← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7314

مباحث في التفسير الموضوعي

مصطفى مسلم

Полный текст (361 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القسم الثاني: المناسبات بين السور مدخل ... القسم الثاني: المناسبات بين السور إن القول بوجود المناسبات بين السور يعتمد على القول بأن ترتيب السور في المصحف توفيفي لا اجتهادي. لذا كان لا بد من عرض أقوال القائلين بذلك مع أدلتهم، ومناقشة أدلة القائلين بأن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم. ذهب جمهور العلماء إلى أن ترتيب السور في المصحف توقيفي أيضًا للأدلة الكثيرة في ذلك، وسنورد جملة منها فيما بعد. أما من ذهب إلى أن اجتهادي أو بعضه توقيفي وبعضه اجتهادي فلا مستند لهم في قولهم سوى أمرين أو بالأحرى شبهتين: الشبهة الأولى: قالوا إن مصاحف بعض الصحابة لم تكن مرتبة ترتيب مصحف عثمان ﵁ فمصحف علي ﵁ كان أوله: اقرأ ثم المدثر ثم "ن" ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني، أي كان مرتبًا حسب زمن النزول. ومصحف ابن مسعود كان أوله البقرة ثم النساء ثم آل عمران. وهذا لا حجة فيه لهم لأن مصاحف الصحابة كانت مصاحف شخصية لم يحاولوا أن يلزموا بها أحدًا، ولم يدعوا أن مخالفتها محرمة. والمرء قد يكتب لنفسه مصحفًا أو سورًا معينة يخشى من التباس الأمر فيها نسيانًا أو غير ذلك. فيكتب بالطريقة التي يشأ وهذا ما يفسر لنا القول بأن بعض الصحابة لم يكتب في مصحفه

стр. 72

المعوذتين وأن بعضهم كان قد كتب في مصحفه سورة الخلع والحفد المنسوخة كأبي بن كعب. ولهذا لما اجتمعت الأمة على ترتيب عثمان ﵁ أخذوا به وتركوا مصاحفهم الشخصية، ولو كانوا يرون أن ترتيب المصحف اجتهادي لدعوا إلى التمسك بترتيبهم الخاص ولم يتنازلوا عنه. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف لفظي فقط في الادعاء أن ترتيب السور اجتهادي حيث نقلوا عن الإمام مالك قوله: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه: هل ذاك بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي١؟ الشبهة الثانية: اعتمدوا على حديث ضعيف جدًا -بل يمكن أن يقال إنه لا أصل له- لأن إسناده يدور على "يزيد الفارسي" الذي رواه عن ابن عباس. ويزيد الفارسي هذا يذكره البخاري في الضعفاء -انظر تعليق أحمد شاكر على الحديث رقم ٣٩٩ في مسند الإمام أحمد، ج١ ص٣٢٩. فقد ورد هذا الحديث على الشكل التالي: حدثنا يحيى بن سعيد ثنا سعيد ثنا عوف ثنا يزيد -يعني الفارسي- قال أبي أحمد بن حنبل وثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن يزيد قال: قال لنا ابن عباس ﵄: قلت لعثمان بن عفان: "ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا -قال ابن جعفر- بينهما سطرًا بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ " قال عثمان ﵁: "إن رسول الله ﷺ كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد وكان إذا أُنزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده يقول: "ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" وينزل عليه الآيات فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" وينزل عليه الآية

стр. 73

فيقول: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن. فكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها وظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطرًا "بسم الله الرحمن الرحيم" قال ابن جعفر ووضعتها في السبع الطوال١. وهذه الرواية الضعيفة لا تقوم بها حجة، ولا تقف أمام الروايات الكثيرة الصحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا يحزبون القرآن على الترتيب المدون في المصحف. وإجماع الأمة على هذا المصحف بترتيبه الحالي، ولو كان الأمر محل الخلاف لنقلت إلينا الاجتهادات الكثيرة وبخاصة ما يتعلق بأمر كهذا الأمر "ترتيب المصحف". وذهب الجمهور إلى أن ترتيب السور في المصحف توقيفي، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: - ما رواه أحمد وأبو داود عن أوس بن أبي أوس عن حذيفة الثقفي قال: "طرأ علي حزبي من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه" فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تخزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة، وحزب المفصل من "ق" حتى نختم٢. فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن على عهد رسول الله ﷺ . - أخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف عن طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قُدِّمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع

стр. 74

وثمانون سورة بمكة وإنما أنزلنا بالمدينة؟ فقال: قدمنا وألف القرآن على علم ممن ألفه به ومن كان معه فيه واجتماعهم على علمهم بذلك فهذا مما ينتهي إليه ولا يسأل عنه١. ومما استدل به الجمهور على أن ترتيب السور في المصحف توقيفي قول عبد الله بن مسعود، في بني إسرائيل والكهف ومريم: "إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي"٢ أي من قديم ما أنزل، وقد ذكرها بالترتيب الوارد في المصحف. كما أن الجمع بين السور المتشابهة في فواتحها مرة، والتفريق بينها مرة أخرى يدل على أن ذلك لم يكن عن اجتهاد، فقد وردت السور المبدوءة بـ"حم" وتسمى آل حاميم أو الحواميم مجتمعة في مكان واحد، بينما فرقت المسبحات، وهي السور التي تبدأ بـ"سبح، يسبح، سبح، سبحان" والمنطق البشري يقتضي التوحيد في الجميع أو التفريق في الجميع. لقد عرف عن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم الشديد على حفظ القرآن الكريم، وكل ما يتعلق بشئونه؛ وقد وقف أبو بكر مترددًا في قضية جمعه في مكان واحد عندما اقترح عمر بن الخطاب ذلك بعد حروب الردة خشية استشهاد القراء وضياع شيء مما كتب عليه، وكذلك كان تردد زيد بن ثابت عندما أسندت إليه المهمة، وكل منهما يقول: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم٣؟ فكيف يتم ترتيب المصحف باجتهاد عثمان بن عفان ومن معه، ولا يسمع صوت واحد يعترض عليهم في ذلك؟ اللهم إلا أن يكون عن علم منهم جميعًا أن ترتيب السور في المصحف بهذا الشكل كان معلومًا للجميع أنه بتوقيف من رسول الله ﷺ . فإذا سُلِّم هذا فلننظر إلى أنواع الروابط بين سور القرآن الكريم، ولنضرب لذلك أمثله موضحة.

стр. 75

أنواع المناسبات بين كل سورتين متجاورتين: النوع الأول: المناسبة بين أول السورة وخاتمة وما قبلها من أنواع الربط بين السور: الرابط بين السور إما أن يكون لفظيًا وظاهرًا بين أول السورة وختام ما قبلها. والظاهر يكون بتكرار اللفظ أو مرادفه ويكون أحيانًا بالمعنى المستفاد أو بعلاقة الإسناد والتعلق بالعامل إلخ. فمثلًا: ١- في ختام سورة الأحقاف١ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وفي مطلع سورة محمد٢ ﷺ وتسمى سورة القتال أيضًا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ فالقوم الفاسقون هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. ٢- وفي نهاية سورة القتال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ وفي مطلع سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ، فكأن هؤلاء القوم الموعود بهم سيتحقق الفتح على أيديهم. ٣- وفي ختام سورة الطور: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ، وفي مطلع سورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ . ٤- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ في ختام سورة القمر، وفي أول سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ﴾ فالملك المقتدر هو الرحمن ﷻ . ٥- وفي ختام الواقعة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وفي بداية الحديد ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فكأنه أمر بتسبيح الله الذي سبحت له كل الكائنات، السماوات والأرض. ٦- وفي نهاية الحديد ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وفي بداية المجادلة

стр. 76

﴿قَد سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ فكان من عظيم فضله أن لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا شمله الفضل ومنه سماع شكوى المرأة الضعيفة. ٧- وفي ختام سورة المرسلات ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وبداية سورة النبأ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ فكأنه عين الحديث الذي ينبغي أن يؤمنوا به فهو النبأ العظيم. ٨- وكذلك نهاية سورة الضحى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ مع بداية سورة الشرح ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾ ، فانشراح الصدر، ووضع الوزر ورفع الذكر من أعظم النعم. ٩- ونهاية سورة العاديات ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ مع بداية القارعة ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ﴾ فكأنه عين اليوم الذي يكشف ما في الصدور وهو يوم القارعة. ١٠- وآخر سورة الفيل ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول﴾ مع بداية سورة قريش ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ﴾ حتى قال الأخفش عن هذا الاتصال: اتصالها بها من باب قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ١ [القصص: ٨] أي فعل بأصحاب الفيل ما فعل ليتألف قلب قريش غلى الإيمان. ١١- ومن لطائف سورة الكوثر كالمقابلة للتي قبلها، لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة. فذكر هنا في مقابلة البخل ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ أي الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة ﴿فَصَلِّ﴾ أي دُمْ عليها، وفي مقابلة الرياء ﴿لِرَبِّكَ﴾ أي لرضاه لا للناس، وفي مقابله منع الماعون: ﴿وَانْحَر﴾ وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة٢. وليس هذا الترابط بين السورتين المكيتين أو المدنيتين بل نحو ذلك بين السور المكية والمدنية أيضًا.

стр. 77

١٢- ففي نهاية سورة التوبة وهي سورة مدنية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . وبعدها سورة يونس وهي سورة مكية بدئت بقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ . فالحديث عن الرسول في الموضوعين. النوع الثاني: مناسبة مضمون كل سورة لما قبلها ومن وجوه المناسبات بين السور: أن ينظر إلى مضمون كل سورة ومضمون ما قبلها وما بعدها: وقد ذهب الإمام السيوطي إلى أن كل سورة ورد فيها إجمال في شيء ما فإن السورة اللاحقة لها تأتي بتفصيل هذا الإجمال فمن ذلك: - أن سورة الفاتحة قد جمعت مقاصد القرآن الكريم "فهي كالعنوان للقرآن الكريم وبراعة الاستهلال له". أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن الحسن البصري قوله: "إن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن ثم أودع علوم القرآن في المفصل ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة"١. ففي سورة الفاتحة: ١- دعاء الذين خصوا الله بالعبادة والاستقامة في قولهم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾ وصراطه هو كتابه المبين كما قاله ابن مسعود وغيره. فقال الله في أول سورة البقرة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ فاتبعوه فإنه الصراط المستقيم.

стр. 78

٢- ذكر الله في سورة الفاتحة الطوائف الثلاث: الذين أنعم الله عليهم، المغضوب عليهم، الضالين، وأشار في سورة البقرة إلى شئون هذه الطوائف الثلاث. فذكر الذين على هدى من ربهم. وذكر الذين اشتروا الضلالة بالهدى. وذكر الذين باءوا بغضب من الله. وذكر السيوطي وجوهًا أخرى ظهرت له في الربط بين الفاتحة والبقرة وردت في تناسق الدرر، ص٧٨-٨٣، وهي بالاختصار: ١- الوجه الأول: أن البقرة تفصيل مجمل الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ فصلت في مواضع ١٥٢، ١٨٦، ٢٨٦ ﴿رَبِّ الْعَالَمِين﴾ فصلت في ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ٢١، ٢٢ وكذلك ٢٩، وكذلك قصة خلق آدم. ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيم﴾ فصلت في ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ ٥٤، ١٢٦، ٥٢، ١٦٣، ٢٨٦ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُم﴾ ٢٨٤. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ جميع فروع الشريعة، وردت في البقرة: الطهارة، الحيض، الصلاة، الجماعة، صلاة الخوف، الزكاة، الصوم، الحج. ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ ورد تفصيلها في البقرة شاملًا جميع علم الأخلاق، التوبة، الصبر، الشكر، الرضا، التفويض، المراقبة. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ مفصل عن طريق ذكر طريق الأنبياء وقد حاد عنه اليهود والنصارى ١٤٢، ١٤٥، ٢١٣. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فصلت في ذكر النبيين ١٣٦، ١٣٧. ٢- الوجه الثاني: الحديث والإجماع على أن تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى، وذكروا في الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان فعقب بسورة البقرة وجميع ما ذكر فيها من خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب. ثم عقبت البقرة بسورة

стр. 79

آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب النصارى. فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران وختمت بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وهي في النجاشي وأصحابه من مؤمني النصارى. وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين، كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها. ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود وآخرها في ذكر النصارى. ٣- الوجه الثالث: أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والمثال، ولهذا سميت في أثر رواه الدارمي عن خالد بن معدان: "فسطاط القرآن". والفسطاط هو المدينة الجامعة فناسب تقديمها على جميع سوره. ٤- الوجه الرابع: أنها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال، فناسب البداءة بها. ٥- الوجه الخامس: أنها أول سورة نزلت بالمدينة فناسب البداءة بها فإن للأولية نوعًا من الأولوية. ٦- الوجه السادس: ختمت سورة الفاتحة بالدعاء للمؤمنين بأن لا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالين إجمالًا. ختمت سورة البقرة بالدعاء بأن لا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان وحمل الإصر وما لا طاقة لهم به تفصيلًا. وتضمن آخرها أيضًا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع١. ومن وجوه المناسبة بين البقرة وآل عمران: قال السيوطي في "تناسق الدرر": - "فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهاب الخصوم، ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى.

