ينبئنا هذا النص الصحيح بخمسة أمور على جانب عظيم من الأهمية:
أولا- إن اختلاف المسلمين في قراءة القرآن كان الباعث الأساسي على أمر عثمان باستنساخ صحف حفصة وجمعها في مصاحف. فلا مستند لبلاشير وغيره من المستشرقين في التشكيك بنيات عثمان في جمع القرآن، فمن أين لهم أن هذا الخليفة إنما سعى إلى تحقيق هذا العمل العظيم بدافع من نزعته "الأرستقراطية"، فلم يجمع كتاب الله -بزعمهم- إلا باسم الطبقة "الأرستقراطية" المكية التي كان خير ممثل لها١؟!
لا مستند لهم في شيء من هذا إلا خيالهم الخصيب، وظنهم الكاذب..
وإلا فأين الرواية التاريخية الصحيحة التي تثبت دعواهم؟ وهل يفضل عاقل الأخذ بتخرصاتهم على ما أورده رجل كالبخاري ما عرف التاريخ من يضارعه في الثقة والضبط والأمانة؟
ثانيا- إن اللجنة التي كلفت بهذا العمل كانت رباعية٢.
وإذا استثنينا زيد بن ثابت الذي كان مدنيا من الأنصار، لاحظنا أن الأعضاء الثلاثة الباقين كلهم مكيون من قريش٣. وهؤلاء الأربعة جميعا من
стр. 72
ثقات الصحابة وأفاضلهم١.
ثالثا- إن اللجنة الرباعية باتخاذها صحف حفصة أساسا لنسخ المصاحف إنما استندت إلى أصل أبي بكر.
رابعًا- إن القرآن نزل بلغة قريش، فهي اللغة المفضلة لكتابة النص القرآني عند حدوث الخلاف بين القرشيين الثلاثة وزيد. وسنرى أن هذا لا ينافي كتابة القرآن بطريقة تجمع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، لأن تلك الكتابة كانت غير معجمة ولا مشكولة، ولأن وجوه القراءات كانت توزع على المصاحف حين لا يحتملها الرسم الواحد.
خامسًا- إن عثمان أرسل إلى الآفاق الإسلامية بمصحف مما نسخه هؤلاء الأربعة، ورأى -حسما للنزاع- أن يحرق ما عدا ذلك من الصحف والمصاحف الخاصة.
ويبدو أن حذيفة بن اليمان لم يكن وحده فزعا من اختلاف المسلمين في القراءة، فقد كثر الخلاف وساور القلق أنفس الصحابة الكرام, وبلغ ذلك عثمان ففزع بدوره ورأى أن يتدارك الأمر قبل استفحاله. وقد أشار إلى ذلك ابن جرير الطبري في "تفسيره" في الخبر الذي أخرجه من طريق أيوب عن
стр. 73
أبي قلابة أنه قال: "لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا. اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما"١.
وساعد على هذا الاختلاف أن مصاحف أخرى مشهورة قد عرفت إلى جانب صحف حفصة في الزمن الممتد من وفاة النبي ﷺ حتى جمع عثمان الناس على مصحف واحد. وأشهر تلك الصحف اثنان منسوبان إلى اللذين قاما بجمعهما:
وهما مصحف ابن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود٢.
ولعل بعض المصاحف الأخرى التي لم تعرف ولم تشتهر كانت كذلك موجودة، كما يذكر ابن النديم في "الفهرست" وابن أبي داود في "المصاحف" وابن أشتة في "المصاحف" وإن كنا لا نميل إلى المبالغة في
стр. 74
عددها، لأننا لا نملك مستندا صحيحا يؤكد وجودها في زمن ما١.
وجدير بالذكر أن هذه المصاحف لم تصل إلينا، وإنما وردتنا نصوص عن ترتيب السور فيها وبعض أوجه قراءاتها، وما تبرح في كثير من جوانبها بحاجة إلى الفحص والتدقيق٢.ولكن قرار عثمان بإحراقها٣ كان حكيما بلا ريب لأن بقاءها كان لا بد أن يزيد في أسباب الشقاق، ولا سيما وقد بعد عهد الناس برسول الله ﷺ .
وقد وقع عمل عثمان من قلوب الناس موقع القبول والاستحسان٤ إلا عبد الله بن مسعود الذي كان له -كما رأينا- مصحف خاص به، فإنه عارض في ذلك في بادئ الأمر، وأبى أن يحرق مصحفه٥ ثم ألهمه الله أن يرجع
стр. 75
إلى رأي عثمان الذي كان في الحقيقة رأي الأمة كلها١ وهي حينئذ تنشد وحدة الكلمة والقضاء على أسباب النزاع.
وقد شرعت اللجنة الرباعية في تنفيذ قرار عثمان سنة خمسة وعشرين٢، وإنما أمرهم عثمان أن ينسخوا من صحف حفصة مع أنهم كانوا جماعا لكتاب الله في صدورهم، لتكون مصاحفه مستندة إلى أصل أبي بكر المستند بدوره إلى أصل النبي ﷺ المكتوب بين يديه بأمره وتوقيف منه، فسدت بذلك كل ذريعة للتقول والتشكيك. قال أبو عبد الله المحاسبي: " ... تلك المصاحف التي كتب منها القرآن كانت عند الصديق لتكون إمامًا ولم تفارق الصديق في حياته ولا عمر أيامه، ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها، ولما احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة وقع الاختيار عليها في أيام عثمان، فأخذ ذلك الإمام ونسخ في المصاحف ... "٣.
ولما أعيدت صحف حفصة إليها ظلت عندها حتى توفيت، وقد حاول مروان بن الحكم "ت٦٥" أن يأخذها منها ليحرقها فأبت، حتى إذا توفيت أخذ مروان الصحف وأحرقها، وقال مدافعا عن وجهة نظره: "إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب"٤.
وقد اختلف في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، فقال أبو
стр. 76
عمرو الداني١ في المقنع: "أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعلها على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدًا: الكوفة والبصرة والشام, وترك واحدًا عنده. وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ. وزاد: إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين. قال: والأول أصح، وعليه الأئمة"٢. أما السيوطي فيرى "أن المشهور أنها خمسة"٣. وإذا أضفنا إليها المصحف الإمام الذي حبسه لنفسه بالمدينة أصبحت ستة، وكما رددنا الخمسة إلى ستة بإضافة المصحف الإمام نستطيع أن نرد السبعة إلى ستة إذا لم نجعل في عدادها ذلك المصحف المذكور. لذلك نميل إلى الرأي القائل: إن اللجنة استنسخت سبعة مصاحف، فأرسل عثمان بستة منها إلى الآفاق، واحتفظ لنفسه بواحد منها، ويزيدنا ميلا إلى هذا الرأي ما علمناه من تمكن بعض الأفراد من الحصول على نسخ لأنفسهم أخذوها من مصحف عثمان، كما فعل عبد الله بن الزبير وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة رضي الله عن الجميع٤. ويخيل إلينا أنه ليس من المنطق أن يأذن الخليفة عثمان لبعض الأفراد -مهما يبلغ نفوذهم- بالحصول على نسخ من مصاحفه الرسمية، ثم يضن على الأمصار الإسلامية بنسخ من هذه المصاحف توحد كلمتهم وتقضي على أسباب النزاع بينهم، ولا سيما بعد أن اتضح لنا أن اختلاف المسلمين في قراءة القرآن كان الباعث الأساسي على تفكير عثمان بنسخ كتاب الله في المصاحف.
