في تلك القصة١ فما لهم حاجة في معرفة زمانها ولا مكانها، ولا أسماء أشخاصها ولا أشكالهم ولا أعدادهم، ولا الطريقة التي صينوا بها في فجوة من الكهف لم يعبث بهم عابث حتى جاء الوقت المعلوم. بل اتجه القرآن إلى عبرة هذه القصة يستخلصها للمؤمنين ويحملهم على استخلاصها بأنفسهم، فليس لهم أن يقفوا غير ما علموه في الماضي وما يمكنهم الساعة أن يعلموه. أما المستقبل فهو غيب محجب لا يقطع أحد فيه بقول ولا عمل، وإنما يحسن فيه التفكير، والتدبير ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ٢.
وأما قصة موسى مع العبد الصالح فارتباطها بشئون الغيب أوثق من ارتباط قصة الكهف بتلك الشئون: فإن مشاهدها الأربعة المعروضة في هذه السورة قد تصادم ما تعارف الناس على تسميته بمنطق الأشياء والأحداث، وقد تثير بغرائبها الاستنكار، بيد أنها تحل أبسط حل وأيسره إذا ما عرضت على الصعيد الغيبي بمفاجآته ومعجزاته.
وأول تلك المشاهد الأربعة بطله موسى كليم الله، وهو -على ما فيه من عجب- ليس شيئا ذا بال حين يقاس بالمشاهد الثلاثة الباقية التي كان بطلها عبدًا صالحا آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما.
إن موسى -في المشهد الأول- مصمم على بلوغ مجمع البحرين٣.
стр. 212
ولو مضى حقبا حتى يصل إليه، ويريد الله له أن يلتقي بالعبد الصالح فينسيه حوتا كان قد أعده للأكل فتاه، ولعله شواه، لكن هذا الحوت المشوي دبت فيه الحياة مرة أخرى فسرب في البحر واتخذ سبيله فيه. وعجب فتى موسى للمفاجأة الغريبة. أما موسى فلم يعجب بل أدرك أن المكان الذي نسيا فيه حوتهما هو الموعد المحدد للقاء العبد الصالح، فعادا إلى آثارهما فوجدا الرجل الذي كان يبحثان عنه١.
وفي المشهد الثاني يختفي فتى موسى، وينفرد نبي الله موسى بحوار مع العبد الصالح ذي العلم اللدني، ويلتمس النبي الكريم من الولي الصفي أن يصاحبه في رحلته ويتعلم من لدنه شيئا من حقائق الغيب التي كشف الله له حجابها فيشترط العبد الصالح على نبي الله موسى الصبر والطاعة من غير تردد ولا استفسار ولا استنكار، ويركبان سفينة، فإذا العبد الصالح يخرقها بمن فيها حين أمست في ثبج البحر، فغلبت موسى طبيعته وأنكر على رجل العجائب فعلته، وعجب له كيف يغرق السفينة فيعرض ركابها للهلاك، ويشتد الحوار بين الرجلين ويعاهد موسى ذلك العبد الصالح على أن يجنبه الإرهاق بكثرة المراجعة والتساؤل.
وفي المشهد الثالث يلتقي الرجلان في طريقهما بغلام، فيقتله العبد الصالح، فيثور موسى في وجهه، ويعترض على قتله النفس الزكية الطاهرة قتلا عمدا، ويذكره رجل العجائب بعهده، فيعتذر موسى كرة أخرى وينوي ألا يسأل العبد الصالح شيئا.
وفي المشهد الرابع يدخلان مدينة بخيلة لا تؤوي ضيفا ولا تطعم جائعا، فيجدان فيها جدارًا يوشك أن ينقض، فيقيمه الرجل الغريب دون مقابل مع أنهما كانا جائعين يستطعمان، فما لرجل الأسرار لا يطلب أجرا يأكلان به من أهل القرية البخلاؤ٢؟
стр. 213
وبتدخل موسى مرة ثالثة في المراجعة والاستفسار أضاع آخر فرصة له في مصاحبة الرجل، وأنشأ يستمع في عجب شديد لتأويل العبد الصالح لمواقفه الغامضة بكل مفاجآتها وأسرارها.
أما خرقه للسفينة فكان سببا لسلامتها وصيانتها لمساكين يعملون في البحر، إذ كان ملكهم في تلك الفترة ظالما يغتصب السفن الصالحة, فنجت هذه بعيبها من الاغتصاب.
وأما قتله للغلام -مع أنه يقترف ما يوجب قتله شرعا- فكان رحمة بأبويه المؤمنين, إذ أعلم الله العبد الصالح أن هذا الغلام لو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، فقد طبع كافرًا١، ولولا إطلاع الله عبده الصالح على حقيقة هذا الأمر الغيبي المحجب لما كان له ولا لسواه قتل نفس زكية بغير حق.
وأما إقامته الجدار بلا مقابل فلم تكن خدمة لأهل القرية البخلاء، وإنما كانت فرصة لصيانة كنز تحت الجدار ليتيمين صغيرين خبأ لهما أبوهما ذاك الكنز ليستخرجاه من تحت الجدار متى بلغا أشدهما, فلما رآه البعد الصالح ينقض أقامه بإذن الله لئلا ينكشف أمره لأهل المدينة فينتزعوا ملكيته من أيدي الصغيرين اليتيمين.
وبهذا التأويل لم يزعم العبد الصالح لنفسه علم الغيب، بل إلى الله حكمة ما صنع، واعترف بعجزه المطلق عن فعل أمر لم يأذن به الله، وكان رمزا للعلم الغيبي اللدني الذي يتمثل -بإرادة الله- في شخص رجل من الناس، ليس بالنبي المعروف ولا الرسول المشهور, فقد سكت حتى عن اسمه القرآن! ٢.
стр. 214
ولعل القصة الثالثة عن ذي القرنين تبدو -في الظاهر- أضعف صلة بشئون الغيب من قصتي أصحاب الكهف والعبد الصالح. فإنها لا تعدو أن تكون وصفا لرحلات ثلاث إلى الشرق والغرب والوسط قام بها رجل يسمى ذا القرنين. لكن الجو الغامض الذي أحيط بهذه الرحلات، وتراءى غموضه كالمقصود في القرآن، يلوح بالمعاني الغيبية من وراء ستار: فقد بلغ ذو القرنين هذا مغرب الشمس في رحلته الأولى، ومشرقها في رحلته الثانية، والمنطقة المتوسطة "بين السدين" في رحلته الثالثة.
وفي رحلته الغربية وجد الشمس تغرب في عين ﴿حَمِئَةٍ﴾ كثيرة الطين اللزج١، في موضع تكثر فيه المياه والأعشاب، وقد سكت القرآن عن تحديد تلك العين "الحمئة"، فألقانا الغموض المقصود في تجهيل شديد ربما كان يفوق سرية الأمور المسماة "بالغيبة".
وفي رحلته الشرقية وجد الشمس تطلع على قوم لا ستر لهم دونها، فربما أفاد هذا أن القوم كانوا عراة، وربما أشار إلى أن أرضهم مكشوفة تطلع الشمس عليهم فيها بلا ساتر، وليس في النص ما يقطع بأسماء القوم ولا باسم الأرض التي كانوا فيها ينزلون.
أما رحلته المتوسطة بين ﴿السَّدَّيْنِ﴾ فكل ما فيها يدعو إلى الرهبة الشديدة التي يفوق الشعور بها أحيانا شعور التهيب لدى مواجهة الغيب وأسراره: فالقرآن هنا يذكر موضعا بعينه يسميه ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ مثلما يذكر قوما بأعيانهم يسميهم ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ ويصفهم بالإفساد في الأرض٢. وما نظن هذه
стр. 215
الألوان من الغموض إلا مقصودة في هذا السياق، فإن حديث القرآن عن ذي القرنين لا يشبه -ولا ينبغي أن يشبه- حديث كتاب في السيرة عن الفتوحات التي أتمها فاتح عظيم، وإنما يرسم القرآن -في غضون هذه الرحلات الثلاث- ملامح إنسان شديد الصلة بالله، لم يكن سلطانه بقوته الشخصية بل مكن الله له في الأرض، وآتاه من كل شيء سببا، وهتف به أو ألهمه أو أوحى إله -كما يريد- في الملمات ليوجهه أفضل الوجهات، حتى قال له عند العين الحمئة: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ .
وتبدو صلته بالله شديدة وثقى في قوله للقوم -عند بناء السد: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي﴾ ثم قوله عند انتهائه من هذا البناء: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ ١.
