفاء
وقد أشار الإمام ابن الجزري إلى هذه الأحكام بقوله:
وحكمُ تنوينٍ ونونٍ يلفى ... إظهار إدغام وقلب إخفا
وسيأتي الكلام على حكم كل منها تفصيلا.
стр. 68
أسئلة:
١- ما هي النون الساكنة؟
٢- عرف التنوين، واذكر علامته، وبين حكم الوقف عليه.
٣- وضِّح الفرق بين النون الساكنة والتنوين.
٤- بَيِّن المواضع التي وردت فيها نون التوكيد الخفيفة في القرآن، ثم وضِّح هل يطلق عليها نون ساكنة أم تنوين؟ مع التعليل لما تقول.
٥- اذكر كم عدد أحكام النون الساكنة والتنوين وما هي؟
стр. 69
الحكم الأول الإظهار الحلقي
مدخل
...
الحكم الأول: الإظهار الحلقي
تَعْرِيفُهُ:
الإظهارُ لغةً: البيان والإيضاح.
واصطلاحًا: إخراج الحرف الْمُظْهَر من مخرجه من غير غنة كاملة.
والمراد بالحرف المظهر: النون الساكنة والتنوين الواقعتان قبل أحرف الإظهار.
حُرُوفُهُ:
حروف الإظهار الحلقي ستة وهي: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء وقد جمعها العلامة الْجَمْزُوري في قوله:
هَمْزٌ فهاءٌ ثمَّ عينٌ حاءُ ... مُهْمَلَتانِ ثم غينٌ خاءُ
فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الستة بعد النون الساكنة سواء في كلمة أو في كلمتين أو بعد التنوين -ولا يكون إلا من كلمتين- وجب الإظهار ويسمى إظهارًا حَلْقِيًّا.
وجهُ تسميتِهِ إظهارًا حلقيًّا:
أما تسميته إظهارًا فلظهور النون الساكنة والتنوين عند ملاقاة أحد هذه الحروف الستة. وأما تسميته حلقيًّا فلأن حروفه الستة تخرج من الحلق.
стр. 70
سَبَبُهُ:
وسبب إظهار النون الساكنة والتنوين عند ملاقاة أحد هذه الأحرف الستة، بُعْدُ الْمَخْرَجَين؛ لأن النون والتنوين يخرجان من طرف اللسان، والحروف الستة تخرج من الحلق، وليس بينهما تقارب أو تجانس يستوجب الإدغام أو الإخفاء فتعين الإظهار.
стр. 71
حَقِيقَتُهُ:
وحقيقة الإظهار أن تنطق النون الساكنة أو التنوين نطقًا واضحًا من غير غنة كاملة١ ثم تنطق بحرف الإظهار من غير فصل ولا سَكْت بينهما.
مَرَاتِبُهُ:
ومراتب الإظهار ثلاثة:
١- عليا، عند الهمزة والهاء.
٢- وسطى، عند العين والحاء.
٣- دنيا، عند الغين والخاء.
يقول الشيخ سليمان الجمزوري في متن التُّحْفَةِ:
للنونِ إنْ تَسْكُنْ وللتنوينِ ... أَرْبعُ أحكامٍ فخذْ تبْييني
فالأوَّلُ الإظهارُ قبلَ أحرفِ ... للحلقِ ستٌّ رُتِّبَتْ فلتَعْرِفِ
همزٌ فهاءٌ ثم عينٌ حاءُ ... مُهْمَلتانِ ثم غينٌ خاءُ
стр. 72
أسئلة:
١- عرِّف الإظهار لغةً واصطلاحًا، واذكر حروفه.
٢- ما المراد بالحرف المظهر؟
٣- ما وجه تسميته إظهارًا حلقيًّا؟
٤- ما سبب الإظهار الحلقي؟
٥- بَيِّنْ حقيقةَ الإظهار، واذكر مراتبه.
٦- مَثِّلْ لكل حرف من حروف الإظهار بمثالين أحدهما للنون والآخر للتنوين.