وأيا ما تكن عدة تلك المصاحف على وجه اليقين، فإنها جميعا تماثلت في اشتمالها على القرآن كله: مائة وأربع عشرة سورة خالية من النقط والشكل،
стр. 77
ومن أسماء السور والفواصل، اقتداء بأبي بكر، فإن صحفه كانت مجردة من كل ذلك. وفوق هذا، جردت المصاحف العثمانية مما ليس بقرآن من الشروح والتفاسير, فمن الصحابة من كان يكتب في مصحفه ما سمع تفسيره وإيضاحه من النبي ﷺ ، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فقد قرأ ابن مسعود وأثبت في مصحفه "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج": ولا ريب أن تلك الزيادة الأخيرة للتفسير والإيضاح، لأنها مخالفة لسواد المصاحف التي أجمعت عليها الأمة، وقد أوضح ذلك ابن الجزري فقال: "وربما يدخلون التفسير في القراءات إيضاحا وبيانا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي ﷺ قرآنا. فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه"١ أي: مع القرآن في المصحف الذي يكتبه لنفسه, كمصحف عائشة.
لقد جردت إذن مصاحف عثمان من جميع هذه الزيادات التي لم تتوافر قرآنيتها وإنما كانت من قبيل التفسير أو تفصيل المجمل وإثبات المحذوف، وأهملت منها جميع الروايات الآحادية، وأضحت سورها وآياتها مرتبة على النحو الذي نجده في مصاحفنا اليوم, وخلو المصاحف العثمانية من النقط والشكل جعل رسم بعض الألفاظ القرآنية صالحا لأن يقرأ بأكثر من وجه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فقد قرئ كذلك "فتثبتوا"، وكقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فقد قرئ أيضًا: "فتلقى آدم من ربه كلماتٌ"، وإنما صلح الرسم للوجهين في الآيتين المذكورتين لورود دليل قاطع على صحة القراءة بهما، لأن رسول الله قرأ بهما أو لأن أحدًا من الصحابة قرأ بهما بحضوره فأقره ولم يعترض عليه. وورود مثل هذا الدليل على تواتر قراءة ما هو الذي يعين صلاحية الرسم لوجه دون آخر. فإن وجد دليل آحادي لم يبلغ درجة التواتر على قراءة ما لم يؤخذ به, واعتبر
стр. 78
شاذًا١ لمخالفته أخبار الثقات، ولو صح الرسم للقراءة به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ، ففي القراءات الآحادية الشاذة: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ". وغني عن البيان بعد هذا أن كل لفظ قرآني لم يتواتر في قراءته أكثر من وجه كان يكتب برسم واحد فقط، وأن كل ما صح فيه تواتر أكثر من وجه وتعذر رسمه في الخط محتملا لجميع الوجوه، كان لا بد أن يلجئ الناسخين إلى كتابته في بعض المصاحف بوجه، وفي بعضها الآخر بوجه ثانٍ، كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ فقد تواتر فيه وجه آخر صحيح "وأوصى" بالهمز لا بالتضعيف، ولذلك كتب في بعض المصاحف العثمانية بالتضعيف وفي بعضها الآخر بالهمز٢. على أن هذا النوع الأخير قليل جدا، وقد ذكر محصورا في آيات معدودة في أكثر الكتب المؤلفة حول "المصاحف".
ولكي يزيد عثمان من إقبال الناس على تلقي القرآن من صدور الرجال واعتمادهم على الحفظ وعدم اتكالهم على النسخ والكتابة، راح يرسل في الأكثر الأغلب مع المصحف الخاص بكل إقليم حافظًا يوافق قراءته، فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ الشامي، وأبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري٣.
أما إحراق عثمان للمصاحف الفردية فلم يقدم عليه إلا بعد مشورة وتأييد من الصحابة الكرام، فهذا سويد بن غفلة يقول: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا"٤.
стр. 79
وقال علي أيضا: "لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل"١.
وإن الباحث ليساءل: أين أصبحت المصاحف العثمانية الآن؟ ولن يظفر بجواب شاف على هذا السؤال، فإن الزركشة والنقوش الفاصلة بين السور أو المبينة لأعشار القرآن تنفي أن تكون المصاحف الأثرية في دار الكتب بالقاهرة عثمانية، لأن المصاحف العثمانية كانت مجردة من كل هذا. على أن بعض المستشرقين جمعوا الكثير من الروايات التاريخية التي تؤكد رؤية بعض العلماء القدامى للمصاحف أو لسور منها في أمصار إسلامية معينة, وفي طليعة هؤلاء المستشرقين الأستاذ كواترمير Quatremere كما أشار إلى ذلك كل من برجشتراسر وبرتزل في دراستهما لتاريخ النص القرآني٢. ثم إن المستشرق كازانوفا اعتمد على دراسة سلفه كواترمير فأعاد النظر فيها واستدرك عليها الكثير، ومنه علمنا أن أحد المصاحف العثمانية كان في مستهل القرن الرابع الهجري معروفا في بعض الأوساط العلمية٣، وأن الرحالة المشهور ابن بطوطة رأى بنفسه بعض تلك المصاحف التي يظن أنها عثمانية. أو بعض صحائف منها فقط، في غرناطة ومراكش والبصرة وبعض المدن الأخرى.
стр. 80
خلال رحلاته الكثيرة١ غير أن كازانوفا- بعد إيراده تلك المعلومات الدقيقة المفيدة- لا يلبث أن يصرح بارتيابه بقيمتها التاريخية، وإذا هو يأتي بأغرب رأي وأجرئه في عالم الدراسات القرآنية، فما جمع عثمان للمصحف -في نظره- إلا قصة وهمية أحكم نسجها في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان توطئة للمبالغة في شأن التحسينات التي أدخلت على رسم المصاحف في عهد الخليفة المذكور٢.
وأعجب من هذا كله أن كازانوافا لا يتورع عن المجازفة بإلقاء حكم صبياني لا يوافقه عليه عاقل بين الناس، حتى ولا إخوانه المستشرقون٣، فيجعل الحجاج بن يوسف الثقفي أول جامع للقرآن٤، وقد صرح بلاشير بعقم هذا الرأي وفساده فقال: "لا يمكننا قط أن نتابع كازانوافا على هذا الزعم الجريء الذي تنقصه النصوص الثابتة"٥.
هذا، ومن المعروف أن ابن كثير٦ -وهو من علماء القرن الثامن الهجري- قد رأى مصحف الشام، فهو يقوب في كتابه "فضائل القرآن": "أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله, وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود سنة ٥١٨هـ، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي، بجبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل"٧.
ويبدو كذلك أن ابن الجزري صاحب "النشر في القراءات العشر" وابن فضل
стр. 81
الله العمري١ صاحب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" قد رأيا كلاهما هذا المصحف الشامي نفسه, ويميل بعض الباحثين إلى أن هذا المصحف أمسى زمنا ما في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد، ثم نقل إلى إنجلترا٢. بينما يرى آخرون أن هذا المصحف بقي في مسجد دمشق حتى احترق فيه سنة ١٣١٠هـ٣. والذي نعلمه علم اليقين ويعلمه كل باحث منصف أن كتاب غير القرآن لم يحط بالعناية التي أحيط بها ولم يصل بالتواتر كما وصل، فجاء -كما قال شفالي: "أكمل وأدق مما يتوقعه أي إنسان"٤. ولاغرو، فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
стр. 82
الفصل الثاني: المصاحف العثمانية في طور التجويد والتحسين
نسخت المصاحف العثمانية خالية من الشكل والنقط, فاحتملت -بكتابتها على هذا النحو- عددا من الوجوه والقراءات التي كان الناس في الأمصار يميزون بينها بالسليقة، فلا يحتاجون لقراءتها سليمة إلى الشكل بالحركات ولا الإعجام بالنقط. وقد ظل الناس -كما يقول أبو أحمد العسكري "ت٣٨٢"- يقرءون القرآن في مصحف عثمان بضعا وأربعين سنة، حتى خلافة عبد الملك، وحينئذ كثرت التصحيفات وانتشرت في العراق١.