وهكذا اختيرت تلك القصص الثلاث في سورة "الكهف" لمعالجة شئون الغيب، وردها جميعا إلى الذي يحفها بالأسرار، ولا يميط عنها اللثام إلا بمقدار، ولا يأذن لأحد برؤيتها إلا من وراء ستار.
وإذا صححنا الرواية التي تزعم أن أهل مكة بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة لالتماس أسئلة منهم تحرج محمدًا ﷺ ، وأن أولئك الأحبار أغروا رسولي قريش بسؤال النبي الكريم "عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان لهم من حديث عجيب، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه"٢، تجلى لنا في هذه السورة عمق الدرس القرآني الذي اتجه إلى المؤمنين ينهاهم عن الرجم بالغيب، ويحذرهم من
стр. 216
الجدل العقيم، ويصل قلوبهم بربهم علام الغيوب: فالموضوع الذي هدفت إليه السورة هو -بالمقام الأول- بناء العقيدة بناء سليما في ذات الله، وفي شئون الغيب الموكولة إلى علم الله.
وفي السورة بعد ذلك ومضات سريعة تخللت بعض مقاطعها مصغرة للقيم المادية١، معرضة بفناء الدنيا وسرعة زوالها٢، داعية إلى صبر الأنفس مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي, مؤكدة أن الاعتزاز الحقيقي إنما يكون بالإيمان والتقوى٣، وأن الكافرين بلقاء ربهم هم الأخسرون أعمالا٤. ولا ريب أن تخلل السورة بهذه الومضات السريعة يتناسق مع محورها الأساسي الذي رأيناه يدور حول بناء العقيدة, فلا بد في هذا البناء من تصحيح النظر إلى قيم الأشياء ومقاييس الحياة.
ومع سورة "إبراهيم" ننتهي إلى الحلقة الأخيرة المختارة من سور المرحلة المكية الختامية, فيخيل إلينا أننا نواجه فيها تكرارا لحقائق شديدة الشبه بما عرفناه في تحليل السور المكية الماضية، ولا سيما في أواخر المرحلة الثانية، وأن عيوننا تقع فيها أيضا على مشاهد مكررة وكأنها ظلال المشاهد السابقات:
стр. 217
فإن أبرز الحقائق التي تعالجها سورة "إبراهيم" وحدة الدعوة التي نادى بها رسل الله، وتنزيه الله عن كل شريك، وتذكير المشركين بالبعث والحساب، وعرض آلاء الرحمن التي يكفر بها الإنسان، وإن أبرز المشاهد التي رسمتها سورة "إبراهيم" مواقف المكذبين المعاندين للأنبياء، وصور المجرمين في جهنم والمتقين في الجنات، وسياط التبكيت والتأنيب تصب على الإنسان الظلوم الكفار الذي يتعامى عن صفحات الكون الجميلة وهي معروضة على الأنظار١.
وإنها لنظرة عجلى لا يكتفي بمثلها إلا الذي يقرأ القرآن غافلا عن الأضواء الخاصة التي تتوهج في كل سورة, وعن الإيحاءات الخاصة التي يبثها في القلوب كل مقطع قرآني جديد.
ولعل أهم ما امتازت به هذه السورة أن مظللة في جميع مقاطعها بشخصية النبي الصفي الذي سميت باسمه: شيخ الأنبياء إبراهيم. فمن خلال دعوته المباركة برزت وحدة الرسالة في جميع الأجيال, وفي ظلال إيمانه الراسخ نبتت فكرة التوحيد، وفي إطار من قلبه المنيب رسمت لوحات الكون الجميل, ثم صورت مواقف الشكر والجحود.
وينبغي ألا يفوتنا أن إبراهيم إنما ذكر في وسط السورة أثناء الحديث عن نعم الله التي لا تحصى، وأن صورته فيها جسمت "نموذج" الصبار الشكور, الذي لا ينفك يبتهل إلى الله ويسبح بحمده بكرة وعشيا، ولكن هذه الصورة طبعت السياق كله طبعة واحدة وتركت في كل مقطع منه ظلا من إبراهيم الخليل.
ولقد جاء في مطلع السورة ذكر موسى، ثم تلاه ذكر قوم نوح وعاد وثمود، إلا أن هذه الأسماء الضخمة -رغم تمهل السياق في عرض طائفة من الأحداث المرتبطة بها- لم يكن لها في محور السورة توجيه: فما تحدثت
стр. 218
الآيات عن موسى، وإخراجه قومه من الظلمات إلى النور، وتذكيره إياهم بنجاتهم من آل فرعون١، إلا ليكون رمزا لوحدة الرسل التي نادى بها إبراهيم، لذلك لم يلبث السياق أن انتقل إلى حقيقة الرسالة وحقيقة دعوتها إلى الاعتقاد بالله الواحد، على لسان نوح وعاد وثمود: ففي أزمنة مختلفة ومواضع متعددة جاء أولئك الرسل جميعا بأصول متماثلة بينة لا تخفى حقائقها على أولي القلوب والأبصار. وكل رسول من أولئك المصطفين الأخيار كان يثير انتباه قومه إلى شكهم المريب كلما تعاموا عن آيات الله في السموات والأرض, وكل رسول منهم كان يقرر بشريته ولا ينكرها قائلا لقومه المكابرين: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٢، وما كان فيهم إلا مواجه للطغيان، صبور على الاضطهاد، متوكل على الله، كأن كلا منهم صورة مكررة من أبيه إبراهيم: به يقتدي، وعلى آثاره يسير، وهكذا برزت وحدة الرسالة ونبتت فكرة التوحيد في ظلال من إيمان إبراهيم.
ثم تقلب في السورة صفحات مضيئة من كتاب الكون الكبير: في الماء المنهمر من السماء، والثمر النابت من الأرض، والشمس بضيائها الوهاج، والقمر بنوره الفضي، وفي كل صفحة من تلك الصفحات نرى أبا الأنبياء إبراهيم قارئا يتدبر، خاشعا يتبتل، كأن دعاءه الضارع يتكرر كلما لهج لسان بحمد الله! وهكذا رسمت لوحات الكون الجميل في إطار من قلبه المنيب.
ويريد الله في هذه السورة أن يمد ظلال "خليله" على هذه اللوحات مدا،
стр. 219
فيصور دعاءه الخاشع صاعدا إليه ذاهبا في السماء، حين يسأله للبلد الحرام الأمن والسلام، ويرجوه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، ويطمع في رضاه عن كل من تبع سبيله، ولا يستعجل لمن حاد عن الصراط عذاب الخزي والهوان, ويحمد الله على أن وهبه على الكبر إسماعيل وإسحاق، ويختم بابتهال ضارع أن يغفر الله له ولوالديه وللمؤمنين يوم يقوم الحساب١.
وينعكس، في مقابل هذه الصورة، "نموذج" آخر يجسد الإنسان الكافر الكنود الذي يتلو كتاب الكون بلسان جاحد، وينظر إلى آفاقه الجميلة ببصر حسير، فلا يبالي بشيء مما سخره الله له في السماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والنجم والشجر، واليل والنهار. وعلى أمثاله يلقي القرآن سياط التقريع والتأنيب تهز القلب وتلذع الوجدان وهو يقول: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٢.
وإبراهيم, الذي عرضت من خلال شخصيته النبوية الكبرى تلك العقائد والتعاليم لم يك مجهولا في مكة: فجميع المكيين يعظمون إبراهيم, ولم يك مجهولا في المدينة فجميع يهود يثرب كانوا يقدسون الخليل, ولم تكن أخباره خافية على النصارى حيثما وجدوا فإن له في قلوبهم مكانة يغبطه عليها سائر النبيين: فإلقاء الأضواء على عقيدة التوحيد وعلى دعوة الرسل في إطار من شخص إبراهيم قد لون هذه السورة لونا يجمع على استحسانه أهل مكة وأهل التوحيد، وفتح باب الإيمان على مصراعيه أمام الحنفاء للدخول في دين الله أفواجا، وجاء في أواخر الوحي المكي إرهاصًا لأوائل السورة المدنية التي دأبت على تعظيم إبراهيم، وعلى تألف قلوب اليهود بمثل هذا التعظيم، وفي هذه الأضواء الخاصة برزت سورة "إبراهيم" بنمط فريد، في عرض فكرة التوحيد٣.
