← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7317

مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح

صبحي الصالح

Полный текст (372 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعدهم عام الحديبية من دخول المسجد الحرام، وتبديلهم بعد خوفهم أمنا، وتحليق رءوسهم وتقصيرها قضاء للشعيرة، كما قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ١؟ ولعل من أعجب العجب أن يضمن الله لنبيه حماية شخصه وعصمته من أذى الناس, مع أن الراغبين في قتله كانوا يحيطون به من أمامه وخلفه، وعن يمينه وشماله، ولكنها إرادة السماء جعلت الرسول على يقين بأن الله حاميه. لقد نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢، فأخرج ﵊ رأسه من الخيمة وقال لنفر من أصحابه يحرسونه على بابها: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله"! ٣. ها هو ذا ﵊ يوم أحد أقرب ما يكون من العدو بينما كان الموت أقرب إليه من شراك نعله، حتى قال علي كرم الله وجهه: كنا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه". وها هو ذا في غزوة حنين يركض بغلته إلى جهة العدو، فلما أقبل المشركون وغشوه لم يفر بل نزل عن بغلته كأنما يعرض نفسه لنبالهم وهو يقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" ٤. وها هو ذا في ذات الرقاع ينزل تحت شجرة ويعلق سيفه فيها، فيجيئه رجل من المشركين فيأخذ السيف فيخترطه ويقول للنبي: أتخافني؟ فيقول: "لا". فيقول الرجل: وما يمنعك مني؟ فيجيب: "الله يمنعني منك. ضع السيف" فلا يملك الرجل إلا أن يضع سيفه٥, وتزيد بعض الروايات: أن

стр. 37

الرجل أعلن من فوره إسلامه. أما إنه لا يبت في أخبار الغيب إلا مجازف يعبث أو مؤمن ذو يقين، وما عرف الناس في رسول الله مخايل المجازفين، ولا ملامح المفترين، فلا بد أن يكون من الموقنين الصادقين. بيد أن طائفة من العرب افترضوا أن يكون أحد من البشر قد علم النبي القرآن، فالتمسوا مصدر الوحي خارج الذات المحمدية، ولم يجرءوا -وهم الأميون- على دعوى تعلمه من أحد منهم، فقد أدركوا بالفطرة أن الجاهل لا يعلم الناس شيئا، وإذا هم يهتدون إلى معلم لمحمد، فمن كان ذاك المعلم الكبير، والمرجع العلمي الخطير؟ غلامًا روميًا أعجميا نصرانيًا يشتغل في مكة قينا "حدادا" يصنع السيوف، وكان -على عاميته- ملما بالقراءة والكتابة ولو لم يعلم الكتاب إلا أماني، وربما بدا للنبي أحيانا أن يقف عليه يشاهد صنعته، فما أنسبها فرصة ليقول العرب الأميون: هذا هو معلمه "إنما يعلمه بشر" وما أنسبها فرصة ليرد القرآن على أحلامهم الطائشة هذا الرد البديهي المتوقع، والمؤثر المقنع: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١. فلما أسقط في أيديهم، ووجدوا أن لا قبل لهم بتعيين معلم محمد، آثروا أن يرفعوا دعواهم ضد مجهول، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢.وبهذا رسم العرب الأميون المنهج لمن بعدهم من ملاحدة المثقفين لينطلقوا من دعواهم هذه إلى محاولة تعيين الذي أملى على محمد حقائق الدين وفلسفة التاريخ: فرأى قوم أنه راهب اسمه بحيرا من أتباع آريوس في التوحيد لقيه النبي في طفولته في سوق بصرى بالشام خلال رحلته مع عمه أبي طالب، ورأى آخرون أنه ورقة بن نوفل من

стр. 38

العلماء بالنصرانية ومن أقارب السيدة خديجة لقيه في مكة على أثر نزول الوحي عليه أول مرة. وكل الذي صح في أمر هذين الرجلين أن الرسول لقي أولهما بحيرا وهو ابن تسع سنين، وقيل: ابن اثني عشرة مرة واحدة، وكان معه عمه أبو طالب, وقال هذا الراهب لعمه: سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم؛ وأنه ﵊ لقي الثاني ورقة عقب إخباره خديجة بما رآه في غار حراء، فقد انطلقت به إلى ورقة، وكان شيخا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يابن عم اسمع من ابن أخيك: فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بخبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس -أي: أمين الوحي- الذي نزل الله على موسى. ولم يلبث ورقة أن توفي١. حسبنا -لتفنيد هذين الزعمين- أن نتذكر أن النبي الكريم لم يلق الرجلين سرا في خفاء، بل كان معه في كل مرة رفيق، فقد شهد أبو طالب لقاءه لبحيرا، وشهدت خديجة لقاءه لورقة، فما عسى أن يكون النبي تعلم في هذين اللقاءين من علوم الغيب والتاريخ؟ ولا حاجة بنا إلى تجشيم أنفسنا عناء الرد على مبالغات بعض المستشرقين حول كثرة اليهود والنصارى بمكة، فقد رد عليهم من بينهم باحثون منصفون أكدوا أن من الحمق التهويل في هذا الشأن ما دام الرسول الكريم لم يلق أحبار اليهود ولا رهبان النصارى، ولم يثبت اتصاله بهم. وأهون من هذا كله ما يعرض به الشكاكون المرتابون إلى القوافل التجارية في رحلتي الشتاء والصيف، وما كانت تحمله -بزعمهم- من أخبار الأمم الماضية وقصص الملل الخالية: فما عهدنا تجار العرب يعنون بلقاء الأحبار ومجالسة رجال "اللاهوت"٢. أما محمد نفسه فلم يذهب إلى الشام إلا مرتين: أولاهما في طفولته مع عمه كما أسلفنا، والأخرى في تجارة

стр. 39

لخديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة، ولم يتجاوز ﵊ سوى مدينة بصرى في كلتا الرحلتين القصيرتين، فأين يذهب العقلاء بعقولهم؟ وأنى يؤفكون؟ بعد أن وضح النهار لذي عينين، لم يكن بد من أن يسفه القرآن تلك الأحلام الطائشة جميعا، ويقول بلهجة قاطعة حاسمة،: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. أما أخيلة الشاعر أو سبحات الأديب فقد نسبها بعض العرب إلى الرسول الأمين حين راع القرآن الأمين خيالهم بصوره الحية، ومشاهده الشاخصة، وألفاظه الموحية وفواصله الشافية، وألحانه العذاب، فقالوا: شاعر نتربص به ريب المنون، ولا شك أن الفصحاء فيهم عرفوا أن ليس في القرآن شيء من الشعر، وأن أسلوبه يعلو ولا يعلى، وما هو بقول بشر حتى قال قائلهم: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر، وما هو بقول بشر". إلا أن القرآن ظل يتحداهم بمعارضته، ويطاولهم في المعارضة، حتى اضطرهم إلى الهزيمة أمام تحديه، فلم يجدوا ما يشفون به غليلهم إلا أن يقولوا: شعر أو سحر مبين. تحداهم أول الأمر أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهو جميعه كلام الله، ومن أصدق من الله قيلًا؟ فقال لهم في سورة الطور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ .ثم تنازل لهم عن التحدي بجميع القرآن الصادق الذي لا يخالف الواقع في شيء إلى التحدي بعشر سور مثله، ولو كانت مفتريات لا أصل لها ولا سند، فقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ

стр. 40

مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . فلما عجزوا حتى عن السور العشر المفتريات تنازل إلى تحديهم بسورة واحدة من مثله، فقال في سورة البقرة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ . حتى إذا عجزوا عن معارضة سورة واحدة من سوره -وهم أمة الفصاحة والبلاغة- جلجل صوته في الآفاق، وتحدى أمم العالم قائلا في ثقة ويقين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . بالأسلوب المعجز الساحر مس القرآن إذن قلوب العرب منذ الفترة المكية قبل أن تنزل آياته التشريعية، ونبوءاته الغيبية، ونظرته الكلية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان، ولو أتيح لمعاصري الوحي القرآني أن يطلعوا منه على الجانب العلمي والجانب الفلسفي اللذين أتيح لبعضنا أن يطلعوا عليهما، وكان لهم من الثقافة ما يمكنهم من الحكم على حقائق التاريخ، لأدركوا مثل جميع المنصفين عجز الزمان عن إبطال شيء منه، ولأيقنوا أن علوم الكون ستظل جميعا في خدمته للكشف عن آيات الله في الآفاق والأنفس، كما قال الله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ !. وبعد، فقد آثرنا أن نعالج ظاهرة الوحي المعجز بمثل ما عالجها به القرآن من التأثير المقنع، فلجأنا إلى الزاوية النفسية، ودرسنا من خلالها الفرق العظيم بين ذات الخالق وشخصية المخلوق، وبين صنعة الخالق وصنعة المخلوق، وتجنبنا التعقيد والجدل العقيم، وحاولنا ألا نقرب حقائق الغيب العليا بما يعرفه الناس عن التنويم "المغناطيسي" وتسجيل الأصوات على الأشرطة

стр. 41

وإذاعتها أو نقلها عن طريق الهاتف واللاسلكي، وظننا أن لا جدوى من هذه الأشياء وأنها ليست هي طريق الإيمان، ونحسب أننا قد انتهينا إلى النتيجة التي توخيناها، فأدرك القارئ معنا أن الرسول الكريم تلقى الوحي بحواسه كلها ومشاعره كلها، واعيا كل الواعي أنه عبد الله ورسوله الأمين.

стр. 42

الفصل الثالث: تنجيم القرآن وأسراره لقد شاءت الحكمة الإلهية أن يظل الوحي متجاوبا مع الرسول ﷺ يعلمه كل يوم شيئا جديدًا، ويرشده ويهديه, ويثبته ويزيده اطمئنانا، ومتجاوبا مع الصحابة يربيهم ويصلح عاداتهم، ويجيب عن وقائعهم، ولا يفاجئهم بتعاليمه وتشريعاته، فكان مظهر هذا التجاوب، نزوله منجما "بحسب الحاجة: خمس آيات، وعشر آيات وأكثر وأقل١. وقد صح نزول عشر آيات في قصة "الإفك"٢ جملة، وصح نزول عشر آيات من أول "المؤمنين"٣ جملة، وصح نزول ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٤ وحدها -وهي بعض آية- وكذا قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَ ةً﴾ ٥ إلى آخر الآية، نزلت بعد نزول أول

стр. 43

الآية"١. على هذا المنوال ظل القرآن ينزل نجوما، ليقرأه النبي ﷺ على مكث ويقرأه الصحابة شيئا بعد شيء، يتدرج مع الأحداث والوقائع والمناسبات الفردية والاجتماعية التي تعاقبت في حياة الرسول ﷺ خلال ثلاثة وعشرين عاما على الأصح، تبعا للقول بأن مدة إقامته ﵊، في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة. أما إقامته بالمدينة فهي عشر سنين اتفاقًا: فعن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين٢، وقدر بعضهم مدة نزول القرآن بعشرين سنة، وبعضهم بخمس وعشرين، وبنوا هذا على أن إقامته ﵊، بمكة بعد البعثة كانت عشر سنين أو خمس عشرة سنة٣. وقد بدأ نزول القرآن -كما قال الشعبي٤- "في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات"٥. والشعبي يجمع في هذا الرأي بين قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٦ وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ٧، وهو فهم سديد لا يتضارب مع إخبار الله بإنزال كتابه في ليلة مباركة، وفي شهر رمضان، إذ يكون المراد

стр. 44

أنه تعالى ابتدأ إنزاله في ﴿لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ١، ووصف هذه الليلة بأنها ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وهي إحدى ليالي رمضان، كما في قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ٢، ثم استمر نزوله نجوما بعد ذلك، متدرجا مع الوقائع والأحداث. ولسنا نميل إلى الرأي القائل: إن للقرآن تنزلات ثلاثة: الأولى إلى اللوح المحفوظ، والثاني إلى بيت العزة في السماء الدنيا، والثالث تفريقه منجما بحسب الحوادث، وإن كانت أسانيد هذا الرأي كلها صحيحة٣، لأن هذه التنزلات المذكورة من عالم الغيب الذي لا يؤخذ فيه إلا بما تواتر يقينا في الكتاب والسنة، فصحة الأسانيد في هذا القول لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده، فكيف وقد نطق القرآن بخلافه؟! إن كتاب الله لم يصرح إلا بتفريق الوحي وتنجيمه، ومنه يفهم بوضوح أن هذا التدرج كان مثار اعتراض المشركين الذين ألفوا أن تلقى القصيدة جملة واحدة، وسمع بعضهم من اليهود أن التوراة نزلت جملة واحدة، فأخذوا يتساءلون عن نزول القرآن نجوما، وودوا لو ينزل كله مرة واحدة، وقد ذكر الله اعتراضهم في سورة الفرقان ورد عليه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٤. على أن القائلين بتنزيلات القرآن الثلاثة لا يفوتهم -بعد بيان حكمه هذا