٧- اقرأ من أول سورة الغاشية إلى قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ثم استخرج الكلمات التي فيها إظهار حلقي.
стр. 73
الحكم الثاني الإدغام
مدخل
...
الحكم الثاني: الإدغام
تعريفُهُ:
الإدغام لغةً: إدخال الشيء في الشيء، تقول: أدغمت اللِّجامَ في فم الفرس، أي أدخلته فيه.
واصطلاحًا: إدخال حرف ساكن في حرف متحرك بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشددًا، وقد عرفه ابن الجزري بقوله: النطق بالحرفين حرفًا كالثاني مشددًا.
حروفُهُ:
وحروف الإدغام ستة، مجموعة في كلمة: يَرْمُلُون، وهي الياء والراء والميم واللام والواو والنون.
أقسامُهُ:
ينقسم الإدغام إلى قسمين:
١- إدغام بغنة، ٢- إدغام بغير غنة.
أما الإدغام بغنة: فله أربعة أحرف مجموعة في كلمة: ينمو، وهي الياء والنون والميم والواو فإذا وقع حرف منها بعد النون الساكنة -بشرط أن تكون النون في آخر الكلمة الأولى وحرف الإدغام في أول الكلمة التالية- أو بعد التنوين -ولا يكون إلا من كلمتين- أو بعد نون ملحقة بالتنوين في قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ١ خاصة، وَجَبَ الإدغام مع الغنة إلا في موضعين وهما: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ﴾ ، ﴿ن والقَلَمِ﴾ فالحكم فيها الإظهار على خلاف القاعدة مراعاة للرِّواية عن حفص، فالنون فيهما ملحقة بالإظهار المطلق الآتي ذكره.
стр. 74
أما إذا وقع حرف الإدغام بعد النون الساكنة في كلمة واحدة وجب الإظهار ويسمى إظهارًا مطلقًا لعدم تقييده بحلقي أو شفوي أو قمري، ولا يكون إلا عند الياء والواو، ولم يقعا في القرآن إلا في أربعة مواضع: ﴿الدُّنْيَا﴾ ١، ﴿بُنْيَانٌ﴾ ٢، ﴿صِنْوَانٌ﴾ ٣، ﴿قِنْوَانٌ﴾ ٤، وسبب ظهور النون عندهم لئلا تلتبس بالمضاعف لو أدغمت، وكذا المحافظة على وضوح المعنى إذا لو أدغمت لصار خفيًّا.
وأما في ﴿يس﴾ ، ﴿ن﴾ فسبب الإظهار فيهما مراعاة للانفصال الحكمي؛ لأن النون فيهما وإن اتصلت بما بعدها لفظًا في حالة الوصل فهي منفصلة حكمًا، وذلك لأن كلا من "يس، ن"، اسم للسورة التي بدئت بها، والنون فيهما حرف هجاء لا حرف مبنى، وما كان كذلك فحقه الفصل عما بعده فيظهر في الوصل كظهوره في الوقف.
وأما ﴿طسم﴾ أول الشعراء والقصص فرواية حفص فيها: إدغام النون في الميم، وكان حقها الإظهار؛ لاجتماع النون والميم في كلمة واحدة، وقد قال بعض العلماء: وجه الإدغام في طسم هو مراعاة للاتصال اللَّفظي ليتأتى معه التخفيف بالإدغام، ولعدم صحة الوقف عليها؛ لأنها جزء كلمة، والوقف لا يكون إلا على تمام الكلمة٥، والعبرة في ذلك كله بالرواية.
стр. 75
نموذج من أمثلة الإدغام بغنة:
وأما الإدغام بغير غنة: فله حرفان وهما: اللام والراء، فإذا وقع حرف منهما بعد النون الساكنة من كلمتين أو بعد التنوين -ولا يكون إلا كذلك- وجب الإدغام بغير غنة إلا في نون ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ ٩ لما فيها من وجوب السَّكْت المانع من الإدغام.
ووجه حذف الغنة في هذا القسم المبالغة في التخفيف لما في بقائها من الثِّقَل.
نموذج من أمثلة الإدغام بغير غنة: