← Акыда

Акыда · id 7318

مختصر العلو للعلي العظيم

شمس الدين الذهبي

Полный текст (301 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم بقلم: زهير الشاويش الحمد لله على أفضاله، والصلاة والسلام على معلم الخير سيدنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ورضي الله عن صحابته وأتباعهم من العلماء المتقين الذين نقولا لنا هذا الدين القويم، سليما من كل زيف وتحريف، وعرفونا بصفات ربنا بما يليق بجلاله وجماله وكماله، وأوضحوا لنا سبل المعتقد، وطريق العبادة، وإقامة العدل، والتحلي بالأخلاق الكريمة، والألفاظ المهذبة. جعلنا الله من القائمين على كل ذلك في جميع أحوالنا وأقوالنا، حتى نلقى الله وهو راض عنا. أما بعد: فقد سبق أن طلبت من فضيلة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله- أيام عمله في المكتب الإسلامي سنة ١٣٩١هـ القيام على تخريج أحاديث كتاب "العلو" للحافظ الذهبي من ضمن مجموعة من كتب العقيدة. فوافق على ذلك مقترحا أن يختصر منه بعض الأحاديث المكررة والضعيفة والغريبة فوافق على ذلك مقترحا أن يختصر منه بعض الأحاديث المكررة والضعيفة والغربية لأسباب بينها واقتنعت بها. وهكذا كان -مما تجده في مقدمته الصفحة "٥-٦". وقام الإخوة في قسم التصحيح بدمشق بنسخ المخطوطة والأصل المطبوع، وعمل الشيخ وتعليقاته، ومساعدته بالمقابلة والتصحيح. وأرسل الكتاب إلي في بيروت، بعد أن تعذر طبعه في دمشق، فعملت على إعداده للطبع بإعادة نسخه. وجعلت المتن بحرف كبير، والتخريج بحرف أصغر، مما يسهل على القارئ الكريم معرفة درجة الحديث، والقول المناسب له في التخريج.

стр. 2

بسرعة. ووضعت التعليقات في هوامش الصفحات تحت الجدول. كما أضفت بعض التعليقات، واقترحت تعديل أشياء لمصلحة رأيتها، واقتنع بها الشيخ ناصر -كما هي العادة في جميع مطبوعاتنا-. وجرى تنضيد الكتاب في بيروت وأرسلنا التجارب إلى دمشق حيث عمل الشيخ مع الإخوة الأكارم موظفي قسم التصحيح بالمقابلة وزاد فضيلته في مقدمته أشياء وجدها مفيدة، حتى زادت المقدمة على الثمانين صفحة. وتأخر إرجاع الكتاب إلينا زمنا طويلا لظروف قاهرة، إلى أن يسر لنا الله طبعه سنة ١٤٠١=١٩٨١. واليوم نقدم للإخوة الأحبة من المؤمنين الطبعة الثانية، مصورة عن الطبعة الأولى بطريقة "الأوفست" في أكثرها. بعد إصلاح ما ند الشيخ والإخوة من أخطاء مطبعية -مما لا يخلو منه كتاب- باذلين الجهد المستطاع، مع إعادة تنضيد بعض الصفحات والأسطر. وقد تحمل العبء الكبير -في إعداد هذه الطبعة- الإخوة أعضاء مكتب التصحيح في بيروت -جزاهم الله الخير-. وكنا نتمنى أن نضيف ما قد يكون عند فضيلة الشيخ ناصر من زيادات أو تصويبات ... ولكن تعذر ذلك عليه، نرجو الله أن يكون لنا وله عونا على الخير والسداد، وأن يختم لنا وله بالحسنى. وإنني أرجو الله -سبحانه- أن يكتب لنا ولمن سبقنا من علمائنا، وكل من ساعدنا، فيما نقدم للناس، مما نحسبه خيرا لنا ولهم في دنيانا وآخرتنا. والحمد لله رب العالمين. بيروت العاشر من صفر ١٤١٢. ٢٠/ ٨/ ١٩٩١.

стр. 3

مقدمة: الإمام الألباني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه أجمعين إلى يوم الدين أما بعد فبين يدي القارئ الكريم مختصري للكتاب الجليل: "العلو للعلي العظيم وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها" للحافظ أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الدمشقي الأثري المعروف ب "الذهبي" وهو "كتاب العرش" الذي ذكره ابن العماد في ترجمة الحافظ من "الشذرات" "٨/ ١٥٦" وكذا السفاراني في كتابه "لوامع الأسرار" ونقل عنه مرارا كما رأيته في "مختصره" ١ للشيخ العلامة محمد بن علي بن سلوم. ويعود الفضل في إقدامي على اختصار هذا الكتاب الجليل فضلا عن نشره إلى أخي في الله تعالى الأستاذ زهير الشاويش فقد كنت في حديث علمي معه والكتب المؤلفة في العقيدة حين جاء ذكر هذا الكتاب٢ فاقترح علي أن أتولى

стр. 4

تحقيقه وتخريجه فزدت عليه قائلا: واختصاره, وحذف الأخبار السقيمة منه, وبينت له ضرورة ذلك وأهميته. وبعد التداول في ذلك, وإمعان النظر فيه اتفقنا على ذلك, وكان مما شجعني على المضي فيه أنني أعلم وجود نسخة خطية جيدة منه في المكتبة الظاهرية في دمشق يمكننا الاعتماد عليها في التحقيق. وابتدأت العمل في اختصاره من نسخة سقيمة الطبع والتحقيق, لم يتيسر لنا يومئذ غيرها إذ كنا على سفر. حتى إذا رجعت إلى دمشق انكببت عليه تحقيقا وتخريجا وتعليقا حتى يسر الله تعالى إتمامه بمنه وفضله وكرمه. ولما بدأت بالتحقيق كان من أول ما شرعت فيه أن قابلت المطبوعة المشار إليها بمخطوطة المكتبة واستعنت على ذلك ما توفر لدي من نسخ أخرى مطبوعة أهمها الطبعة الأولى منها وهي المطبوعة في الهند على الحجر سنة "١٣٠٦", عن نسخة خطية كتبت من نسخة كتبت من خط المؤلف رحمه الله تعالى كتبها أحمد بن زيد المقدسي كما جاء في آخر النسخة الهندية. وأما النسخ الأخرى فهي على وفق النسخ الهندية ومأخوذة عنها وهي ثلاث: الأولى: طبعة المنار للسيد رشيد رضا رحمه الله تعالى قام بطبعها سنة "١٣٣٢" وأصله فيها الطبعة الهندية, كما صرح بذلك على الوجه الأول من طبعته الثانية: طبعة أنصار السنة المحمدية في القاهرة طبعت سنة "١٣٥٧" بتعليق الأخ الفاضل الشيخ عبد الرزاق عفيفي وتصحيح الأستاذ زكريا علي يوسف. الثالثة: نشر المكتبة السلفية المدينة المنورة. ١٣٨٨" بتقديم وتصحيح الأستاذ عبد الرحمن محمد عثمان.

стр. 5

وهاتان الطبعتان الأخيرتان أصلهما طبعة السيد رشيد رضا وإن لم يقع التصريح بذلك منهما فإن ذلك بين جلي عند من يقابلهما بهما فإن أي نقص أو خطأ أو تحريف وقع فيها فلا بد أنك واجدها فيهما, والأمثلة على ذلك كثيرة, وإنما أكتفي هنا بمثال واحد منها وهو غريب جدا, يدلك على أهمية التحقيق أو التصحيح الذي يتبجح به بعضهم! وذلك ما نبهت عليه في آخر الكتاب تحت الترجمة "١٦٧ - الشيخ أبو البيان" فقد جاء فيها في طبعة المنار "ص٣٤٢" ما نصه: " ... الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن "ليس" بحرف وصوت؟ " كذا فيها زيادة "ليس" بين هلالين, وبحرف أصغر من حرف الكتاب, يشير بذلك مصحح الطبعة -ولعله غير السيد رشيد- إلى أنها زيادة باجتهاد من عنده زادها على أصله الذي هو الطبعة الهندية كما سبق وهذه في الواقع خلو منها طبقا للمخطوطة كما بينته هناك. ثم وقع اجتهاد جديد من مصحح طبعة "الأنصار" فحذف الهلالين المحيطين بلفظ "ليس" ودخل هذا بسبب ذلك في صلب الأصل فتضاعف الخطأ لأنه مع كونه غير ثابت في الأصل كما أشار إليه السيد رشيد فهو مفسد للمعنى أيضا لأن الحنابلة يعتقدون أن القرآن بحرف وصوت كما بينته هناك, وهو الحق خلافا للأشاعرة وغيرهم. وكما وقعت هذه الزيادة المفسدة للمعنى في الطبعة المذكورة, كذلك وقعت تماما في طبعة السلفية بالمدينة! وهذا مما ينبه اللبيب إلى مبلغ صحة قول مصحح هذه الطبعة تحت اسم الكتاب: " قدم له وراجع أصوله " " عبد الرحمن...."