стр. 45

التعدد في أماكن النزول١- أن يشيروا إلى أسرار تنزله الثالث الأخير منجما بحسب الوقائع، وهذه الأسرار قد بلغت من الوضوح حدا لا تخفى معه على أحد، "ولولا أن الحكمة الإلهية -كما يقولون- اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الواقع لأهبطه إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا، تشريفا للمنزل عليه"٢. ويعنينا من أقوالهم تطلعهم إلى أسرار التدرج في نزول القرآن، فقد أوشكوا عند بلوغ هذه الناحية من البحث ألا يتركوا مجالا لقائل بعدهم، إذ لاحظوا في التدرج الحكمتين اللتين أشرنا إليهما، وهما تجاوب الوحي مع الرسول ﷺ ، وتجاوبه مع المؤمنين، وإن كان تعبيرهم عن ذلك يختلف قليلا عن تعبيرنا. ولتجاوب الوحي مع الرسول ﷺ صورتان: إحداهما تثبيت فؤاده بما يتجدد نزوله من القرآن بعد كل حادثة, والثانية تيسير حفظ القرآن عليه. وقد أشار إلى الصورة الأولى أبو شامة٣ في قوله:" فإن قيل: ما السر في نزوله منجما؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله

стр. 46

جوابه فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ يعنون: كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: أنزلناه مفرقا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، أشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان١ لكثرة لقياه جبريل"٢. ولقد راع القرآن خيال العرب وأخذ أسماعهم بما فيه من أنباء الرسل مع أقوامهم، تتكرر بصورة مختلفة، وأساليب متنوعة، فتزداد حلاوة كلما تكررت، ولا غرض لها في أكثر المواطن التي ذكرت فيها إلا تثبيت قلب الرسول ﷺ وقلوب المؤمنين. ونطق القرآن بذلك فقال: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ٣: ففي ذكر قصص الرسل، وتفريقه، وتنوعيه، تقوية لقلب الرسول ﷺ وعزاء له على ما يلقاه من أذى قومه، وما كان محمد بدعا من الرسل، فهم جميعا عذبوا وكذبوا واضطهدوا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ٤. وهكذا ما انفك القرآن يتجدد نزوله مهونا على الرسول ﷺ الشدائد، مسليا له مرة بعد مرة، محببا إليه التأسي بمن قبله من الرسل، يأمره تارة بالصبر أمرًا صريحا فيقول: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا

стр. 47

جَمِيلًا﴾ ١، ويقول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢ وينهاه تارة أخرى عن الحزن نهيا صريحا، كما في قوله: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٤. ويعلمه أحيانا أن الكافرين لا يجرحون شخصه في نفسه، ولا يتهمونه بالكذب لذاته، وإنما يعاندون الحق بغيا من عند أنفسهم، لأنهم شرذمة من الجاحدين تتكرر في كل عصر وجيل، كما في قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٥. وفي تفسير هذه الآية يقول الحافظ ابن كثير: "يقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أي: قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك علهيم كقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، و ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم"٦. وتكرار نزول هذه الآيات المسلية، المعزية، المرشدة إلى الصبر الجميل والأسوة الحسنة، هو الحكمة المقصودة من إيراد أنباء الرسل وقص قصصهم. ولو استمر اضطهاد المشركين لرسول الله ﷺ وانقطع عنه الوحي المثبت لقلبه، فلم يتجدد نزول الآيات المسلية له، لشعر ﵊ بما يشعر به

стр. 48

البشر في هذه الحالات من استيلاء الحزن على قلبه، واستبداد اليأس بنفسه، والله لم ينهه عن الحزن والحسرات وبخع النفس وضيق الصدر -كما رأينا- إلا لأنه بشر مثل سائر البشر، في طبيعته استعداد لجميع هذه الانفعالات النفسية، وقد انتبه إلى هذا المعنى السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ١ فقال: "والآية تسلية للرسول ﷺ بعد تسلية، وإرشاد إلى سنته تعالى في الرسل والأمم، أو هي تذكير بهذه السنة وما تتضمنه من حسن الأسوة إذ لم تكن هذه الآية أول ما نزل في هذا المعنى" ثم زاد هذه الفكرة وضوحا بقوله: "ولولا أن دفع الأسى بالأسى من مقتضى الطبع البشري لما ظهرت حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية، فإن النبي ﷺ كان يتلو القرآن في الصلاة ولا سيما صلاة الليل، فربما يقرأ السورة ولا يعود إليها إلا بعد أيام يفرغ فيها من قراءة ما نزل من سائر السور، فاحتيج إلى تكرار تسليته وأمره بالصبر المرة بعد المرة، لأن الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له ﷺ ، من شأنهما أن يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره عند تلاوة الآيات الواردة في بيان حال الكفار ومحاجتهم وإنذارهم"٢. والصورة الثانية لتجاوب الوحي مع الرسول ﷺ هي -كما ذكرنا- تيسير حفظ القرآن عليه. ومن العلماء من يرى أن "تثبيت فؤاده" المذكور في آية الفرقان السابقة لا يراد منه إلا جمع القرآن حفظا في قلبه "فإنه ﵊ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ففرق عليه لييسر عليه حفظه، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه كان كاتبا قارئا، فيمكنه حفظه الجميع إذا نزل جملة"٣. وقد أراد ابن فورك٤ أن يزيد هذا الأمر تفصيلا وبيانًا

стр. 49

فقال: "قيل: أنزلت التوراة جملة، لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب -وهو موسى- وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي"١. وأما تجاوب الوحي مع المؤمنين على عهد رسول الله ﷺ ففي القرآن منه صور متنوعة، وألوان متباينة تلتقي كلها عند غاية واحدة: وهي رعاية حال المخاطبين، وتلبية حاجاتهم في مجتمعهم الجديد الآخذ في الازدهار، وعدم مفاجأتهم بتشريعات وعادات وأخلاق لا عهد لهم بمثلها. وقد أشار إلى هذا مكي٢ في "الناسخ والمنسوخ" حين لاحظ أن نزول القرآن "أدعى إلى قبول إذا نزل على التدريج، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة، فإنه كان ينفر من قبوله كثير من الناس لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي، ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري٣ عن عائشة قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء، "لا تشربو الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو انزل "لا تزنوا" لقالوا: "لا ندع الزنى أبدًا"٤. وظاهر كلام السيدة عائشة في قولها هذا أنها جمعت بين تحريم الخمر وتحريم الزنا بالتدريج، فيخيل إلى السامع أن تحريم الزنى لم يتم إلا على مراحل كالخمر، وليس ذلك بصحيح ولا هو مراد بنت الصديق، فإنها ﵂ كانت تعلم أن الزنى حرم دفعة واحدة، في خطوة واحدة

