لكن القرشية -باعتراف من جميع القبائل وبطواعية واختيار من مختلف لهجاتها- كانت أغزرها مادة، وأرقها أسلوبا, وأغناها ثروة، وأقدرها على التعبير الجميل الدقيق الأنيق في أفانين القول المختلفة١, فاصطنعت وحدها في الكتابة والتأليف والشعر والخطابة، حتى كان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته ويتجنب صفاتها الخاصة في بناء الكلمة وتركيب الجملة والنطق بالأحرف, ليتحدث إلى الناس بلغة ألفوها، وتواضعوا عليها بعد أن أسهمت عوامل كثيرة في صقلها وتهذيبها٢.
لقد صادف الإسلام إذن -حين ظهوره- لغة مثالية مصطفاة جديرة أن تكون أداة التعبير عند خاصة العرب لا عامتهم، فزاد من شمول تلك الوحدة وقوى من أثرها بنزول قرآنه بلسان عربي مبين هو ذلك اللسان المثالي المصطفى.
بيد أن هذه الوحدة اللغوية التي صادفها الإسلام حين ظهوره, وقواها قرآنه بعد نزوله، لا تنفي ظاهرة تعدد اللهجات قبل الإسلام وبقاءها بعده، بل من المؤكد أن عامة العرب لم يكونوا إذا عادوا إلى أقاليمهم يتحدثون بتلك اللغة المثالية الموحدة، وإنما يعبرون بلهجاتهم الخاصة، وتظهر على تعابيرهم صفات لهجاتهم, وخصائص ألحانهم٣. قال ابن هشام: "كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن ههنا كثرت الروايات في بعض الأبيات"٤.
وبإزاء هذه الظاهرة التي لا يمكن دفعها، اكتفى القرآن بتحدي خاصة العرب وبلغائهم أن يأتوا بمثله أو بآية من مثله تثبيتا للوحدة اللغوية, بينما لجأ إلى التوسعة في القراءات، ومراعاة اللهجات، في أحرفه القرآنية السبعة التي خفف بها على العامة، ولم يكلفهم النطق بغير اللهجة التي تجري
стр. 107
بها ألسنتهم في يسر وسهولة"١: وذلك ما لاحظه ابن الجوزي حين قال: "وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفا لها, وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق". ويفسر ذلك بقوله: "وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين والنبي ﷺ بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم, عربيهم وعجميهم، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم: لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر. بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج٢".
وأهمية هذا الوجه الآخير -أعني اختلاف اللهجات- جعلت بعض العلماء يحصرون الأحرف السبعة في أنواع اللهجات، بينما أغفل آخرون ذكر هذا الوجه إغفالا تامًا، لأنه -على حد قول ابن قتيبة: "ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى، لأنه هذه الصفات المتنوعة في أدائه، لا تخرجه عن أن يكون واحدًا"٣. وفي كلا الرأيين مغالاة، فالأوجه الستة السابقة على جانب من الأهمية لا يسمح بإسقاطها والاكتفاء بالوجه السابع. كما أن اختلاف اللهجات في أداء بعض الأصوات أمر واقع بين الصحابة، بل لعله كان أشد أنواع الاختلاف دورانًا على الألسنة. فلا يجوز إغفاله والاكتفاء بأوجه أخرى لا تستقرى بها مختلف ضروب الأداء. وهذا النقص في استقراء الأقدمين للأوجه السبعة قد حملنا على أن نسلك في طريقة استقرائنا لها سبيلا مخالفة لهم جميعا، فلم نختر مذهب أبي الفضل الرازي٤ الذي فضله الزرقاني في "مناهله" على مذهب ابن قتيبة وأبي الخير بن الجزري والقاضي أبي بكر بن الطيب
стр. 108
الباقلاني١، كما لم تختر مذهب واحد من هؤلاء. أما الرازي فلأنه لم يعرض قط في كتابه "اللوائح" إلى وجه الاختلاف في الحروف, نحو "يعلمون وتعلمون" مع أنه لا يندرج تحت واحد من الأوجه الستة الباقية التي ذكرها، ثم إنه جعل اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر وجها خاصا قائما برأسه, مع أنه يندرج تحت وجه الاختلاف في الإعراب. وأما الثلاثة الآخرون فحسبنا لكيلا نسلم بمذاهبهم أنهم جميعا أغفلوا وجه الاختلاف في اللهجات عمليا، وإن دافع عنه بعضهم نظريا.
ونحن حين نقول: إن الأوجه السبعة التي استقرأناها، تستقصي كل اختلاف في أداء القرآن، لا نعني وجوب التزام هذه الأوجه السبعة في الكلمة الواحدة، فقد يكون في كل كلمة على حدة وجهان أو أكثر، وقد يكون فيها وجه واحد فقط، وإنما نقصد أن هذه الأوجه السبعة ترد الاختلافات إلى أحد وجوهها المناسبة حين يتحقق وجود الاختلاف٢.
وإذا كنا نحن قد استطعنا حصر أوجه الاختلاف في سبعة، فقد وقع لنا ذلك اتفاقًا، بعد أن جمعنا آراء الأقدمين ووفقنا بينها، وأما الصحابة الكرام الذين نزل القرآن بأحرفه السبعة ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، يقرؤهم بها, وينبههم إليها، فكان أكثرهم يومئذ أميين لا يقرءون ولا يكتبون، وما كان يتاح لهم أن يحددوا المراد من الأحرف السبعة، وإنما كانوا يعرفون أن أوجه الخلاف لا تخرج عن سبعة في جميع مفردات القرآن, وقد اجتمعت عمليا من مختلف قراءاتهم التي أقرهم عليها الرسول ﷺ وانتهى العلم بها إلينا أحرف القرآن السبعة التي لم نعرفها نحن إلا بطريق الاستنباط والاستقراء.
стр. 109
الباب الثالث: علوم القرآن
الفصل الأول: لمحة تاريخية عن علوم القرآن
كان الصحابة عربا خلصا يتذوقون الأساليب الرفيعة، ويفهمون ما ينزل على رسول الله ﷺ من الآيات البينات، فإذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن سألوا عنه النبي ﵊ "كسؤالهم١ لما نزل ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٢ فقالوا: أينالم يظلم نفسه! ففسره النبي ﷺ بالشرك، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ أما رسول الله ﷺ فقط آتاه الله الكتاب وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، فلم تكن الحاجة ماسة إلى وضع تآليف في علوم القرآن في عهد الرسول والصحابة٤.
стр. 110
وكان أكثر الصحابة أمين, ولم تكن أدوات الكتابة متسيرة لديهم، فكان ذلك حائلا أيضا دون التأليف في هذا العلم. زد على ذلك أن رسول الله ﷺ نفسه قد نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن, وقال لهم أول العهد بنزول الوحي: "لا تكتبوا عني, ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وحدثوا عني ولا حرج. ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ١ وكان ذلك مخافة أن يختلط القرآن بما ليس منه.
ولقد ظلت علوم القرآن تروى بالتلقين والمشافهة عل عهد رسول الله ﷺ ثم على عهد الشيخين أبي بكر وعمر. وفي خلافة عثمان بدأ اختلاط العرب بالأعاجم، وأمر عثمان أن يجتمعوا على مصحف إمام وأن تنسخ منه مصاحف للأمصار, وأن يحرق الناس كل ما عداها، وقد رأينا تفصيل ذلك والأسباب الداعية إليه.
ويعنينا الآن أن عثمان بنسخ المصاحف قد وضع الأساس لما سمي فيما بعد "بعلم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني".
وقد اشتهر أيضا أن عليا ﵁ أمر أبا الأسود الدؤلي٢ "المتوفى سنة ٦٩" بوضع بعض القواعد للمحافظة على سلامة اللغة العربية. فكان علي بذلك واضع الأساس لعلم إعراب القرآن.
وفي وسعنا أن نقول: إن الممهدين لهذا العلم هم:
١- الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير٣ من الصحابة.
٢ - مجاهد وعطاء بن يسار وعكرمة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم في المدينة من التابعين.
стр. 111
٣- مالك بن أنس من أتباع التابعين, وقد أخذ عن زيد بن أسلم.
هؤلاء هم الواضعون لما نسميه علم التفسير، وعلم أسباب النزول, وعلم المكي والمدني، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم القرآن.
وفي عصر التدوين كان التفسير قبل كل شيء، لأنه أهم العلوم القرآنية. وممن اشتغلوا فيه وصنفوا:
من علماء القرن الثاني: شعبة بن الحجاج١، وسفيان بن عيينة٢، ووكيع بن الجراح٣. وكانت تفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين. ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ. وتفسيره هو أجل التفاسير، لما اشتمل عليه من روايات صحيحة محررة وإعراب واستنابط وآراء قيمة.
ونشأ التفسير بالرأي إلى جانب التفسير بالمأثور، وفسر القرآن كله وجزء منه وسورة وأحيانا آية وآيات خاصة كآيات الأحكام.
أما علوم القرآن الأخرى فقد ألف:
في القرن الثالث: علي بن المديني ٤ شيخ البخاري في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ, وفي القراءات وفضائل القرآن، ومحمد بن أيوب الضريس "ت٢٩٤" فيما نزل بمكة وما نزل
стр. 112
بالمدينة١، ومحمد بن خلف بن المرزبان "ت٣٠٩": "الحاوي في علوم القرآن"٢.
وفي القرن الرابع: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري "ت٣٢٨" "عجائب علوم القرآن" تكلم فيه على فضائل القرآن, ونزوله على سبعة أحرف.
وكتابة المصاحف، وعدد السور والآيات والكلمات٣، وأبو الحسن الأشعري "المختزن في علوم القرآن" وهو عظيم جدا٤، وأبو بكر السجستاني٥ في غريب القرآن، وأبو محمد القصاب محمد بن علي الكرخي "ت نحو ٣٦٠" "نكت القرآن الدالة على البيان، في أنواع العلوم والأحكام المنبئة عن اختلاف الأنام"٦، ومحمد بن علي الأدفوي "ت٣٨٨"، "الاستغناء٧ في علوم القرآن"، في عشرين مجلدا.
وفي القرن الخامس: علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي٨ "البرهان في علوم القرآن", و"إعراب القرآن".
وأبو عمر الداني "ت٤٤٤" "التيسير في القراءات السبع" و"المحكم في النقط".
وفي القرن السادس: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسهيلي٩ في
стр. 113
مبهمات القرآن
وفي القرن السابع ابن عبد السلام١ في مجاز القرآن.
وعلم الدين السخاوي٢ في القراءات.
ثم نشأت علوم جديدة في القرآن: بدائع القرآن٣، حجج القرآن٤، أقسام القرآن٥، أمثال القرآن٦.
وكانت طريقتهم استقصاء جزئيات القرآن: لذلك وجب اختصار تلك العلوم في علم جديد موحد سموه "علوم القرآن".
وفي تاريخ الشافعي ﵁ في محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن, سيق مكبلا بالحديد إلى الرشيد في بغداد, فسأله الرشيد: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله ؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به. فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله
стр. 114
قد أنزل كتبا كثيرة، قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد ﷺ . فقال الشافعي، إن علوم القرآن كثيرة, فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه؟ أو عن تقديمه وتأخيره؟ أو عن ناسخه ومنسوخ؟ أو عن أو عن١ ...
ويرى بعض الباحثين٢ أن اصطلاح "علوم القرآن" - بالمعنى الجامع الشامل- ولم يبدأ ظهوره إلا بكتاب "البرهان في علوم القرآن" لعلي بن إبراهيم بن سعيد المشهور بالحوفي "ت٤٣٠". ويقع في ٣٠مجلدا، حفظ منها ١٥ غير مرتبة ولا متعاقبة في نسخة مخطوطة في دار الكتب بالقاهرة برقم ٥٩ تفسير. فقد اشتمل هذا الكتاب على بعض علوم القرآن مع أنه في الظاهر تفسير, ففيه يقول صاحب كشف الظنون: "ذكر فيه الغريب والإعراب والتفسير". وكلننا نبهنا آنفا إلى ظهور كتب عالجت الدراسات القرآنية باسمها الصريح "علوم القرآن"، وكان أسبقها في نظرنا كتاب ابن المرزبان في القرن الثالث.
وفي القرن السادس ألف ابن الجوزي "ت٥٩٧" كتابين: أحدهما "فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن"٣ والثاني "المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن" وهما مخطوطان في دار الكتب بالقاهرة.
وفي القرن السابع صنف علم الدين السخاوي "ت٦٤٣" كتابه "جمال القراء وكمال الإقراء"٤ وأبو شامة "ت٦٦٥" "المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز".
стр. 115
وفي القرن الثامن ألف بدر الدين الزركشي "ت٧٩٤"١ "البرهان في علوم القرآن". وقد نشره الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم وبذل في تحقيقه جهدًا مشكورًا.
وفي القرن التاسع كثر التأليف، فصنف جلال الدين البلقيني٢ كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم"٣ وصنف محمد بن سليمان الكافيجي "ت٨٧٩"٤ كتابا ذكره السيوطي، ونقل عن مؤلفه أنه قال فيه: "ولم يسبق إليه"٥، ولكننا لا نعرف اسم هذا الكتاب. ثم ألف السيوطي "ت٩١١" كتابه "التحبير في علوم التفسير" وأتبعه "بالإتقان في علوم القرآن"٦.
وفي القرن الأخير أقبل كثير من العلماء على تصنيف الكتب حول القرآن وتاريخه وعلومه، فألف الشيخ طاهر الجزائري "التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن" والشيخ محمد جمال الدين القاسمي "محاسن التأويل" والشيخ محمد
стр. 116
عبد العظيم الزرقاني "مناهل العرفان في علوم القرآن" والشيخ محمد علي سلامة "منهج الفرقان في علوم القرآن" والشيخ طنطاوي جوهري، "الجواهر في تفسير القرآن الكريم" وأديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي "إعجاز القرآن" والأستاذ سيد قطب "التصوير الفني في القرآن" و"في ظلال القرآن"، والأستاذ مالك بن نبي "الظاهرة القرآنية" وهو بحث قيم جدا في مسألة الوحي, والسيد الإمام محمد رشيد رضا, "تفسير القرآن الحكيم" وفيه مباحث كثيرة في علوم القرآن, وأخيرًا الدكتور محمد عبد الله دراز "النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن"١.
стр. 117
الفصل الثاني: علم أسباب النزول
قد جعل الله لكل شيء سببا كما جعل لكي شيء قدرًا، فما يبصر مولود نور الحياة إلا بعد أسباب وأطوار، ولا يقع حدث في الوجود إلا إثر مقدمات وإرهاصات، ولا تتغير الأنفس والآفاق إلا عقب سلسلة من التمهيد والإعداد: "سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا! ".
ولا شيء كالتاريخ يشهد بصدق هذه السنة وانطباقها على وقائع الحياة: فما يسع مؤرخا ثاقب النظر دقيق الاستنتاج أن يجهل أسباب الحوادث ودوافعها إن أراد الوصول إلى الحقائق التاريخية الثابتة من خلال الوثائق والنصوص.
لكن التاريخ لا ينفرد وحده بالحاجة إلى استنباط النتائج من خلال المقدمات، واستبطان الحقائق من مضمون الأسباب, بل العلوم الطبيعية والدراسات الاجتماعية والفنون الأدبية تشارك التاريخ كذلك في تطلعها إلى معرفة الأسباب والمسببات، واستشرافها إلى العلم بالمبادئ والغايات.
ولسنا بسبيل الموازنة بين ضروب المعرفة هذه لنكتشف مقدار احتياج كل منها إلى دراسة أسباب الأشياء، وإنما يعنينا منها التنبيه إلى أمسها صلة ببحثنا الديني، وأقربها شبها به ورحما: وهو الفن الأدبي الذي يعول فيه على النص الجميل متلوا مسموعا، أو مقروءا منظورا, فعلى صعيد هذا الفن الأدبي ما نكاد نفهم نصا ما فهما سديدا، أو نتذوقه تذوقا سليما، إلا إذا مهدنا بين يدي دراسته بإزاحة النقاب عن الظروف النفسية والاجتماعية التي دفعت الأديب إلى التفكير فيه، ثم حملته على اختيار ألفاظه وابتداع معانيه.
стр. 118
ولقد يعتز دارس الأدب بثروته اللغوية وحفظه الشواهد الكثيرة من لسان العرب، ويفتخر بتمرسه بالدراسة الأدبية وتذوقه أساليب البلغاء, حتى إذا عرضت عليه قصيدة من عيون الشعر ليحدد الغرض الذي قيلت فيه، والجو الذي نظمت خلاله، تلعثم وتردد، ثم كبا وتعثر، فزعم أن القصيدة مديح وهي هجاء، أو غزل وهي عتاب, أو دعوة إلى السلم مع أنها تحريض على القتال, أو بها نفس ملحمي وإن أبياتها لتبشر بالسلام.
يقرأ الدارس المتذوق مثلا قول سعد بن مالك:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في الـ ... ـنجدات والفرس الوقاح١
فيؤنس في ألفاظ المقطعة يسرا وسهولة, فليس فيها ما يحفزه إلى استفتاء معجم، وإنه ليكاد يستعجل شرح الأبيات وتحليلها إذ يلفت نظره في أولها لفظ "أراهط" فيراه محتملا الرفع على الفاعلية, أو النصب على المفعولية, فهل الأراهط وضعوا الحرب واعتزلوها وآثروا السلامة بعيدا عن ساحات القتال؟ أم الحرب وضعت أولائك الأراهط، وحطتهم، وأذلتهم، حتى استسلموا للعدو وركنوا إلى الدعة والسكون؟ وهل في مطلع المقطعة إذن تأريث لنار الحرب وتهكم بالذين قعدوا عنها وجانبوها؟ فيا بؤس لها، ويا حسرة فيها على القاعدين؟! أفي مطلعها تقبيح للحرب التي تذل الكبرياء، وتخفض الهام؟ فيا بؤسها ما أشده! ويا لسعيرها ما أنكاه! وما أجدرها أن يستبدل بها السلام!.
إن حيرة الدارس لا تطول إذا استطاع أن يتقصى الظروف التي نظم فيها سعد بن مالك "حماسيته" هذه، فلسوف يرى في غضون الروايات والأخبار أن سعدا "يعرض هنا بالحارث بن عباد الذي عرف باعتزال الحرب
стр. 119
ومجانبتها"١، كأنه يدعو خلالها إلى إشعال الحرب وتأريث نارها حتى لا يقيم أحد من الفرسان على الخسف٢ والهوان.
ولئن كانت معرفة جو القصيدة والظروف التي نظمت خلالها تعين على الفهم السديد، وتسعف بالذوق السليم، وتواكب الشرح الأدبي جنبا إلى جنب، لتكونن معرفة قصة الآية والأسباب التي اقتضت نزولها أعون على دقة الفهم، وأدنى إلى استلهام أرجح التأويل وأصح التفسير.
ذلك بأننا من القرآن -إذا أردنا تدبره حقا- تلقاء شيء أسمى من "علم التفسير": فما تحل أقوال المفسرين كل عقدة, وما تزيح كل شبهة, ولا تفصل كل إجمال.
ونحن من القرآن أيضا إزاء شيء فوق اللغة وقواعدها وآدابها، فإن ظلال التعبير في القرآن، وإيحاءات المفردات في آياته، وألوان التصاوير في قصصه ولوحاته، لترتبط أوثق الارتباط بالوقائع الحية، والأحداث النواطق، والمشاهد الشواخص، كأن أبطالها ما انفكوا على مسرح الحياة يغدون ويروحون، فأنى للشروح اللغوية الجامدة والاصطلاحات البلاغية الجافة أن تستطلع في الوقائع يقين أخبارها، أو تستبطن من الأحداث خفي أسرارها، وهي أعيا من أن ترجع في الآذان أصداءها الحلوة العذاب؟
ونحن من القرآن -آخر الأمر- أمام شيء فوق التاريخ نفسه، فإن وقفنا على سبب النزول التاريخي لم نكن قد تقصينا كل شيء، فما أكذب التاريخ وما أكذب المؤرخين على لسانه! وكأي في التاريخ من فجوات ينبغي أن تملأ وثغرات لا بد أن تسد أما أسباب النزول -من وجهة النظر الدينية- فليس لنا فيها إلا أن نستوحي الواقع لا صورته, والإنسان لا شبيهه، والحق لا صداه، فهل من عجب إذا حرم العلماء المحققون الإقدام على تفسير الكتاب
стр. 120
الله لمن جهل أسباب النزول؟ ١ وهل بالغ الواحدي٢ حين قال: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها! "٣.
وإن التعبير عن سبب النزول بـ"القصة" لينم عن ذوق رفيع، ويكاد يشي هنا بالغاية الفنية إلى جانب الغرض الديني النبيل: فما سبب النزول إلا قصة تستمد من الواقع عرضها وحلها، وعقدتها وحبكتها، وأشخاصها وأحداثها، وتجعل آيات القرآن تتلى في كل زمان ومكان بشغف وولوع، وتطرد السآمة عن جميع القارئين بما توالي عرضه من حكايات أمثالهم وأقاصيص أسلافهم، كأنها حكاياتهم هم إذ يرتلون آيات الله، أو أقاصيصهم هم ساعة يطربون لألحان السماء!.
ومن أجل هذا كان جهل الناس بأسباب النزول كثيرًا ما يوقعهم في اللبس والإبهام, فيفهمون الآيات على غير وجهها، ولا يصيبون الحكمة الإلهية من تنزيلها، كما حدث لمروان بن الحكم حين توهم أن قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٤ وعيد للمؤمنين، فقال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون! فقال ابن عباس: وما لكم ولهذه! إنما دعا النبي ﷺ يهود، فسألهم عن شيء فتكموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه
стр. 121
بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ١ فلم يزل الإشكال إلا بمعرفة سبب النزول.
ولولا بيان سبب النزول لظل الناس إلى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور أخذا بظاهر قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ٢ فقد حكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معديكرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بهذه الآية، وخفي عليهما سبب نزولها، فإنه يمنع من ذلك، وهو ما قاله الحسن وغيره: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم، وقد أخبرنا الله أنها رجس! فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ٣.
ولولا بيان أسباب النزول لأباح الناس لأنفسهم التوجه في الصلاة إلى الناحية التي يرغبون، عملا بالمتبادر من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤. ولكن الذي يطلع على سبب نزول الآية يستنتج أنها عالجت حال نفر من المؤمنين صلوا مع النبي ﵊ في ليلة مظلمة فلم يدروا كيف القبلة، فصلى كل رجل منهم على حاله"٥ تبعا لاجتهاده، فلم يضع الله لأحد منهم عمله، وأثابه الرضى عن صلاته ولو لم يتجه إلى الكعبة، لأنه لم يكن له إلى معرفة القبلة سبيل في ظلام الليل البهيم!.
стр. 122
وإذ كان بحثنا عن أسباب النزول خاصة، فإننا لن نعرض لما أنزله الله ابتداء غير مبني على سبب من سؤال أو حادثة، كأكثر الآيات المشتملة على قصص الأمم الغابرة مع أنبيائها، أو وصف بعض الوقائع الماضية أو الأخبارية الغيبية المستقبلة، أو تصوير قيام الساعة أو مشاهد القيامة أو أحوال النعيم والعذاب، وهي في القرآن كثيرة أنزلها الله لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم، وجعلها مرتبطة بالسياق القرآني سابقة ولاحقة، من غير أن تكون إجابة عن سؤال أو بيانا لحكم شيء وقع. قال السيوطي: "والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك ذكره في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب النزول كما لا يخفى"١.
فبحثنا إذن ينحصر في معرفة "ما نزلت الآية أو الآيات بسببه متضمنة له أو مجيبة عنه أو مبينة لحكمه زمن وقوعه"، وهو ما عبرنا عنه بـ"سبب النزول".
وهذا التعريف الذي اصطلحنا عليه يستلزم قسمة ثنائية لآيات القرآن، لبعضها علاقة بأسباب النزول، وليس لبعضها الآخر أية علاقة بهذه الأسباب, فما نقل عن علي وابن مسعود وغيرهما من علماء الصحابة من أنه "لم تنزل آية إلا علم أحدهم فيما نزلت، وفيمن نزلت, وأين نزلت"٢ ينبغي ألا تؤخذ بمعناه الحرفي حتى ولو أقسم أحدهم على هذا٣، فإما أنهم يريدون به -على
стр. 123
طريقة العرب في المبالغة- تأكيد عنايتهم بهذا الكتاب الكريم، وتتبعهم كل أمر يتصل به، وإما أنهم يحسنون الظن بما سمعوه وشهدوه في عهد الرسول الكريم، ويودون لو أخذ الناس عنهم كل ما يعرفون حتى لا يذهب العلم بذهابهم وإن كان محتملا عقلا أن يكون أحدهم فاته أن يعرف بنفسه معرفة شخصية سبب نزول آية ما، ولم يتيسر له أن يعرفها إلا من صحابي آخر، لكنه عد معرفته لها -ولو بالواسطة- علما بها كعلمه بكل ما سمعه بأذنه مباشرة من غير وسيط، وإما أن الرواة تزيدوا في نقل هذا عنهم وعزوه إليهم، فإن في عبارتهم نفسها ضربا من التفاخر بالعلم يصعب علينا تصديق صدوره عنهم وهم الذين ضربت الأمثال بتواضعهم الجم وأدبهم الرفيع في الورع والإحجام عن التفيا في الدين.
هذا، وقد عرفنا الصحابة منصرفين إلى تلقي القرآن, مشغولين بجمعه في الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جل أوقاتهم، كما يملك عليهم كل مشاعرهم, وكان الوحي ينزل على نبيهم في كل لحظة أو يمكن على الأقل أن ينزل في أي لحظة بالآية والآيات بعد الواقعة أو الواقعات، فأنى لأولئك الصحابة الوقت لمتابعة سبب كل آية! وكيف يتيسر للواحد منهم أن يشهد بنفسه نزول كل آية، وأن يكون دائما في المكان أو الزمان اللذين نزلت في نطاقهما الآيات! وإذا اندفع بعضهم إلى حفظ كل ما سمعه أو تقييده، فهل يجب أن يكون كل ما حفظه وعلمه متناولا كل ما يجب أن يحفظ أو يعلم من أسباب النزول؟ ١.
إن المنطق السليم ليحكم بأن أحدهم إنما كان يتكلم على معرفته الدقيقة بما تيسر له سماعه بنفسه, ولكننا لا نستبعد أن يكون هو نفسه جاهلا بعض هاتيك الأسباب، مثلما لا نستبعد أن يكون العلماء بالقرآن قد جهلوا الكثير
стр. 124
من هذه الأسباب، وأنه كلما امتد بالناس الزمان ازداد جهلهم بها لبعدهم عن الينبوع الصافي النمير، لذلك كان علماء السلف الصالح يتشددون كثيرا في الروايات المتعلقة بأسباب النزول، وكان تشددهم يتناول أشخاص رواتها وأسانيدها ومتونها. فأما الأشخاص فما كان أشد ورعهم إذ يستفتون في أسباب النزول! هذا محمد بن سرين١ يقول: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: "اتق الله وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن"٢. ولكن هذا الورع لم يكن ليمنعهم من قبول أخبار الصحابة في مثل هذه الموضوعات، وحجتهم في هذا لا تقبل الجدل، فهم يرون "أن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، بل عمدته لنقل والسماع، محمول على سماعه من النبي ﷺ ، لأنه يبعد جدا أن يقول ذلك من تلقاء نفسه"٣. ولذلك قرر ابن الصلاح والحاكم وغيرهما في علوم الحديث أن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل إذا أخبر عن آية أنها أنزلت في كذا فإنه حديث مسند، له حكم المرفوع٤.
وليس من الرواية الصحيحة في هذا المجال قول التابعي إلا إذا اعتضد بمرسل آخر رواه أحد أئمة التفسير الذين ثبت أخذهم عن الصحابة كعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب والضحاك٥.
стр. 125
وبقبول خبر الصحابي الذي شهد التنزيل، والتابعي الذي أخذ عنه الصحابي، فهم أن الغرض من اشتراط صحة الرواية التحقق من وقوع المشاهدة أو السماع للحادثة أو السؤال الذي كان سبب نزول شيء من القرآن.
ولعل التحقق من هذه الوقائع جميعا هو الذي حمل العلماء على أن يحصروا الوسيلة لمعرفة سبب النزول في الرواية الصحيحة، مستبعدين فيها كل محاولة شخصية لإبداء الرأي أو الاجتهاد في مثل هذا الموضوع. وإلى هذا أشار الواحدي بقوله: "ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب, وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب"١. ثم عرض الواحدي بعد ذلك صورة من تحرج السلف الصالح في القول بأسباب النزول مخافة الكذب على القرآن بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثم أخذ على العلماء في زمانه تساهلهم في رواية هذه الأسباب، كأنهم لا يلقون بالا إلى الوعيد الذي أنذر الله به كل من افترى على الله كذبا، فقال مستاء متألما: "وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئا، ويختلق إفكا وكذبا, ملقيًا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية"٢!
ولكيلا نسلك في عداد أولئك المخترعين في الدين، الخائضين في الإفك المبين، نعترف -كما ندعو علماء عصرنا- إلى الاعتراف بأننا جميعا مهما نجد في طلاب الروايات الصحيحة التي توصلنا إلى أسباب نزول الكتاب، لن يكون في وسعنا أن نجمع الآيات كافة التي وقع نزولها بعد أسئلة أو أسباب, فذلك يلجئنا إلى وضع تصانيف كثيرة تحيط بهذه المعلومات الدقيقة الواسعة بعد تمحيص كل ما ورد فيها من متون وأسانيد.
ولقد تعرضت تصانيف القدامى أنفسهم في أسباب النزول للنقد الشديد، رغم ما اتسم به مؤلفوها من الورع البالغ والحذر العلمي الأمين، فلن يكون نقد ما نقوله اليوم إلا أشد وأقسى، ولن يكون المأخذ علينا إلا أمرَّ وأنكى!
стр. 126
وحسبك أن السيوطي-بعد أن ذكر الذين أفردوا هذا العلم بالتصنيف١- ما لبث أن عرض بما في كتاب "الواحدي" من "إعواز"٢، ثم عرض باختصار الجعبري٣ لهذا الكتاب و"حذفه أسانيده من غير أن يزيد عليه شيئا"، وأخبر بعد ذلك بأن شيخ الإسلام أبا الفضل بن حجر٤ ألف في أسباب النزول "كتابا مات عنه مسودة، فلم يتيسر للسيوطي أن يقف عليه كاملا" ومع أن عبارته تشي بأنه وقف على شيء منه أو على المسودة كلها التي مات أبو الفضل عنها لم يشر قط إلى إعجابه بصنيعه ورضاه عنه، بل أوشك أن يكون إلى نقده أقرب حين جعل صنيعه وصنائع السابقين كلهم في كفة، وصنيعه هو -أعني السيوطي- في كفة أخرى في "كتابه الحافل الموجز المحرر الذي لم يؤلف مثله في هذا النوع"، وهو المسمى "لباب النقول, في أسباب النزول! "٥.
وربما لم يكن لافتخار السيوطي بكتابه كبير قيمة في نظرنا، فقد ألفنا في الأعصر المتأخرة هذه النغمة المزهوة الفخور تتردد في مواطن شتى من كتب أولئك العلماء الجماعين، وألفنا بصورة خاصة هذه النغمة غير المحببة في كتب
стр. 127
السيوطي نفسه ﵀ وغفر له، ولكن يعنينا من لهجة الفخر هذه ما توحي به من إعواز الكتب القديمة حقا، فلولا نقص فيها حال دون وفائها بهذا العلم العظيم لما آنس السيوطي وغيره جراءة على رميها بالضعف والإعواز.
وليت ذلك الإعواز كان موطن الضعف الوحيد في هاتيك التصانيف: إنها لتعج حتى بالأخطاء التاريخية, والمغالطات المنطقية، والمبالغات العجيبة، والغرائب النادرة!
يقرأ الواحدي مثلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، فلا يستنتج منه أنه وعيد عام مطلق للذين يستهينون بالمعابد، ويعطلون الشعائر، وينتهكون الحرمات، ويسعون في خراب بيوت الله، بل يقع في خطأ تاريخي فاحش لو كان متعلقا بشخصه هو لهان أمره, ولكنه يحمله حملا على نص في كتاب الله، وما كان له ولا لغيره أن يحملوا على القرآن خطأ من أخطائهم: فمن عجب أن الواحدي لم يتحرج هنا من أن يذكر رأي قتادة الذي قال: إن الآية نزلت في بختنصر البابلي وأصحابه, فقد غزوا اليهود، وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من الروم٢، فيذكر اتحاد النصارى مع بختنصر على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر هذا وقعت قبل ميلاد المسيح بستمائة وثلاث وثلاثين سنة٣.
ويغتفر للواحدي هذا الخطأ لأمرين: أما أحدهما فهو أنه لم يكن معدودًا بين المؤرخين, وأما الآخر فهو أنه لم يختر رأي قتادة بل اكتفى بذكره من غير تعليق عليه كأنه لا يرى فيه بأسًا، وإن كان قد ذكر قبله تأويلا وبعده
стр. 128
تفسيرا، وجاء كلا الأمرين الآخرين محتملا، ففي التأويل الأول قول ابن عباس من رواية الكلبي: "نزلت الآية في طيطوس١ الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوارة, وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف" ولا مانع من هذا التأويل في نظر المؤرخين لأن دخول طيطوس بيت المقدس وتخريبها وقع بعد المسيح بسبعين سنة. وفي التفسير الآخير قول ابن عباس أيضا ولكن من رواية عطاء٢: "نزلت في مشركي أهل مكة، ومنعهم المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام"، وابن عباس يشير بهذا إلى قصة عمرة الحديبية، وربما بدا هذا التأويل للوهلة الأولى أقرب إلى السياق القرآني والتاريخي، أو ربما بدا على الأقل أكثر احتمالا من حادثة طيطوس, إذ طال على هذه الأمد فلا مناسبة لأن تكون هي المقصودة بالآية، ولكن يعترض على هذا التأويل بأن مشركي العرب عمروا المسجد الحرام في جاهليتهم، وعدوه مناط عزهم وفخرهم، وما سعوا في خرابه قط، فلا تقصدهم الآية إلا في ناحية واحدة: وهي منعهم النبي وأصحابه من دخول مكة في عمرة الحديبية٣.
وحتى الخطأ الفاحش الذي ارتكبه الواحدي -جهلا بحوادث التاريخ- يمكن التماس العذر له فيه بحمل قوله على أدرينال الروماني الذي سماه اليهود "بختنصر الثاني" وقد جاء بعد المسيح بمائة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلا للمشتري على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول المدينة، وجعل جزاء من
стр. 129
يدخلها القتل١.
وإن التمسنا للواحدي مثل هذا العذر، فأي عذر لابن جرير الطبري المفسر المؤرخ الذي لم يكتف بذكر حادثة بختنصر كما فعل الواحدي، بل اختارها من بين طائفة من الأقوال كعادته، فصرح قائلا: "وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك, ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده"؟! ٢.
ما بال ابن جرير يرجح هذا القول ويختاره وهو المؤرخ الحجة الحافظ؟ ألنا على الصعيد العلمي أن نحمل قوله على بختنصر الثاني دفاعا عنه وتحيزا إليه أم نسلم بالخطأ التاريخي يقع به أكابر العلماء وأوثق الحافظين؟
ولو استعرضنا نظائر هذه الأخطاء التاريخية التي حملت حملا على أسباب النزول, وأنطقت القرآن بما لم ينطق، لطال بنا الاستعراض، وامتد بنا التجوال, وإنما ننتهزها فرصة لنضع أيدينا على السر الكامن وراء هذه الأخطاء، فهو في نظرنا ظن أكثر العلماء أن لا بد لكل آية من سبب نزول حتى في وقائع الأمم الماضية التي دفنت معها أسبابها ونتائجها, وطويت في رموسها مقدماتها وعواقبها، فإن كان لزاما التماس سبب نزول لها فليكن متعلقا بالأحياء على عهد الرسول الكريم، سواء أكانوا من المؤمنين أم من المشركين أم من أهل الكتاب.
فبدلا من أن يقال في الآية التي نحن فيها: إن سبب نزولها دخول بختنصر أو طيطوس بيت المقدس لتخريبه، تلقى نظرة فاحصة على السياق القرآني قبلها فيلاحظ أنه كان خطابا لأهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم وأنه بالضرورة
стр. 130
ما يبرح خطابا لهم ولأمثالهم, يستنكر كل حادثة تنتهك فيها حرمات المعابد سواء أوقعت في عهدهم أم في عهد أسلافهم، وسواء أصدرت عنهم أم عن غيرهم، وسواء أوقعت حقا أو سوف تقع أم يمكن أن تقع، فخطابهم بالآية لا يرمي إلى تعيين الأشخاص أو الأمكنة أو الأزمنة، وإنما يتناول وعيدا شديدا لكل من تحدثه نفسه بتخريب المعابد في أي زمان أو مكان!
وإيثار مثل هذا التأويل ينقذ المفسر من الخبط الأعمى في أسباب النزول، ويفرد في القرآن سورا وآيات نزلت ابتداء غير مبنية على سبب، وكان المنطق نفسه يقضي بأن تتنزل هكذا ابتداء من غير أسباب، أو كان المنطق يقضي بأن يكون لها سبب عام لا ينبغي أن يعد سببا حقيقيا: كقصة موسى التي تكررت في مواطن مختلفة من القرآن بصور شتى، فإنها نزلت ابتداء غير مبنية على أسباب، ومن أبي إلا أن يلتمس لها أسبابا ردها جميعا إلى سبب واحد عام هو تسلية النبي وتثبيت فؤاده في غمرة الشدائد التي كان يلقاها من قومه الجفاة العتاة، لكن الآيات التي صورت قصة موسى -وقد نزلت في غير زمن صاحبها- يقال: إنها نزلت لتسلية محمد لنزولها في زمانه، ولا يقال: إنها نزلت في موسى وقومه, لأنها تنزلت بعد إسدال الستار على تلك القصة بقرون وأجيال!.
فلا معنى للاعتراض إذن بمثل قصة يوسف التي ورد فيها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله, لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ، إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية١، لأن سبب نزول السورة كلها لا آياتها الأولى وحسب أمر صريح يتعلق بالصحابة السائلين أنفسهم، فقد كانوا متعطشين حقا إلى قصص قرآني يكون لهم فيه موعظة وعبرة، وقد رغبوا إلى رسول الله ﷺ رغبة لا لبس فيها في الاستماع
стр. 131
لأحسن القصص١، وما في ذلك مكان لعجب، كما لم يكن في سؤال اليهود عن ذي القرنين موضع لعجب، حتى قال قتادة: "إن اليهود سألو نبي الله ﷺ عن ذي القرنين، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ٢.
لذلك لم نتشدد في عبارتنا الموضحة للقسم القرآني الذي نزل ابتداء غير مبني على سبب، فلم نجعل هذا القسم شاملا كل الوقائع الماضية بل أكثرها، ولا شاملا كل القصص القرآني بل أغلبه، ولا شاملا حتى كل مشاهد القيامة وتصوير الجنة والنار بل جل هاتيك المشاهد والصور٣: فلا شيء يمنع أن يكون لبعض هذه النوازل أسباب، ولكن لا مفر للباحث من أن يسلم بقلة احتياجها إلى هذه الأسباب حين يوازن بينها وبين غيرها من القضايا التشريعية والتوجيهية في كل من الميدانين الفردي والاجتماعي، فما أقرب ما يفكر القارئ بسبب النزول إذا وقعت عينه على آية في أحكام العبادات, أو المعاملات، أو الحلال والحرام، أو الغزو والجهاد، أو الأحوال الشخصية, أو الحقوق المدنية, أو المعاهدات الدولية، فما يفهم شيء من هذا إلا إذا ارتبط بسبب نزوله التاريخي، وسلك في نطاقه النفسي أو الاجتماعي الذي كان سر مهبط الوحي فيه.
وإذا غضضنا النظر عن بعض هذا الخلط غير المقصود الناشئ من مبالغة المفسرين بإدراج الواقائع الماضية في أسباب النزول, واجهنا عقبات أخرى في صيغ الروايات المتعلقة بهذه الأسباب، فليست عبارة الراوي الصحيحة نصا في
стр. 132
بيان سبب النزول في جميع الأحوال، بل فيها النص الواضح, وفيها ما يحتمل السبب وسواه، فإذا صرح الراوي بلفظ السبب فقال: "سبب نزول هذه الآية كذا"، أو أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة نزول الآية بعد سرده حادثة ما أو ذكره سؤالا طرح على رسول الله ﷺ فقال: "حدث كذا أو سئل ﵊ عن كذا فنزلت آية كذا" فذلك نص واضح في السببية. وأما إذا اكتفى بقوله "نزلت هذه الآية في كذا" فإن العبارة تحتمل مع السببية شيئا آخر هو ما تضمنته الآية من الأحكام، قال الزركشي في "البرهان": "قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا" فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزوله. وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما في قول ابن عمر في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ . وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند، وكذلك مسلم وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال والتأويل, فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع"١, ولذلك لو قال راو: نزلت هذه الآية في كذا وقال آخر: نزلت في غير ذلك، فإن كان اللفظ يحتمل كلا القولين حمل عليهما، ولا تناقض في ذلك، وإلا تعين ما يدل عليه اللفظ ويساعد السياق على فهمه. وأما إذا قال أحد الراويين: "نزلت الآية في كذا" بهذا النص الصريح، فإن المعول عليه ما كان نصا، فهو أولى بالتقديم مما كان محتملا.
وقد تتعدد الروايات في سبب نازل واحد من القرآن، وتؤدي تلك الروايات بألفاظ صريحة في إفادة السببية، فللعلماء في مثل هذه الحال مقياس دقيق يرجحون به إحدى تلك الروايات أو يوفقون بينها توفيقا سائغا مقبولا.
فإن جاءت روايتان كلتاهما صحيحة, ولم نستطع ترجيح إحداهما جمعنا بينهما وحملنا الأمر على وقوع سببين نزلت الآية بعدهما معا. مثال ذلك ما
стр. 133
أخرجه الشيخان -واللفظ للبخاري- عن سهل بن سعد: أن عويمرا أتى عصام بن عدي، وكان سيد بني عجلان، فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك: فأتى عاصم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاءه عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلا, أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك"، فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها١.
وأخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية٢ قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك"! فقال: يا رسول الله، إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة٣؟؟! فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤. فتقارب الزمن بين الحادثين يجعل الجمع بينهما ميسورًا، فقد بدأ أحد هذين الصحابيين سؤال رسول الله ﷺ عن الموضوع، ثم قفاه الآخر قبل أن يجبيه ﵊، ثم أنزل الله آيات الملاعنة في سورة النور إجابة لكلا السائلين، وليس ببعيد -كما يقول الحافظ الخطيب- أن يكون قد "اتفق لهما ذلك في وقت واحد" وحمل الأمر على تعدد السبب هو الظاهر،
стр. 134
وهو أولى بالاعتبار، ولا مانع من تعدد الأسباب"، على حد تعبير ابن حجر١.
وإن كانت الروايتان صحيحتين، ولم نستطع ترجيح إحداهما ولا الجمع بينهما لتباعد الزمن بين أحداثهما، حملنا الأمر على تعدد نزول الآية.
مثال ذلك: ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال: "لأمثلن بسبعين منهم مكانك" فنزل جبريل -والنبي ﷺ واقف- بخواتم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، وهن ثلاث آيات٢.
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي بن كعب قال: "لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية٣.
لا يمكننا هنا الجمع بين الروايتين، لتباعد الزمن بين الحادثتين, فإحداهما متعلقة بغزوة أحد، والأخرى بفتح مكة، وبينهما بضع سنين, فلا بد لنا من القول بتعدد نزول الآيات، أول الأمر في غزوة أحد، وبعد ذلك عقب فتح مكة. ومن ذلك ما يرويه البخاري -واللفظ له- عن المسيب "لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي ﷺ : "أي عم قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال
стр. 135
النبي ﷺ ، "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وهذه الآية من سورة التوبة نزلت في المدينة آخر الأمر بالاتفاق, مع أن وفاة أبي طالب كانت في مكة٢, ومن ذلك سورة الإخلاص, فقد ورد أنها جواب للمشركين بمكة، وجواب لأهل الكتاب بالمدينة٣. ولا مانع من تعدد النزول. قال الزركشي في "البرهان": "وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا عند حدوث سبب خوف نسيانه، كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة، وأخرى بالمدينة"٤.
وإن كانت الروايتان صحيحتين، ويمكننا ترجيح إحداهما لأنها أصح من الأخرى, أو لأن راويها شهد الحادثة دون راوي الأخرى, فلا ريب أن سبب النزول يؤخذ من الراجحة الأصح.
مثال ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود, فقال بعضهم: لو سألتموه. فقالوا: حدثنا عن الروح. فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٥. وما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: "قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل.
стр. 136
فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية١.
هنا روايتان: إحداهما عن البخاري فهي صحيحة، والأخرى عن الترمذي وقد صححها أيضا، إلا أن صحيح البخاري يقدم لدى الجمهور على صحيح الترمذي, فالرواية الأولى أرجح من هذا الوجه، ثم إن ابن مسعود في هذه الرواية الراجحة قد حضر القصة وعاينها وما راء كمن سمع، وهذا وجه ثان في ترجيحها، بل هو الوجه الأقوى في الترجيح٢.
وإذا كنا نأخذ في بيان السببية بالرواية الأرجح الأصح، مع أن ثمة رواية أخرى صحيحة كذلك لكنها مرجوحة، فمن الطبيعي بعد ذلك أن ما صحت فيه إحدى الروايتين دون الأخرى لم يعول فيه إلا على الصحيحة. مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين, فأتته امرأة فقالت: يا محمد, ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنز الله: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٣. وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة، عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها، كانت خادم رسول الله ﷺ "إن جروا دخل بيت النبي ﷺ ، فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة، ما حدث في بيت رسول الله ﷺ ؟ جبريل لا يأتيني! فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو فجاء النبي ﷺ ترتعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ وإلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ . ورائحة الوضع
стр. 137
ظاهرة في الرواية الثانية، فكل ما فيها من اللفظ والمعنى يدعو إلى الدهشة والاستغراب، بينما الرواية الأولى صحيحة، فلا مسوغ لترددنا وتساؤلنا: أيهما تعمل وأيهما تهمل؟ إذ لا مكان للباطل إلى جانب الصحيح، قال ابن حجر: "قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة, لكن كونها سبب نزول لآية غريب، وفي إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما في الصحيح"١.
وقد تكون حادثة واحدة سببا في نازلين أو أكثر من القرآن، وهوم ما يعبرون عنه بقولهم: "تعدد النازل والسبب واحد". مثال الحادثة الواحدة تكون سببا في نازلين، ما أخرجه ابن جرير الطبري والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان, فإذا جاء فلا تكلموه". فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين, فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " , فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ من سورة التوبة.
وأخرج الحاكم هذا الحديث بهذا اللفظ وقال: فأنزل الله ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ، اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ من سورة المجادلة٢.
ومثال الحادثة الواحدة تكون سببا في أكثر من نازلين من القرآن ما أخرجه الحاكم والترمذي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر
стр. 138
النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ من سورة آل عمران.
وأخرج الحاكم أيضا عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله: تذكر الرجال ولا تذكر النساء، فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . وأنزل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ من سورة الأحزاب، وأنزلت: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآيات السابقة من سورة آل عمران١.
تلك أنماط من مقاييس المفسرين المحققين في ترجيح الروايات المنبئة عن أسباب النزول، وقد تفردت هذه المقايسس -كما رأينا- بدقة المصطلح، وحصافة النقد، ولطف التذوق، وبراعة التخريج، وبذلك كله تيسر لهؤلاء الأئمة الثقات أن يضعوا أيديهم على مفاتيح أسباب النزول بنجوة من غلو الغلاة، وعجلة المتسرعين، وخوضهم فيما لا طائل تحته من أوهام المؤرخين، إذ جعلوا درس القرآن فوق روايات التاريخ، مثلما جعلوه فوق علم التفسير وقواعد اللغة والبيان.
стр. 139
وفي ضوء هذه الدراسة النقدية الرشيقة رأى أولئك المحققون رأي العين أن نزول الآيات على ما اكتشفوه من الأسباب الفردية الخاصة لا يتعارض مع وضع الآيات في مواضع تناسب سياقها، إذ كان القرآن ينزل على الأسباب منجما تبعا لما تفرق من الوقائع، وكان النبي الكريم يأمر بكتابة الآية أو الآيات مع ما يناسبها من الآي في المواضع التي علم من الله أنها مواضعها تثبيتا لمفهوم الوحي، ورعاية النظم القرآن وحسن السياق١.
وكان في جمعهم بين السبب التاريخي والسياق الأدبي ما لا تدرك العبارة وصفه من رهافة حسهم النقدي والفني, فما أغفلوا حقائق التاريخ في اشتراط الزمان لمعرفة سبب النزول، ولا أغفلوا التناسق الفني حين أقصوا فكرة الزمان لمراعاة السياق، "لأن الزمان -كما يقول الزركشي- إنما يشترط في سبب النزول, ولا يشترط في المناسبة، إذ المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها"٢.
وما أكثر الآيات التي وضعت في السطور على حسب الحكمة ترتيبا، وحفظت في الصدور على حسب الوقائع تنزيلا!.
إن قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٣ قد نزل في رجل من أهل الكتاب يسمى كعب بن الأشرف، كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي ﷺ ، فسألوه: من أهدى سبيلا؟ المؤمنون أو هم؟ فتملق عواطفهم وقال: بل أنتم أهدى من المؤمنين سبيلا! ٤.
стр. 140
وبعد أن تتعاقب الآيات في حق هذا الرجل وحق من شاركه في تلك المقالة من أهل الكتاب, يتجه السياق القرآني إلى آية جديدة في مقطع جديد يدور الحديث فيه حول أداء الأمانات إلى أهلها. فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ١، وإنما نزلت هذه الآية -كما يقول المفسرون- في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاجب الكعبة لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه٢، وما دامت هذه الآية قد نزلت في الفتح وتلك نزلت في قصة كعب بن الأشرف عقب بدر، فإن بينهما ست سنين، فلم جعلت هذه إلى جنب تلك؟ ولم قفي هذا الموضوع بذلك رغم الفاصل الزمني البعيد؟!.
إن العلماء المحققين ليجدون الرابط المشترك بين هذين المقطعين، فيكادون يستخرجون منهما موضوعا واحدا محكم البناء، متلاحم الأجزاء، آخذا بعضه بأعناق بعض، إذ يرون مثلا أن الذين تملقوا عواطف المشركين وقالوا لهم: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، هم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي ﷺ وصفته، وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا تلك الأمانة فخانوها ولم يؤدوها، وكانت حالهم في الخيانة كحال الذين يحملون الأمانات ثم لا يحملونها، وناسب أن يدعوا ويدعى معهم كل إنسان إلى استشعار معنى الأمانة في كل ما كان عنه مسئولا٣.
لعل المفسرين إذن لم يبالغوا حين قدموا أحيانًا ذكر المناسبة بين الآيات على معرفة سبب نزولها، كلما رأوا هذه المناسبة هي المصححة لنظم الكلام، ولعلهم بلغوا ذروة التحقيق العلمي حين أوجبوا البداءة بذكر سبب النزول
стр. 141
حين يكون وجه المناسبة متوقفا على معرفة الأسباب، كما في آية "أداء الأمانات إلى أهلها" فلولا التحقق من سببها لتعذر على القارئ العادي التماس وجه تناسبها مع السياق القرآني سابقه ولاحقه.
