وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠، ١١] .
هذه أبرز المجالات التي تعرض القرآن الكريم من خلالها للاستدلال على الخالق ، وهي المجالات الرئيسية في هذه الحياة الدنيا.
стр. 107
أبرز أنواع الأدلة على توحيد الله ﷻ في القرآن الكريم
مدخل
...
أبرز أنواع الأدلة على توحيد الله ﷻ في القرآن الكريم:
الحكمة في تنوع الأدلة وتعدد الأساليب القرآنية في عرضها:
تنوع الأساليب القرآنية في عرض الأدلة على أن هذا الكون مخلوق لخالق وإبراز الأدلة من خلال مختلف مجالاته، لحكمة عليا وهي مرعاة استعداد الإنسان وتنوع ثقافاته.
- فمن كان يهتم بعلم الفلك سيجد من الأدلة الكافية ما يقنعه أن لهذا الجانب الكوني خالقًا ولم يكن ليوجد صدفة.
- ومن كان يهتم بالطبيعة وعلوم طبقات الأرض فسيجد بغيته من الأدلة في آيات القرآن.
- ومن كان يهتم بعلم النبات فسيجد من الآيات ما يلفت النظر إلى دقة صنع الله في خلق النبات.
- أما الإنسان والمهتمون بتركيبه الجسماني وطاقاته المادية والمعنوية فهو عالم قائم بذاته.
ولعل هذا الأمر -والله أعلم- هي الحكمة الكامنة في الاستدلال على قضية الخلق في هذه المجالات وبهذه الوفرة من التنوع في الأدلة.
إلا أن أدلة الخلق والأبداع تصب بجملتها على إبطال قضية أزلية الكون والمخلوقات وتثبت تفرد الله في خلقها وإيجادها،وكذلك سائر أنواع الأدلة، وأدلة العناية تبرز جانبًا آخر وهو إبطال قضية الصدفة في السنن الكونية وطريقة عمل المخلوقات وأدائها ووظائفها.
стр. 108
إن هداية الإنسان إلى طريق الحق لا تكون دائمًا بجدوى الأدلة الصحيحة، وقوتها ووجاهتها. فكم من شخص قد أبدى وجاهة الأدلة التي يناقش بها، وإنه لا يجد وسيلة لدفعها أو ردها، ومع ذلك لا تستسلم نفسه ولا يخضع عقله وقلبه لما أفحم به، بل يبقى على كفره وإلحاده.
وربما صادفته حادثة معينة في حياته كانت سببًا لإيمانه والتزامه بدعوة الحق.
- لقد آمن بعض المشركين في صدر الإسلام لأسباب لا تحصى.
فمنهم من آمن لأنه اطلع من سيرة رسول الله ﷺ على جوانب مشرقة -وكل سيرته تشرق ضياء وحقًا ﵊ ما حمله على إعلان كلمة التوحيد وأن يشهد شهادة الحق، فقد قال أحدهم: لقد رأيت محمدًا لا يدعو إلى شيء إلا ويكون أول العاملين به، ولا ينهى عن شيء إلا ويكون أول المجتنبين له.
- وآمن بعضهم لما حدثه به رسول الله ﷺ من المشرق للإسلام وانتشار الأمن والطمأنينة في المجتمع الإسلامي، ووفرة المال بين الأيدي، وفتح البلاد المزدهرة "كمدائن فارس" على أيدي المسلمين -حادثة سراقة بن مالك١، وعدي بن حاتم٢.
أو بإخبار رسول الله ﷺ له بأمر غيبي كما حدث لعمير بن وهب، عندما جاء لاغتيال رسول الله في المدينة بعد "بدر" وتحمل صفوان بن أمية ديونه وتكفل عياله، وقد جاء متظاهرًا بفداء ابنه "وهب"٣.
- وآمن بعضهم لأن رسول ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
- وآمن بعضهم لأنه عندما قتل أحد الصحابة، وفي لحظة لا يمكن أن يكون فيها المرء إلا صادقًا مع نفسه قال ذاك الصحابي: "فزت بها ورب الكعبة"٤.
стр. 109
- يذكر وحيد الدين خان في كتابه القيم "الإسلام يتحدى" حادثة مع أحد علماء الفلك البريطانيين فيقول: حادثة الدكتور عناية الله المشرقي "١٩٠٩م" مع الفلكي المشهور السير جيمس جينز الأستاذ بجامعة كمبردج عندما رآه يذهب إلى الكنيسة، والإنجيل تحت إبطه، ثم تواعدا على لقاء. وعندما اجتمعا تحدث عن تكوين الإجرام السماوية ونظامها المدهش، وأبعادها وفواصلها اللامتناهية، وطرقها، ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان أنوارها المذهلة. حتى إنني شعرت -أي الدكتور عناية الله- بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله، وأما السير جيمس فوجدت شعر رأسه قائمًا والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خشية الله، وتوقف فجأة، ثم بدأ يقول: "يا عناية الله، عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي وعندما أركع أمام الله وأقول له: "إنك لعظيم" أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة. أفهمت، يا عناية الله لماذا أذهب إلى الكنيسة؟!
يقول عناية الله: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفانًا في عقلي، وقلت له: "لقد تأثرت جدًا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي، تذكرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدس فلو سمحتم لي بقراءتها عليكم، فهز رأسه قائلًا: بكل سرور. فقرأ عليه الآية التالية:
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١.
فصرخ السير جيمس قائلًا:
ماذا قلت؟ إنما يخشى الله من عباده العلماء؟ مدهش! وغريب! وعجيب جدًا!!
إن الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، من أنبأ محمدًا به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟ لو كان الأمر كذلك، فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحىً به من عند الله"٢.
стр. 110
ورسوله الله ﷺ الطبيب المداوي لأمراض القلوب وعلل النفوس كان يصنع لكل حالة مرضية علاجها بعد أن يشخص بنور النبوة الداء التي يعاني منه المريض.
وهذا التنوع هو المنهج القرآني الذي نلحظه في عرض أدلة التوحيد فقد شملت هذه الجولات جميع مجالات الآفاق، من فلك وطبيعة ومن جبال وبحار، وأنهار، وسحب وأعاصير ... كما شمل خلق الإنسان وأسرار تطوره ونشأته وأغوار نفسه واستعداداتها وأشواقها وأهواءها وشهواتها.
стр. 111
أولًا: أدلة الخلق والإبداع
جاءت أدلة الخلق والإبداع من خلال آيات القرآن الكريم على أوجه مختلفة للدلالة على توحيد الله وتفرده بالإيجاد، وتناولت مجالات الخلق المختلفة من أمور في الكون وفي الحياة والإنسان والنبات والظوارهر الجوية، تارة بالإجمال وتارة بالتفصيل، وبأساليب متنوعة من استفهام إلى حصر عن طريق النفي والإثبات وإلى إثارة تساؤلات وإلى لفت نظر في الكون المحيط لمعرفة البدء والنهاية والمصير.
ولعل الحكمة في تنوع هذه الأساليب في العرض أن يجد المرء في جميع أحواله النفسية والفكرية ما يلفت النظر للتدبر في آيات الخالق ووحدانيته.
ففي حالات يكون الإنسان مستغرقًا في التأمل في الكون الواسع الهائل بأجرامه وكواكبه ومساراتها وأفلاكها من غير أن يركز تفكيره على زاوية محددة معينة في هذا الكون فيجد من الآيات الكريمة ما تناولت هذا التعميم والشمول.
وفي بعض الحالات يكون شديد التأمل في زاوية من زوايا الكون أو في ظاهرة فلكية محددة فيجد القرآن الكريم قد أشار في مواطنه إلى مثل هذا التأمل.
وكثيرًا ما يلفت نظر الإنسان إلى أحد مخلوقات الله من الدواب والحشرات أو الطيور فيستغرق في التفكير بشأنها ونجد أن القرآن الكريم قد عرض مثل هذه الجوانب في المخلوقات ولفت النظر إلى دقة الخلق والصنع والإبداع فيها.
وهكذا في سائر مجالات الحياة والكون من البحار والأشجار والأنهار ... بل
стр. 112
قد يخطر على فكر الإنسان أمور مجردة كفكرة الخلق والإبداع نفسها أو التناسق والجمال في قضية الإبداع، وكل هذه الأمور قد عرضها القرآن بأساليب شتى.
وفيما يلي سنحاول أن نتعرف على جملة من الآيات القرآنية التي تناولت قضية الخلق والإبداع من جوانب مختلفة:
١- يثير القرآن الكريم أحيانًا قضية الخلق والإبداع بشكلها العام المجرد عن مخلوق محدد يثير ذهن الإنسان ويثير المحاكمة العقلية لديه فلنتأمل قول الله تعالى:
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] .
إن العموم المأخوذ من ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يشمل أي مخلوق يمكن أن يخطر للإنسان، وللعقل البشري أن يتجول بين مخلوقات الله التي يمكنه أن يتصورها لتصلح مثالًا لوقوع فعل الخلق عليه وليكون نموذجًا لصنعة الله وإبداعه.
ويدخل في هذا العموم هؤلاء المعاندون وآلهتهم المزعومة فإنهم أشياء أيضًا قد خلقهم الله من العدم، فهل يستطيعون إقامة البرهان على أنهم أوجدوا أنفسهم أو أن غير الله خلقهم، بل الواحد القهار هو المتفرد بالخلق والإيجاد ومثل هذا الشمول نجده في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٤٩-٥٠] . وفي الآيتين الأخيرتين يضاف إلى الشمول أو العموم في الخلق قضية التقدير، فليس الخلق العشوائي بل الخلق القدر بمقادير معينة وأوصاف محددة قد أوجدها الله سبحانه تعالى وأبدعها لتؤدي دورًا معينًا ووظيفة معينة بين المخلوقات.
٢- ومن الآيات التي تتحدث عن الخلق والإبداع آيات تتحدث عن مجالات متعددة للخلق من غير أن تخصص جانبًا منها بالتفصيل والتركيز.
стр. 113
فآيات تتناول الكون والسماوات والأرض بشكل عام، وآيات أخرى تتناول عرض مخلوقات في الكون وظواهر كونية وإشارات إلى مخلوقات مختلفة، وكأن القصد من ذلك إثارة التساؤلات في الذهن حولها من الذي خلقها، ومن الذي صورها على هذا الشكل. فلنتدبر قول الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١٠-١١] .
إنها جولة تأملية في السماوات التي لا ترون لها عمدًا، والأرض المستقرة بسكانها من غير اضطراب. وهذه الدواب المبثوثة في جنباتها، تعيش حسب طرائقها الخاصة في معايشها وأسلوب تعاملها ودفاعها عن نفسها ثم هذا الماء الذي جعل منه كل شيء حي، كلها مخلوقات تسبح خالقها وتوحده، فأروني مخلوقات للشركاء المزعومين؟!
- وفي آية فاطر ألوان وأصباغ أخرى من هذه المخلوقات البديعة تثير الدهشة للمتأمل فيها! ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧-٢٨] .
إن في كل نوع من هذه الأنواع ألوانًا مختلفة المذاق فالثمرات التي تسقى أشجارها بماء واحد، وتتغذى بتربة واحدة تخرج مختلفة الألوان والحجوم والطعوم.
والجبال هذه المخلوقات الضخمة على الرغم من أنها من مادة الأرض ومعادنها، ودورها واحد في ترسية الأرض وحفظ توازنها، مختلفة السلاسل والطرق والأصباغ فمن بيضاء ناصعة البياض ومن حمراء قانية الاحمرار، ومن سوداء حالكة السواد، ومنها الهشة والصلبة والمشتملة على زبر الحديد والنحاس وعروق الذهب والفضة.
أما الاختلاف الأشد والتنوع الأكثر ففي عالم الأحياء فالناس مختلفو الأطوال
стр. 114
والأشكال والألوان ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] القدرات العقلية والنفسية والاستعدادات الروحية ... وقل مثل ذلك في الأنعام والدواب.
إن الآيتين تناولت شرائح متباينة من المخلوقات، ولكن بقي في حدود الإجمال مع كل شريحة منها ولم يدخل إلى تفاصيلها الدقيقية، وإنما هو لفت النظر إلى الاختلاف بينها فمن شريحة الثمار والنبات إلى شريحة الطبيعة الجامدة الصماء، إلى شريحة الكائنات الحية من إنسان ودواب وأنعام.
٣- إلا أننا نجد أن آيات كثيرة تخصص مجالًا واحدًا من المجالات ثم تفصل فيه تفصيلًا دقيقًا بل قد تدخل في التفصيلات ما لا تدركه حواسنا ومعلوماتنا الحاضرة، ولعل أمام الأجيال اللاحقة فسحة من البحث والتقصي والتدبر لإدراك جوانب ودقائق أخرى، ولا يحيط بعلم الخالق أحد فلننظر في قوله تعالى في مجال الكون:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٩-٣٣] . إنها جولة في أقطار السماوات والأرض ممتدة عريقة في القدم، ونظرة ثاقبة في أصل السماوات والأرض يوم كانتا رتقًا ملتصقة متحدة مشكلة من مادة واحدة، ففتقها خالقها ، إن مداركنا لا تصل بصورة قاطعة إلى هذا الرتق، وكيفية الفتق وإن كانت العلوم الفلكية والطبيعية بدأت تخطر خطوات بدائية ولكنها حثيثة للتعرف على أصل الكون بدراسة ظواهر بعض الكواكب، وبعد أن عرفوا أن مادة القمر من نفس مادة الأرض، وقد علموا في السابق ما في النيازك ومخلفات الشهب التي تسقط على الأرض من الفضاء، وأنها من معادن مشابهة لأنواع المعادن في الأرض. إن هذه الحقيقة الهائلة التي نقرءوها في هذه الآيات هي مجال أبحاث كبار المختصين ولا تقل الحقيقة الثانية في
стр. 115
ضخامتها في علم الأحياء عن الحقيقة الأولى.
وقد أصبح من بدهيات العلم الحديث البحث عن الحياة يوجد الماء، ليس على الأرض وحدها بل في الكواكب الأخرى.
- والحقيقة الثالثة في هذه الآيات هي خلق الجبال وإسناد دور الإرسال وحفظ التوازن للأرض بواسطتها، وقد أصبح هذا الدور للجبال من مسلمات العلم الحديث وتشبيه الجبال في آيات أخرى بالأوتاد من أدق التشبيهات واقعًا ووظيفة.
إننا نكتفي بالإشارات هنا، لأننا لسنا بصدد ذكر الحقائق التفصيلية التي توصل إليها العلم الحديث، وهي تلقي أمثلة تطبيقية تفصيلية على هذه الحقائق العامة الضخمة.
- ومما يلقي أضواء على هذه الحقائق ما ورد في سورة فصلت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩-١٢] .
- وفي مجال الإنسان.
إن الآيات القرآنية التي تتحدث عن الإنسان من الوفرة بحيث لم تدع شأنًا من شئونه ولا حالة من حالاته إلا وتطرقت إليه فمن خلقه وتكوينه في أطواره المختلفة إلى كونه جنينًا. وعناية الله به، ثم بيان شأن طفولته، ورضاعه وفطامه ومشاعره وعواطفه، وهدايته وأحواله الفطرية وتطلعاته وآماله، اهتداء وانحرافًا ومصيرًا ومآلًا ثم حال الموت والبرزج والبعث إلى أن يستقر في المقر النهائي.
وفي أسلوب عرض الأدلة المتعلقة بالإنسان نلحظ ذات الأسلوب الذي عرضت به الآيات في الكون من إشارات عامة إلى خلق الإنسان إلى تفصيل في خلقه وأطواره إلى ذكر جزئيات في بعض أوصافه وأحواله:
стр. 116
١- فمن الآيات العامة التي أشارت إلى خلق الإنسان وتفرد الله بهذا الخلق قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .
- وفي آيات أخرى أشار إلى طور آخر من خلقه: مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ١-٢] .
- وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥-٧] .
- وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧-٥٩] .
- وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] .
- وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ١-٢] .
٢- وإلى جانب الإشارة إلى خلق الإنسان العام، وإلى بعض المراحل في خلقه، نجد الآيات الأخرى قد ربطت بين هذه المراحل وفصلت خلقه تفصيلًا، مما يبرز جانب الإبداع ويثير التأمل في الحكمة الإلهية في خلق الإنسان وتكوينه، ليصل الإنسان من خلال تدبره في خلقه وتكوينه وأطوار حياته إلى وحدانية الخالق وتفرده في خلق هذا الكائن الغريب في خلقته واستعداداته. فلنتدبر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٦-٢٩] .
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ
стр. 117
السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧-٩] .
وكل هذه الآيات التي تشير إلى مرحلة أو أكثر من مراحل تكوين الإنسان، ترد في سياق الحديث عن إثبات أمر الألوهية والتوحيد وكثيرًا ما يربط بين هذا الخلق في هذا الطور وبين قضية الإعادة بعد الموت المشابهة للخلق من النطفة -البذرة- بقضية الإنبات من عجب الذنب يوم القيامة كما صحت بذلك الأحاديث١.
تعقيب على أدلة الخلق والإبداع:
لقد تحطمت شبهات الملاحدة القديمة والحديثة فأصبحت خاوية على عروشها بعد أن ألقي عليها قذائف الحق الإلهي.
وكلما حاول أهل الباطل أن ينفخوا الروح في بقايا الأشلاء المتناثرة من نظرية الصدفة، أو قدم العالم المادي، برزت جوانب من الحقائق القرآنية -وربما على أيدي غير المسلمين وبخاصة على أيدي العلماء التجريبيين- لتزهق الباطل مرة أخرى.
ولنسمع من أقوال بعضهم ما يلقي أضواء على ما توصولوا إليه من حقائق علمية تثبت حدوث العالم المادي وتبرهن على وجود نهاية له.
اكتشف علماء القرن التاسع عشر الميلادي ما يسمى بقانون الطاقة الحرارية والطاقة المتاحة.
وملخص هذا القانون يفيد أن: الحرارة تنتقل دائمًا من "وجود حراري" إلى "عدم حراري"، والعكس غير ممكن، وهو أن تنتقل دائمًا هذه الحرارة من "وجود حراري قليل" أو "وجود حراري عدم" إلى "وجود حراري أكثر" فإن ضابط التغير هو التناسب بين "الطاقة المتاحة" و"الطاقة غير المتاحة".
وبناء على هذا الكشف العلمي فإن الطاقة الحرارية للكون في تناقص مستمر
стр. 118
وكفاءة عمل الكون في تناقص مضطرد، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينذاك لا تبقى أية طاقة مفيدة للحياة والعمل، وسيترتب على ذلك أن تنتهي العمليات الكيميائية والطبيعية وتنتهي -تلقائيًا- مع هذه النتيجة "الحياة".
هذا إذا استمر النظام في الكون من غير تدخل ووضع نهاية لسيره في الدنيا وانطلاقًا من هذا الحقيقية المتقدمة، يثبت قطعًا أن الكون ليس بأزلي.
يقول "إدوارد لوثركسيو" وهو متخصص في علم الحيوان: وهكذا أثبتت البحوث العلمية "دون قصد" أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائيًا وجود الإله لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى الخالق.
- والاكتشاف العلمي حول سعة الكون -أو توسعه المستمر- يدل من جانب آخر على أن هذا الكون يتوسع بشكل مذهل وبسرعة لا تتصور، ولا بد أن هذا التوسع كان ابتداء من بداية حركتها قوة معينة وحسب نظام معين، وأن هذا التوسع لا بد أن يصل إلى مداه النهائي، ثم يعود الكون مرة أخرى للتقلص بعد انعدام القوة الدافعة لهذا التوسع، وعندئذ سيؤدي إلى ارتباط الأجرام السماوية وتجمعها في نقطة المركز.
إن كونًا هذا شأنه في التمدد والتوسع، ثم مآله إلى الانكماش والتقلص لا بد أن تكون قدرة الخالق هي التي كانت وراء البداء وإلى الله المنتهى، فلا يمكن للعدم أن يوجد بداية ونهاية لشيء.
ولو ذهبنا نستعرض الآيات التي تحدثت عن الحيوان والنبات، وذكرنا الحقائق العلمية التي توصل إليها العلم الحديث لاستغرق منا وقتًا طويلًا، ولخرج بنا عن الشرح الإجمالي لبيان أدلة الخلق والإبداع التي ذكرها القرآن الكريم عن تفرد الله في هذا الخلق والإبداع لا شريك له ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] .
стр. 119
ثانيًا: أدلة العناية
من الأدلة التي يسوقها القرآن الكريم على وجدانية الله ما يطلق عليه العلماء أدلة العناية، ويقصدون بالعناية: وجود النظام الدقيقي في شئون الكون, والسنن الموضوعة فيه لتحقيق أمرين أساسين فيه:
- استمراره وفق الحالة التي خلقها الله .
- أداؤه الدور المنوط به والوظائف التي يؤديها على الوجه الذي سخره الله له.
فإن المعارف البشرية كلما ازدادت تقدمًا وإحاطة ودقة تتعرف على أسرار هذا الكون ونواميسه، وتتكشف أمامها دقة التقدير والصنع والنظام المحكم الذي تجري شئون الكون بموجبه.
والإنسان يدرك أن النظام دليل على وجود منظم، ولا يمكن أن يقع صدفة أو اتفاقًا.
كما يعلم في قرارة نفسه أن هذا النظام ليس من صنع أحد من البشر فالبشر أنفسهم يخضعون لهذه الأنظمة ولا يمكنهم الخروج عليها.
كما أن الآلهة المزعومة أعجز من أن ترعى شئون نفسها وتضع لحياتها نظامًا مستقلًا عن نظام الكون العام. وبالتالي فهي أعجز عن تدبير شئون عبادها.