стр. 50

جازمة، بمثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ١، وإنما أرادت الصديقة بيان أوائل ما نزل من القرآن، وأن تلك الأوائل ما كانت بمقتضى حكمة الله لتتناول الحلال والحرام، بل تناولت أصول الإيمان بالله واليوم الآخر. فعدم تحريم الزنى في أول ما نزل من الوحي لا يعني أن هذا التحريم تأخر كثيرا: إذ وقع تحريمه في مكة على كل حال، وهو لا يعني تدرج هذا التحريم على مراحل، إذ لم نعلم في كتاب الله ولا سنة رسوله إثبات منفعة للزنى إلى جانب إثمه الكبير كما علمناه في تحريم الخمر والميسر، ولم نر لونا من ألوان الزنى والسفاح يقر في الإسلام بأية صورة، وإنما الذي عرفناه أن الإسلام أمضى أمره بتحريم الزنى بأسلوب صارم ولهجة قاطعة، كما حرم سائر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق. وما من ريب في أن الإسلام فرق بين الأعماق والسطحيات في أنفس الأفراد والمجتمعات، فكل قضية عميقة الجذور في نفس الفرد اتخذت شكل عادة شعورية وكل قضية عميقة الجذور في نفس المجتمع اتخذت شكل تقليد اجتماعي أو عرف دولي، فللإسلام فيها موقف المتمهل المتريث الذي يؤمن بأن البطء مع التنظيم خير من العجلة مع الفوضى! وكل قضية سطحية تنزلق إلى نفس الفرد أو إلى نفس الجماعة فتفسد علها فطرتها الزكية النقية، فهي جريمة في الحياة الإنسانية لا يجوز السكوت عنها، فليقطع الإسلام فيها برأيه، ولتكن حدوده فيها غير قابلة للنقاش، فما يناقش في أمر هذه الحدود إلا الخارج على مقتضى الفطرة، المنسلخ من الكرامة الإنسانية٢. وفي ضوء هذه التفرقة بين الأعماق والسطحيات في الأنفس والآفاق, وفي الأفراد والمجتمعات، نظر الإسلام إلى القتل والسرقة والغصب وأكل

стр. 51

أموال الناس بالباطل ومختلف ضروب الغش في المعاملات نظرته إلى الزنى، فحرمها مرة واحدة تحريما قاطعا لا تساهل فيه. وإذ صح أن التعبير عن التحريم أكثر هذه الأشياء إنما ورد في الكتاب متأخرا، وأن أكثرها وقع تحريمه في المدينة بعد هجرة الرسول ﷺ ، إليها، فلا يصح القول -على وجه الإطلاق والتعميم- بتدرج التحريم على مراحل في هذه الشئون: فكما حرم الله الزنى في لهجة قاطعة فقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ حرم القتل في خطوة جازمة فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١، وحرم السرقة يوم قضت حكمته أن يعبر عن تحريمها في أسلوب صارم فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ٢. وبمثل هذه الصرامة حرم اغتصاب أموال الناس بغير حق فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣, وكل لون من ألوان الغش في المعاملات إنما جاء تحريمه في الكتاب بهذه الصيغ الجازمة، فإن لم يكن في الكتاب ففي السنة المطهرة. والإسلام مهما يبد حريصا على تدرج التشريع وتنجيم النوازل القرآنية لا يسمح قط بالخلط بين تأخير البيان لوقت الحاجة وبين تدرج التشريع، فلقد أخر الله بيان أحكام كثيرة من حلال وحرام، ومن أوامر ونواه، ولكنه حين أراد بيانها أمضى أمره فيها مرة واحدة, ولم يدع فيها للتدريج مجالًا، وعلم المؤمنين بهذا سرعة الاستجابة للأوامر الدينية وأعدهم به لتحمل التكاليف الشرعية: ففي أول أمرهم كلفهم بالصلاة والصدقة والصيام،

стр. 52

إلا أن الصلاة كانت في البداية صلاة مطلقة بالغدوة والعشي، فما فرضت عليهم بعددها في اليوم والليلة وركعاتها وأشكالها إلا قبل الهجرة بسنة. وعرف المسلمون في أول أمرهم أنواعا من الصدقة والصيام ولكن مقادير الزكاة وشروط الصيام لم تفرض إلا بعد الهجرة بسنة، فهذا كله من مرانة الإسلام ويسره وسماحته: إذ قال الله: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، فما يريد الله أن يشق على عباده وإنما يأخذهم بالرفق، وينهاهم عن كثرة السؤال لئلا يبدو لهم ما يكرهون من جديد التكاليف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ ٣. وإذا سلك هذا كله في باب "تأخير البيان لوقت الحاجة" ولم يكن من التدريج في شيء، فإن انطباق هذا الحكم على السطحيات المنزلقة إلى أنفس الأفراد أو إلى أنفس المجتمعات أولى وأجدر، ومن هنا لم يدع داع إلى التدرج في تحريم الزنى ولا القتل ولا السرقة ولا أكل أموال الناس بالباطل. إنما يكون التدرج في النوازل القرآنية إذن في مثل الخمر والميسر من العادات الشعورية أو الأمراض النفسية، وفي مثل استرقاق الأسرى من التقاليد الاجتماعية والأعراف الدولية. وحسبنا -على سبيل المثال- أن نمر مرورًا خاطفا بالتحريم القرآني المتدرج للعادة الشعورية الخطيرة المسماة "بإدمان المسكرات": فقد نزل في أمرها أول ما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٤ فوجه أنظار السكارى إلى أن الحرمة إنما تقوم على غلبة الشر، فمهما يكن في الخمر من منافع

стр. 53

اقتصادية في المتاجرة بها، ومن منافع ظاهرية في حمرة الخد التي توهم الصحة الحسنة، ومن منافع اجتماعية فيما تدفع إليه من السخاء والجود في حالة السكر والعربدة، أو من الشجاعة التي تبلغ أحيانا حد التهور في ساحة الحرب، فإن إثمها أكبر من نفعها، فتلك علة كافية لتحريمها. فكانت الخطوة الأولى تحريكا للمنطق التشريعي في نفوس المسلمين، ثم تبعتها الخطوة الثانية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ١ فضيق عليهم الفرصة لمزاولة السكر، لأن الصلوات الخمس كانت قد شرعت في أوقات متقاربة لا يكفي ما بينها للإفاقة من نشوة الخمر، حتى إذا أصبحت فرص السكر نادرة بطبيعة الحال حرم الله عليهم الخمر في لهجة قاطعة جازمة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢، فقالوا: انتهينا، وانتهوا حقيقة، وأصبحوا ينتظرون حدود الله في شارب الخمر، ويخجلون أن يصل الأمر بأحد المسلمين إلى أن تقام عليه هذه الحدود. وهكذا تدرج الوحي مع النبي يربيه ويعلمه ويهديه حتى "كان خلقه القرآن" كما تقول السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وتدرج في تربية المؤمنين، فلم يزين قلوبهم بحلية الإيمان الصادق، والعبادة الخالصة، والخلق السمح، إلا بعد أن مهد لذلك بتقبيح تقاليدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة شيئا فشيئا، وساعدهم نزوله المنجم على حفظ آياته في الصدور، كما قوي من عزائمهم في الشدائد، فكان دستور حياتهم علما وعملا، وكان المدرسة الصالحة التي جعلت منهم رجالا وأبطالا، ولعل ابن عباس في قوله: "نزله