стр. 6

باب: وصف المخطوطة ونسختنا المخطوطة, هي فيما يبدو أقيم وأصح من مخطوطة الطبعة الهندية, فإنها مصححة ومقابلة على نسخة المصنف التي كانت بخطه, فقد جاء على هامش الوجه الأخير منها ما نصه: " بلغ مقابلة على نسخة المصنف بخطه التي نقلت منها فصح الكلام وله الحمد والمنة ". ونحوه على هامش الوجه الثاني من الورقة "٣١" وغيرها من المواضع. وناسخها عالم فاضل متدين, معروف بطلب العلم, والنسخ لنفسه ولغيره فقد جاء في آخرها ما نصه: " علقه فقير رحمة الله وراجيها, وشفاعة نبيه مُحَمَّدٍ ﷺ مساعد بن أبي الليل السخاوي عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين. والحمد لله وحده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وعلى الوجه الأول من الورقة الأولى منها ما نصه: " وقد أجازني بجميع تآليف الشيخ "يعني الحافظ الذهبي" ولده شيخنا زين الدين عبد الرحمن, وقرأت عليه بقرية كفر بطنا أجزاء عدة غير ما سمعته ... وكتبه مساعد بن ساري بن مسعود بن عبد الرحمن بن رحمة الحميري الهواري السخاوي وذلك بقرية "الشبعا" من المرج القبلي لدمشق سنة "٨٥٧" "" هجرية ". كذا وقع بخطه ٨٥٧ وهو مشكل, لأن وفاته كانت قبل ذلك بسنين, فقد ذكر السخاوي في "الضوء اللامع" "٩/ ١٥٥" وابن العماد في "الشذرات "

стр. 7

" ٧/ ١٤٣" أنه توفي سنة تسع عشرة وثمانمائة, ولعله وهم في كتبه ٨٥٧ والله أعلم. وجاء في ترجمته ﵀ ما ملخصه: " ولد سنة بضع وثلاثين وسبعمائة, وطلب بعد أن كبر, فقرأ على الشيخ صلاح الدين العلائي وغيره, ومهر في الفرائض والميقات وكتب بخطه الكثير لنفسه ولغيره ثم سكن دمشق وانقطع بقرية "عقربا", وكان الرؤساء يزرونه وهو لا يدخل البلد, مع أنه لا يقصده أحد إلا أضافه وتواضع معه. وكان متدينا متقشفا سليم الباطن حسن الملبس مستحضرا الكثير من الفوائد وتراجم الشيوخ الذين لقيهم. وتوفي بقرية "عقربا" شهيدا بالطاعون ". قلت: وهذه المخطوطة وإن كانت لا تخلو من خرم وبعض الأوهام فإنا قد استفدنا منها فوائد كثيرة جدا بالنسبة للمطبوعات, والكثير منها ظاهر في هذا المختصر أيضا ولكثرتها لم أنبه إلا على بعضها, لا سيما ما كان منها متعلقا بتصحيح بعض الألفاظ أو الجمل, وأما الزيادات فقد جعلتها بين معكوفتين [] , وقد أنبه على أنها من المخطوطة, وليس ذلك دائما لأنني استفدت بعضها من مصادر أخرى وأهمها رسالة المؤلف نفسه المخطوطة, والمحفوظة في دار الكتب الظاهرية في المجموع "٤٧ ق١٠٤-١١١" تحت عنوان "مختصر من الذهبية" أولهما بعد البسملة: " فصل هذه جملة من أقوال التابعين وهو أول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله فوق العرش ... " وهي مع كونها نسخة سيئة فيها أخطاء كثيرة كما يتبين لنا بعد نسخها, ومقابلتها بالأصل, فقد استفدنا منها بعض الفوائد والزيادات وتصحيح بعض الآثار كما تراه في تعليقنا على هذا المختصر ربما نبهت فيها على بعضها بقولي: "وفي مختصر المؤلف ".

стр. 8

ومن ذلك الجزء الأول من "كتاب الأربعين في صفات رب العالمين" للمؤلف أيضا, وهي مخطوطة منقولة من خط المؤلف أيضا محفوظة في دار الكتب أيضا تحت رقم "١١ - مجموع", فقد ذكر فيها كثيرا من أقوال الأئمة الواردة في الأصل: "العلو" واستفدنا منها بعض التصحيحات لأسانيد بعض الآثار وغير ذلك. وجملة القول أنني أرجو الله تعالى أن يكون هذا "المختصر" بما فيه من مادة علمية منقولة أقرب ما يكون مطابقة لما كانت عليه نسخة المؤلف رحمه الله تعالى لاعتمادي على المخطوطة المشار إليها وغيرها من المصادر المذكورة. وقد جاء عنوان الكتاب في المخطوطة مخالفا بعض الشيء له في المطبوعة, ففي المخطوطة "العلو للعلي العظيم, وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها" وفي المطبوعة "العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها ". فآثرت ما في المخطوطة لأمرين: الأول: أنها أصح من المطبوعة كما سبق: والآخر: أنه جاء في خطبة الكتاب: "الحمد لله العلي العظيم", فكان ما في المخطوطة أنسب لهذا اللفظ مما في المطبوعة, على أنني أخشى أن يكون العنوان الآخر من المطبوعة قد تصرف به بعض المصححين أو غيره. وقد التزمت في اختصاره الأمور التالية: ١- حذفت المكرر منه, وهو قليل. ٢- والأحاديث الضعيفة الغرائب التي ليس لها شواهد معتبرة, تمكن تقويتها بها, على ما تقتضيه شروط التقوية المقررة في علم مصطلح الحديث. والمصنف نفسه لم يروها غالبا إلا لتزييفها والكشف عن حالتها كما قال عقب أحدها ص٢٨ من الأصل. وقال في حديث آخر "ص٤٥": " رويته للتحذير منه ".

стр. 9

وقد يورد الحديث الضعيف وهو على علم به, لأن فيه ما يشهد له في الآيات والأحاديث الأخرى كما فعل في حديث الأطيط, فقد قال عقبة "ص٣٩": " وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله تعالى فوق عرشه بما يوافق آيات الكتاب ". قلت: وأما أنا فقد جريت في هذا "المختصر" على حذفه وحذف أمثاله من الأحاديث الضعيفة, لأنها وإن كانت تتضمن بعض الحق الذي ورد في النصوص الصحيحة, فإنها على الغالب لا تخلو من زيادات إن لم تكن باطلة أو منكرة فهي على الأقل غريبة لا يوجد لها من الشواهد ما يدعمها فقد يتوهم بعض القراء من ذكرها أنها ثابتة برمتها دون أن ينتبه لكون الشاهد لها, إنما هو شاهد لبعض ما فيها كما سبق. هذا إذا صلحت النية وإلا فقد يستغلها بعض أهل الأهواء والتعصب الخبيث على أهل الحديث, ويوردها محتجا بها لصرفه دلالة الروايات الصحيحة عن الحق الذي دلت عليه وحملها على معاني باطلة اعتمادا منه على مجرد ذكر المؤلف لها, وهو إنما أوردها على سبيل الاستشهاد بها في الجملة لا في التفصيل. من أمثلة ذلك ما صنعه الكوثري المشهور بحديث الجارية الصحيح الآتي برقم "٢", فإنه استغل أسوأ الاستغلال الرواية الثانية التي أوردها المصنف في الأصل عقب الحديث المذكور كشاهد لها في الجملة لا في التفصيل, فجاء الكوثري واعتمد عليها جملة وتفصيلا عازيا إياها للمصنف, موهما القارئ أنها ثابتة عنده, فضرب بها الحديث الصحيح, وأبطل بها دلالته الصريحة على مشروعية السؤال بـ"أين الله" لأنه لم يقع فيها هذا اللفظ, وإسنادها ضعيف. كما تراه مشروحا في التعليق عليه قريبا إن شاء الله تعالى. من أجل ذلك وغيره أعرضت عن ذكر الرواية المذكورة ونحوها من الأحاديث الضعيفة, ففي ما ثبت منها خير وبركة وغنية. ٣- وقد أحذف ما صرح المؤلف بثبوته أو نقله عن غيره لعلة قادحة ظهرت لي. كحديث أبي هريرة مرفوعا: "لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي النَّارِ قَالَ:

стр. 10

اللَّهُمَّ إِنَّكَ وَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ, وَأَنَا فِي الأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ ". قال المؤلف "ص٢١": "حسن الإسناد ". وأقول: كلا, فإن فيه علتين بينتهما في "الأحاديث الضعيفة" "١٢١٦ ". وكحديث الأوعال الذي يروى عن العباس "ص٤٩-٥٠", وهو مخرج في "المصدر السابق "١٢٤٧ ". إلى غير ذلك من الأحاديث الضعيفة التي سكت المصنف عنها أو بين ضعفها, أو حسن بعضها, لذاتها أو لغيرها, وهي ليست كذلك عندنا, وهو وإن كان أعرض عن بعضها كما يشعر بذلك قوله في الترجمة "١٥٢ - القاضي أبو يعلى": "وسرد كلاما طويلاً, لكنه ساق أحاديث ساقطة لا يسوغ أن يثبت بمثلها لله صفة" وإني كنت أحب له أن ينزه كتابه من الأحاديث التي يراها ضعيفة ولا سيما مما سكت عليه منها. فإن كثيرا من الأحاديث الضعيفة, لا يتنبه لأثرها السيء في الأمة إلا أفراد قليلون من أهل العلم وقد ذكرنا في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" نماذج كثيرة منها. وبينا مبلغ ضررها وغالبها لا تعلق لها بالعقيدة وإنما هي في الأحكام والأخلاق ونحوها. ومما لا شك فيه أن ما كان منها متعلقا في العقيدة قد يكون أشد ضررا من غيرها لأنها قد تفسد عقيدة بعض من لا علم عنده بالتوحيد ولوازمه أو يتخذه بعض أهل الأهواء سلاحا لمحاربة أهل التوحيد أنفسهم المثبتين لله تعالى كل صفة ثابتة في الكتاب أو السنة دون تمثيل أو تعطيل واتهامه إياهم بالتشبيه والتجسيم مع علمه تصريح أهل التوحيد بوجوب تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتعطيل معا. وقد أشار إلى شيء من هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, فقد قال في كتابه "مفصل الاعتقاد" "ص٩-٤ مجموعة الفتاوى" "من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم فإن المنازع لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى مثل المعقول والقياس والرأي ... وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها

стр. 11

وخلاصتها فهم أكمل الناس عقلا, وأعدلهم قياسا, وأصوبهم رأيا, وأصحهم نظرا, وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة ... " ثم قال "ص٢٣": "وإذا قابلنا بين الطائفتين -أهل الحديث وأهل الكلام- فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهم بقلة المعرفة أو بقلة الفهم. أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة وموضوعة, أو بآثار لا تصلح للاحتجاج. وأما الثاني: فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة, بل قد يقولون القولين المتناقضين, ولا يهتدون للخروج من ذلك. والأمر راجع إلى شيئين: إما رواية "الأصل: زيادة" أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة كالأحاديث الموضوعة, وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها إذا كان إتباع الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث وثانيا إلى فهم معناه كإتباع القرآن والجهل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم بهذا. ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم, يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه وربما تأولوه على غير تأويله ووضعوه على غير موضعه. ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونهم, ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول وزورا, وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات. فهذا لا يذكره إلا جاهل أوظالم وقد رأيت لهذا عجائب. لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل, ولا

стр. 12

ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما, لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر, وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم, وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم ". ثم شرع في تفصيل ذلك وبيانه بما يدل على مزية أهل الحديث على غيرهم من الفرق, فراجعه فإنك لن تراه عند غيره رحمه الله تعالى. والمقصود من ذلك أن رواية الأحاديث الضعيفة من بعض المحدثين هو مما يعاب عليهم من قبل المخالفين لهم, وإن كان هؤلاء يفعلون ما هو أسوأ من ذلك كما أوضحه شيخ الإسلام في الكلام الذي أحلناك عليه آنفا. ومن أشهر من أخذ ذلك عليهم في هذا العصر ويتخذه حجة في تسخيفهم وتضليلهم الشيخ الكوثري المعروف بعدائه الشديد لأهل السنة والحديث ونبزه إياهم بلقب الحشوية والمجسمة, وهو في ذلك ظالم لهم مفتر ولكن -والحق يقال- قد يجد أحيانا في ما يرويه بعضهم من الأحاديث والآثار ما يدعم به فريته مثل الحديث المروي في تفسير قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسني على العرش. رواه المصنف "ص٧٤-٧٥" عن ابن مسعود مرفوعا, وضعفه جدا بقوله: "مرسله الأحمر متروك الحديث ". ورواه "ص٩٩" عن ابن عباس مثله موقوفاً. وقال: "إسناده ساقط وعمر بن مدرك الرازي متروك وهذا مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَيُرْوَى مرفوعا وهو باطل". وقد خرجت الحديثين في "الضعيفة" "٨٧١ ". وقال في ترجمة محمد بن مصعب العابد كما يأتي: "فأما قضية قعود نبينا على العرش, فلم يثبت في ذلك نص, بل في الباب حديث واه, وما فسر به مجاهد الآية كما ذكرناه ". قلت: ولو أن المصنف رحمه الله تعالى وقف عند هذا البيان الواضح في أنه

стр. 13

ليس في الباب نص ملزم للأخذ به, لكان قد أحسن, وسد بذلك الطريق على أهل الأهواء أن يتخذوا ذلك ذريعة للطعن في أهل السنة والحديث كما فعل الكوثري هنا بالذات في مقدمته لكتاب "تبين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري" "ص٦٤" فقد قال فيهم بعد أن نبزهم بلقب الحشوية -أسوة بسلفه من الجهمية- وغيرهم١: "ويقولون في الله مالا يجوزه الشرع ولا العقل من إثبات الحركة له "تعالى" والنقلة "ويعني بهما النزول" والحد والجهة "يعني العلو" والقعود والإقعاد ". فيعني هذا الذي نحن في صدد بيانه عدم ثبوته. أقول: لو أن المؤلف ﵀ وقف عند ما ذكرنا لأحسن, ولكنه لم يقنع بذلك, بل سود أكثر من صفحة كبيرة في نقل أقوال من أفتى بالتسليم بأثر مجاهد في تفسير قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه أو يقعده على العرش. بل قال بعضهم: "أنا منكر على كل من رد هذا الحديث وهو عندي رجل سوء متهم.." بل ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: هذا تلقته العلماء بقبول إلى غير ذلك من الأقوال التي تراها في الأصل ولا حاجة بنا إلى استيعابها في هذه المقدمة. وذكر في "مختصره" المسمى ب "الذهبية" أسماء جمع آخرين من المحدثين سلموا بهذا الأثر ولم يتعقبهم بشيء هناك. وأما هنا فموقفه مضطرب أشد الاضطراب فبينما تراه يقول في آخر ترجمة محمد بن مصعب العابد عقب قول من تلك الأقوال "ص١٢٦": " فأبصر -حفظك الله من الهوى- كيف آل الفكر بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر ... " فأنت إذا أمعنت النظر في قوله هذا, ظننت أنه ينكر هذا الأثر ولا يعتقده, ويلزمه ذلك ولا يتردد فيه, ولكنك ستفاجأ بقوله "ص١٤٣" بعد أن

стр. 14

أشار إلى هذا الأثر عقب ترجمة حرب الكرماني: " وغضب العلماء لإنكار هذه المنقبة العظيمة التي انفرد بها سيد البشر ويبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف ... ". ثم ذكر أشخاصا آخرين ممن سلموا بهذا الأثر غير من تقدم, فإذا أنت فرغت من قراءة هذا, قلت: لقد رجع الشيخ من إنكاره إلى التسليم به, لأنه قال: إنه لا يقال إلا بتوقيف! ولكن سرعان ما تراه يستدرك على ذلك بقوله بعد سطور: "ولكن ثبت في "الصحاح" أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا ﷺ ". قلت: وهذا هو الحق في تفسير المقام المحمود دون شك ولا ريب للأحاديث التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى, وهو الذي صححه الإمام ابن جرير في "تفسيره" "١٥/ ٩٩" ثم القرطبي "١٠/ ٣٠٩" وهو الذي لم يذكر الحافظ ابن كثير غيره, وساق الأحاديث المشار إليها. بل هو الثابت عند مجاهد نفسه من طريقين عنه عند ابن جرير. وذاك الأثر عنه ليس له طريق معتبر, فقد ذكر المؤلف "ص١٢٥" أنه روي عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وعطاء بن السائب وأبي يحيى القتات وجابر بن يزيد ". قلت: والأولان مختلطان والآخران ضعيفان بل الأخير متروك متهم. ولست أدري ما الذي منع المصنف -عفا الله عنه- من الاستقرار على هذا القول, وعلى جزمه بأن هذا الأثر منكر كما تقدم عنه, فإنه يتضمن نسبة القعود على العرش لله , وهذا يستلزم نسبة الاستقرار عليه الله تعالى, وهذا مما لم يرد, فلا يجوز اعتقاده ونسبته إلى الله , ولذلك ترى المؤلف ﵀ أنكر على من قال ممن جاء بعد القرون الثلاثة: إن الله استوى استواء استقرار" كما تراه في ترجمة "١٤٠ - أبو أحمد القصاب ". وصرح في ترجمة "١٦١-