إن الملايين من الأمثلة يمكن أن تساق على وجود هذه الرعاية والعناية بالمخلوقات فلو انعدمت هذه الرعاية لحظة واحدة لكان مصير الكون الفناء والعدم، ولاختلت التوازنات في كل المجالات.
стр. 120
إن العناية الربانية تحوطه وترعاه ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
عرض أدلة العناية:
وأسلوب القرآن الكريم في عرض أدلة العناية يتشابه مع أسلوبه في عرض أدلة الخلق والإبداع وكثيرًا ما تقترن أدلة العناية بأدلة الخلق والإبداع١.
فآيات كثيرة تشير إلى العناية الربانية بمخلوقاته بشكل عام من غير تفصيل لأوجه العناية ومن غير تعيين للمجالات التي تشملها العناية الإلهية.
ويرد هذا التعميم مرفقًا ببعض الألفاظ مثل "قدر، جعل، سخر، صنع".
إن التقدير والإتقان والنظام في هذا الكون شامل لجميع مخلوقات الله والقدرة المنظمة لشئونه هي قدرة الله الواحد الأحد، فنظام الكون كله يدل على الإله الواحد ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] .
وتحدد آيات كثيرة مجالات عامة في الكون، والإنسان، والحيوان والنبات للفت النظر إلى المجالات التي تشملها العناية الإلهية. فخذ مثلًا قوله تعالى في سورة إبراهيم:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤] .
ومن المجالات الأساسية التي لها تعلق بالحياة اليومية للبشر ما ورد في آيات سورة النحل:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا
ونعلم أن بعضها يهتدي بمكانها على الجهة أو بطلوعها على دخول موسم معين من فصول السنة، فإن الأمر أعقد من ذلك بكثير بالنسبة لأهل الاختصاص يقول بعضهم: "فإذا رفعنا أعينا إلى السماء فلا بد وأن يستولي عليها العجب من كثرة ما تشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظامًا دقيقًا، لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون، إنها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبوء بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون، فهل يظن أحد بعد ذلك أن هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون أكثر من تجمعات عشواية من المادة تتخبط على غير هدى في الفضاء وإذا لم يكن لها نظام ثابت ولم تكن تتبع قوانين معينة فهل كان من الممكن أن يثق الإنسان بها ويهتدي بهديها في خضم البحار الواسعة وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات، قد لا يسلم بعض الناس بوجود الله سبحانه وبقدرته ومع ذلك فإنهم يسلمون بأن هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة وتتبع نظامًا معينًا، وأنها ليست حرة تتخبط في السماء كيف تشاء.
الحق أنه من قطرة الماء التي رأيناها تحت المجهر إلى تلك النجوم التي شاهدناها خلال المنظار المكبر، لا يسع الإنسان إلا أن يمجد ذلك النظام الرائع، وتلك الدقة البالغة، والقوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه"١.
الخلق والتقدير:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
قدر حجمه وشكله، وقد وظيفته وعمله، وقدر زمانه ومكانه، وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير.
إن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه لمما يدعو إلى الدهشة حقًا، وينفي فكرة المصادفة نفيًا باتًا، ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره وفي جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير. وكلما تقدم العلم البشري
стр. 123
فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ يقول أ. كريس موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان "الإنسان لا يقوم وحده": "ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغًا هذه الدقة الفائقة، لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأكسجين، ولما أمكن وجود حياة البنات.
ولو كان الهواء أرفع كثيرًا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلًا في الثانية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق، ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مورعة، وأما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربًا من مجرد حرارة مروره.
إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيمائي التي يحتاج إليها الزرع والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهر -ومعظمها سام- فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغيير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء -أي المحيط- الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل والنباتات وأخيرًا الإنسان نفسه"١.
وهكذا ينكشف للعلم البشري يومًا بعد يوم، شيء من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون، ويدرك البشر شيئًا من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئًا من هذا كله. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا
стр. 124
وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] .
وهكذا فإن آلهتهم مجردة من كل حقائق الألوهية، وهي مخلوقة يصنعها عبادها إن كانت أصنامًا أو أوثانًا ويخلقهم الله بمعنى يوجدهم -إن كانوا ملائكة أو جنًا أو بشرًا أو شجرًا أو حجرًا ولا يملكون لأنفسهم فضلًا عن أن يملكوا لعبادهم "ضرًا ولا نفعًا" والذي لا يملك لنفسه النفع قد يسهل عليه الضر، ولكن حتى هذا لا يملكونه- ومن ثم يقدم في التعبير بوصفه أيسر شيء كان يملكه أحد لنفسه، ثم يرتقي إلى الخصائص التي لا يقدر عليها إلا الله ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ فلا إماتة حي، ولا إنشاء حياة ولا إعادتها داخل في مقدورهم، فماذا بعد ذلك من خصائص الألوهية، وما شبهة أولئك المشركين في اتخاذهم آلهة؟ ألا إنه الانحراف المطلق.
ومن الآيات الجامعة ذات الدلالة على العناية الربانية بخلقه وتدبير أمرهم.
قوله تعالى:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ١٩-٢١] .
يقول سيد قطب: "والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس، فهذه الأرض المحدودة للنظر والخطو وهذه الرواسي الملقاة على الأرض، تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون، ومنه إلى المعاش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض، وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها وهي كثيرة شتى يجملها السياق هنا ويبهمها لتلقي ظل الفخامة.
هذه الأرزاق -ككل شيء- مقدرة في علم الله تابعة لأمره ومشيئته، يصرفها حيث يشاء وكما يريد في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها، وأجراها في الناس والأرزاق.
فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئًا إنما خزائن كل شيء -مصادره
стр. 125
وموارده- عند الله في علاه ينزله على الخلق في عوالمهم بقدر معلوم فليس من شيء ينزل جزافًا وليس من شيء يتم اعتباطًا ومدلول هذا النص المحكم يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة، وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه، ومدلول خزائنه يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي وطبيعة تركيبها وتحليلها -إلى حد ما- وعرف مثلًا أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الأيدروجين والأكسجين، وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء، وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب من ثاني أكسيد الكربون، وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضًا، ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها. وهو شيء على كثرته قليل قليل"١.
ولعل من أعظم الأشياء التي أنزلها الله من خزائنه في عصرنا الحاضر، وتلعب دورًا أساسيًا في حياتنا اليوم أمور الطاقة المختلفة: الكهرباء، الأشعة السينية، الطاقة النووية، أشعة الليزر.
وخزائن الله ملأى بالأسرر لا ينقصها عطاء الليل والنهار ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ . فهل يوجد عاقل يحترم عقله ويقول إن الكون وجد صدفة بهذا النظام وتشكلت نواميسه وسننه اتفاقًا؟ قال بعضهم عن القول إن نظام الكون وجد صدفة: "إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة "حادث اتفاقي" شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة٢.
يقول كريسي موريسون:
لو تناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد من ١ إلى ١٠ ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيدًا ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي، بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى، فإمكان أن تتناول
стр. 126
الدرهم المكتوب عليه "٢" في المحاولة الولى هو واحد على عشرة، وإمكان أن تتناول الدرهمين "ا، ٢" بالترتيب واحد في المائة، وإمكان أن تخرج "١، ٢، ٣، ٤" بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف. حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم من ١ إلى ١٠ بالترتيب واحد في العشرة بلايين من المحاولات.