وأكبر الظن أنه لا يراد "بالتصحيفات" في هذه العبارة إلا ما كان يقع فيه الناس من اللبس في قراءة بعض كلمات القرآن وحروفه بعد أن اختلطوا بغير العرب، وبدأت العجمة تمس سلامة لغتهم٢. وفي خلافة عبد الملك سنة ٦٥ للهجرة خاف بعض رجال الحكم أن يتطرق التحريف إلى النص القرآني إذا ظلت المصاحف غير مشكولة، ولا منقوطة٣، ففكروا بإحداث أشكال معينة تساعد على القراءة الصحيحة، وفي هذا المجال يذكر كل من عبيد
стр. 83
الله بن زياد "ت٦٧" والحجاج بن يوسف الثقفي "ت٩٥" فأما ابن زياد فينسب إليه أنه أمر رجلا فارسي الأصل بإضافة الألف إلى ألفي كلمة حذفت منها، فكان هذا الكتاب ينسخ "قالت" بدلا من "قلت" وكانت" بدلا من "كنت"١، وأما الحجاج فيقال: إنه أصلح الرسم القرآن في أحد عشر موضعا، فكانت -بعد إصلاحه- أوضح قراءة وأيسر على الفهم٢.
وإلى مثل هذه التحسينات الإملائية كان يشير عثمان بقوله إن صح: "أجد فيه ملاحن ستصلحها العرب"٣، فالملاحن والتصحيفات -في هذا المقام- كلها من هذا القبيل، إنما تتعلق بطريقة الرسم التي لا بد أن ينالها التغيير على اختلاف البيئات والعصور، أما النص القرآني نفسه فلا يتغير فيه شيء لأنه مجموع من صدور العلماء، يأخذه بعضهم عن بعض بالتلقي والمشافهة وطرق التواتر اليقيني.
وتحسين الرسم القرآني لم يتم دفعة واحدة، بل ظل يتدرج في التحسن جيلا فجيلا حتى بلغ ذروة الجمال في نهاية القرن الثالث الهجري, ولا يعقل أن يكون أبو الأسود الدؤلي هو وحده واضع أصول نقط القرآن وشكله. وقد اختلف العلماء قديما في أول من نقط القرآن٤، وترددت في هذا الموضوع أسماء رجال ثلاثة٥: أبو الأسود الدؤلي -وهو الأشهر- ويحيى بن
стр. 84
يعمر١، ونصر بن عاصم الليثي٢.
أما أبو الأسود الدؤلي فقد اشتهر بأنه سبق إلى وضع مسائل في العربية٣ بأمرعلي بن أبي طالب، ويبدو أن نقطة القرآن لم يكن إلا امتدادًا لما يظن من سبقه هذا٤. ويتناقلون قصة في هذا الموضوع تومئ إلى شدة غيرته على لغة القرآن، فقد سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٥، فقرأها بجر اللام من كلمة "رسوله"، فأفزع هذا اللحن أبا الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله! ثم ذهب إلى زياد وإلي البصرة وقال له: قد أجبتك إلى ما سألت. وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله٦، فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث. وهنا جد جده، وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسر نقطة أسفله، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين٧"، ويرى بعض العلماء أن أبا الأسود إنما نقط القرآن بأمر عبد الملك بن مروان٨. وعسير علينا أن
стр. 85
يحدد -عن طريق هذه الروايات المختلفة- البواعث التي حملت أبا الأسود على نقط القرآن، فلا نعرف هل اندفع من تلقاء نفسه أم استجاب لأمر لم يفكر فيه من قبل, ولا نعرف كنه العمل الذي قام به، ولكننا لا نرتاب قط في أنه قد اضطلع أول الجميع بعبء جسيم، فهذا هو الحد الأدنى مما نطقت به تلك الأخبار والروايات. أما أنه انفرد وحده بوضع أصول نقط القرآن وشكله فليس منطقيا ولا معقولا، فما ينهض بمثل هذا فرد بل أفراد، ولا يبلغ تمامه جيل بل أجيال، وبحسب أبي الأسود أنه كان حلقة أولى في سلسلة نقط القرآن وتجويد رسمه١.
وفي هذه السلسلة حلقة أخرى يميل بعض العلماء إلى عدها كذلك حلقة أولى, حين يرون أن "أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر"٢، ولا بد أن يكون ليحيى عمل في نقط القرآن، ولكن لا برهان بين أيدينا على أنه كان حقا أول من نقطه إلا أن يكون المراد أنه أول من نقط المصاحف بمرو. وتبلغ قصة أوليته هذه ذروتها من الإحكام والحبك حين يزعم ابن خلكان أنه كان لابن سرين مصحف منقوط، نقطه يحيى بن يعمر٣، ومن المعلوم أن ابن سيرين توفي سنة ١١٠هـ, فقد عرف إذن قبل هذا التاريخ مصحف كامل النقط، تام الشكل، بتلك النقط المعوضة للحركات: وهو أمر خطير جدًا ليس من السهل التسليم به٤.
وأما نصر بن عاصم الليثي فلا يستبعد أن يكون عمله في نقط القرآن امتدادًا لعمل أستاذيه أبي الأسود وابن يعمر، فإنه أخذ عنهما كما أسلفنا، بيد أن أبا أحمد العسكري -في إحدى رواياته الغريبة- يؤكد أن نصر بن عاصم اضطلع
стр. 86
بنقط القرآن حين خاطب الحجاج كتابه وسألهم أن يضعوا علامات على الحروف المتشابهة١. وتكاد هذه الرواية تنطق بأن نصرا كان أول من نقط المصاحف٢، ولكنها تظل -مع ذلك- أضعف من أن تفصل في هذا الخلاف برأي يقيني قاطع.
ولئن تعذر إطلاق الحكم بأن أبا الأسود أو ابن يعمر أو نصرا كان أول من نقط المصاحف، فلا يتعذر القول بأنهم أسهموا جميعا في تحسين الرسم من وتيسير قراءة القرآن على الناس. ولا ريب بعد هذا أن للحجاج -مهما تختلف آراء الناس فيه، ومهما تك نياته الشخصية- عملا عظيما لا سبيل إلى إنكاره في الإشراف على نقط القرآن, والحرص عليه.
وكلما امتد الزمان بالناس ازدادت عنايتهم بتيسير الرسم القرآني، وقد اتخذ هذا التيسير أشكالا مختلفة، فكان الخليل٣ أول من صنف النقط, ورسمه في كتاب، وذكر علله٤، وأول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام٥. ولا يكاد أبو حاتم السجستاني٦ يؤلف كتابه عن نقط القرآن وشكله حتى يكون رسم المصاحف قد قارب الكمال. حتى إذا كان نهاية القرن الهجري الثالث بلغ الرسم ذروته من الجودة والحسن، وأصبح الناس يتنافسون في اختيار الخطوط الجميلة، وابتكار العلامات المميزة
стр. 87
"حتى جعلوا للحرف المشدد علامة كالقوس، ولألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها، على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة"١.
