← Акыда

Акыда · id 7318

مختصر العلو للعلي العظيم

شمس الدين الذهبي

Полный текст (301 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٣- قال الإمام الخطابي: " مذهب السلف في الصفات إثباتها وإجراؤها على ظاهرها, ونفي الكيفية والتشبيه عنها". ٤- قال الحافظ ابن عبد البر: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة, وحملها على الحقيقة لا على المجاز, إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة, ويزعمون أن من أقر بها مشبه, وهم عند من أقر بها نافون للمعبود". قلت: فهذا قل من جل النصوص التي سنراها في الكتاب, وهي كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات, ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها, على ما يليق به ﵎. فلماذا لا يرفع الكوثري وأمثاله من الخلف رؤوسهم إلى هذه النصوص, ويظلون يصرون على أن السلف كانوا لا يفهمونها وإنما كانوا يجرونها على ألسنتهم فقط, دون تدبر لها وبيان لمعناها؟! والجواب: أحسن أحواله أن يكون حاله كحال الجويني الذي كان متأثرا بشيوخه من علماء الكلام, ولكنه لما كان مخلصا في علمه لله تعالى هداه الله ﵎ إلى عقيدة السلف في الاستواء وغيره مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ , فهل كان الكوثري وأمثاله من الطاعنين في أئمة الحديث والسلف مخلصين أيضا؟ من الصعب جدا أن نجيب عن هذا بالإيجاب لكثرة ما نرى من عدائه الشديد -في كل تعليقاته- لأئمة السلف والتوحيد واستمراره على اتهامهم بالتجسيم والتشبيه وبصورة خاصة لابن تيمية منهم مع رد هذا على المجسمة

стр. 37

ومبالغته في سائر كتبه, فلا نكاد نراه في صدد الرد على المعطلة, إلا ويشرك معهم في الرد المجسمة, كما يعرف ذلك كل من له دراسة لكتبه رحمه الله تعالى, ومن كلامه في هذا الصدد قوله في "الحموية" "ص١٦٠": " فمن قال: لا أعقل علما ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته, وتلائم حقيقته فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه". قلت: وهذا قليل من كثير من كلامه الذي يدل دلالة قاطعة على أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو منزه وليس بمشبه أو مجسم كما يفتري الكوثري. وقد نقل صديقه ١ العلامة أبو زهرة في كتابه "ابن تيمية" نصوصا كثيرة من كلام ابن تيمية في موضع الصفات الإلهية, ولخص عقيدته فيها تلخيصا جيدا لا تحامل فيه, بل إنه قد برأه مما اتهمه الكوثري فقال "ص٢٦٤": " وليس في ذلك ما يتنافى مع التنزيه, أو يخالف التوحيد, أو يثبت مشابهة بينه سبحانه وبين الحوادث ". ثم قال "ص٢٦٦": " وينتهي بلا ريب إلى أن يثبت لله الاستواء واليد وغير, ذلك ولكن يقول: إن هذا كله بما يليق بذاته تعالى لا نعرف حقيقته وعلينا الإيمان به" ولكنه عاد فنقل عن كتاب "رد شبه التشبيه" لابن الجوزي كلاما له ينتصر فيه للتأويل ويرد به على من يرميهم بالتشبيه فقال أبو زهرة "ص٢٧٢" عقبه: "وهو مؤدى كلامهم ومهما حاولا نفي التشبيه فإنه لاصق بهم وإذا جاء ابن تيمية من بعده بأكثر من قرن وقال: إنه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة فإنهم إن فسروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الاقتعاد والجلوس

стр. 38

الجسمية لازمة لا محالة وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل, وقد وقعوا فيما نهوا عنه"! فأقول: "رويدك يا فضيلة الشيخ, فأنت تعلم أن ابن تيمية لا يفسر الاستواء بشيء مما ذكرت, وإنما بالعلو, وكتبه طافحة بذلك, فلماذا أوهمت القراء خلاف الواقع, فهلا جريت على سننك في نقل أقوال ابن تيمية وأنت تشرح عقيدته ورأيه, أم ضقت ذرعا بالتزام النقل الصحيح فأخذت تنسب إليه ما ليس بصحيح, تارة بالتلويح, كما فعلت هنا, وتارة بالتصريح كما فعلت في كتابك الآخر "المذاهب الإسلامية" إذ قلت في بحث "السلفية" والإمام ابن تيمية "ص٣٢٠": "وهكذا يثبتون كل ما جاء في القرآن والسنة عن أوصافه سبحانه.... ويثبتون الاستقرار على العرش"! فأين رأيت ابن تيمية يقول بالاستقرار على العرش, علما بأنه أمر زائد على العلو, وهو مما لم يرد به الشرع, ولذلك رأينا مؤلفنا الحافظ الذهبي قد أنكر على بعض القائلين بصفة العلو التعبير عنها بالاستقرار كما نراه في الترجمة "١٥٨، الفقرة ٣٢٢" ويقول أبو زهرة أيضا "ص٣٢٢" من كتابه المذكور: "يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف: هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية, وتحتية, واستواء على العرش"! وقال في الصفحة التي قبلها: "فيكرر هذا المعنى فيقول مؤكدا أن الله ينزل ويكون في فوق وتحت من غير كيف"! فأين قرر ابن تيمية وأثبت لله تعالى صفة التحتية؟! غالب الظن أن الشيخ أبا زهرة فهم من أحاديث النزول التحتية المزعومة, ثم عزا ذلك لابن تيمية كما فهم من آيات الاستواء: الاستقرار ثم عزاه إليه, وكل ذلك خطأ عليه كما يعلم ذلك من درس كتبه دراسة تفهم ووعي لا دراسة سريعة من أجل النقل عنه في ترجمته, وتسويد صفحاتها!

стр. 39

ومثل هذا العزو منه لابن تيمية دلني على أنه لم يفهم ابن تيمية وعقيدته وأفكاره فهما جيدا, بل لعله لم يقرأ كل ما لابن تيمية من البحث والتحقيق في المسائل التي أثارها الشيخ أبو زهرة في ما طبع من كتب ابن تيمية فضلا عن المخطوطة منها ككتابة المطبوع في المكتب الإسلامي: "شرح حديث النزول" فإن ابن تيمية ﵀ قد قرر فيه أنه لا يلزم من نزوله تعالى أن يصير العرش فوقه تعالى, وهو تحت العرش, فإن هذا من طبيعة المخلوق, والله ليس كمثله شيء كما سيأتي الإشارة إلى ذلك في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه من الكتاب تعليقا على الفقرة "٢١١"١, "١" بل قد قال ابن تيمية في "منهاج السنة" "٢/ ٢٤٨": "ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما جاء الحديث سيكون العرش فوقه ويكون محصورا بين طبقتين من العالم فقوله مخالف لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه". وإن مما يؤكد ما ذكرته من عدم فهمه لابن تيمية أنه لم يقتنع بما لخصه هو نفسه عن ابن تيمية "ص٢٧٦" من كتابه "ابن تيمية" فقال: "إن ابن تيمية يرى أن الألفاظ في اليد والنزول والقدم والوجه والاستواء على ظاهرها, ولكن بمعان تليق بذاته الكريمة كما نقلنا من قبل" لم يقتنع بصواب رأي ابن تيمية هذا مع أنه الحق الصراح بل أخذ يرد عليه بكلام هزيل مضطرب لا طائل تحته -وهذا أحسن ما يقال فيه فقال عقبه: "ومن هنا نقف وقفة: إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية, ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها, وإذا أطلقت على غيرها سواء أكان معلوما أم مجهولا فإنها قد استعملت في غير معناها, ولا تكون بحال من الأحوال مستعملة في ظواهرها, بل تكون مؤولة, وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر, وفر من التفسير المجازي ليقع في تفسير

стр. 40

مجازي آخر " فقل لي بربك -أيها القارئ اللبيب- هل يقول هذا في ابن تيمية عالم كأبي زهرة فهم كلام ابن تيمية الذي نقله هو نفسه أكثر من مرة كقوله أنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة. ويبين ذلك ما نقله "ص٢٦٥" عن "التدمرية" لابن تيمية" "ص١٢" أنه قال: "إذا كان من المعلوم بالضوررة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم, فمعلوم أن هذا مجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصص والتقيد فلا يقول عاقل إذا قيل له: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود: "إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود [وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه. لا يشركه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما] "١ ثم علق أبو زهرة على هذا الكلام بما يوضحه قال: "ولذا يقول ابن تيمية في هذا المقام: "قد سمى الله نفسه حيا فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وسمى بعض خلقه حيا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ , وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأن قوله "الحي" اسم لله مختص به وقوله "يخرج الحي من الميت" اسم للحي المخلوق مختص به وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ... " فهل تجد أيها القارئ أثرا للتأويل الذي زعمه أبو زهرة في تفسيره لهذه

стр. 41

الأسماء والآيات, أم هو يصرح بأنها كلها حقائق تناسب مع ذواتها, وتختلف حقائقها باختلاف ذواتها, غير أن ما في الأمر أن ما كان منها محسوسا فمن الممكن أن نعرف حقيقته بخلاف ما كان غائبا عنا كصفات الله تعالى بل والجنة والنار, فلا نعرف حقيقته, فقد ضرب لك أمثلة توضح للناس هذا الموضوع الخطير الذي كان الجهل به سببا كبيرا لانحراف الناس في الصفات عن طريق السلف. فنحن جميعا نقول: "الله موجود" كما نقول: "الخلق موجود ". ووجود كل منهما حقيقة تتناسب مع ذواتهما, وتقول: "الله حي" و"وأنا حي" حياة كل منهما حقيقة تتناسب مع ذواتهما, وهكذا طرد ذلك في جميع الأسماء والصفات, تجد كلام شيخ الإسلام واضحا بينا مقنعا لكل ذي لب. وإذا كان الشيخ أبو زهرة لم يفهم كلام ابن تيمية, وبناء عليه نسب إليه التأويل خطأ, فهذا الخطب فيه سهل جدا بالنسبة لخطأ آخر في كلامه السابق فإنه إذا كان يعتقد "أن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها, وإذا أطلق على غيرها سواء أكان معلوما أم مجهولا فإنها قد استعملت في غير معناها ... " إلخ كلامه السابق. أقول: إذا كان الشيخ يعتقد هذا, فإن معنى كلامه -لو كان يدري ما يقول- وهو يجادل شيخ الإسلام متأثرا بعلم الكلام أن وجود المخلوق وحياته وعلمه واستواءه وغير ذلك كله حقيقة, وأما وجود الخالق سبحانه وحياته وعلمه واستواءه وغير ذلك من صفاته فهي مجاز! وليست بحقيقة, ولازمه أن الله غير موجود, وليس بحي, ولا هو يعلم ولا هو مستو على العرش, ولا ولا.... إلخ إلى ما هنالك من أساليب معروفة يقول بها الفلاسفة, وبعض من تأثر بهم من المعتزلة وعلماء الكلام نقول هذا الأن الشيخ -هدانا الله وإياه قال: "إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية" ووجوده الله وعلمه وحياته وسائر صفاته ليست حسية وعليه فلا تطلق عليهما كما قال إلا مجازا فهل أحس الشيخ أين طوحت به كلمته هذه؟ فإن كنت لا تدري ... فأقول: قد عرفنا معنى الوجود المحسوس والحياة المحسوسة والعلم المحسوس,

стр. 42

والاستواء المحسوس, فما هو معنى هذه الأسماء إذا أضيفت إلى الله تعالى وهو غير محسوس؟ فالجواب: إنه لا معاني لها وإنما هي أسماء له فقط كما تقوله المعتزلة تماما كما حكاه الشيخ نفسه عنهم فإنه قال في "المذاهب" "ص٣٠٣": "نفى المعتزلة الصفات كما قررنا, وأثبتها الأشعري وقالوا إنها شيء غير الذات, فقد أثبتوا القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام وقالوا: إنها غير الذات وقال المعتزلة لا شيء غير الذات وإن المذكور في القرآن من مثل قوله تعالى: "عليم وخبير وحكيم وسميع وبصير هو أسماء له تعالى". أي لا معاني لها, وإنما هي كالأعلام المحضة المترادفة, ولذلك نعى ذلك عليهم العلماء ونسبوهم إلى التعطيل كما هو مبين في كتب شيخ الإسلام وغيره. فهل يلتزم فضيلة الشيخ أبو زهرة ما لزمه من كلامه السابق من التعطيل الذي حكى مثله عن المعتزلة, فيكون على ذلك مثلهم منكرا لصفات الله تعالى الثابتة بالقرآن والسنة, أم يتراجع عن تلك الكلمة, لأنها زلة لسان, ويلتزم المذهب الذي شرحه ابن تيمية شرحا ليس من السهل الاستدراك عليه فيه, ومنه الاستواء, فيؤمن به على أنه صفة حقيقية لله تعالى تليق به كما ينبغي أن يؤمن كذلك بجميع صفاته كالعلم والكلام ولا يصرفها إلى المجاز فيقع في التعطيل؟ كنت أرجو أن أعتبر تلك الكلمة منه زلة لسان صدرت منه ولكن صدني عن ذلك هو نفسه حيث رأيته قد مال كما سيأتي إلى تفسير "الاستواء" بالمعنى المجازي وهو السلطان الكامل وتفسير النزول بفيوض النعم الإلهية دون أن يتنبه الشيخ المسكين أن مثل هذا التفسير لازمه الكفر لأن تمام حديث النزول -كما يعلم- فيقول: ألا هل من داع فاستجيب له ألا ... ألا ... فهل القيوض هي التي تستجيب, وتغفر, وتعطي أم الله لا شريك له؟ وجملة القول فيما نقله الكوثري عن ابن تيمية أنه أراد أن يكون معه نزيها

стр. 43

أديبا غير متأثر بموقف صاحبه الكوثري منه, ولكنه -مع الأسف تغلب عليه أثر الصحبة, فأخذ يطعن في عقيدة ابن تيمية, ولكن تلويحا لا تصريحا كما يفعل صاحبه وينسب إليه صراحة ما لم يقله كما تقدم بيانه, ولا أقول إنه فعل ذلك عمدا كصاحبه لا وإنما أتي من سوء فهمه لكلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ومما يؤكد ذلك قوله عقب ما سبق نقله من كلامه الذي فيه "وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر ... ". فقال "ص٢٧٧": " ثم ما المآل وما الغاية من التفسير الظاهري أيؤدي إلى معرفة حقيقة أم لا يؤدي إلا إلى متاهات أخرى إنه يقول "يعني ابن تيمية": إن الحقيقة غير معروفة فيقول: إن الله له وجه غير معروفة الماهية ... وله استواء غير معروف الماهية, ويد ... و إننا بلا شك إذا فسرنا تلك المعاني "كذا قال ولعله سبق قلم, وإنما أراد الألفاظ" بتفسيرات لا تجعلنا نحمله على مجهولات يكون ذلك التفسير أحرى بالقبول, ما دامت اللغة تتسع له وما دام المجاز بينا فيها, كتفسير اليد بمعنى القوة أو النقمة, والاستواء بمعنى السلطان الكامل, وتفسير النزول بفيوض النعم الإلهية إلخ, ولا يعترض بأمن ذلك ليس فيه أخذ بالظاهر, لأن الذي اختاره ليس فيه أخذ بالظاهر"! كذا قال, ولو أردنا أن نبين ما تحته من الخطأ والبعد عن جادة الصواب الذي لا يجوز أن يقع فيه عالم مثله لطال بنا المقام أكثر مما تتحمله هذه المقدمة ولكني أقول للشيخ كلمة موجزة: ألا يكفيك يا فضيلة الشيخ مآلا وغاية أن تفهم أن الاستواء هو صفة لله غير صفة النزول, وأن هذه الصفة غير صفة السيطرة والإنعام وهكذا, كما يكفيك -فيما أرجو- أن تعتقد أن صفة السمع غير صفة البصر وأنهما غير صفة العلم وأن لا تعطلهما وتنكر وجودهما بتأويلك إياهما بما يعود إلى أن المراد بهما

стр. 44

صفة العلم كما يقوله بعض المعتزلة, وإن كان كثيرون منهم ينكرون جميع صفات الذات لله ﵎ كما نقلناه عنهم فيما سبق؟ بلى إنه يكفيك هذا وإلا فما الفرق بين تفسيرنا تبعا للسلف لهذه الصفات على ظاهرها مع اعتقاد أن حقيقتها لا يعلمها إلا المتصف بها , وبين إنكارك الاستواء مثلا وإيمانك -فيما أظن بتفسيرنا لسائر الصفات ككونه حيا قديرا مريدا حكيما ... إلخ صفاته تعالى تفسيرا لها على ظاهرها دون تأويل أيضا مع اعتقاد أن حقيقتها لا يعلمها إلا الله؟ الذي أعتقده وأقطع به: أن كل عاقل من أهل العلم لا بد من أن يسلم بأنه لا فرق بين هذا وهذا أبدا, إذ الكل يعود إلى صفات ذات الله تعالى, فكما أننا نؤمن بذاته تعالى دون أن نعلم كنهها وحقيقتها, فكذلك القول في صفاته سبحانه ولا فرق, وإذا كان الأمر كذلك فإما أن يؤمن الشيخ معنا بحقائق الصفات ومنها الاستواء على ما شرحنا وإما أن يتأولها كلها, وبذلك يُلزم بإنكار وجود الله تعالى لأنه لا يعرف حقيقته, وكل ما لا يعرف حقيقته كالاستواء فهو يتأوله!!! وهذا ما وقع فيه الباطنية وكثير من الفلاسفة وقارب ذلك المعتزلة ومن تأثر بهم من علماء الكلام كما فصل ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتبه الكثيرة, جزاه الله عن الإسلام خيرا. وهنا يطيب لي بهذه المناسبة أن أنقل من بعض المخطوطات فصلا رائعا من كلام بعض علماء السلف مما لم يطبع حتى الآن فيما علمت وهو للخطيب البغدادي الحافظ المؤرخ المشهور, وقد ذكر المصنف طرفا منه في ترجمته كما يأتي, فرأيت أن أذكره هنا بنصه, إتماما للحجة على الخلف الذين يتوهم الكثير منهم, أن القول بوجوب الإيمان بحقائق الصفات ومعانيها كما يليق بالله تعالى هو مذهب تفرد به ابن تيمية ومن اقتدوا به فيها, ولم يعلموا أنه ﵀ تابع لهم في ذلك, وإنما فضله في بيانه وشرحه له وإقامة الأدلة عليه بالمنقول والمعقول, ودفع الشبهات عنه, وإلا فهو سلفي المعتقد, وهو الواجب على كل مسلم, ولذلك

стр. 45

بادرنا إلى نشر كتاب الذهبي هذا الذي بين يديك لتعلم به ما قد يكون خافيا عليك كما خفي على غيرك, فكان ذلك سببا قويا من أسباب الابتعاد عن العقيدة السلفية والطريقة المحمدية. قال الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى: " أما الكلام في الصفات؛ فإن ما روي منها في السنن الصحاح؛ مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها, ونفي الكيفية والتشبيه عنها. وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه. وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف. والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع علي الكلام في الذات ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية, فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: لله تعالى يد, وسمع, وبصر؛ فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه, ولا نقول: أن معنى اليد القدرة, ولا إن معنى السمع والبصر العلم, ولا نقول: إنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث ولبسوا على من ضعف علمه بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين, ورموهم بكفر أهل التشبيه, وغفلة أهل التعطيل أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى آيات محكمات يفهم منها المراد بظاهرها, وآيات متشابهات لا يوقف على معناها

стр. 46

إلا بردها إلى المحكم, ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع؛ فكذلك أخبار الرسول ﷺ جارية هذا المجرى, ومنزلة على هذا التنزيل, يرد المتشابه منها إلى المحكم, ويقبل الجميع. وتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام: أ- منها أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها, لاستفاضتها وعدالة ناقليها. فيجب قبولها, والإيمان بها, مع حفظ القلب أن يسبق إليه اعتقاد ما يقتضي تشبيها لله بخلقه, ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات, والتغير والحركات. ب- القسم الثاني: أخبار ساقطة, بأسانيد واهية, وألفاظ شنيعة, أجمع أهل العلم بالنقل على بطولها, فهذه لا يجوز الاشتغال بها ولا التعريج عليها. ج- والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها, فقبلهم البعض دون الكل, فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها لتلحق بأهل القبول, أو تجعل في حيز الفساد والبطول". قلت: فاحفظ هذا الأصل من الكلام في الصفات وافهمه جيدا, فإنه مفتاح الهداية والاستقامة عليها, وعليه اعتمد الإمام الجويني حين هداه الله تعالى لمذهب السلف في الاستواء وغيره كما تقدم ذكره عنه, وهو عمدة المحققين كلهم في تحقيقاتهم لهذه المسألة كابن تيمية وابن القيم وغيرهما, قال ابن تيمية في "التدمرية" "ص٢٩": طبع المكتب الإسلامي: " القول في الصفات كالقول في الذات فإن الله ليس كمثله شيء, لا في ذاته, ولا في صفاته, ولا في أفعاله فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات. فإذا قال السائل؛ كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك

стр. 47

وغيرهما ﵃: "الاستواء معلوم, والكيف مجهول, والإيمان به واجب, والسؤال عن الكيفية بدعة" لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر, ولا يمكنهم الإجابة عنه. وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله. إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له, فيكف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره, وتكليمه واستوائه ونزوله, وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال, لا يماثلها شيء فسمعه وبصره, وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزوله واستواؤهم ... ". وقال في "الحموية" "ص٩٩" بعد أن ذكر مختصر ما تقدم: "ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل, فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه, كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه, ولا ينفون عنه ما وصف بهنفسه, ووصفه به رسوله, فيعطلوا أسماءه الحسنى, وصفاته العليا, ويحرفوا الكلم عن مواضعه, ويلحدوا في أسماء الله وآياته. وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل, فهو جامع بين التعطيل والتمثيل. أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق, ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات. فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل, مثلوا أولا, وعطلوا آخرا. وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسماءئه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم, وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به , فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش, أو أصغر, أو مساويا, وكل ذلك من المحال -ونحو ذلك من الكلام- فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان. وهذا اللازم تابع

стр. 48

لهذا المفهوم, إما استواء يليق بجلال الله, ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها, كما يلزم سائر الأجسام. وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع, فإما أن يكون جوهرا أو عرضا, إذ لا يعقل موجود إلا هذا وقوله: إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير والفلك, إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا. فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به, وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي, وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين. والقول الفصل هو ما عليه الأمة الوسط, من إن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به. فكما أنه سبحانه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير, وأنه سميع بصير, ونحو ذلك, ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأغراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم, فكذلك هو سبحانه فوق العرش, ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها. واعلم أنه ليس في العقل الصريح, ولا في شيء من النقل الصحيح, ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلا". وأقول: أما النقل الصحيح, فهو موضوع مختصر كتاب الحافظ الذهبي الذي بين يديك, فستجد فيه ما يجعلك على مثل اليقين مؤمنا بأن الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية والآثار السلفية متفقة كلها على أن الله تعالى فوق عرشه بذاته, بائنا من خلقه, وهو معهم بعلمه. وسترى إنشاء الله تعالى أن أئمة المذاهب المتبعة وأتباعهم الأولين ومن سار على نهجهم من التابعين لهم حتى أواخر القرن السادس من الهجرة قد اتفقت فتاواهم وكلماتهم على إثبات الفوقية لله تعالى على عرشه وخلقه وعلى كل مكان وأن ذلك كما أنه متواتر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "١" فهو مجمع عليه من السالفين والأئمة الماضين من المحدثين والفقهاء

стр. 49

والمفسرين واللغوين وغيرهم, وستراهم بأسمائهم وأقوالهم الثابتة عنهم في ذلك, حتى قاربوا في عددهم المائتين, وهم في الواقع يبلغون المئات, ولكن ذلك ما تيسر جمعه للمؤلف رحمه الله تعالى١, فإذا وقف الطالب المخلص للحق على كلماتهم تيقن أنه يستحيل أن يكونوا قد أجمعوا على الضلال, ولعلم أن مخالفهم هو في الضلال, وما أحسن ما قاله المصنف رحمه الله تعالى في "صفات رب العالمين" بعد أن ذكر قليلا مما أشرنا إليه من النقول "١٨٧/ ١-٢": " ولو ذكرنا قول كل من له كلام في إثبات الصفات من الأئمة لا تسع الخرق, وإذا كان المخالف لا يهتدي بمن ذكرنا أنه يقول: الإجماع على إثباتها من غير تأويلها أو لا يصدقه في نقله فلا هداه الله. ولا خير والله فيمن رد على مثل الزهري, ومكحول, والأوزاعي, والثوري, والليث بن سعد ومالك, وابن عيينة, وابن المبارك, ومحمد بن الحسن, والشافعي, والحميدي, وأبي عبيد, وأحمد بن حنبل, وأبي عيسى الترمذي وابن سريج. وابن جريج الطبري وابن خزيمة وزكريا الساجي وأبي الحسن الأشعري أو يقول مثل قولهم من الإجماع مثل الخطابي وأبي بكر الإسماعيلي وأبي القاسم الطبراني وأبي أحمد العسال ... "فذكر غيرهم مما سيأتي" والشيخ عبد القادر الجيلي "الإمام في كل عصر" -الذين هم قلب اللب ونقاؤه. قلت: والعقل الفطري السليم يشهد لهؤلاء الأئمة وما معهم من نصوص الكتاب والسنة, وبيان ذلك: لا خلاف بين المسلمين جميعا أن الله تعالى كان ولا شيء, معه لا عرش ولا كرسي ولا سماء ولا أرض, ثم خلق الله تعالى الخلق. كما سيأتي في حديث عمران بن حصين.

стр. 50

فإذا كان كذلك فمما لا شك فيه؛ أن مخلوقاته تعالى, إما أن يكون خلقها في ذاته تعالى فهي حالة فيه, وهو حال فيها وهذا كفر لا يقول به مسلم, وإن كان هو لازم مذهب الجهمية وغلاة الصوفية الذين يقول قائلهم: "كل ما تراه بعينك فهو الله" تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإذا كان الأمر كذلك, فمخلوقاته تعالى بائنة عنه غير مختللطة به. وحينئذ فإما أن يكون الله تعالى فوق مخلوقاته, وإما أن تكون مخلوقاته فوقه تعالى وهذا باطل بداهة فلم يبق إلا أن الله ﵎ فوقها, وهو المطلوب المقطوع ثبوته في الكتاب والسنة, وأقوال السلف ومن جاء بعدهم من الأئمة على اختلاف اختصاصاتهم, ومذاهبهم كما ستراه مفصلا في الكتاب إن شاء الله تعالى. ومن هنا نعلم مبلغ ضلال الجهمية ومن تأثر بهم من الخلف الذين أنكروا جميعا أن يكون الله تعالى على عرشه فوق خلقه, ثم انقسم هؤلاء على مذهبين: الأول: مذهب الجهمية الذين ذهبوا إلى أن الله تعالى في كل مكان مخلوق ١. وقد جادلهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فأحسن جدالهم وكشف به عوارهم, فقال في رسالة "الرد على الجهمية"١: "وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان, ولا يكون في مكان دون مكان, فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل: أ- إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه كفر, حين زعم أن الجن

стр. 51

والإنس والشياطين وإبليس في نفسه! ب- وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه, ثم دخل فيهم, كفر أيضا, حن زعم أنه دخل في كل مكان وحش وقذر. ج- وإن قال خلقهم خارجا من نفسه, ثم لم يدخل فيهم. رجع عن قوله أجمع, وهو قول أهل السنة"١. والمذهب الآخر قول بعض غلاة النفاة للعلو: "الله, لا فوق, ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف لا داخل العالم ولا خارجه" "٢" ويزيد بعض فلاسفتهم: " لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه"! قلت: وهذا النفي معناه -كما هو ظاهر- أن الله غير موجود, وهذا هو التعطيل المطلق, والجحد الأكبر, تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وما أحسن ما قال محمود بن سبكتكين لمن وصف الله بذلك: ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم! " ذكره في "التدمرية" "ص٤١". وهذان المذهبان الباطلان أحدهما -ولا بد- لازم لكل من أنكر صفة العلو لله على عرشه, كما سبق بيانه. وإن مما يؤسف له شديد الأسف أن المذهب الأول منهما هو السائد اليوم على ألسنة الناس في هذه البلاد عامتهم وخاصتهم فما تكاد تجلس في مجلس يذكر الله فيه, إلا بادرك بعض الجالسين فيه بقوله: "الله موجود في كل مكان"! وقد يقول آخر: "الله موجود"! في كل الوجود" فإذا سارعت إلى بيان

стр. 52

بطلان هذا الكلام, لما فيه من نسبة ما لا يجوز إلى الله من كونه مظروفا لخلقه, وما فيه من المخالفة لصفة علوه على عرشه سارع بعض المتعالمين إلى تأويل ذلك القول بضم جملة "بعلمه" إليه. كأنما هو آية من كتاب الله, أو حديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا بد من تأويله! ولم يدر هؤلاء المساكين أنها كلمة الجهمية والمعتزلة وعقيدتهم على ما يدل عليه ظاهر هذا القول دون أي تأويل, فإذا سمعت تأويلهم إياه بقولهم "بعلمه" ظننت خيرا, ولكن سرعان ما يخيب ظنك حينما توجه السؤال الموروث عن النبي المعصوم الكاشف عن إيمان المرء أو مبلغ معرفته بالله تعالى أو العكس ألا وهو قوله ﷺ للجارية: "أين الله" قالت: في السماء. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" - فأنت إذا وجهت مثل هذا السؤال إلى العامة والخاصة وجدتهم يحملقون بأعينهم مستنكرين إياه جاهلين أو متجاهلين أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هو الذي سنه لنا ثم تراهم مع ذلك حيارى لا يدرون بماذا يجيبون كأن الشريعة الإسلامية لم تتعرض لبيانه مطلقا لا في الكتاب ولا في السنة مع أن الأدلة فيهما متواترة على أن الله تعالى في السماء. ولذلك فالجارية لما أجابت على السؤال بقولها: في السماء شهد لها النبي ﷺ بأنها مؤمنة لأنها أجابت بما هو معروف في الكتاب والسنة فيا ويح من لا يشهد له الرسول ﷺ بالإيمان ويا ويل من يأبى بل يستنكر ما جعله ﷺ دليلا على الإيمان وهذا والله من أعظم ما أصاب المسلمين من الانحراف عن عقيدتهم أن لا يعرف أحدهم أن ربه الذي يعبده ويسجد له أهو فوق خلقه أم تحتهم بل لا يدري إذا كان خارجا عنه أو في داخله حتى صدق فيهم قول بعض المتقدمين من أهل العلم: أضاعوا معبودهم وهم مع ذلك لم يبلغوا في الضلال شأن أولئك الذين حكموا عليه بالعدم حين قالوا: "لا فوق ولا تحت ... " إلخ فحق فيهم قول بعضهم: "المعطل يعبد عدما والمجسم يعبد صنما ". يشير بذلك إلى الجهمية المعطلة النفاة وإلى المجسمة الممثلة الذين يثبتون الصفات مع التجسيم والتشبيه والحل وسط بينهما كما تقدم ومع خطورة هذه المسألة وبالغ أهميتها, وشدة الخلاف القائم فيها بين أهل السنة من جهة, والجهمية والمعتزلة وغيرهم من النفاة من جهة أخرى حتى

стр. 53

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الجيوش الإسلامية" "ص٩٦": "بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام". أقول: مع هذا كله, نرى أغلب الدعاة الإسلاميين اليوم, لا يقيمون لهذه المسالة ولا لأمثالها من مسائل الاعتقاد وزنا, ولا يلقون لها بالا, فلا تسمع لها في محاضراتهم ولا في مجالسهم الخاصة فضلا عن العامة ذكرا, ويكتفون من المدعوين أن يؤمنوا إيمانا مجملا, ألا ترى إلى ذلك الدكتور الذي قال في مقدمة رسالة "باطن الإثم" وهو يرسم للمسلمين المتفرقين المتدابرين الدواء بزعمه: "وما أظن إلا أننا جميعا مؤمنون بالله إلها واحدا لا شريك له بيده الخير والملك وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"! نعم نحن مؤمنون بالله ... ولكن إيمان المؤمنين يختلف بعضه عن بعض أشد الاختلاف, وما نحن فيه من صفة العلو أوضح مثال, فإن كان الدكتور يعتقدها على طريقة السلف المثبتين لها بدون تشبيه ولا تعطيل, فالناس الذين وضع لهم هذه الرسالة لا يشاركونه في ذلك الاعتقاد, إن كان هو ليس شريكا لهم في اعتقادهم! فماذا يفيد هذا الإيمان وهو ليس على ما شرعه الله وبينه, وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام أبو محمد الجويني في مقدمة رسالته السابقة "الاستواء والفوقية" بعد أن ذكر الله تعالى ببعض صفاته كالسمع والبصر والكلام واليدين والقبضتين: "استوى على عرشه, فبان من خلفه, لا يخفى عليه منهم خافية علمه بهم محيط وبصره بهم نافذ, وهو في ذاته وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته, ولا يمثل بشيء من جوارح مبتدعاته. هي صفات لائقة بجلاله وعظمته, لا تتخيل كيفيتها الظنون, ولا تراها في الدنيا العيون. بل نؤمن بحقائقها وثبوتها, واتصاف الرب تعالى بها, وننفي عنها تأويل المتأولين, وتعطيل الجاحدين, وتمثيل المشبهين, تبارك الله أحسن الخالقين.