وإن في تساؤل المفسرين -رغم ما جرت به عادتهم من الابتداء بذكر الأسباب- عن الأولى أن يبتدئوا به تقديم المناسبة أم تقديم السبب، لإيحاء أقوى من التصريح بأن ارتباط آي القرآن، وتناسق بعضها مع بعض، واقتران كلماتها وجملها، ومشاهدها وصورها، علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وفسرت في ضوئه أكثر أحكامه وشرائعه. لذلك كان الإمام أبو بكر النيسابوري١ الذي أظهر هذا العلم بغداد يزري على علماء بلده لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات، وكان لا يني يقول إذا قرئت عليه الآية أو السورة، لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه إلى جنب هذه السورة؟ ٢.
وفي صنيع أبي بكر النيسابوري هذا اتجاه جديد إلى الكشف عن الترابط بين السور إلى جانب الكشف عن التناسب بين الآيات، والحق أن الذي ينبغي التنقيب عنه والاستيثاق من نتائجه هو بالمقام الأول وجه المناسبة بين الآيات، إذ يبحث أول كل شيء عن الآية: أمكملة لما قبلها أم مستقلة؟ ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ولم سيقت هذا السياق؟
أما التماس أوجه الترابط بين السور -على ما فيه من تعسف وتكلف- فهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي، ولهذا انتصرنا وعليه عولنا٣، إلا أن ترتيب السور التوقيفي لا يستلزم حتما أن يكون بين كل سورة سابقة
стр. 142
وكل سورة لاحقة أواصر قربى، كما أن ترتيب الآيات التوقيفي لا يقتضي عقلا ارتباط إحداها بالأخرى إذا وقعت كل منها على أسباب مختلفة، وإنا يغلب في السورة الواحدة أن تكون ذات موضوع بارز كلي تأتلف عليه جزئياتها كلها في مقاطعها المتلاحقة المترابطة, لكن الوحدة الموضوعية في كل سورة على حدة لا ينبغي أن تكون هي الوحدة الموضوعية عينها في السور كلها مجتمعة. ولم يبلغ المفسرون هذا المبلغ من التكلف، بل اكتفوا بإظهار العلاقة بين ختام السورة السابقة وفاتحة السورة اللاحقة، كأن الترابط بينهما -لولا فصلهما بالبسملة- وقع عن طريق الآيات موقعا جزئيا, لا عن طريق السورتين موقعا شاملا كليا.
ومعيار الطبع أو التكلف فيما لمح من ضروب التناسب بين الآيات والسور يرتد في نظرنا إلى درجة التماثل أو التشابه بين الموضوعات، فإن وقع في أمور متحدة مرتطبة أوائلها بأواخرها فهذا تناسب معقول مقبول، وإن وقع على أسباب مختلفة وأمور متنافرة فما هذا من التناسب في شيء. وما أصدق قول القائل: "المناسبة أمر معقول، إذا عرض على العقول تلقته بالقبول"! ١.
وأقل ما يعنيه هذا المعيار الدقيق أن وجه المناسبة بين الآيات أو بين السور يخفى تارة ويظهر أخرى، وأن فرص خفائه تقل بين الآيات وفرص ظهوره تندر بين السور: ذلك بأن الكلام قلما يتم بآية واحدة، فتتعاقب الآيات في الموضوع الواحد تأكيدا وتفسيرا، أو عطفا وبيانا، أو استثناء وحصرًا, أو اعتراضا وتذييلا، حتى تبدو الآيات المتعاقبات كالنظائر والأتراب.
من يقرأ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ٢
стр. 143
لا بد أن يتساءل: أي رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت؟ ثم لا بد له من اكتشاف سر الارتباط في تعريض القرآن بأن سؤال السائلين في غير محله١، كأنه قال لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلة ونقصانها: "معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة، ومصلحة لعباده, فدعوا السؤال عنه، وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برًا"٢.
وواضح أننا في آية الأهلة قد اكتشفنا الارتباط بين تركيبين تتابعا في آية واحدة، وقد اضطررنا إلى اكتشاف هذا الارتباط لئلا يبدو آخر الآية منفصلا عن أولها، أفلا نضطر إلى إظهار التناسب بين آيتين تستقل كل منهما عن الأخرى بوحدتها الإيقاعية المسماة بالفاصلة؟ ومن ذا الذي أوجب أن تكون رءوس الآي أمارات انقطاع أو رموز انفصال؟
أنقرأ قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٣ فنرى رفع السماء مفصولا عن خلق الإبل, ونصب الجبال مستقلا عن رفع السماء، وسطح الأرض منقطعا عن نصب الجبال، ولا نلمح بين هذه الآيات كلها وجها جامعا أو رابطا فكريا؟ أليس الحد الأدنى من الارتباط بينها ضربا من التناسق التصويري لمجموعة من المشاهد الكونية المعروضة لنظر الإنسان حيثما كان، وهي تضم في لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات السماء المرفوعة والأرض المسطوحة، والجبال شامخة القمم والجمال بارزة السنام؟! ٤. وهل لنا في استجلاء مواطن ارتباطها واتساقها أن نستعير عبارة الزركشي
стр. 144
ونرجع أصداءها متلاقية مع بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن، فنقول كما قال: "جمع بينها على مجرى الإلف والعادة بالنسبة إلى أهل الوبر: فإن كل انتفاعهم في معايشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها، ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب، وذلك بنزول المطر، وهو سبب تقلب وجوهم في السماء، ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم، وحصن يتحصنون به، ولا شيء في ذلك كالجبال! ثم لا غنى لهم -لتعذر طول مكثهم في منزل- عن التنقل من أرض إلى سواها. فإذا نظر البدوي في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور"؟! ١.
أم نقرأ قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ٢ وقد اكتنفه من جانبيه قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ ٤، ثم لا نلمح بينها جميعا أي ارتباط؟ أليس في تسمية الدنيا بالعاجلة هنا إيحاء مقصود بقصر الحياة يتناسق مع استعجال النبي تلقي الوحي وتلقفه إياه بتحريك لسانه، كأن الله يقول له: تدبر ما يوحى إليك, ولا يأخذنك فيه ما يأخذ البشر, من العجلة في حياتهم القصيرة العابرة٥؟
صحيح إذن ما ذكره الزمخشري في وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ
стр. 145
خَيْر﴾ ١ وبين قوله قبل ذلك: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ فإنه علل ذلك بورود الآية الأولى على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليهما، إظهارًا للمنة فيما خلق الله من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارًا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى٢.
وصحيح أيضا أن التنظير -أي إلحاق النظير بالنظير- وجه أدبي مستساغ من أوجه التناسب بين ذكر قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ ٣ وقوله قبل ذلك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٤، فإن الله أمر رسوله أن يمضي لأمره في تنفيل الغزاة على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون، فشبه كراهتهم تنفيله الغزاة بكراهتهم الخروج معه للقتال٥.
وما على قارئ القرآن -لتستبين له وجوه التناسب بين الآيات- إلا أن يحتكم إلى ذوقه الأدبي تارة، ومنطقة الفطري تارة أخرى، وحينئذ يقع على ربط عام أو خاص، ذهني أو خارجي, عقلي أو حسي أو خيالي, من غير أن يقوم لهذه الألفاظ في نفسه مدلولات اصطلاحية أو فلسفية، فكثيرا ما يدور التلازم بين الآيات دوران العلة والمعلول، فإن لم تتلاق ويستلزم بعضها بعضا تقابلت تقابل الأضداد، كذكر الرحمة بعد ذكر العذاب، ووصف الجنة بعد وصف النار، وتوجيه القلوب بعد تحريك العقول، واستخلاص الموعظة بعد سرد الأحكام.