стр. 15

البغوي" أنه لا يعجبه تفسير "استوى" بـ"استقر". بل إنه بالغ في إنكار لفظة "بذاته" على جمع ممن قال: "هو تعالى فوق عرشه بذاته" لعدم ورودها عن السلف, مع أنها مفسرة لقولهم باستواء الله على خلقه حقيقة استواء يليق بجلاله وكماله, واعتبرها من فضول الكلام, فانظرترجمة "١٣٦ - ابن أبي زيد" و"١٤٤ - يحيى بن عمار" و"١٤٦ - أبو عمر الطلمنكي" و"١٤٩ - أبو نصر السجزي". وهذه اللفظة "بذاته", وإن كانت عندي معقولة المعنى, وأنه لا بأس من ذكرها للتوضيح فهي كاللفظة الأخرى التي كثر ورودها في عقيدة السلف وهي لفظة "بائن" في قولهم "هو تعالى على عرشه بائن من خلقه ". وقد قال هذا جماعة منهم كما ستراه في هذا "المختصر" في التراجم الآتية "٤٥ - عبد الله بن أبي جعفر الرازي" و"٥٣ - هشام بن عبيد الله الرازي" و"٥٦ - سنيد بن داود المصيصي الحافظ" "٦٧ - إسحاق بن راهويه عالم خراسان" وذكره عن ابن المبارك و"٧٧ - أبو زرعة الرازي" و"٨٧ - أبو حاتم الرازي" وحكياه عن العلماء في جميع الأمصار. و"٧٩ - يحيى بن معاذ الرازي" و"٨٤ - عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ و"١٠٣ أبو جعفر ابن أبي شيبة" وكل هؤلاء من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية ثم "١٠٨ - حماد البوشنجي الحافظ" وحكاه عن أهل الأمصار "١٠٩ - إمام الأئمة ابن خزيمة ". و"١٢٥ - أبو القاسم الطبراني" و"١٣٣ - ابن بطة" و"١٤١ - أبو نعيم الأصبهاني" وعزاه إلى السلف. و"١٤٢ - معمر بن زياد" و"١٥٥ - الفقيه نصر المقدسي" و"١٥٨ - شيخ الإسلام الأنصاري" و"١٦٤ - ابن موهب ". قلت: ومن هذا العرض يتبين أن هاتين اللفظتين: "بذاته" و"بائن" لم تكونا معروفين في عهد الصحابة ﵃. ولكن لما ابتدع الجهم وأتباعه القول بأن الله في كل مكان, اقتضى ضرورة البيان أن يتلفظ هؤلاء الأئمة الأعلام, بلفظ "بائن" دون أن ينكره أحد منهم.

стр. 16

ومثل وهذا تماما قولهم في القرآن الكريم أنه غير مخلوق, فإن هذه الكلمة لا تعرفها الصحابة أيضا, وإنما كانوا يقولون فيه: كلام الله ﵎ لا يزيدون على ذلك, وكان ينبغي الوقوف فيه عند هذا الحد, لولا قول جهم وأشياعه من المعتزلة: إنه مخلوق, ولكن إذا نطق هؤلاء بالباطل, وجب على أهل الحق أن ينطقوا بالحق ولو بتعابير وألفاظ لم تكن معروفة, من قبل وإلى هذه الحقيقة أشار الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن الواقفة الذين لا يقولون في القرآن إنه مخلوق أو غير مخلوق هل لهم رخصة أن يقول الرجل: "كلام الله" ثم يسكت؟ قال: ولم يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت, ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا, لأي شيء لا يتكلمون؟! ١ سمعه أبو داود منه كما في "مسائله" "ص٢٦٣-٢٦٤ ". قلت: والمقصود أن المؤلف رحمه الله تعالى, أقر لفظة "بائن" لتتابع أولئك الأئمة عليها دون نكير من أحد منهم, وأنكر اللفظة الأخرى وهي "بذاته" لعدم تواردها في أقوالهم. إلا بعض المتأخرين منهم, فأنكر ذلك مبالغة منه في المحافظة على نهج السلف, مع أن معناها في نفسه سليم وليس فيها إثبات ما لم يرد, فكنت أحب له ﵀ أن لا يتردد في إنكار نسبة القعود إلى الله تعالى وإقعاده مُحَمَّدًا ﷺ على عرشه ما دام أنه لم يأت به نص ملزم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , ومعناه ليس له شاهد في السنة, ومعناه ولفظه لم يتوارد على ألسنة الأئمة, وهذا هو الذي يدل عليه بعض كلماته المتقدمة حول هذا الأثر, ولكنه لما رأى كثيرا من علماء الحديث أقروه لم يجرؤ على التزام التصريح بالإنكار, وإنما تارة وتارة, والله تعالى يغفر لنا وله. ومن العجيب حقا أن يعتمد هذا الأثر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فإنه نقل كلام القاضي أبي يعلى فيه وبعض أسماء القائلين به, ثم قال ابن القيم ﵀:

стр. 17

" قلت: وهو قول ابن جرير الطبري وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه". ثم ذكره مثلما ذكره المصنف فيما يأتي في ترجمة "١٣٤ - الدراقطني" وزاد بيتا رابعا لعل المصنف تعمد حذفه: "ولا تنكروا أنه قاعد ... ولا تنكروا أنه يقعده"! قلت: وقد عرفت أن ذلك لم يثبت عن مجاهد, بل صح عنه ما يخالفه كما تقدم. وما عزاه للدارقطني لا يصح إسناده كما بيناه في "الأحاديث الضعيفة" "٨٧٠" وأشرت إلى ذلك تحت ترجمة الدارقطني الآتية. وجعل ذلك قولا لابن جرير فيه نظر, لأن كلامه في "التفسير" يدور على إمكان وقوع ذلك كما سبق لا أنه وقع وتحقق, ولذلك قال الإمام القرطبي في "تفسيره" "١٠/ ٣١١": "وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول, وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى وفيه بعد, ولا ينكر مع ذلك أن يروى, والعلم يتأوله " ثم بين وجه تأويله, بما لا حاجة بنا إلى ذكره والنظر فيه, ما دام أنه أثر غير مرفوع, ولو افترض أنه في حكم المرفوع, فهو في حكم المرسل الذي لا يحتج به في الفروع فضلا عن الأصول, كما ذكرت ذلك أو نحوه فيما يأتي من التعليق على قولة بعضهم: "ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة للنبي ﷺ بشيء"! التعليق "٢٦٥". ولعل المصنف رحمه الله تعالى يشير إلى ذلك بقوله في ترجمة "١٦٥ - القاضي العلامة أبو بكر بن العربي" وقد نقل عنه القول بهذا القعود معه على العرش: قال: "وما علمت للقاضي مستندا في قوله هذا سوى قول مجاهد". وخلاصة القول: إن قول مجاهد هذا -وإن صح عنه- لا يجوز أن يتخذ

стр. 18

دينا وعقيدة, ما دام أنه ليس له شاهد من الكتاب والسنة, فيا ليت المصنف إذ ذكره عنده جزم برده وعدم صلاحيته للاحتجاج به, ولم يتردد فيه, فإنه هو اللائق به, وبتورعه من إثبات كلمة "بذاته" والله المستعان. ٤- وحذفت أيضا ما جزمت بأنه من الإسرائيليات, ولو كان صحيح الإسناد, إلا إذا كان معناه موافقا للكتاب والسنة. ٥- وتسامحت في إيراد بعض الأثار والأقوال التي في السند إلى أصحابها ضعف أو جهالة, لأنها ليست كالأحاديث المرفوعة التي يجب الاحتجاج بها واتخاذها دينا, وإنما ذكرت للاستئناس بها والاستشهاد فقط. ٦- وحذفت من إسناد الحديث والأثر ما لا فائدة فيه بالنسبة لعامة القراء لا سيما في هذا "المختصر", وإنما أبقيت الضروري منه كاسم الصحابي, أو التابعي, أو غيرهما ممن نسب القول إليه في السند. ٧- وقد رقمت أحاديث الكتاب وآثاره برقم متسلسل من أوله إلى آخره. وكذلك رقمت تراجم الأئمة الذين روى المصنف أو نقل عنهم القول بأن الله على العرش, رقمتها بأرقام متسلسلة, ووضعت بجانبها الأيسر بين معكوفتين [] سنة ولادة المترجم ووفاته, لأيسر بذلك على القراء متابعة تسلسل القول بذلك من إمام إلى إمام, ومن سنة إلى ما بعدها, حتى آخر القرن السادس. ٨- وخرجت أحاديث الكتاب وآثاره, وعزوت كل قول من الأقوال المذكورة فيه إلى مصدره الذي عزاه المصنف إليه, مطبوعا كان أو مخطوطا بقدر الإمكان, وعلقت عليه بتعليقات مفيدة, أكثرها في تحقيق الكلام على أسانيد تلك الآثار والأقوال, للتثبت من ما صح منها نسبة إلى قائلها وما لم يصح, فتبين لنا أن أكثرها صحيح ثابت -والحمد لله- على طريقة أهل الحديث ونقدهم للأسانيد.