وما أكثر العقبات التي كانت تعترض اتجاه الناس نحو تحسين الرسم القرآني! فما برح العلماء حتى أواخر القرن الثالث يختلفون في نقط القرآن.
وقد بدأت فكرة كراهة النقط مبكرة جدًّا منذ قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: "جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء"٢ ثم كان بين التابعين من كره حتى تطييب المصاحف بالطيب أو وضع أوراق الورد بين صحائفها٣، وإذا الإمام مالك رضي الله عنه٤ في عصر أتباع التابعين يؤثر التفصيل في هذه المسألة، فيبيح النقط "في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء، أما الأمهات فلا"٥. وتظل الأوساط المحافظة -مع ذلك- تكره نقط المصاحف، فكان يظهر بين الحين والحين قوم معتدلون يفرقون بين النقط والتعشير، وينبهون الناس إلى أن النقط لا ينافي تجريد القرآن. قال الحليمي٦: "تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه، لقوله: "جردوا القرآن". وأما النقط فيجوز، لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها"٧.
على أن هذه التفرقة الواضحة بين النقط والتعشير٨ لم تكن لتمنع الأوساط
стр. 88
المحافظة حتى في مستهل القرن الخامس الهجري من الإصرار على قراءة القرآن في المصاحف المجردة من الشكل، فلم يكن إحداث تلك العلامات في نظر هؤلاء المتشددين إلا بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ومن الغريب أن بعضهم كانوا -كما يلاحظ الداني- يتساهلون في استعمال بعض النقط عوضا عن الحركات، ولكنهم يأبون إباء شديدًا أن يشكلوا القرآن بالحركات نفسها وإن كان أكثر الناس في عصرهم لا يجدون في ذلك بأسًا١.
والداني نفسه كان يعترف بوجود التمييز بين النص القرآني المجرد والحركات التي تزاد عليه للتوضيح، "فلا يستجيز النقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم، ولا يستجيز جمع قراءات شتى في مصحف واحد بألوان مختلفة لأنه من أعظم التخليط والتغيير للرسوم, ويرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد والسكون والمد بالحمرة والهمزات بالصفرة"٢.
ثم يأتي على الناس زمان يستحبون فيه نقط المصحف بعد أن كرهوه، وشكله بالحركات بعد أن عارضوه, وكما خافوا أن يصيبه التغيير بالنقط والشكل أصبحوا يخافون أن يلحن الجهال فيه إن لم ينقط ويشكل, فالحرص على نص القرآن كان السبب الأساسي في كراهة النقط تارة واستحبابه أخرى.
قال النووي٣: "نقط المصحف وشكله مستحب، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف"٤.
стр. 89
ومن المحدثات التي كرهها العلماء أول الأمر ثم انتهوا إلى إباحتها أو استحبابها أخيرا بدعة كتابة العناوين في رأس كل سورة، ووضع رموز فاصلة عند رءوس الآي، وتقسيم القرآن إلى أجزاء, والأجزاء إلى أحزاب، والأحزاب إلى أرباع، والإشارة إلى ذلك كله برسوم خاصة.
والرموز المشيرة إلى رءوس الآي سارع الناس إلى تلقيها بالقبول قبل سواها؛ لاحتياجهم إلى معرفة تقسيم الآيات، ولا سيما بعد أن انعقد الاجماع على أن ترتيب الآيات توقيفي١. وقد تباينت طرائق رمزهم إليها، فقد يذكرون عند رأس كل آية رقم عددها من السورة, وقد يغفلون ذلك. وأحيانا يضعون كلمة عشر أو رأس "العين" حرفها الأول عند نهاية كل عشر آيات من السورة٢، أو كلمة خمس أو رأس "الخاء" حرفها الأول عند نهاية كل خمس آيات، ولا يجدون في شيء من ذلك بأسا.
أما العناوين، التي كانوا يكتبونها في فواتح السور منوهين فيها بأسمائها وما فيها من الآيات المكية والمدنية، فكانت لا بد أن تثير معارضة عنيفة في الأوساط المحافظة، لأن كثيرا من العلماء بله عامة الناس، كانوا يعتقدون أن هذه الأمور ليست توقيفية، بل للصحابة فيها نصيب غير قليل من الاجتهاد.
وإذا كنا لم نسلم بأن ترتيب السور اجتهادي، بل رجحنا أنه كترتيب الآيات توقيفي٣، فإننا لا نملك دليلا قويا على أن أسماء السور توقيفية أيضا٤، وليس في وسعنا أن ندعي الإجماع على مكية بعض السور ومدنية بعضها الآخر
стр. 90
بحيث لا يكون في السورة الواحدة إلا قول واحد متفق عليه١: فهذا الاختلاف هو الذي آثار تلك المعارضة العنيفة لكتابة العناوين في فواتح السور.
لكن حدة المعارضة ما لبثت أن خفت٢، فلم يقنع الناس بكتابة تلك العناوين بل طفقوا يفتنون في تنميقها وتذهيبها حتى أوشك الجهال أن يعتقدوا أنها جزء لا يتجزأ من الوحي القرآني.
ولما أباح الناس لأنفسهم كتابة الرموز الفاصلة بين الآيات، ثم تجرءوا حتى على كتابة العناوين في رءوس السور، لم يعد ممكنا منعهم من الذهاب في تجويد المصاحف كل مذهب، وقد بدا لهم أن من تجويدها تجزئتها وتحزيبها، وراحوا يلتمسون على ذلك أدلة من الروايات المأثورة, قال الزركشي: "وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين, كما في الربعات بالمدارس وغيرها".
وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجه عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة, وثلاثة عشرة، وحزب المفصل من "ق" حتى "يختم"٣.
وقد أسهم الخطاطون في تجويد المصاحف وتحسين كتابتها، ويقال: إن الخليفة الوليد "من سنة ٨٦ إلى سنة ٩٦هـ" اختار لكتابة المصاحف خالد بن أبي الهياج الذي كان مشهورًا بجمال خطه وهو الذي خط المحراب في المسجد النبوي بالمدينة٤. وقد ظل الخطاطون يكتبون المصاحف بالخط
стр. 91
الكوفي حتى أواخر القرن الرابع الهجري١، ثم حل محله خط النسخ الجميل في أوائل القرن الخامس, وفيه جميع النقط والحركات التي ما نزال نستخدمها في الكتابة إلى يومنا هذا٢.
ويشاء الله أن ينتشر كتابه في الآفاق بوساطة الطباعة, وهذه أيضا مرت -ككتابة القرآن خطا- بأطوار التجويد والتحسين. وقد ظهر القرآن مطبوعا للمرة الأولى في البندقية في حدود سنة ١٥٣٠م، ولكن السلطات الكنسية أصدرت أمرًا بإعدامه حال ظهوره. ثم قام هنكلمان Hinkelmann بطبع القرآن في مدينة هانبورغ Hanboutg سنة ١٦٩٤، ثم تلاه مراكي Marracci بطبعه في بادو Padoue سنة ١٦٩٨، ولم يكن لأي واحدة من هذه الطبعات الثلاث أثر يذكر في العالم الإسلامي٣، ثم ظهرت أول طباعة إسلامية خالصة للقرآن في سانت بترسبورغ بروسيا "Saint- Petersbourg" سنة ١٧٨٧، وهي التي قام بها مولاي عثمان، وظهر مثلها في قازان٤، وإذا بإيران تقدم طبعتين حجريتين إحداهما في طهران سنة ١٢٤٨هـ-١٨٢٨م، والأخرى في تبريز سنة ١٢٤٨هـ-١٨٣٣م.