إن الهدف من إثارة مسألة بسيطة كهذه، ليس إلا أن نوضح كيف تنعقد "الوقائع" بنسبة كبيرة جدًا في مقابل الصدفة.
نقل الشيخ جمال الدين القاسمي عن الحكيم بن رشد في مناهج الأدلة قوله:
"الذي قصده الشرع في معرفة العالم هو أنه مصنوع لله ﵎ ومخترع له، وأنه لم يوجد عن الاتفاق وعن نفسه، فالطريق التي سلك الشرع بالناس في تقرير هذا الأصل هي من الطرق البسيطة المعترف بها عند الجميع، وذلك أنه إذا تؤملت الآيات التي تضمنت هذا المعنى وجدت أن أقرب تلك الطرق طريق العناية، وهي إحدى الطرق الدالة على وجود الخالق تعالى. وذلك أنه كما أن الإنسان إذا نظر إلى شيء محسوس، فرآه قد وضع بشكل ما وقدر ما، ووضع ما موافق في جميع ذلك للمنفعة الموجودة في ذلك الشيء المحسوس والغاية المطلوبة، حتى يعترف أنه لو وجد بغير ذلك الشكل، أو بغير ذلك الوضع، أو بغير ذلك القدر، لم توجد فيه تلك المنفعة، علم على القطع، أن لذلك الشيء صانعًا صنعه ولذلك وافقه شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وأنه ليس يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق". كذلك الأمر في العالم كله فإنه إذا نظر الإنسان إلى ما فيه من الشمس والقمر، وسائر الكواكب التي هي سبب الأزمنة الأربعة وسبب الليل والنهار، وسبب الأمطار والمياه والرياح وسبب عمارة أجزاء الأرض؛ ووجود الناس وسائر الكائنات من الحيوانات والنبات وكون الأرض موافقة لمسكن الناس فيها وسائر الحيوانات البرية١، وكذلك الماء موافقًا للحيوانات
стр. 127
المائية والهواء للحيوانات الطائرة١، وأنه لو اختل شيء من هذه الخلقة أو البنية لاختل وجود المخلوقات التي ههنا، علم على القطع أنه ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة التي في جميع أجزاء العالم للإنسان والحيوان والبنات بالاتفاق، بل ذلك من قاصد قصده ومريد أراده، وهو الله . وعلم الله على القطع أن العالم مصنوع.
في مجال الإنسان والنفس الإنسانية:
- والعناية الإلهية في مجال الإنسان لا يحيط بها عد ولا تدخل تحت الحصر، فإن الشكل الظاهري والجمال والتناسق في أعضائه لا يضاهيه جمال. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
- وملكة البيان التي يستطيع بواسطتها التعبير عما يريد وما يختلج في نفسه من معان وعواطف ومشاعر، ميزة فريدة للإنسان من بين سائر المخلوقات. ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١-٤] .
- وطاقاته وقدراته العقلية والنفسية والروحية لأخذ المواقف المتعددة تجاه الحادث الواحد وتساميه في عواطفه وأشواقه الروحية وخضوعه وتضرعه، أو طغيانه وجبروته، كل ذلك من مزايا هذا الإنسان وقدراته التي أودعها الله فيها: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] .
- وجعل له زوجًا يسكن إليها ملأ فراغ نفسه بالبنين والبنات والأحفاد الذين يرى في وجودهم استمرارًا لحياته وتجديدًا لشبابه.
стр. 128
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ، وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٢، ٧٣] .
والعناية الربانية بالإنسان -وهو أكرم مخلوق على الله- أعظم من أن تدخل تحت الحصر، وقد عرضت الآيات القرآنية مجالات هذه العناية مرافقة لمسيرة الحياة الإنسانية، في حال النطفة إلى كونه جنينًا إلى طفل يحبو ثم شاب يكتمل، إلى كهل بلغ أشده إلى شيخ عاد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا أو قضى نحبه وقد حفظ له سمعه وبصره فصان كبره. لم يحظ مخلوق بالعناية الربانية كما حظي بها الإنسان ولا غرابة فالقرآن كتاب الهداية للإنسان والمحور الذي تدور عليه آيات القرآن هو الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض وسخر له ما في السماوات والأرض لذا أفرد بعض المؤلفين كتابًا تحت عنوان: "الإنسان في القرآن".
ونكتفي في هذه العجالة بما ذكرنا، وإن كان في العمر فسحة لعلنا نعود إلى موضوع "الإنسان والعناية الربانية" مرة أخرى.
في مجال الحيوان:
لقد ذكر الله أصنافًا من الحيوانات التي سخرها لخدمة الإنسان لحمل الأعباء عنه، ومصدرًا للغذاء، واللبس وسائر أنواع الانتفاع.
فمما جاء في بهيمة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٦-٦٧] ١.
стр. 129
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٥-٩] ١.
- وجاء في لون آخر من الحيوان في قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩] .
لقد خلق الله بهيمة الأنعام لمصالح عبادة وجعلها ذلولة مسخرة لقضاء شئونه الحياتية فعلى الرغم من أن هذه البهائم تملك من القوة الجسمية والعضلية أضعاف ما يملكه الإنسان إلا أن سنة التسخير قد سلبها المقاومة والتمرد على إرادة الإنسان وتدبيره وهذا ما يوجب أداء حق الشكر لله ولو ترك أمر تذليل هذه المخلوقات للإنسان لعجز عن تذليل ذبابة كما عجز من خلقها ولكنها المشيئة الإلهية وقدرته في الخلق والتذليل والتسخير
стр. 130
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٣] .
يقول سيد قطب: "إنها هذه الأنعام التي خلقها الله لهم وملكهم إياها، وذللها لهم يركبونها ويأكلون منها ويشربون ألبانها وينتفعون بها منافع شتى وكل ذلك من قدرة الله وتدبيره، ومن إبداعه ما أودع من الخصائص في الناس والأنعام فجعلهم قادرين على تذليلها واستخدامها والانتفاع بها.
وحين ينظر الإنسان إلى الأمر بهذه العين وفي هذا الضوء الذي يشيعه القرآن الكريم فإنه يحس لتوه إنه مغمور بفيض من نعم الله، فيض يتمثل في كل شيء حوله وتصبح كل مرة يركب فيها دابة أو يأكل فيها قطعة لحم أو يشرب جرعة من لبن، أو يتناول قطعة من سمن أو جبن، أو يلبس ثوبًا من شعر أو صوف أو وبر.
لمسة وجدانية تشعر قلبه بوجود الخالق ورحمته ونعمته ويطرد هذا في كل ما تمس يده من أشياء حوله. وكل ما يستخدمونه في حي أو جامد في هذا الكون الكبير، وتعود حياته كلها تسبيحًا لله وحمدًا وعبادة آناء الليل وأطراف النهار"١.
وآية أخرى في الأنعام هي هذا النماء وهذه البركة فيها من بين سائر البهائم فمما لا شك فيه أن ملايين من هذه البهائم تذبح يوميًا ومع ذلك فإن العدد الباقي يبقى متوافرًا ملبيًا لحاجة الاستهلاك البشري، علمًا أن تكاثرها تم عن توالدها، مولود في كل بطن على الغالب، ومن القليل أن تأتي التوائم في الحمل الواحد.
ونظرة إلى غيرها من الحيوانات من الكلاب والقطط والذئاب وغيرها من السباع فعلى الرغم من أنها لا تتعرض لعلمية الذبح والإفناء المتعمد من قبل الإنسان.