стр. 220
وعقب تحليلنا لهذه السورة -بعد سورتي الصافات والكهف- أشرفنا على نهاية الوحي في مكة، وبتنا نستشعر جوا جديد يكاد يجعل المرحلة المكية الثالثة مرحلة انتقالية تتوسط بسورها الطوال وحي مكة الذي تم نزوله ووحي المدينة الذي سيتعاقب على ما يجد من الوقائع بعد الهجرة, وربا فسرنا -في ضوء هذه المرحلة الانتقالية- كثرة الآيات والمقاطع التي التبست على المفسرين فظنوها مدنية واستثنوها من بعض السور المكية غافلين عن العامل الزمني الذي نعتقد نحن أنه فرض تلك المقاطع ذات الطابع المدني على سور طابعها مكي -مع أن السور برمتها مكية خالصة- وفقا لتمهيده الطريق بين مراحل الوحي المدني المقبل سريعا من وراء حجاب الغيب.
ولقد امتازت سور المرحلة المكية الختامية بطولها وطول آياتها، وافتتاح طائفة منها ببعض الحروف المقطعة، وتوجيه الخطاب فيها إلى الناس جميعا لا إلى أهل مكة وحدهم، والتذكير بطاعة الله ورسوله تمهيدا لما سيفصل في المدينة من الفرائض والواجبات، والدعوة إلى الإحسان والعمل الصالح للفوز بالجنة والنجاة من النار، وتوضيح شئون الغيب المتعلقة بذات الله وصفاته، أو بالملائكة والجن، أو بالأنبياء والأولياء، أو بالمعجزات والكرامات، ورد الهداية والضلال إلى الله إلى جانب ما يتصرف به الإنسان في حدود حريته واختياره، وعرض قصص النبيين ولا سيما أئمتهم المعظمين كإبراهيم, وتصوير عقيدة التوحيد بأسلوب جديد.
ولا ريب أننا أسهبنا الحديث عن السور المكية بمراحلها الثلاث، وكان مقصدنا من ذاك الإسهاب واضحا: هو تقصي أطوار التنزيل لتعيين السابق منها والمسبوق، وإبراز الملامح الصريحة التي تعيننا على ترجيح الإطار الزمني المتنزلة فيه طائفة من السور والآيات. وقد أشرنا آنفا إلى صعوبة الجزم في تصوير المراحل المكية، ولا سيما في بدء الوحي, وإلى سهولته في تعيين المراحل المدنية حتى آخر ما نزل من الوحي، وعللنا ذلك بانتشار الإسلام
стр. 221
وتيسر أدوات النسخ والكتابة والنقل في المدينة.
وإذا أغفلنا النزر القليل الذي اختلفت في مدنيته، أو تعددت الروايات في سبقه وتأخره، وسعنا أن نتفق مع المحققين من المفسرين على أن المرحلة المدنية الأولى افتتحت بالبقرة، ثم تلتها الآنفال، ثم آل عمران، فالأحزاب، فالممتحنة، فالنساء، فالحديد، وأن المرحلة المدنية المتوسطة بدأت بسورة محمد، ثم تلتها الطلاق، فالحشر، فالنور, فالمنافقون، فالمجادلة، فالحجرات، وأن المرحلة الثالثة والنهائية في المدينة استهلت بالتحريم, ثم تلتها الجمعة، فالمائدة، فالتوبة، فالنصر.
ولعل القارئ يتوقع -رغم طول هذا الفصل بين يديه -أن نختار الآن أيضا من كل زمرة من هذه الزمر المدنية الثلاث سورة واحدة نحللها على نحو ما صنعنا في المراحل المكيات الثلاث، فنستغني بسورة "البقرة" عن الزمرة المدنية الأولى، وبـ"النور" عن الثانية، وبـ"المائدة" عن الثالثة الختامية.
ولكننا نؤكد لكل من قرأ هذا الفصل بعناية -وما نظننا بحاجة إلى التأكيد- أننا حتى لو اكتفينا بعرض الخطوط التشريعية الكبرى في هاتيك السور "النموذجية" الثلاث، لطال بنا الحديث، وغلبت على أسلوبنا عبارات الأصوليين والفقهاء، وخرجنا بكتابنا عن الغاية الأدبية التي من أجلها ألفناه: فإن الحقائق الشرعية في العبادات والمعاملات, والحلال والحرام, والأحوال الشخصية والقوانين الدولية, وشئون السياسة والاقتصاد, وأحوال السلم والحرب، ووقائع المعارك والغزوات، تتردد في جل هذه السور المدنية بنسب متفاوتة, وأشكال متغايرة تتجدد باستمرار, بل بأشكال تبدو جدتها أحيانا ناسخة لما قبلها، أو مبدلة لحكمه١، أو مفصلة على الأقل لشيء من إجماله، ومقيدة لبعض إطلاقه، ومخصصة لبعض عمومه. لذلك رأينا أن
стр. 222
الإشارة إلى هذه القضايا المتشابكة في التنزيل المدني تغني عن تفصيل الجزئيات ولو كانت هذه الجزئيات لا تعدو الخطوط العريضة الكبرى.
وبحسبنا -إن غضضنا النظر عن تعاقب المراحل المدنية ابتداء ووسطا وختاما- أن نومئ فقط إلى رءوس المسائل التي وردت في سورة واحدة من المرحلة المدنية الأولى هي سورة الأنفال، أو سورة بدر الكبرى كما كان يسميها عبد الله بن عباس١.
افتتحت هذه السورة بالحديث عن الآنفال، فالمعركة قد انتهت، والنصر قد تحقق، وبدأ المسلمون يختلفون في الغنائم والأسلاب، ثم رسمت صورة فريق من المؤمنين أقبلوا على المعركة كارهين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، ثم صورت استغاثة المؤمنين بربهم، ومده لهم بالملائكة والنعاس والماء يذهب عنهم رجس الشيطان، ثم أمست عبارتها صاخبة بما توالى فيها من الأوامر والأحكام العسكرية المتعلقة بالفرار يوم الزحف، ويمتن الله -بعد ذلك- على المؤمنين بالنصر، فما قتلوا عدوهم ولكن الله قتلهم، وما النصر إلا من عند الله، وتتعاقب التعاليم الدينية والأخلاقية للمؤمنين بعد المعركة، فليطيعوا الله والرسول، وليحذروا الفتن العامة التي يختلط فيها الفاسد بالصالح, وليحذورا خيانة الله وخيانة أماناتهم وهم يعلمون.
وتستعرض السورة -في غضون هذه التعاليم- صورا من مكر الكافرين وعنادهم، وتقرر مبادئ عامة في اضمحلال القوى الكافرة واستحالة أموالها حسرات عليها. ثم تنذر الكافرين بقتالهم لحماية العقيدة ونشر دين الله, وتتحدث عن الغنائم وطرقة توزيعها ومصارفها، وتصور جانبا من معركة بدر وتفصل وقائعها حين كان المؤمنون بالعدوة الدنيا والمشركون بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم، وترتد إلى المؤمنين, كرة أخرى تحذرهم من الاغترار بالنصر، ومن السير للقتال بطرا ورياء، وتعرض عليهم صورة الكافرين على
стр. 223
فراش الموت، ثم تدعو إلى إعداد القوة لحماية السلم, وترغب صراحة في الجنوح للسلم إذا جنح لها الأعداء، ولكنها تظل تحرض المؤمنين على القتال، وتثير فيهم القوة المعنوية، وتجعل أحدهم في حال الضعف كفوءا لاثنين من المشركين وفي حال القوة كفؤا لعشرة من الرجال، وتعود إلى بدر فتعتب على النبي وصحبه لأخذهم الفداء من الأسرى وإيثارهم عرض الدنيا على الآخرة، وتقرر في الختام أنواع الولاية الأربعة وترتب على هذه التصنيفات بعض الحقوق والواجبات١. وتظل الأدة المفضلة لعرض هذه التشريعات هي التصوير، فما ألقيت تفصيلاتها جافة كما تلقى أحكام القانون.
وهكذا كان تنوع الموضوعات هو الباعث الأهم على تنوع الأسلوب القرآني، فما هما بالأسلوبين المتعارضين اللذين لا تربط بينهما صلة، وإنما هو أسلوب واحد يشتد أو يلين، ويفصل أو يجمل تبعا لحال المخاطبين. وهذا سر من أسرار الإعجاز التي يمتاز بها القرآن الكريم.
стр. 224
الفصل الرابع: لمحة خاطفة عن فواتح السور
من خصائص السور المكية -كما رأينا- حروف التهجي يفتتح الله بها مواضع من كتابه. وأهمية هذه الفواتح تحملنا على دراستها في بحث خاص نحاول أن نصل فيه إلى الحكمة من وجودها.
إن في القرآن صيغا مختلفة من هذه الفواتح، فمنها البسيط المؤلف من حرف واحد، وذلك في سور ثلاث: صاد وقاف والقلم "س ٣٨، ٥٠، ٦٨" إذ تفتتح الأولى بحرف ص, والثانية بحرف ق, والثالثة بحرف ن, ومن هذه الفواتح عشر مؤلفة من حرفين سبع منها متماثلة تسمى "الحواميم" لأن أوائل السور المفتتحة بها هي ﴿حم﴾ وذلك ابتداء من سورة "٤٠" حتى "٤٦"١ والسورة الثانية والأربعون منها خاصة مضموم إلى حم فيها ﴿عسق﴾ وتتمة العشر ﴿طه﴾ في السورة العشرين، ﴿طس﴾ ، في السورة السابعة والعشرين ﴿يس﴾ في السورة الثامنة والثلاثين. أما الفواتح المؤلفة من ثلاثة أحراف فيجدها القارئ في ثلاث عشرة سورة, ست منها على هذا التركيب ﴿الم﴾ وهي في السور "٢، ٣، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢"٢.وخمس منها بلفظ ﴿الر﴾ في مستهل كل من سور يونس وهود ويوسف وإبراهيم
стр. 225
والحجر "س١٠، ١١، ١٢, ١٤، ١٥" واثنتان منها تأليفهما هكذا ﴿طسم﴾ في السورتين السادسة والعشرين والثامنة والعشرين١. بقي أن ثمة سورتين مفتتحتين بأربعة أحرف، إحداهما سورة الأعراف التي أولها ﴿المص﴾ والأخرى سورة الرعد التي في مستهلها ﴿المر﴾ . وتكون سورة مريم أخيرا السورة الوحيدة المفتتحة بخمسة حروف مقطعة ﴿كهيعص﴾ .
يتضح من هذا العرض المفصل أن مجموعة الفواتح القرآنية تسع وعشرون، وأنها على ثلاثة عشر شكلا، وأن أكثر الأحرف ورودا فيها الألف واللام، ثم الميم ثم الحاء، ثم الراء ثم السين، ثم الطاء، ثم الصاد، ثم الهاء والياء، والعين والقاف، وأخيرًا الكاف والنون، وجميع هذه الحروف الواردة في الفواتح من غير تكرار يساوي أربعة عشر، وهي نصف الحروف الهجائية، وبذلك يستأنس المفسرون القائلون: إن فواتح السور إنما ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا الكتاب الكريم مؤلف من حروف التهجي المعروفة فجاء بعضها مقطعا منفردا، وجاء تمامها مؤلفا مجتمعا, ليتبين للعرب أن القرآن نزل بالحروف التي يعرفونها فيكون ذلك تقريعا لهم ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله٢. وقد أسهب في بيان هذا الرأي من المفسرين الزمخشري, وتبعه اليضاوي٣، كما انتصر لذلك ابن تيمية٤، وتلميذه الحافظ المزي٥.
стр. 226
ولاحظ أصحاب هذا الرأي -وهم في أوج حماستهم لفكرتهم هذه- أن تحدي القرآن للعرب أن يأتوا بمثله يزداد وضوحا، ويكتسب قوة، بظاهرة غريبة حقا نعجب لدراستهم لها والتفاتهم إليها. لم يكتف القرآن باشتماله على فواتح مختلفة يبلغ تعدادها تمام حروف الهجاء، ولا بتأليفه تلك الفواتح من نصف الحروف الهجائية, بل حوى فوق ذلك من كل جنس من الحروف نصفه، فمن حروف الحلق١، الحاء والعين والهاء، ومن المهموسة٢ السين والحاء والكاف والصاد والهاء، ومن المجهورة الهمزة والميم واللام والعين والراء والطاء والقاف والياء والنون، ومن الحرفين الشفهيين الميم، ومن القلقلة القاف والطاء.. إلخ٣، ثم إن هذه الحروف ذكرت تارة مفردة، وتارة حرفين حرفين، وطورا ثلاثة ثلاثة، وأحيانا أربعة وخمسة، لأن تراكيب الكلام على هذا النمط ولا زيادة على الخمسة.
وإذا كنا اليوم -بعقلية القرن العشرين- لا نرى في هذا الأمر أكثر من مصادفة فما كان ليخطر على بال السلف الصالح إلا أن الفواتح نظمت في القرآن على هذا النمط منذ الأزل, لتحتوي على كل ما من شأنه إعجاز البشر عن الإيتان بمثل هذا الكتاب العزيز ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
وإن الاعتقاد بأزلية هذه الأحرف قد أحاطها بجو من التورع عن تفسيرها والتخوف من إبداء رأي صريح فيها، فهي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلى الله، وهي -كما قال الشعبي: "سر هذا القرآن٤". وفي هذا المعنى قول علي بن أبي طالب: "إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي" وقول أبي بكر الصديق: "في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور"، ونقل أهل الأثر عن ابن مسعود والخلفاء الراشدين
стр. 227
"أن هذه الحروف علم مستور وسر محجوب استأثر الله به"١. حتى الذين خاضوا في معنى هذه الفواتح لم يدلوا فيها برأي قاطع، بل شرحوا وجهة نظرهم فيها مفوضين تأويلها الحقيقي إلى الله. وأزلية هذه الأحرف ما انفكت -على سائر الأقوال- تحيطها بالسرية، وسريتها تحيطها بالتفسيرات الباطنية, وتفسيراتها الباطنية تخلع عليها ثوبا من الغموض لا داعي إليه, ولا معول عليه.
وأدخل تلك الآراء في معنى الغموض قول من عد هذه الحروف على حساب "الجمل" ليستنبط منها مدة بقاء الأمة الإسلامية، أو التنبيه على كرامة شخص أو شيعة معينة.
فها هو ذا السهيلي يقول: لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للإشارة إلى بقاء هذه الأمة، وها هو ذا الخويبي٢ يروي أن بعض الأئمة استخرج من قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن بيت المقدس يفتحه المسلمون في سنة ثلاثة وثمانين وخمسمائة، ووقع كما قال٣. ويروي العز بن عبد السلام أن عليا ﵁ استخرج واقعة معاوية من ﴿حم عسق﴾ ٤ ورأى بعض الشيعة في مجموعة هذه الفواتح إذا حذف المكرر فيها ما يفيد أن "صراط علي حق نمسكه" فيرد عليهم بعض السنين الظرفاء بخطاب مستنبط من الفواتح نفسها بحروفها ذاتها غير المكررة "صح طريقك مع السنة"٥. وهذا النوع من الاستخراج الحسابي يعرف باسم "عد أبي جاد" وقد شدد العلماء في إنكاره والزجر عنه، وابن حجر العسقلاني٦
стр. 228
يعتبره "باطلا لا يجوز الاعتماد عليه، فقد ثبت عن ابن عباس ﵁ الزجر عن عد أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة"١.
ولا ريب أن للصوفية في مجال هذه التفسيرات الباطنية آراء أبعد شطحا, وأغرب لفظا، وأغمض معنى. ولا نرى أدل على ذلك من قول الشيخ محي الدين بن عربي "في الفتوحات المكية" ما خلاصته٢ "اعلم أن مبادئ السور المجهولة لا يعلم حقيقتها إلا أهل الصور المعقولة، فجعلها الله ﵎ تسعا وعشرين سورة, وهو كمال الصورة، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ، والتاسع والعشرون القطب الذي به قوام الفلك, وهو علة وجوده وهو سورة آل عمران ﴿الم، اللَّهُ﴾ ولولا ذلك لما ثبتت الثمانية والعشرون، وجملتها -على تكرار الحروف- ثمانية وسبعون حرفا، فالثمانية حقيقة البضع، قال ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون" , وهذه الحروف ثمانية وسبعون، فلا يكمل عبد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها ... إلخ"، إلى أن يقول في موضع آخر: "ثم جعل هذه
الحروف على مراتب، منها موصول ومنها مقطوع، ومنها منفرد ومثنى ومجموع، ثم نبه أن في كل وصل قطعا، وليس في كل قطع وصل، فكل وصل يدل على فصل, وليس كل فصل يدل على وصل، والوصل والفصل في الجمع وغير الجمع، والفصل وحده في عين الفرق، فما أفرده من هذا فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلا، وما أثبته فإشارة إلى وجود رسم العبودية حالا، وما جمعه فإشارة إلى الأبد بالموارد التي لا تتناهى، والإفراد للبحر الأزلي، والجمع للبحر الأبدي، والمثنى للبرزخ المحمدي الإنساني، والألف فيما نحن فيه إشارة إلى التوحيدي، والميم إشارة إلى الملك الذي لا يبيد، واللام بينهما واسطة ليكون
стр. 229
بينهما رابطة ... إلخ"١.