стр. 54

فبهذا الرب نؤمن, وإياه نعبد, وله نصلي ونسجد. فمن قصد بعبادته إلى إله ليست له هذه الصفات فإنما يعبد غير الله, وليس معبوده ذلك بإله ". والإمام الجويني رحمه الله تعالى حينما يقول ذلك, ويصدر هذا الحكم العدل على النفاة إنما تلقى ذلك عن أئمة السلف١, فسيأتي في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك قوله في الجهمية: "إنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء ". في ترجمة عباد بن العوام: "آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء, أرى أن لا يناكحوا أو يتوارثوا". ونحوه في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي, ووهب بن جرير, والقعنبي وأبو معمر القطيعي وغيرهم من الأئمة, لكنهم لا يكفرون بالجهم بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه كما سيأتي في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري. ولذلك فإني أعتب أشد العتب على الكتاب الإسلاميين اليوم -إلا القليل منهم- الذين يكتبون عن الإسلام كل شيء ما عدا العقيدة السلفية والطريقة المحمدية, وأخص بالذكر منهم أولئك الذين يتولون توجيه النشء الجديد إلى الإسلام, وتربيتهم بتربيته, وتثقيفهم بثقافته, فإنهم لا يحاولون مطلقا أن يوحدوا مفاهيمهم حول الإسلام الذي اختلف فيه أهله أشد الاختلاف, لا كما يظن بعض المغفلين منهم أو المتغافلين أن الخلاف بينهم في الفروع فقط دون الأصول, والأمثلة في ذلك كثيرة يعلمها من كان له دراسة في كتب الفرق, أو كان على علم بأفكار المسلمين اليوم, ويكفينا الآن مثالا على ما نحن فيه من البحث, ألا وهو علو الله على خلقه, فنحن تبعا للسلف نؤمن بها قاطعين جازمين, وغيرنا ينكرها أو يشك فيها تبعا للخلف والشك مما ينفي الإيمان بها قطعا ومع ذلك فنحن جميعا مؤمنون بالله ... كما قال ذلك الدكتور فأينا المؤمن حقيقة؟ أما الجواب فهو معروف لدى كل طائفة وإن كنا لسنا في

стр. 55

صدده, وإنما الغرض إبطال تلك الخرافة في الفروع فقط! والنصح بتثقيف الشباب المسلم في دينه أصولا وفروعا على ضوء الكتاب والسنة, ونهج السلف الصالح. وإني لن أنسى -ما حييت- تلك المناقشة التي كانت جرت منذ نحو عشر سنين في المدينة المنورة بيني وبين أحد الخطباء والوعاظ, الذين يحبون أن يتصدروا المجالس, ويستقلوا بالكلام فيها, فقد دخل علينا نحن في سهرة لطيفة جمعت نخبة طيبة من طلاب العلم من السلفيين أمثالي, فلم يقم له أحد من الجالسين سوى صاحب الدار مرحبا ومستقبلا, فصافح الشيخ الجالسين جميعا واحدا بعد واحد, مبتدئا بالأيمن فالأيمن, فأعجبني ذلك منه, حتى انتهى إلي وكنت آخرهم مجلسا, ولكني رأيت وقرأت في وجهه عدم الرضى بتركهم القيام له, فأحببت أن ألطف وقع ذلك عليه فبادرته متلطفا معه بقولي وهو يصافحني: عزيز بدون قيام يا أستاذ, كما يقولون عندنا بالشام في مثل هذه المناسبة, فأجاب وهو يجلس وملامح الغضب بادية عليه -بما معناه: لا شك أن القيام للداخل إكراما وتعظيما ليس من السنة في شيء, وأنا موافق لك على ذلك ولكننا في زمن أحاطت فيه الفتن بالمسلمين من كل جانب, وهي فتن تمس الإيمان والعقيدة في الصميم. ثم أفاض في شرح ذلك, وذكر الملاحدة والشيوعيين والقوميين وغيرهم من الكافرين فيجب أن نتحد اليوم جميعنا لمحاربة هؤلاء ودفع خطرهم عن المسلمين, وأن ندع البحث والجدال في الأمور الخلافية كمسألة القيام والتوسل ونحوهما! فقلت: رويدك يا حضرة الشيخ, فإن لكل مقام مقالا, فنحن الآن معك في مثل هذه السهرية الأخوية لم نجتمع فيها لبحث خاص, ولا لوضع الخطة لمعالجة المسائل الهامة من الرد على الشيوعيين وغيرهم, وأنت ما كدت تجلس بعد ثم إن طلبك ترك البحث في الأمور الخلافية هكذا على الإطلاق, لا أظنك تقصده, لأن الخلاف يشمل حتى المسائل الاعتقادية, وحتى في معنى شهادة أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. فأنت تعلم أن أكثر المشايخ اليوم يجيزون الاستغاثة بغير

стр. 56

الله تعالى. والطلب من الأموات وذلك مما ينافي معنى شهادة التوحيد عندنا جميعا -أشير إلى أنه في هذه المسألة معنا- فهل تريدنا أن لا نبحث حتى في تصحيح معنى الشهادة بحجة أن المسألة فيها خلاف؟!! قال: نعم. حتى هذا يجب أن يترك موقتا في سبيل تجميع الصفوف وتوحيد الكلمة, لدرء الخطر الأكبر: الإلحاد و ... قلت: وماذا يفيد مثل هذا التجمع -لو حصل- إذا لم يقم على أساس التوحيد وعدم الإشراك بالله . وأنت تعلم أن العرب في الجاهلية كانوا يؤمنون بالله تعالى خالقا, ولكنهم كانوا يكفرون بكونه الإله الحق ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ , فلم يفدهم إيمانهم ذلك شيئا, ولم ينجهم من محاربة الرسول إياهم. فقال: نحن نكتفي اليوم بجمع الناس تحت كلمة لا إله إلا الله. قلت: ولو بمفهوم خاطئ؟! قال: ولو أقول: فهذه المناقشة تمثل لنا في الحقيقة واقع كثير من الدعاة المسلمين اليوم, وموقفهم السلبي تجاه تفرق المسلمين في فهمهم للدين, فإنهم يدعون كل من ينتمي إليهم على أفكاره وآرائه, دون أن يحملوهم بالعلم والحجة من الكتاب والسنة على توحيدها, وتصحيح الخطأ منها, وجل اهتمامهم إنما هو في توجيههم إلى الأخلاق الإسلامية, وآخرون منهم, لا شغل لهم إلا تثقيف أتباعهم بالسياسة والاقتصاد, ونحو ذلك مما يدور عليه كلام أكثر الكتاب اليوم حوله, ونرى فيهم من لا يقيم الصلاة! ومع ذلك فهم جميعا يسعون إلى إيجاد المجتمع الإسلامي, وإقامة الحكم الإسلامي. وهيهات هيهات! إن مجتمعا كهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بدأ الدعاة بمثل ما بدأ به رسول الله ﷺ من الدعوة إلى الله, حسبما جاء في كتاب الله, وبينه رسول الله ﷺ . ومن البديهي, أن مثل هذه الدعوة لا يمكن النهوض بها, بعدما دخل فيها ما ليس منها من طريق الدس على النبي ﷺ باسم الحديث, والدس على تفسير القرآن باسم التأويل, فلا بد من الاهتام الجدي العلمي لتصفية المصدرين المذكورين مما دخل فيهما لنتمكن من تصفية الإسلام من مختلف الأفكار والآراء والعقائد المنتشرة في الفرق الإسلامية, حتى ممن ينتسب إلى السنة منهم. وأعتقد أن كل دعوة لا تقوم على هذا الأساس الصحيح من التصفوية فسوف لا

стр. 57

يكتب لها النجاح اللائق بدين الله الخالد. ولقد تنبه لهذا أخيرا بعض الدعاة الإسلامين, فهذا هو الأستاذ الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى, فإنه بعد أن قرر تحت عنوان "جيل قرآني فريد" أن هذه الدعوة أخرجت جيلا مميزا في تاريخ الإسلام كله, وفي تاريخ البشرية جميعه, وأنها لم تعد تخرج من ذلك الطراز مرة أخرى, تساءل عن السبب مع أن قرآن هذه الدعوة لا يزال وحديث الرسول وهديه العملي وسيرته الكريمة كلها بين أيدينا كما كانت بين يدي ذلك الجيل الأول ولم يغب إلا شخص رسول الله ﷺ ؟ فأجاب بأنه: "لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ حتميا لقيام الدعوة وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعوة للناس كافة, وما جعلها آخر رسالة, وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض إلى آخر الزمان". ثم نظر في سبب عدم تكرر المعجزة عدة عوامل طرأت, أهمها ما أشرنا إليه من اختلاف في طبيعة النبع فقال: "كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن, القرآن وحده, فما كان حديث رسول الله وهديه إلا أثرا من آثار ذلك النبع فعندما سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله قالت: كان خلقه القرآن١. كان القرآن وحده إذن هو النبع الذين يستقون منه, ويتكيفون به ويتخرجون عليه, ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة, ولا ثقافة, ولا علم, ولا مؤلفات, ولا دراسات كلا فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوربا تعيش عليه, أو على امتداده. وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها, وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم, وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك وحضارات أخرى قاصية

стр. 58

ودانية: حضارة الهند وحضارة الصين إلخ. وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها. كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة, فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجبل على كتاب الله وحده.. في فترة تكونه ... وإنما كان ذلك عن تصميم مرسوم ونهج مقصود. يدل على هذا القصد غضب رسول الله ﷺ وقد رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة من التوراة, وقوله: "إنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" ١. كان رسول الله ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب. خالص العقل. خالص التصور. خالص الشعور. خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي, الذي يتضمنه القرآن الكريم. ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده, فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد, ثم ما الذي حدث؟ اختلطت الينابيع! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم, وأساطير الفرس وتصوراتهم, وإسرائيليات اليهود, ولاهوت النصارى, وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات, واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم, وعلم الكلام, كما اختلط بالفقه والأصول أيضا. وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل, فلم يتكرر ذلك الجيل أبدا". ثم ذكر ﵀ عاملين آخرين ثم قال "ص١٧": "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية ... تصورات الناس وعقائدهم, عاداتهم وتقاليدهم, موارد

