← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7317

مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح

صبحي الصالح

Полный текст (372 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وطيبة النشر في القراءات العشر"١.وهذان النوعان هما اللذان يقرأ بهما مع وجوب اعتقادهما ولا يجوز إنكار شيء منهما. "النوع الثالث": ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور, وهذا النوع لا يقرأ به ولا يجب اعتقاده. من ذلك ما أخرجه الحاكم عن طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قرأ: "مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفٍ خُضْرٍ وَعَبَاقَرِيٍّ حِسَانٍ"٢ ومنه قراءة: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ"٣ بفتح الفاء. "النوع الرابع الشاذ": وهو مالم يصح سنده، كقراءة ابن السميفع: "فَالْيَوْمَ نُنَحِّيكَ بِبَدَنِكَ" بالحاء المهملة "لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَفَكَ آيَةً"٤ بفتح اللام من كلمة "خلفك". "الخامس الموضوع": وهو ما ينسب إلى قائله من غير أصل مثال ذلك القراءات التي جمعها محمد بن جعفر الخزاعي٥، ونسبها إلى أبي حنيفة،" كقراءة "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ" برفع اسم الجلالة ونصب العلماء" "النوع السادس": ما يشبه المدرج من أنواع الحديث: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة سعد ابن أبي وقاص: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْت مِنْ أُمٍّ" بزيادة لفظ: "من أم"، وقراءة: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ" بزيادة عبارة "في مواسم الحج". وجدير بالذكر أن قارئ القرآن لا يسمى مقرئا حتى ولو حفظ العشر كلها والأربع عشرة إلا إذا أحكمها بالسماع والمشافهة، فنحن بهذه العجالة تصورنا

стр. 247

حقيقة القراءات وأخذنا فكرة عامة عن القراء ابتغاء الوصول إلى غايتنا الأساسية من فهم النصوص القرآنية التي تقوم دراستنا لها على ما ثبت منها تواتر قرآنيته: فما دام القرآن قد أنزل على سبعة أحرف فنحن ندرسها جميعا في كل قراءة تواترت محتوية على حرف منها، وعمادنا في هذا الأصح في النقل وليس الأقيس في العربية، لأننا نجعل القرآن حكما على قواعد اللغة والنحو، ولا نجعل تلك القواعد حكما على القرآن، فما استمد النحاة قواعدهم إلا من القرآن بالدرجة الأولى, ثم من الحديث وكلام العرب بالدرجة الثانية.

стр. 248

الفصل السادس: علم الناسح والمنسوخ ... الفصل السادس: علم الناسخ والمنسوخ في فصل "تنجيم القرآن وأسراره" رأينا أن الوحي لم يفاجئ المؤمنين بالتشريع، بل نزل نجوما على قلب النبي ﷺ ، يتدرج مع الأحداث والوقائع, وأن هذا التدرج تناول العادات الشعورية والتقاليد الاجتماعية التي آثر الإسلام أن يقف منها موقف المتمهل المتريث مؤمنا بأن البطء مع التنظيم خير من العجلة مع الفوضى. ولدى تقصينا المراحل المتعاقبة في مكي القرآن ومدنيه, كانت حاجتنا ماسة إلى علم قرآني يلقي الضوء ساطعا على هذه الخطوات، ويعين على تتبعها ورسمها بدقة بالغة: وهو علم الناسخ والمنسوخ الذي يمكننا أن نعده ضربا من ضروب التدرج في نزول الوحي، فمعرفتنا بما صح من وجوهه تيسر علينا تعيين السابق والمسبوق من النوازل القرآنية، وتظهرنا على جانب من حكمة الله في تربية الخلق، وتقفنا على مصدر القرآن الحقيقي: وهو الله رب العالمين، لأنه يمحو ما يشاء ويثبت، ويرفع حكما ويبدل آخر، من غير أن يكون لأحد من خلقه عمل في ذلك ولا شأن، حتى ولا خاتم النبيين نفسه. ولقد طال جدل العلماء في تعريف النسخ اصطلاحا، لما توحي به هذه اللفظة من اشتراك لغوي في معانيها، فالنسخ يأتي بمعنى الإزالة، ومنه قوله

стр. 249

تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ١، ويأتي بمعنى التبديل كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ ٢, وبمعنى التحويل كتناسخ المورايث٣، ويأتي أخيرا بمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه: "نسخت الكتاب" إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه٤. وقد أنكر بعض العلماء هذا الوجه الأخير، محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ, وإنما يأتي بلفظ آخر٥. لكن السعدي٦ احتج لمن أخذ به بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٧ مع قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٨، وما أم الكتاب -في نظر السعدي- إلا اللوح المحفوظ أو الكتاب المكنون الذي ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٩، فقد أتى ناسخ القرآن فيه بلفظ المنسوخ فيما نزل من الوحي نجوما من أم الكتاب١٠. ومنشأ الجدل في تعريف النسخ يرتد إلى ما بين تحديد الكلمة لغة وتحديدها اصطلاحا من ارتباط لا بد أن يلحظ، لئلا يكون استخدام القرآن مثل هذه اللفظة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١١ جاريا على غير أسلوب العرب في التعبير عن قضية لها في الإسلام خطر كبير.

стр. 250

شوما نحسب القرآن مستخدما هذا اللفظ في كل موضع ذكره فيه إلا على معناه الأصلي الحقيقي الذي ما كان يطوف في خلد أحد سواه لولا الرغبة في الجدل، والاحتفال بالخلاف اللفظي والترف العقلي في جميع العصور. لذلك كان تعريف النسخ بقوله: "رقع الحكم الشرعي بدليل شرعي" أدق تحديد اصطلاحي لهذه الفظة، يتناسق في آن واحد مع لسان العرب الذي يرى النسخ إزالة ورفعا، ونصوص الشرع التي لا مدافعة في رفع بعض أحكامها بأدلة قوية صريحة في وقائع معروفة محفوظة، لأسرار وحكم لا يعرفها إلا الراسخون في العلم. واختلاف العلماء في تعريف النسخ ينبئ كذلك عن ضروب أخرى من الاختلاف في هذا الموضوع الخطير: فقد حصر بعضهم النسخ في القرآن نفسه، فلا ضير في نسخ الكتاب بالكتاب لتضافر الأدلة العقلية والنقلية على جوازه. ومال الأكثرون إلى جواز نسخ السنة بالقرآن، كنسخ الصيام يوم عاشوراء، الثابت بالسنة, بما كتبه الله في القرآن من صوم رمضان١. أما نسخ القرآن بالسنة فقد أنكره الشافعي, كما يوحي بذلك لفظ متبادر ذكره في "رسالته"٢. ولكن الذين تكلموا على هذه المسألة لم يفهموا مراد الشافعي: فإنه رمى إلى تعظيم الكتاب والسنة وتعاضدهما وتوافقهما، فما يختلفان في شيء إلا مع أحدهما مثله ناسخا له٣. وأما نسخ السنة بالسنة فأكثر العلماء لا يرى فيه بأسا، لأن الرسول ﷺ لا يصدر فيما يشرعه لأمته ابتداء أو نسخا إلا عن إلهام من الله٤، فهو في أمور الشرع ﴿وَمَا يَنْطِقُ

стр. 251

عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وقد مثلوا لذلك بنسخ الوضوء مما مست النار بأكله ﷺ من الشاة ولم يتوضأ. على أننا في هذه البحوث القرآنية لن نعرض إلا لنسخ القرآن بالقرآن، خشية أن نستطرد في إثارة بعض القضايا الأصولية التي تلقي على كتابنا طابعا خاصا جديرا بنا هنا أن نتحاشاه، وكنا نود لو سكتنا حتى عن الخلاف اللفظي في نسخ القرآن بالقرآن، لئلا نضطر إلى ذكر حجج الفريقين وتصوير وجهتي نظرهما في ردهما كلتيهما إلى إثبات حقيقة النسخ في كتاب الله، ولكننا لا نستطيع إغفال مثل هذا الأمر الذي كان له في التشريع الإسلامي وفي البحث القرآني أصداء عميقة، فلا مفر من الإشارة إلى رءوس المسائل في هذا النزاع. لقد كان الجمهور -قبل أبي مسلم الأصفهاني-١ آخذا بلا تردد بجواز النسخ في كتاب الله، بل كان العلماء لا يتجشمون عناء كبيرًا للاستشهاد بكثير من الآيات المنسوخة وإن كان بعضهم غلا في ذلك غلوا شديدا, ولكن أبا مسلم حين جاء برأيه في النسخ لم يبطله جملة وتفصيلا، فإنه عالم محقق قرأ الآيات المصرحة بالنسخ، وإنما أبطل منه ضروبا ظنها تتعارض مع قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢، فآثر أن يسمي النسخ باسم التخصيص تجنبا لإبطال حكم قرآني أنزله الله. ولكن العلماء تصدوا لأبي مسلم وأضرابه يفرقون لهم بين النسخ والتخصيص: فتعريف التخصيص هو "قصر العام على بعض أفراده"، وليس في هذا القصر رفع حقيقي للحكم عن بعض الأفراد، لأن تناوله بعض الأفراد فقط إنما يكون سبيله المجاز، فلفظ العام موضوع أصلا لكل الأفراد، ولم يقصر على بعضها إلا بقرينة التخصيص. أما النسخ فيظل النص المنسوخ

стр. 252

فيه مستعملا فيما وضع له، ويظل متناولا جميع الأزمان، إلا أن حكمة الشامل يستمر إلى وقت معين ثم لا يبطله إلا الناسخ لحكمة يعلمها الله١. وتراعى في التخصيص قرينة سابقة أو لاحقة أو مقارنة، أما النسخ فلا يقع إلا بدليل متراخ عن المنسوخ, ويكون التخصيص في الأخبار وغيرها، أم النسخ فلا يقع في الأخبار٢. ومن أدلة التخصيص الحس والعقل إلى جانب الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ خصصه قوله ﷺ : "لا قطع إلا في ربع دينار"، أما النسخ فالدليل فيه شرعي مقصور على الكتاب والسنة، فلا يرفع -باسم النسخ- حكم شرعي بدليل عقلي مثلا٤. وثمرة هذه الفروق بين التخصيص والنسخ أن ما بقي من أفراد العام بعد تخصيصه يظل معمولا به، فلا يبطل الاحتجاج بالعام بعد التخصيص، أما ما رفع حكمه من أفراد النص المنسوخ فيبطل كل لون من ألوان الاحتجاج به أو العمل به٥. وإذا كان أبو مسلم الأصفهاني وأضرابه، قد خلطوا النسخ بالتخصيص وأساءوا الأدب مع الله في إيثارهم لفظ التخصيص الذي اخترعوه على لفظ النسخ الذي صرح به القرآن، فإن القائلين بالنسخ قد بالغوا فيه، وسلكوا كثيرا من العموم المخصص في عداد المنسوخ, وأساءوا الأدب مع الله أيضا بفتحهم الباب على مصراعيه أمام الخالطين بين النسخ والبداء، وبين النسخ والإنساء، وبين نسخ الأحكام ونسخ الأخبار.

стр. 253

فمن المبالغات أنهم قطعوا أوصال الآية الواحدة، فزعموا أن أولها منسوخ وآخرها ناسخ، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١ فإن آخر الآية يدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو بذلك ناسخ -في نظر ابن العربي- لأولها الذي صرح الله فيه بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢، بل زعم ابن العربي أيضا أن قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣ أوله وآخره منسوخان ووسطه محكم٤. ومن المبالغات العجيبة إدراجهم في عداد المنسوخ ما أبطله القرآن من عادات الجاهلية وتقاليدها كتحريم نساء الآباء٥، وتشريع الدية٦ والقصاص٧ وحصر الطلاق في الثلاث٨، وما رفعه من شرائع من قبلنا كإباحة بعض المطعومات التي كانت محرمة عليهم، وقد رجح المحققون من العلماء إخراج هذا كله من عداد الناسخ، ووجهوه بأن ذلك لو عد فيه لعد جميع القرآن

стр. 254

منه: إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب، وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت حكم آية١. والولوع باكتشاف النسخ في آيات الكتاب أوقع القوم في أخطاء منهجية كان خليقا بهم أن يتجنبوها لئلا يحملها الجاهلون حملا على كتاب الله: لم يكن يخفى على أحد منهم أن القرآنية لا تثبت إلا بالتواتر، وأن أخبار الآحاد ظنية لا قطعية, وجعلوا النسخ في القرآن -مع ذلك- على ثلاثة أضراب: نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم والتلاوة جميعا، وليكثروا إن شاءوا من شواهد الضرب الأول، فإنهم فيه لا يمسون النص القرآني من قريب ولا بعيد, إذ الآية لم تنسخ تلاوتها بل رفع حكمها لأسرار تربوية وتشريعية يعلمها الله، أما الجراءة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما -بزعمهم- تلاوة آيات معينة إما مع نسخ أحكامها وإما دون نسخ أحكامها. والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركبًا: فتقسيم المسائل إلى أضرب إنما يصلح إذا كان لكل ضرب شواهد كثيرة أو كافية -على الأقل- ليتيسر استنباط قاعدة منها. وما لعشاق النسخ إلا شاهد أو اثنان على كل من هذين الضربين٢، وجميع ما ذكروه منها "أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها"٣. وبهذا

стр. 255

الرأي السديد أخذ ابن ظفر١ في كتابه"الينبوع" إذ أنكر عد هذا مما نسخت تلاوته وقال: "لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن"٢. ولم تكف عشاق النسخ تلك الأضرب التي استنبطوها من أخبار الآحاد الظنية، بل ذهب بهم الغلو كل مذهب حتى زعموا أن الناسخ أيضا يجوز نسخه، فيصير الناسخ منسوخا، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٣ فقد نسخه -بزعمهم- قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ ثم نسخ هذا بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٥. وأطرف ما في هذا الاستشهاد أن آية الجزية تتعلق بأهل الكتاب، فكيف تنسخ آية في المشركين٦؟ وكانت مبالغات بعض العلماء في الناسخ والمنسوخ تخالف البداهة، وتعارض منطق الأشياء: فهذا هبة الله بن سلامة٧ يتكلم على ما في سورة "الإنسان" من النسخ فيرى أنها محكمة إلا آيتين منها وبعض آية٨، ويبدأ ببعض الآية المنسوخ فإذا هو لفظ "وأسيرًا" من قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ

стр. 256

عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ١ فالمراد بذلك غير أهل القبلة من أسرى المشركين, وقد نسخ -بزعمه- إطعام أسرى المشركين بآية السيف٢. ثم قرئ على ابن سلامة كتابه في "الناسخ والمنسوخ" وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع هالها أن يحمل أباها شغفه بالنسخ على نسيان مبدأ أخلاقي ثابت في الإسلام، بل مجمع على ثبوته في جميع الأديان، فقال: أخطأت يا أبت في هذا الكتاب! فقال لها: وكيف يا بنية؟ قلت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعًا!! فقال: صدقت٣. ولئن جعل منكرو النسخ المنسوخ مخصوصا فقد عكس أصحاب النسخ الآية فجعلوا المخصوص منسوخا: فكم من آية خصصت باستثناء٤ أو غاية أو بآية أخرى فطبعوها بطابع النسخ غير مبالين باتصال السياق وتناسقه، وتعلق آخره بأوله. قال السيوطي٥: "وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ، وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد: كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ وغير ذلك من الآيات التي خصت

стр. 257

باستثناء أو غاية. وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ١. ومنه قوله: ﴿لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قيل إنه نسخ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ، وإنما هو مخصوص به". وفيما أورده المكثرون ألوان ليست من النسخ ولا من التخصيص في شيء ولا لها بهما علاقة بوجه من الوجوه٢: وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ ٣، وكل آية فيها ذكر ما فضل عن الزكاة نسختها الآية المفروضة٤. ولكن المحققين من العلماء يرون أن آية الإنفاق خبر في معرض الثناء على المتقين، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة، وبالإنفاق على الأهل، وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة٥. ومن ذلك أن بعض عامة المفسرين ظنوا أن قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ٦ مما نسخ بآية السيف -وكم نسخوا بآية السيف٧ هذه! - مع أن هذا الكلام لا يقبل النسخ والا التخصيص، فإن الله أحكم الحاكمين أبدًا٨.. ولا ريب أن في مرور فكرة النسخ ببال أولئك المفسرين إساءة أدب مع الله وإن حاولوا تلطيف عبارتهم المشعرة هنا بالنسخ حتى قال قائلهم: إن هذه الآية نسخ معناها لا لفظها، فقد نسخ منها المعنى بآية السيف، كأنه تعالى قال: دعهم وخل عنهم٩.

стр. 258

لكن إساءة الأدب حقا مع الله تجسدت في تساهل أصحاب النسخ في الإكثار من القول بالناسخ والمنسوخ رغم علمهم اليقيني بأن ما يواجهونه بالبحث والتأويل هو إلى الإنساء أقرب، وبه ألصق: فقد سلكوا في المنسوخ مأ أمر به لسبب ثم زال سببه، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله١ ثم نسخه بآية السيف، وليس هذا من النسخ في شيء, وإنما هو ضرب من النسء وتأخير البيان إلى وقت الحاجة كما قال تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ ٢، فمن تحقق علما بالنسخ علم أن غالب ذلك من المنسأ، أو بيان الحكم المجمل٣، فقد أنسئ الأمر بالتقال إلى أن يقوى المسلمون، وأمروا في حال الضعف بالصبر على الأذى٤. وما أحكم الزركشي في تعليقه على هذا الموضوع بقوله: "وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال العلة إلى حكم آخر، وليس بسنخ. إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا"٥. ومن ذلك أن الإسلام أمر المسلمين في بدء الدعوة -رأفة بهم ورحمة- بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٦، ثم كتب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمقاتلة عليه لما قويت الدعوة الإسلامية، فأنزل الله على نبيه في كل حال ما يناسب الظروف التي تحيط به وبالمؤمنين, ولقد حمل هذا بعض العلماء على الإفتاء بالمسالمة والكف عن قتال أهل المنكر لو فرض وقوع الضعف على ما أخبر به

стр. 259

النبي ﷺ في قوله: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ" ١. ومن ذلك اشتباه البيان على بعضهم بالنسخ في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢ فقد عدوه ناسخا لآية متأخرة عنه في ترتيب المصحف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٣، والتحقيق أن ليس ههنا ناسخ ومنسوخ، وإنما بينت الآية الأولى ما لا يعد ظلما من أكل أموال اليتامى٤. ولعل أعجب العجب أن تطوع للمفسرين أنفسهم القول بالتناسخ حتى في الأخبار مع أن العقل لا يكاد يتصور كيف يمكن تبديل الواقعة الثابتة بكل ما حدث فيها من أعمال وما جرى خلالها من أقوال: فها هم أولاء يعدون آية السيف ناسخة أيضا قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ٥ وهو -كما يتضح من سياق الآية- حكاية لما أخذ على بني إسرائيل من الميثاق! ٦. وآخر ما تنافس فيه عشاق النسخ إماطة اللثام عن الآيات المنسوخة التي طالت مدة العمل بها قبل نسخ حكمها، وإذا هم يهتدون -وليتهم لم يهتدوا! -

стр. 260

إلى آية في سورة الأحقاف ثبت حكمها بزعمهم ست عشرة سنة قبل أن ينسخها أول سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ١، فابن سلامة يرى أن أول هذه الآية محكم، أما المنسوخ منها فهو قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" ويقرر أنه ﵊ عمل بها بمكة عشر سنين وعيره المشركون، فهاجر إلى المدينة، فبقي ست سنين يعيرونه، وكان المشركون يقولون: كيف يجوز لنا اتباع رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه؟ ثم نزل أول سورة الفتح فنسخ هذه الآية، واستنتج منه المشركون أن النبي أمسى يعلم ما يفعل به وبأصحابه! ٢. وإن هذا التساهل في نسخ كلام الله، وفي تحديد مدد زمانية للعمل بمنسوخه قبل نسخه، وفي ترديد الآيات بين مدلولها لدى تنزيلها أول مرة ومدلولها بعد تبديل حكمها بآيات أخرى تنزلت عقبها بزمن يطول أو يقصر، حمل الغير على كتاب الله على أن يستبعدوا ما استطاعوا شبح النسخ المخيف، كأنه في نظرهم يعادل البداء، أو كأنه -على الأقل- معبر طبيعي إلى القول بالبداء، والإذن للجهلة في كل زمان ومكان بالخلط بين النسخ بأسراره الحكيمة والبداء بكل قبحه وفساده ودلالته على الجهل!. إن البداء يصدر عن الذي يرى الرأي ثم يبدو له٣، وقد فر اليهود من