стр. 54

جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم"١ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ٢ إنما كان يومئ إلى هذا النوع من التربية السامية التي أتاحها للمؤمنين نزول كتابهم منجما بحسب الحاجة، متدرجا مع الوقائع والأحداث. أراد القرآن مثلا -على الصعيد التربوي- أن يحطم العصبية الجاهلية الرعناء، وأن يستبدل التقوى بتفاخرها بالآباء، فمهد لذلك برفع العبيد الأرقاء إلى مقام السادة الأحرار: إن بلالا الحبشي الأسود ليرقى ظهر الكعبة ويؤذن يوم الفتح, فيقول المشركون مستنكرين: "أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة؟! " فتنزل على قلب النبي آية تضع الموازين القسط للأشخاص والقيم والأشياء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣. وعلى الصعيد الاجتماعي، أراد الإسلام أن يحفظ على هذه الأمة اعتدالها وتوازنها، وأن يجعلها وسطا في عقائدها وأخلاقها، وعباداتها، ومعاملاتها، فمهد لذلك بتصحيح مقاييسها ودعوتها إلى ما يحييها، فلما اتفقت جماعة من الصحابة على "أن يجبوا أنفسهم، ويعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحمًا ولا دسما، ويلبسوا المسوح، ولا يأكوا من الطعام إلا قوتا، ويسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان" أنزل الله لتقويم هذا الانحراف عن دواعي الفطرة قوله الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٤. ومن عجائب الإيحاء التعبيري في القرآن أن انحراف أولئك الصحابة شبه في الآية بالاعتداء والعدوان!. أما الصعيد النفسي فيكاد القرآن فيه يخاطب كل نفس على حدة، متناولًا

стр. 55

بنظرته الشاملة أسرارها، كلها وخفاياها، وإنما نجتزئ هنا بتنزل قرآني واحد على سبيل المثال، لقد كلف الله الصحابة الأولين، ضروب المشقات وألوانها فتحملوها مختارين، ولكنه في آية واحدة حمل عليهم إصرا كبيرا, وحملهم ما لا طاقة لهم به، حتى جثوا على ركبهم دهشة وذهولًا، حين أنزل قوله الكريم: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١، فعجبوا كيف يحاسبهم الله على ما همت به أنفسهم ولم يعملوه، وأتوا رسول الله يقولون: قد أنزل الله عليك هذه الآية ولانطيقها! وإذا الوحي يتنزل بالتخفيف والتيسير, ويعلن مبدأه السمح الصريح: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ! ٢. وبعد.. لئن كان تصوير الوحي لشخص الرسول دليلا وجدانيا على صدقه ﵊، لعمري إنه في تدرج نروله برهان منطقي دامغ على أن هذا الكتاب المجيد كلام الله العليم الحكيم، أنزله على رسوله هدى وموعظة وتبيانا لكل شيء.

стр. 56

الباب الثاني: تاريخ القرآن الفصل الأول: جمع القرآن وكتابته مدخل ... الباب الثاني: تاريخ القرآن الفصل الأول: جمع القرآن وكتابته لجمع القرآن معنيان وردت النصوص بكليهما، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ورد الجمع بمعنى الحفظ، ومنه جماع القرآن, أي: حفاظه. والمعنى الثاني لجمع القرآن هو كتابته كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة على حدة، أو مرتب الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا وقد رتبت إحداها بعد الأخرى. فأما جمع القرآن بمعنى حفظه واستظهاره في لوح القلب فقد أوتيه رسول الله قبل الجميع، فكان ﵊ سيد الحفاظ وأول الجماع، وتيسر ذلك لنخبة من صحابته على عهده, ولا بد أن يكون عدد هذه النخبة غير قليل, "فقد قتل منهم -كما قال القرطبي- يوم بئر معونة سبعون وقتل في عهد رسول الله ﷺ مثل هذا العدد"١. ولو أخذنا بظاهر الروايات التي يذكرها البخاري في "صحيحه" لحسبنا أن عدد الحفاظ على عهد رسول الله ﷺ لا يزيد عن السبعة. وهؤلاء السبعة أنفسهم لا تسرد أسماؤهم متعاقبة في رواية واحدة في "الصحيح" وإنما تجمع من ثلاث روايات فيه مع ترك الأسماء المكررة٢. ولذلك يطلق المستشرق بلاشير Blachere الحكم

стр. 57

"بأن الحديث النبوي لا يعرف للقرآن إلا سبعة من الحفاظ"١. ويفوته ما علق به العلماء على هذه الروايات مستبعدين صيغة الحصر، ومؤولين ما جاء فيها تأويلا سائغا مقبولا، و"قال الماوردي٢: وكيف يمكن الإحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة٣، والصحابة مفترقون في البلاد! وإن لم يكمله سوى أربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون، قال الشيخ: وقد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام٤ القراء من الصحابة في أول كتاب القراءات له، فسمى عددا كثيرا"٥. والسيوطي في "الإتقان" يذكر بعض هؤلاء القراء بأسمائهم التي وردت في كتاب "القراءات" المنسوب إلى أبي عبيد، فيفهم منه أن أبا عبيد "عد من المهاجرين الخلفاء الأربعة، وطلحة وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة،

стр. 58

وسالمًا، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة١، وعائشة وحفصة، وأم سلمة، ومن الأنصار عبادة بن الصامت، ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة، ومجمع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وقد صرح بأن بعضهم إنا كمله بعد النبي ﷺ "٢. وهؤلاء الذين عدهم القاسم بن سلام من المهاجرين والأنصار وأمهات المؤمنين ليسوا إلا طائفة من الأصحاب الذين جمعوا كتاب الله في صدورهم، وتيسر لهم أن يعرضوه على النبي ﷺ ، فكانوا بذلك تلامذة له وكان شيخا لهم. لكن الذين حفظوا القرآن من الصحابة من غير أن يعرضوه على الرسول لا يحصون عددا، ولا سيما إذا أدخلنا في عدادهم من لم يكمل له الجمع إلا بعد وفاة النبي ﷺ . وفي مقدمة "طبقات القراء"٣ للحافظ الذهبي٤ "ما يبين ذلك، وأن هذا العدد هم الذين عرضوه على النبي ﷺ واتصلت بنا أسانيدهم, وأما من جمعه منهم٥ ولم يتصل بنا سندهم فكثير"٦. وجماع القرآن في عهد الرسول ﷺ مهما يبلغ عددهم من الكثرة يظل دون تصوير شغفهم بالقرآن الذي كان يملك عليهم قلوبهم، حتى أضحى همهم الأوحد قراءة الكتاب والاستماع إليه. روي الشيخان عن أبي موسى