هذه الشطحات الصوفية تنبئ عن رأي أصحابها خاصة، لأنها تعتمد على أذواقهم ومواجيدهم، وتستمد سريتها من مصطلحاتهم وأسرارهم، فلا يمكن إذن إن تعطي صورة صادقة عن التفسير الإسلامي المعتمد لفواتح السور.
وفي دائرة هذا اللبس والغموض قال قوم لا يستخدمون اصطلاحات المتصوفين، ولا يدينون بعد أبي جاد ولا سواه من الحاسبين: إن هذه الفواتح حروف مقطعة, كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى، أو يكتفي به عن كلمة تؤلف مع سواها جملا يتصل معناها بما بعدها أو يشير إلى الغرض من السورة المفتتحة بها. من ذلك قول ابن عباس في ﴿كهيعص﴾ : الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق٢، وقوله في ﴿الر﴾ : أنا الله أرى٣، وفي ﴿المص﴾ : أنا الله أفصل٤، ورأى من ذهب إلى أن ﴿طسم﴾ تعني طور سيناء وموسى، لأن السورتين اللتين تفتتحان بهذه الحروف تقصان خبر صاحب التوراة ﵇ في طور سيناء٥.
ولا يخفى على أحد ما في هذه الآراء كلها من التخرصات والظنون: فقد قيل في كل مما ذكرنا أقوال مختلفة يذهب فيها الباحثون مذاهب شتى. روي عن ابن عباس نفسه في ﴿كهعيص﴾ : كاف هاد أمين عالم صادق، وروي
стр. 230
عنه: الكاف من الملك, والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصور، وروي عنه فيها أيضا: كبير هاد أمين عزيز صادق١. وقال سواه في هذه الفاتحة ذاتها أقولا تشبه أقواله المتعددة تارة، وتخالفها في زيادة ونقص تارة أخرى. وحكى الكرماني٢ "في عجائبه" أن الضحاك يرى أن معنى ﴿الر﴾ : أنا الله أعلم وأرفع٣، على حين يضم إليها ابن عباس حم ون فتصير في رأيه حروف ﴿الرحمن﴾ مفرقة على سور مختلفة٤. أما ﴿المص﴾ فتارة يروي أن معناها: أنا الله الصادق، وتارة تدل على اسم الله "المصور"، وأحيانا تومئ إلى ثلاثة أسماء مختلفة, فالألف من الله، والميم من الرحمن، والصاد من الصمد٥. وغرب من هذا كله أن مستشرقا كبيرا كشبرنجر "Sprenger" اقترح حين لم يشف غليله ما قيل في ﴿طسم﴾ أن يعكس هذه الصيغة ويرى فيها الأحرف البارزة الغالبة في قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُون﴾ فالطاء هي الحرف البارز في ﴿الْمُطَهَّرُون﴾ والسين والميم أقوى ما في ﴿يَمَسُّهُ﴾ . ويذكر المستشرق بلاشير في كتابه "المدخل إلى دراسة القرآن" أن المستشرق لوث Loth على حذره قد تابع شبرنجر على رأيه العقيم٦.
ومن المؤكد أن مثل هذه التخرصات في تفسير أوائل السور لا تتناهى ولا تقف عند حد، وما هي إلا تأويلات شخصية مردها هوى كل مفسر وميله.
стр. 231
فلماذا تكون القاف مثلا الحرف الأول من اسم الله القاهرة، لا من اسمه القدوس أو القدير أو القوي؟ ولماذ تدل العين على العليم لا على العزيز، والنون على النور لا على الناصر، والصاد على الصادق لا على الصمد؟ ومن أين لنا أن ﴿الم﴾ هي الأحرف البارزة في "الرحمن" لا في "الرحيم" ولا في قولهم المشهور "اللهم"١؟
وقال قوم -من غير أن يلجئوا في الفواتح إلى أخذ كل حرف منها من اسم من أسماء الله: إنها برمتها وعلى اختلاف صيغها اسم الله الأعظم٢، عبر عنه تعبيرات مختلفة تباين ما عهدناه في تأليف كلامنا, وقد نقل هذا الرأي ابن عطية٣، وقريب من هذا الاتجاه الرأي القائل: إن أوائل السور قسم أقسم الله فيه بنفسه٤، لأن كل فاتحة منه اسم من أسماء الله، ولا يبعد عن هذا التأويل اعتبار هذه الحروف أسماء علمية للقرآن بوجه عام، أو لبعض سور القرآن المفتتحة بها بوجه خاص٥.
لكن أغرب ما في هذا الباب، وأبعده عن الحق والصواب، ما ذهب إليه المستشرق الألماني نولدكه "Noldeke" في رأيه الأول الذي عدل عنه فيما بعد من الحكم بأن أوائل السور دخيلة على نص القرآن: ففي الطبعة الأولى لكتابه عن تاريخ القرآن بالاشتراك مع شفالي "Schwally" تظهر -لأول مرة في تاريخ الدراسات القرآنية- نظرية لا ترى في أوائل السور إلا حروفا أولى
стр. 232
أو أخيرة مأخوذة من أسماء بعض الصحابة الذين كانت عندهم نسخ من سور قرآنية معينة، فالسين من سعد بن أبي وقاص، والميم من المغيرة, والنون من عثمان بن عفان, والهاء من أبي هريرة وهكذا١، ويبدو أن نولدكه شعر بخطأ نظريته فرجع عنها، وأن شفالي أهملها وأغفل ذكرها فيما بعد في الطبعة الثانية، لكن المتشرقين بهل Buhl ٢ وهرشفيلد Hirschfeld٣ وقد تحمسا لهما من جديد وتبنياها، غافلين عن مدى بعدها عن المنطق السليم.
وحسبنا أن المستشرق بلاشير يظهر تفاوت هذه النظرية بما لا يدع مجالا لتقبلها واحترامها. فهو يستبعد مع لوث Loth ومع بوير Bauer من بعده أن يدخل المؤمنون الذين ذكرت أسماؤهم آنفا -وهم من هم ورعا وتقى- عناصر غير قرآنية في الكتاب المنزل الذي لا يزيد عليه ما ليس منه إلا ضعيف الإيمان, قليل اليقين. ويرى بلاشير فوق ذلك: "أنه ليس من المعقول بحال من الأحوال أن يحتفظ أصحاب المصاحف المختلفة في نسخهم ذاتها بالحروف الأولى من أسماء معاصريهم، إن علموا أنه لا يقصد بها إلا ذلك. ويضاف إلى هذه الملاحظة القيمة أننا لا نكاد نجد مسوغا لحرص أبي أو علي أو ابن مسعود على أن يحتفظوا في مصاحفهم بالحروف الأولى من أسماء أشخاض كانوا ينافسونهم في استنساخ القرآن وجمعه"٤.
وينتهي الأستاذ بلاشير إلى ضرورة الرجوع إلى النظرية الإسلامية نفسها، باستخراج مختلف الآراء وتمحيصها ومقابلة بعضها ببعض، على أنه تعمد إغفال بعض الأقوال التي لا تزيد في نظره على لغو وعبث، وأعلن بوضوح "أن المسلمين الأتقياء الذين كانوا يرون من العبث كل محاولة لاختراق أسرار هذه
стр. 233
الفواتح القرآنية، أثبتوا بما لا يدع مجالا للشك أنهم وحدهم العقلاء الحكماء"١.
وعندي أن ثمة قوما
لا يقلون عن هؤلاء تعقلا وحكمة، قوما أحبوا أن يدخلوا البيوت من أبوابها وأن يكونوا أصرح رأيا وأوضح تفسيرا في بيان الغرض من أوائل السور: وقد مرت فكرتهم بأطوار ثلاثة حتى استحالت رأيا نضيجا عميقا.