стр. 80

- فأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع، وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه. - وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر، لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها. والنبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر. كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب. ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء. فخوطب به جميع الناس. والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فخوطبوا يا أهل الكتاب ... يا بني إسرائيل ... يا أيها الذين آمنوا ... ١. ا. هـ. وقال في موضع آخر: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات: أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها. وذلك هنا في عدة موضاع، منها: ١- افتتحت البقرة بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه، وفي آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وذلك بسط وإطناب لنفي الريب. ٢- أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملًا، وقسمه هنا إلى آيات محكمات ومتشابهات. ٣- أنه ذكر في البقرة ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك﴾ وفي آل عمران ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ وصرح بذكر الإنجيل هنا لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها، وإنما صرح في البقرة بذكر التوراة خاصة لأنها خطاب لليهود. ٤- ذكر القتال في البقرة مجملًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [١٩٠-١٩٤] وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال﴾ [٢١٦] وفصلت في آل عمران قصة أحد بكمالها.

стр. 81

٥- أنه أوجز في البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: ﴿أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون﴾ [١٥٤] وزاد هنا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] . ٦- وفي البقرة ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء﴾ [٢٤٧] وفي آل عمران ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [٢٦] . ٧- في البقرة في أهل الكتاب ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [٨٣] فأجمل القليل وفصله في آل عمران ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [١١٣] . ٨- في البقرة ذكر تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم إبهامًا ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [١٤٣] وأتى في آل عمران بتفضيل هذه الأمة صراحة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فكنتم أصرح في قوله من ﴿جَعَلْنَاكُم﴾ ثم زاد وجه الخيرية بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوف﴾ [١١٠] . الوجه الثاني: أن بين سورة البقرة وسورة آل عمران اتحادًا وتلاحمًا متأكدًا: فذكر في سورة البقرة خلق الناس وذكر هنا تصويرهم في الأرحام. وذكر في البقرة مبدأ خلق آدم وذكر في آل عمران مبدأ خلق أولاده. وفي البقرة افتتح بقصة آدم حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر في آل عمران نظيره من غير أب وهو عيسى ﵇. وفي البقرة لما كان الخطاب لليهود، وقد قالوا في مريم ﵍ ما قالوا وأنكروا وجود وليد بدون أب، فوتحوا بقصة آدم لتشبه في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشبهها من جنسها. ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله ﴿كَمَثَلِ آدَم﴾ [٥٩] والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلومًا لتتم الحجة بالقياس. فكانت القصة والسورة جديرة بالتقدم.

стр. 82

النوع الثالث: - ويقول أمر آخر استقرأته وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد فإن السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد. وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسبًا لأولها. وآخر آل عمران مناسب لأول البقرة، فإنها افتتحت -أي البقرة- بذكر المتقين وأنهم المفلحون، وختمت آل عمران بقوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٢٠٠] . - وقد ورد أنه لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال اليهود: يا محمد افتقر ربك. فسأل القرض عباده. فنزل قوله تعالى في آل عمران ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ١ [١٨١] . فذاك أيضًا من تلازم السورتين. - وفي البقرة ورد دعاء إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [١٢٩] . ووردت الإجابة في آل عمران ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] ، وذاك أيضًا من تلازم السورتين٢. هذه جملة مما ذكره السيوطي في المناسبات والتلازم بين سورتي البقرة وآل عمران. وهذه الاستقراءات جاءت من غير نسق معين، ولم ترصد باستقراء من زاوية معينة فجاءت منثورة من غير أن ينتظمها منهج معين.

стр. 83

ومع كل ذلك فإننا نلحظ وجود مناسبات عدة بين السورتين الكريمتين، ولم يكن اقتران رسول الله ﷺ بينهما في تسميتهما بـ"الزهراوين أو الغمامتين١ إلا عن حكمة ووجود علائق تشد إحداهما إلى الأخرى ولو أن بعض الباحثين وضع منهجًا محددًا لدراسة السورتين دراسة موضوعية لأماط اللثام عن كثير من أسرار كتاب الله . وهكذا نجد أن علم المناسبات بين الآيات بعضها مع بعض وبين السور يبرز لنا جانبًا من إعجاز القرآن الكريم، وأنه كلام الله المنزل وليس من عند البشر. فمن المعلوم أن القرآن الكريم نزل مفرقًا منجمًا لبضعة وعشرين عامًا حسب الوقائع المختلفة وفي ظروف متباينة، وإجابة لاستفسارات متنوعة، ثم كان الترتيب المحكم الذي لا نجد فيه آية ينبو بها مكانها من السياق القرآني العتيد. ولا نجد كلمة يتململ بها موضعها في النظم المحكم. ولقد نجد الآية المدنية في السورة المكية أو الآية تتلو الآية والفاصل في نزولهما يبلغ عدة سنوات فأي عقل بشري يستطيع أن يراعي هذه الدقة وهذا الإحكام في النسق والترتيب والملاءمة بحيث يكون ذلك في الذروة من الفصاحة والبلاغة والانسجام. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . "إن عقلًا بشريًا مهما أوتي من القوة والحفظ والإحكام لا يستطيع أن يذكر موضع فقرة من كلام سابق مضى عليه سنوات طويلة. فيضعها في مكانها بحيث تلتحم مع سابقاتها ولاحقاتها في اللفظ والمعنى والسياق. ولو أن عقلًا أتقن ذلك في حال واحدة فلن يستطيع أن يحكمه في حالات كثيرة وفي سور كثيرة بحيث لا تشذ حالة واحدة عن قاعدة الإحكام المشاهدة في كتاب الله الحكيم"٢. إن إدراك المناسبات بين مقاطع السورة وافتتاحيتها وخاتمتها وسائر آياتها أمر

стр. 84

على جانب كبيرة من الأهمية لمن أراد تفسير السورة تفسيرًا موضوعيًا، فوجوه المناسبات هذه تلقي أضواء كاشفة على محور السورة وهدفها، وبالتالي يحدد الزاوية التي ينطلق منها المفسر في بيان معاني الآيات الكريمة. لذا كان لزامًا على المفسر الإحاطة بما قاله العلماء في وجوه الربط بين الآيات والمقاطع في السورة. فربما وردت إشارة سريعة في قول بعضهم تفتح آفاقًا واسعة في ذهن الباحث وتحدد له مسار البحث. هذا وبعد أن أفضنا القول في الدراسة المنهجية للتفسير الموضوعي وحددنا خطوات البحث فيه فلا بد من سوق نماذج لهذا اللون من التفسير. وقد اخترنا مثالين: أحدهما يتعلق بتناول موضع من خلال القرآن الكريم كله. وثانيهما تناول موضع من خلال سورة واحدة: أو تفسير سورة تفسيرًا موضوعيًا. فإلى المثالين.

