المقدمة
مقدمة الطبعة الثانية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية:
نفدت الطبعة الأولى منذ سنوات, ظهر فيها عدد لا بأس به من المؤلفات العربية والأجنبية التي تعالج بعض أو جل موضوعات هذا الكتاب؛ غير أنها جميعًا لم تغير شيئًا من الحقائق الواردة فيه، وما زلت أعتقد أنه -في منهجه ومحتواه- يمثل الإطار العام الذي ينبغي أن يلم به كل من يريد التعرف على التاريخ القديم لإقليم الشرق الأدنى بصفة عامة, وفي سهولة ويسر دون التعرض لتفصيلات لا جدوى منها لغير المتخصصين تخصصًا دقيقًا.
وما أن شرعت في إعادة طبعه؛ حتى أخذت في إعادة النظر فيه؛ لأن من المألوف ألا يرضى الإنسان عما ينتجه إذا ما أتيحت له فرصة التأمل فيه؛ لذا وجدت أن أجري فيه بعض التعديلات كي يصبح -من وجهة نظري على الأقل- أكثر ملاءمةً للغرض الذي وضع من أجله.
وقد يؤخذ على هذا الكتاب أنه خصص جزءًا لا بأس به عن العصور قبل التاريخية مع أن موضوعها -في نظر الكثيرين- حضاري في جملته ولكن
стр. 2
دراسة هذه العصور ما زالت هي الوسيلة الوحيدة للتعرف على تاريخ الإنسان قبل معرفته للكتابة؛ ولذا كان لا بد من التعرض لها.
كذلك قد يرى البعض أنه لم يأخذ بالاتجاه الجديد في نطق أسماء الملوك والحكام, وخاصة فراعنة مصر وملوك فارس؛ إلا أن هذا الاتجاه لم يستقر بعد وما زال الكثيرون يفضلون التمسك بالنطق المألوف لديهم؛ ولذا فقد التزمته حتى لا يلتبس الأمر على بعض القراء.
وأرجو أن يكون في هذا الكتاب ما يفي بالغرض, والله ولي التوفيق.
د/ محمد أبو المحاسن عصفور.
стр. 3
مقدمة الطبعة الأولى:
لست أزعم أن هذا الكتاب يخرج في صورة مرضية حتى لنفسي؛ ولكنني أعتقد أنه كان ضرورة أوجبتها ظروف عملي؛ فرغم وجود عدد لا بأس به من المطبوعات العربية التي تتناول بعض موضوعه أو معظمه بالدراسة "سواء كانت تأليفًا أو ترجمة"؛ إلا أنني أرى أننا ما زلنا في حاجة إلى الكثير من المطبوعات العربية التي تعرض لدراسة تاريخ الشرق الأدنى القديم دراسة عامة؛ ليتسنى لقارئ العربية أن يجد بين يديه ما يوضح له تاريخ هذا الجزء الذي نعيش فيه من العالم.
ومع أن إتقان اللغات الأجنبية أمر توجبه نهضتنا الحديثة وفي مؤلفاتها ما يمكن أن يجد فيه القارئ بغيته للتعرف على هذا التاريخ؛ إلا أن ما يتوخاه عالمنا الحديث من السرعة في إنجاز كل الأمور يستدعي أن يكون بين يدي طلابنا -بل وقرائنا العاديين- مؤلفات بلغتهم يسهل عليهم الرجوع إليها للبحث في مختلف العلوم أو خطوطها العريضة على الأقل دون التعرض لما دار وما يدور حولها من مناقشات وجدل، وقد أردت لكتابي هذا ألا يخرج عن هذا الحيز العام, وإنني لعلى يقين من أنه يفي بهذا الغرض؛ ولكنه لا يغني دارس التاريخ عن قراءة غيره من الكتب الأخرى.
ودراسة التاريخ في مفهومها الحديث لا تعني سرد الأحداث التاريخية ذات الصبغة السياسية فحسب؛ بل يجب أن يتناول دارس التاريخ بالبحث كل ما يمر
стр. 4
على مسرح الحياة من مظاهر حضارية مختلفة, وأن يجعل من المكان الذي يدرس تاريخه مسرحًا يتعرض لكل ما فيه وما يدور به من أحداث بالدراسة والبحث خلال فترة أو فترات معينة؛ غير أنني أرى -من تجاربي الخاصة- أن تشعب هذه الدراسة يؤدي إلى تعقيدها أمام الطالب المبتدئ ويشتت أفكاره, وقد يعجز أو يزهد في دراسة التاريخ في كثير من الأحيان، كما أن الجمع بين هذه النواحي المختلفة في مؤلف واحد يكاد يكون أمرًا مستحيلًا؛ ولذا ما زلت أعتقد -وقد أكون مخطئا- أن دراسة التاريخ السياسي دراسة مستقلة عما عداها, تتيح للطلاب فرصة فهم المعالم الرئيسة للتاريخ الذي يدرسونة, وتهيئهم للجمع في دراستهم بين نواحيه المختلفة.
وأرجو أن يكون واضحًا أن هذا الكتاب يعد تنقيحًا للكتاب الذي سبق أن قدمته لطلاب جامعة البصرة "موجز تاريخ الشرق الأدنى البصرة ١٩٦٦" وقد أضفت إليه بعض الإضافات التي تراءت لي ضرورتها حاليًا, والله ولي التوفيق.