стр. 59

ثقافتهم, فنونهم وآدابهم, شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية, ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية وتفكيرا إسلاميا ... هو كذلك من صنع هذه الجاهلية. لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا, ولا يتضح تصور الإسلام في عقولنا, ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة. فلابد إذن في منهج الحركة الإسلامية أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها, ونستمد منها. لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال. النبع المضمون الذي لم يختلط ولم تشبه شائبة, نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق: وجود الله سبحانه ... ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة وقيمنا وأخلاقنا, ومفاهيمنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة. ثم لا بد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية, والتقاليد الجاهلية والتقاليد الجاهلية في خاصة نفوسنا ... ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له, فهو بهذه الصفة ... صفة الجاهلية ... غير قابل لأن نصطلح معه. إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولا لنغير هذا المجتمع أخيرا. وسنلقى في هذا عنتا ومشقة, وستفرض علينا تضحيات باهظة, ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي ونصره على منهج الجاهلية ". من أجل ذلك كان لا بد للعاملين من أجل الدعوة الإسلامية أن يتعاونوا جميعا على الخلاص من كل ما هو جاهلي مخالف للإسلام, ولا سبيل إلى ذلك إلا

стр. 60

بالرجوع إلى الكتاب والسنة, كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي, ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ". فإذا هم فعلوا ذلك فقد وضعوا الأساس لقيام المجتمع الإسلامي وبدونه لا يمكن أن تكون لهم قائمة, أو تنشأ لهم دولة مسلحة. وإني لأعجب أشد العجب من بعض الكتاب والدكاترة الذين يؤلفون في معالجة بعض أمراض النفوس, كمؤلف رسالة "باطن الإثم الخطر الأكبر في حياة المسلمين" ثم لا يقنع بذلك حتى يكشف عن جهل كبير بالخطر الحقيقي الذي يحيط بالمسلمين وهو ما أشار إليه الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى- في كلامه المتقدم: فإن الدكتور المشار إليه لم تعجبه هذه الحقيقة, فأخذ يغمز منها ومن المذكر بها تحت عنوان له في الرسالة المذكورة "ص٨٥": " مشكلتنا أخلاقية وليست فكرية ". قال: " ومعنى كل هذا الذي ذكرناه أننا نعاني من مشكلة تتعلق بالخلق والوجدان وليس لها أي تعلق بالقناعة أو الفكر " كذا قال! ثم تعجب من الناس الذين يشعرون بمشكلته, ويتنبهون إلى ما سماه بالخطر الأكبر في حياة المسلمين, ولكنهم بدلا من أن يعالجوه بالسبل التي ذكرها هو في رسالة يعالجونه بمزيد من الأبحاث الفكرية ... ثم قال مشيرا إلى كلام سيد قطب ﵀: " فماذا يجدي أن نسهب في شرح "المجتمع الجاهلي" أو نتفنن في كشف المخطات العدوانية التي يسير عليها أعداء الإسلام وأرباب الغزو الفكري, أو نهتم بعرض المزيد من منهجية الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية, وأن البلاء الذي يعانيه المسلمون ليس الجهل بشيء من هذا كله "١""" وإنما هو المرض العضال الذي يستحكم بنفوسهم"؟!

стр. 61

ليس بالمسلمين حاجة بعد اليوم إلى أي مزيد من هذه الدراسات الفكرية, فالمسلمون على اختلاف ثقافاتهم أصبحوا يملكون من الوعي في هذه النواحي ما يتيح لهم الحصانة الكافية لو أن الأمر كان موكولا إلى الوعي وحده. وإنما هم بحاجة بعد اليوم إلى القوة الهائلة التي تدفع إلى التنفيذ, وهيهات أن يكون أمر التنفيذ بيد الفكر أو العقل وحده. والقوة الهائلة التي يحتاجوها إنما هي قوة الأخلاق". هكذا يقول الدكتور العليم "! " وفي كلامه من المغالطات والخطيئات ما لا يتسع المجال لبسط القول في بيانها, فإن أحدا من الإسلاميين لا يتصور أن يقول أن الوعي والفكر وحده يكفي لحل المشكلة, خلافا لما أوهمه كلامه, ولكن المشكلة التي أنكرها الدكتور هي الأصل لقوة الأخلاق ألا وهو الإيمان والتوحيد الصحيح والعقيدة الصحيحة, ولذلك كانت الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم أول ما يبدؤون من الدعوة إنما هو توحيد الله , فلم يكونوا يعالجون بادئ الأمر المشاكل الأخلاقية ولا الاقتصادية وغير ذلك مما افتتن بمعاجلته كثير من الكتاب اليوم مع الغفلة عن المشكلة الأساسية, وهي انحراف الكثير من المسلمين اليوم وما قبل عن العقيدة الصحيحة, ولكتب الكلام التي يسمونها بكتب التوحيد ضلع كبير في ذلك, وأنا أسأل الدكتور العليم سؤالا واحدا: هل يمكن لفرد أو أفراد أو جماعة أو أمة أن يحظوا بالقوة الهائلة التي يحتاجونها اليوم وهي قوة الأخلاق إذا كانت عقيدتهم غير صحيحة فإذا أجاب بعدم الإمكان فنسأله فهل الذي يعلمه هو أن هناك أمة مسلمة لا تزال عقيدتهم صحيحة, كما كانت عليه في عهد السلف على الرغم من أن فيهم من هو على عقيدة المعتزلة النفاة والجبرية وغلاة المتصوفة الذي منهم اليوم, وفي بلدنا خاصة من يقول بأن المسلم ليس بحاجة إلى أن يتعلم الكتاب والسنة والعلوم التي تساعد على فهمهما, وإنما يكفي في ذلك تقوى الله ويحتجون من القرآن بما هو حجة

стр. 62

عليهم لو كانوا يعلمون كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ وبناء على ذلك ينكرون كثيرا من الحقائق الشرعية كالشفاعة الثابتة للأنبياء والرسل وبخاصة نبينا مُحَمَّدٍ ﷺ , ونزول عيسى وخروج الدجال وغير ذلك كثير, وفي مصر والهند أناس يسمون بالقرآنيين الذين يفسرون القرآن دون الاستعانة على تفسيره بأحاديث النبي ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين, بل وبدون التزام للقواعد العلمية العربية. فإن أجاب الدكتور بأن عقيدة المسلمين اليوم هي كما كانت في عهد السلف, فنسأله هل هذا الذي ذكرته من العقائد الباطلة موجود اليوم وفي بلده خاصة, فإن أجاب بالإيجاب كما هو الظن به, فكيف يتجرأ على القول المتقدم: "ليس بالمسلمين حاجة بعد إلى أي مزيد من هذه الدراسات الفكرية, فالمسلمون اليوم على اختلاف ثقافاتهم أصبحوا يملكون من الوعي في هذه النواحي ما يتيح لهم الحصانة الكافية"؟! وإذا كابر وجحد ورجع إلى القول بأن المسلمين فيهم الخير والبركة من هذه الحيثية سقطت مخاطبته لأن الأمر كما قال الشاعر: وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلٍ وأخيرا لا بد من أن أواجه إلى حضرة الدكتور السؤال الذي يكشف له إن شاء الله عن خطئه الذي وضع له ذلك العنوان الخاطئ إن كان لم يتبين له حتى الآن, نحن نسألك بسؤال الرسول ﷺ للجارية: أين الله؟ فإن أجبت بالجواب الذي نؤمن به وجعله الرسول ﷺ دليل إيمان الجارية ألا وهو قولنا: في السماء وفهمه على الوجه الذي فهمه السلف أنه ﵎ على العرش, فقد أصبت الحق, واتفقت معنا في هذه المسألة التي علاقتها بالأفكار والعقائد, وليس بالأخلاق! ولكنك في الوقت نفسه خالفت جماهير المسلمين حتى المشايخ والأساتذة والدكاترة الذين درست عليهم الشريعة, فإنهم لا يوافقونك على هذا الجواب الحق, وما عهدك بالكوثري وأبي زهرة ببعيد.