стр. 85

مثال تطبيقي على موضوع من خلال القرآن الكريم" الألوهية من خلال آيات القرآن الكريم " مقدمات بين يدي الموضوع أولا: الألوهية والفطرة ... مثال تطبيقي على موضوع من خلال القرآن الكريم مقدمات بين يدي الموضوع: أولًا: الألوهية والفطرة إن قضية الإيمان بخالق للإنسان والكون والحياة، قضية راسخة في الفطرة الإنسانية عميقة الجذور، عمق الشعور بالذات البشرية واحتياجاتها وعجزها وافتقارها إلى الملجأ والملاذ. فكما يشعر الإنسان بعمق غرائز الأبوة وحب البقاء وحب التملك. في كيانه ويشعر بالقلق والاضطراب في حياته إن لم يشبعها بالطريقة السليمة. فكذلك شعوره بالاضطراب والقلق إن لم تشبع غريزة التدين فيه بإشباع الأشواق الروحية وتوجيهها الوجهة السليمة للمعبود الحق. وقبل حلول الروح الإنسانية في هذا الجسد المادي، في عالم الذر، كان هذا الغرس وكان هذا الميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٤] . وفي الصحيحين من حديث شعبة عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي" ١.

стр. 86

إن الأصل في النفس الإنسانية الفطرة التي فطر الله الناس عليها فالميل إلى الحق والأخذ به، والتوجه إلى الخالق بالخضوع والطاعة هي الأصل وهي الفطرة، إلا أن البيئة والمجتمع ابتداء بالمجتمع الضيق الأسرة، وانتهاء بالتيارات الاجتماعية في المجتمع الواسع هي التي تحدد مسار هذه الفطرة في السنوات الأولى من حياة الطفل. وإلى هذا يشير الرسول ﷺ : "وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه، هل تنتج البهيمة إلا بهيمة جمعاء هل تحس منها من جدعاء" ١ رواه الشيخان من حديث أبي هريرة والمنهج القرآني في تقرير عقيدة الألوهية يعتمد الفطرة الإنسانية السليمة نقطة انطلاق في البحث والتقرير وأسلوب العرض وإقرار النتائج. وفي الصفحات التالية نتعرف على أبرز السمات في المنهج القرآني في تقرير عقيدة الألوهية. البشرية خلقت مهتدية مؤمنة: يبين القرآن الكريم أن الإنسان الذي كرمه من بين مخلوقاته "خَلْقًا وخُلُقًا واستعدادًا وطاقات" وحملة الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، لم يكن خلقه عبثًا ولم يكن ليتركه سدى، بل خلقه لاستخلافه في الأرض وعبادته فهيا. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذرايات: ٥٦-٥٨] . ولم ينزل أبو البشر إلى الأرض إلا والهدايات مرافقة له، قد حددت له المهمة

стр. 87

التي يسعى إليها وأسلوب التعامل الذي يتعامل به مع الكائنات الأخرى من بينه وغيرهم. ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . إن الأسرة الأولى في الاجتماع البشري تكونت في ظل الوحي الرباني، ومن يتلو قصة ابني آدم وهما عضوا الأسرة الأولى يجد في الحوار الذي دار بينهما أن القضايا الأساسية في العقيدة والسلوك البشري كانت واضحة المعالم في ذهنيهما يقول تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧-٣١] . عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان علي ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل" ١ رواه الإمام أحمد والجماعة سوى أبي داود. فالإيمان بالله ، والتقرب إليه بصالح الأعمال ابتغاء مرضاته، وتقوى الله تعالى والالتزام بها مدعاة لقبول الأعمال، وخشية الله تعالى من سوء عاقبة الأعمال السيئة والآثام التي تؤدي بصاحبها إلى النار، والجزاء الأخروي للمحسنين وللمسيئين على ما اقترفوه في الحياة الدنيا. كل هذه أسس العقيدة الموحى بها في الشرائع السماوية جميعها، كانت واضحة المعالم في أذهان ابني آدم الأولين.

стр. 88

والمجتمعات التي تكاثرت بالتناسل وانتشرت في أطراف المعمورة، كلما أصاب الغبش تصورها في العقيدة، واختلطت أمامها السبل بالانحراف عن سبيل الله أرسل الله إليها رسلًا لإعادتها إلى الصراط المستقيم ولإزالة الغبش عن عقائدها وتصوراتها. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] . من هنا ندرك انحراف المناهج التي سلكها علماء الاجتماع ومقارنة الأديان، عندما قصدوا الغابات ورءوس الجبال والمناطق المعزولة عن العالم المتحضر لدراسة عقائد سكان هذه المناطق ليصلوا من خلال دراساتهم هذه إلى أصل نشوء فكرة الأديان ومن ثم تطورها. وخطأ هذا المنهج يبدأ من اقتراضهم الخاطئ أن الإنسان هو الذي يكون عقيدته ويطورها حسب تطور ظروفه المعيشية وحياته الاجتماعية ومستواه الثقافي١. والمنهج القرآني يلغي الافتراض من أساسه لأن عقيدة الإنسان الأول، وعقيدة الأسرة الأولى كانت عقيدة التوحيد والإيمان بالهدايات الربانية المنزلة -الوحي- والإيمان باليوم الآخر. وكان الناس أمة واحدة على هذه العقيدة، فلما ابتعدوا عن المنهج الرباني وبعد عهدهم بهذه الهدايات ووجدت الاختلافات بين الناس أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويعيدوهم إلى حظيرة التوحيد وإلى الالتزام بالمنهج الرباني مرة أخرى. - والرسالات لم تنشأ في تلك المجتمعات المتخلفة أو البدائية، بل كان

стр. 89

الرسل يرسلون لتبليغ دعوة الحق إلى من بأيديهم زمام الحكم والسلطة، وكان الصراع بين أتباع الحق -من الأنبياء وأتباعهم- وبين الطواغيت أهل الأهواء والمترفين من أهل الشهوات ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] . ومن يقرأ قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في القرآن الكريم يجد أن الرسالات السماوية برزت بين المجتمعات الراقية المتحضرة، وقصدت من بيدهم دفة القيادة والسيادة. ففي قصة نوح ﵇ نجد التبليغ والصراع بينه وبين الملأ من قومه وكلمة الملأ في اللغة تدل على القوم الذين يملئون العين بوفرة عددهم وقوتهم وغناهم. وأحداث قصة إبراهيم ﵇ جرت مع نمروذ الذي قيل إنه أحد الكافرين اللذين حكما العالم القديم تارة ومع ملك مصر تارة أخرى. - ومثل ذلك في قصة موسى ﵇ مع فرعون ومثله. - وقصة عيسى وزكريا ويحيى ﵈ مع السلطة الرومانية من جهة، ومع أهل النفوذ والمكر والحيلة من اليهود من جهة أخرى. ويحدد القرآن الكريم عاقبة المكذبين في أحد الأمور التالية: ١- إنزال العذاب المستأصل عندما يكذبون بالآيات التي يطلبونها تحديًا أو معاجزة ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ٩-١٢] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ، فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ، إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ، فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٢٣-٣١] .

