الجبرتي، وبصالحية دمشق عبد الله بن عثمان عرف بابن١ وبطابة الشيخ عبد الله بن المغربي المالكي وشهر بالدكالي٢ المدرس بالمسجد النبوي، وبالقاهرة قاضي القضاة الحنابلة نور الدين علي بن خليل عرف بالحكري المصري، وبمصر شمس الدين أبو بدر الدين محمد بن حسين٣ بن علي شهر بالفرسيسي المصري الصوفي في شهر رجب وله سبع وثمانون سنة٤، وأبو حيان محمد بن فريد الدين حيان ابن الأستاذ أبي حيان محمد بن يوسف، وبطيبة السيد أبو الخير محمد بن الشريف عبد الرحمن بن أبي الخير الفاسي، وبالقاهرة قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن شهر بابن الصالحي٥ المصري الشافعي في المحرم، وبمصر سعد الدين محمد بن محمد بن محمد بن حسن المصري الصوفي، وبالقاهرة المحدث شرف الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز عرف بالقدسي في شوال، وبطرابلس شمس الدين محمد٦ ابن الشيخ يوسف بن إبراهيم بن عبد الحميد القدسي، وبالقاهرة أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطي الخزرجي المكي نزيل مصر٧، وبعدن قاضهيا رضي الدين أبو بكر بن محمد عرف بالحبيشي العدني الشافعي معزولًا عن القضاء.
كتب لنا حافظ الوقت زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن المصري منها وسمعت على الإمام أبي حامد محمد بن عبد الله المخزومي بمكة قالا: أنبأنا الحافظ العلامة أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي: قال الأول مشافهة إن لم يكن سماعا قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي بقراءتي قال: أخبرنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف المزي قال: أخبرنا محمد بن
стр. 107
عبد الخالق بن محمد بن طرخان قال: أخبرنا الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي ح وأذن لنا عاليا بثلاث درجات المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق عن المعمر أبي العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة أن أبا الفضل جعفر بن علي أنبأه قالا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي: قال جعفر أذنا قال: أخبرنا الحافظ أبو الغنائم محمد بن علي النرسي قال: أخبرنا الحافظ أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا ح وشافهنا عاليا عن هذا بدرجتين وعن الذي قبله بخمس درجات الفقيه العلامة أبو بكر الحسين١ بن عمر المدني بالمسجد الحرام عن أحمد بن إدريس بن محمد بن مزيز أن صفية بنت عبد الوهاب بن علي القرشي أذنت له عن أبي الفرج مسعود بن الحسين بن القاسم٢ بن الفضل الثقفي قال: أنبأنا وقال ابن ماكولا: حدثني الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي قال: حدثني الحافظ أبو حازم العبدُوّي٣ قال: حدثنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف الهسنجاني٤ قال: حدثنا أبو الفضل بن زياد صاحب أحمد بن حنبل يعني قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا علي بن المديني قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: "كان أزواج رسول الله ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى يكون كالوفرة". وأذن لنا عاليا عن هذه الرواية بأربع درجات وعن الأولى بتسع درجات الحافظ العلامة أبو الفضل عبد الرحيم من مصر في كتابه وأبو بكر العثماني سماعا عليه بالمسجد الحرام قالا: أخبرنا
стр. 108
أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن صدقة الحراني قال: أخبرنا أبوعبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفُراوي١ قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد الجَلودي٢ قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري ح وشافهنا بعلو درجة عن هذه وعن الطريق الأولى بعشر درجات إبراهيم بن محمد عن أبي النون يونس بن عبد القوي [عن ابن المقير عن محمد بن ناصر السلامي] أن أبا القاسم عبد الرحمن بن [أبي عبد الله محمد بن منده] أنبأه عن الحافظ [أبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي] أن أبا الحسن مكي بن عبدان النيسابوري أنبأه: قالا: حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري قال: وحدثني عبد الله بن معاذ العنبري٣ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة وأنا أخوها من الرضاعة فسألتها٤ عن غسل النبي ﷺ من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع فاغتسلت وبيننا وبينها ستر فأفرغت على رأسها ثلاثا قالت ﵂: "وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى يكون كالوفرة" حديث صحيح اتفق الشيخان عليه من حديث شعبة بن الحجاج فرواه مسلم كما سقناه والبخاري عن عبد الله بن محمد عن عبد الله بن عبد الصمد وأخرجه النسائي
стр. 109
عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد كلاهما عن شعبة فوقع لنا بدلا لهما في شيخي شيخيهما وموافقة لمسلم في روايته الأولى وقد وقع لنا فيها مسلسلا بالأئمة الحفاظ وفيه لطيفة من رواية الأقران بعضهم عن بعض، والله أعلم.
أبو الحسن الهيثمي ١ علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح المصري الشافعي الإمام الأوحد الزاهد الحافظ نور الدين أبو الحسن:
ولد في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة فلما كان قبيل الخمسين صحب الحافظ أبا الفضل العراقي ولازمه أشد ملازمة إلى أن بلغ حمامه فخدمه وانتفع به وصاهره على ابنته فرزق منها أولادا وحصل له بركته فسمع معه غالب مسموعاته وكتب الكثير من مصنفاته وربما سمع الشيخ أحيانا بقراءته، وأشار عليه بجمع ما في مسند الإمام أحمد من الأحاديث الزائدة على الكتب الستة فأعانه بكتبه وأرشده إلى التصرف في ذلك فلما فرغ من تسويده حرر له٢ الشيخ وهو كبير الفائدة وسماه "غاية المقصد في زوائد أحمد" ثم حبب إليه هذا التخريج فخرج "البحر الزخار في زوائد البزار" و"المقصد في زوائد أبي يعلى" الموصلي و"مجمع البحرين في زوائد المعجمين" و"البدر المنير في زوائد المعجم الكبير" ثم جمع الكل محذوف الإسناد في الكلام عليها بالصحة والضعف في مؤلف واحد وسماه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" وله أيضًا "موراد الظمآن لزوائد ابن حبان" و"بغية الباحث عن زوائد الحارث" ورتب ثقات ابن حبان ترتيبا جيدا على ما فيها من الخلل وثقات العجلي والأحاديث المسندة في حليلة الأولياء للحافظ أبي نعيم فمات وهي مسودة فبيض نحو ربعها الحافظ أبو الفضل ابن حجر.
وكان -رحمه الله تعالى- عليه إماما عالما حافظا ورعا زاهدا متقشفا متواضعا خيرا هينا لينا سالكا٣ سليم الفطرة شديد الإنكار للمنكر كثير الاحتمال محبا للغرباء وأهل الدين والعلم والحديث كثير التودد إلى الناس مع العبادة والاقتصاد والتعفف وكان -رحمه الله تعالى- من محاسن القاهرة ومن أهل الخير، غالب أوقاته في اشتغال وكتابة كثير التلاوة بالليل والتهجد وكان تغمده الله تعالى برحمته استحضاره كثيرا للمتون يجيب عنها بسرعة فيعجب ذلك شيخنا الحافظ زين الدين العراقي وربما رجح في حفظ المتون عليه، سمع بالقاهرة الخطيب أبا الفتح الميدومي ومحمد بن إسماعيل ابن الملوك وأحمد بن الرصدي وعبد الرحمن بن عبد الهادي ومحمد بن عبد الله النعماني وجماعة، وارتحل إلى دمشق مصاحبا للحافظ أبي الفضل
стр. 110
العراقي فسمع بها أحمد بن عبد الرحمن المرداوي ومحمد بن إسماعيل الخباز وعدة وسمع ببيت المقدس والإسكندرية، توفي رحمة الله تعالى عليه في ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم قدره سنة سبع وثمانمائة بالقاهرة ولم يخلف بعده مثله.
وفي هذه السنة مات بدمشق محيي الدين أبو اليسر أحمد بن التقي عبد الله ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد الأنصاري الصالحي عرف بابن الصائغ، والمحدث بدر الدين أبو حمزة أنس بن علاء الدين علي بن محمد بن أحمد بن سعيد الأنصاري الدمشقي في رجب، وبالقاهرة الرئيس كريم الدين عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز المشهور بحده١ المصري، ومسندها جمال الدين أبو المعالي عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك عرف بالحلاوي٢ الهدي في صفر عن تسع وسبعين سنة، والخطيب جمال الدين عبد الله بن محمد بن برهان الدين إبراهيم بن عبد الله بن لاجين شهر بالرشيدي المصري في رجب، وقاضي العسكر عبد الله الأردبيلي٣، وقاضي حلب عبد الله النحريري المالكي، والمفتي شرف الدين عبد المنعم البغدادي الحنبلي، والقاضي نور الدين علي ابن الشيخ سراج الدين عمر بن أبي الحسن علي بن أحمد الأنصاري، وعلي بن محمد بن وفا الشاذلي الصوفي، وعيسى بن حجاج الشاعر، والضياء محمد بن الجمال محمد بن سالم بن علي بن إبراهيم الحضرمي المكي في شعبان، وناصر الدين محمد بن صلاح الدين صالح بن السفاح الحلبي، وبصفد شمس الدين محمد بن عبد الرحمن المشهور بالصيني٤ المدني الشافعي، وبالقاهرة العدل المؤرخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن عرف بابن
стр. 111
الفرات١ المصري الحنفي في ليلة عيد الفطر، وبمكة المشرفة المسند أبو الطيب محمد بن عمر بن علي بن عمر السحولي٢ المكي في يوم التروية، وبالقاهرة سراج الدين أبو الطيب محمد بن عز الدين أبي اليمن محمد بن عبد اللطيف بن الكويك الربعي، وبدمشق القاضي شمس الدين محمد بن٣ شهر بابن عباس الغزي الشافعي.