ويقوم فلوجل Flugel سنة ١٨٣٤ بطبعته الخاصة للقرآن في ليبزيغ Leipzig فيتلقاها الأوربيون بحماسة منقطعة النظير،
стр. 92
بسب إملائها الحديث السهل، ولكنها لا تصيب نجاحًا في العالم الإسلامي, وتظهر في الهند طبعات للقرآن أيضًا، ثم تعنى الآستانة ابتداء من سنة ١٨٧٧ بهذا الأمر العظيم.
ثم كان حدث سعيد على جانب عظيم من الأهمية حين ظهرت في القاهرة طبعة أنيقة جميلة دقيقة لكتاب الله سنة ١٣٤٢هـ-١٩٢٣م تحت إشراف مشيخة الأزهر، وبإقرار اللجنة المعينة من قبل الملك فؤاد الأول, وقد كتب هذا المصحف وضبط على ما يوافق رواية حفص لقراءة عاصم، وقد تلقى العالم الإسلامي هذا المصحف بالقبول وأصبحت ملايين النسخ التي تطبع منه سنويا هي وحداها المتداولة، أو تكاد تكون وحدها المتداولة، لإجماع العلماء في مشارق الأرض ومغاربها على الدقة الكاملة في رسمه وكتابته.
стр. 93
الفصل الثالث: الأحرف السبعة
نجد في الأحاديث الصحيحة المروية من طرق مختلفة ما يفيد أن الرسول ﷺ صرح بنزول القرآن على سبعة أحرف. ومن أوضح هذه الأحاديث ما رواه البخاري ومسلم, واللفظ للبخاري، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائه أو بردائي, فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . قلت له: كذبت, فوالله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! فقال رسول الله ﷺ : "أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام"، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها. قال رسول الله ﷺ : "هكذا نزلت" ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف, فاقرءوا ما تيسر منه" ١.
ويبدو أن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف مروي عن جمع كبير من الصحابة يتعذر إحصاؤه، ففي مسند الحافظ أبي يعلي٢ أن عثمان رضي
стр. 94
الله عنه قال يوما وهو على المنبر: "أذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف" لما قام. فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك، فقال عثمان ﵁: "وأنا أشهد معهم"١.
وتوافق هذه الجموع التي لم تحص عددا٢ على هذا الموضوع، حمل بعض الأئمة على القول بتواتر الحديث, وفي طليعة هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام٣. وإذا لم يتوافر التواتر في الطبقات المتأخرة، فحسبنا صحة الأحاديث التي ذكرناها مؤكدا لهذه الحقيقة الدينية التي نطق بها رسول الله ﷺ .
ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة٤, واختار القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني هذا الرأي وقال: "الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا"٥.
وعبارة "الأحرف" -وهي جمع حرف- الواردة في الحديث تقع على معان مختلفة، فقد تكون بمعنى القراءة كقول ابن الجزري: "كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر"٦. وقد تفيد المعنى والجهة ٧ كما يقول أبو جعفر
стр. 95
محمد بن سعدان النحوي١، ولكن القول بأن المراد بها القراءات -كما حكي عن الخليل بن أحمد- هو أضعف الأقوال بلا ريب٢، ولا سيما إذا توهم القائل أنها ما يسمى بالقراءات السبع٣.
واختلاف العلماء في تحديد المراد من "الأحرف" المذكورة في الحديث أثار عددا من الأقوال المتضاربة في حقيقة الذي أنزل، فرأى فيه بعضهم خمسة وثلاثين وجها٤، وبلغ بها آخرون أربعين٥، وأكثرها لا يؤيده نقل صحيح ولا منطق سليم. ومنشأ الخطأ فيها إرادة التعيين على سبيل القطع والجزم مع أنه لم يأت في معناها -كما يقول ابن العربي: "نص ولا أثر, واختلف الناس في تعيينها"٦.
ولم يكن بد من أن يتساءل العلماء: هل العدد محصور في سبعة أحرف أم المراد التوسعة على القارئ ولم يقصد به الحصر؟ فالذين يستبعدون الحصر هنا يغالون في هجران النصوص البالغة درجة التواتر -كما أسلفنا- مع أن تواردها على عدد "السبعة" لا يعقل أن يكون غير مقصود، ولا سيما إذا لوحظ أن الحديث يتناول قضية ذات علاقة مباشرة بالوحي وطريقة نزوله، وفي مثل هذه الأمور لا يلقي الرسول ﷺ الخبر غامضًا، ولا يذكر عددا لا مفهوم له، فما نقل عنه علماء الصحابة هذا في شيء له بالاعتقاد صلة.
ولكن قوما ممن لا يبالون بالنصوص ولا يتورعون في هجرانها أو إخراجها عن ظاهرها تسرعوا فرأوا "أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد،
стр. 96
بل المراد التيسير والتسهيل والسعة, ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين"١، ومن الغريب أن ينسب مثل هذا الرأي إلى القاضي عياض٢ وهو الذي لا يفضل على الرواية الصحيحة شيئًا, ولكن السيوطي رد على هذا لقول ردا قويا مؤيدا بالنصوص٣.
وإذن فلفظ السبعة لا يراد به الكثرة، بل الحصر كما فهمه أكثر العلماء، وهو الذي كان السبب فيما عانوه من محاولة البحث عن هذا العدد المعين "فالأكثر -كما يقول ابن حبان٤- على أنه محصور في سبعة"٥. بيد أن كثيرا من تلك المحاولات لم يحالفها التوفيق, كما رأينا في قول من جنح إلى أن الأحرف السبعة هي القراءات. ويكاد يقارب هذا القول في الضعف رأي الذين حصروا هذه الأحرف في بعض اللهجات أو اللغات، مع ما بين المفهومين من تغاير دقيق. فأما اللهجات فليست عند بعض العلماء٦ من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى، لأن الإظهار والإدغام، والروم والإشمام، والتخفيف والتسهيل، والنقل، والإبدال، صفات متنوعة في أداء اللفظ الواحد، وتنوعها لا يخرجه عن أن يكون لفظا واحدا، ولكننا -مع ذلك- لا نضعف هذا القول بهذا السبب, فإن تنوع صفات الأداء في اللفظ الواحد يوشك أن
стр. 97
بجعله أكثر من لفظ، وإنما نضعفه بسبب الاقتصادر عليه، إذ حفظت لنا أوجه أخرى من الاختلاف ليست من اللهجات في شيء, كما سنرى بوضوح.