لاحظوا أن بعض السور القرآنية تفتتح بهذه الحروف كما تفتتح القصائد بلا وبل فلم يزيدوا في بادئ الأمر على أن يسموا هذه الحروف فواتح، وأن يعتبروها -في الواقع نفسه- مجرد فواتح وضعها الله لقرآنه، وله أن يضع ما يشاء، كما وضع العرب فواتح لقصائدهم، وقد قال بهذا مجاهد من كبار التابعين٢. وانتقلت هذه الفكرة إلى مجال أوضح وأوسع حين أصبحت هذه الفواتح في نظر بعضهم تنبيهات أو أدوات تنبيه "لم تستعمل فيها الكلمات المشهورة كألا وأما الاستفتاحيتين لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام, فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد لتكون أبلغ في قرع السمع٣. والخويبي ٤ الذي يقرر هذا المعنى يجعل التنبيه للنبي الذي يجوز "أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونه ﷺ في عالم البشر مشغولا، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله الم والر وحم ليسمع النبي صوت جبريل، فيقبل عليه ويصغي إليه"٥.
لكن الإمام السيد رشيد رضا صاحب تفسير المنار المشهور يستبعد جعل التنبيه للنبي لأنه ﵊ "كانت يتنبه وتغلب الروحانية على طبعه الشريف
стр. 234
بمجرد نزول الروح الأمين عليه ودنوه منه، كما يعلم مما ورد في نزول الوحي من الأحاديث الصحيحة، ولا يظهر فيه وجه تخصيص بعض السور بالتنبيه"١. ويرى السيد رشيد بعد ذلك "أن التنبيه إنما كان أولا وبالذات للمشركين في مكة ثم لأهل الكتاب في المدينة". ولم يكن يعلم بادئ الامر أن له سلفا في هذا التأويل، ثم وجده في القول الثاني عشر من التفسير الكبير للإمام الرازي الذي ينقل عن ابن روق٢ وقطرب٣، "أن الكفار لما قالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون سببا لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن فأنزل الله عليهم هذه الحروف: فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن، فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم"٤، وقد أشار إلى هذا المعنى إشارة عابرة الزركشي في البرهان٥ والسيوطي في الإتقان٦ وكل من ابن جرير٧ وابن كثير٨ في تفسيريهما.
ويبقى السيد رشيد رضا في نظرنا خير من أوضح الغرض من افتتاح بعض السور القرآنية بهذه الحروف المقطعة. ونحن لذلك نقول معه مستعيرين عباراته بنصها: "من حسن البيان وبلاغة التعبير، التي غايتها إفهام المراد مع الإقناع والتأثير، أن ينبه المتكلم المخاطب إلى مهمات كلامه والمقاصد الأولى بها،
стр. 235
ويحرص على أن يحيط علمه بما يريده هو منها، ويجتهد في إنزالها من نفسه في أفضل منازلها، ومن ذلك التنبيه لها قبل البدء بها لكيلا يفوته شيء منها.
وقد جعلت العرب منه هاء التنبيه وأداة الاستفتاح، فأي غرابة في أن يزيد عليها القرآن الذي بلغ حد الإعجاز في البلاغة وحسن البيان، ويجب أن يكون الإمام المقتدى، كما أنه هو الإمام في الإصلاح والهدى؟ ومنه ما يقع في أثناء الخطاب من رفع الصوت وتكييفه بما تقتضيه الحال من صحية التخويف والزجر، أو غنة الاسترحام والعطف، أو رنة النعي وإثارة الحزن، أو نغمة التشويق والشجو، أو هيعة الاستصراخ عند الفزع، أو صخب التهويش وقت الجدل. ومنه الاستعانة بالإشارات وتصوير المعاني بالحركات، ومنه كتابة بعض الكلمات أو الجمل بحروف كبيرة أو وضع خط فوقها أو تحتها..إلخ"١.
وإن انطباق هذه الحكمة على الواقع النفسي لمن كان القرآن موجها إليهم حين نزول الوحي، لا يزيدنا إلا استمساكا بهذا الرأي. ولأمر ما افتتحت جميع السور التي في أولها حروف مقطعة بذكر الكتاب أو معان تتعلق بالوحي والنبوة٢. ومن المعلوم أن هذه السور كلها مكية إلا البقرة وآل عمران. فأما المكية فلدعوة المشركين إلى إثبات النبوة والوحي، وأما الزهراوان المدنيتان فلمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن٣. وكانت تلك الفواتح كفيلة بتنبيه هؤلاء وأولئك إلى ما كان يلقى عليهم حتى لا يفوتهم شيء.
وما تنفك هذه الفواتح من عوامل الاستغراب، ولا يخلق الاستغراب إلا الاهتمام، ولا يثير الاهتمام إلا التنبيه، ولن ينبه الناس ويقرع أسماعهم صوت أحل وقعا من هذه الحروف المقطعة الأزلية التي همستها السماء في أذن الأرض!
стр. 236
الفصل الخامس: علم القراءات ولمحة عن القراء
نبهنا في بحث سابق على أن الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن لا يمكن أن يراد بها القراءات السبع المشهورة, وعللنا ذلك في موضعه، ودعانا إلى هذا التنبيه ما نعلمه من توهم الكثيرين من القدامى والمحدثين أن هذه القراءات هي هاتيك الأحرف. قال أبو شامة في كتابه "المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالقرآن العزيز": "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث: هو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة, وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل"١.
ويقع أكبر قسط من اللوم في هذا الإيهام على عاتق الإمام الكبير أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس المشهور "بابن مجاهد"٢، الذي قام على رأس الثلاثمائة للهجرة في بغداد بجمع سبع٣ قراءات لسبع من أئمة الحرمين والعراقين والشام اشتهروا بالثقة والأمانة والضبط وملازمة القراءة، وجاء جمعه لها محض مصادفة واتفاق، إذ كان في أئمة القراء من هم أجل منهم قدرًا،
стр. 237
وكان عددهم لا يستهان به١، فإذا أبو العباس بن عمار يلوم ابن مجاهد ويقسو عليه في تعبيره فيقول: "لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة! "٢.
وعبارة "القراءات السبع" لم تكن قد عرفت في الأمصار الإسلامية حين بدأ العلماء يؤلفون في القراءات، والسابقون منهم كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي جعفر الطبري، وأبي حاتم السجستاني، ذكروا في مصنفاتهم أضعاف تلك القراءات، وإنما بدأت هذه العبارة تشتهر على رأس المائتين بإقبال الناس في الأمصار الإسلامية على قراءة بعض الأئمة دون بعض، فاشتهرت في مكة قراءة عبد الله بن كثير الداري٣ "المتوفى سنة ١٢٠" وقد لقي من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري، وفي المدينة قراءة نافع٤ بن عبد الرحمن بن أبي نعيم "المتوفى سنة ١٦٩هـ" الذي تلقى القراءة عن سبعين من التابعين أخذوا عن أبي بن كعب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وفي الشام قراءة عبد الله اليحصبي المشهور بابن عامر٥ "المتوفى سنة ١١٨هـ" أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان، ولقي من الصحابة النعمان بن بشير وواثلة بن الأسقع، ويقول بعضهم: إنه لقي عثمان نفسه وأخذ عنه، وفي البصرة قراءة كل من أبي عمرو ويعقوب، فأما أبو عمرو٦ فهو زبان بن العلاء بن عمار
стр. 238
"والمتوفى سنة ١٥٤هـ"، وقد روى عن مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس عن أبي بن كعب، وأما يعقوب١ فهو ابن إسحاق الحضرمي "المتوفى سنة ٢٠٥هـ" وقد قرأ على سلام بن سليمان الطويل، عن عاصم وأبي عمرو، وفي الكوفة قراءة كل من حمزة وعاصم, فأما حمزة٢، فهو ابن حبيب الزيات مولى عكرمة بن ربيع التيمي "المتوفى سنة ١٨٨هـ" وقد قرأ على سليمان بن مهران الأعمش على يحيى بن وثاب، على زر بن حبيش, على عثمان وعلي وابن مسعود، وأما عاصم٣ فهو ابن أبي النجود الأسدي "المتوفى سنة ١٢٧هـ" وقد قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود. ويلاحظ قلة القراء العرب وكثرة الموالي, ولا سيما الذين كانوا من أصل فارسي, "فليس في هؤلاء السبعة من العرب إلا ابن عامر وأبو عمرو٤".
وحين جمع ابن مجاهد قراءات هؤلاء الأئمة السبعة حذف اسم يعقوب وأثبت مكانه الكسائي٥"علي بن حمزة المتوفى سنة ١٨٩هـ" ونحن نعلم أن الكسائي، كان كوفيا ويعقوب كان بصريا، فكأن ابن مجاهد اكتفى بذكر مقرئ واحد للبصرة هو أبو عمرو، بينما أثبت من أسماء المقرئين الكوفيين حمزة وعاصما والكسائي.