стр. 261

قبل من القول بالنسخ لئلا يقودهم بالبداء، فقد حسبوا أن نسخ الشيء بعد نزوله والعمل به يرادف تغيير الله للأحكام بما يبدو له بعد أن لم يك باديا، ولا يجوز نسبة شيء من هذا إلى الله، وتسرع بعض الباحثين المسلمين في القديم والحديث ففروا من النسخ كما فر منه اليهود وعدوه من قبيل البداء -ولا سيما حين رأوا إكثار المفسرين من النسخ من غير دليل- وقد غلا كلا الفريقين، فما كان لأصحاب النسخ أن يكثروا منه ويخلطوه بمفهومات أخرى لا صلة له بها، وما كان لمنكري النسخ أن يبطلوا أمرا صرحت به آيات في كتاب الله ودلت عليه وقائع ثابتة لا قبل للباحث المحقق بردها، ولا كان لهم أن يشبهوا على الناس النسخ بالبداء. لقد نسي منكروا النسخ أو تناسوا -كما قال الزرقاني١: "أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض ما ظهر له أمر كان خافيا عليه، وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل. وإنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا من قبل أن يشرعهما لعباده، بل من قبل أن يخلق الخلق، ويبرأ السماء والأرض، إلا أنه -جلت حكمته- علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة أخرى. ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم، وأن الأحكام وحكمها والعباد مصالحهم، والنواسخ والمنسوخات كانت كلها معلومة لله من قبل ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه. والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده, لا ظهرو ذلك له". على أن المنهج الذي نعرف به الناسخ والمنسوخ لا يشتبه فيه النسخ بالبداء، ولا بالتخصيص، ولا بالإنساء ولا ببيان المجمل، فإنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ﷺ أو من صحابي يقول: "آية كذا نسخت كذا".

стр. 262

وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر. ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة, لأن النسخ يتضمن رفع حكم واثبات حكم تقرر في عهده ﷺ ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد١. وقد صرح المحققون من العلماء بأن كثيرا مما ظنه المفسرون نسخا ليس به " وإنما هو نسء وتأخير، أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عمومه، أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى. وأنواع الخطاب كثيرة، فنظنوا ذلك نسخا وليس به، وإنما هو الكتاب المهيمن على غيره، وهو نفسه متعاضد، وقد تولى الله حفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. وحين قسم المتزيدون في النسخ سور القرآن أقساما بحسب ما دخله النسخ وما لم يدخله عدوا ثلاث وأربعين سورة فقط ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وست سور فيها ناسخ وليس فيها منسوخ، وأربعين سورة فيها منسوخ وليس فيها ناسخ، وإحدى وثلاثين سورة اجتمع فيها الناسخ والمنسوخ٣. ولا يعنينا قط أن نسرد أسماء السور في هذه الأقسام فإن سردها نفسه قائم على أساس فاسد من الغلو والتعسف، وحسبك أن السور المحكمات الخاليات من النسخ لم تزد -في هذا التقسيم- على ثلاث وأربعين، كأن القاعدة هي النسخ لا الإحكام، وكأن الأصل في سور القرآن أن يكون فيها ناسخ أو منسوخ! والحق أن الأصل في آيات القرآن كلها الإحكام لا النسخ، إلا أن يقوم دليل صريح على النسخ فلا مفر من الأخذ به، وما زال العلماء المحققون بالآيات التي قيل إنها منسوخة يبحثونها من وجوهها المختلفة حتى حصروا ما يصلح منها

стр. 263

لدعوى النسخ في عدد قليل, وتعقب آخرون هذا القليل نفسه فآثروا في طائفة منه القول بالإحكام على القول بالنسخ: فالسيوطي مثلا حصر دعوى النسخ في إحدى وعشرين آية على خلاف في بعضها١، ثم استثنى منها آيتي الاستئذان والقسمة٢ فذكر أن الأصح فيهما أنهما محكمتان، فصارت الآيات المنسوخة في نظره لا تزيد على تسع عشرة آية، ولولا خشية الاستطراد لتعقبناها فوجدنا الصالح منها للنسخ لا يزيد على عشر فقط، بيد أننا نفضل أن نحيل القارئ على ما ذكره السيوطي لعله يكتشف من تلقاء نفسه، -في ضوء حديثنا عن النسخ- ما عسى أن يكون أقرب إلى التخصيص أو تأخير البيان أو الإنساء، وما عسى أن يدخل حقا فيما نسخه الله من آيات فأتى بأحسن منها أو مثلها وهو على كل شيء قدير!.

стр. 264

الفصل السابع: علم الرسم القرآني اتبعت اللجنة الرباعية في استنساخ مصاحف الأمصار على عهد عثمان "﵁" طريقة خاصة ارتضاها هذا الخليفة في كتابة كلمات القرآن وحروفه. وقد اصطلح العلماء على تسمية هذه الطريقة "برسم المصحف". وكثيرا ما ينسبون هذا الرسم إلى الخليفة الذي ارتضاه فيقولون: رسم عثمان أو الرسم العثماني، وكان لا بد أن يحاط هذا الرسم بهالة من الإجلال والتقديس، فالخليفة الذي ارتضاه ووضعه موضع التنفيذ شهيد عظيم لقي مصعره وهو يتلو كتاب الله خاشعا متبتلا١. وهذا يفسر لنا إلى حد كبير اعتقاد الناس أن كل مصحف مخطوط قديم يعثرون عليه لا بد أن يكون مصحف عثمان أو أحد مصاحفه، وربما كان في رأي بعضهم هو المصحف الذي لا يزال عليه أثر من دم الخليفة الشهيد٢. ولقد بلغ الغلو ببعضهم أشده حين زعموا أن هذا الرسم القرآني، توقيفي وضع منهاجه النبي الكريم نفسه، صلوات الله عليه، فقد نسبوا إليه -وهو

стр. 265

الأمي الذي لا يكتب- أنه قال لمعاوية، أحد كتبة الوحي: "ألق الدواة وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم, وضع قلمك على أذنك اليسرى, فإنه أذكر لك"١. ومن المتحمسين لهذا الرأي ابن المبارك الذي نقل في كتابه "الإبريز" عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال له: "ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها، لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وهو سر من الأسرار التي خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز! وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في "مائة" دون "فئة"، وإلى سر زيادة الياء في ﴿بِأَييْدٍ﴾ ، و ﴿بِأَييْكُمْ﴾ ، أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في ﴿سَعَوْا﴾ بالحج، ونقصانها من ﴿سَعَوْ﴾ بسبأ؟ وإلى سر زيادتها في ﴿عَتَوْا﴾ حيث كان ونقصانها من ﴿عَتَوْ﴾ في الفرقان؟ وإلى سر زيادتها في ﴿آمَنُوا﴾ ، وإسقاطها من ﴿بَاؤُ، جَاؤُ، تَبُوؤُ، فَاؤُ﴾ بالبقرة؟ وإلى سر زيادتها في ﴿يَعْفُوَا الَّذِي﴾ ، ونقصانها من ﴿يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ في النساء؟ أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض، كحذف الألف من ﴿قُرْءَنا﴾ بيوسف والزخرف، وإثباتها في سائر المواضع؟ وإثبات الألف بعد واو ﴿سَمَواتٍ﴾ في فصلت وحذفها من غيرها، وإثبات الألف في ﴿الْمِيعَادِ﴾ مطلقا، وحذفها من الموضع الذي في الأنفال؟ وإثبات الألف في ﴿سِرَاجًا﴾ حيثما وقع, وحذفه من موضع الفرقان؟ وكيف تتوصل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض؟ فكل ذلك لأسرار إلهية, وأغراض نبوية. وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني، بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور، فإن لها أسرارا عظيمة،