وإذا كنا في الاختلاف في اللهجات لا نجد إلا تنوعا في صفات الأداء في اللفظ الواحد، ففي اختلاف اللغات نجد أحيانا تباينا بين لفظ وآخر في موضوع واحد، ولو أمكننا حصر اللغات العربية المختلفة هذا النوع من الاختلاف في سبع لا تزيد ولا تنقص, وقبل منا هذا الحصر في غير تردد، ومن غير شعور بتعسفنا فيه، لكانت هذه اللغات السبع هي الأحرف السبعة من غير ما حاجة إلى الجدل العقيم, ولكن التعسف في الموضوع أوضح من أن يخفى على ذي بصر سواء أكانت لغات العرب هذه هي لغات قريش وهذيل, وتميم, وأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر١، أو كانت لغات قبائل مضر خاصة, وهي هذيل وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش٢, لأن في القرآن الكريم ألفاظا من لغات قبائل أخرى غير التي ذكرت على كلا الرأيين، تمثلت كلها في لغة قريش، وبلغ أبو بكر الواسطي٣ بتعدادها أربعين لغة في كتابه "الإرشاد في القراءات العشر", فكلمة "اخسئوا" بمعنى اخزوا بلغة عذرة, وكلمة "بئيس" بمعنى شديد بلغة غسان، وكلمة "لا تغلوا" بمعنى لا تزيدوا بلغة لخم, وكلمة "حصرت" بمعنى ضاقت بلغة اليمامة، وكلمة "هلوعا" بمعنى ضجرًا بلغة
стр. 98
خثعم، وكلمة "الودق" بمعنى المطر بلغة جرهم١. وقد استبعد ابن عبد البر٢، أن يكون معنى سبعة أحرف سبع لغات، "لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر, لأن ذلك من لغته التي طبع عليها.
وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي, وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته٣" وقد يدافع عن ذلك بإرادة الكثرة في عدد السبعة، ولكننا بينا ضعف هذا الرأي في مقام كهذا لا بد أن يكون فيه للعدد مفهوم.
وهذه الآراء السابقة كلها -على ضعفها- لا نستغرب ذكر العلماء لها بين تلك المجموعة من الأقوال الشارحة للأحرف السبعة، ولكننا لا نستغرب وحسب بل نستنكر استنكارًا شديدًا جنوح بعض العلماء إلى مفهومات سقيمة ما أنزل الله بها من سلطان, يظنون أنهم يفسرون بها الحديث تفسيرا باطنيا عميقا، ويرون في الأحرف السبعة ما لا يراه الناس. من ذلك أن المراد بهذه الأحرف سبعة علوم: علم الإنشاء والإيجاد، وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات وعلم صفات الفعل، وعلم صفات العفو والعذاب, وعلم الحشر والحساب, وعلم النبوات٤". ومن ذلك أن المراد سبعة أشياء: "المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص والمؤول, والناسخ والمنسوخ, والمجمل والمفسر, والاستثناء وأقسامه"٥.
وقد بلغت الجراءة ببعضهم حد الاستشهاد بحديث ضعيف على رأيهم الباطل في هذه الأحرف السبعة، فرفعوا إلى النبي ﷺ حديثا رواه ابن مسعود قال:
стр. 99
"كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على وجه واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه, وأمثال. فأحلوا حلاله, وحرموا حرامه، واعتبروا بأمثاله, وآمنوا بمتشابهه, وقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١. قال ابن عبد البر: "وهو حديث عند أهل العلم لا يثبت، وهو مجمع على ضعفه"٢.
وكل هذا يهون أمام تلك المشكلة الخطيرة التي أثارها بعض أئمة المفسرين عن حسن نية, ففتحوا بها الباب على مصراعيه لشبهات المستشرقين وضعاف الإيمان من المؤمنين، وتتمثل هذه المشكلة في حصر هذا الفريق من العلماء المراد من الأحرف السبعة في "سبعة أوجه من المعاني المتفقة، بالألفاظ المختلفة, نحو أقبل وهلم وتعال, وعجل وأسرع, وأنظر وأخر وأمهل، ونحوه"٣. وظاهر لفظ الطبري في تفسيره ربما أفاد هذا، فهو يستشهد بقوله ﵊ لابن الخطاب: "يا عمر، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة" ٤, فكان لا بد أن يتثبت المستشرقون بهذا ليؤكدوا "أن نظرية القراءة بالمعنى كانت بلا ريب أخطر نظرية في الحياة الإسلامية لأنها أسلمت النص القرآني إلى هوى كل شخص، يثبته على ما يهواه"٥.
وفي هذا حمل للنصوص على غير وجهها الحقيقي، فليست النظرية هنا مما يصح حقا أن يسمى "القراءة بالمعنى"٦ كما نفهمه مثلا في رواية
стр. 100
الحديث بالمعنى، إذ "القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل أو غيرهما١. فإذا صح أنه ﵊ وسع على المسلمين في أول الأمر، وراعى التخفيف على العجوز والشيخ الكبير٢، وأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه, أي على طريقته في اللغة، لما يجده من المشقة في النطق بغير لغته، فليس معنى هذا أنه كان يأذن لهم بإثبات هذه القراءات وكتابتها على أنها حروف نزل عليها القرآن. وإذن، فما كانت توسعته ﵊ في هذا النوع من القراءة إلا تخفيفا على بعض الأفراد في حالات خاصة، وأما ما أذن فيه من هذه الحالات بإثباته وأقر كتبة الوحي عليه فهو محفوظ بطريق التواتر في أحرف قليلة معدودة يرفض ما عداها ولو جاء من طريق صحيح آحادي, لأن التواتر شرط في إثبات القرآنية٣. فتعميم هذه الحالات الفردية على جميع الأحرف السبعة, كأنها ضرب من القراءة بالمعنى، لا يمكن أن يقتصر عليه في فهم الحديث.
وإذا لم يصح الاقتصار على أحد تلك الآراء السابقة فقد بدا لنا أن استقصاء الممكن منها، وهو الذي لا يعارض النقل والعقل، ربما كان أصوب الآراء وأبعدها عن الإفراط والتفريط: فالمراد من هذه الأحرف السبعة -والله أعلم- الأوجه السبعة التي وسع بها على الأمة، فبأي وجه قرأ القارئ منها أصاب. ولقد كاد النبي ﷺ يصرح بهذا كل التصريح حين قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فلم أزل أستعيده حتى انتهى إلى
стр. 101
سبعة أحرف" ١ فاللفظ القرآني الواحد مهما يتعدد أداؤه, وتتنوع قراءته لا يخرج التغاير فيه عن الوجوه السبعة الآتية:
الأول: الاختلاف في وجوه الإعراب، سواء أتغير المعنى أم لم يتغير. فمما تغير فيه المعنى مثل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ٢ فقد قرئ: "فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ"، ومما لم يتغير فيه المعنى مثل قوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ فقد قرئ: "وَلا يُضَارُّ"٣.
الثاني: الاختلاف في الحروف إما بتغير المعنى دون الصورة، وهو ما يعبر عنه أحيانًا بالاختلاف في النقط, مثل "يعلمون وتعلمون"٤ وإما بتغير الصورة دون المعنى، مثل "الصراط والسراط" و"المصيطرون والمسيطرون"٥. وقد رسم في المصاحف بالصاد المبدلة من السين التي هي الأصل, فوافقت قراءة الصاد رسم المصحف تحقيقا, وقراءة السين رسم المصحف تقديرًا.
والثالث: اختلاف الأسماء في إفرادها وتثنيتها وجمعها وتذكيرها وتأنيثها٦، مثل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ٧، فقد
стр. 102
قرئ "لأمانتهم" بالإفراد. ومن الواضح أنها رسمت في المصاحف العثمانية "لامنتهم" لخلوها من الألف الساكنة، ومؤدى الوجهين واحد، لأن في الإفراد قصدًا للجنس وفي الجنس معنى الكثرة, ولأن في الجمع استغراقًا للأفراد, وفي الاستغراق معنى الجنسية: فرعاية "الأمانة" كرعاية "الأمانات" تشمل الكل والجزئيات. ولأمر ما جاءت لفظة "العهد" في الآية نفسها مفردة على كلتا القراءتين، وبكلا الحرفين, فما قرئ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَتِهِمْ وَعَهُودِهِمْ رَاعُونَ﴾ , ولا قرئ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهُودِهِمْ رَاعُونَ﴾ .