أذن لنا الإمام الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي المصري في كتابه منها والعلامة أبو الطاهر محمد بن يعقوب اللغوي الشيرازي مشافهة وسمعت على العلامة الحاكم أبي حامد محمد بن عبد الرحمن الأنصاري المدني ويعرف بالمطري قالوا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز الأنصاري قال: أبو حامد أذنا زاد والأول فقالا: والخطيب أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي البكري قال: أبو حامد كتابة قال: أخبرنا أبو الفرح عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي الحراني ح وقال ابن الخباز: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي حضورا: قالا: أخبرنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب الحراني ببغداد قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا إسماعيل بن عباس عن محمد بن زياد الألهاني٤ عن أبي راشد الحُبْراني٥ قال: أتيت عبد الله بن عمرو -رضي الله
стр. 112
عنهما- فقلت له: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى إليّ صحيفة وقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فإذا فيها: "أن أبا بكر الصديق -رضوان الله عليه- قال: يا رسول الله علمني ماذا أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال ﵊: "يا أبا بكر، قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم" أخرجه الترمذي في جامعه عن الحسن بن عرفة العبدي فوافقناه بعلو ولله الحمد والمنة.
стр. 113
طبقة أخرى صغرى:
ابن الحُسباني ١ أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال الدمشقي الشافعي الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو العباس:
مولده في أواخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة بدمشق اشتغل وحصل وتفقه بجماعة منهم والده٢ وأجيز بالفتوى وبرع في علم العربية أخذه عن أبي العباس العناني٣ وطلب الحديث بنفسه فقرأ وسمع وكتب الكثير عن شيوخ بلده وغيرهم وتقدم على أقرانه في عدة من فنون العلم وهو شاب مع الذكاء المفرط والذهن الثاقب يستحضر كثيرا، سمع بمدمشق من عدة من أصحاب الفخر بن البخاري وغيرهم منهم ابن الهبل٤ وابن أميلة والصلاح بن أبي عمر وأخذ عن الحافظين ابن كثير وابن رافع بمصر من البهاء محمد بن أبي اليسر وجويرية ابنة الهكاري ولم يزل يسمع حتى سمع ممن هو دون شيوخه ومسموعاته جمعة لا تحصر لكن غاب عنه أكثرها، وكان -رحمه الله تعالى- أحد الأئمة العلماء الأمجاد والحفاظ الجلة النقاد فقيه دمشق ومفتيها وحافظها، درس قديم بالأمينية وولي درس الحديث بالأشرفية وناب في الحكم مدة بدمشق ثم اشتغل بقضائها٥، دأب في التأليف واجتهد في التصنيف خصوصا في التفسير وتكلم على الرجال بالتحرير
стр. 114
كتب الكثير وحدث باليسير وجمع من الكتب والأصول في مَصره ما لم يكن عند أحد من أهل عصره لكنها في الفتنة١ بادت وكأنها ما كانت، ذكره قاضي صفد محمد بن عبد الرحمن العثماني فيمن كان بدمشق في العشر الثامن من القرن الثامن من أعيان الفقهاء الشافعية فقال في حقه شيخ دمشق وابن شيخها العلامة شهاب الدين: له حلقة بالجامع الأموي وغيره. انتهى.
ومما ألفه "جامع التفاسير" أجاد في تهذيبه وجمع فيه فأوعى و"شافي العي في تخريج أحاديث الرافعي" و"الدر المنظوم في سيرة النبي المعصوم" و"طبقات الشافعية" و"ترتيب طبقات القراء للذهبي" و"تعليق على الحاوي" و"شرح ألفية ابن مالك"، قال الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن ناصر الدين: لم يكمل فيما أعلم تأليفا ولا رأيت له تصنيفا. انتهى. قلت لعل موجب ذلك تلافها في الفتنة، سمع منه جمع من الأئمة الفضلاء والحفاظ النبلاء وكتب لي بالإجازة وكان بعد الوقعة اللنكية العظمى قد فتر عن الاشتغال وفتن بحب ولده تاج الدين فوقع في الإدبار وصرف عن الإقبال وألقاه في مهاوي المهالك حتى ضاقت عليه المسالك٢ إلى أن مات بالصالحية في يوم الأربعاء العاشر من شهر ربيع الثاني سنة خمس عشرة وثمانمائة تغمده الله برحمته.
وفيها مات بالبيت المقدس الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن عماد شهر بابن الهائم المصري في جمادي الثانية، وبزبيد فقيهها القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن علي الناشري في المحرم، وبدمشق الملك بنت إبراهيم بن خليل٣ بن محمود
стр. 115
وعرف والدها بالشرايحي في شهر ربيع الثاني، وبالقاهرة الجلال جار الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم بن أبي المعالي الشيباني في أواخر ذي الحجة، وبعده بسبعة أيام ابنه جمال الدين محمد، وبطابة المسندة أم محمد رقية بنت يحيى بن العفيف عبد السلام بن محمد بن مزروع في صفر ولها تسع وثمانون سنة١، وبدمشق المسند طنبغا بن عبد الله التركي٢، والمسندة أم علي عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغني بن منصور الذهبي٣ في شهر رمضان، وجمال الدين عبد الله بن محمد بن عثمان٤ المصري الشافعي مقتولًا، وبمكة الشيخ نور الدين علي بن محمد بن أبي بكر الشيبي، وسراج الدين عمر الهندي الحنفي ويعرف بالفافا٥ وزين الدين أبو الخير محمد بن أحمد بن محمد ابن الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري في السادس عشر من شهر رمضان المكرم وله سبع وسبعون سنة، وبدمشق بهاء الدين محمد بن أحمد إمام المشهد٦ الشافعي، وبمكة الأديب جمال الدين محمد بن حسين٧ بن عيسى
стр. 116
شهر بابن العليف١ الحُلوي٢ وبحلب قاضيها محب الدين أبو الوليد محمد بن محمد الشهير بابن الشحنة الحنفي في شهر ربيع الآخر، وبمكة شمس الدين محمد بن مسعود النحريري، وبدمشق شرف الدين محمود بن عمر بن محمود الأنطاكي٣ النحوي في شعبان، وبشيراز ذو التصانيف السائرة عالمها الشريف الجرجاني واسمه علي بن محمد بن علي وقيل: علي بن علي بن حسين٤ وعمره سبعة وسبعون سنة.
ابن حِجّي أحمد بن حجي- بكسر الحاء المهملة والجيم الثقيلة- ابن موسى بن أحمد بن سعد بن غشم بن غزوان بن علي بن شرف بن تركي السعدي الحسباني ٥ الدمشقي الشافعي:
يقال: إنه من عطية أبي محمد السعدي٦ الصحابي المشهور من بني سعد بن بكر نزل الشام وكان له أولاد بالبلقاء وقد انتسب إليه فقال فيما وجد بخطه في ترجمة والده من معجمه بعد أن ذكر نسبه إلى تركي فقال: من ولد عطية أبي محمد السعدي ظنًّا. انتهى. وهو الحافظ العلامة الإمام حافظ الشام ومؤرخ الإسلام شهاب الدين أبو العباس ولد في أوائل المحرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وسمع على محمد بن موسى بن سليمان الشيرجي وحسن بن الهبل ومحمد بن المحب عبد الله بن محمد المقدسي وأحمد بن محمد بن عمر شهر بزُغْنُش٧
стр. 117
وعمر بن حسن بن أميلة ويوسف بن محمد بن محمد بن علي الصيرفي ومحمد بن عبد القاهر بن عبد الرحمن الشهروزوري والصلاح محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي عمر وقريبه أحمد بن النجم إسماعيل وزينب بنت قاسم ومحمد بن عبد الله الصفوي وابن السيوفي وابن النقي١ وعثمان بن يوسف بن غدير والحافظ تقي الدين بن رافع وعدة لا يحصون بطلبه واعتنائه، وأجاز له في سنة تسع وخمسين باستدعاء ابن سند الحافظ خلائق منهم ابن الجوخي وابن القيم وعمر بن عثمان بن سالم وإبراهيم بن محمد التونسي والحافظ أبو سيد العلائي والجمال بن نباتة والزيباوي وإسماعيل بن سنجر ومحمد بن محبوب والقاضي تقي الدين بن المجد وعبد القادر بن سبع ومحمود بن أبي بكر بن محمد وباستدعائه أيضًا في سنة إحدى وستين من مكة الشهاب أحمد بن علي بن يوسف الحنبلي٢ وأم الهدي عائشة ابنة الخطيب تقي الدين عبد الله حفيدة المحب الطبري وطائفة سواهما.
وأجاز له أيضًا فيما كتب بخطه من أصحاب ابن البخاري حفيده وست العرب٣ بنت محمد ومحمد بن أبي بكر الأعزازي ومحمد بن إبراهيم البياني لكن قال: يحرر هذا وإسماعيل بن محمد الأرموي، والده شيخ البلاد الشامية نحوًا من عشرين سنة وتفقه به وبغيره من ذوي العلوم المرضية كالقاضي أبي البقاء السبكي وابن قاضي شهبة محمد بن عمر وغيرهما من الأئمة فحصل فنونا من العلوم جمة ومهر في علم الحديث والفقه وأفتى ودرس مع الصيانة والديانة، ولي الخطابة بجامع بني أمية في دمشق وناب في القضاء ثم تركه ولزم بيته فجمع نفسه للإفادة والاشتغال وعرض عليه القضاء فامتنع واشتهر ذكره وبعد صيته وكان لهجا بعلم التاريخ والمواقيت، وقدم القاهرة رسولا من المؤيد شيخ في سنة ثمان وثمانمائة، وبخط صاحبنا الحافظ أبي الحرم الأقفهسي أنه سمعه يقول: رأيت في النوم٤ فعرفت أنه
стр. 118
ميت فقلت له: كيف أنت؟ قال: إني طيب، بعد أن تبسم، فقلت: أيما أفضل الاشتغال بالفقه أو الحديث؟ قال: الحديث بكثير، وله تآليف حسنة١ مفيدة منها تاريخ من عاصرهم وتعليق على الألغاز للإسنوي، وكان -رحمه الله تعالى- أحد مشايخ الحديث والفقه عديم المثل لطيف الشكل مع الخلق الحسن والإحسان علامة الزمان وأحد أئمة هذا الشأن معرفة وإتقانا للوقائع وتراجم الرجال والدولة وتقلب الأحوال مع فتاويه المحررة المهذبة، وحدث سمع منه عدة من الأئمة والطلبة، كتب لي خطه بالإجازة، ومات -رحمه الله تعالى- في سادس المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة بدمشق المحروسة.