стр. 266

ومعاني كثيرة، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها، ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها! فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف"١. وعلى هذا الأساس، لم يجد الزرقاني في "مناهله" بأسا في أن يعد من مزايا الرسم العثماني "دلالته" على معنى خفي دقيق كزيادة -الياء- في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد﴾ إذ كتبت هكذا "بأييد" وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى٢. ولا ريب أن هذا غلو في تقديس الرسم العثماني، وتكلف في الفهم ما بعده تكلف٣، فليس من المنطق في شيء أن يكون أمر الرسم توقيفيا، ولا أن يكون له من الأسرار ما لفواتح السور، فما صح في هذا التوقيف حديث عن رسول الله ﷺ ، ولا مجال لمقارنة هذا بالحروف المقطعة التي تواترت قرآنيتها في أوائل السور، وإنما اصطلح الكتبة على هذا اصطلاحا في زمن عثمان، ووافقهم الخليفة على هذا الاصطلاح، بل وضع لهم دستورا يرجعون إليه في الرسم عند الاختلاف في قوله للثلاثة القرشيين: "وإذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش, فإنما نزل بلسانهم"٤.

стр. 267

واحترام الرسم العثماني واستحسان التزامه أمر يختلف اختلافا جوهريا عن القول بالتوقيف فيه, فقد تضافرت آراء العلماء على ضرورة التزام هذا الرسم حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك"١ وسئل الإمام مالك: أرأيت من استكتب مصحفا أترى أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: "لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى"٢ وروي في فقه الشافعية والحنفية أقوال من هذا القبيل، ولكن أحدا من هؤلاء الأئمة لم يقل: إن هذا الرسم توقيفي، ولا سر أزلي، وإنما رأوا في التزامه ضربا من اتحاد الكلمة واعتصام الأمة بشعار واحد، واصطلاح واحد، فواضع الدستور عثمان، ومنفذه بخطه زيد بن ثابت، "وكان أمين رسول الله ﷺ وكاتب وحيه". على أن من العلماء من لم يكتف بإباحة مخالفة الرسم العثماني، بل صرح فوق ذلك بأنه اصطلاحي، ولا يعقل أن يكون توقيفيا. وفي طليعة هؤلاء القاضي أبو بكر الباقلاني٣ في كتابه "الانتصار" فهو يقول: "وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولا مهفومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل, لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبين لهم

стр. 268

وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول, وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة, وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر علم أنه لم يؤخد في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة والأذن، والسبب في ذلك أن الخطوط إنا هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنى له ذلك! "١. وإن رأي القاضي أبي بكر هذا لجدير أن يؤخذ به, وحجته ظاهرة، ونظره بعيد، فهو لم يخلط بين عاطفة الإجلال للسلف وبين التماس البرهان على قضية دينية تتعلق برسم كتاب الله. أما الذين ذهبوا إلى أن الرسم القرآني توقيفي أزلي فقد احتكموا في ذلك إلى عواطفهم, واستسلموا استسلاما شعريا صوفيا إلى مذاويقهم ومواجيدهم، والأذواق نسبية؛ لا دخل لها في الدين، ولا يستنبط منها حقيقة شرعية.

стр. 269

وإنا لنذهب في رسم القرآن مذهبا أبعد من هذا، فلا نرى جواز مخالفته لمجرد الحجج التي أوردها الباقلاني، بل نأخذ برأي العز بن عبد السلام الذي يقول: "لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يؤدي إلى دروس العلم. وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة"١. وملخص هذا الرأي الأخير أن العامة لا يستطيعون أن يقرءوا القرآن في رسمه القديم, فيحسن بل يجب أن يكتب لهم بالاصطلاحات الشائعة في عصرهم، ولكن هذا لا يعني إلغاء الرسم العثماني القديم لأن في إلغائه تشويها لرمز ديني عظيم اجتمعت عليه الكلمة, واعتصمت به الأمة من الشقاق, ففي الأمة دائما علماء يلاحظون هذه الفروق الضئيلة في طريقة الرسم العثماني, ومن الممكن -مع ذلك- كما اقترحت مجلة الأزهر أن ينبه في ذيل كل صفحة من صفحات المصحف على ما عسى أن يكون فيها من الألفاظ المخالفة للاصطلاح الحديث في الخط والإملاء٢.

стр. 270

الفصل الثامن: علم المحكم والمتشابه نستطيع أن نقول: إن القرآن كله محكم، إن أردنات بإحكامه إتقانه وجمال نظمه بحيث لا يتطرق إليه الضعف في ألفاظه ومعانيه، وبهذ المعنى أنزل الله قوله الكريم: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ١، كما نستطيع أن نقول: إن القرآن كله متشابه، إن أردنا بتشابهه تماثل آياته في البلاغة والإعجاز، وصعوبة المفاضلة بين أجزائه، وبهذا المعنى أنزل الله قوله الحكيم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ ٢ فالإحكام والتشابه في كل من الآيتين السابقتين ليسا مثار بحثنا عن محكم القرآن ومتشابهه، إنما يثير بحثنا هنا الآية السابعة في سورة آل عمران، إذ يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٣. من الواضح في هذه الآية أن المحكم يقابل المتشابه، كما أن الراسخين في العلم يقابلون الذين في قلوبهم زيغ، وقد حمل هذا التقابل العلماء على

стр. 271

تعريف كل من المحكم والمتشابه، فكثرت آراؤهم في هذا الموضوع وتعددت وجهات نظرهم١، ولكن آرءاهم تئول في النهاية إلى أن المحكم هو الذي يدل على معناه بوضوح لا خفاء فيه, والمتشابه هو الذي يخلو من الدلالة الراجحة على معناه. فيدخل في المحكم النص والظاهر. أما النص فلأنه اللفظ الذي وضع للمعنى الراجح المتبادر. ويدخل في المتشابه المجمل والمؤول والمشكل, لأن المجمل يحتاج إلى تفصيل, والمؤول لا يدل على معنى إلا بعد التأويل، والمشكل خفي الدلالة فيه لبس وإبهام٢. ووضوح الدلالة في المحكم يغنينا عن البحث عنه، لأن قراءتنا له كافية لإفهامنا المراد منه، ولكن خفاء المتشابه جدير أن يشغلنا بعض الشيء, لكي نعرفه ثم نجتنبه فلا نتبعه كالذين في قلوبهم زيغ. إن أكثر العلماء يذهبون إلى أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله, ويوجبون في الآية الوقف على اسم الجلالة، أما الراسخون في العلم فقد انتهى علمهم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ . لكن أبا الحسن الأشعري كان يرى أن الوقوف في الآية على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، فهم على ذلك يعلمون تأويل المتشابه. وقد أوضح هذا الرأي أبو إسحاق الشيرازي٣ وانتصر له فقال: "ليس شيء استأثر الله تعالى بعلمه، بل وقف العلماء عليه، لأن الله تعالى أورد هذا مدحا للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة". وتوسط الراغب الأصفهاني فقسم المتشابه من حيث إمكان الوقوف على معناه إلى ثلاثة أضرب: "ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه، كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك، وضرب للإنسان أسباب إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة وضرب متردد بين الأمرين