ومن ذلك أن "البقر" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ذكر في حرف قصدا للجنس, فبني فعله للماضي، وذكّر فقرئ: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ، وأنث في حرف قصدًا للجماعة، فصيغ صياغة المضارع وأنث: ﴿تَشَابَهَ﴾ بعد حذف إحدى التائين تخفيفا، إذ أصله: "تتشابه"١.
الرابع: الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة للأخرى, وإنما تتفاوتان بجريان اللسان بإحداهما لدى قبيلة دون أخرى, كقوله تعالى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش﴾ فقد قرئ: "كالصوف المنفوش"٢، أو يكون بين الكلمتين المبدلتين تقارب في المخارج يسمح بالتناوب بينهما، ويكاد يشعر بتصاقبهما معنى لتصاقبهما لفظا، كقوله: ﴿طَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٣ فقد قرئ: "طلع"، ويلاحظ أن مخرج العين والحاء واحد هو الحلق، فهما أختان تتعاقبان. وأما قراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما"٤ بدلا من ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ فشاذ, لأنها وردت من طريق آحادي. ومن المؤكد أن
стр. 103
قراءة هذا الصحابي بها إنما كانت إدراجا على سبيل التفسير.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير فيما يعرف وجه تقديمه أو تأخيره في لسان العرب العام، أو في نسق التعبير الخاص، كقوله تعالى في شأن المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُون﴾ قرئ: "فَيُقْتَلُونَ وَيَقْتُلُون"١ ففي الحرف الأول يسرع المؤمنون إلى قتل الأعداء، وفي الحرف الثاني كأنما يتلهفون إلى ساحة المعركة تلهفا لعل الله يتخذهم شهداء، فإذا اختلفت صياغة التعبير بالتقديم والتأخير فإن مؤدى الحرفين ما انفك واحدا لم ينله شيء من التغيير. أما قراءة أبي بكر "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ" بدلا من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ٢ فقراءة آحادية لم تبلغ درجة التواتر، بل شاذة٣ خالف بها إجماع الصحابة إن صح أنه قرأ به: ذلك بأن العرب تعرف للموت سكرة وسكرات، ولكنها لا تعرف الحق إلا يقظا صاحيا واعيا. وإنما يسهو الإنسان، أو يزل منه اللسان, فيضع كلمة مكان كلمة وهو لا يدري كما صنع أبو بكر أو كما رووا عنه ونسبوا إليه.
السادس: الاختلاف بشيء يسير من الزيادة والنقصان جريا على عادة العرب في حذف أدوات الجر والعطف تارة وإثباتها تارة أخرى. ولذلك لم تحفظ هذه الضروب من الزيادة والنقص إلا في أحرف قليلة محدودة مع التنبيه على شذوذ كل ما لم يحفظه الأئمة الثقات منها: فمن الزيادة قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ قرئ: "مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ"، وهما قراءتان متواترتان، وقد وافق كل منهم رسم مصحف الإمام٤، فإن زيادتها وافقت رسم المصحف المكي, وحذفها وافق غيره٥. ومن
стр. 104
النقصان قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ من سورة البقرة بغير واو، وقد وافقت رسم المصحف الشامي١. وأما قراءة "وَالذَّكَر والأُنْثَى" بدلا من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٢ بنقص لفظتي "ما خلق" وقراءة ابن عباس "وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا" بزيادة "صالحة" وإبدال كلمة "أمام" من كلمة "وراء" فقراءتان آحاديتان لا يثبت. بمثلهما قرآن٣.
ويشبههما في الآحادية زيادة لفظ "أنثى" في قوله تعالى: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ ٤ أنثى، وزيادة عبارة "وَكَانَ كَافِرًا" في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ٥ "وَكَانَ كَافِرًا"، وزيادة عبارة "وَصَلَاةِ الْعَصْرِ" في قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٦ وصلاة العصر، فهذه الزيادات جميعا أدرجت على سبيل التفسير والإيضاح, ولا سبيل إلى عدها حرفا من الأحرف السبعة ولو أثبتها ابن مسعود في مصحفه الخاص٧.
السابع: اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والهمز والتسهيل، وكسر حروف المضارعة، وقلب بعض الحروف وإشباع ميم الذكور، وإشمام بعض الحركات. من ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ٨، وقوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ٩ قرئ بإمالة "أتى" و"موسى" و"بلى" نحو الكسر، وقوله تعالى: ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ بترقيق الراءين، و"الصلاة" و"الطلاق"، بتفخيم اللامين.
стр. 105
وقوله تعالى: "قَدَ افْلَحَ"١ بترك الهمزة ونقل حركتها من أول الكلمة الثانية إلى آخر الكلمة الأولى. وهو ما يسمى تسهيل الهمزة.
وقوله تعالى: "لِقَوْمٍ يِعْلَمُون"، "نَحْنُ نِعْلَم"، "تِسْوَدُّ وُجُوه"، "أَلَمْ إِعْهَد", بكسر حرف المضارعة في جميع هذه الأفعال.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ فالهذليون يقرءون: "عتى عين" بقلب حاء حتى وحين عينا.
وقوله تعالى: "عَلَيْهِمُو دَائِرَةُ السَّوْءِ" "وَمِنْهُمُو مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات" بإشباع ميم جمع الذكور في كلتا الآيتين.
وقوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ بإشمام ضمة الغين مع الكسر.
والحق أن هذا الوجه الأخير أهم الأوجه السبعة؛ لأنه يبرز الحكمة الكبرى من إنزال القرآن على سبعة أحرف، ففيه تخفيف وتيسير على هذه الأمة التي تعددت قبائلها فاختلفت بذلك لهجاتها، وتباين أداؤها لبعض الألفاظ، فكان لا بد أن تراعي لهجاتها، وطريقة نطقها، أما لغاتها نفسها فلا موجب لمراعاتها؛ لأن القرآن اصطفى ما شاء بعد أن صهره في لغة قريش التي تمثلت فيها لغات العرب قاطبة٢ لا لغات قبائل معينة ينتصر لها بعض العلماء بتعسف لا يؤيده دليل عقلي ولا نقلي.
ذلك بأن العرب حين استصفوا لهجة قريش وجعلوها لغتهم الأدبية المشتركة أثروا فيها مثلما تأثروا بها، فصدق على لهجة قريش ما يصدق على اللغات جميعا من قوانين التأثر والتأثير، وهي قوانين لا تكاد تتخلف إذا درسنا اللغة على أنها ظاهرة إنسانية٣.
стр. 106
لكن القرشية -باعتراف من جميع القبائل وبطواعية واختيار من مختلف لهجاتها- كانت أغزرها مادة، وأرقها أسلوبا, وأغناها ثروة، وأقدرها على التعبير الجميل الدقيق الأنيق في أفانين القول المختلفة١, فاصطنعت وحدها في الكتابة والتأليف والشعر والخطابة، حتى كان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته ويتجنب صفاتها الخاصة في بناء الكلمة وتركيب الجملة والنطق بالأحرف, ليتحدث إلى الناس بلغة ألفوها، وتواضعوا عليها بعد أن أسهمت عوامل كثيرة في صقلها وتهذيبها٢.