د. محمد أبو المحاسن عصفور
стр. 5
محتويات الكتاب
الموضوع الصفحة
مقدمة ٧
قائمة بالأشكال والجداول والخرائط ١٦
أهم الاختصارات ١٩
الفصل الأول
منهج التأريخ ٢١
الفصل الثاني
نشأة الحضارة وتطورها ٣١
الدور الحجري القديم الأسفل ٣٤
الدور الحجري القديم الأوسط ٣٨
بدء الاختلاف الحضاري ٣٩
التطور الحضاري والشرق الأدنى ٤٢
الفصل الثالث
مصر
أولًا- العصور قبل التاريخية ٥٢
أ- الدور الحجري القديم ٥٢
ب- الدور الحجري المتوسط ٥٨
جـ- الدور الحجري الحديث ٥٩
د- عصر ما قبل الأسرات ٧١
стр. 6
الموضوع الصفحة
ثانيًا- العصر التاريخي ٨٤
١- الدولة القديمة ٩٦
٢- عصر الاضمحلال الأول ١٢٣
٣- الدولة الوسطى ١٣٣
٤- عصر الاضمحلال الثاني ١٤٨
٥- الدولة الحديثة ١٥٧
٦- عصر الاضمحلال الثالث ٢٠٢
٧- عصر النهضة المؤقتة ٢٢٥
٨- عصر الفوضى الأخير ٢٣٠
الفصل الرابع
شبة جزيرة العرب ٢٣٨
العصر قبل التاريخي ٢٤٠
العصر التاريخي ٢٤٩
أولًا: القسم الجنوبي ٢٤٩
ثانيًا: القسم الشرقي ٢٦٠
الفصل الخامس
الإقليم السوري ٢٦٤
أولًا- العصور قبل التاريخية ٢٦٥
أ- العصر الحجري القديم ٢٦٥
ب- العصر الحجري المتوسط ٢٦٧
ج- العصر الحجري الحديث ٢٦٨
د- دور بداية استخدام المعادن ٢٦٨
стр. 7
الموضوع الصفحة
ثانيًا- العصور التاريخية ٢٧٠
أ- الدول التي أثرت في تاريخ سورية ٢٧٠
ب- الشعوب التي أثرت في تاريخ سورية ٢٧٤
أولًا- العناصر السامية ٢٧٤
أ- الأموريون ٢٧٦
ب- الكنعانيون أو الفينيقيون ٢٧٨
ج- الآراميون ٢٨٢
د- الشعب العبراني ٢٨٣
ثانيًا- العناصر غير السامية ٢٩٢
الحوريون والميتانيون ٢٩٢
الفصل السادس
آسيا الصغرى ٢٩٤
العصور قبل التاريخية ٢٩٧
الدور الحجري القديم ٢٩٧
الدور الحجري الحديث ٢٩٨
دور بداية استخدام المعادن ٢٩٩
العصر التاريخي ٣٠٤
الدولة القديمة ٣٠٧
عصر الإمبراطورية ٣١٠
الممالك الحيثية الجديدة ٣١٨
سكان غرب وجنوب هضبة الأناضول "الآخيون والطرواديون" ٣٢٢
الحيثيون في فلسطين ٣٢٧
стр. 8
الموضوع الصفحة
الفصل السابع
العراق ٣٢٩
العصور قبل التاريخية ٣٣١
١- العصر الحجري القديم ٣٣١
٢- العصر الحجري الحديث ٣٣٢
عصر بداية استخدام المعادن ٣٣٥
العصر التاريخي ٣٤١
١- السومريون ٣٤٦
٢- الساميون ٣٥٥
٣- عودة نفوذ السومريين "النهضة السومرية" ٣٥٩
٤- التنافس بين الأموريين والعيلاميين ٣٦٢
٥- مملكة أشنونا ٣٦٤
٦- البابليون ٣٦٦
٧- الأشوريون ٣٧٢
١- العهد الأشوري القديم ٣٧٤
٢- العهد الأشوري الوسيط ٣٧٦
٣- العهد الأشوري الحديث ٣٧٨
أ- الإمبراطورية الأشورية الأولى ٣٧٨
ب- الإمبراطورية الأشورية الثانية ٣٧٩
٨- العهد البابلي الأخير "المملكة الكلدانية" ٣٨٣
стр. 9
الموضوع الصفحة
الفصل الثامن
إيران ٣٨٧
العصور قبل التاريخية ٣٩٠
العصر الحجري القديم ٣٩٠
العصر الحجري المتوسط ٣٩٠
العصر الحجري الحديث ٣٩١
عصر بداية استخدام المعادن ٣٩٢
فترة التمهيد للعصر التاريخي في عيلام ٣٩٦
العصر التاريخي ٣٩٩
١- عيلام ٤٠١
٢- الإيرانيون: الميديون والفرس ٤٠٦
المبديون ٤٠٨
لإخمينيون ٤١٠
مراجع مختارة ٤١٣
فهرس أبجدي ٤٢٥
стр. 10
قائمة بالأشكال والرسوم:
الصفحة
١- تطور الكائنات والعائلة البشرية ٢٣
٢- فأس يدوية أبفيلية "شيلية" ٣٥
٣- فئوس يدوية أشولية ٣٦
٤- آلة موستيرية ٣٨
٥- مدرجات النيل ٤٥
٦- آلات أبفيلية "شيلية" من مصر ٥٢
٧- آلات أشولية من مصر ٥٤
٨- أسلحة موستيرية مصرية "ما قبل السبيلية" ٥٥
٩- أدوات سبيلية ٥٨
١٠- أدوات وأوانٍ فخارية من تاسا ٦٢
١١- أوانٍ وأدوات من البداري ٦٤
١٢- أوانٍ من العمري ٦٦
٣- منظر لما كان عليه مسكن من مرمدة ٦٧
١٤- أدوات وأوانٍ من مرمدة ٦٨
١٥- أدوات وأوانٍ من الفيوم ٧١
١٦- أدوات وأوانٍ من العمرة ٧٥
١٧- أوانٍ وأدوات من جزرة ٧٦
٨- أوانٍ وأدوات من سماينة ٧٨
١٩- أوانٍ من حلوان ب ٧٩
٢٠- أدوات وأوانٍ من المعادي ٨١
стр. 11
الصفحة
٢١- جزء من قائمة سقارة ٩٠
٢٢- جزء من بردية تورين ٩١
٢٣- هرم زوسر المدرج بسقارة وملحقاته ١٠٣
٢٤- الهرم الكاذب "أو المنحنى" في دهشور ١٠٦
٢٥- هرم ميدوم ١٠٧
٢٦- مجموعة منتوحتب الأول الجنزية ١٣٤
٢٧- دمية فخارية دونت عليها نصوص سحرية للقضاء على عدو ١٤٧
٢٨- أوانٍ وأدوات من مرسين ٢٩٨
٢٩- أوانٍ وأدوات من جرمو ٣٣٣
٣٠- أوانٍ من حسونة ٣٣٥
٣١- إناء من الأربجية ٣٣٦
٣٢- أوانٍ فخارية من أريدو ٣٣٨
٣٣- أعمدة مغطاة بالموازييك المخروطي الشكل في أوروك ٣٤٠
٣٤- زاقورات أور ٣٦١
٣٥- آنية سيالك٣ ٣٩٤
٣٦- أختام بها زخارف هندسية الشكل ٣٩٥
стр. 12
الجداول:
الصفحة
١- مخطط تقسيم تاريخ البشر ٢٦
٢- جدول يبين معاصرة الأسرات ٢٢-٢٥ المصرية بعضها للبعض ٢١٦-٢١٧
٣- جدول تاريخي عام ٤١٤-٤٢٣
الخرائط
١- أهم المواقع الأثرية في الشرق الأدنى القديم ٤٨
٢- أهم المواقع الأثرية في مصر ٥٣
٣- الإمبراطورية المصرية في عهد تحتمس الثالث ١٧٠
٤- انتشار الساميين في سورية ٢٧٥
٥- آسيا الصغرى ٢٩٦
٦- أهم المواقع الأثرية في بلاد النهرين ٣٣٠
٧- إيران ٣٨٩
стр. 13
الاختصارات الواردة بالكتاب:
ASA Annales du Service des Antiqnt٦s de I'Egypte, Le Caire, ١٩٠٠ ff.
BIFAO Bulletin de L"nstltut francais d'archeoiogie orientals, Le Caire, ١٩٠١ ff.
Breasted, AR. J. E. Breasted, Ancient Records of Egypt, Historical Documents from the Earliest Times to the Persian conquest (٤ vols. + ١ index) , Chicago, ١٩٠٦-٧.
Chr, d'Eg. Chronique d'Egypte, Bruxelles, ١٩٢٨ ff.
Drioton & Vandier, L'Egypte = E. Drioton and J. Vandier, L'Egypte (Les Peuples de L'Orient Mediterranean II) , (٤e ed) , Paris, ١٩٦٢.
JEA Journal of Egyptian Archaeology, London, ١٩١٤ ff.
Luckenbil! , ARAB, D.D. Luckenbill, Ancient Records of Assyria and Babylonia, (٢ Vols.) Chicago, ١٩٢٦-٧.
Macadam, Kawa, M.F.L. Macadam, The Temples of Kawa, ﴿٢ Vols.) , Oxford, ١٩٤٩, ١٩٥٥.
стр. 14
Mem Inst, Fr. Memoires Publies par, les membres des L.htm'lnstitut Francais d'Archeolegie Orientale, Le Caire, ١٩٠٢ ff.
PSBA proceedings of the Society of Biblical Archaeology. London, ١٨٧٩ ff.
Rec. de Trav. Recueil de Travaux relatifs a la philologie et a I'archelogie egyptienne et assyrienne, Paris, ١٨٧٠ — ١٩٢٣
Sethe, Urkunden (or Urk.) K. Sethe, Urkunden des Aegypti-schen Altertums, Leipzig, ١٩٠٦ — ٩ & ١٩١٣ — ٣٣.
стр. 15
الفصل الأول: منهج التاريخ:
يقدر عمر الأرض بنحو ألفي مليون عام, اصطلح الجيولوجيون على تقسيمه إلى أزمنة أو دهور طويلة, وهذه قسموها بدورها إلى أقسام فرعية١، وقد أخذت الأرض منذ نشأتها تتجه نحو البرودة التدريجية بوجه عام؛ ولكنها تعرضت لذبذبات طويلة الأجل, تناوبت فيها فترات اشتدت برودتها؛ فتقدم غطاء الجليد فيها نحو العروض ذات الحرارة المعتدلة حاليًا, وفترات مال المناخ فيها إلى الدفء نسبيًّا فتراجع الجليد إلى العروض الباردة، وكانت آخر هذه الذبذبات هي تلك
стр. 16
التي حدثت في آخر الأزمنة الجيولوجية, وتعرف لدى الباحثين باسم العصور الجليدية١.
ولم تبدأ الحياة على سطح الأرض منذ نشأتها، وحين بدأت كانت عبارة عن كائنات بسيطة التكوين ثم أخذت الكائنات المعقدة في الظهور، وبعد ذلك وجدت كائنات شبيهة بالإنسان؛ ولكنها كانت أقرب إلى القردة العليا٢, ثم ظهرت كائنات تعد أسلافًا للإنسان الحديث٣؛ إلا أن تلك المخلوقات الشبيهة
стр. 17
بالإنسان، وهذه الأسلاف انقرضت قبل الإنسان الحديث ولا يوجد من الأدلة القاطعة ما يؤكد صلتها به, وقد حاول الباحثون -وما زالوا يحاولون- العثور على ما يعتبرونه الحلقة المفقودة بينها وبين الإنسان؛ ولكن لم يتحقق ذلك حتى الآن "شكل١".
ولا شك في أن تاريخ الإنسان يبدأ منذ اللحظة التي ظهر فيها على سطح الأرض, وأخذ يتفاعل مع بيئته؛ فبدأ في إنتاج مظاهر حضاراته المختلفة وتدرج
شكل "١" تطور الكائنات والعائلة البشرية في العصور الجيولوجية
стр. 18
فيها وبالطبع لم يتوصل إلى ما نشاهده من حضارات راقية إلا بعد آلاف عديدة من السنين، ومن البديهي أنه لم يتدرج في مراحل الرقي بسرعة واحدة في مختلف أنحاء العالم، كذلك لم يمر في منطقة ما بالمراحل الحضارية التي مرت بها المناطق الأخرى, كما أنه لم ينتقل من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى بنفس الترتيب الذي مرت به غيرها, كذلك لم تكن الفترة التي قضاها في إحدى المراحل الحضارية مساوية للفترة التي قضاها في نفس المرحلة في أماكن أخرى.
وقد تدرج الباحثون على تقسيم تاريخ الإنسان على أساس تطوره الحضاري إلى قسمين رئيسيين: القسم الذي سبق معرفته للكتابة والقسم الذي عرف فيه الكتابة، وأطلقوا على الأول اسم "ما قبل التاريخ" وأطلقوا على الثاني اسم "العصر التاريخي" على اعتبار أن الإنسان في هذا القسم من حياته توصل إلى التدوين؛ وبذلك وجد التاريخ، إلا أن تسمية القسم الأول باسم "ما قبل التاريخ" لا تتفق مع ما يعرف من أن تاريخ الإنسان يبدأ منذ لحظة ظهوره على الأرض, ومن الأفضل أن يطلق عليه اسم "عصر ما قبل الكتابة أو التدوين" أو "العصر قبل التاريخي" للتفرقة بينه وبين "العصر التاريخي" أو "عصر الكتابة أو التدوين" ومع كلٍّ فإن اصطلاح "ما قبل التاريخ" أصبح من الشيوع؛ بحيث لا يشك أحد في المقصود به.