стр. 63

وإن أنت أنكرت توجيه هذا السؤال الذي سنه لنا الرسول ﷺ وأبيت أن تجيب عليه بجواب إيجابي, أو أجبت بجواب المعتزلة: الله موجود في كل مكان. وهذا معناه القول باتحاد الخالق والمخلوق, وهو الكفر بعينه, أو تجيب بما في "الجوهرة" وحاشيتها وغيرها من كتب الكلام التي درستها وتثقفت بثقافتها حتى "أصبحت تملك من الوعي ما ينسج لك الحصانة الكافية"! فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة كما سبق أن أشرنا إلى بعض النقول عن بعض الأئمة الموثوق بهم عندنا جميعا ونحن على مذهبهم في ذلك وباختصار فسواء كنت معنا أو ضدنا في هذه العقيدة, فكل من الطائفتين يمثل ملايين المسلمين منذ مئات السنين حتى اليوم, وفي الطائفة التي تؤمن بالسؤال والجواب الوارد في الحديث المشار إليه آنفا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن قيم الجوزية, وجميع إخواننا الحنابلة اليوم الذي هم من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وكل من الطائفتين هم بلا شك مما يشملهم ظنك الواسع الذي عبرت عنه بقولك في الرسالة السابقة "ص٩": " وما أظن إلا أننا جميعا مؤمنون بالله إلها واحدا لا شريك له بيده الخير ... " وأما أنا فأعتقد أن كلا من الطرفين إذا تمسك بآداب الإسلام سيقول بلسان حاله أو قاله للطائفة المخالفة: "وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين". والدكتور يعلم فيما أعتقد أن إحدى الطائفتين أيا كانت فهي على ضلالة, وليس هي, بلا شك من حيث الخلق, وإنما من جهة الفكرة والعقيدة وكل من الطائفتين يمثل ملايين المسلمين اليوم في هذه المسألة وغيرها من مسائل الاعتقاد, أفليس هؤلاء المختلفون بحاجة يا دكتور إلى الدراسات الفكرية, ولا أقول كما قلت: "إلى مزيد من الدراسات الفكرية"؟! لأن الإنسان العاقل يطمع في المزيد عندما يجد المزيد عليه فكيف وهو مفقود أو في حكم المفقود,

стр. 64

فهو يطمع فيه ثم في المزيد عليه! أليس هؤلاء جميعا بحاجة ملحة إلى تلك الدراسات حتى يتبين الحق للطائفة الضالة أيا كانت هذه الطائفة, فتنضم إلى الطائفة المحقة, وتزداد هذه إيمانا على إيمان بحقها وصوابها, ومعرفة بملتها والدعوة إليها, وبذلك نسير إلى المجتمع الإسلامي المنشود, وهو لا ينافي إذا قام به بعض الدعاة, أن يقوم آخرون بمعالجة أمراض النفوس وأخلاقها كما فعل الدكتور في رسالته السابقة الذكر "باطن الإثم" ولكن بشرط أن لا ينكر على الأولين جهادهم الأكبر ولا أن يدعوهم بأن يسلكوا سبيلهم في معالجة المشكلة المدعاة "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات".

стр. 65

باب: شبهات وجوابها الشبهة الأولى: التشبيه ... شبهات وجوابها: لقد اشتهر عند الخلف نسبة كل من يثبت الفوقية لله تعالى إلى أنه مشبه أو مجسم, أو إلى أنه ينسب لله الجهة والمكان. فهذه ثلاثة أمور لا بد من إزالة الشبه عنها. الشبهة الأولى: التشبيه. يمكن أخذ الإجابة عن هذه الشبهة مما تقدم من النقول عن الأئمة, ومما سنراه في نصوص الكتاب الآتية, أذكر الآن بعضها: ١- قال نعيم بن حماد الحافظ: من شبه الله بخلقه, فقد كفر, ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر, وليس ما وصف به نفسه, ولا رسوله تشبيهاً. ٢- قال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد مثل يدي أو سمع كسمعي فهذا تشبيه, وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر فلا يقول: كيف ولا يقول: مثل, فهذا لا يكون تشبيها, قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ولو كان إثبات الفوقية لله تعالى معناه التشبيه, لكان كل من أثبت الصفات الأخرى لله تعالى ككونه حيا قديرا سميعا بصيرا مشبها أيضا, وهذا ما لا يقول به مسلم ممن ينتسبون اليوم إلى أهل السنة والجماعة خلافا لنفات الصفات والمعتزلة وغيرهم قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" "٢/ ٧٥": "فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفات الصفات يجعلون كل من أثبتها مجسما مشبها, ومن هؤلاء من يعد من المجسمة والمشبهة الأئمة المشهورين كمالك والشافعي وأحمد وأصحابهم, كما ذكر ذلك أبو حاتم صاحب كتاب "الزينة" وغيره.

стр. 66

وشبهة هؤلاء أن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى ويقولون: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق, ويقولون: إن الله يرى في الآخرة". هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم. ثم قال ص٨٠: "والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء, لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, ولكن لفظ التشبيه في كلام الناس لفظ مجمل, فإن أراد بنفي التشبيه ما نفاه القرآن, ودل عليه العقل فهذا حق, فإن خصائص الرب تعالى لا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته.., وإن أراد بالتشبيه أنه لا يثبت لله شيء من الصفات, فلا يقال له علم, ولا قدرة ولا حياة, لأن العبد موضوف بهذه الصفات فيلزم أن لا يقال له: حي, عليم, قدير لأن العبد يسمى بهذه الأسماء, وكذلك في كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك, وهم يوافقون أهل السنة على أن الله موجود حي عليم قادر, والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قادر, ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه".

стр. 67

الشبهة الثانية: الجهة والجواب عنها ما قاله ابن تيمية في "التدمرية" "ص٤٥": قد يراد بـ"الجهة" شيء موجود غير الله, فيكون مخلوقا كما إذا أريد بـ"الجهة" نفس العرش, أو نفس السماوات, وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى, كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه, كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك, وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق, والخالق مباين للمخلوق, ليس في مخلوقاته شيء من ذاته, ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.

стр. 68

فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات, أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة. أتريد بذلك أن الله فوق العالم, أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق, وإن أردت الثاني فهو باطل " ومنه يتبين أن لفظة الجهة غير وارد في الكتاب والسنة وعليه فلا ينبغي إثباتها, ولا نفيها, لأن في كل من الإثبات والنفي ما تقدم من المحذور, ولو لم يكن في إثبات الجهة إلا إفساح المجال للمخالف أن ينسب إلى متبني العلو ما لا يقولون به, لكفى. وكذلك لا ينبغي نفي الجهة توهما من أن إثبات العلو لله تعالى يلزم منه إثبات الجهة, لأن في ذلك محاذير عديدة منها نفي الأدلة القاطعة على العلو له تعالى. ومنها نفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة, فصرح بنفيها المعتزلة, والشيعة, وعلل ابن المطهر الشيعي في "منهاجه" النفي المذكور بقوله: "لأنه ليس في جهة"! وأما الأشاعرة أو على الأصح متأخروهم الذين أثبتوا الرؤية فتناقضوا حين قالوا: "إنه يرى لا في جهة" يعنون العلو قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" "٢/ ٢٥٢": " وجمهور الناس من مثبتة الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول هؤلاء معلوم الفساد بضرورة العقل, كقولهم في الكلام, ولهذا يذكر أبو عبد الله الرازي أنه لا يقول بقولهم في مسألة الكلام والرؤية أحد من طوائف المسلمين. ثم أخذ يرد على النفاة من المعتزلة والشيعة بكلام رصين متين فراجعه فإنه نفيس. وجملة القول في الجهة أنه إن أريد به أمر وجودي غير الله كان مخلوقا, والله تعالى فوق خلقه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات, فإنه بائن من

стр. 69

المخلوقات, كما سيأتي في الكتاب عن جمع من الأئمة. وإن أريد بـ"الجهة" أمر عدمي, وهو ما فوق العالم, فليس هناك إلا الله وحده. وهذا المعنى الأخير هو المراد في كلام المثبتين للعلو والناقلين عن السلف إثبات الجهة لله تعالى كما في نقل القرطبي عنهم في آخر الكتاب. وقال ابن رشد في "الكشف عن مناهج الأدلة" "ص٦٦": " القول في الجهة" وأما هذه الصفة لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه, حتى نفتها المعتزلة, ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله, وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: "ثم ذكر بعض الآيات المعروفة ثم قال" إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا, وإن قيل فيها إنها من المتشابهات, عاد الشرع كله متشابها, لأن الشرائع كلها متفقة على أن الله في السماء, وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ... ".