стр. 59

الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين باليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار" ١. وكانوا -فوق هذا- يتدارسون القرآن ويستظهرونه ليتمكنوا من قراءته في الصلوات المكتوبة ليلا أو نهارًا، سرا أوجهرًا، وفي النوافل التي يتطوعون بها. وكان الرسول ﷺ ، يساعدهم على هذا التدارس ويرغبهم فيه ويشجعهم عليه، بل كان ﵊ يختار أعلمهم بكتاب الله ليفقه إخوانه "فكان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل من الصحابة يعلمه القرآن, وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا"٢. وقد اشتهر بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري. وقد قرأ علي أبي بن كعب جماعة من الصحابة: منهم أبو هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن السائب، وأخذ ابن عباس عن زيد بن ثابت أيضا، وأخذ عنهم خلق من التابعين٣: وهكذا كان في العصر النبوي شبه مدرسة لتحفيظ القرآن وتدارسه. ويؤكد ابن الجزري٤ "أن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب، أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة". ويستدل على ذلك بالحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي

стр. 60

صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: أي رب: إذن يثلغوا ١ رأسي حتى يدعوه خبزة. فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان" ٢ الحديث، ومنه يفهم أن القرآن يقرأ عن ظهر قلب في كل حال، فلا يحتاج جامعه إلى النظر في صحيفة كتبت بالمداد الذي ينطمس ويزول إذا غسل بالماء. وأما جمع القرآن بمعنى كتابته، فقد اتخذ ثلاثة أشكال في ثلاثة عهود في الصدر الأول، أولها عهد النبي ﷺ ، وثانيها عهد أبي بكر الصديق ﵁، وثالثها عهد عثمان بن عفان ﵁.

стр. 61

جمع القرآن كتابة على عهد رسول الله ﷺ ... ١- جمع القرآن كتابة على عهد الرسول ﷺ : اتخذ النبي ﷺ كتابا للوحي فيهم الخلفاء الأربعة ومعاوية وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وخالد بن الوليد وثابت بن قيس، كان يأمرهم بكتابة كل ما ينزل من القرآن، حتى تظاهر الكتابة جمع القرآن في الصدور١. وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت أنه قال: "كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع"٢. وكلمة "الرقاع" في الحديث "وهي جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد" تشعرنا بنوع أدوات الكتابة المتيسرة لكتاب الوحي على عهد رسول الله ﷺ ، فكانوا يكتبون الآيات في اللخاف "جمع لخفة وهي الحجارة الدقاق أو صفائح الحجارة" والعسب "جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض" والأكتاف "جمع

стр. 62

كتف وهو عظم البعير أو الشاة يكتبون عليه بعد أن يجف" والأقتاب "جمع قتب وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه" وقطع الأديم أي: "الجلد"١. ومعنى تأليف القرآن من الرقاع "الوارد في حديث زيد" ترتيب السور والآيات وفق إشارة النبي ﷺ وتوقيفه. "فأما الآيات في كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها٢" ويستدل على ذلك بما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ٣ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ "المعنى: لماذا تثبتها بالكتابة أو تتركها مكتوبة وأنت تعلم بأنها منسوخة" قال: "يابن أخي، لا أغير شيئا من مكانه"٤، فعثمان لا يجرؤ على تغيير آية من مكانها، ولو ثبت له أنها منسوخة، لأنه يعلم أن ليس له ولا لغيره دخل في ترتيب آيات القرآن بعد أن وقّف جبريل رسول الله على ترتيبها، ووقف رسول الله بدوره كتبة الوحي على ذلك. أخرج أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ , إلى آخرها٥. وفي السنة

стр. 63

كثير من الأحاديث التي تصور رسول الله ﷺ يملي القرآن على كتاب الوحي، ويوقفهم على ترتيب الآيات١، وقد ثبت أنه ﷺ قرأ سورا عديدة بترتيب آياتها في الصلاة أو في خطبة الجمعة بمشهد من الصحابة، فكان ذلك دليلا صريحا على "أن ترتيب آياتها توقيفي، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر"٢. وأما ترتيب السور فتوقيفي أيضا، وقد علم في حياته ﷺ ، وهو يشمل السور القرآنية جميعا، ولسنا نملك دليلا على العكس، فلا مسوغ للرأي القائل: إن ترتيب السور اجتهادي من الصحابة، ولا للرأي الآخر الذي يفصل: فمن السور ما كان ترتيبه اجتهاديا، ومنه ما كان توقيفيًا. وإذن، فقول الزركشي: "وترتيب بعضها ليس هو أمرا أوجبه الله، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم, ولهذا كان لكل مصحف ترتيب"٣ لا ينبغي أن يسلم على علاته، لأن اجتهاد الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارا شخصيًا لم يحاولوا أن يلزموا به أحدا، ولم يدعوا أن مخالفته محرمة، إذ لم يكتبوا تلك المصاحف للناس وإنما كتبوها لأنفسهم, حتى إذا اجتمعت الأمة على ترتيب عثمان أخذوا به وتركوا مصاحفهم الفردية، ولو أنهم كانوا يعتقدون أن الأمر مفوض إلى اجتهادهم، موكول إلى اختيارهم، لاستمسكوا بترتيب مصاحفهم، ولم يأخذوا بترتيب عثمان. ثم إن الزركشي نفسه يرى أن "الخلاف يرجع إلى اللفظ" بين القائلين بالتوقيف والقائلين بالاجتهاد في ترتيب السور، ويتستدل على ذلك بقول الإمام مالك: "إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ ، مع

стр. 64

قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه: هل ذاك بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي؟ "١. وأما الرأي الذاهب إلى أن الترتيب على قسمين توقيفي واجتهادي فلا يستند القسم الاجتهادي فيه إلى دليل صحيح، وهو على كل حال قسم ضئيل لا يكاد يؤبه له، فإذا قال القاضي أبو محمد بن عطية: "إن كثير من السور كان قد علم ترتيبها في حياته ﷺ ، كالسبع الطول٢ والحواميم والمفصل"٣، رأي أبوجعفر بن الزبير٤ أن القسم التوقيفي لابد أن أني يكون أكبر من هذا، وأن القسم الاجتهادي هو الأقل. ويفهم هذا بوضوح من قوله: "الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منا قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف"٥. وهذا القليل الذي يمكن أن يجري فيه الخلاف يعتمد على حديث ضعيف جدا، بل هو حديث لا أصل له، يدور إسناده في كل رواياته على"يزيد الفارسي" الذي رواه عن ابن عباس"٦، ويزيد الفارسي هذا "يذكره البخاري في الضعفاء، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن، الثابتة بالتواتر القطعي قراءة وسماعا وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك! فلا علينا إذا قلنا: إنه "حديث