ومن الطبيعي -وقد مر الإنسان بمراحل حضارية مختلفة- أن يختلف أسلوب حياته في هذه المراحل، وعلى هذا تعددت تقسيمات الباحثين في تاريخ الإنسان وحضاراته واختلفت وجهات نظرهم في هذا الشأن. على أن أشهر هذه التقسيمات تلك التي قسمت تاريخ الإنسان حسب المادة التي صنع منها أدواته, إلى دورين: "دور استعمال الحجر"، "دور استعمال المعادن" وهذا الأخير ما زلنا نعيش فيه إلى اليوم، وتلك التي تقسمه على أساس اقتصادي إلى مرحلتين:
стр. 19
مرحلة جمع الطعام"، "مرحلة إنتاج الطعام"، وقد نضيف إلى ذلك فنعتبر أول إنتاج للطعام ثورة صناعية يطلق عليها "مرحلة الثورة الصناعية الأولى" لما صاحب هذا الإنتاج من صناعات جديدة كالفخار؛ تمييزًا لها عن النهضة الصناعية التي حدثت في القرن الثامن عشر الميلادي التي يمكن اعتبارها الثورة الصناعية الثانية، وفيها بدأت "حركة التصنيع". ومع كل, فما زال مختلف الباحثين يقسمون تاريخ البشر حسب أسس متباينة وفق اختصاصاتهم والدراسات التي يهتمون بها، وهذه التقسيمات جميعها تهدف إلى تيسير دراسة تاريخ الإنسان والأدوار الحضارية التي مر بها؛ إلا أنه ينبغي أن ندرك أنه لا توجد حدود زمنية فاصلة بين قسم وآخر في كل من هذه التقسيمات التي لا يخلو أي منها من نقائص؛ ولكنها على كل حال تتيح لنا تتبع المراحل التي مر بها الإنسان في تاريخه الطويل، وهي -وإن اختلفت في الأسس التي بنيت عليها- تتفق فيما بينها إلى حد كبير؛ بحيث يمكن مطابقة أحد الأقسام في أي من هذه التقسيمات على مراحل واضحة المعالم في التقسيمات الأخرى؛ إذ من الممكن مثلًا التوفيق بين "مرحلة جمع الطعام" والجزء الأول من "دور استعمال الحجر" الذي يعرف باسم "الدور الحجري القديم", وبين "مرحلة إنتاج الطعام" و"الجزء الأخير من عصر استعمال الحجر" و"دور استخدام المعادن" أي: أنها تبدأ بأوائل الدور الحجري الحديث وتستمر إلى وقتنا الحالي؛ وذلك إذا ما تغاضينا عن فترة الانتقال بين "الدور الحجري القديم" و"الدور الحجري الحديث" وهي التي يطلق عليها اسم "الدور الحجري المتوسط"، وإن كان البعض يجعل "مرحلة إنتاج الطعام" قاصرة على الفترة التي مرت على الإنسان ابتداءً من "الدور الحجري الحديث" إلى بداية " العصر التاريخي".
ويبين المخطط التالي تقسيم تاريخ البشر إلى الأقسام الرئيسية العامة:
وإذا كان في مقدورنا الآن أن نؤرخ الأحداث حسب وقت حدوثها بالنسبة
стр. 20
وإذا كان في مقدورنا الآن أن نؤرخ الأحداث حسب وقت حدوثها بالنسبة لحادث مهم له أثره في الحياة البشرية مثل ميلاد المسيح وهجرة الرسول ﷺ حيث اتخذ كل منهما أساسًا للتأريخ، فإن الأمر لم يكن كذلك في العالم القديم؛ إذ اتخذ سكان بلاد النهرين من كل حادثة مهمة أساسًا يؤرخون به ما حدث في سنتها أو السنوات اللاحقة لحدوثها, وبالطبع اختلفت هذه الأسس باختلاف المدن ثم جعلوا من حكم كل ملك تقويمًا مستقلًّا أو أطلقوا على السنين أسماء كبار رجال الدولة الذين عاشوا فيها واتخذوها أساسا يؤرخون بالنسبة له، أما المصريون القدماء فقد جعلوا من حكم كل فرعون تأريخًا تنسب إليه أحداث عهده.
وقد توصل معظم أهل الحضارات القديمة إلى التوقيت وتقسيم الزمن بصورة أو بأخرى؛ إذ عرف أهل العراق الشهور القمرية وكانوا يضبطون تقويمهم بإضافة بضعة أشهر كل عدة سنوات١, أما المصريون فقد عرفوا السنة على أساس ٣٦٥ يومًا أي بفارق ١/ ٤ يوم في السنة عن تقويمنا الحالي، وعلى هذا لا تكاد تعترض المؤرخ صعوبة في تأريخ الأحداث التي أشارت إليها الوثائق والنصوص القديمة إذا ما أمكن ربطها بعهد ملك من الملوك؛ حيث أصبح في الإمكان تأريخ حكم معظم ملوك الشرق الأدنى القديم وتقدير عمر كل مرحلة تاريخية في أى قطر من الأقطار بتتبع قوائم الملوك الذين حكموا فيه وتسلسلهم ومدة بقاء كل منهم على عرش بلاده إذا ما توفرت لدينا وثائق ونصوص تشير إلى ذلك، أما إذا أردنا تأريخ أحداث ترتبط بحلقات مفقودة في قوائم الملوك وتسلسلهم ووجدت لها آثار لا تعززها وثائق مكتوبة من ذلك القطر؛ فإن المؤرخ يستعين بمعاصرة
стр. 21
تلك الأحداث لأحداث أخرى معروفة التاريخ من أقطار أخرى كما يمكن التوصل إلى تأريخها من إشارات عن حدوث ظاهرات معينة يمكن احتساب تاريخ وقوعها بالاستعانة بعلم الفلك؛ فمثلًا لم يكن من اليسير تحديد تأريخ عهد حمورابي ولكن كان من المعروف أنه عاصر الملك الأشوري "شمشي- أدد الأول" وقد أشار أحد النصوص الأشورية إلى حدوث كسوف للشمس في عهد أحد خلفاء هذا الأخير ويدعى "آشور دان الثالث". وعند تأريخ حدوث هذه الظاهرة فلكيًّا وجد أنها ترجع إلى عام ٧٦٣ ق. م، ومن تتبع قوائم ملوك آشور وتسلسلهم فيما بين "أشور دان الثالث", و"شمشي- أدد الأول" واحتساب مدة حكم كل منهم؛ أمكن تأريخ عهد هذا الملك الأخير وبالتالي أمكن تقدير عهد حمورابي بالفترة ما بين عامي ١٧٢٨، ١٦٧٦ ق. م.
أما في العصور السابقة للكتابة أو في حالة عدم وجود وثائق مكتوبة وعند العثور على مخلفات حضارية لا ترتبط بالعصر التاريخي؛ فيمكن الالتجاء إلى طرق المقارنة والنسبية، وأهم هذه ما يلي:
١- دراسة الطبقات التي توجد بها المخلفات الحضارية وتقدير عمرها جيولوجيًّا؛ وبالتالي يمكن تأريخ الآثار التي توجد في هذه الطبقات، ومن أهم ما يعتمد عليه الجيولوجيون في تقدير عمر الطبقات احتساب معدل الإرساب في حالة الطبقات الرسوبية أو تقدير عمر الحفريات الموجودة في الطبقة المراد تأريخها, ويمكن الاستعانة بعلم النبات القديم وبعلم الحيوان الوصفي، ومن ذلك يمكن أيضًا استنتاج الظروف المناخية التي كانت تسود فترة قيام الحضارات التي تدرس آثارها ومخلفاتها؛ بل ومن الممكن عند وجود آثار مصنوعة من الأشجار تقدير الزمن الذي استغرقته الحضارة التي أنتجت هذه الآثار بدراسة حلقات نمو تلك الأشجار وتقدير عمرها.