لقد صادف الإسلام إذن -حين ظهوره- لغة مثالية مصطفاة جديرة أن تكون أداة التعبير عند خاصة العرب لا عامتهم، فزاد من شمول تلك الوحدة وقوى من أثرها بنزول قرآنه بلسان عربي مبين هو ذلك اللسان المثالي المصطفى.
بيد أن هذه الوحدة اللغوية التي صادفها الإسلام حين ظهوره, وقواها قرآنه بعد نزوله، لا تنفي ظاهرة تعدد اللهجات قبل الإسلام وبقاءها بعده، بل من المؤكد أن عامة العرب لم يكونوا إذا عادوا إلى أقاليمهم يتحدثون بتلك اللغة المثالية الموحدة، وإنما يعبرون بلهجاتهم الخاصة، وتظهر على تعابيرهم صفات لهجاتهم, وخصائص ألحانهم٣. قال ابن هشام: "كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن ههنا كثرت الروايات في بعض الأبيات"٤.
وبإزاء هذه الظاهرة التي لا يمكن دفعها، اكتفى القرآن بتحدي خاصة العرب وبلغائهم أن يأتوا بمثله أو بآية من مثله تثبيتا للوحدة اللغوية, بينما لجأ إلى التوسعة في القراءات، ومراعاة اللهجات، في أحرفه القرآنية السبعة التي خفف بها على العامة، ولم يكلفهم النطق بغير اللهجة التي تجري
стр. 107
بها ألسنتهم في يسر وسهولة"١: وذلك ما لاحظه ابن الجوزي حين قال: "وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفا لها, وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق". ويفسر ذلك بقوله: "وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين والنبي ﷺ بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم, عربيهم وعجميهم، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم: لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر. بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج٢".
وأهمية هذا الوجه الآخير -أعني اختلاف اللهجات- جعلت بعض العلماء يحصرون الأحرف السبعة في أنواع اللهجات، بينما أغفل آخرون ذكر هذا الوجه إغفالا تامًا، لأنه -على حد قول ابن قتيبة: "ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى، لأنه هذه الصفات المتنوعة في أدائه، لا تخرجه عن أن يكون واحدًا"٣. وفي كلا الرأيين مغالاة، فالأوجه الستة السابقة على جانب من الأهمية لا يسمح بإسقاطها والاكتفاء بالوجه السابع. كما أن اختلاف اللهجات في أداء بعض الأصوات أمر واقع بين الصحابة، بل لعله كان أشد أنواع الاختلاف دورانًا على الألسنة. فلا يجوز إغفاله والاكتفاء بأوجه أخرى لا تستقرى بها مختلف ضروب الأداء. وهذا النقص في استقراء الأقدمين للأوجه السبعة قد حملنا على أن نسلك في طريقة استقرائنا لها سبيلا مخالفة لهم جميعا، فلم نختر مذهب أبي الفضل الرازي٤ الذي فضله الزرقاني في "مناهله" على مذهب ابن قتيبة وأبي الخير بن الجزري والقاضي أبي بكر بن الطيب
стр. 108
الباقلاني١، كما لم تختر مذهب واحد من هؤلاء. أما الرازي فلأنه لم يعرض قط في كتابه "اللوائح" إلى وجه الاختلاف في الحروف, نحو "يعلمون وتعلمون" مع أنه لا يندرج تحت واحد من الأوجه الستة الباقية التي ذكرها، ثم إنه جعل اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر وجها خاصا قائما برأسه, مع أنه يندرج تحت وجه الاختلاف في الإعراب. وأما الثلاثة الآخرون فحسبنا لكيلا نسلم بمذاهبهم أنهم جميعا أغفلوا وجه الاختلاف في اللهجات عمليا، وإن دافع عنه بعضهم نظريا.
ونحن حين نقول: إن الأوجه السبعة التي استقرأناها، تستقصي كل اختلاف في أداء القرآن، لا نعني وجوب التزام هذه الأوجه السبعة في الكلمة الواحدة، فقد يكون في كل كلمة على حدة وجهان أو أكثر، وقد يكون فيها وجه واحد فقط، وإنما نقصد أن هذه الأوجه السبعة ترد الاختلافات إلى أحد وجوهها المناسبة حين يتحقق وجود الاختلاف٢.
وإذا كنا نحن قد استطعنا حصر أوجه الاختلاف في سبعة، فقد وقع لنا ذلك اتفاقًا، بعد أن جمعنا آراء الأقدمين ووفقنا بينها، وأما الصحابة الكرام الذين نزل القرآن بأحرفه السبعة ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، يقرؤهم بها, وينبههم إليها، فكان أكثرهم يومئذ أميين لا يقرءون ولا يكتبون، وما كان يتاح لهم أن يحددوا المراد من الأحرف السبعة، وإنما كانوا يعرفون أن أوجه الخلاف لا تخرج عن سبعة في جميع مفردات القرآن, وقد اجتمعت عمليا من مختلف قراءاتهم التي أقرهم عليها الرسول ﷺ وانتهى العلم بها إلينا أحرف القرآن السبعة التي لم نعرفها نحن إلا بطريق الاستنباط والاستقراء.
стр. 109
الباب الثالث: علوم القرآن
الفصل الأول: لمحة تاريخية عن علوم القرآن
كان الصحابة عربا خلصا يتذوقون الأساليب الرفيعة، ويفهمون ما ينزل على رسول الله ﷺ من الآيات البينات، فإذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن سألوا عنه النبي ﵊ "كسؤالهم١ لما نزل ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٢ فقالوا: أينالم يظلم نفسه! ففسره النبي ﷺ بالشرك، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ أما رسول الله ﷺ فقط آتاه الله الكتاب وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، فلم تكن الحاجة ماسة إلى وضع تآليف في علوم القرآن في عهد الرسول والصحابة٤.
стр. 110
وكان أكثر الصحابة أمين, ولم تكن أدوات الكتابة متسيرة لديهم، فكان ذلك حائلا أيضا دون التأليف في هذا العلم. زد على ذلك أن رسول الله ﷺ نفسه قد نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن, وقال لهم أول العهد بنزول الوحي: "لا تكتبوا عني, ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وحدثوا عني ولا حرج. ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ١ وكان ذلك مخافة أن يختلط القرآن بما ليس منه.
ولقد ظلت علوم القرآن تروى بالتلقين والمشافهة عل عهد رسول الله ﷺ ثم على عهد الشيخين أبي بكر وعمر. وفي خلافة عثمان بدأ اختلاط العرب بالأعاجم، وأمر عثمان أن يجتمعوا على مصحف إمام وأن تنسخ منه مصاحف للأمصار, وأن يحرق الناس كل ما عداها، وقد رأينا تفصيل ذلك والأسباب الداعية إليه.
ويعنينا الآن أن عثمان بنسخ المصاحف قد وضع الأساس لما سمي فيما بعد "بعلم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني".
وقد اشتهر أيضا أن عليا ﵁ أمر أبا الأسود الدؤلي٢ "المتوفى سنة ٦٩" بوضع بعض القواعد للمحافظة على سلامة اللغة العربية. فكان علي بذلك واضع الأساس لعلم إعراب القرآن.
وفي وسعنا أن نقول: إن الممهدين لهذا العلم هم:
١- الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير٣ من الصحابة.
٢ - مجاهد وعطاء بن يسار وعكرمة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم في المدينة من التابعين.