وفي هذه السنة مات بها برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن خضر الحنفي والشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد المشهور بابن زُقَّاعة٢ وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن ناصر بن خليفة الباعوني٣ والقاضي أبو العباس أحمد المشهور بابن السبتية٤، وبتعز الشيخ حسام الدين حسن بن علي الأَبِيَورْدي٥ في جمادى الثانية، وأم عبد الهادي الصالحية ولها ثلاث وتسعون سنة، وبمكة الشيخ عبد القوي بن محمد بن عبد القوي البِجائي٦ المغربي، وبالقاهرة الإمام فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن أحمد البرماوي، وبدمشق القاضي صدر الدين علي بن أمين الدين محمد بن محمد عرف بابن الأَدْمي٧ الدمشقي في رمضان، وبالقاهرة القاضي نور الدين علي القرافي، وشمس الدين محمد بن أحمد بن خليل الغراقي٨ -بالغين المعجمة- وبتعز قاضيها جمال الدين محمد بن عمر
стр. 119
المشهور بالعوادي١ الشافعي، وبدمشق القاضي شمس الدين محمد بن محمد الإخنائي في شهر رجب، والقاضي شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى الرمثاوي، وبطيبة قاضهيا العلامة زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي٢ العثماني في مستهل ذي الحجة وله بضع وثمانون سنة، وبعدن خطيبها رضي الدين أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح شهر بابن المستأذن العدني.
أنشدنا الحافظ أبو العباس أحمد بن حجي الحسباني في كتابه قال: أنشدنا الإمام العالم البارع الأديب الأوحد أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الموصلي الطرابلسي من لفظه لنفسه:
إن كان إثبات الصفات جميعها ... من غير كيف موجبا لومي
وأصير تيميا بذلك عندكم ... فالمسلمون جميعهم تيمي
ابن ظهيرة محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق بن محمد بن علي بن عليان بن هاشم بن حزام بن علي بن راجح بن سليمان بن عبد الرحمن بن حرب بن إدريس بن جعفر بن هاشم بن قاسم بن الوليد بن جندب بن عبد الله بن الحارث بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم:
كذا نقلت هذا النسب من خط بعض أقاربه وذكر أنه نقله من خط أخيه عمر بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي الشافعي الإمام العلامة الحافظ قاضي مكة وخطيبها وناظر حرمها وأوقافها ولاحسبة بها وشخيها في الفتوى والتدريس وعليه بها دارت الفتوى على مذهب ابن إدريس حافظ الحجاز وفقيهه وشيخ الإسلام بن جمال الدين أبو حامد مولده في ليلة عيد الفطر سنة إحدى وخمسيبن وسبعمائة بمكة المشرفة فنشأ بها على عفة وصيانة ونزاهة وكان إماما علامة حافظا متقنا مفَنًّا ذا دين وعبادة وصلاح واشتغال وإفادة مع رفعة القدر والرتبة والسيادة اشتغل في صغره وطلب بنفسه فحصل فنونا من العلم وقرأ بالروايات السبع على التقي البغدادي وغيره وتفقه على فقهاء بلده كعمه العلامة قاضي القضاة شهاب الدين أحمد وشيخ الإسلام قاضي القضاة بمكة العلامة كمال الدين أبي الفضل النويري
стр. 120
وأجازه بالإفتاء والتدريس ولازمهما وانتفع بهما وسمع بها الحديث على عبدة منهم الإمام ضياء الدين أبو الفضل محمد المدعو بخليل بن عبد الرحمن المالكي وهو أقدم شيوخه سماعا والجمال محمد بن أحمد بن عبد لمعطي الأنصاري والعلامة ولي الله تعالى عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن أسعد اليافعي، وأحمد بن سالم بن ياقوت المكي المؤذن وغيره من القادمين إليها.
وارتحل إلى مصر فسمع بها من جماعة كابن القاري وابن الشيخة والبهاء بن خليل والقاضي عز الدين بن جماعة وتفقه بشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وأجازه بأربعة علوم الحديث والفقه وأصوله والعربية وبابن الملقن وأجازه بالفتوى والتدريس ولازم شيخ الإسلام بهاء الدين أبا البقاء السبكي وحضر دروسه وتفقه به وهو أجل شيوخه وصحبه إلى دمشق فسمع بها من ابن أميلة وأحمد بن النجم إسماعيل بن أبي عمر وقريبه الصلاح محمد بن أحمد بن إبراهيم وجمع وسمع بعدة من بلاد الشام كبيت المقدس وبعلبك وحلب وغيرها.
ورحل إلى الإسكندرية فسمع بها من جماعة منهم التقي بن عزام وغير ذلك من الأقطار، وشيوخه خلائق يجمع غالبهم معجمه الذي خرجه له صاحبنا الحافظ أبو الحرم خليل بن محمد الأقفهسي حدث به وبغالب مسموعاته فسمعته منه والكثير من مروياته، وقد جمعت أسانيد مسموعاته في مجلد ضخم مرتب على حروف المعجم مع تراجم أصحاب الكتب والأجزاء وقد برع في علوم عدة منها الحديث والفقه وتصدر بعد السبعين بمكة المشرفة للإفادة بضعا وأربعين عاما فازدحم عليه الطلبة منها ومن الغرباء القادمين إليها فأخذوا عنه وانتفعوا به وكثرت تلامذته، حضرت دروسه في الفقه والحديث وغير ذلك ولازمته مدة سنين من أول القرن إلى حين مات فانتفعت به وتخرجت، سمع منه الأئمة والحفاظ وانتفع به جماعة وكان -رحمه الله تعالى- منجمعا عن الناس ساكنا متواضعا صالحا دينا مع الوقار والسمت الحسن وسلامة الصدر له أوراد وعبادة لا يقطعها في طول الزمن، كتب بخطه الكثير وله تعاليق وفوائد، خرج لنسفه جزءا أوله المسلسل بالأولية وجزءا فيما يتعلق بزمزم حدث بهما غير مرة وكتب شرحا على مواضع من الحاوي الصغير وله الشعر الحسن سمعت عليه أساميه١، ذكره شيخنا الحافظ أبو زرعة العراقي في ترجمة والده فيمن أخذ عنه فقال: والحافظ شيخ الحجاز الآن جمال الدين أبو حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة انتهى وكانت وفاته تغمده الله برحمته بمكة المشرفة ليلة الجمعة السادس عشر من شهر رمضان المعظم قدره سنة سبع عشرة وثمانمائة بمكة المشرفة ولم يخلف بها بعده مثله.
стр. 121
وفي هذه السنة مات بالقدس قاضيه بدر الدين حسن بن موسى بن مكي١ الشافعي، والفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن أحمد الحصري الربعي٢، وبطابة قاضيها زين الدين عبد الرحمن بن علي بن يوسف الزرندي٣ الحنفي في شهر ربيع الأول، وبمكة قاضيها عفيف الدين عبد الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم الشيباني المكي الشافعي، وبالقاهرة مسندها جمال الدين عبد الرحيم٤ بن علي بن محمد الكناني العسقلاني وله سبع و٥ سنة، وبدمشق شمس الدين محمد بن محمد بن محمد عباس٦ الخريفي ٧ التاجر
стр. 122
في شهر رمضان، وبالطور فتح الدين محمد بن محمد المخزومي المصري، وبزبيد قاضيها العلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي الشافعي مؤلف القاموس في ليلة العشرين من شوال وله بضع وثمانون سنة، وبمكة شيخ الحجبة فاتح بيت الله تعالى أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الشيبي الحجبي.
أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ جمال الدين أبو حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي سماعا عليه بالمسجد الحرام عودا على بدء قال: أخبرنا الفقيه الإمام المحدث تقي الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عزام الريغي١ الشافعي الإسكندري بقراءتي عليه بها غير مرة ح وشافهنا بعلو درجة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد قال: حدثنا الفقيه الإمام٢ الحافظ بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الشافعي قال شيخنا في كتابه: زاد ابن عزام فقال: والفقيهان العلم محمد بن أبي بكر بن عيسى السعدي والشريف محمد بن محمد بن يوسف عرف بابن القاح الأنصاري الشافعيان قالا: أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن دقيق العيد القشيري قال شيخنا ابن ظهيرة: وأخبرنا المسند شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الكريم بن الحسين البعلبكي بقراءتي عليه بها قال: أخبرنا الحافظ الشريف أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ح وأخبرنا بعلو درجة عن هذا المعمر أبو إسحاق المؤذن
стр. 123
مشافهة عن عبد الله بن يوسف بن إسحاق الدلاصي وغيره قالوا واليونيني وابن دقيق العيد: أخبرنا الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشافعي قال الدلاصي وغيره أذنا وقال ابن دقيق العيد بقراءتي عليه ح وقال ابن جماعة: أخبرنا الفقيه الإمام أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح السبكي المالكي بقراءتي عليه قال: أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل بن علي١ المقدسي المالكي ح وأنبأنا بعلو درجة أخرى الفقيه الإمام أبو بكر الحسين بن عمر الأرموي٢ وغيره عن أحمد بن طالب الصالحي أن جعفر بن علي بن أبي البركات الهمداني أنبأه: قالا: أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني الشافعي: قال الهمداني أذنا إن لم يكن سماعا وقال ابن المفضل من لفظه قال: حدثنا الفقيه الإمام أبو طاهر الحسين بن علي بن محمد بن علي الطبري الشافعي من لفظه ببغداد قال: أخبرنا إمام الحرمين الفقيه أبو المعالي عبد الملك الشافعي قال: أخبرنا والدي الفقيه الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي ح وعلا لنا بدرجتين عن هذه فيما رواه أحمد بن أبي طالب الصالحي المذكور آنفا عن أبي عبد الله الحسين بن المبارك الحنبلي إن لم يكن سماعا قال: أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو الحسن مكي بن منصور بن علان الكرخي٣ قال: أخبرنا القاضي الفقيه أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري٤ الشافعي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدثنا الإمام الشافعي محمد بن إدريس ﵁ عن الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن النبي ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" صحيح متفق عليه أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن
стр. 124
يحيى وأبو داود عن القعنبي١ والنسائي عن محمد بن سلمة جميعهم عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- به فوقع لنا بدلا لهم عاليا وقد تسلسل لنا بالفقهاء الأئمة بعضهم عن بعض ولله الحمد والمنة.
وبه قال الحافظ أبو محمد المنذري وقد روينا عن ابن المبارك أنه ليس جودة الحديث قرب الإسناد؛ جودة الحديث صحة الرجال.