كما إن ولادتها وتكاثرها في الغالب أن يأتي مجموعة من الصغار بين ٤-٧ في الحمل الواحد، مع ذلك نجد أنها ليست بالكثرة التي نرى فيها الأنعام من الغنم والبقر والإبل.
إنها حكمة الله في التقدير والتسخير وتوفير الأقوات.
стр. 131
أما وجوه الانتفاع الأخرى من حمل الأثقال، والانتفاع بالجلود والشعر وهذا المصنع الدقيق المنتج للألبان، فالحديث عنها يطول، ونكتفي بهذه الإشارات مما تقدم.
وفي النبات:
لقد أدهش أمر النبات العلماء ولا تزال العقول حائرة في فهم ألغاز النبات وطريقة نموه وغذائه وتكاثره، ولا تزال كثير من العمليات التي تقوم بها الوريقات الخضراء تعجز عنها كبريات المصانع والمعامل في العالم، إنه سر الحياة الذي خص الله به نفسه والذي يقف العلم أمامه مشدوهًا فاغرًا فاه.
يقول علماء النبات:
بالرغم من تقدم العلوم في شتى الميادين في الكيمياء والفيزياء والفضاء وعلوم الحيوان والنبات إلا أن هنالك بعض الأوليات التي يراها الإنسان في حياته ويلمسها من حوله لكنه عاجز عن فهمها حق الفهم، ومن هذه الأشياء قضية "التمثيل الضوئي" لم يستطع العلم بعد مئات السنين من التجارب والأبحاث، وبعد إنفاق الأموال الطائلة وبعد أن انقطع لهذه الأبحاث آلاف العلماء، لم يتمكنوا من الوصول إلى ما تقوم به ورقة خضراء في نبات حي.
فهذه الورقة تمتص أشعة الشمس وتخزنها وتبقي بها حياتها، وبالرغم من أن الإنسان يعتمد في حياته اعتمادًا كاملًا على الشمس التي تمده بالطاقة والتي تسبب كل مظاهر الحياة من حوله، والتي بدونها لا تقوم حياته، فهي أساس الحياة النامية في كل حقل وكل غابة وهي سبيل تكون الفحم والبترول وهي سبب المطر وأصل تساقط المياه. بالرغم من كل ذلك لم يستطع الإنسان أن يمتص أشعة الشمس ويخزنها لاستعماله في حاجته سواء كان هذا التخزين داخل جسمه كما تفعل الورقة الخضراء أو في مكان آخر، ويعترف العلم أن ذلك حلم صعب التحقيق إن لم يكن من المستحيل. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي
стр. 132
ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
ويقول ﷻ : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] .
إن شأن عالم النبات كشأن عالم الإنسان والحيوان عالم قائم بذاته في طريقة نموه وتكاثره وازدهاره واضمحلاله، وكل ذلك حسب سنن قائمة خلقها الله فيه بعنايته وسخرها لمصالح الإنسان ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧-٣٣] .
وحيثما أجال الإنسان بصره رأى نعم الله تحيطه وعناية الله تكلؤه وآلاؤه تغمره ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢] .
إننا حيث أجلنا النظر في أنحاء الكون الفسيح، وفي أصناف المخلوقات نلمس العناية الربانية بهذه المخلوقات، وإبداع الصنعة فيها ودقة النظام والتناسق والانسجام مع وظيفتها التي وجدت من أجلها، ومع غيرها التي تشاركها في المهمة والمصير وكلها تمجد من شأن الخالق المهيمن المدبر وتسبحه.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
стр. 133
ثالثًا: أدلة الفطرة
ويقصد بأدلة الفطرة تلك الغرائز والإحساسات الأصلية في فطرة الإنسان التي تشده إلى تعظيم الخالق والالتجاء إليه.
ولو تركت الفطرة على سجيتها وأصالتها لاتجهت إلى خالقها ورازقها، إلا أن المؤتمرات التي تحيط بالإنسان في مراحل حياته الأولى تؤثر على مسار الفطرة وصفائها، وهذا ما يشير إليه الرسول ﷺ : "ما من مولد إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] ١.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" ٢.
ولعل هذه الاستقامة والسلامة في الفطرة امتداد لذلك العهد الذي أخذ من الحشد من بني آدم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
وأبرز أدلة الفطرة ثلاثة:
стр. 134
الدليل الأول: حالة الاضطرار
ومهما حاول الإنسان أن يطمس هذه الحقائق من فطرته، أو يحول بينها وبين الالتجاء إلى خالقها فإنه لن يجد إلى ذلك سبيلًا وبالأخص في أوقات الشدة والاضطرار:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٠-٣٣] .
وقد أشار القرآن الكريم في جملة من الآيات الكريمة إلى هذه الحقيقة وجعلها دليلًا على توحيد الله نابعًا من أعماق النفس البشرية.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥١-٥٤] ١.
إن من شأن الفطرة السليمة أن لا تغفل عن خالقها ورازقها في سائر أحوالها وأن تتوجه إليه بالدعاء والشكر رغبة ورهبة في عامة شئونها، إلا أن أهل الانحراف من شأنهم الإشراك بالله في السراء والالتجاء إليه وحده عند إصابتهم الضراء.
يقول تعالى في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا
стр. 135
النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٢-٢٣] .
إن الشعور بالنقص في الإنسان، وعدم قدرته على توفير متطلباته العضوية، وإشباع ميولة الغريزية، تجعله يلتجئ بالضرورة إلى القوة القادرة التي تهيئ له هذه الحاجات وتشبع له هذه الغرائز.
يقول الإمام القزويني في سراج العقول:
"الدليل على أن معرفة الله واجبة كونها من الأمور التي تصل العقول إليها، فإن الإنسان إذا دهاه أمر وضاقت به المسالك، فلا بد أن يستند إلى إله يتأله له، ويتضرع نحوه ويلجأ إليه في كشف بلواه ويسمو قلبه صعودًا إلى السماء ويشخص ناظره إليها. فيستغيث خالقه وبارئه طبعًا وجبلة، لا تكلفًا وحيلة. وهي الفطرة المذكورة في القرآن والحديث ولكن أكثر الناس قد ذهلوا عن ذلك في حالة السراء، وإنما يردون إليه في الضراء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] ١.
إن في حالات الرخاء، أو حالات تلبية الحاجات من قبل المخلوقين قد تلقي ظلالًا من الغبش والرين على صفاء الفطرة، فينحرف بها صاحبها وتنكر وجود خالقها ورازقها والمتصرف في شئونها ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦-٧] .
إلا أن هذا الغبش وهذا الران على الفطرة سرعان ما يزول وتعود الفطرة إلى صفائها وتلتجئ إلى خالقها عندما تنقطع عنها الأسباب، وتشعر بحالة من حالات الاضطرار التي لا يملك صاحبها معها التصرف، فعندئذ تظهر علامات الخشوع والخضوع والالتجاء إلى البارئ المصور فتخلص في هذا الالتجاء وفي هذا الدعاء. يقول تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 136
صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠-٤١] .
إن من سنة الله في حالات اللجوء إليه، وعند انقطاع الأمل من الأسباب ومن سائر المخلوقات أن يستجيب إن شاء الله لعباده الذين أخلصوا له الدين والتوجه بغض النظر عن سابق حالاتهم يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] .