стр. 90

٢- أو الخذلان والتشرد في الأرض على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو أتباعهم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] . ٣- وإن بقي المكذبون برسالة الرسول فترة فهي فترة محدودة ريثما يستكمل أهل الإيمان مقومات استحقاق النصر في نفوسهم، والعاقبة للمتقين فمآل هذه الحالة إلى إحدى الحالتين السابقتين أو الدخول في دعوة الخير والفلاح. وتهمنا الحالة الثانية حالة التشرد والتمزق بعد انتصار دعوة الحق، فكثيرًا ما يفر المعاندون الصادون عن دعوة الحق فيلحقون شعاف الجبال وبطون الأودية والغابات النائية هربًا من سيف الحق، وعلى مر الأيام والسنين يطرد الضياع وتتباين الأهواء ويشتد التمزق في نفوسهم بين إلحاح الفطرة التي تعرض إبراز الخضوع والتدين في حياتهم، وبين النزوات الضالة المنحرفة فتوجد هذه المظاهر التعبدية المنحرفة من عبادة الآباء والأشجار والظواهر الطبيعية. فليست الفطرة بحال من الأحوال هي الداعية إلى هذه الأشكال المنحرفة، بل البيئة والظروف والتأثر بالمنحرفين هي التي توجد الاتجاهات الضالة، وخير مثل في ذلك قصة عمرو بن لحي الذي أدخل عبادة الأصنام في جزيرة العرب حيث لم يكن الناس قبله يفكرون بمثل هذه الضلالة. فإذن حالة الشرك والوثنية والانحراف حالة طارئة وهي الحالة الناشئة عن التخلف والعزلة ونتيجة لفرار من نور الحق. هذا هو منهج القرآن في بيان هذه الحقيقة التي انحرف عنها الماديون المعاصرون، الذين ظنوا أن الإنسان هو الذي يوجد معتقده ويطوره حسب مراحل حياته الاجتماعية وحسب وسائله المدنية التي يستخدمها في حياته المعاشية. إن هناك تباينًا تامًا بين الإدراك العقلي المستهدي بنور الوحي الإلهي، وبين المدركات العقلية المستمدة من الأهواء البشرية.

стр. 91

ولا علاقة لنوعي المدركات هذا بوسائل المعيشة أو الوسائل المدنية والمستوى المعاشي للإنسان فإن الإدراك العقلي الصحيح المبني على نور الوحي الإلهي يكون في أرقى المجتمعات المتمدنة. ويمكن أن يكون في نفس الوقت في مجتمع آخر لا يملك من وسائل المدنية إلا أقلها. كما أن الجاهلية المنحرفة عن هدى الله -ونقصد بالجاهلية الحالة النفسية التي ينحرف فيها الإنسان عن المنهج الرباني، كما عرفها محمد قطب في جاهلية القرن العشرين- تكون لدى سكان الغابات وبطون الأودية وشواهق الجبال وتظهر في صور شتى من صور الشعائر التعبدية عندهم في عبادة الطواطم والحجر والشجر وظواهر الطبيعة من رعد وبرق وشمس وقمر. تكون موجودة في نفس الوقت عند سكان ناطحات السحاب ورواد الفضاء، ومكتشفي الذرة والعقول الإلكترونية، وتظهر أيضًا في صور شتى من مظاهر العبودية، من تقديس للمال والإنتاج والعلم والطبيعة والحزب والحرية والعقول المتحررة التي تشرع فتحل وتحرم، وكلها مظاهر جاهلية مبنية على الهوى. فلا علاقة بين الهداية والحالة المادية للإنسان، كما لا علاقة بين الجاهلية والمستوى المعاشي للفرد والجماعة.

стр. 92

ثانيًا: اهتمام القرآن الكريم بالتوحيد أكثر من الاهتمام بإثبات وجود الخالق وهذه قضية بارزة جدًا يلمسها المتتبع لهدايات القرآن الكريم عند عرض قضايا الألوهية وهذا المنهج متسق تمامًا مع المنهج القرآني في تقرير الحقائق وتشريع الشرائع والأحكام، فكل قضية تعتمد على رصيد الفطرة عند الإنسان يأتي التذكير بها عامًا وإجمالًا، أما القضايا التكليفية التي تثار ليتوصل إليها الإنسان بعقله أو يأتي الوحي ليقرر الالتزام بها ولا تشكل الفطرة أحد مقوماتها ودوافعها، فإن القرآن يكثر من الاستدلال عليها وتوجه الأنظار للحكم الربانية في تقريرها، وكثيرًا ما تذكر دوافع تشريعاتها ونتائج الالتزام بها. وفي القرآن الكريم قضايا كثيرة من هذا القبيل، فمثلًا من الأمور المقررة في الشريعة أن السعي في الأرض وكسب الرزق واتباع الأسباب التي جعلها الله بين الخلائق للحصول على لقمة العيش، هذا السعي أمر مطلوب شرعًا ومن كان صاحب عيال ولديه القدرة على السعي والكسب يؤاخذ إن ترك السعي وضيع العيال. ولكننا لا نجد أن القرآن الكريم قد تعرض لهذا الجانب -طلب السعي لتحصيل الرزق والمعاش- إلا لمامًا، وفي أحاديث عرضية فمثلًا نجد قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] جاء في سياق الحديث عن نعم الله على العباد الذي خلق لهم وسائل المعيشة وجعل الأرض ذلولة لهم لا تستعصي عليهم عند السعي عليها أو إقامة المصالح في جنباتها. فكل ذلك يقتضي شكر المنعم المتفضل عليهم بذلك وجاء قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] ، جاء بعد النهي عن البيع والكسب عند النداء لصلاة الجمعة بعد قوله تعالى

стр. 93

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ويقرر علماء الأصول أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة. بل نجد أن بعض الآيات تصرف الهمم عن التفكير بالرزق والكسب لأن الله تكفل بهذا الرزق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨] . ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] . ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] . ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] . ويقول الرسول ﷺ : "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" ١. والحكمة في عدم الدفع للسعي على الرزق واتباع الأسباب في ذلك علمًا أنه شيء مطلوب كما قدمنا لأن غريزة الإنسان في حب التملك وحب البقاء، وحب تطوير وسائل الرفاه والمتعة كل ذلك كفيل بأن يدفع الإنسان إلى السعي في ذلك. بينما أمور العبادات والتوجه إلى الطاعات والقربات لا تدفعها إليها الغريزة فكانت الآيات الكثيرة تقررها وتأمر بها. ومثل ذلك الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأولاد.

стр. 94

فالقرآن يقرر في آيات كثيرة وجوب الإحسان إلى الوالدين وخفض الجناح لهما، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤] . ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥] . بينما الحديث عن حقوق الأولاد لا يأتي إلا لمامًا وعرضًا إما عند الحديث عن نعم الله على الإنسان ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] وعند نهي الآباء عن ارتكاب الجرائم والفواحش ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] . الحكمة في هذا التركيز على جانب والاقتصاد في جانب آخر -والله أعلم- هو أن رصيد الفطرة وغريزة الأبوة كافية لحمل الوالدين على العناية بالأولاد وإيفاء حقوقهم كاملة. أما الإحسان إلى الوالدين فهو من الأمور التكليفية، حيث لا رصيد فطري دافع فكان التأكيد والاهتمام. وهذا هو الشأن فيما نحن بصدده من قضية إثبات وجود الخالق، وقضية توحيد الخالق، فإن الإقرار بوجود خالق للكون، والاعتراف بوجود خالق للإنسان، وتوجيه العبادة إلى خالق الحياة، هذا أمر فطري في الإنسان وأمر جبلي لا يستطيع الفكاك منه، إن قضية الألوهية -الإقرار بوجود إله- مركوزة في الفطرة الإنسانية بحيث يستحيل اجتثاثها مهما بذلت من جهود لإزالتها، وإنما كل الذي يجري عليها.