وبه إلى الحافظ السلفي قال: وهذا الإسناد جليل بسبب ما اجتمع فيه من الفقهاء الأئمة بعضهم عن بعض قال: وقلت للقاضي أبي بكر المَرَندي٢ المعيد وقد وقع لي هذا الحديث بعلو من حديث الأصم كأني سمعته من أبي محمد الجويني شيخ شيخ شيوخنا وهذا الطريق النازل أعز عندي من ذلك الطريق العالي إذ هو مسبك بالجوهر فبلغ إليه هذا الكلام فأعجبه وأعاده للأصحاب والفقهاء فقال: ولعمري لقد صدقت إذ ليس فيه إلا إمام أو فقيه وقلما يوجد مثله في الروايات قال: وإن الإمام أبا الحسن الكيا قال عقب هذا الحديث: إذ بدت رايات النصوص في ميادين الكفاح طاحت أعلام المقاييس في مدارج الرياح.
ابن الشرايحي عبد الله بن إبراهيم بن خليل بن عبد الله بن محمود بن يوسف بن تمام الزبيدي السحولي السنجاري الأصل البعلبكي الدمشقي الشافعي الإمام الحافظ المفيد جمال الدين أبو محمد:
ولد ببعلبك في يوم الثلاثاء التاسع من شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ونشأ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب وكان حافظا لا يدانى في معرفة الأجزاء والعوالي وآية في حفظ الرواة المتأخرين يذاكر فيهم مذاكرة دالة على حافظة باهرة مع حظ من معرفة الرجال المتقدمين وغريب الحديث وكان اعتماده في ذلك على حفظه، وكان يستعين بمن يقرأ له وهو بهذه المثابة أعجوبة زمانه في المحاضرة اللطيفة والنوادر الطريفة، وسمع باعتناء أبيه وشيخه إسماعيل بن بردس عليهما وعلى جمع كثير منهم إسماعيل بن السيف أبي بكر بن إسماعيل الحراني وأبو الطاهر محمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الغني بن الفراء وأحمد بن محمد الجوخي ومحمد بن موسى الشيرجي ويعقوب بن يعقوب الحريري وعمر بن حسين٣ بن أميلة ومحمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي عمر وزينب بنت قاسم الدمياميني ومحمود بن خليفة المنبجي ويوسف بن عبد الله الحبال وأبو
стр. 125
المحاسن يوسف بن محمد بن محمد الصيرفي١ وأحمد بن النجم إسماعيل بن أبي عمر ومحمد بن محمد بن عوض وحسن بن علي الكلابي وخليل بن٢ الحافظي ومحمد بن أحمد بن أبي راجح وأحمد بن عبد الكريم البعلي والقطب عبد اللطيف "بن عبد الكريم الحلبي"٣ وعبد الرحمن بن محمد بن الأستاذ وعثمان بن حيى بن حولان وخلائق لا يحصون من أصحاب الفخر ثم من أصحاب ابن عساكر وابن القواس ثم من أصحاب القاضي سليمان ثم من أصحاب أبي العباس الحجار ثم من أصحاب ابنة الكمال زينب، وأكثر من المسموع جدا حتى سمع على أقرانه ومن هو دونه على ضعف بصره مع مشاركة أوحد الحفاظ المفيدين، قدم القاهرة بعد اللنك في سنة ثلاث وثمانمائة فاستوطنها مدة وحدث بها بجملة من مسموعاته وخرج للقِمَني٤ مشيخة ولجماعة من أقرانه ومن هو دونهم٥، ثم عاد إلى دمشق فأقام بها زمانا منفردا إلى أن وافاه حمامه في أواخر سنة تسع عشرة وثمانمائة، وقد اتفق على ذلك الحفاظ الثلاثة ابن حجر والفاسي وابن ناصر الدين، ثم إن ابن حجر تعقب ذلك بأن قال: ثم تحرر لي أنه مات في ثالث المحرم من سنة عشرين وثمانمائة انتهى. وكان آخر ما حدث في صحيح مسلم عاش بعد ختمه يوما وليلة ومات رحمة الله تعالى عليه.
وفي سنة تسع عشرة مات بمكة المشرفة الشريف شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد الفاسي٦ في حادي عشري من شوال، وبدمشق القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن نشوان الشافعي، وبأم القرى مكة الشيخ الصالح أحمد بن يوسف بن عبد الرحمن
стр. 126
المشهور بالأهدل وقد عد السبعين، وبالقاهرة المحدث حميد الدين حماد بن عبد الرحيم بن علي بن عثمان بن التركماني المصري الحنفي، وبمكة المشرفة المعمر الأصيل ظهير الدين أبو بكر ظهيرة بن حسين بن علي بن أحمد بن ظهيرة في صفر، وبدمشق المسند عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي الصالحي وله تسع وسبعون سنة، وبالقاهرة الشيخ زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن أبي أمامة محمد بن علي بن عبد الواحد عرف بابن النقاش المصري، وبدمشق الواعظ زين الدين عبد الرحمن بن يوسف الكردي الدمشقي، وبالقاهرة القاضي أمين الدين عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنفي في شهر ربيع الأول وغانم بن محمد بن محمد بن يحيى الخشبي١ وله ثمان وسبعون سنة، وبأم القرى العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر المعروف بالوانّوعي٢ التونسي، وبالقاهرة العالم همام الدين محمد بن أحمد الخوارزمي٣ الشافعي في شهر ربيع الأول، والقاضي شمس الدين محمد بن علي بن معبد المقدسي المدني المالكي في شهر ربيع الأول، والقاضي ناصر الدين محمد بن عمر بن إبراهيم بن العديم الحلبي في شهر ربيع الثاني، وبمكة قاضيها كمال الدين أبو البركات محمد بن أبي السعود محمد بن حسين بن ظهيرة المخزومي، وبالقاهرة فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الدائم الباهي٤ وعالمها عز الدين محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة في شهر ربيع الثاني، وبدمشق نور الدين محمد المشهور بابن قوام البالسي الصالحي، والزاهد المحدث سعد الدين مساعد بن شاري بن مسعود الهواري، وبمكة الفقيه مسعود بن هاشم بن علي بن غزوان الهاشمي في جمادى الأولى، وبالقاهرة القاضي تقي الدين أبو بكر عرف بابن الجيتي٥ الحنفي.
стр. 127
الأقفهسي خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن المصري الشافعي الإمام الأوحد الحافظ صلاح الدين وغرس الدين أبو الحرم وأبو سعد وأبو الصفاء الأشقر:
ولد في عشر السبعين سنة بضع وستين وسبعمائة، اشتغل في الفقه وجلس للتكسب يتحمل الشهادة في حانوت الشهود وحبب إليه الحديث فطلب لنفسه وجد فيه في حدود السبعين١ فسمع بمصر والقاهرة من الكتب والأجزاء الكثير على الجم الغفير كتقي الدين بن حاتم وعزيز الدين المليحي والصلاح الزفتاوي٢ خاتمة أصحاب الحجار ووزيرة بديار مصر، ثم حج في سنة خمس وتسعين وجاور بمكة المشرفة في سنة ست فسمع بها من البرهان بن صديق وشمس الدين بن سكر٣ وغيرهما وخرج جزء حديث لجماعة من شيوخها كالإمام أبي اليمن الطبري وأخيه المحب قراءة٤ على بعضهم فلما حج في سنة ست وسبعين٥ رحل منها إلى دمشق فأدرك بها جماعة من جلة مشايخها منهم المفتي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن العز الصالحي آخر أصحاب القاضي سليمان بالسماع وعلي بن محمد بن أبي المجد وأبو هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد الله الذهبي وعدة من أصحاب الحجار قرأ عليهم جملة من الكتب والأجزاء، ورحل إلى بيت المقدس في أوائل سنة ثمان وتسعين فزار المسجد الأقصى وسمع على من بالبلد من الشيوخ وتوجه منه إلى القاهرة فلازم السماع على الشيوخ، وخرج للقاضي مجد الدين الحنفي٦ مشيخة في ثمانية أجزاء ثم
стр. 128
قصد مكة المشرفة في البحر المالح في آخر سنة تسع وتسعين فلم يدرك الحج وجاور بها سنة ثمانمائة والتي بعدها إلى أن حج فرحل منها صحبة الحاج الشامي إلى دمشق فدخلها في سنة اثنتين واستفاد فيها شيئا من المرويات والشيوخ ما لم يكن استفاده في رحلته الأولى فلما كان في أوائل سنة ثلاث توجه إلى مصر وأقام بها إلى أن سافر الحاج سنة أربع فصحبه إلى مكة فحج وجاور بها نحو سبع سنين متوالية خرج بها لحافظها العلامة أبي حامد بن ظهيرة معجمًا في مجلد أجاد فيه سمعته عليه بقراءته وهو عندي بخطه غير أنه عدم منه بعض الجزء الأول وللشيخ قاسم السملي قراءة عليه١ سمعته وكتبت منه نسخة وفي مجاورته هذه زار المدينة النوبية مرات والطائف مرة وأقبل على العبادة والخير والتخريج والإفادة مع حسن الخلق وخدمة الأصحاب بحيث إن من جالسه لا يمله، ولما حج في سنة إحدى عشرة عول عليه بعض أصحابه من التجار في أن يتوجه إلى صوب بلاد العجم في حاجة له فيما وسعه مخالفته وتوجه مع قافلة عقيل إلى المدينة الشريفة ثم إلى الحسا والقطيف وتوجه من ثم إلى هرموز وسافر منها في البحر إلى كنباية ثم عاد إليها فصار يتردد منها إلى بلاد العجم للتجارة فدخل شيراز وهراة وسمرقند.