وما حدث لفرعون يمثل طغيان الإنسان وعنوه وجبروته في حالة الرخاء، وضعفه واستكانته وذلته عند الشدة وانعدام ما يتشبث به من أسباب النجاة ومقومات السلامة.
يقول تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] .
لقد أصبح من الموت قاب قوسين أو أدنى: وفقد أي أمل في النجاة من الغرق فاستسلم. ولكن سنة الله جرت في العالمين أن: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] .
لذا لم تنفعه توبته هذه وكان التعقيب القرآني على نهايته ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] .
الدليل الثاني: تطلع الفطرة إلى الكمال
إن من الصفات الأساسية في الغريزة الإنسانية الميل إلى جانب الكمال والسعي إليه في جميع الصفات التي تتصف بها، وتهرب من النقص والاتصاف به.
ولكل صفة من هذه الصفات كمالها النسبي ويتمثل في الصفوة المختارة من البشر وهم أنبياء الله ورسله إلى البشرية. أما الكمال المطلق في كل الصفات فهو من شأن الخالق .
стр. 137
يقول الشيخ جمال الدين القاسمي:
"تبين في الحكمة المتعالية أن لكل موجود من الموجودات العقلية والنفسية والحسية والطبيعية كمالًا مقررًا. وعشقًا ركز في ذاته شوقًا غلى ذلك الكمال وحركة إلى تتميمه، فكل أحد عاشق للوجود طالب كمال الوجود، نافر عن العدم والنقص. وكل ناقص ينفر عن نقصه ويسعى إلى كماله ويتمسك به عند نيله فيكون كل شيء لا محالة عاشقًا لكماله لأنه مرجع الكل وغاية الكل. وحينئذ فجميع الموجودات متوجهة إلى الحق الأول توجهًا غريزيًا ونازعة إليه نزوع افتقار واحتياج.
يقول بعضهم في هذا المعنى: إن مما بنا من النقص الذاتي والضعف الجبلي يقودنا بحكم ناموس التضاد إلى القول بوجود مدبر كامل، فإنه كما أن لكل شيء ضدًا فالنور والظلام، والعدل والظلم، والموت والحياة، والعدم والحدوث، كل ذلك العلم المحدود يقابله العلم غير المحدود، والقدرة الناقصة تقابلها القدرة الكاملة، وبالجملة فنقص الآدمي وعجزه وشوقه لبلوغ أمانيه وسعيه وراء كمالات لا يدري غايتها ونقضه اليوم ما أبرمه بالأمس مما يبرهن على أن في الغيب قدرة قاهرة وكمالًا باهرًا تنتهي إليه الأماني، وتطمئن به القلوب"١.
الدليل الثالث: الأشواق الروحية
لقد خلق الله الإنسان من مادة هذا الكون كما خلق منها الكائنات الحية الأخرى، إلا أن الإنسان امتاز عليها بنفخة الروح التي خص بها من بين سائر المخلوقات وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨-٢٩] .
стр. 138
ولكل من هذين الأصلين مظاهره، واحتياجاته، ونتائجه المترتبة عليه فمن مظاهر الأصل المادي الثقل إلى الأرض والأعراض الجسيمة من نمو واختلاف في البنية وتعرض للأسقام.
ومن احتياجات هذا الجانب المادي الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء والتخلص من فضلات الجسم، والميل إلى قضاء الوطر.
وإذا لم تشبع هذه الحاجات العضوية من مطعم ومشرب فإنه يؤدي إلى اضمحلال هذا الجانب وبالتالي القضاء عليه بالموت.
وكذلك الجانب الروحي في الإنسان فله مظاهره واحتياجاته ونتائجه فمن مظاهر الجانب الروحي مشاعره وعواطفه من الحب والبغض، والإحساس بالجمال والميل إلى الكمال والرغبة في الحق والصدق ... إلى آخر ما هنالك من الأمور الفطرية التي يميل إليها الإنسان صاحب الطبع السليم والجبلة القويمة.
كما أن هذا الجانب الروحي في الإنسان يحتاج إلى إشباع، فإن لم يشبع أدى إلى اضطراب وقلق وشقاء وغذاؤه هو الوحي الإلهي والهدايات المستمدة منه، فهو الغذاء الضروري الذي لا غنى للروح عنه، وبالاتصال بالوحي الإلهي والتعامل معه عبادة وذكرًا وخوفًا وطمعًا ودعاءً وابتهالًا، وتوكلًا وإيمانًا وتسليمًا.
يحصل الإنسان على غذائه الروحي، ويكون معتدل الطبيعة منسجمًا مع فطرته عارفًا لغايته في الوجود ساعيًا إلى هدفه ثابت الخطى مطمئن البال رضي النفس. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن إشباع الجانب المادي يكون بالغذاء الحلال النافع كما يكون بالغذاء الحرام والضار، إلا أن النتائج تختلف نتيجة التغذي بالحلال النافع الصحة والهناء والقوة والنشاط. أما نتيجة التغذي بالحرام والضار المرض والإعياء والاضطراب والتعاسة.
وكذلك الغذاء الروحي فمنه الحلال الطيب المفيد وهو ما كان وحيًا إلهيًا "من الكتاب والسنة" وما استمد منه من أحكام وتشريعات. ومن الغذاء الروحي
стр. 139
ما كان محرمًا خبيثًا وهو ما كان من وضع البشر وفلسفاتهم وطقوسهم التعبدية وشرائعهم الوضعية. فمن الغذاء الروحي الفاسد ما عليه الملل والديانات المنحرفة عن أصل الوحي الإلهي من يهودية ونصرانية وما كان من وضع البشر من مجوسية وبوذية وهندوكية ووثنية.
إن إحساس الإنسان بهذه الأشواق الروحية وتطلعه إلى إشباعها بالغذاء الروحي الصافي لا يقل أهمية عن إحساسه بالنقص وتطلعه إلى الكمالات.
كما أن من نتائج هذا الإشباع الإحساس بالقرب من الملأ الأعلى والتطلع إلى الدار الآخرة والزهد والتجافي عن الدار الدنيا، وإلى مثل هذه النتيجة يشير رسول الله ﷺ بقوله: "والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم" ١.
وهي الحالة التي بلغها حارثة ﵁ وأقره عليه رسول الله ﷺ ، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ لقي رجلًا يقال له حارثة في بعض سكك المدينة فقال: "كيف أصبحت يا حارثة؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًا، قال: "إن لكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي، وكأني بعرش ربي بارزًا وكأني بأهل الجنة في الجنة يتنعمون فيها وكأني بأهل النار في النار يعذبون، قال النبي صلى ﷺ : "أصبت فالزم، مؤمن نور الله قلبه" ٢.
стр. 140
رابعًا: البراهين العقلية
ويقصد بها الأساليب القرآنية في إثبات توحيد الله والتي تثير المناقشة العقلية، وترتيب النتائج على المقدمات، وتوصل الفكر إلى النتيجة التي لا يملك العاقل إلا التسليم بها والإذعان لها.
فمما أبرزه العلماء في ذلك ما أطلقوا عليه:
أولًا- الأدلة البدهية:
ونجد مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥-٣٦] .
فالاحتمالات العقلية التي تشير إليها الآيتان الكريمتان في قضية الخلق ثلاثة احتمالات محددة لا رابع لها، إن الإنسان وما يحيط به من مظاهر الحياة والكون بما فيه السماوات والأرض مخلوقة، فمن الذي خلقها؟
الاحتمال الأول:
أن تكون هذه المخلوقات قد أوجدت نفسها، وهذا احتمال مناقض لبدهيات العقل الإنساني لأنها قبل وجودها لم تكن شيئًا -أي كانت عدمًا- فكيف يوجد العدم موجودًا. إن الموجود لابد له من موجد يوجده من العدم. أما العدم فلا يوجد شيئًا.