стр. 95

هو تحريفها عن مسارها وظهورها في صورة مشوهة من الانحرافات العقدية مما سبب انحطاطًا في المستوى الخلقي للبشر ومسخًا للملكات والعواطف النبيلة التي ترقيها وتسمو بها عقيدة الألوهية الحقة. فليست القضية إذن بين إنسان يعبد أو لا يعبد -أو يقر بإله أو لا يقر- فالجميع يعبدون بأسلوب أو بآخر. وإنما الفارق في المعبود: هل الإنسان يعبد الله المستحق للعبادة فيوحده ولا يتخذ معه ندًا ولا شريكًا، أو أن الإنسان يعبد غير الله من الآلهة التي لا واقع لها في الحقيقة، إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم. فهنا حالتان: حالة الهدى: فيعبد الناس الله وحده بلا شريك في مراحل البشرية جميعها. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] . وحالة الضلالة: وتختلف فيها المعبودات من دون الله وتختلف باختلاف الزمان والمكان. لم تعد قضية الأولهية -من حيث إثبات الخالق- من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة الإنسانية السليمة قد شهدت -بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها- بصانع قادر حكيم عليم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حالة الضراء ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] . يقول الشهرستاني في كتابه "نهاية الإقدام في علم الكلام"١ تعقيبًا على إقرار الفطرة بوجود الخالق: "ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك".

стр. 96

ثالثًا: منهج القرآن في إثبات التوحيد منهج فطري يعرض القرآن الكريم قضية التوحيد ويدعو الناس لتوحيد الله ونبذ الشركاء والأنداد ويقيم الحجج والبراهين على وحدانية الله تعالى، يسلك في كل ذلك المنهج الفطري من خلال المشاهدات المحسوسة البسيطة التي يتعامل معها الناس جميعًا على مختلف مستوياتهم العقلية وتباين مشاربهم الفكرية. إن الكون المادي مكون من عناصر مادية بسيطة ومن هذه العناصر البسيطة تتولد أعقد الأشكال وأضخمها ابتداء من الذرة إلى مسارات الكواكب والأفلاك والمجرات. وكذلك أمر العقيدة فمن المشاهدات الأولية البسيطة في حياة الناس يكون التوصل إلى الإيمان بخالق الكون ومدبره قيوم السماوات والأرض. إن مخاطبة الناس بما يدركون، والاستدلال على القضايا بما يحسون وضرب الأمثال بما يفقهون، والاستدلال من خلالها على ما يعقلون، هو الأسلوب الفطري المؤثر الفعال في إيجاد القناعات لديهم وهي الطريقة المثلى لتحريك كوامن الفطرة السليمة واستجاشتها عندهم. إن الأعرابي عندما استدل على قضية عقلية "لا بد لكل حادث من محدث" توصل إلى هذه النتيجة من خلال مشاهداته المحسوسة: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على السمع البصير؟؟ بلى. إنها الطريقة الفطرية في المحاجة والاستدلال فعندما يفتح العاقل عينيه يستفسر عن مشاهداته لما حوله من أوجد هذا؟ ولماذا كان على هذه الهيئة دون غيرها؟ وكيف يعمل هذا؟ وما مصير هذا؟ إن الأسئلة بسيطة، وفي نفس الوقت هي صعبة؟!

стр. 97

بسيطة في إثارتها، صعبة في الحصول على الإجابة المقنعة التي يطمئن لها القلب ويستسلم لها العقل. والقرآن بدأ هذه البدايات المبسطة وتوصل إلى تلك النتائج الباهرة المقنعة من خلال إقامة البراهين. ولو ذهبنا نسوق الأمثلة على أسلوب القرآن الكريم الفطري في المحاجة والاستدلال لامتد بنا المجال، ولكن نستدل على ذلك من خلال آيات سورة الواقعة، فنتدبر قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ هذه هي القضية التي يراد إثباتها والاستدلال عليها، وهي قضية: تفرد الله بالخلق والإيجاد وعدم وجود الشركاء له في ذلك فما هي الأدلة؟ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٧-٧٤] . يقول سيد قطب في تفسيره لهذه الآيات: "وفيه تنجلي طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية، وفي تناول الدلائل الإيمانية، وفي التلطف إلى النفوس في بساطة ويسر، وهو يتناول أكبر الحقائق في صورها القريبة الميسورة. إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى، يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورًا كاملًا لهذا الوجود. إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره، إنه المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون.

стр. 98

المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل، والزرع، والماء، والنار أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة نبتة، ومسقط ماء، وموقد نار. ومن هذه المشاهدات التي رآها كان إنسان ينشئ القرآن العقيدة، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة. وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة هي بذاتها أضخم الحقائق الكونية وأعظم الأسرار الربانية. فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان. وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان"١.

стр. 99

رابعًا: ربط قضايا العقيدة بمصالح العباد في حياتهم المعاشية إن العقيدة النظرية المجردة مهما كانت مثالية النظرة إلى الأمور، ومهما كانت سليمة البراهين، قوية الحجج، تبقى عقيدة باهتة باردة في زاوية من زوايا العقل البشري غير فاعلة في النفس الإنسانية، لا تحرك المشاعر ولا تطلق الطاقات. أما إذا كانت العقيدة متوغلة في النفس الإنسانية محركة للنوازع الفطرية فيها من الرغبة والرهبة تستجيش المشاعر وتثير العواطف، وتتدخل في حياة الإنسان اليومية وتربط مصالحه المباشرة بشئونها فلا شك أن عقيدة هذا شأنها تكون عقيدة فعالة محركة مسيطرة على تطلعات النفوس وعلى خلجات القلوب. وإذا تتبعنا أسس العقيدة الإسلامية من خلال عرض القرآن الكريم نجدها كلها لها أثر فعال في حياة الناس ومصالحهم في الحياة الدنيا، وعقيدة الألوهية بشكل خاص. فأسماء الله وصفاته العلى تنجلي فيها هذه المعاني فإن إلهًا من صفاته: الخالق، الرزاق، المهيمن، العزيز، الجبار، المنتقم، الضار، النافع، ذو الجلال والإكرام، الغفور، الودود، الرحمن، الرحيم. إنه إله يرهب جانبه، ويُتقى غضبه ونقمته، ويرغب إليه، ويسعى للحصول على رضاه. وإله لا يملك ضرًا ولا نفعًا ليس إلهًا حقًا ولا جديرًا بالعبودية ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] . ولو تتبعنا آيات القرآن الكريم في شأن الألوهية، لوجدنا الدعوة الصريحة إلى