٢- دراسة الطرز ومقارنتها "التيبولوجيا" "Typology": من المسلم به
стр. 22
أن تشابه آثار جهة من الجهات مع آثار جهة أخرى يوحي بأن الحضارات المنتجة لها كانت متعاصرة, أما اختلافها فيدل على أن إحداها كانت أسبق من الأخرى؛ وعلى هذا يمكن استنتاج تأريخ آثار مختلف المناطق بالنسبة إلى بعضها البعض, وأن نحدد على أساس ما نشاهده من تطور في صناعة آثار معينة أي الحضارات المنتجة لهذه الآثار كانت أسبق من غيرها, كما يمكن ترتيب الحضارات التي توجد آثارها في منطقة من المناطق على حسب التطور الذي يحدث في طراز وصناعة هذه الآثار، وأول من استعمل هذه الطريقة الأثري الإنجليزي سير فلندرز بتري "Sir Flinders Pertrie"؛ حيث اتخذ من الفخار الذي عثر عليه عند التنقيب على الآثار في منطقة نقادة بجنوب مصر أساسًا لتأريخ هذه الآثار, وذلك بترتب الفخار الذي وجد معها على حسب ما شاهده من تطور في أشكاله وصناعته؛ وبذلك تمكن من ترتيب الحضارات المنتجة لهذه الآثار وتأريخها بالنسبة إلى بعضها البعض.
٣- طريقة الكربون ١٤: ١ هي أحدث طريقة، ولكن لا يمكن إجراؤها إلا على المواد العضوية وخاصة المواد النباتية، وهي مبنية على أساس أن كل مادة عضوية بها كربون ١٤ المشع وكربون ١٢ غير المشع بنسبة ثابتة، ويكتسب النبات كربون ١٤ المشع من تفاعله مع الأشعة الكونية التي بالغلاف الجوي المحيط به وحينما تنتهي حياة النبات يأخذ في فقد كربون ١٤ الموجود به؛ لأنه يتحول بسرعة ثابتة, بهيئة متوالية هندسية إلى كربون ١٢ غير المشع؛ فتنخفض كميته في هذا النبات إلى النصف بعد فترة تقدر بنحو ٥٥٦٨ مع احتمال زيادتها أو نقصها عن ذلك بمقدار ٣٠ سنة، وبعد فترة مماثلة يفقد النصف من النصف الباقي من كميته أي: يصبح كربون ١٤ في النبات ربع كميته الأصلية
стр. 23
وبعد نحو ٣٣٤٠٨ سنة يصبح ١/ ٦٤ من كميته الأصلية وهكذا، وبذلك يمكن تأريخ الآثار التي تدخل في صناعتها مواد عضوية على أساس قياس كمية الكربون ١٤ المتخلفة فيها؛ وبالتالي يمكن تأريخ الحضارات التي أنتجتها.
وقد أدخلت تحسينات متوالية على التأريخ بهذه الطريقة منذ اكتشافها, وأصبح في الإمكان تقدير عمر البقايا التي تعامل بهذه الطريقة حتى ٤٤.٠٠٠ سنة مع احتمال زيادة أو نقص يقدر بنحو ٣٧ سنة فقط.
стр. 24
الفصل الثاني: نشأة الحضارة وتطورها
مدخل
...
الفصل الثاني: نشأة الحضارة وتطورها:
أشرنا إلى أن أقدم السلالات البشرية ظهرت بقاياها في جهات متفرقة من العالم١, وكانت هذه الجهات لا تكاد تختلف في ظروفها الطبيعية أو المناخية بعضها عن البعض الآخر؛ ولذا لم تختلف المراحل الأولى لحياة الإنسان في أي جهة عنها في الجهات الأخرى، ثم أخذت الظروف الجغرافية في التغير كما اختلفت السلالات البشرية عن سابقاتها, وأخذت الجماعات البشرية تتفاعل وبيئاتها التي عاشت فيها وظلت تعمل من أجل بقائها ورفاهيتها, وتطورت أساليب حياتها ومظاهر حضارتها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في وقتنا هذا, وقد سبق أن أوضحنا ما درج عليه الباحثون من تقسيم تاريخ البشر٢؛ حتى أصبح في الإمكان تتبع المراحل الحضارية والتاريخية التى مر بها الإنسان.
ولا شك في أن دراستنا للعصور قبل التاريخية "قبل ظهور الكتابة" تعتمد على دراسة الآثار التي خلفها الإنسان, وما توحي به من مظاهر حضارية, وعلى
стр. 25
ما يتضح فيها من تطور يدل على أن الانسان مر بأدوار حضارية مختلفة قبل دخوله في عصره التاريخي, ويعني هذا بالطبع أن دراسة العصر قبل التاريخي تعد دراسة حضارية في صميمها.
ومن اليسير أن نتصور أن الانسان بدأ حياته؛ إما هاربًا من وجه عدو من الإنسان والحيوان أو مطاردًا لفريسة منهما, وقد استمر كذلك فترة طويلة لم يتوصل فيها إلى شيء من الأسس الحضارية، وكان الكل سواءً في أنهم كرسوا حياتهم لجمع القوت الضروري لطعامهم وأخذوا ببعض قطع ملائمة من الأحجار أو فروع الأشجار يلتقطونها من الطبيعة ويستخدمونها كما هي دون تهذيب في أغراضهم المحدودة لجمع القوت والدفاع عن النفس والصيد. ويميل بعض الباحثين إلى جعل هذه المرحلة من حياة الإنسان مرحلة حضارية قائمة بذاتها, ويطلقون عليها اسم "فجر الدور الحجري" أو "العصر الأيوليثي"؛ ولكن غالبية العلماء لا يرون مبررًا لذلك بل يدمجون هذه المرحلة من حياة الإنسان في أولى مراحل العصر الحجري. ومن مخطط تقسيم البشر "ص٢٦ أعلاه" يتبين لنا أن عصر استعمال الحجر ينقسم إلى دورين رئيسيين: "الدور الحجري القديم" و"الدور الحجري الحديث" وقد يكون بينهما "دور حجري متوسط"؛ ولكن كثيرًا ما لا يعثر على آثار لهذا الدور في جهات مختلفة من العالم. وينقسم "الدور الحجري القديم" بدوره إلى ثلاثة أقسام حسب الترتيب الطبيعي للطبقات التي عثر على آثاره المتباينة فيها، وهذه الأقسام هي: الدور الحجري القديم الأسفل, والدور الحجري القديم الأوسط, والدور الحجري القديم الأعلى.