стр. 70

الشبهة الثالثة: المكان وإذا عرفت الجواب عن الشبهة السابقة "الجهة", يسهل عليك فهم الجواب عن هذه الشبهة وهو أن يقال: إما أن يراد بالمكان أمر وجودي, وهو الذي يتبادر لأذهان جماهير الناس اليوم, ويتوهمون أنه المراد بإثباتنا لله تعالى صفة العلو. فالجواب: أن الله تعالى منزه عن أن يكون في مكان بهذا الاعتبار, فهو تعالى لا تحوزه المخلوقات إذ هو أعظم وأكبر, بل قد وسع كرسيه السموات والأرض, وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ , وثبت في "الصحيحين" وغيرهما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "يقبض الله

стр. 71

بالأرض, ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ". وأما أن يراد بالمكان أمر عدمي وهو ما وراء العالم من العلو, فالله تعالى فوق العالم وليس في مكان بالمعنى الوجودي, كما كان قبل أن يخلق المخلوقات. فإذا سمعت أو قرأت عن أحد الأئمة والعلماء نسبة المكان إليه تعالى. فاعلم أن المراد به معناه العدمي, يريدون به إثبات صفة العلو له تعالى, والرد على الجهمية والمعطلة الذين نفو عنه سبحانه هذه الصفة, ثم زعموا أنه في كل مكان بمعناه الوجودي, قال العلامة ابن القيم في قصيدته "النونية" - "٢/ ٤٤٦-٤٤٧ - المطبوعة مع شرحها "توضيح المقاصد" طبع المكتب الإسلامي " والله أكبر ظاهر ما فوقه ... شيء وشأن الله أعظم شان والله أكبر عرشه وسع السما ... والأرض والكرسي ذا الأركان وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ... ق السبع والأرضين بالبرهان والله فوق العرش والكرسي ... لا تخفى عليه خواطر الإنسان لا تحصروه في مكان إذ تقو ... لوا: ربنا حقا بكل مكان نزهمتوه بجهلكم عن عرشه ... وحصرتموه في مكان ثان لا تعدموه بقولكم: لا داخل ... فينا ولا هو خارج الأكوان الله أكبر هتكت أستاركم ... وبدت لمن كانت له عينان والله أكبر جل عن شبه وعن ... مثل وعن تعطيل ذي كفران إذا أحطت علما بكل ما سبق, استطعت بإذن الله تعالى أن تفهم بيسر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية, والآثار السلفية التي ساقها المؤلف ﵀ في هذا الكتاب الذي بين يديك "مختصره" أن المراد منها إنما هو معنى معروف ثابت لائق به تعالى ألا وهو علوه سبحانه على خلقه واستواؤه على عرشه على ما يليق بعظمته, وأنه مع ذلك ليس في جهة ولا مكان, إذ هو خالق كل

стр. 72

شيء, ومنه الجهة والمكان, وهو الغني عن العالمين وأن من فسرها بالمعنى السلبي, فلا محذور منه, إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما, لعدم ورودهما في الكتاب والسنة, فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظأ, إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى, وإلا فهو مخطئ معنى أيضا إن أراد به حصره تعالى في مكان وجودي, أو تشبيهه تعالى بخلقه. وكذلك لا يجوز نفي معناهما إطلاقا إلا مع بيان المراد منهما لأنه قد يكون الموافق للكتاب والسنة, لأننا نعلم بالمشاهدة أن النفاة لهما إنما يعنون بهما نفي صفة العلو لله تعالى من جهة, ونسبة التجسيم والتشبيه للمؤمنين بها, ولذلك ترى الكوثري في تعليقاته يدندن دائما حول ذلك, بل يلهج بنسبة التجسيم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كل مناسبة, ثم تابعه على ذلك مؤلف "فرقان القرآن" في مواطن منه, قال في أحدها "ص٦١" أن ابن تيمية شيخ إسلام أهل التجسيم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . واتهام أهل البدع وأعداء السنن أهل الحديث بمثل هذه التهم قديم, منذ أن نشب الخلاف بينهم في بعض مسائل التوحيد والصفات الإلهية, وسترى في ترجمة الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى قوله: " وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر, وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة, وعلامة القدرية "المعتزلة" أن يسموا أهل السنة مجبرة, وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية". وإن افتراءهم على شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال بعد أن روى قوله " ﷺ ": "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ... " كنزولي هذا, معروف وقد بين بطلان هذه الفرية شيخي في الإجازة الشيخ راغب الطباخ في بعض أعداد مجلة المجمع العلمي بدمشق, ثم صديقنا العلامة الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار في كتابه "ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية".

стр. 73

ومن أسوأ ما افتراه بعضهم على الإمام شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الأنصاري ما ذكره الحافظ المؤلف في ترجمته من "تذكرة الحفاظ" "٣/ ٣٥٨": " لما قدم السلطان ألب أرسلان "هراة" في بعض قدماته, اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه, ودخلوا على أبي إسماعيل, وسلموا عليه وقالوا: ورد السلطان, ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه, فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك, وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنما من نحاس صغيرا, وجعلوه في المحراب, تحت سجادة الشيخ, وخرجوا, وقام إلى خلوته, ودخلوا إلى السلطان, واستغاثوا من الأنصاري لأنه مجسم, وأنه يترك في محرابه صنما يزعم أن الله على صورته "" وإن بعث السلطان يجده فعظم ذلك على السلطان وبعث غلاما ومعه جماعة فدخلوا الدار وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم ورجع الغلام بالصنم فبعث السلطان من أحضر الأنصاري فأتى فرأى الصنم والعلماء والسلطان قد اشتد غضبه. فقال السلطان له : ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبهة اللعبة. قال: لست عن هذا أسألك. قال: فعم تسألني؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا وأنك تقول إن الله على صورته فقال الأنصاري بصولة وصوت جهوري: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه فأمر به فأخرج إلى داره مكرما وقال لهم اصدقوني -وهددهم- فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بلية من استيلائه علينا بالعامة فأردنا أن نقطع شره عنا فأمر بهم ووكل "لعله: فكل" بكل واحد منهم وصادرهم " وختاما أنقل إلى القراء الكرام فصلا نافعا من كلام الإمام أبي محمد الجويني في آخر رسالة "الإستواء والفوقية" في تقريب هذه المسألة إلى الأفهام بمعنى من علم الهيئة والفلك لمن عرفه قال: " لا ريب أن أهل العلم حكموا بما اقتضته الهندسة, وحكمها صحيح لأنه ببرهان, لا يكابر الحسن فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي, وأنكرة

стр. 74

الأرض في وسط السماء كبطيخة في جوف بطيخة, والسماء محيطة بها من جميع جوانبها, وأن سفل العالم هو جوف كرة الأرض, وهو المركز, وهو منتهى السفل والتحت, وما دونه ولا يسمى تحتا بل لا يكون تحتا ويكون فوقا, بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق١. وبرهان ذلك أنا لو فرضا مسافرا سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب, وامتد مسافرا لمشى مسافرا على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير, وقطع الكرة مما يراه الناظر أسفل منه, وهو في سفره هذا لم يبرح الأرض تحته, والسماء فوقه, فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض, لا تحتها, لأن السماء فوق الأرض بالذات, فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها. قال: " وإذا كان هذا جسم وهو السماء -علوها على الأرض بالذات فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ... لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له, فهو العلي بالذات, والعلو صفته اللائقة به, كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه. والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه هو سبحانه علي بالذات وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات وهو سبحانه العلي على عرشه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج الأمر إليه فيحيي هذا ويميت هذا ويمرض هذا ويشفي هذا ويعز هذا ويذل هذا وهو الحي القيوم القائم بنفسه وكل شيء قائم به.

стр. 75

فرحم الله عبدا وصلت إليه هذه الرسالة, ولم يعالجها بالإنكار, وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل [وأطراف] النهار, وتأمل النصوص في الصفات وفكر بعقله في نزولها, وفي المعنى الذي نزلت له, وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات؟ ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب تعالى بها والتوجه إليه منها وإثباتها له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته, بلا تأويل ولا تعطيل, ولا تكييف ولا تمثيل, ولا جمود ولا وقوف. وفي ذلك بلاغ لمن تدبر, وكفاية لمن استبصر, إن شاء الله تعالى". وقال رحمه الله تعالى وأثابه خيرا مبينا أثر هذه العقيدة في قلب المؤمن بها: " العبد إذا أيقن أن الله فوق السماء, عال على عرشه بال حصر ولا كيفية, وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه, صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه؛ فإنه يبقى ضائعا لا يعرف وجهة معبوده, لكن لو عرف بسمعه وبصره وقدمه , وتلك بلا هذا [الإيقان] معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء, فإذا دخل في الصلاة وكبر, توجه قلبه إلى جهة العرش منزها ربه تعالى عن الحصر مفردا له, كما أفرده في قدمه وأزليته, عالما أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا, ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها, لأنا محدثون, والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة, فتقع تلك الإشارة إلى ربه, كما يليق بعظمته, لا كما يتوهم هو من نفسه, ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه, هو معهم بعلمه وسمعه وبصره, وإحاطته وقدرته ومشيئته, وذاته فوق الأشياء, فوق العرش, ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه, واستنار, وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان, وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه فانشرح لذلك صدره وقوي إيمانه ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول وذاق حينذاك شيئا من أذواق السابقين المقربين بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده وتكون الجاذبة راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: "في السماء" عرفته بأنه على السماء, فإن "في" تأتي بمعنى "على", فمن
следующие страницы →