وكان رحمة الله تعالى عليه دينا خيرا ورعا زاهدا لا تأخذه في الله لومة لائم إماما حافظا بارعا في فنون من العلم الحديث والفقه والأصول والفرائض والحساب والعربية والعروض والأدب مع المروءة والتواضع ولم يزل منذ طلبه في ازدياد، له النثر الفائق والنظم الرائق أكثر منه في غربته يتشوق إلى أصحابه ووطنه وأحبابه وكان قبل ذلك ينظم قليلا وله تعاليق حسنة وفوائد جمة خرج لنفسه أربعين حدثيًا متباينة الإسناد وأكملها خمسين
стр. 129
ثم بلغ بها السبعين١ صحبته كثيرا فانتفعت به وسمعت عليه من لفظه السيرة لابن سيد الناس وشرح ألفية العراقي في الحديث وكذا نكته على ابن الصلاح وغير ذلك وأنشدني جملة من شعره، وخلف جملة أجزاء وعدة كتب صار غالبها للحافظ شهاب الدين بن حجر فانتفع بها وبثبته لأنه كان قبل سفره من مكة أوصى بأن يسلم جميع ذلك إليه٢ وكانت وفاته رحمة الله عليه غريبا بمدينة يزد من بلاد العجم فجأة بمسلخ الحمام عندما خرج منه في أواخر سنة عشرين وثمانمائة٣.
وفيها مات بمصر الشيخ شهاب الدين أحمد الفراوي٤، والقاضي تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله الحنفي، وبمكة المشرفة قاضيها عز الدين محمد بن أحمد العقيلي النويري الشافعي في ليلة الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول، وبمصر الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن جعفر البلالي٥ شيخ خانقاه سعيد السعداء، وبزبيد الرئيس جمال الدين محمد المصري بن أبي بكر بن علي بن يوسف الذُّروي٦، وبأم القرى الشيخ موسى بن علي بن علي المناوي٧ المصري في شعبان.
المراكشي محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد بن عبد الله المكي
стр. 130
الشافعي سبط سيدي الشيخ عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي الإمام الأديب الفقيه الحافظ شمس الدين أبو عبد الله:
وُلد في ليلة الأحد الثالث من شهر رمضان المعظم قدره سنة سبع وثمانين١ وسبعمائة بمكة المشرفة ونشأ بها فحفظ القرآن العزيز وكتبًا عدة منها التنبيه والمنهاج في الفقه والعمدة في الحديث والألفية في النحو وكتبًا أُخر في علوم شتى وعرضها واشتغل في الحديث والفقه والعربية والعروض والأدب فظهرت نجابته واشتهرت نباهته وكان يتوقد ذكاء تفقه بشيخ الإسلام جمال الدين بن ظهيرة والشيخ شمس الدين الغراقي وغيرهما وأخذ علم العربية عن الشيخ شمس الدين المعيد والشيخ خليل بن هارون وغيرهما، وأقبل على هذا الشأن بهمة عالية فأخذه عن الحافظ أبي حامد وغيره وطلب بنفسه فسمع من جماعة بمكة المشرفة الكثير من الكتب والأجزاء على مشايخها والقادمين إليها منهم البرهان بن صديق والحافظ أبو حامد بن ظهيرة والإمام أبو اليمن الطبري ووجيه الدين وأصيل الدين عبد الرحمن بن حيدر الدهقلي٢ والقاضي رضي الدين أبو حامد المطري، ورحل إلى المدينة الشريفة -على الحالِّ بها أفضل الصلاة والسلام- فقرأ بها الكثير على قاضيها العلامة أبي بكر بن الحسين العثماني وأم محمد رقية بنت يحيى بن مزروع وغيرهما ثم رحل إلى الشام في سنة خمس عشرة فأدرك بها جماعة من مشايخها الجلة كابن طولوبغا عبد الرحمن وعائشة بنت محمد بن عبد الهادي وعبد القادر الأرموي وإبراهيم بن محمد القرشي وجمع، ثم رحل إلى بعلبك فسمع بها من عدة منهم محمد بن إسماعيل بن بردس وبحمص ونابلس وغزة وحماة وحلب وغيرهما ثم كر راجعا إلى دمشق، ورحل منها إلى بيت المقدس فسمع بها من إبراهيم بن أبي محمود ومحمد بن أبي بكر بن كريم وغيرهما وبالخليل من أحمد بن موسى الجبراوي وغيره وتوجه إلى مصر فسمع بها من جماعة منهم المسند أبو الطهار محمد بن أبي اليمن بن الكويك وعبد الله بن علي العسقلاني الحنبلي ومحمد بن علي الزراتيتي٣ وبالإسكندرية من عبد الله بن محمد بن خير ومحمد بن محمد بن التنسي ومحمد بن عمر الدماميني وغيرهم.
стр. 131
وأجاز له في سنة ثمان وثمانين وما بعدها -باستدعاء- المحدث شمس الدين بن سكر وكثيرون منهم القاضي ولي الدين بن خلدون والشيخ أبو عبد الله بن عرفة وعبد الله النشاوري١ وإبراهيم الأَبْناسي٢ وإبراهيم بن فرحون وناصر الدين بن الميلق وأبو الفتح بن حاتم وعزيز الدين المليحي ولاعراقي والهيثمي وصدر الدين المناوي، وكان إماما حافظا يقظا ماهرا حسن الأخلاق قليل الكلام ذا مروءة وسماحة وقناعة باذلا كسبه وفوائده وكتبه، له الخلق الحسن المتقن قل أن يوجد فيه سقطة أو لحنة كتب به الكثير لنفسه ولغيره، وله تعاليق جمة وفوائد نفيسة صار غالبها إلى صاحبنا الإمام جمال الدين محمد بن أبي بكر الخياط وله اليد الطولى فيما يؤلفه ويخرجه من العبارة الحسنة وصوغ الكلام بعضه إلى بعض دخل اليمن مرارا فحصل له الحظ الوافر عند ملكها الناصر أحمد ومدحه بقصائد فائفة فأجازه بجوائز سنية وكان في كل عام يتردد إليه حتى إنه عز على الإقامة به، رحلت أنا وهو في سنة ست عشرة إليه لنسمع على القاضي مجد الدين الفيروزآبادي مشيخة خرجها له فلم يتيسر له قراءتها واجتهدت أنا حتى قرأت عليه ما فيها من الأحاديث جميعها والآثار والشعر من غير كلام مخرجها من المسودة وألبسني خرقة التصوف وحرصت على تحصيل نسخة من المشيخة فلم يتيسر لي ذلك غير أني كتبت أحاديث من أولها ولم أظفر بالمشيخة بعد موته لأنه قال: احتمل جملة كتبه إلى زبيد فلما عزم على الحج تركها عند زوجته فمات بمكة بعد قضاء نسكه واستولت الزوجة على الكتب وكان استعار مني عدة كتب فلولا حسن نيتي ما جمعها الله تعالى عليّ وذهبت سائر كتبه شذر مذر وذهب جميع ما جمعه وألفه وأتعب نفسه عليه لم ينتفع به، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وخرج لجماعة من مشايخه من ذلك العلامة زين الدين أبو بكر بن الحسين الأموي مشيخة سمعتها عليها بقراءته وكتبت منها نسخة وأربعين حديثا منها عشرون موافقات وعشرون أبدال لجماعة من المشايخ سمعتها على بعضهم وتراجم لجماعة من شيوخنا أجاد فيها عندي من ذلك نسخ ومشيخة للشيخ جمال الدين محمد بن إبراهيم المرشدي٣ كتب له بها نسخة وقرأه عليه وهي عند بعض ورثته الآن وضاع تعبه لديه فإنه غير ما مر بعد
стр. 132
وفاته شرع يتنقصه بقلة المعرفة وما ذاك إلا من سوء الطبع فالله تعالى يجازي كُلا بفعله، وقد خرج لنفسه أربعين متباينة موافقات لكنه تساهل فيها بالإجازة وقد ذهبت فيما عدم، وله النثر الفائق والنظم الرائق يغوص فيه على المعاني الدقيقة، واتفق له أنه لما توجه من اليمن إلى الحج في سنة ثلاث وعشرين ضاق عليه الوقت فخرج من أبعد مرسى في السفينة١ هو وجماعة واكترى جملا مع شخص فلما تراءت لهم جبال عرفة أخذ الجمال جمله وذهب فتوجه هو وصاحب له يقال له: ابن ميمون نحو عرفة لإدراك الوقوف فكان ﵀ يقسم أنه حصل بأرض عرفة في ليلة النحر مدركا للوقفة وعجز عن المشي فتركه ابن ميمون وجاءنا إلى منى في يوم النحر فأخبرني بخبره فتجردت في أطمار وأخذت معي أخاه لأمه عبد الهادي ومعنا دليل وتوجهنا في طلبه فوجدناه في ناحية السقيا٢ قريبا من المزدلفة وهو يزحف على استه وقد تلف من الجوع والعطش وكان معنا شيء من الزاد والماء فأعطيناه إياه فاستعمل منه قليلا وردت إليه روحه فحملناه على دابة وأتينا به منى فأقام بها أيام التشريق فلما انقضت نزل إلى مكة وأقام بها متوجها فلما كان صبح يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة قضى نحبه رحمه الله تعالى فصلى عليه من يومه عند باب الكعبة خطيب المسجد الحرام كمال الدين أبو الفضل النويري بعد فراغه من الصلاة ودفن بالمعلاة على والده وكان له مشهد عظيم رحمة الله تعالى عليه وتألم لموته جمع من الأخيار وتأسفوا لفقده فنسأل الله تعالى خير هذه المصيبة.