стр. 272

يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم. وهو المشار إليه بقوله ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" ١. ولا ريب أن في رأي الراغب قصدا واعتدالا: فذات الله وحقائق صفاته لا يعلمها إلا الله، وفي هذا المعنى يقول في دعائه: "أنت كما أثنيت على نفسك، ولا أحصي ثناء عليك"، والعلم بالغيب مما استأثر الله به، مصداقا للآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٢. ولقد رأينا في بحث فواتح السور كيف أحيطت هذه الحروف بجو من التورع عن تأويل حقائقها، وعرفنا أن آراء العلماء فيها إنما كانت تدور حول حكمة وجودها لا حول كنه حقيقتها، ففي خفاء هذه الأمور وعجز الإنسان عن الوصول إليها ما يقلل من غروره ويخفض من كبريائه، ويحمله على أن القول: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. والآيات المشكلة الواردة في صفات الله تعالى، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ هي أهم ما يتعلق بهذا الضرب من المتشابه الذي لا سبيل لأحد من البشر إلى الوقوف عليه، وقد أفردها ابن اللبان بكتاب سماه "رد المتشابهات إلى الآيات المحكمات"٤، وذكر الرازي الحكمة من متشابه الصفات فقال: "إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق, فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود

стр. 273

ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي محض، فيقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول -وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر- من باب المتشابه، والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح وهو المحكم"١. وللعلماء في متشابه الصفات مذهبان: الأول: مذهب السلف، وهو الإيمان بهذه المتشابهات وتفويض معرفتها إلى الله تعالى. سئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: "الاستواء معلوم, والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني"٢. والثاني: مذهب الخلف، وهو حمل اللفظ الذي يستحيل ظاهره على معنى يليق بذات الله. وينسب هذا المذهب إلى إمام الحرمين٣، وجماعة من المتأخرين. ولتوضيح المذهبين نذكر بعض الآيات القرآنية الواردة في متشابه الصفات. فمن ذلك ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤، و ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٥، و ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٦، ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ٧، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ٨ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى

стр. 274

عَيْنِي﴾ ١، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٢، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٣. فالسلف ينزهون الله عن هذه الظواهر المستحيلة عليه، ويؤمنون بها بالغيب كما ذكرها الله، ويفوضون علم حقائقها إليه، أما الخلف فيحملون الاستواء على العلو المعنوي بالتدبير من غير معاناة٤. ومجيء الله على مجيء أمره٥، وفوقيته على العلو لا في جهة٦، وجنبه على حقه٧، ووجهه على ذاته٨، وعينه على عنايته٩، ويده على قدرته ١٠، ونفسه على عقوبته ١١.وهكذا يؤول الخلف -على هذا المنوال- جميع ما ورد من رضى الله وحبه وغضبه وسخطه وحيائه بحملها على أقرب مجاز، ويقولون: لا يراد من هذه الألفاظ إلا لازمها١٢. وقد فهم ابن اللبان في كتابه "رد الآيات المتشابهات" الحكمة من ورود هذه الآيات فقال: "من المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى، وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياتها مظهرين: مظهر عبادي منسوب لعباده وهو الصور والجوارح الجسمانية، ومظهر حقيقي منسوب إليه، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية المنسوبة لعباده

стр. 275

على سبيل التقريب لأفهامهم، والتأنيس لقلوبهم، ولقد نبه في كتابه على القسمين وأنه منزه عن الجوارح في الحالين، فنبه على الأول بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فهذا يفهم أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى، ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه ﷺ في صحيح مسلم: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به" إلخ ... الحديث، وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ١. وكأني بابن اللبان هنا يستشعر -بذوقه الأدبي الرفيع- ما في الكناية عن الحقائق الدينية الكبرى من الحسن والجمال: فبهذا الأسلوب الرمزي ترتسم في الخيال الإنساني صورة حسية عن الفكرة المجردة، وتقرب إلى الناس في جميع الأجيال أسمى الحقائق بواسطة الخيال. ولعل اشتمال القرآن على المتشابه وعدم اقتصاره على المحكم وحده، أن يكون حافزًا للمؤمنين على الاشتغال بالعلوم الكثيرة التي تقدرهم على فهم الآيات المتشابهات فيتخلصون من ظلمة التقليد، ويقرءون القرآن متدبرين خاشعين٢.

стр. 276

الباب الرابع: التفسير والإعجاز الفصل الأول: التفسير "نشأته وتطوره " لا ريب أن التفسير مر بأطوار كثيرة حتى اتخذ هذه الصورة التي نجده عليها الآن في بطون المؤلفات والتصانيف، بين مطبوع ومخطوط. ولقد نشأ التفسير مبكرا في عصر النبي ﷺ الذي كان أول شارح لكتاب الله، بين للناس ما نزل على قبله. أما صحابته الكرام فما كانوا يجرءون على تفسير القرآن وهو ﵊ بين أظهرهم، يتحمل هذا العبء العظيم، ويؤديه حق الأداء، حتى إذا لحق ﵊ بالرفيق الأعلى لم يكن بد للصحابة العلماء بكتاب الله، الواقفين على أسراره، المهتدين بهدي النبي ﷺ من أن يقوموا بقسطهم في بيان ما علموه، وتوضيح ما فهموه. والمفسرون من الصحابة كثيرون، إلا أن مشاهيرهم عشرة: "الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم"١. وأجدر هؤلاء العشرة جميعا بلقب المفسر هو عبد الله بن عباس الذي شهد له رسول الله ﷺ بالعلم، ودعا له بقوله: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه

стр. 277

التأويل" ١ وسماه ترجمان القرآن٢. ولكن الناس تزيدوا في الرواية عن ابن عباس، وتجرأ بعضهم على الوضع عليه، والدس في كلامه، حتى قال الإمام الشافعي "لم ثيبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"٣. ومن الذين ورد عنهم شيء من التفسير من الصحابة، غير أولئك العشرة، أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، والسيدة عائشة أم المؤمنين، إلا أن ما روي عنهم قليل بالنسبة إلى العشرة السابقين. وتلقى أقوال الصحابة نفر من كرام التابعين في الأمصار الإسلامية المختلفة، فنشأت في مكة طبقة للمفسرين، وفي المدينة طبقة ثانية, وفي العراق ثالثة، قال ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم, وكذلك أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس"٤. وعن التابعين أخذ تابعو التابعين, فجمعوا أقوال من تقدمهم وصنفوا التفاسير، كما فعل سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح, وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد بن حميد٥، فكانوا بذلك إرهاصا لابن جرير الطبري٦ الذي يوشك المفسرون جميعا من بعده أن يكونوا عالة عليه. وبعد ذلك اتجه العلماء في تفاسيرهم اتجاهات متباينة، فكان ما يسمى "بالتفسير