стр. 19

٩- وقد رأيت من تمام الفائدة أن أضع تعليقات مفيدة على أخباره, أهمها تخريج أحاديثه وآثاره, مع ترقيمها بأرقام متسلسلة من أول الكتاب إلى آخره.

стр. 20

باب: موضوع الكتاب وخطورته ... موضوع الكتاب وخطورته اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا الكتاب قد عالج مسألة هي من أخطر المسائل الاعتقادية التي تفرق المسلمون حولها منذ أن وجدت المعتزلة حتى يومنا هذا, ألا وهي مسألة علو الله على خلقه, الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة المدعم بشاهد الفطرة السليمة, وما كان لمسلم أن ينكر مثلها في الثبوت, لولا أن بعض الفرق المنحرفة عن السنة فتحوا على أنفسهم وعلى الناس من بعدهم باب التأويل, فلقد كاد الشيطان به لعدوه الإنسان كيدا عظيما, ومنعهم به أن يسلكوا صراطا مستقيما, كيف لا وهم قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة, وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة, أو لقرينة عقلية أو عرفية أو لفظية كما هو مفصل في محله, ومع ذلك فإنك تراهم يخالفون هذا الأصل الذي أصلوه, لأتفه الأسباب, وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقا, فهل يستقيم في الدنيا فهم أو تفاهم إذا قال قائل مثلا: "جاء الأمير" فيأتي متأول من أمثال أولئك المتأولين, فيقول في تفسير هذه الجملة القصيرة: يعني جاء عبد الأمير, أو نحو ذلك من التقدير. فإذا أنكرت عليه ذلك أجابك بأن هذا مجاز فإذا قيل له: المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة وهي ممكنة هنا أو لقرينة لا قرينة هنا "١" سكت أو جادلك بالباطل.

стр. 21

وقد يقول قائل: وهل يفعل ذلك عاقل؟ قلت: ذلك ما صنعه كل الفرق المتأولة, الذين ينكرون حقائق الأسماء والصفات الإلهية من المعتزلة وغيرهم ممن تأثر بهم من الخلف, ولا نبعد بك كثيرا بضرب الأمثال وإنما نقتصد مثلين من القرآن الكريم, أحدهما يشبه المثال السابق تماما, والآخر له صلة بصلب موضوع الكتاب. الأول: قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فقيل في تأويلها: "وجاء ربك"! وقيل غير ذلك من التأويل. ونحو كذلك أولوا قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ . فقال بعضهم: يأتيهم الله بظلل. فنفى بذلك حقيقة الإتيان اللائق بالله تعالى بل غلا بعض ذوي الأهواء فقال: "قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ حكاية عن اليهود, والمعنى أنهم لا يقبلون دينك إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظلل من الغمام ليروه جهرة, لأن اليهود كانوا مشبهة يجوزون على الله المجيء والذهاب"! نقله الكوثري في تعليقه على "الأسماء والصفات" "ص٤٤٧-٤٤٨" عن الفخر الرازي وأقره!! فتأمل -هداني الله وإياك- كيف أنكر مجيء الله الصريح في الآيتين المذكورتين. وهو إنما يكون يوم القيامة كما جاء في تفسير ابن جرير لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ فذكر "١٢/ ٢٤٥-٢٤٦" في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ عن قتادة وابن جريج: يوم القيامة, ونحوه عن ابن مسعود وغيره. في "الدرر المنثور" "١/ ٢٤١" وانظر كلمة الإمام ابن راهويه في إثبات المجيء في الفقرة الآتية من الكتاب "٢١٣". فنفى هذا المتأول ببركة التأويل إتيان الله ومجيئه يوم القيامة الثابت في هذه الآيات الكريمة, والأحاديث في ذلك أكثر وأطيب, ولم يكتف بهذا بل نسب القول بتجويز المجيء على الله إلى اليهود, وأن الآية نزلت في حقهم! ضلال وكذب, أما الضلال فواضح من تحريف الآيات المستلزم الطعن في الأئمة الذين

стр. 22

يؤمنون بمجيء الله تعالى يوم القيامة. وأما الكذب فإن أحدا من العلماء لم يذكر أن الآية نزلت في اليهود, بل السياق يدفع ذلك, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ... ﴾ . [سورة البقرة: ٢٠٨-٢١١] قلت: فأنت ترى أن الخطاب موجه للمؤمنين, ولذلك قال ابن جرير في تفسيره "٤/ ٢٥٩" لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُم..﴾ : " يعني بذلك جل ثناؤه, فإن أخطأتم الحق فضللتم عنه وخالفتم الإسلام وشرائعه من بعد ما جاءتكم حججي, وبينات هداي, واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون - فاعلموا أن الله ذو عزة ... ". نعم قد روى ابن جرير "٤/ ٢٥٥" عن عكرمة قوله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وو ... كلهم من يهود, قالوا: يا رسول الله يوم السبت كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه ... فنزلت ". قلت: وهذا مع أنه في مؤمني اليهود لا يصح إسناده لإرساله, ولو صح لم يجز القول بأنها "نزلت في حق اليهود" لأنها تعني عند الإطلاق كفارهم, والواقع خلافه! فتأمل هذا رحمنا الله وإياك, هل تجد في هذه الآيات المصرحة بإتيان الله ومجيئه قرينة من تلك القرائن الثلاث تضطر السامع إلى فهم ذلك على المجاز لا الحقيقة؟ كلا، ثم كلا، ولكنهم لما فهموا مجئ الله تعالى مجيئا على نحو مجيء المخلوق, وهذا تشبيه حقا اضطرهم هذا الفهم الخاطئ إلى إنكاره ونسبته إلى اليهود! وصاروا إلى التأويل. وكان بوسعهم أن يثبتوا لله تعالى هذه الصفة كما أثبتها السلف دون تشبيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ , وإلا فهم على ذلك سيتأولون السمع والبصر أيضا, لأن الله تعالى قد أثبت للمخلوق سمعا وبصرا, في القرآن والسنة, فقد يقولون إننا إذا

стр. 23

أثبتنا السمع والبصر لله شبهناه بمخلوقاته! وهذا ما فعلته المعتزلة تماما, فإنهم تأولوهما بالعلم تنزيها له تعالى عن المشابهة, زعموا, وبذلك آمنوا بالطرف الأول من الآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولم يؤمنوا بالطرف الآخر منها ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وأما الأشاعرة وغيرهم من الخلف, فقد آمنوا بكل ذلك هنا فجمعوا بين التنزيه والإثبات قائلين سمعه ليس كسمعنا, وبصره ليس كبصرنا. فهذا هو الحق وكان عليهم طرد ذلك في كل ما وصف الله به نفسه, فيقال: مجيئه تعالى حق ولكنه ليس كمجيئنا, ونزوله إلى السماء الدنيا حق لتواتر الأحاديث بذلك كما يأتي في الكتاب ولكن ليس كنزولنا, وهكذا في كل الصفات, ولكنهم لم يفعلوا ذلك مع الأسف في كثير من الصفات, منها ما نحن فيه فتأولوه بما سبق, أو بغيره ١ ومنها الاستواء الآتي ذكره قريبا. هذا هو المثال الأول: وأما المثال الآخر فقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقوله فتأولوه "الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ". فقد تأول الخلف الاستواء المذكور في هاتين الآيتين ونحوهما بالاستيلاء وشاع عندهم في تبرير ذلك إيرادهم قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق! متجاهلين اتفاق كلمات أئمة التفسير والحديث واللغة على إبطاله, وعلى أن المراد بالاستواء على العرش إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه, كما سترى أقوالهم مروية في الكتاب عنهم بالأسانيد الثابتة قرنا بعد قرن, وفيهم من نقل اتفاق العلماء عليه. مثل الإمام إسحاق بن راهويه "الترجمة ٦٧", والحافظ ابن عبد البر "الترجمة ١٥١" وكفى بهما حجة في هذا الباب. ومع ذلك فإننا لا نزال نرى علماء الخلف -إلا قليلا منهم- سادرين في

стр. 24

مخالفتهم للسلف في تفسيرهم لآية الاستواء وغيرها من آيات الصفات وأحاديثها. وقد يتساءل بعض القراء عن سبب ذلك فأقول: ليس هو إلا إعراضهم عن اتباع السلف, ثم فهمهم -خطأ- الاستعلاء المذكور في الآيات الكريمة, أنه الاستعلاء اللائق بالمخلوق, ولما كان هذا منافيا للتنزيه الواجب لله اتفاقا فروا من هذا الفهم, إلى تأويلهم السابق, ظنا منهم أنهم بذلك نجوا من القول على الله تعالى بما لا يليق به سبحانه. ولقد كان من كبار هؤلاء العلماء القائلين بالتأويل المذكور برهة من الزمن جماعة من أهل العلم. منهم الإمام أبو الحسن الأشعري كما سيأتي بيانه في ترجمته من الكتاب "١٢٠ ". ومنهم العلامة الجليل أبو محمد الجويني الشافعي والد إمام الحرمين المتوفى سنة "٤٣٨" ثم هداه الله تعالى إلى اتباع السلف في فهم الاستواء وسائر الصفات, ثم ألف في ذلك رسالة نافعة١ قدمها نصيحة لإخوانه في الله كما صرح بذلك في مقدمتها. وقد وصف فيها وصفا دقيقا تحيره وتردده في مرحلة من مراحل حياته العلمية بين اتباع السلف, وبين اتباع علماء الكلام في عصره الذين يؤولون الاستواء بالاستيلاء, فقال رحمه الله تعالى "ص١٧٦-١٧٧": "اعلم أنني كنت برهة من الدهر متحيرا في ثلاث مسائل: ١- مسألة الصفات. ٢- مسألة الفوقية. ٣- ومسالة الحرف والصوت في القرآن المجيد. وكنت متحيزا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع

стр. 25

ذلك, من تأويل الصفات وتحريفها, أو إمرارها والوقوف فيها, أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل, ولا تشبيه ولا تمثيل. فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية, وكذلك في الحرف والصوت. ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء ويؤول النزول بنزول الأمر, ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين, ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم, وأمثال ذلك, ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائما بالذات بالأحرف بلا صوت, ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم! وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها, قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين, لأني على مذهب الشافعي ﵁ عرفت فرائض ديني وأحكامه, فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي, ولي فيهم الاعتقاد التام, لفضلهم وعلمهم. ثم إني مع ذلك أجد في قبلي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها, وأجد الكدر والظلمة منها, وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها, فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره. المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره. وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول, مخافة الحصر والتشبيه ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله, وسنة رسوله ﷺ أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني, وأجد الرسول الله ﷺ قد صرح بها مخبرا عن ربه, واصفا له بها. وأعلم بالاضطرار أنه ﷺ كَانَ يحضر مجلسه الشريف العالم والجاهل, والذكي والبليد, والأعرابي والجافي, ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها, لا نصا ولا ظاهرا مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها, كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلمين, مثل تأويلهم الاستيلاء للاستواء, ونزول الأمر للنزول, وغير ذلك. ولم

стр. 26

أجد عنه ﷺ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها, ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني آخر باطنة, غير ما يظهر من مدلولها, وأجد الله يقول ... ". ثم ذكر بعض الآيات في الاستواء والفوقية والأحاديث في ذلك, مما هو جزء يسير مما سيأتي في الكتاب ثم قال "ص١٨١"١: "إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبهة التأويل, وعماوة التعطيل, وحماقة التشبيه والتمثيل, وأثبتنا علو ربنا سبحانه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته, والحق واضح في ذلك, والصدور تنشرح له, فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة, مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره, والوقوف في ذلك جهل وعي, مع كون أن الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها, فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها, فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا, ولا نقف في ذلك. وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة. فمن وفقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف, ولا تكييف, ولا وقوف, فقد وقف على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعالى". ثم شرع يبين السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويل "الاستواء" بالاستيلاء فقال "ص١٨١-١٨٣": "والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء و ... هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين, فما فهموا عن الله استواء يليق به ولا ... فلذلك حرفوا الكلام عن مواضعه, وعطلوا ما وصف الله تعالى نفسه به. ونذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى. لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع,

стр. 27

والبصر, والعلم, والقدرة, والإرادة, والكلام لله. ونحن قطعا لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا. وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضا تقوم بجوارحنا, فكما أنهم يقولون: حياته ليست بعرض, وعلمه كذلك, وبصره كذلك هي صفات كما تليق به, لا كما تليق بنا, فكذلك نقول نحن: حياته معلومة, وليست مكيفة, وعلمه معلوم وليس مكيفا, وكذلك سمعه وبصره معلومان, ليس جميع ذلك أعراضا بل هو كما يليق به. ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله, ففوقيته معلومة, أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر, فإنهما معلومان ولا يكيفان. كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به, واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق, بل كما يليق بعظمته, وجلال صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت, غير معلومة من حيث التكييف والتحديد, فيكون المؤمن بها مبصرا بها من وجه, أعمى من وجه مبصرا من حيث الإثبات والوجود, أعمى من حيث التكيف والتحديد. وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به, وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف, وذلك هو مراد الرب تعالى منا في إبراز صفاته لنا, لنعرفه به, ونؤمن بحقائقها, وننفي عنها التشبيه, ولا نعطلها بالتحريف والتأويل, ولا فرق بين الاستواء والسمع, ولا بين النزول والبصر, الكل ورد به النص. فإن قالوا لنا في الاستواء: شبهتم نقول لهم في السمع: شبهتم, ووصفتم ربكم بالعرض! فإن قالوا: لا عرض بل كما يليق به. قلنا في الاستواء والفوقية: لا حصر, بل كما يليق به. فجميع ما يلزمونا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم. فكما لا يجعلونها هم أعراضا. كذلك نحن لا نجعلها جوارح, ولا ما يوصف به المخلوق, وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف.

стр. 28

ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده, وقبل نصيحتنا, ودان لله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك, ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف. وهذا مراد الله منا في ذلك؛ لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة, فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وحرفنا هذه وأولناها, كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض, وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى". قلت: لقد وضح من كلام الإمام كالجويني رحمه الله تعالى السبب الذي حمل الخلف -إلا من شاء الله- على مخالفة السلف في تفسير آية "الاستواء", وهو أنهم فهموا منه -خطأ كما قلنا- استواء لا يليق إلا بالمخلوق وهذا تشبيه فنفوه بتأويلهم إياه بالاستيلاء! ومن الغريب حقا أن الذي فروا منه بالتأويل, قد وقعوا به فيما هو أشر منه بكثير, ويمكن حصر ذلك بالأمور الآتية: الأول: التعطيل, وهو إنكار صفة علو الله على خلقه علوا حقيقيا يليق به تعالى. وهو بين في كلام الإمام الجويني. الثاني: نسبة الشريك لله في خلقه يضاده في أمره, فإن الاستيلاء لغة لا يكون إلا بعد المغالبة كما ستراه في ترجمة الإمام اللغوي ابن الأعرابي, فقد جاء فيها: أن رجلا قال أمامه مفسرا الاستواء معناه: استولى. فقال لهم الإمام: اسكت, العرب لا تقول للرجل: "استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد, فأيهما غلب قيل: استولى. والله تعالى لا مضاد له". وسنده عنه صحيح كما بينته هناك في التعليق "٢١٠" واحتج به العلامة نفطويه النحوي في "الرد على الجهمية" كما ستراه في ترجمته "١١٩". فنسأل المتأولة: من هو المضاد لله تعالى حتى تمكن"! " الله تعالى من التغلب عليه والاستيلاء على ملكه عنه؟!

стр. 29

وهذا إلزام لا مخلص لهم منه إلا برفضهم لتأويلهم, ورجوعهم إلى تفسير السلف, ولما تنبه لهذا بعض متكلميهم جاء بباقعة أخرى! وذلك أنه تأول "الاستيلاء" الذي هو عندهم المراد من "الاستواء" بأنه استيلاء مجرد عن معنى المغالبة! ١. قلت: وهذا مع كونه مخالفا لغة كما سبق عن ابن الأعرابي فإن أحسن ما يمكن أن يقال فيه: إنه تأويل للتأويل!! وليت شعري ما الذي دخل بهم إلى هذه المآزق, أليس كان الأولى بهم أن يقولوا: استعلى استعلاء مجردا عن المشابهة. هذا لو كان الاستعلاء لغة يستلزم المشابهة. فكيف وهي غير لازمة؟ لأن الاستواء في القرآن فضلا عن اللغة قد جاء منسوبا إلى الله تعالى كما في آيات الاستواء على العرش, وقد مضى بعضها, كما جاء منسوبا إلى غيره سبحانه كما قال في سفينة نوح "استوت على الجودي" وفي النبات "استوى على سوقه", فاستواء السفينة غير استواء النبات. وكذلك استواء الإنسان على ظهر الدابة, واستواء الطير على رأس الإنسان واستواؤه على السطح, فكل هذا استواء ولكن استواء كل شيء بحسبه, تشترك في اللفظ, وتختلف في الحقيقة, فاستواء الله تعالى هو استواء واستعلاء يليق به تعالى ليس كمثله شيء. وأما الاستيلاء فلم يأت إطلاقه على الله تعالى مطلقا إلا على ألسنة المتكلمين! فتأمل ما صنع الكلام بأهله, لقد زين لهم أن يصفوا الله بشيء هو من طبيعة المخلوق واختصاصه, ولم يرضوا أن يصفوه بالاستعلاء الذي لا يماثله شيء وقد قال به السلف, فلا عجب بعد ذلك أن اجتمعوا على ذم الكلام وأهله, وتأتيك بعض النقول عنهم في الكتاب ووافقهم على ذلك بعض الخلف, فقال السبكي في مقدمة رسالة "السيف الصقيل" "ص١٢": " وليس على العقائد أضر من شيئين: علم الكلام والحكمة اليونانية ...