وقد رثاه صاحبنا الأديب الإمام قطب الدين أبو الخير محمد بن عبد القوي البجائي المكي بقصيدة سمعناها منه أنشدت بحضرته بالمعلاة في اليوم الثالث من وفاته في ملأ من المسلمين ثم قرأتها عليه بعد ذلك وهي هذه:
من للمحابر والأقلام والكتب ... بعد ابن موسى ومن للعلم والأدب
من للرواية أو من للدراية أو ... من للقراءة من للجد في الطلب
من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للوراعة من للهدى والقرب
من للعقائد أو من للقواعد أو ... من للفوائد من للجمع والنسب
من للتفاسير من للفقه ينشره ... من للأصول وللتدريس والنخب
من للأسانيد يرويها مصححة ... من للصناعة يعريها عن الكذب
стр. 133
من للفرائض أو من للحساب بها ... من للتواريخ من للنحو والنسب
من للعلوم التي تعيى العقول بها ... من للتناظر إذ يجثى على الركب
من للبحوث التي دقت مآخذها ... من منه عنها جلاء الشك والريب
من للتصانيف يسديها محررة ... من للفتاوى ومن للكشف في الكتب
من للبلاغة من للشعر ينظمه ... من للغات التي تعزى إلى العرب
من للتآويل يدري حل مشكلها ... من للأقاويل في الآداب والخطب
من للسكون وبل من للوقار وبل ... من للحفاظ إذا ما طاش ذو شغب
من للطروس التي خطت أنامله ... سلاسلا صاغها التجويد من ذهب
أين الهمام الذي في العلم همته ... تعلقت بعرى الأفلاك والقطب
أين التيقظ والإتقان يطلبه ... أين الذكاء الذي ينشي عن اللهب
أين الجبين الذي أثر السجود به ... كأنه الشمس إذ تبدو من الحجب
أين الذي في التقى والخير منشأه ... من خير أم أتى أيضًا وخير أب
لليافعي ابن موسى من خلائفه ... حبرا صلاح أقرا السر في العقب
سعت إليه شعوب في كهولته ... بضع الثلاثين ما في ذاك من عجب
هوت بجهبذنا طرا أكملنا ... نهى وأسبقنا للفضل في القصب
إلى ضريح فسيح مونق خضل ... مرونح نير مستأنس رحب
يا حافظ الوقت ضيعنا الحفاظ لما ... نلنا بحفظك تحت الترب والنصب
أضحت مغانيك بعد العين مذكرة ... أسنى معانيك يالله من نصب
وأصبح الفضل مذعورا عليك أسى ... من بعد ما احتل في أثوابه القشب
تكدرت بعدك الدنيا وساكنها ... جوى عليك فما في العيش من أرب
غيبت عنا فكاد اللحد من أسف ... يبكي لطوفان نوح نوح منتحب
بلغت يا أرض بحرا ماله طرف ... فأقلعي يا سماء الفضل والحسب
يا قرة العين ما للعين من حلل ... تبكي عليك طوال الدهر من وصب
ما أنت في الهلك فردا يستكان له ... إليك فالكل في هلك وفي عطب
فالله يعظم فيك الأجر منه كما ... عظمت رزءا بذي الأيام والحقب
مثوى للحدك لا تعدو أعاديه ... بمرزم نوءه يقضي على السحب
فأنت قبر بأرض في السماء غدا ... مثامنا لعداد السبعة الشهب
стр. 134
ثم الصلاة على المختار من مضر ... ما غرد الورق في الأفنان والقضب
وهذه مكاتبة رقمها في مرضه الذي مات فيه وقرأها علي وسألني في أن أذهب بها إلى شيخنا الإمام أبي الخير ابن الجزري الشافعي وآتيه بجوانبها فأجبت سؤاله وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم يقول مسطرها العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد بن عبد الله المراكشي المكي خادم مقام مولانا وسيدنا شيخ الإسلام أوحد من دار عليه الفلك من الأيام في كل فصل ومقام شمس الدين قاضي قضاة ممالك المسلمين محمد بن محمد بن محمد بن الجزري الشافعي أدام الله تعالى على الوجود ظله وأعلى بل زاد في الخافقين رفعته ومحله متهجما ما نصه:
يا شمس أفق بلاد الشرق كم شهدت ... بشارة بعلاها سرت في البشر
يا سابق العلما في كل مشكلة ... وكل علم أمنت السبق فانتظر
مددت أبحر علم لا تطاق فمذ ... جزرت رفقا دعاك الناس بالجزري
نداء ذي علة قالت على نبأ ... البحر عذب هنا أغنى عن المطر
ها قد قصدتك أبغي بالإجازة تشـ ... ـريفا لديك بفتوى العلم والخبر
حققتم معنيي لفظ الإجازة للـ ... ـطلاب لكن بلا رد لمنتظر
وقد أسفت على تلك الفضائل لمـ ... ـما كان تسليمها التوديع للسفر
طلعت عاما علينا والشموس كذا ... تسير عاما فسر بالعز والظفر
آمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
وكتب له مجيبا بعد أن سمعتها من لفظه ونقلتها من خطه:
يا عالما ماله في الناس من شبه ... وناظما جوهرا قد زين بالدرر
ويا إماما له بالخط أي يد ... فاق الألى سلفوا في غابر العصر
شرفتني بقريض لا نظير له ... بسيط بحر أتي صفوا بلا كدر
نعم أجزتك ما أروي ومالي من ... نظم ونثر وأن يفتي مع الحذر
وعلمنا بك يغني عن تفقده ... بشرطه فارو ما تبغي بلا خطر
واعذر ضعيفا بعيد الدار مرتحلا ... قد قالها وهو مختار على سفر
وأنت أصبحت فردا في الحديث وفي ... أنواع فضل وأفضال بلا نظر
والله يبقيك في خير وكاتبه ... محمد وهو المشهور بالجزري
стр. 135
ومولدي عام إذن١ في دمشق وذا ... قد قلت عام "أضاحجي"٢ على الكبر
والحمد لله ربي والصلاة على ... محمد المصطفى المبعوث من مضر
وفي سنة ثلاث وعشرين سنة وفاته مات بمكة المشرفة الشيخ تغري برمش بن يوسف التركماني الحنفي٣ وبالقاهرة قاضيها كمال الدين عبد الله بن مقدار الأقفهسي المالكي في جمادى الأولى، وجمال الدين بعد الله السمهودي٤ وبالمدينة الشريفة على الحال بها أفضل الصلاة والسلام قاضيها نور الدين علي بن أبي علي يوسف الزرندي الحنفي، وبعدن قاضيها تقي الدين عمر بن محمد بن عيسى اليافعي في يوم عيد الفطر وبمكة المشرفة الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أبي الخير الفاسي٥، وأبو الفضل محمد بن البهاءمحمد بن عبد المؤمن بن خليفة الدكالي٦ في جمادى الأولى، ومحمد المدعو بكمال بن الضياء٧ محمد بن محمد بن سعيد الهندي الصاغاني الحنفي.
ابن البلقيني عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن أحمد بن محمد بن شهاب بن عبد الخالق أو عبد الحق بن محمد بن مسافر الكناني العسقلاني المصري الشافعي الإمام العلامة الأوحد شيخ الإسلام جلال الدين أبو الفضل سبط الشيخ بهاء الدين بن عقيل:
ولد في جمادى الآخرة أو في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وارتحل به
стр. 136
أبوه معه في سنة تسع وستين إلى الشام لما ولي قضاءها فلو وجد من يعتني به حينئذ لأدرك الإسناد العالي ولم يكن لأبيه في تسميعه عناية وإنما سمع اتفاقا شيئا من السنن الكبرى للبيهقي بنزول على الشيخ علي بن أيوب وسمع مع أبيه١ غالب الكتب الستة بغير شرط السماع لما كان يقع في غضون ذلك من كثرة اللغط في البحث المفرط المخل لصحة السماع لكن قد استجاز له الحافظ أبو العباس بن حجي جماعة منهم ابن أميلة والصلاح بن أبي عمرو الحافظ عماد الدين بن كثير والنجم أحمد بن إسماعيل النقبي وأحمد بن عبد الكريم والطبقة٢، أخرج له عنهم الحافظ أبو الفضل بن حجر فهرسا بالكتب المشهورة فكان يحدث منها، وقد خرجت أربعين حديثا عن أربعين شيخا من روايته وجماعة من مشايخنا قرأتها على بعضهم، اشتغل الكثير على أبيه وعلى غيره القليل وكان قوي الحافظة لديه ذكاء وفطنة، حفظ مختصرات، وولي توقيع الدست ثم قضاء العسكر ودرس بعدة أماكن فاشتهر اسمه وطار ذكره وانتهت إليه رياسة الفتوى لا سيما بد وفاة والده وولي القضاء بالديار المصرية عدة مرات إلى أن مات وهو متولٍ.
وكان -رحمة الله تعالى عليه- عفيفا نزها حسن البشر والود محبا في العلم ماهرا في الفقه كثير المطالعة في كتب الحديث، قال الحافظ شهاب الدين بن حجر: كان يحب فنون الحديث محبة مفرطة وتأسف على ما ضيع منها ويحب أن يشغل فيها وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين في كتاب "التبيان لبديعة البيان" شرح ألفيته في الحفاظ: كان عين أعيان الأمة خلف والده في الاجتهاد والحفظ وعلوم الإسناد رايته يناظر أباه في دروسه ويناقشه فيما يلقيه من نفسه٣ مع لزوم حرمة الآباء وحفظ مراتب العلماء، وله على صحيح البخاري تعليقات نفيسات ومنها بيان ما وقع فيه من المبهمات وله نظم ونثر وعدة مصنفات. قلت منها في التفسير والفقه ومجالس الوعظ وله حواش على نسخته من الروضة جردها بعض طلبته في مجلد ضخم وجمع له فتاوى أيضًا وتعليقه على البخاري سماه "الإفهام لما في البخاري من الإبهام" أجازني بما له روايته وليس هو من شرط كتابنا هذا وإنما ذكرته تبعا لشيخنا الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين فإنه ذكره في كتابه المسمى "بديعة البيان عن موت الأعيان" ومات تغمده الله تعالى برحمته مسموما فيما قيل أو بعلة
стр. 137
القولنج ثم الصرع في العاشر من شوال سنة أربع وعشرين وثمانمائة بالقاهرة المعزية ودفن على أبيه في مدرسته التي أنشأها.
وفي هذه السنة مات بطريق عدن الفقيه حسين بن أحمد بن ناصر١ الهندي المكي الحنفي، والقاضي شرف الدين حسين بن علي بن جراح وبدمشق قاضيها تاج الدين عبد الوهاب بن أحمد بن صالح الزهري الشافعي في ثالث من شهر ربيع الأول، وبالقاهرة شمس الدين محمد بن جامع البوصيري٢، وبمكة المشرفة الشريف أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن أبي الخير الفاسي٣ في النصف من شهر ربيع الثاني، وبالقاهرة الشيخ يوسف الصفي٤ المصري.
ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي الرازياني ثم المصري الشافعي الإمام العلامة الفريد الحافظ ولي الدين أبو زرعة:
مولده في الثالث من ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وستين وسبعمائة اعتنى به أبوه فبكر به وأحضره على أبي الحرم القلانسي ومن في عصره وأسمعه الكثير ببلده، وأول ما طعن في الثالثة رحل به إلى دمشق في سنة خمس وستين فأحضره الكثير على الجم الغفير من أصحاب الفخر بن البخاري وابن عساكر وغيرهما، ثم لما ترعرع حبب إليه السماع فطلب بالقاهرة ومصر بنفسه فأكثر عن مشايخ عصره، قرأ بنفسه عليهم الكثير، ورحل ثانيا إلى دمشق بعد موت الطبقة الأولى فسمع بها من أصحاب القاضي سليمان والمطعم وابن الشيرازي وغيرهم فشيوخه بالقاهرة ومصر: والده سمع عليه جملة من مصنفاته ومروياته، والمعمر أبو الحرم محمد بن محمد بن محمد القلانسي، وعلي بن إسماعيل بن فراس والقاضي ناصر الدين محمد بن محمد بن أبي القاسم التونسي، ومحمد بن إبراهيم بن أبي
стр. 138
بكر البياني وأحمد بن يوسف الخلاطي وجويرية بنت أحمد بن موسى الهكاري والجمال محمد بن محمد بن محمد بن نباتة وناظر الحيش محب الدين ومحمد بن محمد بن أبي بكر العسقلاني وعبد الرحمن القاري وعبد القادر الحنفي والبهاء عبد الله بن خليل المكي والقاضي عز الدين بن جماعة والبهاء محمد بن محمد بن المفسر والقاضي بهاء الدين أبو البقاء السبكي والعلامة جمال الدين االإسنوي وخليل بن طرنطاي والبهاء بن عقيل والموفق الحنبلي وعبد الله بن علي الباجي وعبد الله البسيوني ومحمد بن محمد بن محمد بن الشامية والقاضي برهان الدين بن جماعة والعز إبراهيم بن محمد بن عبد الله السِّمربائي١ وإبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأخنائي وشهاب الدين بن النقيب وأحمد بن محمد البهوتي وأحمد ابن النظام محمد بن محمد بن محمد بن القوصي ومحمد بن أحمد العسجدي ومحمد بن أحمد بن عمر السلمي ومحمد بن أحمد بن مرزوق ومحمد بن حبيب الله بن خليل ومحمد بن علي الخشاب وجمع، وبدمشق يعقوب بن يعقوب الحريري ومحمد بن المحب عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي وأحمد بن أبي بكر بن أبي عمر المقدسي ومحمود بن خليفة المنبجي وعمر بن حسن بن أميلة وأحمد بن النجم إسماعيل بن أبي مر ومحمد بن أحمد بن عبد المنعم الحراني وست العرب بنت محمد بن الفخر علي بن البخاري وحسن بن الهبل وعمر بن محمد بن أبي بكر الشحطبي ومحمد بن إسماعيل بن جهبل وعلي بن عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الصوري ومحمد بن أبي بكر السيوفي٢ ومحمد بن الحسين بن علي بن بشارة ومحمد بن محمد بن سلامة الماكسيني وعمر بن محمد بن إبراهيم بن جملة والحافظ تقي الدين بن رافع ومحمد بن إبراهيم بن علي بن المظفر الحسيني وعدة، وببيت المقدس إبراهيم بن عبد الله الزيباوي ومحمد بن حامد ومحمد بن سالم بن عبد الناصر، وبمكة المشرفة محمد بن أحمد بن عبد المعطي وأحمد بن سالم بن ياقوت وأم الحسن فاطمة بنت أحمد بن قاسم الحرازي والجمال إبراهيم بن محمد الأسيوطي٣ وأحمد بن محمد بن محمد القسطلاني وأم الحسن وأم الحسين ابنتا أحمد بن الرضي إبراهيم الطبري والتقي الواسطي والكمال محمد بن عمر بن حبيب، وبالمدينة الشريفة عبد الله بن فرحون وغيرهم بعدة من البلاد.
واشتغل بالفقه وتقدم فيه على جماعة منهم البلقيني وابن الملقن والأبناسي وفي أصوله
стр. 139
على الشيخ ضياء الدين وكذا في المعاني والبيان وفهم العربية وظهرت نجابته واشتهرت نباهته وأجيز وهو شاب بالإفتاء والتدريس وصار يزداد فضلا مع ذكائه وتواضعه وحسن شكله وشرف نفسه وسلامة باطنة فأقبل عليه الناس وساد بجميع ذلك في حياة والده واشتهر بالفضل مع الدين المتين والانجماع وحسن الخلق والخلق قل أن ترى العيون مثله، ثم ولي جهات والده قبل موته وهو على طريقته، وجلس للإملاء في أوائل شوال سنة أربع وعشرين فسار سيرة محمودة١، باشر ذلك بعفة ونزاهة وحرمة وشهامة إلا أنه استولى عليه بعض صهورته ممن ليس سيرته كسيرته فلزق به اللوم فوثب عليه وتعصب٢ حتى صرف عن القضاء في سادس من ذي الحجة سنة خمس وعشرين فاستمر على الاشتغال والتدريس والجمع في حلقته متوافر، دروسه من محاسن الدروس يجري فيها من غير تلعثم ولا تحريف٣.
أكثر أيامه يستغل ويشغل ويصنف فألف جملة منها "البيان والتوضيح لمن خرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح" وهو أول ما صنف و"المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" و"تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل" و"ذيل الكاشف" أضاف إليه رجال مسند الإمام أحمد و"ذيل على تذييل والده على ذيل العبر للذهبي" و"الأطراف بأوهام الأطراف" للمزي و"الدليل القويم على صحة جمع التقديم" و"الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية" التي سألته عنها و"تحفة الوارد بترجمة الوالد" و"فضل الخيل وما فيها من الخير والنيل" و"شرح الصدر بذكر ليلة القدر" و"الأربعون الجهادية" محذوفة الأسانيد و"كشف المدلسين" و"جمع طرق المهدي"٤، و"التحرير لما في منهاج الأصول من المنقول والمعقول" و"تحرير الفتاوى على التنبيه والمنهاج والحاوي" و"شرح البهجة الوردية" وشرح
стр. 140
نظم والده المسمى "النجم الوهاج في نظم المنهاج" واختصر المهمات وأضاف إليها حواشي البلقيني على الروضة وأفرد الحواشي المذكورة في مجلدين واختصر شرح جمع الجوامع للزركشي والكشاف للزمخشري، هذا ما كمل، وتمم شرح والده على "ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد" وأحكاما على ترتيب السنن لأبي داود وكتب فيها مجلدا وشيئا وشرح قطعا متفرقة من نظم الاقتراح لوالده وقطعا مفرقة من كتاب "الدقائق في الرقائق" أبوابا على حروف المعجم ومواضع مفرقة على الرافعي نحو ستة مجلدات، وتفرد بغالب ما حضره وحدث بكثير من مسموعاته، ورد إلى مكة المشرفة في موسم سنة اثنتين وعشرين فسمعت عليه المجلس الأول من أماليه إملاء واستمليت عليه وقرأت أحاديث عشاريات انتقاها الإمام رضوان من أماليه، وكان حصل له طحال فتداوى بشرب الخل كل يوم فعوفي وحج، ولما عزل عاد إليه وجع فظنه الطحال فتداوى بالخل فإذا به وجع الكبد فحمي كبده وعالجه الأطباء أزيد من شهرين ثم عرض له وعك وحمى عظيمة إلى أن آل أمره إلى الإسهال فأفرطه إلى أن مات في يوم الخميس سابع عشر من شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته، وبالجملة فلم يخلف له بعده في مجموعه مثله.
وفي هذه السنة مات بالمدينة الشريفة على الحال بها أفضل الصلاة والسلام الشيخ خليل بن هارون المالكي١ في شهر رمضان، وقاضيها ناصر الدين عبد الرحمن بن محمد بن صالح المدني الشافعي في صفر وبدمشق مسندها المعمر الرحالة زين الدين عبد الرحمن بن المحدث محمد بن طولوبغا السيفي الناصري التنكزي الدمشقي، وبمكة المشرفة الفقيه نور الدين علي بن هاشم بن غزوان الهاشمي٢ في شهر ربيع الثاني وبدمشق مدرس الأمينينة تاج الدين محمد بن أحمد بن إسماعيل الحسباني وبمكة رئيس المؤذنين بها جمال الدين محمد بن حسين بن عبد المؤمن في شهر ربيع الأول.
حدثنا الإمام الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين المصري
стр. 141
وقرأته عليه استملاء في يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة في المسجد الحرام لما قدم علينا حاجا قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن خليل سماعا عليه بقراءة والدي رحمة الله تعالى عليهما قال: أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن العجمي بقراءتي عليه ح وشافهنا عاليا بدرجة المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الدمشقي بالمسجد الحرام عن إسحاق بن يحيى الآمدي قالا: أخبرنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي ح وأنبأنا بعلو درجة أخرى سليمان بن خالد الإسكندري منها عن علي بن أحمد بن عبد الواحد عموما قالا: أخبرنا أبو المكارم أحمد بن محمد الأصبهاني قال ابن عبد الواحد كتابة قال: أخبرنا أبو علي الحداد قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أخبرنا عبد الله أبو جعفر بن فارس قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قريش فأتيت أبا سعيد ﵁ وكان لي صديقا فقال: ألا تخرج بنا إلى النخل؟ فخرجنا وعليه خميصة له فقلت: أخبرني عن ليلة القدر هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم اعتكفنا مع رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان فخطبنا صبيحة عشرين فقال ﵊: "إني رأيت ليلة القدر وإني أُنسِيتُها أو نَسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر؛ فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجع ورأيت كأني أسجد في ماء وطين" فرجعنا وما نرى في السماء قزعة وجاءت سحابة فمطرنا حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل وأقيمت الصلاة فرأيته -صلوات الله وسلامه عليه- يسجد في ماء وطين حتى رأيت الطين في جبهة رسول الله ﷺ " -أو قال: "أثر الطين في جبهة رسول الله ﷺ ". حديث صحيح اتفقا على إخراجه فرواه البخاري عن معاذ بن فضالة ومسلم بن إبراهيم ومسلم عن محمد بن المثنى عن أبي عامر العقدي والنسائي عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث أربعتهم عن هشام الدستوائي به فوقع لنا بدلا للبخاري عاليا وللآخرين في شيخي شيخيهما عاليا ولله تعالى الحمد والمنة والفضل والشكر.