стр. 100

توحيد الإله الذي في قبضته مصائر الأمور، تحت سطوته مقادير الأرزاق فالكون الذي يحيط بالإنسان قد سخره الله لمصالح البشر. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤] . ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٥] . - والأرض وما فيها من مخزونات الطاقات والأقوات وما فيها من تناسق وانسجام وتوازن، كلها من صنع الواحد اللطيف الخبير مهيأة لمصالح عباده: ﴿الْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ١٩-٢١] . - والأنعام والبهائم التي تفوق الإنسان قوة وجلدًا، سلب الخالق منها الرغبة في المقاومة والتمرد وجعلها ذلولة فمنها يركب ومنها يأكل: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ

стр. 101

مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٥-٩] . ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٤] . وحيثما قلبنا النظر في أرجاء الكون الفسيح، وفي جنبات الأرض المترامية الأطراف، وتمعنا في عوالم الكائنات الحية من الدواب والطير والحشرات لوجدنا قضية التسخير لمصالح العباد تصادفنا في كل وجهة وفي كل مجال: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٥-٦٩] . ولو تتبعنا مادة "سخر" وكلمة "لكم" في القرآن الكريم لوجدنا العجائب من مجالات اهتمام القدرة الإلهية بمصالح عباده في هذا الكون.

стр. 102

خامسًا: مجالات الاستدلال على قضية الألوهية لما كان تصور قضية الألوهية يعطي مدلولًا معينًا من حيث الخلق والتدبير والتسخير ودقة صنع العليم اللطيف الخبير. فإن آيات القرآن الكريم تناولت في سياق الاستدلال على الوحدانية وما يستلزمها من صفات الجلال والجمال والكمال. أ- تناولت الكون الفسيح لبيان عظمة الخالق ﷻ ، وسعة ملكه، ودقة علمه المحيط بكل شيء ولطفه ورحمته بمخلوقاته. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٤-٦] . ب- وتناولت آيات الذكر الحكيم، في سياق الاستدلال على تفرد الخالق بالخلق والتكوين، تناولت الإنسان في خَلْقه، خُلُقه، فكره، غرائزه، وفطرته، استعدادته، وأحواله النفسية والسلوكية في ارتقائه وهبوطه وتعاليه واستفاله. ولو ذهبنا نستعرض حديث القرآن الحكيم عن الإنسان لوقفنا مشدوهين من هذا العرض الجذاب المثير ولوقفنا على جلية الأمر في تفرد الإنسان بنوع من الاهتمام لا تحظى به المخلوقات الأخرى.

стр. 103

ففي خلقه وتكوينه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤] . وفي خواصه واستعداده: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١-٤] . ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] . ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢-٧٣] . يقول الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه "دلائل التوحيد"١: "ولما كانت معرفة العالم كله تصعب على الإنسان الواحد لقصور أفهام بعضهم عنها واشتغال بعضهم بالضرورات التي يعرفها منهم جعل تعالى لكل إنسان من نفسه وبدنه عالمًا صغيرًا أوجد فيه مثال ما هو موجود في العالم الكبير ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر من كتاب بسيط يكون مع كل أحد نسخة يتأملها في الحضر والسفر والليل والنهار فإن نشط وتفرغ للتوسط في العلم نظر في الكتاب الكبير الذي هو العالم، فيطلع منه على الملكوت ليغزر علمه ويتسع فهمه وإلا فله مقنع بالمختصر الذي معه، ولذا قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١] . جـ- كما تناولت الآيات القرآنية الحيوان، خلقه، غرائزه، وظيفته، تجمعه، وعمله.

стр. 104

إن حديث القرآن الكريم عن الحيوان هو حديث الخالق الذي خلق ما في الكون لغاية، وأسند إليه دورًا، وهداه إلى سبيل معيشته وتحصيل رزقه، وأسلوب التفاهم والمعايشة بين أفراده وجماعته. إنها مخلوقات الله الذي لم يجعل في هذا الكون شيئًا مجردًا عن المنفعة أو مجردًا عن مهمة أو خلق عبثًا. إن تجريد أي شيء من وظائف ومهمات يتنافى مع الحكمة العليا في الخلق. ونكتفي بإشارات مقتضبة في عالم الحيوان، وقد مرت جملة من الآيات تتحدث عنها عند الحديث عن ربط أمور العقيدة بمصالح العباد في الحياة الدنيا. ونشير هنا إلى جوانب لم تذكر هناك تتعلق بالحيوان: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٧-٣٩] . ولقد جاءت هذه الآيات الكريمة في سياق موقف المشركين من رسالة رسول الله ﷺ فإنهم لا يكذبونه لأنهم لم يجربوا عليه كذبًا قط، ولكن الظالمين كانوا بآيات الله يجحدون فلا يؤمنون بالآيات الكريمة ولا بالدعوة التي أتى بها محمد ﷺ ومع ما في ضمن هذا الكلام الذي قالوه من تناقض فكيف لا يجرب عليه كذب طيلة حياته، ثم يكذب أعظم كذبة على خالق السماوات والأرض إلا أنهم قالوها وارتضوها، والعقل المشترك يقبل مثل هذا التناقض ويستسيغه، طلبوه معجزات وخوارق على صحة ما جاء به محمد ﷺ فجاءت اللفتة إلى هذه الأمم التي تعيش بينهم من غير البشر إنهم لو تدبروا ما حولهم لاكتفوا بما يرون عن طلب الآيات، فإنهم ليسوا وحدهم في هذا الكون، بل حولهم أحياء أخرى كلها ذات أمر منتظم يوحي بالقصد والتدبر والحكمة، يوحي كذلك بوجود الخالق، ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله.

стр. 105

إنه من دابة تدب على الأرض -وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفطريات وما من طائر يطير بجناحيه في الهواء- وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة وغير ذلك من الكائنات الطائرات، ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة، ذات خصائص واحدة، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك. شأنها في هذا شأن أمة الناس ما ترك الله شيئًا من خلق بدون تدبير يشمله، وعلم يحصيه، وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها فيقضي في أمرها بما يشاء١. إن هذه الكائنات الحية المبثوثة في جنبات الأرض آية بل آيات في الدلالة على خالقها ورازقها وهاديها إلى سبيل معايشها وإلى وظائفها. ولكن العقول والقلوب الغافلة لا تنظر نظرة التدبر فيما حولها لتهتدي إلى مبدع هذه المخلوقات ومبدع أنظمة حياتها، بل تريد خارقة مادية كما أرسل الأولون يريدون إنزال كنز من السماء، أو إتيان الله والملائكة قبيلًا، أو تفجير الأنهار خلال ديارهم أو زحزحة الجبال عنهم، أو رقي النبي ﷺ في السماء لإحضار كتاب من السماء يقرءونه وفيه أسماؤهم آمن يا فلان وآمن يا فلان. أما القلوب المهتدية بنور الحق الباقية على فطرتها السليمة فإن مجرد لفت نظرها إلى ما حولها من الإبداع والانتظام كفيل لإشراق نور الإيمان فيها وتحريكها إلى الخير والصلاح والفلاح. "د" ولا يقل اهتمام الآيات الكريمة في مجال الاستلال بالنبات وعالمه وشئونه عن عالم الإنسان والحيوان. فهناك أيضًا الإبداع، وهناك النظام وأداء الدور الوظيفي في خضم هذه الحياة. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ

стр. 106

وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] . ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠، ١١] . هذه أبرز المجالات التي تعرض القرآن الكريم من خلالها للاستدلال على الخالق ، وهي المجالات الرئيسية في هذه الحياة الدنيا.