стр. 65

لا أصل له"١، ولا داعي للإطالة بذكر هذا الحديث الباطل، بل نشير إلى أن موضع الشاهد فيه جواب عثمان لابن عباس، معللا قرن براءة بالأنفال من غير البسملة: "وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن، فكانت قصتها شبيها بقصتها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، وظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ... إلخ"٢. الرأي الراجح المختار إذن أن تأليف السور على هذا الترتيب الذي نجده اليوم في المصاحف هو -كتأليف الآيات على هذا الترتيب- توقيفي لا مجال فيه للاجتهاد. على أن رسول الله ﷺ ، رغم هذا التوقيف، لم يجد من الدواعي ما يحمله على جمع آيات كل سورة في صحائف عدة، ولا جمع القرآن كله بين دفتي مصحف واحد: لأن القراء ومستظهري القرآن كانوا كثيرين، وكان ﵊ يترقب توالي نزول الوحي عليه، وإمكان ناسخ لبعض أحكامه٣، فالقرآن كله كتب في عهد رسول الله ﷺ غير مجموع في مصحف واحد، فقد أغنى عن ذلك حفظ الصحابة له في صدورهم كما وقفهم عليها الرسول ونبههم إلى مواضعها بتوقيف من الله. قال الزركشي: "وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ ، مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته ﷺ "٤. وأكثر العلماء على أن جمع القرآن على عهد رسول الله لوحظ في كتابته أن تشمل الأحرف السبعة التي أنزل عليها، وسوف نناقش في فصل "الأحرف السبعة". وكان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول الله ﷺ ، وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه، فتعاونت نسخ هؤلاء الكتاب والصحف التي في بيت النبي مع حافظة الصحابة الأميين وغير الأميين، على حفظ القرآن وصيانته، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥.

стр. 66

٢- جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁: لقد كتب القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ إلا أنه كان مفرق الآيات والسور، وأول من جمعه في مصحف مرتب الآيات -كما رويت محفوظة عن الرسول- هو أبو بكر. قال أبو عبد الله المحاسبي١ في كتاب "فهم السنن": "كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ ، فيها القرآن منتشرًا، فجمعها جامع وربطها بخيط، حتى لا يضيع منها شيء"٢. وكان جمع أبي بكر للقرآن بعد موقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة، ففي تلك الموقعة بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، استشهد سبعون من حفظة القرآن من الصحابة، فهال ذلك عمر بن الخطاب وجاء يقترح على أبي بكر جمع القرآن. وفي ذلك يروي البخاري في صحيحه أن زيد بن ثابت ﵁ قال: "أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر "أي: اشتد" يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر

стр. 67

يجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن! قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري١ لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر"٢. وقد يقع قارئ هذا النص في إشكال منشؤه تصريح زيد بأنه لم يجد أخر سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، ويزول هذا الإشكال سريعا إذا علم القارئ أن غرض زيد أنه لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة٣، وقد كان ذلك كافيا لقبوله إياها، لأن كثيرا من الصحابة كانوا يحفظونها، ولأن زيدا نفسه كان يحفظها، ولكنه أراد -ورعا منه واحتياطًا- أن يشفع الحفظ بالكتابة، وظل ناهجا هذا النهج في سائر القرآن الذي تتبعه فجمعه بأمر

стр. 68

أبي بكر: فكان لا بد لقبول آية أو آيات من شاهدين، هما الحفظ والكتابة، وبهذا فسر ابن حجر المراد من الشاهدين في قول أبي بكر لعمر وزيد: "اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه١" وهو حديث منقطع أخرجه ابن أبي داود٢ من طريق هشام بن عروة عن أبيه، لكن رجاله ثقات، وواضح أن تفسير ابن حجر يلاحظ فيه الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة، كالشاهد الواحد على الحفظ، وتفسير الجمهور يقوم على ضرورة شاهدين عدلين على الكتابة، وشاهدين عدلين على الحفظ، فلا يكتفى بشاهد واحد على كل من الأمرين، ويستدل على ذلك بما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان"٣، قال السخاوي في "جمال القراء": "المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم٤". وكأن شذوذ آخر سورة التوبة عن هذه القاعدة بوجودها عند أبي خزيمة وحده، إنما ورعي فيه تواترها لدى الكثير من الصحابة الذين كانوا يستظهرونها حفظا في الصدور: فهذا الاستظهار المتواتر قام مقام شاهدين بأن آخر تلك السورة كتب بين يدي رسول الله ﷺ ."وقول زيد: "لم أجدها إلا مع "أبي" خزيمة" ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد، لأن زيد كان قد سمعها وعلم موضعها ... وتتبعه الرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم"٥.

стр. 69

وقد تم لأبي بكر جمع القرآن كله خلال سنة واحدة تقريبا، لأن أمره زيدا بجمعه كان بعد واقعة اليمامة، وقد حصل الجمع بين هذه الواقعة ووفاة أبي بكر، وحين نتذكر كيف جمع هذا القرآن من الراقع والعسب واللخاف والأقتاب والجلود في هذه المدة القصيرة، لا يسعنا إلا أن نكبر عزيمة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله, ولا يسعنا إلا أن نقول مع علي بن أبي طالب: "رحم الله أبا بكر، هو أول من جمع كتاب الله بين اللوحين"١. أما عمر فقد سجل له التاريخ أنه صاحب الفكرة، كما سجل لزيد أنه وضعها موضع التنفيذ. وختام النص الذي رواه البخاري عن زيد ينبئنا بأن الصحف التي جمع فيها القرآن كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم صارت إلى عمر وظلت عنده حتى توفاه الله، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر لا إلى الخليفة الجديد عثمان. وقد أثارت "دائرة المعارف الإسلامية" شبهة حول هذا الموضوع، فتساءلت: ألم يكن عثمان أجدر أن تودع هذه الصحف عنده؟ ٢ ونجيب: بل حفصة أولى بذلك وأجدر، لأن عمر أوصى بأن تكون الصحف مودعة لديها، وهي زوجة رسول الله أم المؤمنين، فضلا على حظفها القرآن كله في صدرها وتمكنها من القراءة والكتابة، وكان عمر قد جعل أمر الخلافة شورى من بعده، فكيف يسلم إلى عثمان هاتيك الصحف قبل أن يفكر أحد في اختياره للخلافة؟ ويبدو أن تسمية القرآن "بالمصحف" نشأت على عهد أبي بكر، فقد أخرج ابن أشتة٣ في كتاب "المصاحف" من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسما، فقال بعضهم: "السفر" قال: ذلك اسم تسمية اليهود، فكرهوا ذلك. وقال بعضهم: "المصحف" فإن الحبشة يسمون مثله "المصحف" فاجتمع رأيهم على أن سموه "المصحف"٤. وقد ظفر مصحف أبي بكر بإجماع الأمة عليه وتواتر ما فيه، وأكثر العلماء على أن طريقة كتابته اشتملت على الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، فشابه في هذه الناحية الأخيرة جمع القرآن الأول على عهد الرسول الأمين.