стр. 278

بالمأثور"، وهو امتداد للتفاسير السابقة المسندة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكان ما يسمى "بالتفسير بالرأي" وفيه تعددت المناهج وتضاربت الأفكار فحمد بعضه وذم بعضه، تبعا لقربه من هداية القرآن أو بعده عنها. أ- وأجل التفاسير بالمأثور هو تفسير ابن جرير الطبري، ويسمى كتابه "جامع البيان، في تفسير القرآن" ومن خصائصه أنه عرض فيه لأقوال الصحابة والتابعين مع تحرير أسانيدها، وترجيح بعضها على بعض، واستنباط الكثير من الأحكام وذكر بعض وجوه الإعراب التي تزيد المعنى وضوحا. غير أنه -اعمادا منه على معرفة الناس حال الأسانيد- كان أحيانا يغفل بعضها، ويذكر منها غير الصحيح دون أن ينبه عليه. ويقرب من تفسير الطبري, وربما يفوقه في بعض الأمور, تفسير ابن كثير "عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٤"، ومن مزاياه الدقة في الإسناد، وبساطة العبارة، والوضوح في الفكرة. وتبعا لهذا المنهج ألف السيوطي "ت٩١١" كتابه القيم "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" وقد اعتمد فيه -كما يفهم عن عنوانه- على الأخبار الصحيحة المأثورة التي تجعله أقرب إلى الفكرة الإسلامية منه إلى الشروح الإنسانية. لكن التفسير بالمأثور معرض غالبا للنقد الشديد، لأن الصحيح من الروايات قد اختلط بغير الصحيح, ولزنادقة اليهود والفرس نشاط لا يجهله أحد في الدس على الإسلام وتشويه تعاليمه، ولأصحاب المذاهب والشيع ولوع غريب بجمع معاني القرآن وتنزيلها وفق هواهم، فكان على المفسر بالمأثور أن يدقق في تعبيره، ويحترس في روايته، ويحتاط كثيرا في ذكر الأسانيد. ب- أما التفسير بالرأي فقد اختلف العلماء حوله، فمن محرم له، ومن مجوز، لكن اختلافهم يؤول في الحقيقة إلى أن المحرم منه هو الجزم بأن مراد الله كذا من غير برهان، أو محاولة تفسير الكتاب الكريم مع جهل المفسر

стр. 279

بقواعد اللغة وأصول الشرع، أو تأييد بعض الأهواء بآيات من القرآن زورا وبهتانا، أما إذا كانت الشروط المطلوبة متوافرة في المفسر فلا مانع من محاولته التفسير بالرأي، بل لعلنا لا نبعد إن قلنا: إن القرآن نفسه يدعو إلى هذا الاجتهاد في تدبر آياته وفقه تعاليه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ١ وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢. وقد نقل السيوطي عن الزركشي "في البرهان" خلاصة الشروط التي لا بد منها لإباحة التفسير بالرأي٣، فرآها تندرج تحت أربعة: الأول: النقل عن رسول الله ﷺ مع التحرز عن الضعيف والموضوع. الثاني: الأخذ بقول الصحابي، فقد قيل: إنه في حكم المرفوع مطلقا، وخصه بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه. الثالث: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب. الرابع: الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع. وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي ﷺ لابن عباس في قوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". وأشهر التفاسير التي تتوافر فيها هذه الشروط تفسير الرازي٤ المسمى "مفاتيح الغيب" وتفسير البيضاوي المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" وتفسير أبي السعود٥ المسمى "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" وتفسير النسفي٦ المسمى "مدارك التنزيل، وحقائق التأويل" وتفسير

стр. 280

الخازن١ المسمى "لباب التأويل في معاني التنزيل". والرازي في تفسيره يسلك مسلك الحكماء الإلهيين في الاستدلالات الكلامية المنطقية, ويعنى ببحث الكونيات عناية خاصة ويقسم الآية أو الآيات التي يكون بصدد تفسيرها إلى عدد من المسائل، ثم يسترسل في تأويلها مدافعا عن عقيدة أهل السنة والجماعة. والبيضاوي في تفسيره يعنى بتقرير الأدلة على أصول أهل السنة, ولا يفوته التنبيه على قواعد اللغة، إلا أنه ليس بالثبت فيما يرويه من الأحاديث في ختام كل سورة لبيان فضلها، فأكثر مروياته فيها غير صحيح. وله حواش كثيرة أفضلها حاشية الشهاب الخفاجي وهي المتداولة. أما أبو السعود فمع تقريره الأدلة على عقائد أهل السنة، يعنى بتبيان المباحث المتعلقة بإعجاز القرآن، وأسلوبه في ذلك مشرق, وتذوقه للبلاغة القرآنية سليم. وأما النسفي فيعنيه بالدرجة الأولى الدفاع عن وجهة نظر أهل السنة والجماعة، والرد على أهل البدع والأهواء، وتفسيره جامع لوجوه الإعراب والقراءات، وفيه إشارات دائمة إلى روائع البلاغة القرآنية، في عبارة موجزة، بل شديدة الإيجاز. والخازن أخيرا على عنايته بالمأثور، لا يذكر أسانيده، ويعجب العامة كثيرا بتفسيره لما فيه من القصص والإسرائيليات. والتفسير بالرأي حتى مع استيفائه جميع الشروط التي تجعله محمودا لا مسوغ له إذا عارضه التفسير بالمأثور الذي ثبت لنا بالنص القطعي، لأن الرأي اجتهاد، ولا مجال للاجتهاد في مورد النص، أما إذا لم يكن تعارض بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور فكل منهم يؤيد الآخر ويثبته، وذلك أكثر ما نجده في كتب التفسير، كالأقوال الكثيرة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ

стр. 281

ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. فالسابق من رجحت حسناته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم المرتكب لبعض المحرمات، على رأي، والسابق المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم كافر النعمة غير الجاحد لها على رأي ثان، والسابق هو الذي تمحض للخير، والمقتصد هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، والظالم هو المرجأ إلى امر الله، على رأي ثالث، وهكذا٢، وهي أقوال كما ترى ليس بينها تناف ولا تعارض. جـ- وتفاسير الفرق الإسلامية المختلفة ترجع -في الحقيقة- إلى التفسير بالرأي، غير أنها تدخل في النوع المذموم منه، لأن أصحابها لم يؤلفوها إلا لتأييد أهوائهم، أو الانتصار لمذاويقهم ومواجيدهم، من ذلك تفاسير المعتزلة والمتصوفة والباطنية. ويغلب على تفاسير المعتزلة الطابع العقلي, والمذهب الكلامي، تبعا لقاعدتهم المشهورة "الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل"٣، ولا ترد النصوص النبوية فيها إلا على أنها شيء ثانوي، نادرا ما يلجئون إليه لشرح معاني الآيات، وخير من يمثل هذه النزعة العقلية في التفسير الزمخشري "محمود بن عمر الملقب بجار الله المتوفى سنة ٥٣٨هـ" في كتابه "الكشاف" الذي يمتاز بإيراد النكات البلاغية وتحقيق بعض وجوه الإعجاز، بطريق الفنقلة "أي: إن قلت قلت"، وهو إلى ذلك خال من الإسرائيليات التي تكثر في بعض كتب التفسير بالمأثور, وعبارته بليغة موجزة ليس فيها حشو وتطويل. وإليك نموذجا من تفسيره: قال في بيان قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ

стр. 282

وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ١ فإن قلت: لم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على فعل القبيح.. بدليل ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٢ إلخ ... ثم أول إسناد الختم إلى الله بأن الكلام استعارة أو مجاز، على معنى أن الشيطان هو الخاتم أو الكافر، وأسند إلى الله تعالى لأنه هو الذي أقدره ومكنه٣. ويغلب على تفاسير المتصوفة الشطحات التي تبعدهم عن النسق القرآني، وتجعل كلامهم غامضًا إلا على المشتغل بالشئون الروحية، الذي تعلم أساليب المتصوفة ومرن عليها. وأشهر التفاسير التي من هذا النوع التفسير المنسوب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي المتوفى سنة ٦٣٨، وإن كان كثير من العلماء لا يصححون نسبته إليه. وإليك نموذجا من هذا التفسير، حول تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤ ففيه ما نصه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا، إذ مطلع الآية كونه متجليا بالعلم والحكمة والملك في آل إبراهيم ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ نار شوق الكمال، لاقتضاء غرائزهم وطبائعهم بحسب استعدادهم ذلك مع رسوخ الحجاب ولزومه، أو نار قهر من تجليات صفات قهره تناسب أحوالهم، أو نار شره نفوسهم وحدة شوقها وطلبها لما ضريت به من كمالات صفاتها وشهواتها مع حرمانها منها ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ رفعت حجبهم الجسمانية

стр. 283

بانسلاخهم عنه ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾ حجبا غيرها جديدة ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ نيران الحرمان ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا﴾ قويا يقهرهم ويذلهم بذل صفات نفوسهم، ويحرقهم بنيران توقانها إلى كمالاتهم مع حرمانهم أبدا ﴿حَكِيمًا﴾ يجازيهم بما يناسبهم من العذاب الذي اختاروه لأنفسهم بدواعيهم الغضبية والسهوية وغيرها، وميولهم إلا الملاذ الجسمانية، فلذلك بدلوا حجبا ظلمانية بعد حجب"١. فالتذوق الجداني القائم على ضرب من الحدس النفسي هو الذي يسود هذه الشروح. ولذلك تكثر فيه العبارات الغامضة التي ليس وراءها طائل. والدين لا يؤخذ من ذوق المتذوقين، ولا وجد المتواجدين. ويقرب من تفسير المتصوفة ما يسمى بالتفسير الإشاري, وهو الذي تؤول به الآيات على غير ظاهرها مع محاولة الجمع بين الظاهر والخفي. من ذلك تفسير الآلوسي "المتوفى سنة ١٢٧٠هت" ويسمى "روح المعاني" فبعد أن يورد فيه مؤلفه تفسير الآيات حسب الظاهر، يشير إلى بعض المعاني الخفية التي تستنبط بطريق الرمز والإشارة، كقوله في تفسير الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢: وإذ أخذنا ميثاقكم المأخوذ بدلائل العقل، بتوحيد الأفعال والصفات، ورفعنا فوقكم طور الدماغ، للتمكن من فهم المعاني وقولها. أو أشار سبحانه بالطور إلى موسى القلب, وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد، وقلنا: "خذوا" أي: اقبلو "ما آتيناكم" من كتاب العقل الفرقاني بجد، وعوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق، ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك. فولا حكمة الله بإمهاله، وحكمه بإفضاله، لعاجلكم بالعقوبة، ولحل

стр. 284

بكم عظيم المصبية"١. أما تفاسير الباطنية الذين يقتصرون على الأخذ بباطن القرآن ويهملون ظاهره، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ٢ فيسل فيها إلا التأويلات الفاسدة المخالفة لأصول الشرع وقواعد اللغة، وتفاسير الباطنية أشد بعدا عن النسق القرآني من تفاسير التصوف والتفاسير الإشارية, وإن كانت تشترك جميعا في مخالفة ظاهر القرآن واستلهام معان ما أنزل الله بها من سلطان. د- هذا وإننا نضطر أحيانا للرجوع إلى نوع معين من التفاسير: فإذا كنا نبحث عن النكات البلاغية رجعنا إلى الزمخشري، وإذا التمسنا المباحث الكلامية رجعنا إلى الرازي، وإذا أردنا إعراب القرآن فعلينا بالبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي "المتوفى سنة ٧٤٥" ففيه كثير من المباحث النحوية، والمسائل المتعلقة بالقراءات، ولم نجد فيه ما نسلكه به في عداد التفسير بالرأي, كما أنه لا يعنى بالنصوص النبوية إلا قليلا، فليس من باب التفسير بالمأثور. هـ- وقد ألفت في القرن الأخير تفاسير لبعض العلماء المعاصرين فيها محاولات للتجديد، وأقلها نصيبا من النجاح -بلا ريب- "الجواهر في تفسير القرآن" لطنطاوي جوهري، فإن في تفسيره كل شيء ما عدا التفسير. أما تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا فإنه نمط خاص في تأويل كلام الله، يرجع به مؤلفه غالبا إلى آثار السلف محاولا التوفيق بينها وبين مقتضيات العصر الحاضر، ويحالفه النجاح في أكثر هذه المحاولات، إلا أنه أحيانا يستمسك ببعض الآراء الضعيفة ويدافع عنها بقوة وعناد، والمنهج الذي يصدر عنه يدل -بوجه عام- على تعمقه للأسلوب القرآني، ودراسته له على أنه للهداية والإعجاز. ولسيد قطب في تفسيره "ظلال القرآن" لمحات موفقة في فهم أسلوب القرآن في التعبير والتصوير، إلا أن الغرض الأول منه تبسيط المبادئ

стр. 285

القرآنية للنشء، فهو إلى التوجيه أقرب منه إلى التعليم. والتفسير بالمأثور إذا اجتمع إليه حسن الاستنباط، وسعة الثقافة، والمقدرة على الترجيح هو أولى التفاسير بالاعتبار، ونحن مع ذلك لا ننصح بالاقتصار عليه، فلا بد لنا لتأويل الآية أو الآيات من الرجوع إلى مختلف التفاسير، ثم نحاول أن نختار لأنفسنا أصلح الآراء فيها، إلا أن يثبت لنا على وجه القطع أثر صحيح في الموضوع فنأخذ به ونطرح ما عداه، إذ لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص.
следующие страницы →