الفاسي محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن عبد الملك بن سعيد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن حمزة بن ١ بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن
стр. 142
إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كذا نقلته من خط أخيه عبد اللطيف الحسني المكي المالكي سبط قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل النويري الإمام الحافظ المؤرخ قاضي المالكية بمكة المشرفة ومؤرخها تقي الدين أبو الطيب:
ولد في ليلة الأحد العشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة بمكة المشرفة، وسافر إلى المدينة الشريفة على الحال بها أفضل الصلاة والسلام صحبة أمه فحفظ بها القرآن العظيم والأربعين للنووي مع باب الإشارات ورسالة ابن أبي زيد وعرضها وسمع بها الحديث على أم الحسين فاطمة بنت أحمد قاسم الحرازي وهو أقدم سماع له وبعد ذلك على القاضي برهان الدين بن فرحون وعبد القادر الحجار وزين الدين أبي بكر بن الحسن العثماني وغيرهم، ثم عاد مع أمه إلى مكة فحفظ بها العمدة ومختصر ابن الحاجب في الفقه وعرضهما، وكان يحضر مجالس قريبه الشريف عبد الرحمن الفاسي١ في الفقه وقرأ في التنقيح للعراقي٢ بحثا على الشيخ شمس الدين القليوبي وحضر دروسه في العربية وغيرها وحبب إليه سماع الحديث فطلب بنفسه واعتنى بهذا الشأن، ورحل إلى الديار المصرية والشامية واليمنية مرارا وسمع جملة على عدة من المشايخ من ذلك بمكة على شيوخها والقادمين إليها منهم عم أمه القاضي نور الدين النويري وخاله القاضي محب الدين والحافظ أبو حامد بن ظهيرة قرأ عليه جملة من مسموعاته والشيخ شهاب الدين بن الناصح المصري القراني والعلامة برهان الدين الأبناسي والشيخ شمس الدين بن سكر والبرهان بن الصديق وعدة وبمصر على البرهان إبراهيم بن أحمد الشامي وابن الشيخة الزين عبد الرحمن بن أحمد وشيخ الإسلام البلقيني والسراج بن الملقن والحافظان العراقي والهيثمي وأبي المعالي عبد الله بن عمر الحلاوي والسويداوي وأحمد بن حسن٣ وأم عيسى مريم بنت أحمد بن
стр. 143
محمد بن إبراهيم الأذرعي وغيرهم، وبدمشق من علي بن أبي المجد وأبي هريرة بن الذهبي سمع عليه كثيرا وغيرهما، وببيت المقدس على الشهاب أحمد بن الحافظ صلاح الدين العلائي وغيره، وبغزة على أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي وغيره، وباليمن على الشيخ أصيل الدين عبد الرحمن بن حيدر الدهقلي، وأجاز له قديما أبو بكر بن المحب وإبراهيم بن أبي بكر بن السلار ومحمد بن محمد بن عمر بن عوض وجماعة وشيوخه بالسماع والإجازة يقاربون خمسمائة شيخ، وكان له اعتناء بالفقه وغيره وقرأ على الحافظ زين الدين العراقي شرحه على ألفيته في علم الحديث بحثا وفهما وأذن له في إقراء فن الحديث.
ووصفه بالحفظ جماعة منهم الحافظ أبو زرعة العراقي، وأجازه بالإفتاء والتدريس على مذهب الإمام مالك بن أنس جماعة منهم قريبه الشريف عبد الرحمن بن أبي الخير الحسني وخلف بن أبي بكر المخزومي وبهرام بن عبد الله الدميري١ والشيخ أبو عبد الله الوانوغي٢ بعد أن أخذ عن كل منهم جانبا من الفقه، جمع وألف وخرج وصنف جملة مصنفات من ذلك عدة في أخبار بلده مكة المشرفة أكبرها "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" مجلدان جمع فيه ما ذكره الأزرقي وزاد فيه أشياء سود غالبه ثم اختصره في مجلد وسماه "تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام" ثم اختصره في مجلد لطيف وسماه "تحصيل المرام" ثم اختصره في مجلد وسماه "هادي ذوي الأفهام إلى تاريخ البلد الحرام" ثم اختصره في كراريس سماه "الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة" ثم اختصره في كراريس وسماه "ترويح الصدور بطيبات الزهور" ثم اختصره في عدة أوراق، وله تاريخ كبير في أربعة مجلدات سماه "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" يشتمل بعد الخطبة على الزهور المقتطفة ثم سيرة نبوية مختصرة من السيرة لمغلطاي مع زيادات عليها جمة مفيدة ثم تراجم على حروف المعجم لجماعة من الصحابة من قريش وحلفائها وكنانة وخزاعة وثقيف وجماعة من ولاة مكة وقضاتها وخطبائها وأئمتها ومؤذنيها وجمع من العلماء والرواة والقاطنين بها والواردين إليها ومن وسع المسجد الحرام وعمره ومن عمر بها شيئا من الأماكن المباركة كالمساجد والمواليد وغير ذلك، انتهى في تسويده إلى أثناء الياء آخر الحروف ثم ألف غالبا من تراجمه على هذا النمظ وانتهى فيه إلى حرف القاف من الكنى غير أنه لم يذكر فيه إلا قدرا يسيرا من الصحابة
стр. 144
ثم اختصره وكمل الكنى منه والنساء ثم اختصره ثم زاد في هذا المختصر جماعة عدة من الصحابة بلغ فيما زاد من تراجم الصحابة ﵃ إلى أثناء حرف العين المهملة ثم شرع في اختصار العقد الثمين على نمطه وسماه "عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى" لم يكمله.
وجمع ذيلا على كتاب النبلاء للذهبي مجلدين وكذا ذيل على تقييد ابن نقطة أجاد فيه ثم اختصره مختصرين كبير وصغير وكذلك على الإشارة للذهبي سماه "بغية أهل البصارة في ذيل الإشارة" وكذا على الأعلام للذهبي سماه "إرشاد ذوي الأفهام إلى تكميل كتاب الإعلام بوفيات الأعلام" وله تاريخ بسط فيه تراجم بغية أهل البصارة التي ليست مبسوطة فيه و"المقنع من أخبار الملوك والخلفاء وولاة مكة الشرفاء" ثم اختصره ثم اختصر المختصر وكتاب في الأخريات مسود غالبه١ و"تذكرة ذوي النباهات لجملة من الأذكار والدعوات" واختصر كتاب حياة الحيوان للدميري سماه "مطلب اليقظان من حياة الحيوان" وله في الفقه عدة تصانيف منها في المناسك ثلاثة أحدها "إرشاد الناسك إلى معرفة المناسك على مذهب الإمامين الشافعي ومالك" وخرج في سنة ست وتسعيين لشمس الدين الحبيشي٢ جزء حديث حدث به وكذا للمحدث شمس الدين محمد بن علي بن سكر البكري في سنة تسع وتسعين ولنفسه أربعين حديثا متباينة المتن والإسناد وفهرسا مشتملا على جملة مروياته بالسماع والإجازة وصارت جميعها كالعدم لأنه وقفها وشرط أن لا تعار لمكي وأسند وصيته في ذلك وغيره إلى أخيه لأمه الخطيب أبي اليمن النويري فكان من شأنه إذا قصده آفاقي لاستعارة شيء منه يعتذر له بالمعاذير التي ليست بلائقة بالجهال فكيف بمن ينسب نفسه إلى طلب العلم والورع والصلاح؟! فإذا ثقل عليه أحد في ذلك وكان ممن يخشاه أو يحترمه من ذوي الوجاهات من الغرباء أعاره بعض التصنيف وتعلل عليه في باقيه بالزور من القول فالله تعالى يهديه إلى الصواب وبالله العظيم.
لقد كان رحمة الله عليه كثيرا ما يسألني في تحصيلها وكتابتها وآخر ما كان ذلك في الشهر الذي مات فيه فالله تعالى يغفر له ويسامحه، وكان رحمة الله تعالى عليه مكثرا سماعا وشيوخا وتصانيف له اليد الطولى في الحديث والتواريخ والسير عني بهذا الشان فجمع وأفاد وكتب الكثير، أخذ الناس عنه وانتفعوا به الكبير منهم والصغير فكان يملي من حفظه المجلدات في معرفة أسماء الرجال وتراجمهم وطبقاتهم
стр. 145
وأما التواريخ فإنه كان سيردها سرد الفاتحة لا يتلعثم في ذلك حدث بجملة من مسموعاته ونبذ من مؤلفاته، قرأت عليه المتباينة له كرتين و"تحصيل المرام من تاريخ البلد الحرام" وتراجم من "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" وكلاهما من تأليفه وحدثت معه بصحيح مسلم وبالسنن للنسائي وابن ماجه، ولي قضاء الماليكة بمكة المشرفة المعظمة في أواخر سنة سبع وثمانمائة وهو أول من وليه بها استقلالا واستمر فيه نحوا من عشرين سنة غير أنه في سنة سبع عشرة صرف عنه بقريبه الشريف أبي حامد بن عبد الرحمن قريبا من بضعة عشر يوما ثم أعيد إليه فاستمر إلى أن صرف عنه ثانيا في آخر سنة عشرين ثم ضعف بصره جدًّا فصرف في أواخر سنة ثمان وعشرين فسافر في أوائل سنة تسع وعشرين إلى القاهرة واستفتى فضلاء المالكية فأفتوه بأن العمى لا يقدح إذا طرأ على القاضي المتأهل للقضاء حتى إن بعضهم أفتى بأنه لا يضر تولية الأعمى ابتداء، واستنابه القاضي شمس الدين البِساطي١ فحكم بالصالحية فأنهى محبوه أمره إلى السلطان وأثنوا عليه فأعاده إلى منصبه فتوجه إلى بلده وأقام بها مدة فسعي عليه فصرف واستمر معزولا إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه في النصف الثاني من ليلة الأربعاء الثالث من شوال سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة ولم يخلف بالحجاز مثله.
وفي هذه السنة مات في ليلة الثلاثاء ثالث عشر من المحرم الشيخ الصالح شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أحمد الصوفي الضرير، وفي يوم الاثنين سابع من شهر صفر أمام السلطان الأشرف الشيخ محمد بن سعيد سويدان٢، وفي ليلة الأحد حادي عشر من ربيع الآخر ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارَنباري٣ بدمياط، وفي يومها محمد بن عبد الله بن حسين بن الخراز٤، وفي ليلة الاثنين سادس عشريه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشطنوفي٥ وفي يوم الخميس سادس عشر من شهر ربيع الآخر