стр. 70

٣- جمع القرآن على عهد عثمان ﵁: روى البخاي في "صحيحه" بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق, فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة, فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت به حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف, وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القراء فاكتبوه بلسان قريش, فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق"١.

стр. 71

ينبئنا هذا النص الصحيح بخمسة أمور على جانب عظيم من الأهمية: أولا- إن اختلاف المسلمين في قراءة القرآن كان الباعث الأساسي على أمر عثمان باستنساخ صحف حفصة وجمعها في مصاحف. فلا مستند لبلاشير وغيره من المستشرقين في التشكيك بنيات عثمان في جمع القرآن، فمن أين لهم أن هذا الخليفة إنما سعى إلى تحقيق هذا العمل العظيم بدافع من نزعته "الأرستقراطية"، فلم يجمع كتاب الله -بزعمهم- إلا باسم الطبقة "الأرستقراطية" المكية التي كان خير ممثل لها١؟! لا مستند لهم في شيء من هذا إلا خيالهم الخصيب، وظنهم الكاذب.. وإلا فأين الرواية التاريخية الصحيحة التي تثبت دعواهم؟ وهل يفضل عاقل الأخذ بتخرصاتهم على ما أورده رجل كالبخاري ما عرف التاريخ من يضارعه في الثقة والضبط والأمانة؟ ثانيا- إن اللجنة التي كلفت بهذا العمل كانت رباعية٢. وإذا استثنينا زيد بن ثابت الذي كان مدنيا من الأنصار، لاحظنا أن الأعضاء الثلاثة الباقين كلهم مكيون من قريش٣. وهؤلاء الأربعة جميعا من

стр. 72

ثقات الصحابة وأفاضلهم١. ثالثا- إن اللجنة الرباعية باتخاذها صحف حفصة أساسا لنسخ المصاحف إنما استندت إلى أصل أبي بكر. رابعًا- إن القرآن نزل بلغة قريش، فهي اللغة المفضلة لكتابة النص القرآني عند حدوث الخلاف بين القرشيين الثلاثة وزيد. وسنرى أن هذا لا ينافي كتابة القرآن بطريقة تجمع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، لأن تلك الكتابة كانت غير معجمة ولا مشكولة، ولأن وجوه القراءات كانت توزع على المصاحف حين لا يحتملها الرسم الواحد. خامسًا- إن عثمان أرسل إلى الآفاق الإسلامية بمصحف مما نسخه هؤلاء الأربعة، ورأى -حسما للنزاع- أن يحرق ما عدا ذلك من الصحف والمصاحف الخاصة. ويبدو أن حذيفة بن اليمان لم يكن وحده فزعا من اختلاف المسلمين في القراءة، فقد كثر الخلاف وساور القلق أنفس الصحابة الكرام, وبلغ ذلك عثمان ففزع بدوره ورأى أن يتدارك الأمر قبل استفحاله. وقد أشار إلى ذلك ابن جرير الطبري في "تفسيره" في الخبر الذي أخرجه من طريق أيوب عن

стр. 73

أبي قلابة أنه قال: "لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا. اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما"١. وساعد على هذا الاختلاف أن مصاحف أخرى مشهورة قد عرفت إلى جانب صحف حفصة في الزمن الممتد من وفاة النبي ﷺ حتى جمع عثمان الناس على مصحف واحد. وأشهر تلك الصحف اثنان منسوبان إلى اللذين قاما بجمعهما: وهما مصحف ابن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود٢. ولعل بعض المصاحف الأخرى التي لم تعرف ولم تشتهر كانت كذلك موجودة، كما يذكر ابن النديم في "الفهرست" وابن أبي داود في "المصاحف" وابن أشتة في "المصاحف" وإن كنا لا نميل إلى المبالغة في

стр. 74

عددها، لأننا لا نملك مستندا صحيحا يؤكد وجودها في زمن ما١. وجدير بالذكر أن هذه المصاحف لم تصل إلينا، وإنما وردتنا نصوص عن ترتيب السور فيها وبعض أوجه قراءاتها، وما تبرح في كثير من جوانبها بحاجة إلى الفحص والتدقيق٢.ولكن قرار عثمان بإحراقها٣ كان حكيما بلا ريب لأن بقاءها كان لا بد أن يزيد في أسباب الشقاق، ولا سيما وقد بعد عهد الناس برسول الله ﷺ . وقد وقع عمل عثمان من قلوب الناس موقع القبول والاستحسان٤ إلا عبد الله بن مسعود الذي كان له -كما رأينا- مصحف خاص به، فإنه عارض في ذلك في بادئ الأمر، وأبى أن يحرق مصحفه٥ ثم ألهمه الله أن يرجع

стр. 75

إلى رأي عثمان الذي كان في الحقيقة رأي الأمة كلها١ وهي حينئذ تنشد وحدة الكلمة والقضاء على أسباب النزاع. وقد شرعت اللجنة الرباعية في تنفيذ قرار عثمان سنة خمسة وعشرين٢، وإنما أمرهم عثمان أن ينسخوا من صحف حفصة مع أنهم كانوا جماعا لكتاب الله في صدورهم، لتكون مصاحفه مستندة إلى أصل أبي بكر المستند بدوره إلى أصل النبي ﷺ المكتوب بين يديه بأمره وتوقيف منه، فسدت بذلك كل ذريعة للتقول والتشكيك. قال أبو عبد الله المحاسبي: " ... تلك المصاحف التي كتب منها القرآن كانت عند الصديق لتكون إمامًا ولم تفارق الصديق في حياته ولا عمر أيامه، ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها، ولما احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة وقع الاختيار عليها في أيام عثمان، فأخذ ذلك الإمام ونسخ في المصاحف ... "٣. ولما أعيدت صحف حفصة إليها ظلت عندها حتى توفيت، وقد حاول مروان بن الحكم "ت٦٥" أن يأخذها منها ليحرقها فأبت، حتى إذا توفيت أخذ مروان الصحف وأحرقها، وقال مدافعا عن وجهة نظره: "إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب"٤. وقد اختلف في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، فقال أبو
следующие страницы →