فهذا الاحتمال باطل لاصطدامه ببدهيات العقل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾
стр. 141
الاحتمال الثاني:
أن يكون بعض المخلوقات أوجد بعضها الآخر، وهذا أيضًا مناقض لبدهيات العقل، لأن الكلام السابق الذي بطل به الاحتمال الأول ينطبق على الجزء الذي أسند إليه الخلق، فقبل خلقه كان عدمًا، والعدم لا يوجد شيئًا، فيبطل هذا الاحتمال أيضًا. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ .
الاحتمال الثالث:
وهو أن يكون غير المخلوقات، قد أوجد المخلوقات، وبالتالي يتصف هذا الخالق بصفات تضاد صفات المخلوقات. فالمخلوقات وجدت بعد أن لم تكن موجودة، أما الخالق فواجب الوجود لذاته. والمخلوقات لها بداية ونهاية، أما الخالق فهو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء. والمخلوقات تعتورها الحوادث والحركة والسكون والزيادة والنقص، وتستمد وجودها واستمرارها من غيرها.
أما الخالق فهو المنزه عن الحوادث ﴿الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ ويستمد الكون منه وجوده وحركته ونظامه، ويكون مسخرًا لأمره وتدبيره.
وهذا الاحتمال هو الذين يقبله العقل السليم، والنتيجة التي لا يجد المنطق السديد مناصًا من الرضوخ لها والتسليم بها.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ثانيًا- دليل التمانع ١:
إن المتدبر لأحوال المخلوقات من الذرة إلى المجرة يجد ذاك النظام المطرد الذي يحفظ للكون بقاءه واستمراره وأداءه الدور الوظيفي الذي سخر من أجله.
стр. 142
إن هذا النظام المطرد في الكون يدل على أن الإرادة المتحكمة فيه المتصرفة في شئونه إرادة واحدة لا تقبل التعدد ولو افترض وجود إرادة ثانية تتصرف في شئون الكون لأدى ذلك إلى الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول:
عند تعارض الإرادتين في شأن الخلق أو عدمه، أو وضع نظام محدد على حالة معينة فأي الإرادتين تنفذ؟!
فإما أن تنفذ الإرادتان وهو مستحيل لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين وهو محال عقلًا.
الاحتمال الثاني:
أن تتعطل الإرادتان جميعًا فلا تنفذان، وهذا عجز ينزه مقام الألوهية عنه لأن مقتضى كلمة "الإله" التصرف المطلق في شأن المخلوقات الذي لا راد لقضائه الذي يقول للشيء كن فيكون.
الاحتمال الثالث:
أن تنفذ إحدى الإرادتين وتهمل الأخرى، فالإرادة النافذة هي الحق والثانية المعطلة هي الباطل، ويكون صاحبها إلهًا مزيفًا فالنتيجة الفعلية أنه لا بد أن يكون الإله واحدًا فردًا صمدًا ليس له مثيل ولا شبيه ولا ند ولا شريك وإلى هذا النوع من الاستدلال أشارت الآية الكريمة:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠-٢٣] .
يقول الشيخ ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير":
"والفساد: هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا منتسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيهما.
فمن صلاح السماء نظام كواكبها، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها، ونظام النور والظلمة، ومن صلاح الأرض مهدها للسير، وإنباتها الشجر والزرع، واشتمالها
стр. 143
على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح.
ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفًا بصفات الإلهية المعروفة آثارها، وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على التصرف.
ثم إن التعدد يقتضي اختلاف متعلقات الإرادات والقدر، لأن الآلهة لو استوت في تعليقات إراداتها ذلك لكان تعدد الآلهة عبثًا للاستغناء بواحد منهم"١.
ولو كان مع الله آلهة أخرى لحاول بعضهم أن يتصرف في الكون حسب إراداته وعندئذ يشهد الكون حروبًا مروعة مدمرة، ويكون ميدانًا لصراع رهيب بين الآلهة المتنازعة.
فإذا كان مصير الكرة الأرضية بات في خطر من جراء تنازع القوى المدمرة من صنع البشر، فكيف الحال عندما تكون القوى المتنازعة بيدها أزمة الأمور في عالم الغيب والشهادة.
إن فكرة تعدد الآلهة لا يقرها عقل يحترم نفسه، ولا يؤيدها الواقع المنظم الذي يؤدي دوره المفيد حسب سنن مضطردة.
إن دوام السماوات والأرض على انتظامهما في مخلتف العصور والأحوال يدل على أن لها إلهًا واحدًا غير متعدد. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ١-٣] .
ثالثًا: دليل الفرض والتسليم:
وهذا النوع من الاستدلال يقوم على التسليم بدعوى الخصم تسليمًا جدليًا، -ولو كانت دعوه مستحيلة- ثم يستدل على إبطال الدعوى بالنتائج الخاطئة المتناقضة التي تترتب على هذه الدعوى، يقول تعالى:
стр. 144
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٢] .
فالحقيقة أن لا إله مع الله، ولم يتخذ الله ولدًا، ولكننا لو سلمنا جدلًا بهذا الافتراض الخاطئ فما هي النتائج التي تترتب على ذلك: يترتب على ذلك استعلاء بعضهم على بعض، فلا ينتظم أمر الكون ولا ينفذ فيه حكم ولا تتحقق مصلحة، وبالتالي في ذلك اختلال نظام المخلوقات واستحالة استمراره.
والواقع المشاهد خلاف ذلك، فدل هذا الواقع على أن تعدد الآلهة محال لما يلزم عليه من المحال. كما أن افتراض وجود آلهة متعددة يؤدي إلى استعلاء بعضهم على بعض، ومنع كل منهم غيره من التدخل في شئونه وهو محال مصادم لما تستلزمه صفات الكمال المطلق للإله المعبود بحق.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٢-٤٤] .
ملحوظة: الفرق بين دليل التمانع في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وبين دليل الفرض والتسليم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ .
أن الأول: يستلزم اختلال أحوال المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة.
أما الثاني: فيستلزم النقص في ذات الإله وهو محال لأن الإلهية تقتضي الكمال المطلق١.
стр. 145
خامسًا: أدلة التوحيد من خلال إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن صفات النقص
إن الكمالات كلها ثابتة لله وبما أن أنواع الكمالات لا يمكن أن يدركها البشر، فقد بينها الله في كتابه العزيز من خلال ذكر الصفات الجليلة، لذا كانت هذه الصفات توقيفية لا يستطيع الإنسان أن يضع له صفة من عنده لأنها قد تكون صفة نقص من حيث يريد الإنسان تقديس الله ، وذلك لأن الإنسان المحدود العقل المتأثر بما حوله من مفاهيم، وتصورات وخيالات، لا يستطيع أن يحيط علمًا بصفات الكمال للخالق غير المحدود : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١. ويقول ابن القيم في "مدارج السالكين": حمد الله نفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال حمديته وغناه وملكه، وتعبيد كل شيء له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] .
وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكًا له، لو عدمها لكان كل وجود أكمل منه لأن الموجود أكمل من المعدوم، ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا كان متضمنًا ثبوت كمال.