وقد حظيت قراءات هؤلاء السبعة -من لدن ابن مجاهد- بشهرة واسعة, وتوهم الكثيرون -كما قلنا- أنها هي المراد من الأحرف السبعة التي ذكرت في الحديث النبوي. والحق أن ثمة ضابطا إذا توفر في قراءة ما وجب قبولها وبتوفر هذا الضابط وجد ما يسمى بالقراءات العشر، والقراءات الأربع
стр. 239
عشرة: فأما العشر فإنها تلك السبع المشهورة مضافا إليها قراءة يعقوب الذي سبقت الإشارة إليه، وقراءة خلف بن هشام١، "المتوفى سنة ٢٢٩هـ" الذي قرأ على سليم بن عيسى بن حمزة بن حبيب الزيات، وقراءة يزيد بن القعقاع٢ المشهور بأبي جعفر "المتوفى سنة ١٣٠هـ" الذي أخذ عنه عبد الله بن عباس وأبي هريرة، وعن أبي بن كعب. وأما الأربع عشرة فبزيادة أربع قراءات على هاتيك العشر، وهي قراءة الحسن البصري المشهور٣ "المتوفى سنة ١١٠هـ" ومحمد بن عبد الرحمن المعروف بابن محيصن٤ "المتوفى سنة ١٢٣هـ" ويحيى بن المبارك اليزيدي٥ "المتوفى سنة ٢٠٢هـ" وأبي الفرج محمد بن أحمد الشنبوذي٦ "المتوفى سنة ٣٨٨هـ".
ولأسانيد المحدثين أثر واضح في تسلسل القراءات، فكما استنبط العلماء أحكام الشرع وأصول التفسير من الروايات التي صح سندها، لم تقبل قراءة أحد من القراء إلا إذا ثبت أخذه عمن فوقه بطريق المشافهة والسماع حتى يتصل الإسناد بالصحابي الذي أخذ عن رسول الله ﷺ . ولذلك تتكرر في أوائل تلك الأسانيد أسماء الصحابة الذين لهم روايات في الحلال والحرام، أو أسباب النزول، أو بيان الآيات٧. وهذا التسلسل في أسانيد القراء سوغ للعلماء أن يصفوا القراءات بأنها توقيفية٨، فمنعوا القراءة بالقياس
стр. 240
المطلق١ واستنكروا موقف جماعة منهم الزمخشري ظنوا أن "القراءات اختيارية، تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء"٢، فما وافق العربية والرسم ولم ينقل بإسناد صحيح كإسناد المحدثين الثقات فهو مردود، وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم كإسكان "بَارِئْكُم" و"يَأْمُرْكُم" وخفض "وَالْأَرْحَامِ" ونصب "لِيَجْزِي قَوْمًا" والفصل بين المضافين في "قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائَهُمْ" وغير ذلك٣، فلا غرابة إذا وقف القراء موقفا شديدا من أبي بكر بن مقسم٤ الذي كان يختار من القراءات ما بدا له أصح في العربية ولو خالف النقل أو رسم المصاحف فعقدوا له مجلسا، وأجمعوا على منعه٥، وعقدوا مجلسا آخر لابن شنبوذ٦ لاستتابته مما كان آخذا فيه من كتابة القرآن على ما يعلمه من قراءتي أبي وأبو مسعود٧.
وقد انعقد المجلسان بأمر شيخ القراء ابن مجاهد الذي عرفنا أنه أول من
стр. 241
جمع القراءت السبع، وكان ابن مجاهد قد أخذ القراءة عن شاذان الرازي الذي عنه أخذ أيضا كل من ابن مقسم وابن شنبوذ، ولكن اشتراك الثلاثة في التلقي عن شيخ واحد لم يمنع ابن مجاهد من التشدد مع زميليه١ لإجماع القراء في عهده على الأخذ بالأثبت في الأثر والأصح في النقل, وليس الأفشى في اللغة والأقيس في العربية٢، ومع ذلك عني بعض اللغويين والنحاة بتتبع القراءات الشاذة فألف ابن خالويه "ت سنة ٣٧٠هـ" كتابا في هذه القراءات سماه "المختصر في شواذ القراءات"٣ وصنف ابن جني٤ كتابه "المحتسب في توجيه القراءات الشاذة"، ووضع أبو البقاء العكبري٥ كتابا أوسع وأشمل سماه "إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن"، ولم يتردد بعض العلماء في إطلاق القول بأن "توجيه القراءة الشاذة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة٦"، ووجدوا في توجيه الشاذ عونا على معرفة صحة التأويل, فقراءة ابن مسعود "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا" بدلا من "أَيْدِيَهُمَا" ساعدت على فهم
стр. 242
ما يقطع في حد السرقة، وقراءة سعد بن أبي وقاص "وله أخ أو أخت من أم فكل"١ ... صرحت بنوع الأخوة في هذه القضية التشريعية المتعلقة بالميراث، وقراءة عمر بن عبد العزيز التي تحكى أيضا عن الإمام أبي حنيفة "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ"٢ برفع اسم الجلالة ونصب العلماء بينت أن الغرض من تخصيص العلماء بالخشية إظهار مكانتهم ودرجتهم عند الله، "وتأويله -كما يقول الزركشي- أن الخشية هنا بمعنى الإجلال والتعظيم، لا خوف"٣ ويضيف الزركشي: "فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن, وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك, فكيف إذا روي عن كبار الصحابة ثم صار في نفس القراءة! فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف صحة التأويل٤، ومن هنا شاع على ألسنة العلماء: "اختلاف القراءات يظهر اختلاف الأحكام"٥. على أن توجيه بعض القراءات الشاذة لم يخل من التكلف، وقد يستهجن بادئ الرأي ثم لا يدفع الاستهجان إلا التأويل كقراءة: "هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرَ" بفتح الواو والراء، على أنه اسم مفعول، وتأويله أنه مفعول لاسم الفاعل، الذي هو البارئ فإنه يعمل عمل الفعل كأنه قال: الذي برأ المصوَّر! ٦.
وتوجيه القراءات الشاذة لاستنباط غرائب التأويلات من بعض وجوهها كان لونا من الترف العلمي الذي شغف به علماء الإسلام خلال دراساتهم الواسعة المتشعبة لكل ما يتعلق بالقرآن: فكما شغلوا أنفسهم بمعرفة عدد آيات
стр. 243
القرآن١، وأطول كلمة وأقصرها٢، وأكثر ما اجتمع في كتاب الله من الحروف المتحركة٣، وما شابه هذه المباحث التي ليس من ورائها فائدة إلا في حالات يسيرة نادرة، آنسوا من أنفسهم ميلا لدراسة القراءات الشاذة توسيع آفاق البحث فقط، وإلا فإنهم يعلمون علم اليقين أن كل قراءة لم تتوافر قرآنيتها لا يجوز لهم ولا لغيرهم تلاوتها في الصلاة ولا سواها، ولا يجب اعتقادها على أحد. قال النووي في "شرح المهذب"٤: "لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآنا، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة, ومن قال غيره فغالط أو جاهل, فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قراءتها في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ, ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها"٥. ولذلك قال الإمام مالك فيمن قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود وغيره من الصحابة مما يخالف المصحف "لم يصل وراءه! "٦.
стр. 244
ومن موقف العلماء من قراءة ابن مسعود -على تقواه وورعه وعلمه الغزير- ربما دعا إليه ما شاع عنه من إنكاره المعوذتين والفاتحة من القرآن, وإن كان كثيرون يفسرون تصرفه تفسيرا منطقيا، قال ابن قتيبة في "مشكل القرآن": "ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن, لأنه رأى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، فأقام على ظنه، ولا نقول: إنه أصاب في ذلك أو أخطأ المهاجرون والأنصار. قال: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن، -معاذ الله! - ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها كل أحد"١.
وقراءة أبي بن كعب تماثل قراءة ابن مسعود في الشذوذ لما ينسب إليه من إثباته دعاء الاستفتاح والقنوت في آخر مصحفه كالسورتين٢، "مع أنه لم تقم حجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن، وحصل العلم بصحته"٣.