стр. 30

وجميع الفرق الثلاث في كلامها مخاطرة, إما خطأ في بعضه, وإما سقوط هيبته, والسالم من ذلك كله ما كان عليه الصحابة والتابعون, وعموم الناس الباقون على الفطرة السليمة". وبعد فإن ضرر التأويل على أهله, وحمله إياهم على الانحراف عن الشرع مما لا حدود له في نظري, فلولاه لم يكن للقائلين بوحدة الوجود اليوم وجود، ولا لإخوانهم القرامطة الباطنية من قبل, الذين أنكروا الشريعة وكل ما فيها من حقائق كالجنة والنار, والصلاة والزكاة والصيام والحج, ويتأولونها بتآويل معروفة. قال العلامة المرتضى اليماني في "إيثار الحق على الخلق" في صدد بيان قبح التأويل "ص١٣٥": "فإن المعتزلة والأشعرية إذا كفروا الباطني بإنكار الأسماء الحسنى والجنة والنار, يقول لهم الباطني: لم أجحدها, إنما قلت: هي مجاز, مثلما أنكم لم تجحدوا الرحمن الرحيم الحكيم, وإنما قلتم: إنها مجاز! وكيف كفاكم المجاز في الإيمان بالرحمن الرحيم وهما أشهر الأسماء الحسنى أو من أشهرها, ولم يكفني في سائرها وفي الجنة والنار مع أنهما دون أسماء الله بكثير؟ وكم بين الإيمان بالله وبأسمائه والإيمان بمخلوقاته؟! فإذا كفاكم الإيمان المجازي بأشهر الأسماء الحسنى فكيف لم يكفني مثله في الإيمان بالجنة والنار والمعاد؟! ". قلت: ونحوهم طائفة القاديانية اليوم الذين أنكروا بطريق التأويل كثيرا من الحقائق الشرعية المجمع عليها بين الأمة كقولهم ببقاء النبوة بعد النبي ﷺ متأسين في ذلك بنبيهم ميرزاغلام أحمد, ومن قبله ابن عربي في "الفتوحات المكية" وتأولوا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بأن المعنى زينة النبيين وليس آخرهم! وقوله ﷺ : "لا نبي بعدي" بقولهم: أي معي! وأنكروا وجود الجن مع تردد ذكرهم في القرآن الكريم, فضلا عن السنة وتنوع صفاتهم فيهما, وزعموا أنهم طائفة من البشر! إلى غير ذلك من ضلالاتهم, وكلها من بركات التأويل الذي أخذ به الخلف في آية الاستواء وغيرها من آيات الصفات.

стр. 31

وليس أدل على ضرر التأويل على أصحابه المغرمين به من القول الذي شاع بينهم ولهجت به ألسنتهم كلما أثير بحث الصفات والإيمان بها على حقائقها أو على تأويلها ألا وهو قولهم: " مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم " والشاب المثقف اليوم الذي لم تتلوث ثقافته الشرعية بشيء من علم الكلام ربما لا يصدق أن أحدا من الخلف يقول مثل هذا القول! وحق له ذلك لخطورته وفظاعته ولكنه -مع الأسف- هو الواقع المعروف لدى طلبة الشريعة, وإليك مثالا واحدا على ذلك مما يقرؤونه على مشايخهم قال الباجوري في حاشيته "ص٥٥" تحت قول صاحب "الجوهرة": وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها "وطريقة الخلف أعلم وأحكم, لما فيها من مزيد الإيضاح, والرد على الخصوم, وهي الأرجح, ولذلك قدمها المصنف, وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى"! وكلام الكوثري المشهور بعدائه الشديد لأهل السنة والحديث في تعليقاته كلها يدور على هذا المعنى من التفصيل المزعوم, وفي تعليقه على "السيف الصقيل" التصريح بذلك "ص١٣٢". وهذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة, بل في غاية الضلالة! قال ابن تيمية في "العقيدة الحموية": "كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم, وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول: لعمري قد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم

стр. 32

وأقروا على أنفسهم بما قالوا, متمثلين به, أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم, مثل قول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ويقول الآخر منهم: " أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام". ثم إذا حق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر, ولا وقعوا من ذلك على عين وعلى أثر. كيف يكون هؤلاء المنقصون المحجوبون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل, وأعلام الهدى ومصابيح الدجى, الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا, الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة. ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟! " وقال العلامة السفاريني في "شرح العقيدة" "١/ ٢١ - مختصره": " فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض من لا تحقيق له به ممن لا يقدر قدر السلف ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا

стр. 33

المؤمنين به؛ حق المعرفة المأمور بها, أن طريقة السلف أسلم [وطريقة الخلف] ١ أعلم وأحكم. وهؤلاء إنما أتوا, من حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث؛ من غير فقه ذلك, بمنزلة الأميين أو أن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات, وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد, أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر. وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف, وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم, والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم". ثم استشهد على ذلك بكلام للحافظ ابن رجب في كتابه "فضل علم السلف على علم الخلف" فليراجعه من شاء. والظن الذي أتوا منه المخالفون هو مما يكرر ذكره بعض المؤيدين لمذهب الخلف على مذهب السلف, ويتوهم صحته بعض الكتاب الإسلاميين الذين لا علم عندهم بأقوال السلف, ويسمونه بـ"التفويض", وهو مما يكثر الكوثري عزوه إليهم زورا, فيقول في تعليقه على "السيف الصقيل" "ص١٣": "الذي كان عليه السلف إجراء ما ورد في الكتاب والسنة المشهورة "؟ " في صفات الله سبحانه على اللسان, مع التنزيه بدون خوض في المعنى, ومن غير تعيين المراد"! وأعاد هذا المعنى مواضع أخرى منه "ص١٣١ و١٤٥", وجر على منواله قرينه المتعاون معه على تحريف نصوص كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي ذاك في التعليق عليه, وهذا في التقديم له في كتابه الذي سماه "فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان" أعني الشيخ سلامة القضاعي

стр. 34

العزامي, فقد ذكر نحوه في مواطن منه غير أنه قال: "أكثر السلف على الكف عن بيان المعنى المراد اللائق بالحق تعالى" كذا قال "ص٩٤ ". ونحوه "ص٨١ و٥", فقد نسب إلى أكثر السلف تنزههم عن بيان المعنى اللائق بالحق تعالى. فهل كان ذلك جهلا منهم بالله, أم كتما للعلم؟! فبأيهما أجاب, فهو كما قيل: أحلاهما مر. وصدق الله العظيم: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ ! وجملة القول في التأويل الذي تمسك به الخلف أنه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في منتصف قصيدته الرائعة "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" المعروفة بالنونية: " هذا وأصل بلية الإسلام من ... تأويل ذي التحريف والبطلان". ثم أفاض في سرد أضراره نظما بما لا تجده عند غيره نثرا, فراجعه فإنه هام جدا. وانظرها مع شرحها للشيخ أحمد بن عيسى المسمى بـ"توضيح المقاصد وتصحيح القواعد بشرح قصيدة ابن القيم"١. ثم إن عجبي لا يكاد ينتهي من الكوثري وأمثاله الذين ينسبون السلف الصالح في آيات الصفات إلى التفويض وعدم البحث عن المراد منها كما سبق النقل الصريح بذلك عنه فإنه إن لم يجد في قلبه من التعظيم للسلف وعلمهم ما يزعه عن التلفظ بها بما يمس مقامهم في المعرفة بالله تعالى وصفاته أفلم يقف على ما نقله العلماء عنهم من العبارات المختلفة لفظا والمتحدة معنى وكلها تلتقي حول شيء واحد وهو إثبات الصفات مع الرد على المعطلة النافين لها والممثلة المشبهين لها بصفات الخلق, وإليك بعض النصوص في ذلك مما ستراه في الكتاب في تراجمهم إن شاء الله تعالى. ١- قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد: عن الأحاديث التي في الصفات؟ فكلهم قالوا لي:

стр. 35

أمروها كما جاء بلا تفسير. وفي رواية: بلا كيف. ٢- قال ربيعة الرأي, ومالك وغيرهما: "الاستواء غير مجهول, والكيف غير معقول, والإيمان به واجب". قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية" "ص١٠٩ مطبعة السنة المحمدية". "فقول ربيعة, ومالك: الاستواء غير مجهول ... " موافق لقول الباقين, "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإنما نفوا علم الكيفية, ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول" ولما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف, فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما, بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم"! وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية, إذا لم يفهم عن اللفظ معنى, وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبت الصفات. وأيضا, فإن من ينفي الصفات الجزئية -أو الصفات مطلقا- لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف" فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول "بلا كيف", فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر, فلما قالوا: "وبلا كيف". وأيضا فقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد. أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن من الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة" وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ "بلا كيف" إذا نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول".