وقد ظل الإنسان ينعم بمناخ ملائم تتشابه ظروفه في أنحاء العالم التي عاش فيها أثناء الدور الحجري القديم الأسفل؛ حيث يرجح أنه يتفق وفترة تراجع الجليد الثانية التي حدثت بين عصر تقدم الجليد الثاني "مندل Mindel" وعصر الجليد الثالث "رس Riss"؛ ولذا تشابهت الحضارات خلاله، وفي الدور الحجري القديم الأوسط انقسم العالم القديم إلى قسمين كبيرين: أوراسي وإفريقي
стр. 26
إذا أخذت الظروف المناخية تتغير لتقدم الجليد خلال عصر الجليد الثالث إلى العروض الوسطى؛ واختلفت تبعًا لذلك مظاهر الحضارة في كل منهما, واستمر الحال كذلك طول عصر الجليد الثالث وفترة الانحسار التي تلته وعصر الجليد الرابع "فرم Wurm". وازدادت الاختلافات المناخية بعد هذا العصر الأخير؛ حيث تراجع الجليد فكانت لكل إقليم ظروفه الخاصة وتباينت تبعًا لذلك الحضارات التي سادت خلال الدور الحجري القديم الأعلى. ثم أخذ الجفاف يتزايد في العروض الوسطى والمدارية؛ فاشتد تباين الظروف الطبيعية حتى تميزت البيئات المحلية بعضها عن بعض, وأصبحت لكل منها ظروفها الخاصة في العصور التالية؛ ولذا فإن ما يشاهد من مظاهر حضارية في بيئة ما لا يمكن العثور على نظائر لها في بيئات أخرى إلا إذا تشابهت الظروف أو عند انتقال هذه المظاهر من بيئاتها الأصلية إلى تلك البيئات، وعلى ذلك فمن المستحسن أن تدرس الحضارات البشرية ابتداءً من ذلك الدور في كل بيئة على حدة.
ولما كانت المراحل الأولى لحياة البشر لا تكاد تختلف في جهة من العالم عنها في الجهات الأخرى كما أشرنا١؛ فقد اشتركت أقدم الحضارات الإنسانية في مظاهرها الرئيسية في الجزء الأكبر من العصر الحجري القديم أي: إن العالم القديم سادته في أنحائه المعمورة مظاهر حضارية متشابهة خلال الدورين الحجري القديم الأسفل والحجري القديم الأوسط، ولم يبدأ الاختلاف الحضاري إلا في الدور الحجري القديم الأعلى تقريبًا.
ويمكن تلخيص المظاهر الحضارية التي سادت خلال الدورين: الحجري القديم الأسفل, والحجري القديم الأوسط على النحو التالي:
стр. 27
أولاً في الدور الحجري القديم الأسفل
مدخل
...
أولًا: في الدور الحجري القديم الأسفل:
سادت خلال هذا الدور حضارتان هما: الأبفيلية والأشولية على التوالي:
стр. 28
أ- الحضارة الأبفيلية: ١
هي على العموم أقدم الحضارات الإنسانية، وكانت تسمى قبل ذلك بالحضارة الشيلية نسبةً إلى بلدة "Chelles" على نهر المارن؛ ولكن نظرًا لأن الموقع الشيلي وجدت به آلات خليطة من الحضارتين الشيلية والأشولية فقد تركت هذه التسمية واستعيض عنها باسم الأبفيلية؛ حيث تمثل حضارة الموقع "أبفيل" الذي وجدت به أقدم حضارة قبل الأشولية، وفي أثنائها أخذ الإنسان يحاول الإفادة بما يلتقطه من قطع حجرية وفروع أشجار في الدفاع عن نفسه وفي الصيد وجمع القوت، وقد أخذ يهذب القطع الحجرية كي تصبح مناسبة لقبضة اليد ولتصبح ذات حافة حادة في نفس الوقت؛ فكان يتخذ كتلة كروية من الحجر الصلب بمثابة مطرقة يهذب بها قطعة صوانية يريد تهذيبها؛ ويبدأ بطرق حافات هذه القطعة الصوانية من أحد وجهيها بعناية ثم يقلبها على الوجه الآخر ويطرقها على النحو السابق؛ بحيث تصبح كمثرية الشكل, ويكون حوالي ثلثي محيط القطعة حادًّا كالمبراة؛ بينما يبقى الثلث الباقي بقشرته الأصلية دون تهذيب وذا شكل مستدير في الغالب؛ لكي تتمكن اليد من القبض عليه، وقد عرفت هذه الآلة باسم الفأس اليدوية "Hand Axe" "Conp de poing" "شكل ٢" ومن هذا يتضح أن الآلة كانت تتخذ من النواة نفسها.
стр. 29
ومن المحتمل أن المكاشط "Serapers" وجدت في هذه الحضارة إلى جانب الفئوس اليدوية, وهذه كانت عبارة عن قطع من الصوان تمتاز بحافة حادة مستقيمة, وكانت تستخدم في قطع اللحم وكشط الجلد، وربما وجد الإنسان نفسه في أواخر هذه الفترة في حاجة إلى ثقب الجلد؛ فجعل بعض فئوسه اليدوية تدق وتستطيل بحيث أصبحت مثقابًا "borer".
وعلى العموم لا نجد تنوعًا كبيرًا في شكل الآلات إذا كانت مطالب الإنسان
شكل "٢" فأس يدوية أبفيلية "شيلية"
قليلة وكان يستعمل الآلة الواحدة في عدد من أغراضه؛ إلا أنه كان لا بد من أن يستعمل عددًا كبيرًا من هذه الآلات؛ لأنه كثيرًا ما كان يضطر إلى إلقائها على عدوه أو على فريسته.
стр. 30
وقد عاش الإنسان في هذه الفترة في العراء صيادًا متجولًا ينتقل من مكان لآخر؛ إذ كان المناخ دافئًا فلم يلجأ إلى الكهوف إلا حيث يشتد البرد، وكانت قدرته على التفكير محدودة؛ لأنه كان من تلك الأجناس قريبة الشبه بالقردة العليا, ولم يعثر على آثار له إلا في أماكن قليلة من العالم، وربما كان ذلك لقلة أعداده نسبيًّا، ومن المرجح أنه وصل في هذا الدور إلى أوروبا قادما من شمال إفريقية عن طريق جبل طارق ويستدل على ذلك من أن آثاره لم تكتشف في وسط أوروبا وشرقها ولم توجد إلا محطة شيلية واحدة في شمال إيطاليا, أما معظم آثاره فقد وجدت في غرب أوروبا وأسبانيا.