ولتمييزه القراءات المقبولة من الشاذة وضع العلماء ضابطا للقراءات المقبولة ذا ثلاثة شروط، أحدهما موافقة القراءة لرسم أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، والثاني موافقتها العربية ولو بوجه، والثالث صحة إسنادها، ولو كان عمن فوق السبعة والعشرة من القراء المشهورين٤. وقد آثر ابن الجزري في كتابه "منجد المقرئين" أن يبدل شرط صحة الإسناد في هذا
стр. 245
الضابط بتواتره، لأن القرآنية لا تثبت إلا بالإسناد المتواتر, فالقراءات الأربع الزائدة على العشر صحيحة الإسناد ولكنها آحادية فليست متواترة، وليست قرآنا يتعبد به ويتلى في الصلاة، وإنما القراءات المتواترة التي تلقتها الأمة بالقبول هي العشر التي أخذها الخلف عن السلف حتى وصلت إلينا، ولا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء هذه العشر.
وينقل السيوطي١ عن ابن الجزري أن: أنواع القراءات من حيث السنة ستة:
"الأول المتواتر": وهو ما رواه جمع عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم. مثاله: ما اتفقت الطرق على نقله عن السبعة٢. وهذا هو الغالب في القراءات.
"الثاني المشهور": هو ما صح سنده بأن رواه العدل الضابط عن مثله وهكذا، ووافق العربية، ووافق أحد المصاحف العثمانية، سواء أكان عن الأئمة السبعة أم العشرة أم غيرهم من الأئمة المقبولين، واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، إلا أنه لم يبلغ درجة التواتر، مثاله: ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض. ومن أشهر ما صنف في هذين النوعين التيسير للداني٣، والشاطبية٤،
стр. 246
وطيبة النشر في القراءات العشر"١.وهذان النوعان هما اللذان يقرأ بهما مع وجوب اعتقادهما ولا يجوز إنكار شيء منهما.
"النوع الثالث": ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور, وهذا النوع لا يقرأ به ولا يجب اعتقاده. من ذلك ما أخرجه الحاكم عن طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قرأ: "مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفٍ خُضْرٍ وَعَبَاقَرِيٍّ حِسَانٍ"٢ ومنه قراءة: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ"٣ بفتح الفاء.
"النوع الرابع الشاذ": وهو مالم يصح سنده، كقراءة ابن السميفع: "فَالْيَوْمَ نُنَحِّيكَ بِبَدَنِكَ" بالحاء المهملة "لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَفَكَ آيَةً"٤ بفتح اللام من كلمة "خلفك".
"الخامس الموضوع": وهو ما ينسب إلى قائله من غير أصل مثال ذلك القراءات التي جمعها محمد بن جعفر الخزاعي٥، ونسبها إلى أبي حنيفة،" كقراءة "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ" برفع اسم الجلالة ونصب العلماء"
"النوع السادس": ما يشبه المدرج من أنواع الحديث: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة سعد ابن أبي وقاص: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْت مِنْ أُمٍّ" بزيادة لفظ: "من أم"، وقراءة: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ" بزيادة عبارة "في مواسم الحج".
وجدير بالذكر أن قارئ القرآن لا يسمى مقرئا حتى ولو حفظ العشر كلها والأربع عشرة إلا إذا أحكمها بالسماع والمشافهة، فنحن بهذه العجالة تصورنا
стр. 247
حقيقة القراءات وأخذنا فكرة عامة عن القراء ابتغاء الوصول إلى غايتنا الأساسية من فهم النصوص القرآنية التي تقوم دراستنا لها على ما ثبت منها تواتر قرآنيته: فما دام القرآن قد أنزل على سبعة أحرف فنحن ندرسها جميعا في كل قراءة تواترت محتوية على حرف منها، وعمادنا في هذا الأصح في النقل وليس الأقيس في العربية، لأننا نجعل القرآن حكما على قواعد اللغة والنحو، ولا نجعل تلك القواعد حكما على القرآن، فما استمد النحاة قواعدهم إلا من القرآن بالدرجة الأولى, ثم من الحديث وكلام العرب بالدرجة الثانية.
стр. 248
الفصل السادس: علم الناسح والمنسوخ
...
الفصل السادس: علم الناسخ والمنسوخ
في فصل "تنجيم القرآن وأسراره" رأينا أن الوحي لم يفاجئ المؤمنين بالتشريع، بل نزل نجوما على قلب النبي ﷺ ، يتدرج مع الأحداث والوقائع, وأن هذا التدرج تناول العادات الشعورية والتقاليد الاجتماعية التي آثر الإسلام أن يقف منها موقف المتمهل المتريث مؤمنا بأن البطء مع التنظيم خير من العجلة مع الفوضى.
ولدى تقصينا المراحل المتعاقبة في مكي القرآن ومدنيه, كانت حاجتنا ماسة إلى علم قرآني يلقي الضوء ساطعا على هذه الخطوات، ويعين على تتبعها ورسمها بدقة بالغة: وهو علم الناسخ والمنسوخ الذي يمكننا أن نعده ضربا من ضروب التدرج في نزول الوحي، فمعرفتنا بما صح من وجوهه تيسر علينا تعيين السابق والمسبوق من النوازل القرآنية، وتظهرنا على جانب من حكمة الله في تربية الخلق، وتقفنا على مصدر القرآن الحقيقي: وهو الله رب العالمين، لأنه يمحو ما يشاء ويثبت، ويرفع حكما ويبدل آخر، من غير أن يكون لأحد من خلقه عمل في ذلك ولا شأن، حتى ولا خاتم النبيين نفسه.
ولقد طال جدل العلماء في تعريف النسخ اصطلاحا، لما توحي به هذه اللفظة من اشتراك لغوي في معانيها، فالنسخ يأتي بمعنى الإزالة، ومنه قوله
стр. 249
تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ١، ويأتي بمعنى التبديل كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ ٢, وبمعنى التحويل كتناسخ المورايث٣، ويأتي أخيرا بمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه: "نسخت الكتاب" إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه٤. وقد أنكر بعض العلماء هذا الوجه الأخير، محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ, وإنما يأتي بلفظ آخر٥. لكن السعدي٦ احتج لمن أخذ به بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٧ مع قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٨، وما أم الكتاب -في نظر السعدي- إلا اللوح المحفوظ أو الكتاب المكنون الذي ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٩، فقد أتى ناسخ القرآن فيه بلفظ المنسوخ فيما نزل من الوحي نجوما من أم الكتاب١٠.
ومنشأ الجدل في تعريف النسخ يرتد إلى ما بين تحديد الكلمة لغة وتحديدها اصطلاحا من ارتباط لا بد أن يلحظ، لئلا يكون استخدام القرآن مثل هذه اللفظة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١١ جاريا على غير أسلوب العرب في التعبير عن قضية لها في الإسلام خطر كبير.
стр. 250
شوما نحسب القرآن مستخدما هذا اللفظ في كل موضع ذكره فيه إلا على معناه الأصلي الحقيقي الذي ما كان يطوف في خلد أحد سواه لولا الرغبة في الجدل، والاحتفال بالخلاف اللفظي والترف العقلي في جميع العصور. لذلك كان تعريف النسخ بقوله: "رقع الحكم الشرعي بدليل شرعي" أدق تحديد اصطلاحي لهذه الفظة، يتناسق في آن واحد مع لسان العرب الذي يرى النسخ إزالة ورفعا، ونصوص الشرع التي لا مدافعة في رفع بعض أحكامها بأدلة قوية صريحة في وقائع معروفة محفوظة، لأسرار وحكم لا يعرفها إلا الراسخون في العلم.
واختلاف العلماء في تعريف النسخ ينبئ كذلك عن ضروب أخرى من الاختلاف في هذا الموضوع الخطير: فقد حصر بعضهم النسخ في القرآن نفسه، فلا ضير في نسخ الكتاب بالكتاب لتضافر الأدلة العقلية والنقلية على جوازه. ومال الأكثرون إلى جواز نسخ السنة بالقرآن، كنسخ الصيام يوم عاشوراء، الثابت بالسنة, بما كتبه الله في القرآن من صوم رمضان١.
أما نسخ القرآن بالسنة فقد أنكره الشافعي, كما يوحي بذلك لفظ متبادر ذكره في "رسالته"٢. ولكن الذين تكلموا على هذه المسألة لم يفهموا مراد الشافعي: فإنه رمى إلى تعظيم الكتاب والسنة وتعاضدهما وتوافقهما، فما يختلفان في شيء إلا مع أحدهما مثله ناسخا له٣. وأما نسخ السنة بالسنة فأكثر العلماء لا يرى فيه بأسا، لأن الرسول ﷺ لا يصدر فيما يشرعه لأمته ابتداء أو نسخا إلا عن إلهام من الله٤، فهو في أمور الشرع ﴿وَمَا يَنْطِقُ