стр. 36

٣- قال الإمام الخطابي: " مذهب السلف في الصفات إثباتها وإجراؤها على ظاهرها, ونفي الكيفية والتشبيه عنها". ٤- قال الحافظ ابن عبد البر: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة, وحملها على الحقيقة لا على المجاز, إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة, ويزعمون أن من أقر بها مشبه, وهم عند من أقر بها نافون للمعبود". قلت: فهذا قل من جل النصوص التي سنراها في الكتاب, وهي كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات, ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها, على ما يليق به ﵎. فلماذا لا يرفع الكوثري وأمثاله من الخلف رؤوسهم إلى هذه النصوص, ويظلون يصرون على أن السلف كانوا لا يفهمونها وإنما كانوا يجرونها على ألسنتهم فقط, دون تدبر لها وبيان لمعناها؟! والجواب: أحسن أحواله أن يكون حاله كحال الجويني الذي كان متأثرا بشيوخه من علماء الكلام, ولكنه لما كان مخلصا في علمه لله تعالى هداه الله ﵎ إلى عقيدة السلف في الاستواء وغيره مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ , فهل كان الكوثري وأمثاله من الطاعنين في أئمة الحديث والسلف مخلصين أيضا؟ من الصعب جدا أن نجيب عن هذا بالإيجاب لكثرة ما نرى من عدائه الشديد -في كل تعليقاته- لأئمة السلف والتوحيد واستمراره على اتهامهم بالتجسيم والتشبيه وبصورة خاصة لابن تيمية منهم مع رد هذا على المجسمة

стр. 37

ومبالغته في سائر كتبه, فلا نكاد نراه في صدد الرد على المعطلة, إلا ويشرك معهم في الرد المجسمة, كما يعرف ذلك كل من له دراسة لكتبه رحمه الله تعالى, ومن كلامه في هذا الصدد قوله في "الحموية" "ص١٦٠": " فمن قال: لا أعقل علما ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته, وتلائم حقيقته فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه". قلت: وهذا قليل من كثير من كلامه الذي يدل دلالة قاطعة على أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو منزه وليس بمشبه أو مجسم كما يفتري الكوثري. وقد نقل صديقه ١ العلامة أبو زهرة في كتابه "ابن تيمية" نصوصا كثيرة من كلام ابن تيمية في موضع الصفات الإلهية, ولخص عقيدته فيها تلخيصا جيدا لا تحامل فيه, بل إنه قد برأه مما اتهمه الكوثري فقال "ص٢٦٤": " وليس في ذلك ما يتنافى مع التنزيه, أو يخالف التوحيد, أو يثبت مشابهة بينه سبحانه وبين الحوادث ". ثم قال "ص٢٦٦": " وينتهي بلا ريب إلى أن يثبت لله الاستواء واليد وغير, ذلك ولكن يقول: إن هذا كله بما يليق بذاته تعالى لا نعرف حقيقته وعلينا الإيمان به" ولكنه عاد فنقل عن كتاب "رد شبه التشبيه" لابن الجوزي كلاما له ينتصر فيه للتأويل ويرد به على من يرميهم بالتشبيه فقال أبو زهرة "ص٢٧٢" عقبه: "وهو مؤدى كلامهم ومهما حاولا نفي التشبيه فإنه لاصق بهم وإذا جاء ابن تيمية من بعده بأكثر من قرن وقال: إنه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة فإنهم إن فسروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الاقتعاد والجلوس

стр. 38

الجسمية لازمة لا محالة وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل, وقد وقعوا فيما نهوا عنه"! فأقول: "رويدك يا فضيلة الشيخ, فأنت تعلم أن ابن تيمية لا يفسر الاستواء بشيء مما ذكرت, وإنما بالعلو, وكتبه طافحة بذلك, فلماذا أوهمت القراء خلاف الواقع, فهلا جريت على سننك في نقل أقوال ابن تيمية وأنت تشرح عقيدته ورأيه, أم ضقت ذرعا بالتزام النقل الصحيح فأخذت تنسب إليه ما ليس بصحيح, تارة بالتلويح, كما فعلت هنا, وتارة بالتصريح كما فعلت في كتابك الآخر "المذاهب الإسلامية" إذ قلت في بحث "السلفية" والإمام ابن تيمية "ص٣٢٠": "وهكذا يثبتون كل ما جاء في القرآن والسنة عن أوصافه سبحانه.... ويثبتون الاستقرار على العرش"! فأين رأيت ابن تيمية يقول بالاستقرار على العرش, علما بأنه أمر زائد على العلو, وهو مما لم يرد به الشرع, ولذلك رأينا مؤلفنا الحافظ الذهبي قد أنكر على بعض القائلين بصفة العلو التعبير عنها بالاستقرار كما نراه في الترجمة "١٥٨، الفقرة ٣٢٢" ويقول أبو زهرة أيضا "ص٣٢٢" من كتابه المذكور: "يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف: هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية, وتحتية, واستواء على العرش"! وقال في الصفحة التي قبلها: "فيكرر هذا المعنى فيقول مؤكدا أن الله ينزل ويكون في فوق وتحت من غير كيف"! فأين قرر ابن تيمية وأثبت لله تعالى صفة التحتية؟! غالب الظن أن الشيخ أبا زهرة فهم من أحاديث النزول التحتية المزعومة, ثم عزا ذلك لابن تيمية كما فهم من آيات الاستواء: الاستقرار ثم عزاه إليه, وكل ذلك خطأ عليه كما يعلم ذلك من درس كتبه دراسة تفهم ووعي لا دراسة سريعة من أجل النقل عنه في ترجمته, وتسويد صفحاتها!

стр. 39

ومثل هذا العزو منه لابن تيمية دلني على أنه لم يفهم ابن تيمية وعقيدته وأفكاره فهما جيدا, بل لعله لم يقرأ كل ما لابن تيمية من البحث والتحقيق في المسائل التي أثارها الشيخ أبو زهرة في ما طبع من كتب ابن تيمية فضلا عن المخطوطة منها ككتابة المطبوع في المكتب الإسلامي: "شرح حديث النزول" فإن ابن تيمية ﵀ قد قرر فيه أنه لا يلزم من نزوله تعالى أن يصير العرش فوقه تعالى, وهو تحت العرش, فإن هذا من طبيعة المخلوق, والله ليس كمثله شيء كما سيأتي الإشارة إلى ذلك في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه من الكتاب تعليقا على الفقرة "٢١١"١, "١" بل قد قال ابن تيمية في "منهاج السنة" "٢/ ٢٤٨": "ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما جاء الحديث سيكون العرش فوقه ويكون محصورا بين طبقتين من العالم فقوله مخالف لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه". وإن مما يؤكد ما ذكرته من عدم فهمه لابن تيمية أنه لم يقتنع بما لخصه هو نفسه عن ابن تيمية "ص٢٧٦" من كتابه "ابن تيمية" فقال: "إن ابن تيمية يرى أن الألفاظ في اليد والنزول والقدم والوجه والاستواء على ظاهرها, ولكن بمعان تليق بذاته الكريمة كما نقلنا من قبل" لم يقتنع بصواب رأي ابن تيمية هذا مع أنه الحق الصراح بل أخذ يرد عليه بكلام هزيل مضطرب لا طائل تحته -وهذا أحسن ما يقال فيه فقال عقبه: "ومن هنا نقف وقفة: إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية, ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها, وإذا أطلقت على غيرها سواء أكان معلوما أم مجهولا فإنها قد استعملت في غير معناها, ولا تكون بحال من الأحوال مستعملة في ظواهرها, بل تكون مؤولة, وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر, وفر من التفسير المجازي ليقع في تفسير

стр. 40

مجازي آخر " فقل لي بربك -أيها القارئ اللبيب- هل يقول هذا في ابن تيمية عالم كأبي زهرة فهم كلام ابن تيمية الذي نقله هو نفسه أكثر من مرة كقوله أنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة. ويبين ذلك ما نقله "ص٢٦٥" عن "التدمرية" لابن تيمية" "ص١٢" أنه قال: "إذا كان من المعلوم بالضوررة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم, فمعلوم أن هذا مجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصص والتقيد فلا يقول عاقل إذا قيل له: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود: "إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود [وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه. لا يشركه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما] "١ ثم علق أبو زهرة على هذا الكلام بما يوضحه قال: "ولذا يقول ابن تيمية في هذا المقام: "قد سمى الله نفسه حيا فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وسمى بعض خلقه حيا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ , وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأن قوله "الحي" اسم لله مختص به وقوله "يخرج الحي من الميت" اسم للحي المخلوق مختص به وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ... " فهل تجد أيها القارئ أثرا للتأويل الذي زعمه أبو زهرة في تفسيره لهذه
следующие страницы →