стр. 31
ب- الحضارة الأشولية:
لا نكاد نجد فارقا كبيرا بين هذه الحضارة وسابقاتها، فقد ظل الإنسان يستعمل الفأس اليدوية ولكنها كانت أكثر إتقانًا من الفأس الشيلية وأصغر منها حجمًا, إذ إن الإنسان الأشولي لم يكتفِ بتهذيب حافة الآلة بل كان يهذب سطحها كله تاركًا أقل مساحة ممكنة من القشرة الأصلية في أسفل الأداة؛ لكي يجعل شكلها متناسقًا "شكل ٣". ولم يكتف باستعمال الفأس اليدوية المأخوذة من النواة وحدها بل بدأ يستغل كذلك بعض الشظايا فاتخذ منها بعض أدواته، كما استعمل بعض الآلات الخشبية والعظمية وكثر عدد المكاشط والمثاقيب التى استخدمها.
شكل "٣" فئوس يدوية أشولية
стр. 32
ويبدو أن المناخ ظل على حالته السابقة من الدفء وكثرة التساقط؛ ولكنه أخذ بعد ذلك في البرودة والجفاف؛ ولذا نجد أن آلات الإنسان التي عثر عليها من ذلك العصر كانت مختلطة أحيانًا ببقايا حيوانات من التي تعيش في أجواء دفيئة, وفي أحيان أخرى كانت مختلطة ببقايا حيوانات من ذات الفراء، ولكن مع ذلك لم يكن المناخ عمومًا من القسوة؛ بحيث يضطر الإنسان الالتجاء إلى الكهوف؛ ولذا ظل يعيش في العراء صيادًا وكان يفضل القرب من مجاري المياه بدليل وجود معظم آثاره عندها، وربما كان اشتداد البرودة أحيانًا هو الذي أدى به إلى اختراع النار واستعمالها؛ فقد وجدت بين أدواته مخلفات المواقد ولكنها كانت قليلة.
ويرى البعض تسمية صناعات هذه الحضارة بأسماء مختلفة على حسب الأماكن التي عثر فيها على مخلفاتها في بعض جهات أوروبا نظرًا لوجود اختلافات طفيفة فيها١ ولكنها على العموم لا تخرج عن كونها صناعات أشولية.
وقد ظلت السلالات البشرية البدائية تعيش خلال هذه الفترة ويمثلها في أوروبا إنسان هيدلبرج وفي إفريقيا إنسان روديسيا، أما في الشرق فلم يوجد من البقايا العظمية ما يبين نوع إنسان هذا العصر بصفة مؤكدة وإن كان من المرجح أنه من السلالات التي تعد سلفًا للإنسان الحديث وإليها تنسب بقايا عظمية وجدت في فلسطين "في جبل الكرمل"٢ وفي بلاد النهرين "في كهف
стр. 33
شاندر"١ وفي السودان "في سد نجا"٢؛ ولكن هذه كلها ما زالت في حاجة إلى المزيد من الدراسة.
стр. 34
ثانيًا: في الدور الحجري القديم الأوسط:
الحضارة الموستيرية:
تتميز هذه الحضارة عن سابقاتها بأن معظم أدواتها من الشظايا, وهذه كانت تشكل على كتلة من الصخر ثم تفصل عنها بطرقة واحدة، وبعد ذلك تهذب حافتها كي تكون أداة فعالة، ولا يوجد في هذه الحضارة إلا أدوات قليلة من النواة "شكل٤". وقد تعددت أشكال الشظايا الموستيرية وبدأت تظهر فيها المكاشط الجانبية التي شظيت من أحد جانبيها فقط, ورءوس الحراب؛ مما أدى إلى تضاؤل شأن الفأس اليدوية، ونظرًا لاشتداد البرودة فإن الإنسان لجأ إلى الكهوف في أوروبا، وربما اضطرته هذه الظروف إلى التكدس فيها؛ فأتاحت له هذه الحياة الجماعية فرصة لرقيه الاجتماعي وتقدمه في التفكير, وفرضت عليه قسوة المناخ مطالب جديدة كصنع الملابس من الجلود اتقاءَ البرد.
شكل "٤" آلة موستيرية
стр. 35
ويُستدل من البقايا البشرية التي عثر عليها في جهات كثيرة من غرب أوروبا على أن إنسان هذا العصر كان وما زال من السلالات التي تنتمي إلى إنسان نياندرثال، ويعتقد البعض أن أعدادًا كبيرة منه هاجرت إلى أفريقيا -لاشتداد البرد- عن طريق جبل طارق ومالطة وصقلية، وانتشر هذا الإنسان إلى وادي النيل أيضًا١؛ ولكن مع هذا يبدو أنه قد انقرض تمامًا بعد هذا العصر وظهر الإنسان الحديث "أى: الإنسان العاقل Homo Sapiens" في العصر التالي أي: في العصر الحجري القديم الأعلى، ومنذ ذلك الحين أخذت الحضارة الإنسانية في التطور والتشعب إلى وقتنا هذا.
стр. 36
بدء الاختلاف الحضاري:
أخذت ملكات الإنسان العقلية والفنية تنمو ابتداءً من أواخر الدور الحجري القديم؛ ولكنه ظل كغيره من الكائنات التي عاشت معه يعتمد كلية على ما تجود به الطبيعة من مأوى ولباس وطعام، ونظرًا لأنه كان لا يضمن الحصول عليها بصفة دائمة فقد ظل في حركة دائبة وكان كل ما يقتنيه وما يمتلكه عائقًَا له, ولا يستثنى من ذلك ابناؤه؛ إذ لا شك في أنه كان يحدد من يتبعه منهم؛ ولذا فإن أهم تغيير طرأ على الإنسانية بدأ عندما أخذ الإنسان يتحكم في بيئته الطبيعية، وبعد أن تمكن من الاستقرار فيها حيث أصبح في الإمكان اقتناء الكثير من الأشياء والمنشآت وأصبحت الآثار الثابتة تستحق التجديد في البناء, وأمكن للأطفال أن يعيشوا في الأماكن التي يعيش فيها آباؤهم ويرثونهم ولا يحول حائل دون زيادة عددهم.