стр. 107

أبرز أنواع الأدلة على توحيد الله ﷻ في القرآن الكريم مدخل ... أبرز أنواع الأدلة على توحيد الله ﷻ في القرآن الكريم: الحكمة في تنوع الأدلة وتعدد الأساليب القرآنية في عرضها: تنوع الأساليب القرآنية في عرض الأدلة على أن هذا الكون مخلوق لخالق وإبراز الأدلة من خلال مختلف مجالاته، لحكمة عليا وهي مرعاة استعداد الإنسان وتنوع ثقافاته. - فمن كان يهتم بعلم الفلك سيجد من الأدلة الكافية ما يقنعه أن لهذا الجانب الكوني خالقًا ولم يكن ليوجد صدفة. - ومن كان يهتم بالطبيعة وعلوم طبقات الأرض فسيجد بغيته من الأدلة في آيات القرآن. - ومن كان يهتم بعلم النبات فسيجد من الآيات ما يلفت النظر إلى دقة صنع الله في خلق النبات. - أما الإنسان والمهتمون بتركيبه الجسماني وطاقاته المادية والمعنوية فهو عالم قائم بذاته. ولعل هذا الأمر -والله أعلم- هي الحكمة الكامنة في الاستدلال على قضية الخلق في هذه المجالات وبهذه الوفرة من التنوع في الأدلة. إلا أن أدلة الخلق والأبداع تصب بجملتها على إبطال قضية أزلية الكون والمخلوقات وتثبت تفرد الله في خلقها وإيجادها،وكذلك سائر أنواع الأدلة، وأدلة العناية تبرز جانبًا آخر وهو إبطال قضية الصدفة في السنن الكونية وطريقة عمل المخلوقات وأدائها ووظائفها.

стр. 108

إن هداية الإنسان إلى طريق الحق لا تكون دائمًا بجدوى الأدلة الصحيحة، وقوتها ووجاهتها. فكم من شخص قد أبدى وجاهة الأدلة التي يناقش بها، وإنه لا يجد وسيلة لدفعها أو ردها، ومع ذلك لا تستسلم نفسه ولا يخضع عقله وقلبه لما أفحم به، بل يبقى على كفره وإلحاده. وربما صادفته حادثة معينة في حياته كانت سببًا لإيمانه والتزامه بدعوة الحق. - لقد آمن بعض المشركين في صدر الإسلام لأسباب لا تحصى. فمنهم من آمن لأنه اطلع من سيرة رسول الله ﷺ على جوانب مشرقة -وكل سيرته تشرق ضياء وحقًا ﵊ ما حمله على إعلان كلمة التوحيد وأن يشهد شهادة الحق، فقد قال أحدهم: لقد رأيت محمدًا لا يدعو إلى شيء إلا ويكون أول العاملين به، ولا ينهى عن شيء إلا ويكون أول المجتنبين له. - وآمن بعضهم لما حدثه به رسول الله ﷺ من المشرق للإسلام وانتشار الأمن والطمأنينة في المجتمع الإسلامي، ووفرة المال بين الأيدي، وفتح البلاد المزدهرة "كمدائن فارس" على أيدي المسلمين -حادثة سراقة بن مالك١، وعدي بن حاتم٢. أو بإخبار رسول الله ﷺ له بأمر غيبي كما حدث لعمير بن وهب، عندما جاء لاغتيال رسول الله في المدينة بعد "بدر" وتحمل صفوان بن أمية ديونه وتكفل عياله، وقد جاء متظاهرًا بفداء ابنه "وهب"٣. - وآمن بعضهم لأن رسول ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. - وآمن بعضهم لأنه عندما قتل أحد الصحابة، وفي لحظة لا يمكن أن يكون فيها المرء إلا صادقًا مع نفسه قال ذاك الصحابي: "فزت بها ورب الكعبة"٤.

стр. 109

- يذكر وحيد الدين خان في كتابه القيم "الإسلام يتحدى" حادثة مع أحد علماء الفلك البريطانيين فيقول: حادثة الدكتور عناية الله المشرقي "١٩٠٩م" مع الفلكي المشهور السير جيمس جينز الأستاذ بجامعة كمبردج عندما رآه يذهب إلى الكنيسة، والإنجيل تحت إبطه، ثم تواعدا على لقاء. وعندما اجتمعا تحدث عن تكوين الإجرام السماوية ونظامها المدهش، وأبعادها وفواصلها اللامتناهية، وطرقها، ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان أنوارها المذهلة. حتى إنني شعرت -أي الدكتور عناية الله- بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله، وأما السير جيمس فوجدت شعر رأسه قائمًا والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خشية الله، وتوقف فجأة، ثم بدأ يقول: "يا عناية الله، عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي وعندما أركع أمام الله وأقول له: "إنك لعظيم" أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة. أفهمت، يا عناية الله لماذا أذهب إلى الكنيسة؟! يقول عناية الله: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفانًا في عقلي، وقلت له: "لقد تأثرت جدًا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي، تذكرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدس فلو سمحتم لي بقراءتها عليكم، فهز رأسه قائلًا: بكل سرور. فقرأ عليه الآية التالية: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١. فصرخ السير جيمس قائلًا: ماذا قلت؟ إنما يخشى الله من عباده العلماء؟ مدهش! وغريب! وعجيب جدًا!! إن الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، من أنبأ محمدًا به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟ لو كان الأمر كذلك، فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحىً به من عند الله"٢.

стр. 110

ورسوله الله ﷺ الطبيب المداوي لأمراض القلوب وعلل النفوس كان يصنع لكل حالة مرضية علاجها بعد أن يشخص بنور النبوة الداء التي يعاني منه المريض. وهذا التنوع هو المنهج القرآني الذي نلحظه في عرض أدلة التوحيد فقد شملت هذه الجولات جميع مجالات الآفاق، من فلك وطبيعة ومن جبال وبحار، وأنهار، وسحب وأعاصير ... كما شمل خلق الإنسان وأسرار تطوره ونشأته وأغوار نفسه واستعداداتها وأشواقها وأهواءها وشهواتها.
следующие страницы →