ومن العلامات المميزة لأولى مراحل الاقتصاد الزراعي: إقامة القرى المستقرة
стр. 37
كما أن فكرتي بذر البذور بقصد إنتاج المحاصيل وتربية صغار الحيوانات التي من أصل بري لا بد وأنهما تحققتا في أوقات مختلفة في الأماكن المختلفة خلال التاريخ، ويرجح كثير من الباحثين أن المشاريع والاكتشافات التي أدت إلى جعل الزراعة موردًا لمعيشة جماعة قروية مستقرة تعتمد عليها اعتمادًا كليًا قد نشأت في منطقة معينة من العالم القديم ومن ثم انتقلت هذه الأفكار الجديدة وهي بذر البذور الصالحة للزراعة والحيوانات الداجنة إلى مناطق أخرى١ عن طريق الاقتباس وانتقال الثقافة وعن طريق التحركات البشرية, وما زال الباحثون يحاولون التعرف على هذه المنطقة؛ ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى رأي قاطع فيما يختص بذلك, وربما كانت هذه الاكتشافات قد أخذت في الظهور في جهات مختلفة, وفي وقت واحد أو أوقات متقاربة.
ويبدو أن هذه الثورة الجديدة التي تعرف باسم ثورة الدور الحجري الحديث قد استمرت فترة طويلة، كما أنها لم تصل من موطنها أو مواطنها إلى الأماكن البعيدة في غرب أوروبا وفي شرق آسيا؛ إلا بعد فترة تقرب من ثلاثة أو أربعة آلاف سنة. والواقع أن غرب أوروبا شهد عصر البرونز ونشأة المدن الصغيرة قبل أن تصل إليه هذه الأفكار الجديدة، ولا يقصد بهذا الدور فترة زمنية محددة تقع بين تواريخ ثابتة؛ وإنما يقصد به الفترة التي تقع بين الوقت الذي كان الأفراد فيه يعتمدون على حياة الصيد والوقت الذي بدأ فيه اقتصاد يقوم على استخدام كامل للمعادن, أي: إنه يدل على الفترة التي نشأت فيها الزراعة وانتشرت ببطء في كثير من جهات أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا.
واقتصاد الدور الحجري الحديث يعتمد بصفة عامة على زراعة مختلطة بالرعي؛ فأقدم المواقع الأثرية التي عثر عليها من هذا العصر كانت تعتمد على كل من استئناس الحيوان وزراعة الحبوب ولم يعثر على موقع يستدل منه على
стр. 38
وجود أيهما مستقلًّا عن الآخر, أو أن أهل هذا الموقع اعتمدوا في حياتهم على أحدهما فقط. ومع أن الجماعات التي تعتمد على الرعي وحده تنتشر في العالم الآن؛ إلا أنه لا شك في أن حياة الرعي لم تستقر كنظام يتبع إلا في فترة متأخرة نسبيًّا، أي: بعد مرور بضعة آلاف من السنين على وجود أول مجتمع اعتمد في حياته على الزراعة المختلطة بالرعي.
ومع أن ممارسة الزراعة والمعيشة في قرى مستقرة تعد أولى علامات ثورة الدور الحجري الحديث إلا أن مظاهر حضارية أخرى غالبًا ما تشترك معها ولا بد من الإشارة إليها كمميزات عامة لحضارة الدور الحجري الحديث، ومن هذه: الفئوس المصقولة المصنوعة من الصخور النارية أو الصوان والمنجل المستقيم أحيانًا؛ على أن صناعة الفخار والنسيج سرعان ما برزت أهميتها، وأصبحت أهم ما أوجدته حضارة الدور الحجري الحديث؛ ولكنها مع ذلك من المميزات الثانوية التي تعد من مقتضيات حياة الزراعة بما فيها من جديد.
وكان لا بد لإنسان الدور الحجري الحديث بعد أن يبذر بذوره من أن تتعلق آماله بما تجود به الطبيعة؛ ولذا كان من السهل أن يعتقد أن الأرض ما هي إلا إلهة للخصب والنماء، وتطلع إلى ما حوله من كائنات بحثًا عمن يحاكي هذه الأرض الطيبة؛ فلم يجد خيرًا من الأم الرءوم تحنو على أبنائها، وهكذا شبه الأرض بالأم وتعبد إليها؛ حيث رمز إليها بتماثيل في هيئة آدمية على شكل امرأة في غالب الأحيان, أو في هيئة الحمام أحيانًا١.
وبالطبع لم يقف التطور الحضاري عند الدور الحجري الحديث؛ بل أخذ الإنسان ابتداء من هذا الدور يسرع الخطا نسبيًّا في تطوره الحضاري؛ لأن حياة الزراعة هيأت للإنسان الطمأنينة والأمن أكثر من ذي قبل, إذ كفلت له الرزق
стр. 39
بصورة أكثر دوامًا وانتظامًا؛ فأتاح له ذلك فرصة التأمل والتفكير والترقي, وهكذا انتقل الإنسان إلى دور بدء استخدام المعادن ثم إلى الدور الكتابي أو العصر التاريخي.
стр. 40
التطور الحضاري والشرق الأدنى:
من العسير تحديد مكان وزمان نشأة القرى المستقرة التي اعتمدت في حياتها على الزراعة واستئناس الحيوان "أى: ثورة الدور الحجري الحديث" التي تعد الجذور الأولى التي اعتمدت عليها الحضارات الإنسانية في تطورها إلى وقتنا الحاضر؛ وذلك لأن هذه النشأة كانت حقيرة غير واضحة المعالم، كما يتعذر تحديد موطنها الأصلي بدقة تامة؛ لأن أفكارًا مثل بذر البذور وتربية الحيوان يمكن انتشارها بسهولة ويسر إلى درجة يصعب معها تحديد مصدرها؛ إذ إنها في الواقع أيسر انتشارًا من انتشار المظاهر الحضارية الأخرى وخاصة المادية منها, مثل الأخذ باستخدام نوع من الآلات أو تغيير الأدوات المألوفة فسرعان ما تتقبل الشعوب -وإن اختلفت تقاليدها- ثورة مثل هذه "ثورة الدور الحجري الحديث" إذا ما كانت البيئة التي تعيش فيها ملائمة والمناخ مناسبًا، ويصبح من اليسير عليها أن تكيف حضارتها تبعًا لذلك.
وعلى هذا فقد اختلف الباحثون في أي الأماكن تعد أقدم مراكز الزراعة المصحوبة باستئناس الحيوان، ومنهم من ذهب إلى أنها الحبشة، ومنهم من رأى أنها جنوب غربي آسيا، وتحمست غالبيتها لهذا الرأي الأخير؛ حيث اكتشفت في هذه المنطقة آثار أنواع برية من النباتات والحيوانات التي تعد أسلافًا للحبوب والحيوانات التي تعيش فيها الآن؛ بينما لم يعثر في أفريقيا على ما يناظر هذه الأنواع البرية؛ غير أن العثور على هذه الآثار في منطقة دون غيرها لا يكفي لحل المشكلة؛ إذ إن الأبحاث الأثرية ما زالت غير كافية في كثير من بقاع العالم بصفة عامة.